Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
باب ١٧ / ح ٢٥٥٢
كتاب العتق
وأحمد (١٦٣٠٧) والمصنَّفُ في ((الأدب المفرَد)) (٢١١) من حديث عبد الله بن الشِّخّير عن
النبيِ وَ * قال: ((السَّيِّدُ اللهُ).
وقال الخطّابي: إنَّما أطلقَه لأنَّ مَرجِعَ السّيادة إلى معنى الرّياسة على مَن تحت يَده
والسّياسة له، وحُسنُ التَّدبير لأمره، ولذلك سُمّي الزَّوج سيِّداً، قال: وأمَّا المولى فكثير
التَّصَرُّف في الوجوه المختلفة من وليّ وناصرٍ وغير ذلك، ولكن لا يقال: السَّيِّد ولا المولى
على الإطلاق من غیر إضافة، إلّا في صِفة الله تعالى، انتهى.
وفي الحديث جواز إطلاق مولايَ أيضاً، وأمَّا ما أخرجه مسلم (٢٢٤٩/ ١٤)
والنَّسائي (ك١٠٠٠٠) من طريق الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في هذا الحديث
نحوه وزاد: ((ولا يقل أحدكُم مولايَ، فإنَّ مولاكُم الله، ولكن ليقُل: سيِّدِي)) فقد بَيَّنَ
مسلم الاختلاف في ذلك على الأعمش، وأنَّ منهم مَن ذكر هذه الزّيادة ومنهم مَن حَذْفَها،
وقال عِيَاض: حذفُها أصحّ. وقال القُرطُبي: المشهور حذفُها، قال: وإنَّما صِرنا إلى التَّرجيح
للتَّعارُضِ مع تَعذّرِ الجمع وعَدَم العلم بالتاریخِ. انتهى.
ومُقتَضى ظاهر هذه الزّيادة أنَّ إطلاق السَّيِّد أسهلُ من إطلاق المولى، وهو خلاف
المتعارَف، فإنَّ المولى يُطلَقُ على أوجُهِ مُتعدِّدةٍ، منها الأسفَل والأعلى، والسَّيِّد لا يُطلَقُ إلَّا
على الأعلى، فكان إطلاق المولى أسهلَ وأقرَب إلى عَدَم الكراهة، والله أعلم.
وقد رواه محمد بن سيرينَ عن أبي هريرة فلم يَتَعرَّض للفظ المولى إثباتاً ولا نفياً، أخرجه
أبو داود (٤٩٧٥) والنَّسائي (ك١٠٠٠١) والمصنَّف في «الأدبِ المفرَدِ» (٢١٠) بلفظ: ((لا
يقولَنَّ أحدُكُم: عبدي ولا أمَتي، ولا يقل المملوك: رَبّ ورَبَّتي، ولكن ليقُل المالك: فتايَ
وفَتاتي، والمملوك: سيِّدي وسَيِّدَتي، فإنَّكُم المملوكون والرَّبُّ الله تعالى)).
ويُحْتَمَلُ أن يكون المراد النَّهيَ عن الإطلاق كما تقدَّم من كلام الخطَّابي، ويؤيِّد كلامه
حديث ابن الشِّخّير المذكور، والله أعلم، وعن مالك: تخصيص الكراهة بالنِّداء، فيُكرَه أن
يقولَ: يا سيِّدي، ولا يُكرَه في غير النِّداء.

١٦٢
باب ١٧ / ح ٢٥٥٣ -٢٥٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ولا يَقُل أحدُكُم: عبدي، أمَتي)) زاد المصنِّف في ((الأدب المفرد)) (٢٠٩) ومسلم
(١٣/٢٢٤٩) من طريق العَلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: ((كلُّكُم عَبيد الله وكلّ
نِسائكُمْ إماءُ الله)) ونحو ما قَدَّمته من رواية ابن سيرينَ، فأرشَدَ وَّةِ إلى العِلَّة في ذلك؛ لأَنَّ
حَقيقة العُبودية إنَّما يَستَحِقُّها الله تعالى، ولأنَّ فيها تَعظيماً لا يَليقُ بالمخلوق استعماله لنفسِه.
قال الخطَّبي: المعنى في ذلك كلّه راجع إلى البراءة من الكِبر والتِزام الذُّلّ والخُضوع لله
عزَّ وجلَّ، وهو الذي يليقُ بالمربوب.
قوله: ((ولْيَقُل: فتايَ وفَتاتي وغلامي)) زاد مسلم في الرِّواية المذكورة: ((وجاريتي)) فأرشد ◌َّه
إلى ما يُؤَدّي المعنى مع السَّلامة من التَّعاظُم؛ لأَنَّ لفظ الفَتى والغلام ليس دالًا على مَحَض
المِلك كَدلالة العبد، فقد كَثُرَ استعمالُ الفَتى في الحُرّ، وکذلك الغلام والجارية.
قال النَّوَوي: المراد بالنَّهي مَن استعمله على جِهَة التَّعاظُم، لا مَن أراد التَّعريف. انتهى،
ومَحَّه ما إذا لم يَحَصُل التَّعريف بدون ذلك استعمالاً للأدب في اللَّفظ، كما دَلَّ عليه الحديث.
٢٥٥٣ - حذَّثني أبو النُّعْمانِ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((مَن أَعتَقَ نَصِيباً له مِن العبدِ، فكان له مِن المال ما يَبلُغُ قِيمَتَه قُوِّمَ
عليه قِيمةَ عَدْلٍ وأُعتِقَ من ماله، وإلا فقد أُعِقَ منه ما عَتَقَ)).
٢٥٥٤ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله ﴾، أنَّ
رسولَ الله وَ﴿ قال: ((كلُّكم راع فمسؤولٌ عن رَعِيَّه، فالأميرُ الَّذي على النّاسِ راعٍ وهو
مسؤولٌ عنهُم، والرَّجلُ راعٍ على أهلِ بيتِه وهو مسؤولٌ عنهُم، والمرأة راعيةٌ على بيتٍ بَعْلِها
ووَلَدِه وهي مسؤولةٌ عنهم، والعبدُ راعٍ على مال سيِّدِه وهو مسؤولٌ عنه، ألّا فكلُّكم راع،
وكلُّكم مسؤولٌ عن رَعِيَّتِه)).
الحديث الرابع: حديث ابن عمر: ((مَن أعتَقَ نصيباً له من عبد)».
وقد تقدَّم شرحُه قريباً (٢٥٢١)، والمراد منه إطلاق لفظ العبد، وكأنَّ مُناسَبتَه للترجمة
من جِهَة أنَّه لو لم يَحِكُم عليه بعِتق كلّه إذا كان موسِراً، لكان بذلك مُتَطاوِلاً عليه.

