Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ باب ٢ / ح ٢٤٢٧ كتاب اللقطة وقد حكى صاحب ((الهِداية)) من الحنفية روايةً عندهم: أنَّ الأمرَ في التَّعريفِ مُفَوَّضٌ لأمر الملتَقِط، فعليه أن يُعرِّفَها إلى أن يَغلِبَ على ظنِّه أنَّ صاحبَها لا يَطلُبُها بعدَ ذلك، والله أعلم. وسيأتي بقية الكلام على حديث أبيّ بن كعب في أواخر أبواب اللُّقَطة قريباً (٢٤٣٧) إن شاء الله تعالى. ٢- باب ضالة الإبل ٢٤٢٧ - حَدَّثني عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمن، حدَّثنا سفيانُ، عن رَبيعةَ، حدَّثني يزيدُ مولى المُنبَعِث، عن زيدِ بنِ خالِدِ الجُهَنِيِّ بَّه، قال: جاء أعرابيٌّ النبيَّ نَّهِ فسأله عمَّا يَلْتَقِطُه؟ فقال: ((عَرِّفْها سَنةً، ثمَّ اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، فإن جاء أحدٌ يُخْبِرُكَ بها، وإلا فاستَنْفِقْها)) قال: يا رسولَ الله، فضالةُ الغَنم؟ قال: ((لكَ أو لأخيكَ أو للذُّتْبِ)) قال: ضالّةُ الإبلِ؟ فَتَمَعَّرَ وجهُ النبيِّ نَّهِ، فقال: ((ما لكَ ولها؟! معها حِذاؤُها وسِقَاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتأكُلُ الشَّجَرَ)). قوله: ((باب ضالَّة الإبل)) أي: هل تُلتَقَطُ أم لا؟ والضّالُّ: الضّائعُ، والضّالُّ في الحيوان كالُّقَطة في غيره، والجمهورُ على القول بظاهرِ الحديثِ في أنَّها لا تُلَقَط. وقال الحنفية: الأَولِى أن تُلتَقَطَ، وَمَلَ بعضُهم النَّهيَ على مَن التَّقَطَها ليتَمَلَّكَها لا لِيَحفَظَها فيجوزُ له، وهو قولُ الشافعية. وكذا إذا وُجِدَت بقريةٍ فيجوزُ التَّمَلُّك على الأصَحِّ عندهم، والخِلاف عند المالكية أيضاً. قال العلماءُ: حِكْمة النَّهي عن التِقاط الإبل أنَّ بقاءَها حيثُ ضَلَّت أقرَبُ إلى وِجْدان مالكِها لها من تَطَلَّبِه لها في رِحال الناس. وقالوا: في معنى الإبل كلّ ما امتَنَعَ بقوَّتِه عن صِغار السِّباع. قوله: ((حدَّثنا عبد الرحمن)) هو ابن مهدي، وسفيان: هو الثَّوري. قوله: ((عن ربيعة)) هو ابن أبي عبد الرحمن المعروف بالرَّأي، بسكون الهمزة، وقد رواه ابن وَهْبٍ عن الثَّوري وغيره: أنَّ رَبيعة حدَّثهم، أخرجه مسلم (١٧٢٢/ ٣). ٥٦٢ باب ٢ / ح ٢٤٢٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((مَوْلى المنبَعِث)) بضمِّ الميمٍ وسكون النّون وفتحِ الموحّدة وكسر المهمَلة بعدَها مثلَّةٌ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد ذكره في العلمِ (٩١) والشّربِ (٢٣٧٢)، وهنا في مواضعَ، ويأتي في الطَّلاق (٥٢٩٢) والأدَبِ (٦١١٢). قوله: ((جاء أعرابي)) في رواية مالك عن رَبيعة: جاء رجل. وزَعَمَ ابن بَشْكُوال وعَزاه لأبي داود، وتَبِعَه بعضُ المتأخّرينَ: أنَّ السَّائل المذكور هو بلالٌ المؤَذِّن، ولم أرَ عند أبي داود في شيءٍ من النُّسَخ شيئاً من ذلك، وفيه بُعدٌ أيضاً، لأنَّه لا يوصَفُ بأنَّه أعرابي، وقيل: السَّائِلُ هو الراوي، وفيه بُعدٌ أيضاً لمَا ذَكَرناه. ومُستَنَد مَن قال ذلك ما رواه الطبراني (٥٢٥٣) من وجهٍ آخرَ عن رَبيعة، بهذا الإسناد، فقال فيه: إنَّه سألَ النبيَّ وَلَّ، لكن رواه أحمد (١٧٠٣٧) من وجهٍ آخرَ عن زيد بن خالد، فقال فيه: إنَّه سألَ النبيَّ ◌َِّ، أو أنَّ رجلاً سألَ، على الشكّ. وأيضاً فإنَّ في رواية ابن وَهْب المذكورة عن زيد بن خالد: أتى رجلٌ وأنا معه، فدَلَّ هذا على أنَّه غيرُه، ولَعَلَّه نَسَبَ السُّؤالَ إلى نفسِه لكونه كان مع السَّائل. ثمَّ ظَفِرت بتسمية السَّائلِ، وذلك فيما أخرجه الحُميدي والبَغَوي(١) وابن السَّكّن والباوَرْدي(٢) والطبراني (٦٤٦٨) كلّهم من طريق محمد بن مَعْن الغِفاري عن ربيعة عن ٨١/٥ عُقبة بن سُوَيد الْجُهَني،/ عن أبيه قال: سألت رسولَ الله وَّه عن اللَّقَطة، فقال: «عَرِّفها سنةً ثمَّ أوثِقٍ وِعاءَها)) فذكر الحديث. وقد ذكر أبو داود (١٧٠٨) طَرَفاً منه تعليقاً ولم يَسُق لفظَه. وكذلك البخاري في «تاريخه)) (٣٦٢/٨). وهو أَولى ما يُفَسَّرُ به هذا المبهم لگونه من رهطِ زید بن خالد. وروى أبو بكر بن أبي شَيْبة(٣) والطبراني (٢٢ / ٥٩٧) من حديثٍ أبي ثَعْلبة الخُشَني قال: (١) في ((معجم الصحابة)) (١١٦٠). (٢) تحرف في الأصلين إلى: الماوردي، وفي (س) إلى: البارودي. والباوَرْدي نسبة إلى بلدة بنواحي خراسان يقال لها: أبيورد، وتُحُفَّف فيقال: باوَرْد، والباوَرْدِي: هو محمد بن سعد، له مصنف في الصحابة معروف. (٣) في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية)) للحافظ ابن حجر (١٤٦٧). ٥٦٣ باب ٢ / ح ٢٤٢٧ كتاب اللقطة قلت: يا رسول الله، الوَرِقُ يُوجَدُ عند القرية؟! قال: ((عَرِّفها حولاً)) الحديث، وفيه سؤالُه عن الشّاة والبعير وجوابُه، وهو في أثناءِ حديث طويلٍ أخرج أصله النَّسائي (ك ٥٧٩٨). وروى الإسماعيلي في ((الصحابة)) من طريق مالك بن عُمَير عن أبيه، أنَّه سألَ رسولَ الله وَه عن اللُّقَطة، فقال: ((إن وجدتَ مَن يَعِرِفُها فادفَعْها إليه)) الحديث، وإسناده واهٍ جدّاً. وروى الطبراني (٢١٢١) (١) من حديث الجارود العبدي، قال: قلت: يا رسول الله، اللُّقطة نَجِدُها؟! قال: ((أنشِدْها ولا تَكتُم ولا تُغيِّب)) الحديث. قوله: ((فسألَه عَّ يَلْتَقِطُه)) في أكثر الرِّوايات أنَّه سألَ عن اللَّقَطة، زاد مسلم (٥/١٧٢٢) من طريق يحيى بن سعيد عن يزيد مَولى المنبَعِث: الذَّهب والفِضَّة، وهو كالمثال، وإلَّا فلا فرقَ بينهما وبين الجَوهَرِ واللَّؤْلُؤِ مثلاً، وغير ذلك ممَّا يَستَمتِعُ به غير الحيوان في تَسميتِه لُقَطةً، وفي إعطائه الحكمَ المذكورَ. ووقع لأبي داود (١٧٠٧) من طريق عبد الله بن يزيد مَولى المنبَعِث عن أبيه، بلفظ: وسُئِلَ عن اللُّقَطة. قوله: ((عَرِّفْها سَنةً ثمَّ اعِرِف ◌ِفاصَها ووِكاءَها)» في رواية العَقَدي عن سليمان بن بلال الماضية في العلمِ (٩١): ((اعرِف وِكاءَها - أو قال: عِفاصها -)) ولمسلم (٨/١٧٢٢) من طريق بسر بن سعيد عن زيد بن خالد: ((فاعِرِف عِفاصَها ووِعاءَها وعَدَدَها))، زاد فيه العَدَدَ كما في حديثٍ أُبيّ بن كعب(٢). ووقع في رواية مالك كما سيأتي بعدَ باب (٢٤٢٩): ((اعِرِف ◌ِفاصَها ووِكاءَها، ثمَّ عَرِّفها سنة)) ووافقَه الأكثر. نعم وافقَ الثَّوريَّ ما أخرجه أبو داود (١٧٠٧) من طريق عبد الله بن يزيد مَولى المنْبَعِث بلفظ: ((عَرِّفها حولاً، فإن جاء صاحبها فادفَعها إليه، وإلَّا اعرِفْ وِكاءَها وعِفاصَها ثمَّ اقبِضها في مالك)) الحديثَ، وهو يقتضي أنَّ التَّعريفَ يقعُ بعدَ مَعرِفة ما ذكر من العلامات، وروايةُ طريق الباب تقتضي أنَّ التَّعريفَ يَسبِقُ المعرفةَ. (١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرج الحديث من ((مسند أحمد)) (٢٠٧٥٤)، ومن ((سنن النسائي الكبرى)) (٥٧٧٨). (٢) وهو الذي عند البخاري في الباب السابق. ٥٦٤ باب ٢ / ح ٢٤٢٧ فتح الباري بشرح البخاري وقال النَّوَوي: يُجمَعُ بينهما بأن يكون مأموراً بالمعرفة في حالتين، فيَعِرِفَ العلامات أوَّلَ ما يَلْتَقِطُ حتَّى يعلمَ صِدْق واصفها إذا وصَفَها كما تقدَّم، ثمَّ بعدَ تعريفها سنةً إذا أراد أَن يَتَمَلَّكَها يتعرَّفُها (١) مَرَّة أُخرى تَعرُّفاً وافياً مُحُقَّقاً، ليعلم قَدرَها وصِفَتَها فَيَرُدَّها إلى صاحبِها. قلت: ويُحْتَمَلُ أن تكون (ثمّ)) في الرِّوايَتَين بمعنى الواو، فلا تَقْتَضي ترتيباً ولا تَقتَضي تَّخَالُفاً يحتاجُ إلى الجمعِ، ويُقوِّيه كَون المخرَج واحداً والقِصَّةِ واحدةً، وإنَّما يَحسُن ما تقدَّم أن لو كان المخرَج مُخْتَلِفاً، فيُحمَلُ على تعدُّدِ القِصَّة، وليس الغَرَض إلَّا أن يقعَ التَّعَرُّف والتَّعريف مع قطعِ النَّظَرِ عن أيِّهما أسبق. واختُلِفَ في هذه المعرفة على قولَين للعلماءِ، أظهَرُهما: الوُجوب لظاهرِ الأمر، وقيل: يُستَحَبّ، وقال بعضهم: يجبُ عند الالتقاط، ويُستَحَبُّ بعدَه. والعِفاصُ، بكسر المهمَلة وتخفيف الفاء وبعدَ الألِفِ مُهمَلة: الوعاءُ الذي تكون فيه النَّفَقة جِدداً كان أو غيرَه، وقيل له: العِفاص أخذاً من العَفْصِ وهو الثَّنْيُ، لأنَّ الوِعاءَ يُثْنَى على ما فيه، وقد وقع في ((زَوائِدِ المسندِ)) لعبد الله بن أحمد (٢١١٦٨) من طريق الأعمَشِ عن سَلَمَةَ في حديثِ أُبيّ: ((وخِرِقَتَها)) بدل: ((عِفاصها))، والعِفاص أيضاً: الجلد الذي يكون على رأسِ القارورة، وأمَّ الذي يَدخُلُ فم القارورة من جِلٍدٍ أو غيره فهو الصِّمَامُ، بكسر الصَّاد المهملة. قلت: فحيثُ ذُكر العِفاص مع