Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ باب ١٣ / ح ٢٤٥٢ كتاب المظالم سفيان من طريق أبي بكر بن محمد بن حَزْم: استَعدَت أَروى بنت أويس مروانَ بن الحكم وهو والي المدينة على سعيد بن زيد في أرضِه بالشجرة، وقالت: إنَّه أخذَ حقّي، وأدخَلَ ضَفِيرَتي(١) في أرضِه ... فذكره، وفي رواية العَلاء: فَتَرَكَ سعيد ما اذَّعَت، ولابن حِبَّان والحاكِم (٢٩٥/٤-٢٩٦) من طريق أبي سَلَمة بن عبد الرحمن في هذه القِصَّة وزاد: فقال لنا مروان: أصلِحوا بینھما. قوله: ((من الأرضِ شيئاً)) في رواية عروة في بَدْءِ الخَلق: ((مَن أخذَ شِبراً من الأرضِ ظُلماً))، وفي حديثٍ عائشة ثاني أحاديث الباب: ((قِيدَ شِبْر)) وهو بكسر القاف وسكون التَّحتانية، أي: قَدْره، وكأنّه ذكر الشِّبر إشارةً إلى استواء القليل والكثير في الوعيد. قوله: ((طُوِّقَه)) بضمّ أوَّله على البناءِ للمجهول، وفي رواية عروة: ((فإنَّه يُطَوَّقَه))، ولأبي عَوَانة (٥٥٣٣) والجَوزَقي في حديث أبي هريرة: «جاء به مُقَلَّده)». قوله: ((من سَبْعِ أَرَضينَ)) بفتح الراءِ ويجوزُ إسكانها، وزاد مسلم من طريق عروة، (١٣٩/١٦١٠) ومن طريق محمد بن زيد (١٦١٠ /١٣٨): أنَّ سعيداً قال: اللهمَّ إن كانت كاذبةً فأَعْمِ بصرَها، واجعَل قبرَها في دارها، وفي رواية العَلاء وأبي بكر نحوُه وزادا: قال: وجاء سَيلٌ فأبدى عن ضَغيرَتِها، فإذا حقُّها خارجاً عن حقِّ سعيد، فجاء سعيد إلى مروان، فَرَكِبَ معه والناس حتَّى نظروا إليها، وذَكَروا كلّهم أنَّهَا عَمِيَت وأنَّها سقَطَت في بئرها فماتت. قال الخطَّبي: قوله: ((طُوِّقَه)) له وجهان: أحدهما: أنَّ معناه أنَّه يُكلَّف نَقْلَ مَا ظَلَمَ منها في القيامة إلى المحشَرِ، ويكون كالطَّوقِ في عُنُقُه، لا أنَّه طَوقٌ حقيقةً. الثاني: معناه أنَّه يُعاقَبُ بالْحَسْفِ إلى سبع أرضينَ، أي: فتكون كلَّ أرضٍ في تلك الحالة (١) قولها: ((ضفيرتي في أرضه)) المراد بالضفيرة هنا: الجدار الذي يُبنى من الحجارة في وجه السیل لئلا يدخل ماء العین فیفسدها. ٢٢ باب ١٣ / ح ٢٤٥٢ فتح الباري بشرح البخاري طَوقاً في عُنُقِه. انتهى، وهذا يُؤْيِّدُه حديثُ ابن عمر ثالث أحاديث الباب بلفظ: ((خُسِفَ به يومَ القيامة إلى سبعٍ أَرَضينَ)». وقيل: معناه كالأوَّل، لكن بعدَ أن يَنقُلَ جميعه يُجِعَلُ كلُّه في عُنُقِهِ طَوقاً، ويَعظُمُ قَدْرُ عُنُقُه حتَّى يَسَعَ ذلك كما وَرَدَ في غِلَظِ جِلدِ الكافِ ونحو ذلك، وقد روى الطبراني (٦٩٢/٢٢) وابن حِبَّان (٥١٦٤) من حديث يَعْلى بن مُرَّة مرفوعاً: ((أيُّما رجلٍ ظَلَمَ شِبراً من الأرضِ كَلَّفَه الله أن يَحِفِرَه حتَّى يَبلُغَ آخِرٍ سبع أرضينَ، ثمَّ يُطَوَّقَه يومَ القيامة حتَّى يُقضى بين الناس))، ولأبي يَعْلى بإسنادٍ حسنٍ، عن الحكمِ بن الحارث السُّلَمي مرفوعاً: ((مَن أخذَ من طريق المسلمين شِبراً جاء يومَ القيامة يَحمِلُه من سبع أرضينَ))(١)، ونَظِير ذلك ما تقدَّم في الزكاة (١٤٠٢) في حديث أبي هريرة في حقّ مَن غَلَّ بعيراً جاء يومَ القيامة يَحمِلُه. ويُحْتَمل - وهو الوجه الرّابع - أن يكون المراد بقوله: ((يُطَوَّقه)) يُكَلَّفُ أن يجعلَه له طَوقاً، ولا يَستطيع ذلك فيُعذّب بذلك، كما جاء في حقّ مَن كَذَبَ في مَنامه كُلِّفَ أن يَعِقِدَ بين شَعيرتَينٍ(٢). ١٠٥/٥ ويُحْتَمَل - وهو الوجه الخامسُ - أن يكونَ التطويق تطويق الإثم، والمراد به: أنَّ الظُّلمَ المذكورَ لازمٌ له في عُنُقِه لُزوم الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، وبالوجه الأوَّل جَزَمَ أبو الفتحِ القُشَيري وصَحَّحَه الْبَغَوي، ويُحْتَمل أن تَتَنوَّع هذه الصِّفاتُ لصاحبِ هذه الجِناية، أو تنقسمَ أصحابُ هذه الجِناية فيُعذّب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا بحَسَب قوَّة المفسَدة وضَعْفها، وقد روى ابن أبي شيبة (٦/ ٥٦٧) بإسنادٍ (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مسند أبي يعلى))، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣١٧٢)، وفي (الصغير)) (١١٩٧)، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٧٦/٤ وعزاه للطبراني، وقال: فيه محمد بن عقبة السدوسي وثّقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم وتركه أبو زرعة. (٢) في (س): ((أن يعقد شعيرة))، والحديث عند البخاري (٤٠٢٧)، وأحمد (٣٣٨٣)، وابن ماجه (٣٩١٦) باللفظ المذكور أعلاه، وأخرجه أحمد (٢٢١٣) وأبو داود (٥٠٢٤) بلفظ: ((أن يعقد شعيرة)) من حديث ابن عباس. ٢٣ باب ١٣ / ح ٢٤٥٣ كتاب المظالم حسنٍ من حديثٍ أبي مالك الأشعري: ((أعظَمُ الغُلول عند الله يومَ القيامة ذِراعُ أرضٍ يَسِرِقُه رجلٌ فيُطوَّقَه من سبعٍ أَرَضينَ)). وفي الحديث تحريم الظَّلم والغَصبِ وتغليظ عُقُوبَته، وإمكان غَصب الأرض وأنَّه من الكَبائِرِ، قاله القُرطُبي، وكأنَّه فَرَّعَه على أنَّ الكبيرةَ ما وَرَدَ فيه وعيد شديد، وأنَّ مَن مَلَكَ أرضاً مَلَكَ أسفَلها إلى مُنتَهى الأرض، وله أن يَمنَعَ مَن حَفَرَ تحتها سَرَباً أو بئراً بغير رِضاه. وفيه أنَّ مَن مَلَكَ ظاهر الأرضِ مَلَكَ باطنها بما فيه من حِجارةٍ ثابتةٍ وأبنية ومَعادنَ وغير ذلك، وأنَّ له أن يَنزِلَ بالحَفرِ ما شاءَ ما لم يَضُرّ بمَن يُجاِرُه. وفيه أنَّ الأَرَضينَ السَّبع مُتَراكِمة لم يُفْتَق بعضُها من بعضٍ؛ لأنَّها لو فُتِقَت لاكتُفيَ في حقّ هذا الغاصب بتَطويقِ التي غَصَبَها لانفصالها عمَّا تحتها، أشار إلى ذلك الدَّاوُوديّ. وفيه أنَّ الأَرَضينَ السَّبع طِباقٌ كالسَّماواتِ، وهو ظاهرُ قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] خلافاً لمن قال: إنَّ المراد بقوله: ((سبع أرضينَ)) سبعة أقاليمَ، لأنَّه لو كان كذلك لم يُطوَّق الغاصب شِبراً من إقليم آخرَ، قاله ابن التِّين. وهو والذي قبلَه مبنيٌّ على أنَّ العقوبةَ مُتَعَلِّقة بما كان بسبِها، وإلَّا مع قطع النَّظَرِ عن ذلك لا تَلازُمَ بين ما ذَكَروه. تنبيه: ((أروى)) بفتح الهمزة وسكون الراء والقَصرِ، باسمِ الحيوان الوحشي المشهور، وفي المثَلِ يقولون إذا دَعَوا: كعَمَى الأَرْوى. قال الزُّبَير في روايته: كان أهل المدينة إذا دَعَوا قالوا: أعماه الله كعَمَى أَرْوى، يريدون هذه القِصَّةَ. قال: ثمَّ طالَ العهدُ فصارَ أهل الجهلِ يقولون: كعَمَى الأروى، يريدون الوَحش الذي بالجبلِ ويَظُنّونَه أعمى شديد العَمى، ولیس کذلك. ٢٤٥٣ - حدّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا حسينٌ، عن يحيى بنِ أبي کثیرٍ، قال: حذَّثني محمَّدُ بنُ إبراهيمَ، أنَّ أبا سَلَمَةَ حذَّثه: أنَّه كانت بينه وبين أُناسٍ خصومةٌ، فَذَكَرَ لعائشةَ رضي الله عنها، فقالت: يا أبا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأرضَ، فإنَّ النبيَّ وَّ قال: «مَن ظَلَمَ قِيدَ شِئْرٍ مِن الأرضِ طُوِّقَه من سَبْعِ أَرَضينَ)). [طرفه في: ٣١٩٥] ٢٤ باب ١٣ / ح ٢٤٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا حسين)) هو المعلِّم، ومحمد بن إبراهيم: هو التَّيْمي، وأبو سَلَمة: هو ابن عبد الرحمن، وفي هذا الإسناد ما يُشعِرُ بقِلَّة تدليس يحيى بن أبي كثير؛ لأنَّه سمِعَ الكثيرَ من أبي سَلَمة، وحدَّث عنه هنا بواسطة محمد بن إبراهيم. قوله: ((وبين أُناس خصومة)) لم أقف على أسمائهم، ووقع لمسلم (١٦١٢) من طريق حرب بن شَدّاد، عن يحيى بلفظ: ((وكان بينه وبين قومِه خصومةٌ في أرض))، ففيه نوع تعيينٍ للخصومِ وتعيين المتخاصَمِ فيه. قوله ((فذكر لعائشة)) حَذَفَ المفعول، وسيأتي في بَدْءِ الخَلقِ (٣١٩٥) من وجهٍ آخرَ بلفظ: فدَخَلَ على عائشة فذكر لها ذلك. ٢٤٥٤ - حذَّثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ المبارَكِ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبَةَ، عن سالمٍ، عن أبيه قال: قال النبيُّ وَّ: ((مَن أخذَ مِن الأرضِ شيئاً بغيرِ حَقُّه خُسِفَ به يومَ القيامةِ إلى سَبْعٍ أَرَضينَ)). قال الفِرَبْريُّ: قال أبو جعفرٍ بن أبي حاتمٍ: قال أبو عبدِ الله: هذا الحديثُ ليسَ بخُراسانَ في كُتُبِ ابنِ المبارَكِ، أُمليَ عليهم بالبَصْرةِ. [طرفه في: ٣١٩٦] قوله: «عن سالم)) هو ابن عبد الله بن عمر. قوله: ((قال الفِرَبْري: قال أبو جعفر)» هو محمد بن أبي حاتم البخاري ورّاق البخاري، وقد ذكر عنه الفِرَبْري في هذا الكتاب فوائدَ كثيرةً عن البخاري وغيره، وثبتت هذه الفائدة في رواية أبي ذرِّ عن مشائخِه الثلاثة وسَقَطَت لغيره. قوله: ((ليس بخُراسان في كُتُب ابن المبارك)) يعني: أنَّ ابن المبارك صَنَّفَ كتبه بخُراسان وحدَّث بها هناك وحَلها عنه أهلُها، وحدَّث في أسفاره بأحاديث من حفظه زائدةٍ على ما في كُتُبِه، هذا منها. ٢٥ باب ١٤ / ح ٢٤٥٥ -٢٤٥٦ كتاب المظالم قوله: ((أُمْلى عليهم بالبَصْرةِ)) كذا للمُستَمْلِي والسَّرَخْسيّ بحذف المفعول، وأثبَتَه الكُشْمِيهنيّ فقال: أملاه عليهم. واعلم أنَّه لا يَلزَمُ من كَونِه ليس في كُتُبِه التي حدَّث بها بخُراسان أن لا يكون حدَّث به بخُراسان، فإنَّ نُعيم بن حَمَّد المروَزيّ مَمَّن ◌َلَ عنه بخُراسان، وقد حدَّث عنه بهذا الحديث، وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) (٥٥٣٠) من طريقه. ويُحتَمل أن يكون نُعيم أيضاً إنَّما سمِعَه من ابن المبارَك بالبصرة، وهو من غرائب ((الصحيح)). ١٠٦/٥ ١٤ - باب إذا أذن إنسانٌ لآخر شيئاً جاز ٢٤٥٥- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن جَبَلَةَ: كَّا بالمدينةِ في بعضِ أهْلِ العراق، فأصابَنَا سَنَةٌ، فكان ابنُ الزُّبَيرِ يَرْزُقُنا التَّهْرَ، فكان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يَمُرُّ بنا فيقول: إنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ِّ نهى عن الإِقْران، إلا أن يَسْتَأْذِنَ الرجلُ منكُم أخاه. [أطرافه في: ٢٤٨٩، ٥٤٤٦،٢٤٩٠] ٢٤٥٦- حذَّثنا أبو الُّعْمان، حدَّثنا أبو عوانةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ: أَنَّ رجلاً مِن الأنصار يقال له: أبو شعيبٍ كان له غلامٌ لحّامٌّ، فقال له أبو شعيبٍ: اصْنَع لي طعامَ خمسةٍ، لَعَلِّي أَدْعُو النبيَّ وَّهِ خامِسَ خمسةٍ - وأبصَرَ في وجه النبيِّ ◌ََّ الجوعَ - فَدَعاه، فتَبِعَهم رجلٌ لم يُدْعَ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ هذا قَدِ اتَّبَعَنا، أَتَأْذَنُ له؟)) قال: نعم. قوله: ((باب إذا أذِنَ إنسانٌ لآخرَ شيئاً جاز)) قال ابن التِّين: نَصَبَ ((شيئاً)) على نَزع الخافض، والتَّقدير: في شيءٍ، كقوله تعالى: ﴿ وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وأورد المصنّف فيه حدیثین: أحدهما: لابن عمر في النَّهي عن القِران، والمراد به أن لا يَقْرِن تمرةً بتمرةٍ عند الأكلِ، لئلا يُحِحِف برُفقَتِهِ، فإن أذنوا له في ذلك جازَ؛ لأنَّه حقَّهم فلهم أن يُسقِطوه، وهذا يُقوِّي مذهب مَن يُصَحِّحُ هِبَة المجهول، وسيأتي الكلامُ على الحديث مُستَوفَّى في كتاب الأطعمة (٥٤٤٦) مع بيان حال قوله: ((إلّا أن يَستأذِنَ))، ومَن قال: إنَّه مُدَرَجٌ، إن شاء الله تعالى. ٢٦ باب ١٥-١٦ / ح ٢٤٥٧ -٢٤٥٨ فتح الباري بشرح البخاري ثانيهما: حديث أبي مسعود في قِصَّة الجَزّار