١٦٣
باب ١٨ / ح ٢٥٥٥ -٢٥٥٧
كتاب العتق
الخامس: حدیثه: ((کلّگُم راعٍ».
سيأتي الكلام عليه في أوَّل الأحكام (٧١٣٨).
والغَرَض منه هنا قوله: ((والعبد راع على مال سيِّدِه))، فإنَّه إن كان ناصحاً له في خِدمَتِهِ
مُؤَدّياً له الأمانة، ناسَبَ أن يُعينَه ولا يتعاظم عليه.
الحديث السادس والسابع: حديث أبي هريرة وزيد بن خالد: ((إذا زَنَت الأمة فاجلِدوها».
٢٥٥٥، ٢٥٥٦- حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، حدَّثني عُبِيدُ الله،
سمعتُ أبا هريرةَ ◌ُّ وزيدَ بنَ خالٍ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((إذا زَنَتِ الأَمَّةُ فاجْلِدُوها، ثمَّ إذا
زَنَت فاجْلِدُوها، ثمَّ إذا زَنَت فاجْلِدُوها» في الثّالثةِ أو الرّابعةِ: ((بیعُوها ولو بضَفِیرٍ)).
وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب الحدود (٦٨٣٧ و٦٨٣٨) إن شاء الله تعالى.
والغَرَض منه هنا ذِكر الأَمة، وأنَّا إذا عَصَت تُؤَدَّب، فإن لم تنجَعْ وإلَّا بيعَت،/ وكلّ ١٨١/٥
ذلك مُبَايِن للتَّعاظُمِ عليها.
١٨ - باب إذا أَتَى أَحَدَكُمْ خادِمُه بطعامه
٢٥٥٧- حذَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثْنَا شُعْبُ، قال: أخبرني محمَّدُ بنُ زِیادٍ: سمعتُ أبا
هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَِّ: ((إذا أتى أحدَكُم خادِمُه بطعامِه، فإن لم يُجْلِسْه معه فليُناوِلْه لُقْمةً أو
لُقْمَتَيْنِ، أو أُكْلَةً أو أُكْلِتَينِ، فإنَّه ولِيَ عِلاجَه)).
[طرفه في: ٥٤٦٠]
قوله: ((باب إذا أتى أحدَكُم خادِمُه بطعامِهِ)) أي: فليُجلِسْه معه ليأكُل.
قوله: «أخبرني محمد بن زياد» هو الجُمَحيّ.
قوله: ((إذا أتى أحدَكُم خادِمُه بطعامه فإن لم يُجلِسْه معه فلْيُناوِلْه لُقْمَةً)) هكذا أورَدَه،
ويُفهم منه إباحة ترك إجلاسه معه، وسيأتي البحث في ذلك في کتاب الأطعمة (٥٤٦٠) إن
شاء الله تعالى.

١٦٤
باب ١٩/ ح ٢٥٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((أُكلة)) بضمٍّ أوَّله، أي: لُقمة، والشَّكّ فيه من شعبة كما سأُبيِّنه.
وقوله: ((وليَ عِلاجَه)) زاد في الأطعمة: «وحَرَّه)).
واستُدِلَّ به على أنَّ قوله في حديث أبي ذرِّ الماضي: ((فأطعِموهم ممَّا تَطعَمونَ» ليس على
الوجوب.
١٩ - بابٌ العبدُ راعٍ في مال سيده، ونَسَبَ النبيُّ ◌َ ◌ّهِ المالَ إلى السَّيِّد
٢٥٥٨ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله،
عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّه سمعَ رسولَ اللهَ يقول: ((كلُّكُم راع ومسْؤُولٌ عن
رَعِيَّتِه: فالإمامُ راعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِه، والرجلُ في أهلِه راعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمرأةُ
في بيتٍ زوجِها راعيةٌ وهيَ مَسؤولةٌ عن رَعِيَّيِّها، والخادِمُ في مال سَيِّدِه راعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن
رَعِيَّتِهِ)) قال: فسمعتُ هُؤُلاءِ مِن النبيِّ ◌َِّ، وأحسِبُ النبيَّ ◌َلِّ قال: ((والرجلُ في مالِ أبيه راعٍ
ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فكلُّكُم راعٍ وكلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ)).
قوله: ((بابٌّ العبد راعٍ في مال سَيِِّهِ)) أي: ويَلزَمُه حِفظُه، ولا يعملُ إلَّا بإِذنِه.
قوله: ((ونَسَبَ وَِّ المال إلى السَّيِّد)) كأنَّه يشيرُ بذلك إلى حديث ابن عمر: ((مَن باع عبداً
وله مال، فماله للسَّيِّدِ)) وقد تقدَّمت الإشارة إليه في ((باب مَن باع نخلاً قد أُبِرَت)) من كتاب
البيوع (٢٢٠٣) وفي كتاب الشِّرب (٢٣٧٩)، وكلام ابن بَطَّال يشيرُ إلى أنَّ ذلك مُستَفادٌ من
قوله: «العبدُ راعٍ في مال سيِّده))، فإنَّه قال في شرح حديث الباب: فيه حُجَّة لمن قال: إنَّ
العبد لا يملك.
وتَعَقَّبَه ابن المنیِّر بأنَّه لا يَلزَمُ من گونه راعیاً في مال سيِّده أن لا يكون هو له مال، فإن
قيل: فاشتغاله برعاية مال سيِّده يَستَوعِبُ أحوالَه، فالجواب: أنَّ المطلَقَ لا يفيدُ العُمومَ،
ولا سيما إذا سيقَ لغير قَصدِ العُموم، وحديث الباب إنَّما سيقَ للتَّحذير من الخيانة
والتَّخويف بكَونِهِ مسؤولاً ومحاسَباً، فلا تَعلُّقَ له بكَونِهِ يَملِكُ أو لا يَملِكُ. انتهى، وقد
تقدَّم الكلام على مسألة كَونه هل يَملِكُ قبلَ ستَّة أبواب.

١٦٥
باب ٢٠ / ح ٢٥٥٩
كتاب العتق
قوله: ((والمرأة في بيت زوجها راعية)) إِنَّمَا قَيَّدَ بالبيت؛ لأنَّها لا تَصِلُ إلى ما سواه غالباً/ ١٨١/٥
إلَّا بإذنٍ خاصٍّ، وسيأتي بسط القول في ذلك في أوائل كتاب الأحكام (٧١٣٨) إن شاء الله
تعالی.
٢٠ - بابٌ إذا ضَرَبَ العبدَ فليَجتَبِ الوجة
٢٥٥٩ - حذَّثني محمَّدُ بنُ عُبيد الله، حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ.
قال: وأخبرني ابنُ فلانٍ، عن سعيد المقبريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َّ.
وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّام، عن أبي هريرةَ ◌َ﴾،
عن النبيِّ وَّةٍ قال: ((إذا قاتَلَ أحدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ)).
قوله: ((باب إذا ضَرَبَ العبدَ فَلْيَجْتَنِب الوجه)) العبدَ بالنَّصبِ على المفعولية، والفاعِل
محذوف للعلم به، وذِكر العبد ليس قَيداً، بل هو من جُملة الأفراد الدّاخلينَ في ذلك، وإنَّما
خُصَّ بالذِّكر؛ لأَنَّ المقصود هنا بيان حكم الرَّقيق، كذا قَرَّرَه بعض الشُّرّاح، وأظنُّ المصنِّف
أشار إلى ما أخرجه في ((الأدب المفرَد)) (١٧٤) من طريق محمد بن عَجْلان، أخبرني سعيد،
عن أبي هريرة، فذكر الحديث بلفظ: ((إذا ضَرَبَ أحدُكُم خادمَه)).
قوله في الإسناد: ((حدَّثني محمد بن عُبيد الله)) هو أبو ثابت المدني؛ ورجال الإسناد كلّهم
مدنيُّونَ، وكأنَّ أبا ثابت تفرّد به عن ابن وَهْب، فإنّي لم أرَه في شيءٍ من المصَنَّفات إلّا من
طريقه.
قوله: ((قال: وأخبرني ابن فلان)» قائل ذلك: هو أبو ثابت، فهو موصول وليس بمُعلَّقٍ،
وفاعِل ((قال)) هو ابن وَهْب، وكأنَّه سمِعَه من لفظ مالك وبالقراءة على الآخر. وكان ابن
وَهْب حريصاً على تَمييز ذلك.
وأمَّا ((ابن فلان)) فقال المِزّي: يقال: هو ابن سِمْعان، يعني: عبدَ الله بن زياد بن
سليمان بن سِمْعان المدني، وهو يُوهِم تضعيفَ ذلك، وليس كذلك، فقد جَزَم بذلك

١٦٦
باب ٢٠ / ح ٢٥٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
أبو نَصر الكلاباذي وغيره، وقاله قبله بعض القدماء أيضاً؛ فوقع في رواية أبي ذرِّ الهَرَوي
في روايته عن المُستَمْلي: قال أبو حرب: الذي قال: ((ابن فلان)) هو ابن وَهْب، وابن
فلان: هو ابن سِمْعان.
قلت: وأبو حرب هذا: هو بيان، وقد أخرجه الدّارَقُطني في ((غرائب مالك)) من طريق
عبد الرحمن بن خِرَاش - بكسر المعجَمة - عن البخاري: ((قال: حدَّثنا أبو ثابت محمد بن
عُبيد الله المدني)) فذكر الحديث لكن قال بدل قوله: ((ابن فلان)): ابن سمعان، فكأنَّ
البخاري كَنّى عنه في ((الصحيح)) عَمداً لضَعِفِه، ولمَّا حدَّث به خارج ((الصحيح)) نَسَبَه،
وقد بَيَّنَ ذلك أبو نُعيم في ((المستخرَج)) بما خَرَّجَه من طريق العبَّاس بن الفضل، عن أبي
ثابت، وقال فيه: ((ابن سِمْعان))، وقال بعده: أخرجه البخاري عن أبي ثابت، فقال: ابن
فلان، وأخرجه في موضع آخر فقال: ابن سمعان، وابن سمعان المذكور مشهور
بالضَّعف، متروك الحديث، كذَّبَه مالك وأحمد وغيرهما وما له في البخاري شيء إلَّا في هذا
الموضع، ثمّ إنَّ البخاري لم يَسُق المتن من طريقه مع كونه مقروناً بمالكِ، بل ساقه على لفظ
الرِّواية الأُخرى، وهي رواية همَّام عن أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم (٢٦١٢/ ١١٣) من
طريق أبي صالح، عن أبي هريرة بلفظ: ((فليَتَّقِ)) بدل: ((فليَجتَنِب)) وهي رواية أبي نُعيم
المذكورة، وأخرجه مسلم أيضاً (٢٦١٢/ ١١٢) من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ:
((إذا ضَرَبَ))، ومثله للنَّسائي (ك٧٣١٠) من طريق عَجْلان، ولأبي داود (٤٤٩٣) من طريق
أبي سَلَمة، كلاهما عن أبي هريرة، وهو يفيدُ أنَّ قوله في رواية هَمَّام: ((قاتَلَ)) بمعنى قَتَلَ،
وأنَّ المفاعلة فيه ليست على ظاهرها، ويُحْتَمل أن تكون على ظاهرها ليتَناوَل ما يقعُ عند
دَفْعِ الصَّائِل مثلاً، فيُنْهَى دافعُه عن القَصْد بالضَّربِ إلى وجهه، ويَدخُلُ في النَّهي كلَّ مَن
١٨٢/٥ ضُرِبَ في حَدّ أو تعزير أو تأديب،/ وقد وقع في حديث أبي بَكْرة وغيره عند أبي داود
(٤٤٤٤) وغيره في قِصَّة التي زَنَت فأمَرَ النبي ◌َّهِ بَرَجِها وقال: ((ارمُوا واتَّقوا الوجه))،
وإذا كان ذلك في حقِّ مَن تَعيَّنَ إهلاكه، فمَن دونه أولى.

١٦٧
باب ٢٠ / ح ٢٥٥٩
كتاب العتق
قال النَّوَوي: قال العلماء: إنَّما نُّهِيَ عن ضربِ الوجه، لأنَّه لطيفٌ يجمعُ المحاسن،
وأكثر ما يقعُ الإدراك بأعضائه، فيُخشى من ضربِهِ أَن تَبطُلَ أو تَتَشَوَّهَ كلّها أو بعضها،
والشَّينُ فيها فاحشٌ لظُهورها وبُروزها، بل لا يَسلَمُ إذا ضَرَبَه غالباً من شَين. انتهى،
والتَّعليل المذكور حسنٌ، لكن ثبت عند مسلم تعليل آخر، فإنَّه أخرج الحديث المذكور
(٢٦١٢/ ١١٥) من طريق أبي أيوب المراغي، عن أبي هريرة وزاد: «فإنَّ الله خَلَقَ آدم على
صورته)).
واختُلِفَ في الضَّمير على مَن يعود؟ فالأكثر على أنَّه يَعودُ على المضروب لما تقدَّم من
الأمر بإكرام وجهه، ولولا أنَّ المراد التَّعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها. وقال
القرطبي: أعاد بعضُهم الضَّمير على الله مُتَمسِّكاً بما وَرَدَ في بعض طرقه: ((إنَّ الله خَلَقَ آدم
على صورة الرحمن)) قال: وكأنَّ مَن رواه أورَدَه بالمعنى مُتَمسِّكاً بما تَوَهَّمَهِ فَغَلِطَ في ذلك.
وقد أنكَرَ المازَرِي ومَن تَبِعَه صِحَّة هذه الزِّيادة ثمّ قال: وعلى تقدير صِحَّتِها فيُحمَلُ
على ما يليقُ بالبارئ سبحانه وتعالى.
قلت: الزّيادة أخرجها ابن أبي عاصم في ((السُّنَّة)) (٥١٧) والطبراني (١٣٥٨٠) من
حديث ابن عمر بإسنادٍ رجاله ثقات(١)، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضاً (٥٢١) من طريق
أبي يونسَ عن أبي هريرة بلفظٍ يردُّ التَّأويلَ الأوَّل قال: ((مَن قاتَلَ فليَجتَنِب الوجه فإنَّ
صورةً وجه الإنسان على صورة وجه الرحمنِ))(٢)، فَتَعيَّنَ إجراءُ ما في ذلك على ما تَقرَّر بين
أهل السُّنَّة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيهٍ، أو من تأويله على ما يَليقُ بالرحمنِ جَلَّ
جلاله، وسيأتي في أوَّل كتاب الاستئذان (٦٢٢٧) من طريق همَّام عن أبي هريرة رَفَعَه:
((خَلَقَ اللهُ آدَمَ على صورته)) الحديث.
(١) لكن فيه ثلاث علل كما قال ابن خزيمة في ((التوحيد)) ١/ ٨٧: عنعنة الأعمش وعنعنة حبيب، ومخالفة
الثوري للأعمش فيه، فرواه عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن النبي وَ ل# مرسلاً، فهو ضعيف.
(٢) وإسناده ضعيف، فإن فيه ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ وقد خولف في لفظه، فلا داعي بعد ذلك إلى قول
الشارح: یتعین إمراره کما جاء أو تأويله على ما يليق بالرحمن جل جلاله.

١٦٨
باب ٢٠ / ح ٢٥٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
وزَعَمَ بعضهم أنَّ الضَّمير يَعودُ على آدم، أي: على صِفَتِه، أي: خَلَقَه موصوفاً بالعلم
الذي فضَلَ به الحيوان وهذا مُحُتَمَل، وقد قال المازَرِي: غَلِطَ ابن قُتَيبة فأجرى هذا الحديث
على ظاهره، وقال: صورة لا کالصّورِ، انتهى.
وقال حَرب الكِرْماني في ((كتاب السُّنَّة)): سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صَحَّ أنَّ
الله خَلَقَ آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكَوسَج: سمعت أحمد يقول: هو حديثٌ
صحیحٌ!
وقال الطبراني في ((كتاب السُّنَّة)): حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال رجل
لأبي: إنَّ رجلاً قال: خَلَقَ الله آدم على صورته، أي: صورة الرجل، فقال: كَذَب، هو قول
الجهمية، انتھی.
وقد أخرج البخاري في ((الأدب المفرَد)) (١٧٢) وأحمد (٧٤٢٠) من طريق ابن عَجْلان،
عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تقولَنَّ: قَبَّحَ الله وجهك ووَجهَ مَن أشبَهَ وجهَك،
فإنَّ الله خَلَقَ آدم على صورته))، وهو ظاهر في عَوْدِ الضَّمير على المقول له ذلك، وكذلك
أخرجه ابن أبي عاصم أيضاً (٥١٦) من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا قاتَلَ
أحدكم فليَجتَنِب الوجهَ، فإنَّ الله خَلَقَ آدم على صورة وجهه)).
ولم يَتعرَّض النَّوَوي لحكمِ هذا النَّهي، وظاهره التحريم، ويُؤْيِّدُه حديث سُوَيد بن مُقرِّن
الصحابي: أنَّه رأى رجلاً لَطَمَ غلامه، فقال: أوَما عَلِمتَ أنَّ الصّورة مُحرَّمة(١)، أخرجه مسلم
(٣٣/١٦٥٨) وغيره(٢).
(١) كذا في الأصلين، وفي (س): محترمة، وهو خطأ.
(٢) كأحمد في «المسند» (١٥٧٠٣)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٧٩).