الوِعاءِ فالمرادُ الثاني، وحيثُ لم يُذكَر العِفاص مع الوِعاءِ فالمراد به الأوَّل، والغَرَضُ مَعرِفة الآلات التي تَحفَظُ النَّفَقَةَ. ويَلتَحِقُ بما ذُكِرَ حِفظُ الجِنسِ والصِّفة والقَدْرِ، والكَيل فيما يُكالُ، والوزن فيما يوزَنُ، والذَّرْع فيما يُذْرَع. وقال جماعةٌ من الشافعية: يُستَحَبُّ تقييدُها بالكتابة خَوفَ النِّسيان، واختلفوا فيما إذا (١) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: فيُعرِّفها، والصواب ما أثبتناه، والسياق يدل عليه، وقد جاء على الصواب في ((شرح مسلم)) للنووي، وتمام الكلام عنده: فيردها إلى صاحبها إذا جاء بعد تملّكها وتَلَفِها. ٥٦٥ باب ٢ / ح ٢٤٢٧ كتاب اللقطة عَرَفَ بعضَ الصِّفات دون بعض بناءً على القول بوجوب الدَّفع لمن عَرَفَ الصِّفةَ، قال ابن القاسم:/ لا بدَّ من ذكرٍ جميعِها، وكذا قال أصبغ. لكن قال: لا يُشتَرَطُ مَعرِفة العَدَد، ٨٢/٥ وقول ابن القاسم أقوى لثبوت ذكر العَدَدِ في الرّواية الأُخرى وزيادة الحافظِ حُجَّة. وقوله: ((عَرِّفها)) بالتَّشديد وكسر الراء، أي: اذكُرُها للنّاس، قال العلماء: مَحَلُّ ذلك المحافِلُ كأبواب المساجدِ والأسواق ونحو ذلك، يقول: مَن ضاعت له نَفَقةٌ، أو نحو ذلك من العِبارات، ولا يَذكُرُ شيئاً من الصِّفات. وقوله: ((سنة)) أي: مُتَوالية، فلو عَرَّفَها سنة مُتَفرِّقة لم يَكْفِ، كأن يُعرِّفَها في كلِّ سنةٍ شهراً فيَصدُقُ أنَّه عَرَّفَها سنةً في اثنَتَي عشرة سنةً. وقال العلماء: يُعرِّفُها في كلِّ يومٍ مَرَّتَين ثمَّ مَرَّةً، ثمَّ في كلِّ أُسبوع ثمَّ في كلِّ شَهر، ولا يُشتَرَطُ أن يُعرِّفَها بنفسِه بل يجوزُ بوكيلِهِ، ويُعرِّفُها في مكان سقوطِها وفي غيره. قوله: «فإن جاء أحدٌ يُخْبِرُك بها)» جواب الشَّرط محذوف تقديره: فأدّها إليه. وفي رواية محمد بن يوسف عن سفيان كما سيأتي في آخر أبواب اللُّقَطة (٢٤٣٨): «فإن جاء أحد يُخْبِرُك بِعِفَاصِها ووِكائها)) وقد تقدَّم البحثُ فيه. قوله: ((وإلَّا فاستَنْفِقْها)) سيأتي البحث فيه بعدَ باب (٢٤٢٨). واستُدِلَّ به على أنَّ الملتَقِطَ يَتَصَرَّفُ فيها سواء كان غَنياً أو فقيراً، وعن أبي حنيفة: إن كان غَنِياً تَصَدَّقَ بها وإن جاء صاحبها تَخَّرَ بين إمضاءِ الصَّدَقة أو تغريمِه، قال صاحب ((الهداية)): إلّا إن كان بإذن الإمام فتجوزُ للغنيِّ کما في قِصَّة أُبيّ بن كعب، وبهذا قال عمر وعليّ وابن مسعود وابن عبّاس وغيرهم من الصحابة والتابعين. قوله: ((قال: يا رسول الله، فضالَّة الغنم)) أي: ما حُكمُها؟ فحذف ذلك للعلم به. قال العلماء: الضّالَّةُ لا تَقَعُ إلَّا على الحيوان، وما سواه يقال له: لُقَطة. ويقال للضَّوَالِّ أيضاً: الهَوَامي والهَوَافِي، بالميم والفاءِ، والهوامل. قوله: ((لكَ أو لأخيك أو للذُّتْبِ)) فيه إشارة إلى جوازِ أخذِها، كأنَّه قال: هي ضعيفةٌ ٥٦٦ باب ٢ / ح ٢٤٢٧ فتح الباري بشرح البخاري لَعَدَمِ الاستقلال، مُعرَّضةٌ للهلاكِ، مُتَرَدِّدة بين أن تأخذها أنتَ أو أخوك، والمراد به ما هو أعمُّ من صاحبِها أو من مُلتَقِطٍ آخرَ، والمراد بالذِّئبِ جِنس ما يأكلُ الشّاةَ من السِّباع. وفيه حتٌّ له على أخذِها، لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّه إن لم يأخذها بَقيت للذِّئبِ، كان ذلك أدعى له إلى أخذِها. ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة كما سيأتي بعدَ أبواب (٢٤٣٦): فقال: ((خُذها فإنَّما هي لك)) إلى آخره، وهو صريحٌ في الأمر بالأخذ، ففيه دليلٌ على رَدِّ إحدى الرِّوايَتَين عن أحمد في قوله: ((يَترُكُ التِقاط الشّاة)). وَسَّكَ به مالك في أنَّه يَملِكُها بالأخذِ ولا يَلزَمُه غَرامةٌ ولو جاء صاحبها. واحتَجَّ له بالتَّسوية بين الذِّئبِ والملَقِط، والذّئبُ لا غَرامةَ عليه فكذلك الملتَقِط. وأُجيبَ بأنَّ اللَّام ليست للتَّمليكِ، لأنَّ الذِّئبَ لا يَملِكُ وإنَّما يَملِكُها الملتَقِط على شرطٍ ضَمانها، وقد أجْمَعوا على أنَّه لو جاء صاحبُها قبلَ أن يأكلها الملتَقِط لَأخذها، فدَلَّ على أنَّها باقية على مِلك صاحبِها، ولا فرق بين قوله في الشّاة: ((هي لك أو لأخيك أو للذّئبِ)) وبين قوله في اللَّقَطة: ((شَأْنَك بها)) أو ((خُذها))، بل هو أشبه بالتمليك، لأنَّه لم يُشِرِك معه ذِئباً ولا غيرَه، ومعَ ذلك فقالوا في النَّفَقة: يَغْرَمُها إذا تَصَرَّفَ فيها ثمَّ جاء صاحبها. وقال الجمهور: يجبُ تعريفُها، فإذا انقَضَت مُدَّة التَّعريف أكَلها إن شاءَ وغَرِمَ لصاحبِها، إلَّا أنَّ الشافعي قال: لا يجبُ تعريفها إذا وُجِدَت في الفَلَاة، وأمَّا في القرية فيجبُ في الأصَحّ. قال النَّوَوي: احتَجَّ أصحابُنا بقوله وَ له في الرّواية الأولى: ((فإن جاء صاحبُها فأعطِها إياه)(١)، وأجابوا عن رواية مالك بأنَّه لم يَذكُرِ الغَرامة ولا نَفاها، فثبت حُكمُها بدليلٍ آخرَ. انتَهى. وهو يوهم أنَّ الرِّواية الأولى من روايات مسلمٍ فيها ذكر حُكم الشّاة إذا أكَلها الملَقِط، ولم أرَ ذلك في شيءٍ من روايات مسلمٍ ولا غيره في حديث زيد بن خالد، نعم عند أبي داود (١٧١٣) والِّرمِذي والنَّسائي والطَّحاوي والدّارَقُطني من حديثٍ عَمرو بن (١) وهي عند مسلم (١٧٢٢) وغيره من حديث زيد بن خالد الجُهَني، وعنده أيضاً (١٧٢٣) وعند غيره من حديث أُبيّ بن كعب. ٥٦٧ باب ٣ / ح ٢٤٢٨ كتاب اللقطة شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه في ضالَّة الشّاة: ((فاجمعها حتَّى يأتيها باغيها))(١). قوله: ((فتَمَعَّرَ وجهُ النبيِّ) هو بالعين المهمَلة الثَّقيلة، أي: تَغَيَّرَ، وأصلُه في الشجرِ إذا قَلَّ ماؤُه، فصارَ قليل النَّضْرةَ عَديم الإشراق، ويقال للوادي المُجدِبِ: أمعَر، ولو روي تَغَّرَ، بالغَين المعجَمة، لكان له وجه، أي: صارَ بلون المُغْرةَ وهو حُمرةٌ شديدةٌ إلى كُمُودةٍ، ويُقوِّيه أنَّ قوله في رواية إسماعيل بن جعفر: ((فغَضِبَ حتَّى احمرَّت وَجْنَتَاه أو وجهُه)). قوله: «ما لك ولها) زاد في رواية سليمان بن بلال عن ربيعة السَّابقة في العلم (٩١): ٨٣/٥ ((فَذَرْها حتَّى يَلقاها رَبُّها)). قوله: ((معها حِذاؤُها وسِقاؤُها)) الحِذاء بكسر المهمَلة بعدَها مُعجَمة مع المدِّ، أي: خُفّها، وسِقاؤُها، أي: جَوفها، وقيل: عُنُقُها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما رُكِّبَ في طِباعِها من الجَلادة على العَطَشِ، وتَناوُل المأكول بغير تَعَبِ لطول عُنُقِها، فلا تحتاجُ إلى مُلتَقِط. ٣- باب ضالّة الغنم ٢٤٢٨ - حذَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني سليمانُ بنُّ بلالٍ، عن يحيى، عن يزيدَ مولى المُنَبَعِث، أنَّه سمعَ زيدَ بنَ خالدٍ ﴾ يقول: سُئِلَ النبيُّ نَّهِ عَنِ اللَّقَطَةِ، فَزَعَمَ أنَّه قال: ((اعرِف عِفاصَها ووِكاءَها، ثمَّ عَرِّفْها سَنةً)) يقول يزيدُ: ((إن لم تُعرَفْ استَنْفَقَ بها صاحبُها، وكانت وديعةً عندَه)، قال يحيى: فهذا الذي لا أدري أفي حديثِ رسولِ الله وَّ﴾ هو، أم شيءٌ من عندِه! ثمَّ قال: كيفَ تَرَى في ضالّةِ الغنم؟ قال النبيُّ ◌َّةِ: ((خُذْها، فإِنَّا هِيَ لكَ، أو لأخيكَ، أو للِّئْبِ)). قال يزيدُ: وهيَ تُعرَّفُ أيضاً. ثمَّ قال: كيفَ تَرَى في ضالّةِ الإبلِ؟ قال: فقال: ((دَعْها، فإنَّ معها سِقاءَها وحِذَاءَها، تَرِدُ الماءَ وتأكُلُ الشَّجَرَ حتَّى تَجِدَها رَبُّها». قوله: ((باب ضالَّة الغنم)) كأنَّه أفردها بترجمةٍ لیشیرَ إلی افتراق حُکمها عن الإبل، وقد (١) هذه الرواية التي أشار إليها الحافظ لم يذكرها أحدٌ من أشار إليهم سوى أبي داود، وهي أيضاً عند أحمد (٦٦٨٣) و(٦٨٩١)، والبيهقي ٦/ ١٩٠. ٥٦٨ باب ٤ / ح ٢٤٢٩ فتح الباري بشرح البخاري انفَرَدَ مالك بتجويز أخذِ الشّاة وعَدَم تعريفِها، مُتَمسِّكاً بقوله: «هي لك)»، وأُجيبَ بأنَّ اللَّام ليست للتَّمليكِ، كما أنَّه قال: ((أو للذّئبِ)) والذِّئبُ لا يَملِكُ باتِّفاق، وقد أجمعوا على أنَّ مالكَها لو جاء قبلَ أن يأكلها الواجِد لَأخذها منه. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أُوَيس، وقد روى الكثيرَ عن شيخه هنا سليمانَ بنِ بلال بواسطة. قوله: ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري، وسَبَقَ في العلمِ (٩١) من وجهٍ آخرَ عن سليمان بن بلال عن رَبيعة، فكأنَّ له فيه شيخين. وقد أخرجه الطَّحاوي (١٣٤/٤ -١٣٥) من طريق عبد الله بن محمد الفَهْمي عن سليمان بن بلال عنهما، جميعاً عن يزيد مولى المنبَعِث(١)، وأخرجه النَّسائي (ك٥٧٨٢) وابن ماجَهْ (٢٥٠٤) والطَّحاوي(٢) من طريق ابن عُيَينة عن يحيى بن سعيد عن ربيعة عن يزيد، فجعلَ ربيعة شيخَ يحيى لا رفيقَه، لكن سيأتي في آخرِ الطَّلاق (٥٢٩٢) من رواية سفيان بن عُيَينة عن يحيى بن سعيد عن يزيد مُرسلاً: قال سفيان: قال يحيى: وقال ربيعة عن يزيد عن زيد بن خالد، قال سفيان: ولَقیت رَبيعة فحذَّثني به. فالحاصل أنَّ مَن رواه عن یحیی، عن یزید، عن زيد(٣) یکون قد سوّی الإسناد، فإنَّ يحيى إنَّما سمِعَ ذكر زيد فيه بواسطة رَبيعة، ويُحْتَمَلُ أن يكون يحيى لمَّا حدَّث به سفيانَ كان ذاهلاً عنه، ثمَّ ذكره لمَّا حدَّث به سليمانَ، والله أعلم. قوله: ((فزَعَمَ)) أي: قال. والنَّعمُ يُستَعمَلُ في القول المحقَّق كثيراً. قوله: («ثمَّ عَرِّفْها سَنةً، يقول يزيدُ: إن لم تُعرَف اسْتَنَفَقَ بها صاحبُها)) أي: مُلتَقِطُها ((وكانت وديعةً عندهُ، قال يحيى: هذا الذي لا أدري أهو في الحديثِ أم شيء من عندِه!)) أي: من عند (١) وكذلك رواه حماد بن سلمة عن يحيي بن سعيد وربيعة جَمعَهما، عن يزيد مولى المنبعث. أخرجه أبو داود (١٧٠٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٣٩) و(٥٧٧٠) و(٥٧٨١)، ففات الحافظ رحمه الله أن يذكره. (٢) لم نقف عليه في شيء من كتب الطحاوي المطبوعة من هذا الطريق، ولا نسبه إليه الحافظ نفسه في («إتحاف المهرة)) (٤٨٨٢). وقد أخرجه من هذا الطريق أيضاً أحمد (١٧٠٥٠) ففات الحافظَ أن يذكره. (٣) قوله: ((عن زيد)) سقط من (س). ٥٦٩ باب ٤ / ح ٢٤٢٩ كتاب اللقطة يزيد، والقائل: ((يقول يزيد)) هو يحيى بن سعيد الأنصاري، والقائلُ: ((قال يحيى)) هو سليمان، وهما موصولان بالإسناد المذكور، والغَرَضُ أنَّ يحيى بن سعيد شكَّ هل قوله: ((ولتكن وديعة عنده) مرفوع أو لا، وهو القَدْر المشار إليه بهذا دون ما قبلَه، لثبوت ما قبلَه في أكثرِ الرِّوايات وخُلوِّها عن ذكرِ الوَديعة، وقد جَزَمَ يحيى بن سعيد برفعِه مَرَّةً أُخرى، وذلك فيما أخرجه مسلم (١٧٢٢/ ٥) عن القَعْنبي،/ والإسماعيلي من طريق يحيى بن حسَّان، كلاهما ٨٤/٥ عن سليمان بن بلال عن يحيى، فقال فيه: «فإن لم تُعرَف فاستَنِفِقها ولتكن وديعةً عندك))، وكذلك جَزَمَ برفعِها خالد بن ◌َلَد عن سليمان عن (١) رَبيعة عند مسلم (٤/١٧٢٢)، والفَهْميُّ عن سليمان عن يحيى وربيعة جميعاً عند الطَّحاوي، وقد أشار البخاري إلى رُجحان رَفْعِها، فَتَرجَمَ بعد أبوابٍ (٢٤٣٦): ((إذا جاء صاحبُ اللَّقَطة بعدَ سنة رَدّها عليه، لأنَّها وديعةٌ عنده))، وسيأتي الكلام على المراد بكونها وديعةً هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ((قال يزيد: وهي تُعرَّفُ أيضاً) هو بتشديد الراءِ، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور، ولم يَشُكَّ يحيى في كَون هذه الجملة موقوفة على يزيد، ولم أرَها مرفوعةً في شيءٍ من الطُّرقِ، وقد تقدَّم حِكاية الخلاف فيه في الباب الذي قبله. ٤ - بابٌ إذا لم يوجد صاحبُ اللّقطة بعد سنةٍ فهي لمن وجدها ٢٤٢٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن رَبيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن، عن یزیدَ مولى المُنبَعِث، عن زيد بنِ خالٍ ﴾، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِوَّةِ، فسألَه عن اللُّقَطِةِ؟ فقال: ((اعِرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثمَّ عَرِّفْها سَنةً، فإن جاء صاحبُها، وإلا فشَأْنَكَ بها)) قال: فضَالَةُ الغنمِ؟ قال: ((هيَ لكَ، أو لأخيكَ، أو للذُّتْبِ)) قال: فضالَةُ الإبلِ؟ قال: «ما لكَ ولها؟! معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتأكُلُ الشَّجَرَ، حتَّى يَلْقَاهَا رَبُّها». قوله: ((بابٌ إذا لم يُوجَدْ صاحبُ اللَّقَطَّةِ بعدَ سَنةٍ فهي لمن وَجَدَها)) أي: غَنّاً كان أو فقيراً كما تقدَّم، أورَدَ فيه حديثَ زيد بن خالد المذكور من جِهَة مالكِ عن رَبیعة، وفيه قوله: «ثمَّ (١) لفظة ((عن)) تحرفت في (س) إلى: بن. ٥٧٠ باب ٤ / ح ٢٤٢٩ فتح الباري بشرح البخاري عَرِّفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلَّا شَأنَك(١) بها)) فيه حذف تقديرُه: فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه، وإن