الذي عَمِلَ الطَّعام والرجل الذي تَبِعَهم، فقال له النبي ◌َّ: «أتأذَنُ له؟)) وسيأتي الكلامُ عليه في الأطعمة أيضاً (٥٤٣٤). وقوله فيه: ((وأبصَرَ في وجه النبيِ نَّه)) هي جملةٌ حاليّةٌ، أي: أنَّه قال لغلامه: ((اصنَع لي)) في حال رؤيته تلك. وقوله: ((فتَبِعَهم رجلٌ فقال: إنَّ هذا اتَّبَعَنا)) بتشديد التاءِ، قال ابن التِّين: هو افتَعَلَ من تَبِعَ، وهو بمعناه، وخَبَطَ الدَّاوُودي هنا لظنِّه أنَّها همزةُ قطع، فقال: معنى («اتَّبَعَنا»: سارَ مَعَنا، وتَبِعَهم، أي: لَحِقَهم، وأطالَ ابن التِّين في تَعَقَّبِ كلامه. ١٥ - باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَذُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ٢٤٥٧ - حدّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابنِ أبي مُلَيِكةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَ ◌ّ قال: ((إنَّ أبغَضَ الرِّجال إلى الله الألَدُّ الخَصِم)). [طرفاه في: ٤٥٢٣، ٧١٨٨] قوله: (باب قولِ الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾)) الألَدّ: الشَّديد اللَّدَد، أي: الجِدال، مُشْتَقّ من اللَّديدَين: وهما صَفحَتا العُنُق، والمعنى: أنَّه من أيِّ جانبٍ أُخِذَ في الخصومة قويَ، وقيل غير ذلك فى معناه. وأورد فيه حديث عائشة: ((إنَّ أبغَضَ الرِّجال الألَدّ الخَصِم)) بفتح المعجَمة وكسر المهمَلة، أي: الشَّديد الخصومة، وسيأتي مُستَوقَ في كتاب الأحكام(١) (٧١٨٨) إن شاء الله تعالى. ١٦ - باب إثم من خاصم في باطلٍ وهو يعلمه ١٠٧/٥ ٢٤٥٨ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالح، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ زينبَ بنتَ أُمِّ سَلَمَةَ أخبَرَتْه: أنَّ أُمَّها أُمَّ سَلَمَةَ (١) كذا في الأصلين، ووقع في (س) أنه سيأتي في تفسير سورة البقرة، وسيأتي في هذا الموضع برقم (٤٥٢٣)، ولكنه لم يشرحه هناك وأحال شرحه إلى كتاب الأحكام كما وقع على الصواب في الأصلين. ٢٧ باب ١٧ -١٨ / ح ٢٤٥٩ - ٢٤٦١ كتاب المظالم رضي الله عنها زوجَ النبيِّ وََّ أخبَرَتْها، عن رسولِ الله ◌َِّ: أنَّه سمعَ خصومةً بباب حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إليهم، فقال: ((إنَّما أنا بَشَرٌ، وإِنَّه يأتيني الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بعضَكُم أن يكونَ أبلَغَ من بعضٍ، فأحسِبُ أنَّه صَدَقَ، فأقضي له بذلك، فمَن قَضَيتُ له بحقِّ مُسلِم، فإنَّا هِيَ قِطْعٌ مِن النّار، فلْيأخُذْها أو ليَتْرُكْها». [أطرافه في: ٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥] قوله: ((باب إِثْمِ مَن خاصَمَ في باطلٍ وهو يَعْلَمُهُ)) أورَدَ فيه حديث أُمِّ سَلَمة: ((فَلَعَلَّ بعضَكُم أن يكون أبلغ من بعض))، وفيه: ((فإنَّما هي قِطعةٌ من النار)) وهو ظاهرٌ فيما تَرجَمَ به، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى في كتاب الأحكام (٧١٨١) إن شاء الله تعالى. ١٧ - باب إذا خاصم فجر ٢٤٥٩- حدَّثْنا بِشْرُ بنُ خالدٍ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ الله بنِ مُرّةَ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ، قال: (أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقاً، أو كانت فيه خَصْلٌ من أربع كانت فيه خَصْلةٌ مِن النِّفاق حتَّى يَدَعَها: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخلَفَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فجَرَ)). قوله: ((باب إذا خاصَمَ فجَرَ)) أي: ذَمُّ مَن إذا خاصَمَ فَجَرَ أو إثمُه. أورَدَ فيه حديثَ عبد الله بن عَمْرو في صِفة المنافقينَ، وفيه: ((وإذا خاصَمَ فجَرَ))، وقد تقدَّم شرحُه في كتاب الإيمان (٣٤). ١٨ - باب قِصَاص المظلوم إذا وجد مالَ ظالمه وقال ابنُ سيرينَ: يُقاصُّه، وقَرَأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦ ]. ٢٤٦٠ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثني عُرْوةُ: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: جاءت هِنْدُ بنتُ عُنْبَةَ بنِ ربيعةً، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ مِسِّيكٌ، فَهَل عليَّ حَرَجُ أن أُطْعِمَ مِنَ الذي له عِيالَنا؟ فقال: ((لا حَرَجَ عليكِ أن تُطْعِميهم بالمعروفِ)). ٢٨ باب ١٨ / ح ٢٤٦١ فتح الباري بشرح البخاري ٢٤٦١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزيدُ، عن أبي الخيرِ، عن ١٠٨/٥ عُقْبَةَ بنِ عامٍ، / قال: قلنا للنبيِّ وَّهِ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَتَنْزِلُ بقوم لا يَقْرُوننا، فما تَرَى فيه؟ فقال لنا: ((إن نَزلْتُم بقومٍ فَأَمِرَ لكم بما ينبغي للضَّيفِ فاقبلوا، فإن لم يَفْعَلوا فخُذُوا منهم حقَّ الضَّيفِ». [طرفه في: ٦١٣٧] قوله: ((باب قِصاص المظْلوم إذا وَجَدَ مالَ ظالِه)) أي: هل يأخذُ منه بقدر الذي له ولو بغير حُكم حاكِمٍ؟ وهي المسألةُ المعروفةُ بمسألة الظَّفَر، وقد جَنَحَ المصنِّفُ إلى اختياره، ولهذا أورَدَ أثر ابن سیرین على عادته في التّرجیحِ بالآثار. قوله: ((وقال ابن سِيرين: يُقاصُّه)) هو بالتَّشديد، وأصلُه: يُقاصِصُه، ((وقَرَأ)) أي: ابن سيرين: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وهذا وَصَلَه عبد بن حُميد في ((تفسيره)) من طريق خالد الخَذّاء عنه بلفظ: ((إن أخذَ أحدٌ منك شيئاً فخُذْ مِثله)). ثمّ أوردَ فیه المصنّف حدیثین: أحدهما: حديث عائشة في قِصَّة هِند بنت عُتْبة، وفيه: ((أذِنَ النبيُّ ◌ََّ لها بالأخذِ من مال زوجِها بقَدرِ حاجتها))، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوَى في كتاب النَّفَقات (٥٣٦٤) إن شاء الله تعالى. قال ابن بطَّل: حديثُ هِند دالٌ على جواز أخذ صاحب الحقِّ من مال مَن لم يُوقِّه أو جَحَدَه قَدْر حقّه. قوله فیه: ((رجل مِسّیك)) بکسر الميم والتَّشدید للأكثرِ، قاله عِیَاض، قال: وفي رواية کثیر من أهل الإتقان بالفتح والتَّخفيف، وقَيَّدَه بعضهم بالوجهَين، وقال ابن الأثير: المشهورُ في كتب اللُّغة الفتح والتَّخفيف، والمشهور عند المحدِّثينَ الكسر والتَّشديد، والله أعلم. ثانيهما: حدیث عقبة بن عامر. قوله: «حدّثنی یزید» هو ابن أبي حَبيب. ٢٩ باب ١٨ / ح ٢٤٦١ كتاب المظالم قوله: ((عن أبي الخيرِ)) بالمعجَمة والتَّحتانية، ضِدّ الشَّرِّ، واسمه مَرْثَد بالمثلَّثة، والإسناد كلّهِ مِصريونَ. قوله: ((لا یَقْرُونَنا)) بفتح أوَّله وسکون القاف، ووقع في رواية الأصیلی وکریمة: ((لا يَقْرُونا» بنونٍ واحدةٍ ومنهم مَن شَدَّدَها، وللِّرمِذي (١٥٨٩): ((فلا هم يُضيِّقُونَنا ولا هم يُؤَدّون ما لنا عليهم من الحقِّ». قوله: ((فإن أبَوْا(١) فخُذُوا منهم حقَّ الضَّيفِ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((فخُذُوا منه)) أي: من مالهم، وظاهر هذا الحديث أنَّ قِرِى الضَّيفِ واجب، وأنَّ المنزولَ عليه لو امتَنَعَ من الضّيافة أُخِذَت منه قَهراً، وقال به اللَّيث مُطلَقاً، وخَصَّه أحمد بأهلِ البَوادي دون القُرى. وقال الجمهور: الضّيافةُ سُنَّة مُؤَكَّدة، وأجابوا عن حديثِ الباب بأجوبة: أحدها: حَملُه على المضطَرّينَ، ثمَّ اختلفوا هل يَلزَمُ المضطَرّ العِوَض أم لا؟ وقد تقدَّم بيانه في أواخِر أبواب اللُّقَطة (٢٤٣٥). وأشار التِّرمِذي إلى أنَّه محمولٌ على مَن طلبَ الشِّراءَ محتاجاً فامتَنَعَ صاحبُ الطَّعام، فله أن يأخُذَه منه كرهاً. قال: وروي نحو ذلك في بعضِ الحديث مُفسَّراً. ثانيها: أنَّ ذلك كان في أوَّل الإسلام، وكانت المواساة واجبةً، فلمَّا فُتِحَت الفُتوح نُسِخَ ذلك، ويدلُّ على نَسخِه قوله في حديثٍ أبي شُرَيح عند مسلم (٤٨) في حقِّ الضَّيف: ((وجائزته يوم وليلة))، والجائزة تَفَضُّلٌ لا واجبةٌ، وهذا ضعيف لاحتمال أن يُراد بالتَّفَضُّلِ تمام اليومِ واللَّيلة لا أصل الضّيافة. وفي حديث المقدام بن مَعْدي كَرِب مرفوعاً: ((أيُّما رجلٍ ضافَ قوماً فأصبَحَ الضَّيف محروماً، فإنَّ نَصْرَه حقٍّ على كلّ مسلم حتَّى يأخُذَ بقِرَى ليلته من زرعِه ومالِه)) أخرجه أبو داود (٣٧٥١)(٢)، وهو محمولٌ على ما إذا لم يَظفَر منه بشيء. (١) كذا وقع للحافظ، والذي في روايات ((الصحيح)) وغيره: ((فإن لم يفعلوا))! (٢) وفي إسناده سعيد بن أبي المهاجر، وهو مجهول، وانظر تمام تخريجه في ((مسند أحمد)) (١٧١٧٨). ٣٠ باب ١٩ / ح ٢٤٦٢ فتح الباري بشرح البخاري ثالثها: أنَّه مخصوصٌ بالعمّال المبعوثينَ لقَبضِ الصَّدَقات من جِهَة الإمام، فكان على ١٠٩/٥ المبعوثِ إليهم إنزالهم في مُقَابَلة عملِهِم الذي يَتَوَلَّونَه؛ لأنَّه لا قيام لهم إلَّا بذلك، / حَكَاه الخطّابي، قال: وكان هذا في ذلك الزَّمان إذ لم يكن للمسلمينَ بيت مال، فأمَّا اليوم فأرزاق العمّال من بيت المال، قال: وإلى نحوِ هذا ذهب أبو يوسف في الضّيافة على أهل نجران خاصَّةً، قال: ويدلُّ له قوله: ((إِنَّك تَبعَثُنا))، وتُعُقِّبَ بأنَّ في رواية التِّرمِذي (١٥٨٩): إنّا نَهُرُّ بقوم. رابعها: أنَّه خاصٍّ بأهلِ الذِّمَّة، وقد شَرَطَ عمرُ حينَ ضرب الجِزية على نَصارى الشّام ضيافة مَن نزلَ بهم، وتُعقّب بأنَّه تخصيصٌ يحتاجُ إلى دليل خاصٍّ، ولا حُجَّة لذلك فيما صَنَعَه عمر؛ لأنَّه مُتأخّرٌ عن زمان سُؤال عُقْبة، أشار إلى ذلك النَّوَوي. خامسها: تأويل المأخوذ، فحكى المازَرِيّ عن الشَّيخ أبي الحسن من المالكية أنَّ المراد: أنَّ لكم أن تأخُذوا من أعراضهم بألسِنَتِكُم وتَذْكُرُوا للنّاس عيبَهم. وتَعَقَّبَه المازَرِيّ بأنَّ الأخذَ من العِرضِ وذِكْرَ العيب نُدِبَ في الشَّرعِ إلى تركِه لا إلى فعلِه. وأقوى الأجوبة الأوَّل، واستُدِلَّ به على مسألة الظَّفَر، وبها قال الشّافعي، فجَزَمَ بجوازِ الأخذِ فيما إذا لم يُمكِن تحصيل الحقّ بالقاضي، كأن يكون غريمه مُنكِراً ولا بيِّنَّةً له عند وجودِ الجِنسِ، فيجوزُ عنده أخذُه إن ظَفِرَ به، وأَخْذُ غيرِهِ بِقَدْره إن لم يَجِده، ويَجتَهِد في التَّقويمِ ولا يَحِيف، فإن أمكَنَ تحصيل الحقّ بالقاضي، فالأصَحّ عند أكثرِ الشّافعية الجواز أيضاً، وعند المالكية الخِلاف، وجَوَّزَه الحنفية في المِثْلِيِّ دون المتقَوَّمِ لمَا يُحْشى فيه من الحَيف، واتَّفَقوا على أنَّ مَحَلّ الجواز في الأموال لا في العُقوبات البَدَنية لكَثْرة الغَوائل(١) في ذلك، ومَحَلّ الجواز في الأموال أيضاً ما إذا أمِنَ الغائلة كنِسبَتِه إلى السَّرقة ونحو ذلك. ١٩ - باب ما جاء في السقائف وجَلَسَ النبيُّ ◌َرِ وأصحابُه في سَقيفة بني ساعدةَ. ٢٤٦٢ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثْني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني مالكٌ. وأخبرني (١) جمع غائلة، والمراد بها الضررُ الكبير أو المصيبة. ٣١ باب ١٩ / ح ٢٤٦٢ كتاب المظالم يونس، عن ابنِ شِهَابٍ، أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخبَرَه، عن عمرَ رضي الله عنهم، قال حينَ تَوَفَّى اللهُ نبِيَّه ◌ِِّ: إِنَّ الأنصارَ اجْتَمَعوا في سَقيفة بني ساعدةَ، فقلتُ لأبي بكرٍ: انطَلِقٍ بنا، فجِتْناهم في سَقيفة بني ساعدةً. [أطرافه في: ٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٧٣٢٣،٦٨٣٠] قوله: ((باب ما جاء في السَّقائف» جمع سقيفة: وهي المكانُ المظَلَّلُ كالسَّاباط أو الحانوتِ بجانبِ الدّار، وكأنَّه أشار إلى أنَّ الجلوسَ في الأمكِنة العامَّة جائز، وأنَّ اتَِّاذَ صاحبِ الدّار ساباطاً أو مُستَظَلَّاً جائز إذا لم يَضُرَّ المارَّةَ. قوله: ((وجَلَسَ النبيِّهِ فِي سَقيفة بني ساعِدَة)) هو طَرَفٌ من حديث لسَهل بن سعد أسنَدَه المؤَلِّفُ في الأشربة (٥٦٣٧) في أثناءِ حديث، وخَفِيَ ذلك على الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث - يعني: حديثَ عمرَ - أَنَّهِ وََّ جَلَسَ في السَّقيفة. انتهى، والسَّببُ في غَفلَتِهِ عن ذلك أنَّه حَذَفَ الحديثَ المعَلَّقَ الذي أشَرت إليه، واقتَصَرَ على الحديث المرفوعِ عن عمرَ الموصول، مع أنَّ البخاري لم يُترجِم بجُلوسِ النبيِ وَِّ وإِنَّمَا تَرجَمَ بما جاء في السَّقائف، ثمَّ ذكر الحديث المصَرِّح بجُلوسِ النبي ◌َِّ وأورَدَه مُعلَّقاً، ثمَّ بالحديث الذي فيه أنَّ الصحابةَ جَلَسوا فيها، وأورَدَه موصولاً، فكأنَّ الإسماعيلي ظَنَّ أنَّ قوله: ((وجَلَسَ)) من كلام البخاري، لا أنَّه حديث مُعلَّقٌ، وسَقيفة بني ساعدة كانوا يجتمعون فيها، وكانت مُشْتَرَكَةً بينهم، وجَلس النبي ◌َّ معهم فيها عندهم. قوله: ((حدَّثْني مالكٌ وأخبرني يونس)) أي: ابن يزيد/ ((عن ابن شِهَابٍ)) يعني: أنَّ كلَّ ١١٠/٥ منهما رواه لابن وَهْبٍ عن ابن شِهَاب، وكان ابن وَهْب حريصاً على التَّفْرِقة بين التحديث والإخبار مُراعاة للاصطلاح، ويقال: إنَّه أوَّلُ مَن اصطَلَحَ على ذلك بمِصرَ. قوله: ((إنَّ الأنصارَ اجْتَمَعوا في سَقيفة بني ساعِدَة)» هو مختصرٌ من قِصَّة بيعة أبي بكر الصِّدّيق، وسيأتي في الهجرة (٣٦٦٨) وفي كتاب الحدود (٦٨٣٠) بطولِه، ونَستَوفي شرحه هناك إن شاء الله تعالی. والغَرَضُ منه أنَّ الصحابةَ استَمَرّوا على الجلوسِ في السَّقيفة المذكورة، وقال الكِرْماني: ٣٢ باب ٢٠ / ح ٢٤٦٣ فتح الباري بشرح البخاري مُطابقةُ الحديث للترجمة أنَّ الجلوسَ في السَّقيفة العامَّة ليس ظُلماً. ٢٠- باب لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً في جداره ٢٤٦٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((لا يَمْنَع جارٌ جارَه أن يَغْرِزَ خَشَبَه في جِداره)» ثمَّ يقول أبو هريرةَ: ما لي أراكُم عَنْها مُعْرِضينَ؟! والله لأرمیَنَّ بها بین أكتافِگُم. [طرفاه في: ٥٦٢٧، ٥٦٢٨] قوله: ((باب لا يَمْنَعُ جارٌ جارَه أن يَغْرِزَ خَشَبةً في جِدارهِ» كذا لأبي ذرِّ بالتنوين على إفراد الخَشَبة، ولِغيره بصيغة الجمع، وهو الذي في حديثِ الباب، قال ابن عبد البَرّ: رويَ اللَّفظان في ((الموطَّأ)) (٧٤٥/٢) والمعنى واحد؛ لأنَّ المراد بالواحدِ الجِنس. انتهى، وهذا الذي يَتَعيَّنُ للجمع بين الرِّوايَتَين، وإلَّ فالمعنى قد يختلفُ باعتبار أنَّ أمر الخَشَبة الواحدة أَخَفّ في مُسامحة الجار بخِلاف الخَشَب الكثير، وروى الطَّحَاويّ(١) عن جماعةٍ من المشايخِ أنَّهِم رَوَوه بالإفراد، وأنكَرَ ذلك عبد الغني بن سعيد، فقال: الناسُ كلّهم يقولونَه بالجمعِ إلَّ الطَّحَاوي، وما ذكرتُه من اختلاف الرُّواة في ((الصحيح)) يردُّ على عبد الغني بن سعيد، إلَّا إن أراد خاصّاً من الناس كالذين روى عنهم الطَّحَاوي، فلَه اتّجاه. قوله: ((عن ابن شِهَاب)) كذا في ((الموطَّ)): وقال خالد بن تَخَلَد، عن مالك: ((عن أبي الزِّناد)) بدل الزّهري، وقال بشر بن عمر عن مالك: ((عن الزُّهري عن أبي سَلَمة)) بدل الأعرج، ووافقَه هشام بن يوسف عن مالك، ومَعمَر عن الزُّهري، ورواه الدّارَقُطني في («الغرائبٍ)) وقال: المحفوظُ عن مالك الأوَّل. وقال في ((العِلَلِ)): رواه هشام الدَّستوائي، عن مَعمَر، عن الزّهري، عن سعيد بن المسيّب، بدل الأعرَج، وكذا قال عُقَيل عن الزُّهري، وقال ابن أبي حفصة: ((عن الزُّهري عن حُميد بن عبد الرحمن)) بدل الأعرج، والمحفوظ عن الزُّهري: عن الأعرَجِ، وبذلك جَزَمَ ابن عبد البَرِّ أيضاً، ثمَّ أشار إلى أنَّه (١) في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٠٢/٦-٢٠٥. ٣٣ باب ٢٠ / ح ٢٤٦٣ كتاب المظالم يُحتمل أن يكون عند الزُّهري عن الجميع. قوله: (لا يَمْنَعْ)) بالجَزْم على أنَّ ((لا)) ناهية، ولأبي ذرِّ بالرفع على أنَّه خبر بمعنى النَّهي، ولأحمد (٧١٥٤): ((لا يَمنَعَنَّ)) بزيادة نون التَّوكيد، وهي تُؤْيِّدُ رواية الجَزْم. قوله: ((جارٌ جارَه ... )) إلى آخره، استُدِلَّ به على أنَّ الجِدارَ إذا كان لواحدٍ وله جارٌ فأراد أن يَضَعَ جِذْعَه عليه جازَ، سواء أذِنَ المالكُ أم لا، فإن امتَنَعَ أُجبِرَ، وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهلِ الحديث، وابن حَبيب من المالكية، والشّافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان، أشهَرُهما: اشتراط إذن المالكِ، فإن امتَنَعَ لم يُحبَ، وهو قولُ الحنفية، وحَمَلُوا الأمرَ في الحديث على النَّدب، والنَّهيَ على التَّنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديثِ الدّالَّة على تحريمِ مال المسلمِ إلَّا بِرِضاه(١)، وفيه نظر كما سيأتي، وجَزَمَ التِّرمِذي وابن عبد البَرِّ عن الشّافعي بالقولِ القديمِ، وهو نصُّه في البوَيطي، قال البيهقي: لم نَجِد في السُّنَن الصحيحة ما يُعارضُ هذا الحكم إلَّا عُمومات لا يُستَنكَرُ أن نَخُصَّها وقد حَمَلَه الراوي على ظاهره، وهو أعلمُ بالمراد بما حدَّث به، يشيرُ إلى قولِ أبي هريرة: ما لي أراكُم عنها مُعرِضينَ. قوله: «ثمَّ یقول أبو هريرة» في رواية ابن عُبینة