١٦٩
كتاب العتق - المكاتب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بابٌ في المُکاتَب
١٨٣/٥
قوله: ((بابٌ في المكاتب)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((كتاب المكاتَب))، وأثبتوا كلهم البسملة.
والمكاتَب، بالفتح: من تقعُ له الكتابة، وبالكسر: من تقعُ منه، وكاف الكتابة تُكسَر وتُفتَح
كعين العِتَاقة، قال الراغب: اشتقاقها من: كَتَبَ، بمعنى: أوجَبَ، ومنه قوله تعالى: ﴿كُثِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِشَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء:
١٠٣]، أو بمعنى: جَمَعَ وضَمَّ، ومنه: كتبتُ الخطَّ، وعلى الأول تكون مأخوذةً من معنی
الالتزام، وعلى الثاني تكون مأخوذةً من الخطِّ لوجوده عند عقدها غالباً.
قال الرُّويَاني: الكتابة إسلاميّة، ولم تكن تُعرَف في الجاهلية. كذا قال، وكلام غيره
يأباه، ومنه قول ابن التِّين: كانت الكتابةُ متعارفةً قبل الإسلام، فأقرَّها النبيُّ ◌َيّ.
وقال ابن خُزيمة في كلامه على حديث بَرِيرة: قيل: إن بريرة أول مُكاتبة في الإسلام،
وقد كانوا يُكاتِبون في الجاهلية بالمدينة، وأول من كُوتِبَ من الرجال في الإسلام سلمان.
وقد تقدَّم ذِكرُ ذلك في البيوع في ((باب البيع والشراء مع المشركين))(١).
وحكى ابنُ التِّينِ: أنَّ أول من كُوتِب أبو المؤمَّل، فقال النبيِ وَّ: ((أَعِينُوه))(٢)، وأول
من گُوتِبَ من النساء برِیرُ کما سيأتي حديثها في هذه الأبواب (٢٥٦٠)، وأول من كُوتِب
بعد النبي ◌َّ أبو أُميَّة مولى عمر، ثم سِيرِين مولى أنس.
واختُلِف في تعريف الكتابة، وأحسنُه: تعليقُ عِتقِ بصفةٍ على مُعاوَضة مخصوصة.
والكتابةُ خارجة عن القياس عند من يقول: إن العبد لا يَملِك، وهي لازمةٌ من جهة
السيد إلَّا إن عَجَزَ العبد، وجائزةٌ له على الراجح من أقوال العلماء فيها.
(١) بل في الباب الذي يليه: باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه، بين يدي الحديث رقم (٢٢١٧).
(٢) أخرجه البيهقي ٧/ ٢١، وفي إسناده ابن لهيعة وهو سيئء الحفظ.

١٧٠
باب ٢١ / ح ٢٥٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
باب إثم مَن قَذَفَ مملوكه
قوله: ((باب إثم من قَذَفَ مملوكه)) كذا للجميع هنا إلا النَّسَفي وأبا ذرِّ، ولم يذكر من
أثبت هذه الترجمةَ فيها حديثاً، ولا أعرفُ لدخولها في أبواب المكاتَب معنّى، ثمَّ وجدتُها في
رواية أبي علي بن شَبّويه مقدَّمةً قبل كتاب المكاتَب، فهذا هو المتَّجِه، وعلى هذا فكأنَّ
المصنّف تَرجم بها وأخلى بياضاً ليكتب فيها الحديث الوارد في ذلك، فلم یکتب كما وقع له
في غيرها، وقد تَرجَمَ في كتاب الحدود: ((باب قذف العبيد)» أورَد فيه حديث: «مَن قَذَفَ
مملوكَه، وهو بريءٌ مِمَّ قالَ، جُلِدَ يومَ القيامة)) الحديثَ (٦٨٥٨)، فلعلَّه أشار بذلك إلى أنه
يدخل في هذه الأبواب.
٢١ - باب المُكاتَب ونُجومه في كل سنةٍ نجمٌ
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
وَءَاتُوهُمْ مِنِ مَالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣]
وقال رَوٌْ عن ابنِ جُرَيجٍ: قلتُ لعطاءٍ: أواجِبٌ عليَّ إذا عَلِمْتُ له مالاً أن أُكاتِبَه؟ قال:
ما أُراه إِلَّ واحِباً.
وقال عَمْرُو بنُّ دِينارٍ: قلتُ لعطاءٍ: أَتَأْثُرُه عن أحدٍ؟ قال: لا، ثمَّ أخبرني أنَّ موسى بنَ
أنسٍ أخبره: أنَّ سِيرِينَ سألَ أنساً المكاتَبَةَ - وكان كثيرَ المال - فأبى، فانطَلَقَ إلى عمرَ ﴾ه فقال:
كاتِبْه، فأبى، فضَرَبَه بالدِّرّةِ ويَتْلُو عمرُ: ﴿فَكَاِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فكاتَبَه.
١٨٤/٥
٢٥٦٠ - وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ رضي الله
عنها: إنَّ بَرِيرةَ دَخَلَت عليها تَسْتَعِينُها في كتابَتِها، وعليها خمسُ أواقٍ نُجِّمَت عليها في خمسٍ
سِنِينَ، فقالت لها عائشةُ ـ ونَفِسَت فيها - أرأيتِ إن عَدَدْتُ لهم عَدّةً واحدةً، أيَبِيعُكِ أهلُكِ
فَأُعْتِقَكِ، فيكونَ ولاؤُكِ لي؟ فذهبت بَرِيرةُ إلى أهلِها فعَرَضَت ذلك عليهم، فقالوا: لا، إلا أن
يكونَ لنا الولاءُ، قالت عائشةُ: فدَخَلْتُ على رسولِ الله وَّهِ فَذَكَرْتُ ذلك له، فقال لها
رسولُ اللهِ وَّ: (اشتَرِيها فأعتِقِيها، فإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَن أعتَقَ)) ثمَّ قامَ رسولُ الله ◌ِص ◌َلَ فقال: ((ما

١٧١
باب ٢١ / ح ٢٥٦٠
كتاب العتق - المكاتب
بالُ رِجالٍ يَشْتَرِ طُونَ شُرُوطاً ليسَت في كتاب الله؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً ليسَ في كتاب الله فهو
باطلٌ، شَرْطُ الله أحقُّ وأوْثَقُّ)).
قوله: ((باب المكاتب ونُجومه في كلّ سنةٍ نَجْم، وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يََّغُونَ الْكِنَبَ ﴾
الآية)) ساقوها إلى قوله: ﴿الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ إِلَّ النَّسَفي فقال بعد قوله: في كلّ سنة: ﴿وَءَاتُوهُم
مِّنِ مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾.
ونَجْم الكتابة: هو القَدْر المعيَّن الذي يُؤَدّه المكاتب في وقت مُعيَّن، وأصله أنَّ العرب
كانوا يَبنون أُمورهم في المعاملة على طُلوع النَّجم والمنازِل؛ لكونِهِم لا يَعرِفون الحِساب،
فيقول أحدُهم: إذا طَلَعَ النَّجم الفلاني أدَّيتُ حقَّك، فسُمّيت الأوقات نُجوماً بذلك، ثمّ
سُمّي المؤَدّى في الوَقت نَجماً.
وعُرِفَ من التَّرجمة اشتراط التَّأجيل في الكتابة، وهو قول الشّافعي وقوفاً مع التَّسمية
بناءً على أنَّ الكتابة مُستَقَّة من الضَّمّ، وهو ضَمُّ بعضِ النُّجومِ إلى بعضٍ، وأقلّ ما يَحصُلُ به
الضَّمُّ نَجمان، وبأنَّه أمكنُ لتحصيلِ القُدرة على الأداء. وذهب المالكيةُ والحنفيةُ إلى جوازِ
الكتابة الحالة، واختاره بعض الشّافعیة کالرُّویاني.
وقال ابن التِّين: لا نصَّ لمالكِ في ذلك، إلَّا أنَّ مُحقِّقي أصحابه شَبَّهوه ببيعِ العبد من
نفسه، واختارَ بعض أصحاب مالك أن لا يكون أقلّ من نَجمَينِ كقولِ الشّافعي، واحتَجَّ
الطَّحَاوي وغيره بأنَّ التَّأجيل جُعِلَ رِفقاً بالمكاتَبِ لا بالسَّيِّد، فإذا قَدَرَ العبد على ذلك لا
يُمنَعُ منه، وهذا قول اللَّيث، وبأنَّ سلمان كاتَبَ بأمر النبي ◌َّةِ، ولم يَذكُر تأجيلاً، وقد تقدَّم
ذِكرُ خبره (١)، وبأنَّ عَجْز المكاتَب عن القَدْرِ الحالّ لا يَمنَعُ صِحَّةَ الكتابة كالبيعِ في المجلِس،
كمَن اشتَرى ما يُساوي درهماً بعشرة دراهم حالَّة وهو لا يَقدِرُ حينئذٍ إلَّا على درهم، نَفَذَ
البيعُ مع عَجزِه عن أكثر الثَّمَن، وبأنَّ الشّافعية أجازوا السَّلَم الحالَّ ولم يَقِفوا مع الَّسمية
مع أنَّهَا مُشعِرةٌ بالتَّجيل.
(١) عند ((باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه)) بين يدي الحديث (٢٢١٧).