لم يَجِئ فشَأنك بها، فحَذَفَ من هذه الرّواية جواب الشَّرط الأوَّل وشرط ((إن)) الثانية والفاء من جوابها، قاله ابن مالك في حديثٍ أُبيِّ الآتي في أواخر أبواب اللُّقَطة (٢٤٣٧) بلفظ: ((فإن جاء صاحبها وإلَّ استَمتِع بها))، وإنَّما وقع الحذفُ من بعضِ الرُّواة دون بعض، فقد تقدَّم حديث أُبيّ في أوَّل اللُّقَطة (٢٤٢٦) بلفظ: ((فاستَمتِع بها)) بإثبات الفاء في الجواب الثاني، ومضى (٢٤٢٧) من رواية الثَّوري عن ربيعة في حديثِ الباب، بلفظ: ((وإلَّ فاستَنِفِقها)»، ومِثْلُه ما سيأتي بعدَ أبوابٍ (٢٤٣٦) من رواية إسماعيل بن جعفر عن رَبيعة بلفظ: ((ثُمَّ اسْتَنفِق بها، فإن جاء رَبُّها فأدِّها إليه)) ولمسلم (١٧٢٢/ ٣) من طريق ابن وَهْب المقدَّم ذِكرها: («فإذا لم يأتِ لها طالبٌ فاستَنِفِقها)). واستُدِلَّ به على أنَّ اللَّاقطَ يَملِكُها بعدَ انِقِضاءٍ مُدَّة التَّعريف، وهو ظاهرُ نصِّ الشافعي، فإنَّ قوله: ((شَأْنَك بها)) تفويضٌ إلى اختياره، وقوله: ((فاستَنِفِقها)» الأمر فيه للإباحة، والمشهور عند الشافعية: اشتراط التَّلفّظِ بالتَّمليك، وقيل: تَكفي النّية، وهو الأرجَحُ دليلاً، وقيل: تَدخُلُ في مِلكِهِ بمُجرَّدِ الالتقاط، وقد روى الحديثَ سعيد بن منصور (٢) عن الدَّراوَرْدي عن رَبيعة بلفظ: ((وإلَّا فتَصنَعُ بها ما تَصنَعُ بمالك)». قوله: ((شَأْنَك(٣) بها)) الشَّأن: الحال، أي: تَصَرَّفْ فيها، وهو بالنَّصبِ، أي: الزَمْ شأنَك بها، ويجوزُ الرفعُ بالابتداءِ والخبرُ ((بها))، أي: شأنُك مُتَعَلِّق بها. واختلفَ العلماء فيما إذا تَصَرَّفَ في اللُّقَطة بعدَ تعريفِها سنةً ثمَّ جاء صاحبها: هل يَضمَنُها له أم لا؟ فالجمهورُ على وجوب الردِّ إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت (١) كذا وقع للحافظ هنا: شأنك، بحذف الفاء من جواب الشرط، والذي في روايات البخاري دون اختلاف حسبَ ما في اليونينية والقسطلاني بإثباتها! وهو الموافق لرواية إسماعيل بن أبي أويس عن مالك السالفة عند البخاري برقم (٢٣٧٢). (٢) ومن طريقه أخرجه ابن الجوزي في ((التحقيق)) (١٦٣٧). (٣) انظر التعليق السالف في أول هذا الباب. ٥٧١ باب ٥ / ح ٢٤٣٠ كتاب اللقطة استُهلِكَت، وخالَفَ في ذلك الكرابيسي صاحب الشافعي، ووافقَه صاحباه البخاري وداود بن عليّ إمام الظَّاهرية، لكن وافقَ داودُ الجمهورَ إذا كانت العينُ قائمة، ومن حُجَّة الجمهورِ قوله في الرّواية الماضية: / ((ولتكن وديعةً عندك))، وقوله أيضاً عند مسلم ٨٥/٥ (٧/١٧٢٢) في رواية بُسر بن سعيد عن زيد بن خالد: «فاعرِف ◌ِفاصَها ووِكاءَها ثمَّ كُلْها، فإن جاء صاحبُها فأدِّها إليه))، فإنَّ ظاهرَ قوله: ((فإن جاء صاحبها ... )) إلى آخره، بعدَ قوله: ((كُلُّها)) يقتضي وُجوب رَدِّها بعدَ أكلِها، فيُحمَلُ على رَدِّ البدلِ، ويُحْتَمَلُ أن يكون في الكلام حذفٌ يدلُّ عليه بقية الرِّوايات، والتَّقدير: فاعرِف ◌ِفاصَها ووِكاءَها ثمَّ كُلّها إن لم يَجِئ صاحبها، فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه، وأصرَحُ من ذلك رواية أبي داود (١٧٠٦) من هذا الوجه بلفظ: «فإن جاء باغيها فأدِّها إليه، وإلَّا فاعرِف ◌ِفاصَها ووِكاءَها ثمَّ كُلْها، فإن جاء باغيها فأدِّها إليه)) فأمَرَ بأدائها إليه قبلَ الإذن في أكلِها وبعده، وهي أقوى حُجَّةً للجُمهورِ، وروى أبو داود أيضاً (١٧٠٧) من طريق عبد الله بن يزيد مَولى المنبَعِث عن أبيه عن زيد بن خالد في هذا الحديثِ: ((فإن جاء صاحبها دَفَعتَها إليه وإلَّا عَرَفتَ وِكاءَها وعِفاصَها ثمَّ اقِضها في مالكَ، فإن جاء صاحبها فادفَعها إلیه». وإذا تَقَرَّرَ هذا أمكَنَ حَملُ قول المصنّفِ في التَّرجمة: ((فهي لمن وَجَدَها)) أي: في إباحة التَّصَرُّفِ فيها حينئذٍ، وأمَّا أمر ضَمانها بعدَ ذلك فهو ساكِتٌ عنه، قال النَّوَوي: إن جاء صاحبها قبلَ أن يَتَمَلَّكَها الملتَقِط أخذها بزَوائِدِها المتَّصِلة والمنفَصِلة، وأمَّا بعدَ التَّمَلُّكِ فإن لم يَجِئ صاحبها فهي لمن وَجَدَها، ولا مُطالَبةَ عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها فإن كانت موجودة بعَينِها استَحقَّها بزَوائِدِها المتَّصِلة، ومَهما تَلِفَ منها لَزِمَ الملتَقِطَ غَرامتُه للمالكِ، وهو قولُ الجمهور، وقال بعض السَّلَفِ: لا يَلْزَمُه، وهو ظاهرُ اختيار البخاري، والله أعلم. وسأذكُرُ بَقيةَ فوائدِ حديثٍ زيد بن خالد بعدَ أربعة أبوابٍ (٢٤٣٦) إن شاء الله تعالى. ٥ - بابٌ إذا وجد خشبةً في البحر أو سوطاً أو نحوه ٢٤٣٠ - وقال اللَّيثُ: حدَّثني جعفرُ بنُّ رَبِيعةَ، عن عبد الرحمن بنِ هُرْمُزَ، عن أبي هريرةَ ٥٧٢ باب ٥ / ح ٢٤٣٠ فتح الباري بشرح البخاري ◌ُ، عن رسولِ الله وَّ: أنَّه ◌َذَكَرَ رجلاً من بني إسرائيلَ - وساقَ الحديثَ -: «فخَرَجَ يَنظُرُ لَعَلَّ مَرْكَباً قد جاء بماله، فإذا هو بالخشبةِ، فأخذها لأهلِهِ حَطَباً، فلمَّا نَشَرَها وَجَدَ المالَ والصَّحيفةَ)). قوله: ((باب إذا وَجَدَ خَشَبَةً في البَحْرِ أو سَوْطاً أو نحوَه)) أي: ماذا يصنعُ به، هل يأخُذُه أو يَتْرُكُه؟ وإذا أخذَه هل يَتَمَلَّكُه أو يكون سبيلُه سبيلَ اللُّقَطة؟ وقد اختلف العلماء في ذلك. قوله: ((وقال اللَّيث ... )) إلى آخره، تقدَّم الكلام عليه مُستَوَفَى في الكفالة (٢٢٩١)، وأورَدَه هنا مختصراً، وسَبَقَ توجيه استنباط التَّرجمة منه، وأنَّها من جِهَة أنَّ شرعَ مَن قبلَنا شرعٌ لنا ما لم يأتِ في شرعنا ما يُخالفُه، ولا سيما إذا ساقه الشّارعُ مَساق الثَّناء على فاعِلِه، فبِهذا التَّقدير تَمَّ المراد من جواز أخذ الخَشَبة من البحر. وقد اختلف العلماء في ذلك على ما سأذكُرُه. وأمَّا السَّوطُ وغيره فلم يقع له ذكرٌ في الباب، فاعتَرَضَه ابن المنيِر بسببٍ ذلك. وأُجيبَ بأنَّه استنْبَطَه بطريق الإلحاق. ولَعَلَّه أشار بالسَّوطِ إلى أثرٍ يأتي بعدَ أبوابٍ في حديثٍ أُبيّ بن كعب (٢٤٣٧)، أو أشار إلى ما أخرجه أبو داود (١٧١٧) من حديث جابر قال: رَخَّصَ لنا رسولُ الله ◌َّه في العَصا والسَّوطِ والحَبْل وأشباهه، يَلَقِطُه الرجلُ يَنتَفِعُ به» وفي إسناده ضعف، واختُلِفَ في رفعِه ووقفِه. والأصَحّ عند الشافعية: أنَّه لا فرقَ في اللُّقَطة بين القليل والكثير في التَّعريفِ وغيره، وفي وجهٍ: لا يجبُ التَّعريفُ أصلاً، وقيل: تُعرَّفُ مَرَّةً، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: زَمَناً يُظَنُّ أنَّ فاقدَه أعرَضَ عنه، وهذا كلّه في قليلٍ له قيمة، أمَّا ما لا قيمةَ له كالحَبَّة الواحدة فلَه ٨٦/٥ الاستبدادُ به على الأصَحّ، وفي الباب الذي يَليه في حديثِ التَّمرة حُجَّة لذلك،/ وعند الحنفية: أنَّ كلَّ شيءٍ يُعلَمُ أنَّ صاحبَه لا يَطلُبُه كالنَّواة جازَ أخذه والانتفاع به من غير تعريف، إلّا أنَّه يَبقى على مِلكِ صاحبِهِ. وعند المالكية كذلك، إلَّا أَنَّه يَزُولُ مِلك صاحبِه عنه، فإن كان له قَدْر ومنفعةٌ وجَبَ تعريفُه. واختلفوا في مُدَّة التَّعريف، فإن كان ممّاً يَتَسارَعُ إليه الفَساد جازَ أكلُه ولا يُضمَنُ على الأصحِّ. ٥٧٣ باب ٦ / ح ٢٤٣١ - ٢٤٣٢ كتاب اللقطة ٦ - بابٌ إذا وجد تمرةً في الطريق ٢٤٣١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن مَنْصورٍ، عن طَلْحةَ، عن أنسٍ قال: مَرَّ النبيُّنَله بتمرةٍ في الطَّريقِ، قال: ((لَوْلا أَنّي أخافُ أن تكون مِن الصَّدَقةِ لأكَلّتُها)». ٢٤٣٢- وقال يحيى: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثني مَنْصورٌ. وقال زائدةُ: عن مَنْصورٍ، عن طَلْحَةَ، حدَّثنا أنسُ. وحدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن همَّامِ بنِ مُنبِّهِ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((إنّي لأَنقَلِبُ إلى أهلي، فأجِدُ التَّمْرةَ ساقطةً على فراشي، فأرفَعُها لآكُلَها، ثمَّ أخشى أن تكون صدقةً فأُلْقيها))(١). قوله: ((بابٌ إذا وَجَدَ تمرة في الطَّريقِ)) أي: يجوزُ له أخذُها وأكلُها، وكذا نحوُها من المحقَّرات، وهو المشهورُ المجزومُ به عند الأكثرِ، وأشار الرَّافعيّ إلى تَخريج وجهٍ فيه. وقد روى ابن أبي شَيْبة (٤٥٩/٦) من طريق ميمونة زوج النبي وِّ: أنَّهَا وَجَدَت تمرةً فأكَلَتْها، وقالت: لا يُحِبُّ الله الفَساد. تعني أنَّها لو تُرِكَت فلم تُؤْخَذ فتُؤكَل فسَدَت. قوله: ((عن طلحة)» هو ابن مُصرِّف. قوله: ((لَأْكَلِّتُها)) ظاهرٌ في جوازٍ أكل ما يُوجَدُ من المحقَّرات