عند أبي داود (٣٦٣٤): فنَگَّسوا رُؤوسهم، ١١١/٥ ولأحمد (٧٢٧٨): فلمَّا حدَّثهم أبو هريرة بذلك طأطؤُوا رؤوسهم. قوله: ((عَنْها)) أي: عن هذه السُّنَّة أو عن هذه المقالة. قوله: (لَأَرمِيَّها)) في رواية أبي داود: (لَأُلِقِينَها)) أي: لَأُشِيعَنَّ هذه المقالة فيكم، ولأَقرعنّكم بها كما يُضرَبُ الإنسان بالشيءٍ بين كَتِفَيه ليستَيقِظ من غَفَلَتِهِ. قوله: ((بين أكتافكُمْ)) قال ابن عبد البَرّ: رُوِّيناه في ((الموطَّأ)) بالمثنَّة وبالنّون. والأكنافُ بالنّون جمع كَنَف بفتحِها: وهو الجانب، قال الخطّابي: معناه: إن لم تَقبَلوا هذا الحكمَ وتَعمَلوا به راضينَ لأجعَلَنَّها، أي: الخَشَبَةَ، على رِقابكُم كارهينَ، قال: وأراد بذلك المبالَغَة. وبهذا التَّأويلِ جَزَمَ إِمامُ الحَرَمَين تَبَعاً لغيره، وقال: إنَّ ذلك وقع من أبي هريرة حين (١) انظر ما سلف برقم (٢٤٣٥) ... ٣٤ باب ٢٠ / ح ٢٤٦٣ فتح الباري بشرح البخاري كان يَلي إمرةَ المدينة، وقد وقع عند ابن عبد البَرِّ (٢٢٩/١٠) من وجهٍ آخرَ: «لَأرمينَّ بها بين أعيُنِكُم وإن كرهتُم))، وهذا يُرجِّحُ التَّأويل المتقَدِّم. واستَدَلَّ المهلَّب من المالكية بقولِ أبي هريرة: ((ما لي أراكُم عنها مُعرِضينَ؟!)) بأنَّ العملَ كان في ذلك العصرِ على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، قال: لأنَّه لو كان على الوجوب لمّا جَهِلَ الصحابةُ تأويله، ولا أعرضوا عن أبي هريرة حينَ حدَّثهم به، فلولا أنَّ الحكمَ قد تَقَرَّرَ عندهم بخِلافه، لما جازَ عليهم جهل هذه الفريضة، فدَلَّ على أنَّهم حَمَلوا الأمرَ في ذلك على الاستحباب، انتھی. وما أدري من أينَ له أنَّ المعرضينَ كانوا صَحابةً، وأَّهم كانوا عَدَداً لا يَجهلُ مِثْلُهم الحكمَ، ولِمَ لا يجوزُ أن يكون الذين خاطَبَهم أبو هريرة بذلك كانوا غيرَ فقهاءَ، بل ذلك هو المتعيِّن، وإلَّا فلو كانوا صَحابةً أو فقهاءَ ما واجَهَهم بذلك. وقد قَوّى الشّافعي في القديم القولَ بالوجوب بأنَّ عمرَ قضى به ولم يُخالفه أحد من أهل عصره، فكان اتِّفاقاً منهم على ذلك. انتهى، ودعوى الاتّفاق هنا أولى من دعوى المهلَّب؛ لأَنَّ أكثرَ أهل عصر عمر كانوا صَحابةً، وغالب أحكامه مُنتَشِرةٌ لطولٍ وٍلايَته، وأبو هريرة إنَّما كان يَلي إمرةً المدينة نيابة عن مروان في بعض الأحيان. وأشار الشّافعي إلى ما أخرجه مالكٌ (٧٤٦/٢) ورواه هو عنه (٢٤٤/٧) بسندٍ صحيح: أنَّ الضَّحّاكَ بن خليفة سألَ محمد بن مَسَلَمة أن يَسُوقَ خَلیجاً له فيَهُرَّ به في أرضٍِ محمد بن مَسَلَمة، فامتَنَع، فكَلَّمَه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله لَيَمْرَّنَّ به ولو على بَطنِك، فحَمَلَ عمرُ الأمر على ظاهره، وعَدّاه إلى كلِّ ما يحتاجُ الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضِه. وفي دعوى العملِ على خلافه نظر، فقد روى ابن ماجَهْ (٢٣٣٦) والبيهقي (٦٩/٦ و١٥٧) من طريق ◌ِكْرمة بن سَلَمة: أنَّ أخَوَين من بني المغيرة أعتَقَ أحدَهما (١) إنْ غَرَزَ أحدٌ (١) قوله: ((أعتق أحدهما إن غرز أحد ... )) أي: حلف بالعتق على أن لا يغرز خشباً لآخر في جداره. والمراد : = ٣٥ باب ٢٠ / ح ٢٤٦٣ كتاب المظالم في جِداره خَشَباً، فأقبَلَ مُجُمِّع بن جارية ورجال كثير من الأنصار فقالوا: نَشْهَد أنَّ رسولَ اللهِوَّ قال .. الحديث، فقال الآخر: يا أخي قد عَلِمت أنَّك مَقضيٍّ لك عليَّ وقد حَلَفتُ، فاجعَل ◌ُسطواناً دون جِداري، فاجعَل عليه خَشَبَك. وروى ابن إسحاق في ((مسندِه)) والبيهقي (٦٩/٦) من طريقه عن يحيى بن جَعْدة أحد التابعينَ قال: أراد رجلٌ أن يَضَعَ خَشَبَةً على جِدار صاحبِه بغير إذنِه فمَنَعَه، فإذا مَن شئتَ من الأنصار يُحدِّثون عن رسولِ الله وَِّ: أنَّه ◌َهاه أن يَمنَعَه، فجُبِرَ على ذلك. وقَيَّدَ بعضهم الوجوب بما إذا تقدَّم استئذان الجار في ذلك مُستَنِداً إلى ذكرِ الإذن في بعضٍ طرقه، وهو في رواية ابن عُيَينة عند أبي داود (٣٦٣٤) وعُقَيل (١) أيضاً، ولأحمد (٩٩٦١) عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك: «مَن سألَه جارُه))، وكذا لابن حِبَّان من طريق اللَّيث عن مالك(٢)، وكذا لأبي عَوَانة (٥٥٤٣) من طريق زياد بن سعد عن الزُّهري، وأخرجه البَزّار (٨٧٨٦ و٨٧٨٧) من طريق عِكْرمةَ عن أبي هريرة. ومنهم مَن حَمَلَ الضَّمير في ((جِداره)) على صاحبِ الجِذعِ، أي: لا يَمنَعُه أن يَضَعَ جِذْعَه على جِدار نفسه ولو تَضَرَّرَ به من جِهَة مَنع الضَّوءِ مثلاً، ولا يخفى بُعْدُه، وقد تَعَقَّبَه ابن التِّين بأنَّه إحداثُ قولٍ ثالثٍ في معنى الخبر، وقد رَدَّه أكثرُ أهل الأصول، وفيما قال نظر؛ لأنَّ لهذا القائلِ أن يقولَ: هذا ممّا يُستَفادُ من عُمومِ النَّهي، لا أنَّه المراد فقط، والله أعلم. ومَحَلّ الوجوب عند مَن قال به أن يحتاجَ إليه الجارُ ولا يَضَعَ عليه ما يَتضرَّرُ به المالكُ، ١١٢/٥ ولا يُقدَّم على حاجة المالك، ولا فرقَ بين أن يحتاجَ في وضعِ الجِذعِ إلى نَقْبِ الجِدار أو لا؛ لأَنَّ رأس الجِدعِ يَسُدُّ المنفَتِحَ ويُقوِّي الجِدارَ. = أنه لو أجاز الشارعُ غرز خشبة في جداري لأعتقت عبدي؛ ولذلك تكلف ببناء الأسطوانة حين علم بالحدیث. (١) أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢٤١٨) من طريقه عن الزهري. (٢) بل هو عند أبي عوانة أيضاً (٥٥٤٢) من طريق الليث عن مالك، أما لفظه عند ابن حبان (٥١٥) من الطريق المذكور فهو: ((لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة على جداره)» ليس فيه استئذان الجار. ٣٦ باب ٢١ -٢٢ / ح ٢٤٦٤ -٢٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢١ - باب صبِّ الخمر في الطريق ٢٤٦٤ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ أبو يحيى، أخبرنا عَفّانُ، حدَّثنا حمادُ بنُ زیدٍ، حدّثنا ثابتٌ، عن أنسٍ ﴾: كنتُ ساقِيَ القومِ في مَنْزِلِ أبي طَلْحةَ، وكان خمرُهم يومَئذٍ الفَضِيخَ، فأمُرَ رسولُ الله ◌َّهِ مُنادِياً ينادي: ((ألا إنَّ الخمرَ قد حُرِّمَتْ)) قال: فَجَرَتْ في سِكَكِ المدينة، قال: فقال لي أبو طَلْحةَ: اخرُج فأهْرِقْها، فخَرَجْتُ فهَرَقْتُها، فجَرَت في ◌ِكَكِ المدينةِ، فقال بعضُ القومِ: قد قُتِلَ قومٌ وهي في بُطُونِهِم! فأنزلَ الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآيةَ [المائدة: ٩٣]. [أطرافه في: ٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣] قوله: ((باب صَبّ الخمر في الطَّريقِ)) أي: المشتَرَكة، إذا تَعيَّنَ ذلك طريقاً لإزالة مَفسَدةٍ تكون أقوى من المفسدة الحاصلة بصَبِّها. قوله: ((حدَّثنا محمد بن عبد الرحيم)) هو المعروفُ بصاعِقةً، وشيخُه عَفّان من كِبار شُيوخ البخاري، وأكثر ما يُحدِّثُ عنه في ((الصحيح)) بواسطة. قوله: ((كنت ساقي القوم)) سيأتي تسمية مَن عُرِفَ منهم في كتاب الأشربة (٥٥٨٢) مع الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله: ((فجَرَت في سِكَكِ المدينةِ)) أي: طُرقها، وفي السّياق حذف تقديره: حُرِّمَت فأمَرَ النبيِ وَلّ بإراقَتِها فأُريقَت فجَرَت، وسيأتي مزيد بيان لذلك في تفسير المائدة (٤٦٢٠). قال المهلَّب: إنَّما صُبَّت الخمر في الطَّريقِ للإعلان برَفضِها، ولُيُشْهَر تركُها، وذلك أرجَح في المصلحة من التَّأَذِي بصَبِّها في الطَّريق. ٢٢ - باب أفنية الدُّور والجلوس فيها، والجلوس على الصُّعُدات وقالت عائشةُ: فَابْتَنَى أبو بكرٍ مسجداً بفِناءِ داره يُصلِّي فيه ويَقْرَأُ القُرْآنَ، فيَتَقَصَّفُ عليه نِساءُ المشرِكِينَ وأبناؤُهم يَعْجَبُونَ منه، والنبيُّ ◌َّهِ يومَئذٍ بمكَّةً. ٣٧ باب ٢٢ / ح ٢٤٦٥ كتاب المظالم ٢٤٦٥ - حدَّثنا معاذُ بنُ فَضالةَ، حدَّثنا أبو عمرَ حفصُ بنُ مَيسَرةَ، عن زيد بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ ﴾، عن النبيِّوََّ، قال: ((إيّاكُم والجلوسَ على الطُّرقات)) فقالوا: ما لنا بٌُّّ، إنَّما هي تجالسُنا نَتَحدَّثُ فيها، قال: ((فإذا أَتَيْتُم إلى المجالسِ، فأعطُوا الطَّرِيقَ حقّها)) قالوا: وما حُّ الطَّرِيقِ؟ قال: ((غَضُّ البَصَرِ، وَفُّ الأَى، ورَةُ السلامِ، وأمرٌ بالمعروفِ، ونَهْيٌ عن المنكَرِ)). [طرفه في: ٦٢٢٩] قوله: ((باب أفنية الدّور والجلوس فيها والجلوس على الصُّعُدات)) أمَّا الأفنية فهي جمعُ ١١٣/٥ فِناء، بكسر الفاءِ والمدِّ وقد تُقْصَر: وهو المكانُ المتَّسِعُ أمام الدُّور، والتَّرجمة معقودة لجواز تحجيره بالبناء، وعليه جَرى العملُ في بناءِ المساطبٍ في أبواب الدُّور، والجوازُ مُقيَّد بعَدَمِ الضَّرَرِ للجار والمارّ. والصُّعُدات بضمَّتَين: جمع صُعُد بضمَّتَين أيضاً، وقد يُفتَحُ أوَّله، وهو جمع صَعيد، كطَرِيق وطُرُقات (١) وزناً ومعنَى، والمراد به ما يُرادُ من الفِناء. وزَعَمَ ثَعَلَب أنَّ المراد بالصُّعُدات: وَجهُ الأرضِ، ويَلتَحِقُ بما ذكر ما في معناه من الجلوسِ في الَوانيتِ وفي الشَّبابيكِ المشرفة على المارِّ، حيثُ تكون في غير العُلوّ. قوله: ((وقالت عائشة: فابْتَنَى أبو بَكْر مسجداً ... )) الحديث، هو طَرَفٌ من حديث طَويلٍ وَصَلَه المؤَلِّف في الهجرة (٣٩٠٥) بطولِه، ومضى في أبواب المساجد (٤٧٦)، وتَرَجَمَ له: ((المسجد یکون بالطَّريقِ من غیر ضَرَرٍ بالناس)). قوله: ((إياكُم والجلوسَ)) بالنَّصب على التَّحذير. قوله: ((الطُّرقات)) تَرجَمَ بالصُّعُدات ولفظ المتن: ((الطَّرقات))، إشارة إلى تَساوِيهما في المعنى، وقد وَرَدَ بلفظ ((الصُّعُدات)) من حديث أبي هريرة عند ابن حِبَّان (٥٩٦)، وهو عند (١) كان ينبغي أن يقال: كطَريق وطُرُق وطُرُقات؛ لأَنَّ قوله: ((صُعُد)) يقابله في القياس: طُرُق، لا طريق، فيكون ((الصُّعُدات)) جمع الجمع. انظر ((معجم مقاييس اللغة)) و((لسان العرب)) (صعد). : ٣٨ باب ٢٢ / ح ٢٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري أبي داود (٤٨١٦) بلفظ: ((الطَّرقات))، وزاد في المتن(١): ((وإرشاد السَّبيل، وتشميت العاطسِ إذا حَمِدَ))، ومن حديثٍ عمرَ عند الطََّري وزاد في المتن: ((وإغاثة الملهوفِ))(٢). قوله: ((قالوا: ما لنا من مجالسِنا بُدّ)) القائل ذلك هو أبو طلحة، وهو بيِّن من روايته عند مسلم(٣). قوله: ((فإذا أتيتُم إلى المجالسِ)) كذا للأكثرِ بالمثنَّاة وبإلى التي للغاية، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((فإذا أبيتُم)) بالموخَّدة، وقال: ((إلَّا)) بالتَّشديد، وهكذا وقع في كتاب الاستئذان (٦٢٢٩) بالموخَّدة، و((إلَّا)) التي هي حرف استثناءٍ وهو الصَّواب. و((المجالس)) فيها استعمال المجالسِ بمعنى الجلوس، وقد تَبيَّنَ من سياق الحديث أنَّ النَّهيَ عن ذلك للتَّنزيه، لئلّا يَضعُفَ الجالسُ عن أداء الحقّ الذي عليه، وأشار بغَضِّ البَصَرِ إلى السلامة من التَّعرُّضِ للفتنة بمَن يَمُرُّ من النِّساء وغيرهنَّ، وبكَفِّ الأذى إلى السلامة من الاحتقار والغيبة ونحوِها، وبرَدِّ السلام إلى إكرام المارّ، وبالأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكَرِ إلى استعمال جميعٍ ما يُشرَعُ وتركِ جميعٍ ما لا يُشرَع. وفيه حُجَّةٌ لمن يقول: بأنَّ سدَّ الذَّرائع بطريق الأولى لا على الحَتْمِ؛ لأنَّه نهى أوَّلاً عن الجلوسِ حَسماً للمادة، فلمَّا قالوا: ((ما لنا منها بُدّ)) ذكر لهم المقاصد الأصلية للمَنع، فَعُرف أنَّ النَّهيَ الأوَّلَ للإرشاد إلى الأصلح. ويُؤخذ منه أنَّ دَفعَ المفسَدة أوْلى من جَلْبِ المصلحة، لنَدْبِهِ أوَّلاً إلى تركِ الجلوسِ مع ما فيه من الأجرِ لمن عَمِلَ بحقّ الطَّريق، وذلك أنَّ الاحتياطَ لطلبِ السلامة آكَدُ من الطَّمَعِ في الزِّيادة، وسيأتي بقيةُ الكلام على هذا الحديث في كتاب الاستئذان مع الإشارة إلى بقية الخِصال التي وَرَدَ ذكرُها في غير هذا الحديث إن شاء الله تعالى. (١) لم يقع عند أبي داود من الزيادتين المذكورتين إلّا قوله: ((وإرشاد السبيل))، والزيادة الأخرى هي عند ابن حبان في «صحيحه» (٥٩٦). (٢) وهذه الزيادة عند أبي داود أيضاً برقم (٤٨١٧). (٣) برقم (٢١٦١) من حديث أبي طلحة، وقال فيه: فقلنا: إنما قعدنا لغير ما بأس ... إلخ. ٣٩ باب ٢٣ - ٢٤ / ح ٢٤٦٦ كتاب المظالم ٢٣ - باب الآبار التي على الطَّريق إذا لم يُتَأَذّ بها ٢٤٦٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُّ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن سُميٍّ مَوْلَى أبي بكرٍ، عن أبي صالحٍ السَّان، عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((بينما رجلٌ بطَرِيقٍ فاشتَّ عليه العَطَشُ، فوَجَدَ بئراً فنزلَ فيها فشَرِبَ، ثمَّ خَرَجَ، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الفَّرَى مِن العَطَشِ، فقال الرجلُ: لقد بَلَغَ هذا الكلبَ مِن العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كان بَلَغَ منّي، فنزلَ الِثُرَ فمَلأ خُفَّه ماءً، فسَقَى الكلبَ، فشَكَرَ اللهُ له، فَغَفَرَ له)) قالوا: يا رسولَ الله، وإنَّ لنا في البَهائمِ لأجْراً؟ فقال: ((في كلِّ ذات گَبِدٍ رَطْبٍ أْرٌ)). قوله: (باب الآبار)) بمَدَّة وتخفيف الموحَّدة، ويجوزُ بغير مَدِّ وتَسكين الموحّدة بعدَها ١١٤/٥ همزةٌ، وهو الأصلُ في هذا الجمع. قوله: ((التي على الطَّريقِ إذا لم يُتَأَذَّ بها)) بضمّ أوَّل ((يُتَأنَّ) على البناءِ للمجهولِ، أي: إنَّ حَفرَها جائز في طرق المسلمين لعُمومِ النَّعِ بها إذا لم يحصل بها تأذَّ لأحدٍ منهم. وذكر فيه حديث أبي هريرة في الذي وَجَدَ بئراً في الطَّرِيقِ فنزلَ فيها فشَرِبَ ثمَّ سقى الكلبَ، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب الشِّرب (٢٣٦٣). وقوله في هذه الرِّواية: ((يَلَهَثُ يأكُلُ الثَّرى)) يجوزُ أن يكون خبراً ثانياً وأن يكون حالاً. وقوله: «في کلِّ ذات کېد» أي: في إرواء کلّ ذات گَبِد. ٢٤ - باب إماطة الأذى وقال همٌَّ، عن أبي هريرةَ عُ، عن النبيِّ ◌َّ: ((يُمِيطُ الأذى عن الطَّرِيقِ صدقةٌ)). قوله: ((باب إماطة الأذى)) أي: إزالَته. قوله: ((وقال هِمَّام ... )) إلى آخره، هو طَرَفٌ من حديثٍ وَصَلَه المصنّف في الجهاد (٢٩٨٩) في ((باب مَن أخذَ بالرِّكاب)) بلفظ: ((وتُميطُ الأذى عن الطَّريقِ صدقةٌ))، وسيأتي الكلامُ عليه هناك إن شاء الله تعالى. ووقع في حديثٍ أبي صالح عن أبي هريرة ٤٠ باب ٢٥ / ح ٢٤٦٧ - ٢٤٦٩ فتح الباري بشرح البخاري في ذكرِ شُعَبِ الإيمان: ((أعلاها شهادة أن لا إلهَ إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريقِ))(١). ومعنى كَونِ الإماطة صدقة: أنَّه تَسَبَّبَ إلى سلامة مَن يَمُرُّ به من الأذى، فكأنَّه تَصَدَّقَ عليه بذلك، فحَصَلَ له أجر الصَّدَقة. وقد جَعَلَ النبي ◌َِّ الإمساكَ عن الشَّرِّ صدقة على النَّفْس. ٢٥ - باب الغُرْفة والعُلِّية المشرفة وغير المشرفة في السُّطُوحِ وغيرِها ٢٤٦٧ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن أُسامةَ ابن زيدٍ رضي الله عنهما، قال: أَشْرَفَ النبيُّ وَّهِ على أُطُم من آطام المدينةِ، ثمَّ قال: «هل تَرَوْنَ ما أَرَى؟ إنِّي أَرَى مَواقِعَ الفِتَنِ خِلالَ بُيُوتِكُمْ كمَواقِعِ القَطْرِ ». ٢٤٦٨ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ أبي ثَوْرٍ، عن عبدِ الله بنِ عِبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لم أزَل حَرِيصاً على أن أسألَ عمرَ ﴾ عن المرأتينِ من أزْواجِ النبيِّ وَّهِ اللَّتَينِ قال الله لهما: ﴿ إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فحَجَجْتُ معه، فعَدَلَ وعَدَلْتُ معه بالإداوةِ، فَتَبَرَّزَ ثُمّ جاء فسَكَبتُ على يَدَيهِ مِن الإداوَةِ فَتَوضَّأَ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، مَنِ المرأتان من أزْواجِ النبيِّ ◌َّل اللَّتان قال الله عزَّ وجلَّ لهما: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى الَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقال: واعَجَباً لكَ يا ابنَ عبَّاسٍ! عائشةُ وحفصةُ. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عمرُ الحديثَ يَسُوقُه، فقال: إنّي كنتُ وجارٌ لي مِن الأنصار في بني أُمَّةَ بنِ زيدٍ - وهي من عَوالي المدينةِ - وكنّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ على النبيِّ ◌َّةِ، فِيَنْزِلُ يوماً وأنْزِلُ يوماً، فإذا نزلْتُ جِئْتُهُ من خَبَرِّ ذلك اليومِ مِن الأمر وغيرِهِ، وإذا نزلَ فعَلَ مثلَه، وكَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ ١١٥/٥ النِّساءَ،/ فلمَّا قَدِمْنا على الأنصار إذْ هم قومٌ تَغْلِيُهم نِساؤُهم، فطَفِقَ نِساؤُنا يأخُذْنَ من أدَبِ نِساءِ الأنصار، فصِحْتُ على امرأتي فراجَعَتْني، فَأَنْكَرْتُ أن تُراجِعَني، فقالت: ولِمَ تُنْكِرُ أن (١) أخرجه مسلم (٣٥) (٥٨)، وأصله عند البخاري مختصراً سلف برقم (٩).