١٧٢
باب ٢١ / ح ٢٥٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا قول المصنّف: ((في كلّ سنة نَجْم) فأخَذَه من صورة الخبر الوارد في قِصَّة بَرِيرة كما
سيأتي التصريح به بعد باب، ولم يُرِد المصنِّفُ أنَّ ذلك شرط فيه، فإنَّ العلماء انَّفَقوا على أنَّه
لو وقع التَّنجيم بالأشهُرِ جازَ، ولم يَتْبُت لفظ ((نَجم)) في آخره في رواية النَّسَفي.
واختُلِفَ في المراد بالخير في قوله: ﴿إِن عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا ﴾ کما سيأتي بعد بابین، وروى
ابن إسحاق عن خاله عبد الله بن صَبيح - بفتح المهمَلة - عن أبيه قال: ((كُنت مملوكاً
لحَوَيطِب بن عبد العُزّى، فسألته الكتابة فأبى، فنزلَت: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِنَبَ ﴾ الآية))
أخرجه ابن السَّكَن وغيره في ترجمة صَبيح في الصحابة.
قوله: ((وقال رَوْح عن ابن ◌ُرَيجٍ: قلت لعطاءٍ: أواجبٌ عليَّ إذا عَلِمْت له مالاً أن أُكاتِبَهُ؟
١٨٥/٥ قال: ما أُراه إلّ واجباً) وَصَلَه إسماعيل القاضي/ في ((أحكام القرآن)) قال: حدَّثنا عليّ بن
المديني، حدَّثنا رَوح بن عُبادة بهذا، وكذلك أخرجه عبد الرَّزّاق (١٥٥٧٦) والشّافعي
(٣٣/٨) من وجهَينٍ آخرَينِ عن ابن جُرَيجٍ.
قوله: ((وقال عَمْرو بن دينار: قلت لعطاءٍ: أتأثرُه عن أحد؟ قال: لا)) هكذا وقع في جميع
النُّسخ التي وقعت لنا عن الفِرَبري، وهو ظاهر في هذا الأثر من روایة عَمْرو بن دینار عن
عطاء، وليس كذلك، بل وقع في الرِّواية تحريفٌ لَزِمَ منه الخطأ، والذي وقع في رواية
إسماعيل المذكورة: ((وقاله لي أيضاً عَمْرو بن دينار))، والضَّمير يَعودُ على القول بوجوبها،
وقائل ذلك هو ابن ◌ُریج وهو فاعِل: ((قلت لعطاء))، وقد صرَّحَ بذلك في رواية إسماعيل
حيثُ قال فيها بالسَّنَدِ المذكور: ((قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرني عطاء))، وكذلك أخرجه
عبد الرَّزّاق والشّافعي - ومن طريقه البيهقي (٣١٩/١٠) - عن عبد الله بن الحارث،
كلاهما عن ابن جُرَيج وقالا فيه: ((وقالها عَمْرو بن دينار))، والحاصل أنَّ ابن جُرَيجِ نَقَّلَ عن
عطاء التَّردُّد في الوجوب، وعن عَمْرو بن دينار الجَزم به أو موافقة عطاء. ثمَّ وجَدته في
الأصل المعتَمَد من رواية النَّسَّفي عن البخاري على الصواب بزيادة الهاء في قوله: وقال
عَمْرو بن دينار، ولفظه: ((وقاله عَمْرو بن دينار)) أي: القول المذكور.

١٧٣
باب ٢١ / ح ٢٥٦٠
كتاب العتق - المكاتب
قوله: («ثمَّ أخبَرَني أنَّ موسى بن أنس أخبره: أنَّ سيرينَ سألَ أنساً المكاتَبة، وكان كَثير
المال)) القائل: ((ثمَّ أخبرني)) هو ابن جُرَيجِ أيضاً، ومُحْبِرُه هو عطاء، ووقع مُبَيَّناً كذلك في
رواية إسماعيل المذكورة، ولفظه: قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرني عطاء، أنَّ موسى بن أنس بن
مالك أخبره: أنَّ سيرينَ أبا محمد بن سيرينَ سألَ ... فذكره، ووقع في رواية عبد الرَّزّاق
(١٥٥٧٨) عن ابن جُرَيج: أخبرني مُحُبِرٌّ أنَّ موسى بن أنس أخبره، وقد عُرِفَ اسم المخبِرِ
من رواية رَوْح.
وظاهر سياقه الإرسال، فإنَّ موسى لم يَذكُر وقتَ سؤال سيرينَ من أنس الكتابةَ، وقد
رواه عبد الرَّزّاق والطَّبَري(١) من وجه آخر مُتَّصِلاً من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة
عن أنس قال: أرادني سيرينُ على المكاتَبة فأبيت، فأتى عمر بن الخطاب؛ فذكر نحوه.
وسِيرينُ المذكور يُكنَى أبا عَمْرة، وهو والد محمد بن سيرينَ الفقيه المشهور وإخوته،
وكان من سَبْي عَين الثَّمر، اشتراه أنس في خلافة أبي بكر، وروى هو عن عمر وغيره،
وذكره ابن حِبَّان في ثِقات التابعين.
قوله: ((فانطَلَقَ إلی عُمر)) زاد إسماعيل بن إسحاق في روايته: «فاستعداه علیه» وزاد في
آخرِ القِصَّة: ((وكاتَبَه أنس)»: وروى ابن سعد (٧/ ١٢٠) من طريق محمد بن سيرينَ، قال:
(كاتَبَ أنس أبي على أربعينَ ألف درهم))، وروى البيهقي (٣٣٤/١٠) من طريق أنس بن
سيرينَ عن أبيه قال: ((كاتَبَني أنس على عشرينَ ألف درهم))، فإن كانا محفوظَينِ جُمعَ بينهما
بحَملِ أحدهما على الوزن والآخر على العدد، ولابن أبي شَيْبة (٤٦/٦) من طريق عُبيد الله
ابن أبي بكر بن أنس قال: هذه مُكاتبة أنس عندنا: هذا ما كاتَبَ أنس غلامه سيرينَ، كاتَّبَه
علی كذا وكذا ألف، وعلى غلامینِ يعملان مِثلَ عمله.
واستُدِلَّ بفعلٍ عمر على أنَّه كان يَرى بوجوب الكتابة إذا سألها العبدُ؛ لأَنَّ عمر لمَّا
ضَرَبَ أنساً على الامتناع دَلَّ على ذلك، وليس ذلك بلازم؛ لاحتمال أنَّه أدَّبه على تَركِ
(١) في (تفسيره)) ١٢٦/١٨، ولم نقف عليه في المطبوع من ((تفسير)) عبد الرزاق ولا ((مصنفه))، وهو عند البيهقي
٣١٩/١٠ من الوجه المذكور.

١٧٤
باب ٢١/ ح ٢٥٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
المندوب المؤكَّد، وكذلك ما رواه عبد الرَّزّاق(١): أنَّ عثمان قال لمن سألَه الكتابة: لولا آية
من كتاب الله ما فعَلتُ، فلا يدلُّ أيضاً على أنَّه كان يرى الوجوب. ونَقَلَ ابن حَزْم القول
بوجوبها عن مسروق والضَّحّاك، زاد القُرطبي: وعِكرِمة.
وعن إسحاق بن راهويه: أنَّ مُكاتَبَتْه واجبة إذا طلبَها، ولكن لا يُحِرُ الحاكمُ السَّيِّدَ على
ذلك. وللشّافعي قول بالوجوب، وبه قال الظَّاهرية، واختارَه ابن جَرِير الطَّبَري. قال ابن
القَصّار: إنَّما عَلا عمر أنساً بالدِّرَّة على وجه النُّصح لأنسٍ، ولو كانت الكتابة لَزِمَت أنساً
ما أَبى، وإنَّما نَدَبَه عمر إلى الأفضل.
وقال القُرطبي: لمَّا ثبت أنَّ رقبة العبد وكَسْبَه مِلك لسَيِّدِه، دَلَّ على أنَّ الأمر بكتابَتِه
غير واجب؛ لأَنَّ قوله: (خُذكَسْبي وأعتقني)) يصيرُ بمَنزلة قوله: أعتقني بلا شيءٍ، وذلك
١٨٦/٥ غير واجب اتِّفاقاً، ومَحَلّ / الوجوب عند مَن قال به إن كان العبد قادراً على ذلك ورَضِيَ
السَّيِّد بالقَدْرِ الذي تقع به المكاتبة.
وقال أبو سعيد الإصطَخري: القَرِينة الصَّارفة للأمر في هذا عن الوجوب الشَّرط في
قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فإنَّه وَكَلَ الاجتهاد في ذلك إلى المولى، ومُقتَضاه أنَّه إذا رأى
عَدَمَه لم يُحْبَر عليه، فدَلَّ على أنَّه غيرُ واجبٍ.
وقال غيره: الكتابة عَقد غَرَر، وكان الأصل أن لا تجوزَ، فلمَّا وقع الإذنُ فيها كان أمراً
بعد مَنْعٍ، والأمر بعد المنع للإباحة، ولا يَرِدُ على هذا كَونُها مُستَحبَّة؛ لأنَّ استحبابها ثبت
بأدلَّةٍ أُخْرى.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف قِصَّة بَرِيرة من عِدَّة طرقٍ في جميع أبواب الكتابة، فأورَدَ في هذه
الثَّرجمة طريق اللَّيث عن يونس عن ابن شِهَاب عن عُرْوة عن عائشة تعليقاً، ووَصَلَه
الذُّهلي في ((الزُّهريات)) عن أبي صالح كاتِب اللَّيث عن اللَّيث، والمحفوظ رواية اللَّيث له
عن ابن شِهَاب نفسه بغير واسطة، وسيأتي في الباب الذي يَليه عن قُتَيبة عن اللَّيث،
(١) لم نقف عليه في المطبوع من كتابيه، وأخرجه يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٤١٦/٢، ومن
طريقه البيهقي ٣٢٠/١٠.

١٧٥
باب ٢١ / ح ٢٥٦٠
كتاب العتق - المكاتب
وأخرجه مسلم أيضاً (٦/١٥٠٤) عن قُتَيبة، وكذلك أخرجه النَّسائي (٤٦٥٦)
والطَّحَاوي (٤/ ٤٣ -٤٤) وغيرهما (١) من طريق ابن وَهْب عن رجال من أهل العلم منهم
يونس واللَّيث، كلُّهم عن ابن شِهَاب، وهذا هو المحفوظ أنَّ يونسَ رفيقُ اللَّيث فيه لا
شيخُه، ووقع التصريح بسماع اللَّث له من ابن شِهَاب عند أبي عَوَانة (٤٧٩٣) من طريق
مروان بن محمد، وعند النَّسائي (٤٦٥٦) من طريق ابن وَهْب، كلاهما عن اللَّيث.
وقد وقع في هذه الرّواية المعَلَّقة أيضاً مُخالَفة للرِّواياتِ المشهورة في موضعٍ فيه نظر،
وهو قوله في المتن: ((وعليها خمسُ أواقٍ نُجِّمَت عليها في خمس سِنِينَ))، والمشهور ما في
رواية هشام بن عُرْوة الآتية بعد بابينِ (٢٥٦٣) عن أبيه: أنَّها كاتَبَت على تسع أواقٍ في كلّ
عام أوقِيّة، وكذا في رواية ابن وَهْب عن يونس عند مسلم (٧/١٥٠٤)، وقد جَزَمَ
الإسماعيلي بأنَّ الرِّواية المعَلَّقة غَلَطٌ، ويُمكِنُ الجمع بأنَّ التِّسع أصلٌ، والخمس كانت بَقْيَت
عليها، وبهذا جَزَمَ القُرطبي والمحِبّ الطََّري، ويُعكِّر عليه قوله في رواية قُتَيبة: ((ولم تَكُن
أَدَّت من كتابتها شيئاً)»، ويُجابُ بأنَّها كانت حَصَّلَت الأربع أواقٍ قبل أن تَستَعينَ عائشة، ثمَّ
جاءتها وقد بقي عليها خمس.
وقال القُرطبي: يُجابُ بأنَّ الخمسَ هي التي كانت استَحقَّت عليها بحُلولِ نُجومها من
◌ُلة التِّسع الأواقي المذكورة في حديث هشام، ويُؤيِّدُه قوله في رواية عَمْرة عن عائشة
الماضية في أبواب المساجد (٤٥٦): فقال أهلُها: إن شئت أعطَيتِ ما يَبقى.
وذكر الإسماعيلي أنَّه رأى في الأصل المسموع على الفِرَبْري في هذه الطَّريق: أنَّها كاتَبَت
على خمسة أوساق، وقال: إن كان مضبوطاً فهو يَدفَعُ سائرَ الأخبار.
قلت: لم يقع في شيءٍ من النُّسَخ المعتَمَدة التي وقَفنا عليها إلَّ الأواقيَ، وكذا في نسخة
النَّسَفي عن البخاري، وكان يُمكِنُ على تقدير صِخَّته أن يُجمَع بأنَّ قيمةَ الأوساق الخمسة
تسع أواقٍ، لكن يُعكِّرُ عليه قوله: ((في خمس سِنِينَ))، فيَتعيَّن المصيرُ إلى الجمعِ الأوَّل.
(١) وأخرجه أبو عوانة (٤٧٩١)، والبيهقى ٢٤٨/٧-٢٤٩.

١٧٦
باب ٢٢ / ح ٢٥٦١ -٢٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في هذه الرِّواية: ((فقالت عائشة: ونَفِسَت فيها)) هو بكسر الفاء، جُملة حاليَّة، أي:
رَغِبَت.
٢٢ - باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطاً ليسَ في كتاب الله
فیه عن ابنِ عمرَ.
٢٥٦١ - حدَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوةَ: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها
أخبَرَتْه: أنَّ بَرِيرةَ جاءت تَسْتَعِينُها في كتابَتِها، ولم تَكُن قَضَت من كتابَتِها شيئاً، قالت لها
عائشةُ: ارْجِعي إلى أهلِكِ، فإن أحَبُّوا أن أقضِيَ عنك كتابَتَكِ، ويكونَ ولاؤُكِ لي فعَلْت؟
١٨٧/٥ فَذَكَرَت ذلك بَرِيرةُ لأهلِها فأبَوْا، وقالوا: إنْ شاءَت/ أن تَحَتَسِبَ عليكِ فَلْتَفْعَل، ويكونَ
ولا ؤُكِ لَنا، فَذَكَرَت ذلك لرسولِ اللهِ وَّةِ، فقال لها رسولُ الله ◌َّ: ((ابْتاعي فأعتِقي، فإنَّما
الولاءُ لِمَنْ أعْتَقَ)) قال: ثمَّ قامَ رسولُ اللهِ وَله فقال: ((ما بالُ أُناسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً ليسَت
في كتاب الله؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً ليسَ في كتاب الله، فليسَ له، وإن شَرَطَ مِئَةَ مَرّةٍ، شَرْطُ الله
أحقُّ وأوْثَقٍ)).
٢٥٦٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي
الله عنهما قال: أرادَت عائشةُ رضي الله عنها أن تَشْتَرِيَ جاريةً لتُعْتِقَها، فقال أهلُها: على أنَّ
ولاءَها لَنا، قال رسولُ الله وََّ: ((لا يَمْنَعُك ذلكِ، فإنَّمَا الولاءُ لِمَن أعْتَقَ)).
قوله: ((بابُ ما يجوزُ من شُروط المكاتَب، ومَن اشتَرَطَ شَرْطاً ليس في كتاب الله)) جَمَعَ في
هذه التَّرجمة بين حكمَين، وكأنَّه فسَّرَ الأوَّل بالثاني، وأنَّ ضابط الجواز ما كان في كتاب الله،
وسيأتي في الشُّروط(١) أنَّ المراد بما ليس في كتاب الله: ما خالَفَ كتاب الله.
وقال ابن بَطَّال: المراد بكتاب الله هنا حكمُه من كتابه أو سُنَّة رسوله أو إجماع الأُمّة.
وقال ابن خُزَيمةَ: ليس في كتاب الله، أي: ليس في حكم الله جوازُه أو وجوبُه، لا أنَّ كلَّ
مَن شَرَطَ شرطاً لم يَنطِقِ به الكتاب يَبطُل، لأنَّه قد يُشتَرطُ في البيع الكَفيلُ فلا يَبطُل
(١) عند ((باب المكاتب وما لا يَحلّ من الشروط التي تخالف كتاب الله)) قبل الحديث (٢٧٣٥).

١٧٧
باب ٢٢ / ح ٢٥٦٢
كتاب العتق - المكاتب
الشَّرط، ويُشتَرطُ في الثَّمَن شُروط من أوصافه أو من نُجومِه ونحو ذلك فلا يَبطُل.
وقال النَّوَوي: قال العلماء: الشُّروط في البيع أقسامٌ، أحدُها: يقتضيه إطلاق العَقد
كَشرطٍ تَسليمه، الثاني: شرطٌ فيه مَصلَحة كالرَّهنِ وهما جائزان اتِّفاقاً، الثالث: اشتراط
العِثْقِ في العبد وهو جائزٌ عند الجمهور لحديثِ عائشة وقِصَّة بَرِيرة، الرّابعُ: ما يزيدُ على
مُقْتَضى العَقد ولا مَصلَحةَ فيه للمُشتَري، كاستثناءِ منفعته فهو باطلٌ.
وقال القُرطبي: قوله: ((ليس في كتاب الله)) أي: ليس مشروعاً في كتاب الله تأصيلاً ولا
تفصيلاً، ومعنى هذا: أنَّ من الأحكام ما يُؤخَذُ تفصيلُه من كتاب الله كالوُضوء، ومنها ما
يُؤخَذُ تأصيله دون تفصيلِه كالصلاة، ومنها ما أُصِّلَ أصلُه كَدِلالة الكتاب على أصلية
السُّنَّة والإجماع وكذلك القياسُ الصحيح، فكلُّ ما يُقتَبَسُ من هذه الأُصول تفصيلاً، فهو
مأخوذٌ من كتاب الله تأصيلاً.
قوله: ((فيه عن ابن عُمر)) كذا لأبي ذرٍّ، ولِغيره: ((فيه ابن عمر عن النبيِ وَ﴿)، وكأنَّه
أشار بذلك إلى حديث ابن عمر الآتي في الباب الذي يليه، وقد مضى بلفظ الاشتراط في
(باب البيع والشِّراء مع النِّساء)) من كتاب البيوع (٢١٥٦).
قوله: ((أنَّ بَرِيرة)) هي بفتح الموخَّدة بوزن فعيلة، مُستَقَّة من البَرير: وهو ثَمَر الأراك.
وقيل: إنَّها فعيلة من البِرّ بمعنى مفعولة كمَبرورةٍ، أو بمعنى فاعِلة کرَحیمةٍ، هكذا وجَّهَه
القُرطبي. والأوَّل أوْلى؛ لأنَّه وَّهِ غَيَّرَ اسم ◌ُجُوَيريةَ وكان اسمها بَرَّةٍ(١)، وقال: ((لا تُزَكّوا
أنفُسَكم))(٣)، فلو كانت برِیرة من المِّلَشارکَتها في ذلك.
وكانت بَرِيرة لناسٍ من الأنصار كما وقع عند أبي نُعيم، وقيل: لناسٍ من بني هلال،
قاله ابن عبد البَرّ، ويُمكِنُ الجمع. وكانت تَخْدُمُ عائشة قبلَ أن تُعتقَ كما سيأتي في حديث
الإفك (٢٦٦١)، وعاشَت إلى خلافة معاوية، وتَفَرَّسَت في عبد الملك بن مروان أنَّه يَلي
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٧٤٢١)، ومسلم (٢١٤٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه مسلم (٢١٤٢)، وأبو داود (٤٩٥٣) من حديث زينب بنت أبي سلمة.

١٧٨
باب ٢٢/ ح ٢٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
الخلافة فبشرته بذلك، وروی هو ذلك عنها.
قوله: ((فإن أحَبّوا أن أقضيَ عنك كتابَتك ويكون ولاؤُك لي فعلتُ)) كذا في هذه الرِّواية،
١٨٨/٥ وهي نَظِير رواية مالك عن / هشام بن عُرْوة الآتية في الشُّروط (٢٧١٧) بلفظ: إن أحَبَّ
أهلُك أن أعُدَّها لهم ويكون ولاؤُكِ لي فعَلتُ، وظاهره أنَّ عائشة طلبت أن يكون الولاء
لها إذا بَذَلَت جميع مال المكاتَبة، ولم يقع ذلك، إذ لو وقع ذلك لكان اللَّومُ على عائشة
بطلبِها ولاءَ مَن أعتَقَها غيرُها، وقد رواه أبو أُسامة عن هشام بلفظٍ يُزيلُ الإشكال، فقال
بعد قوله: ((أن أعُدَّها لهم عَدَّةً واحدةً)»: وأُعْتِقَك ويكون ولاؤُك لي، فعلتُ(١)، وكذلك
رواه وُهَيب عن هشام(٢)، فعُرِفَ بذلك أنَّها أرادت أن تشتريَهَا شِراءً صحيحاً ثمَّ تُعتقَها،
إذ العِثْقَ فَرْع تُبوت المِلك، ويُؤيِّدُه قوله في بقية حديث الزّهري في هذا الباب: فقال ◌َّ:
((ابتاعي فأَعتقي))، وهو يُفسِّر قوله في رواية مالك عن هشام (٢٧١٧): ((خُذيها))،
ويُوضح ذلك أيضاً قوله في طريق أيمَن الآتية (٢٥٦٥): دَخَلَت عليَّ بَرِيرة وهي مُكاتَبة
فقالت: اشتَريني وأعتِقيني، قالت: نعم، وقوله في حديث ابن عمر (٢١٦٩): أرادت
عائشة أن تشتريَ جاريةً فتُعتقَها؛ وبهذا يَتَّجِه الإنكارُ على مَوالي بَرِيرة، إذ وافَقوا عائشة
على بيعها ثمَّ أرادوا أن يَشتَرِطوا أن يكون الوَلاءُ لهم، ويُؤْيِّدُه قوله في رواية أيمَن
المذكورة: قالت: لا تبيعوني حتَّى تَشَرِ طوا ولائي، وفي رواية الأسوَد الآتية في الفرائض
عن عائشة (٦٧٥٤): اشتَرَيت بَرِيرةَ لأُعتقها، فاشتَرَطَ أهلها ولاءَها، وسيأتي قريباً في
الهِبَة من طريق القاسم عن عائشة (٢٥٧٨): أنَّها أرادت أن تَشتَري بَرِيرة وأنَّهم اشتَرَطوا
ولاءها.
قوله: ((ارجعي إلى أهلِك)) المراد بالأهلِ هنا: السَّادة، والأهل في الأصل: الآلُ، وفي
الشَّرع: مَن تَلزَمُ نَفقَتُه على الأصحّ عند الشّافعية.
(١) سيأتي في الباب التالي.
(٢) عند أبي داود برقم (٣٩٣٠).

١٧٩
باب ٢٢ / ح ٢٥٦٢
كتاب العتق - المكاتب
قوله: ((إن شاءَت أن تَحَتَسِبَ)) هو من الحِسْبة - بكسر المهمَلة - أي: تحتسِبَ الأجرَ
عند الله، ولا یکون ها ولاءٌ.
قوله: ((فَذَكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ نَّ) في رواية هشام (٢٥٦٣): فسمعَ بذلك
رسولُ الله ◌ِ ﴾ فسألَني فأخبَرته، وفي رواية مالك عن هشام (٢٧١٧): فجاءت من عندهم
ورسولُ اللهِ وَّهِ جالسٌ فقالت: إنّي عَرَضتُ عليهم فأبوا، فسمعَ النبي ◌ِّ، وفي رواية
أيمَن الآتية (٢٥٦٥): فسمعَ بذلك النبي ◌َّهِ أو بَلَغَه، زاد في الشُّروط من هذا الوجه
(٢٧٢٦): فقال: ((ما شَأْنُ بَرِيرة؟))، ولمسلم (٨/١٥٠٤) من رواية أبي أسامة، ولابن
خُزيمةَ من رواية حمّاد بن سَلَمة، كلاهما عن هشام: فجاءتني بَرِيرة والنبي ◌َّ جالس،
فقالت لي فيما بيني وبينها ما أراد أهلها، فقلت: لاهَا الله إذاً، ورَفَعتُ صوتي وانتَهَرتُها،
فسمعَ ذلك النبي ◌َّ فسألَني فأخبَرَته؛ لفظ ابن خُزيمةَ.
قوله: ((ابتاعي فأعتِقي)) هو كقوله في حديث ابن عمر (٢١٦٩): ((لا يَمنَعُكِ ذلك))،
وليس في ذلك شيءٌ من الإشكال الذي وقع في رواية هشام الآتية في الباب الذي يليه.
قوله: ((وإن شَرَطَ)) في رواية أبي ذرّ: (وإنِ اشْتَرَطَ)).
قوله: ((مئة مرَّة)) في رواية المُستَمْلي: ((مئة شرط))، وكذا هو في رواية هشام وأيمَن.
قال النَّوَوي: معنى قوله: ((ولو اشتَرَطَ مئة شرط)) أنَّه لو شَرَطَ مئة مرَّة تَوكيداً فهو
باطلٌ، ويُؤيِّدُه قوله في الرِّواية الأخرى(١): ((وإن شَرَطَ مئة مرَّة))، وإنَّما حَمَلَه على التَّأكيد؛
لأنَّ العُموم في قوله: (كلّ شرط))، وفي قوله: ((مَن اشتَرَطَ شرطا)) دالٌّ على بُطلان جميع
الشُّروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمئة، فإنَّها لو زادت عليها كان الحكم كذلك لِمَا
دَلَّت عليها الصِّيغة. نعم الطَّريق الأخيرة من رواية أيمَن عن عائشة بلفظ: فقال النبي ◌َّ:
((الوَلَاء لمن أعتَقَ وإن اشتَرَطوا مئة شرط))، وإن احتَمَلَ التَّأكيد، لكنَّه ظاهرٌ في أنَّ المراد به
التَّعَدُّد، وذِكرُ المئة على سبيل المبالَغَة، والله أعلم.
(١) في (س): الأخيرة. والرواية المذكورة عند مسلم برقم (١٥٠٤)

١٨٠
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقال القُرطبي: قوله: ((ولو كان مئة شرط)) خَرَجَ تَخَرَج التَّكثير، يعني: أنَّ الشُّروط
الغير المشروعة باطلة ولو كَثُرَت، ويُستَقادُ منه أنَّ الشُّروط المشروعة صحيحة. وسيأتي
التَّنصيص على ذلك في كتاب الشُّروط إن شاء الله تعالى.
قوله عن ابن عمر: ((أرادت عائشة)) في رواية مسلم (٥/١٥٠٤): ((عن يحيى بن يحيى
النَّيسابوري عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عائشة)) فصار من مسند عائشة، وأشار
١٨٩/٥ ابن عبد البَرِّ إلى تَفُرُّده عن مالك بذلك، وليس كذلك، فقد أخرجه أبو عَوَانة/ في
((صحيحه)) (٤٧٨٥) عن الرَّبيع عن الشّافعي عن مالك كذلك، وكذا أخرجه البيهقي في
((المعرفة)) من طريق الرَّبيع، ويُمكِنُ أن يكون هنا ((عن)) لا يُرادُ بها أداة الرّواية، بل في
السّياق شيء محذوف، تقديره: عن قِصَّة عائشة في إرادتها شِراء بَرِيرة، وقد وقع نَظِير ذلك
في قِصَّة بَرِيرة، ففي النَّسائي (٥٠١٧) من طريق يزيد بن رومان: ((عن عُرْوة عن بَرِيرة: أنَّها
كان فيها ثلاث سِنِينَ)) قال النَّسائي: هذا خطأ، والصواب رواية عُرْوة عن عائشة. قلت:
وإذا ◌ُلَ على ما قَرَّرته لم يكن خطأ، بل المراد: عن قِصَّة بَرِيرة، ولم يُرِدِ الرِّواية عنها نفسها.
وقد قَرَّرت هذه المسألة بنَظائرها فيما كَتَبته على ابن الصلاح.
قوله: ((لا يَمْنَعُك)) في رواية أبي ذرٍّ: ((لا يَمنَعَنَّك)) بنونِ التَّأكيد، والأوَّل رواية مسلم.
٢٣ - باب استعانة المُكَاتَبِ وسؤالهِ النّاسَ
٢٥٦٣ - حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حذَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها قالت: جاءت بَرِيرةُ، فقالت: إنّ كاتَبتُ أهلي على تِسْعِ أواقٍ في كلِّ عامٍ أوقيَّةٌ، فَأَعِينِيني،
فقالت عائشةُ: إن أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم عَدّةً واحدةً، وأُعْتِقَكِ فعَلْتُ، فيكونَ ولاؤُكِ لي؟
فذهبت إلى أهلِها فأبُوْا ذلك عليها، فقالت: إنّ قد عَرَضْتُ ذلك عليهم، فأبُوْا إلا أن يكونَ
الولاءُ لهم. فسمعَ بذلك رسولُ الله ◌َلِ فِسألَنِي فأخبَرْتُه، فقال: ((خُذِيها فأعتِقِيها، واشتَرِطي
لهم الولاءَ، فأََّا الولاءُ لِمَن أعتَقَ)) قالت عائشةُ: فقامَ رسولُ الله ◌ََّ فِي النّاسِ فَحَمِدَ الله وأثْنَى
عليه، ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، فما بالُ رِجالٍ منكم يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً ليسَت في كتاب الله؟ فأيُّما شَرْطٍ كان
ليسَ في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مِئَةَ شَرْطٍ، فقَضاءُ الله أحقُ وشَرْطُ الله أوْثَقُ، ما بالُ