مُلقَى في الطُّرقات، لأنَّه وَُّ ذكر أنَّه لم يَمتَنِعِ من أكلِها إلَّا تَورُّعاً لخشيته أن تكون من الصَّدَقة التي حُرِّمَت عليه، لا لكونها مَرميّةً في الطَّريق فقط، وقد أوضحَ ذلك قوله في حديث أبي هريرة ثاني حديثَي الباب: ((على فراشي)) فإنَّه ظاهرٌ في أنَّه تَرَكَ أخذها تَوَرُّعاً خشيةَ أن تكون صدقة، فلو لم يَخْشَ ذلك لَأكَلَها، ولم يَذكُر تعريفاً، فدَلَّ على أنَّ مِثلَ ذلك يُملَكُ بالأخذِ ولا يحتاجُ إلى (١) وقع في اليونينية: فأُلفيها، بالفاء وسكون الياء، وصحح عليها، وجاء في هامشها: أنها كذلك في الفرع المعوَّل عليه من نسخ ((الصحيح))، وأنها جاءت في فرع التنكزية كذلك إلا أنه وقع فيها بنصب الياء وعليها علامة أبي ذر مصححاً عليها، وأنها جاءت في بعض الفروع بالقاف ونصب الياء، وفي بعضها بالقاف وسكون الياء، يعني كما هو مُثبَت، قلنا: وهو الذي رأيناه عندنا في نسختين متقنتين إحداهما برواية أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة، والأخرى برواية الداوودي عن الحقُّوِي. ٥٧٤ باب ٧ / ح ٢٤٣٣ - ٢٤٣٤ فتح الباري بشرح البخاري تعريف، لكن هل يقال: إنَّها لُقَطةٌ رُخِّص في ترك تعريفها، أو ليست لقطةً، لأنَّ اللَّقَطةَ ما من شَأْنِهِ أن يُتَمَلَّكَ دون ما لا قيمةَ له؟ وقد استَشكَلَ بعضهم تركَه وَّهِ التَّمرةَ في الطَّريقِ، مع أنَّ الإمام يأخُذُ المالَ الضّائعَ للحفظ. وأُجيبَ باحتمال أن يكون أخذها كذلك، لأنَّه ليس في الحديثِ ما يَنفيه، أو تَرَكَها عَمداً لينتَفِعَ بها مَن يَجِدُها مَمَّن تَحِلُّ له الصَّدَقة، وإنَّما يجبُ على الإمام حِفظُ المال الذي يُعلَمُ تَطَلُّعُ صاحبه له، لا ما جَرَت به العادةُ بالإعراض عنه لحَقارَتِه، والله أعلم. قوله: ((وقال يحيى)) أي: ابن سعيد القَطّان، وقد وصَلَه مُسدَّد في («مسندِه)) عنه، وأخرجه الطَّحاوي (٩/٢) من طريق مُسدَّدٍ. قلت: ولِسفيان فيه إسناد آخر أخرجه ابن أبي شَيْبة (٦/ ٤٥٧) عن وكيع عنه، بهذا الإسناد إلى طلحة، فقال: عن ابن عمر: أنَّه وَجَدَ تمرة فأكَلها)). قوله: ((وقال زائدَة ... )) إلى آخره، وَصَلَه مسلم (١٦٥/١٠٧١) من طريق أبي أُسامة عن زائدة. قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارَك. وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوَى في أوائل البيوعِ (٢٠٥٥). ٧ - بابٌ كيف تُعرَّف لقطةُ أهل مكة؟ وقال طاووسٌٌ: عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ قال: ((لا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَها إلا مَن عَرَّفَها)). ٨٧/٥ وقال خالدٌ: عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((لا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَها إلا مُعرِّفٌ)). ٢٤٣٣ - وقال أحمدُ بنُ سعيد: حدَّثنا رَوْحٌ، حدَّثنا زكريّا، حدَّثنا عَمْرو بنُ دینارٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((لا يُعضَدُ عِضاهُها، ولا يُنقَّرُ صيدُها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلا لِمُنشِدٍ، ولا يُخْتَلَى خَلَاها)» فقال عبَّاسِ: يا رسولَ الله، إلا الإذْخِرَ، فقال: ((إلا الإذْخِرَ )). ٢٤٣٤ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني ٥٧٥ باب ٧ / ح ٢٤٣٣ - ٢٤٣٤ كتاب اللقطة يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثني أبو هريرةَ عَُّه، قال: لمَّا فَتَحَ الله على رسولِه ◌ِنََّمَكّةَ، قام في النّاس فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمَّ قال: ((إنَّ الله حَبَسَ عن مَكّةَ القَتْل، وسَلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنينَ، فإنَّها لا تَحِلُّ لأحدٍ كان قبلي، وإِنَّهَا أُحِلَّت لي ساعةً من نهارٍ، وإنَّها لنْ تَحِلَّ لأحدٍ مِن بعدي، فلا يُنَفَّرُ صيدُها، ولا يُخْتَلَى شَوْكُها، ولا تَحِلُّ ساقطَتُها إلا لمُنشِدٍ، ومَن قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَينِ: إمَّا أن يُفدَى، وإمَّا أن يُقِيدَ)) فقال العبَّاسُ: إلا الإذْخِرَ، فإِنّا نَجْعَلُهُ لِقُبورِنا وبُيوتِنا، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إلا الإذْخِرَ)). فقام أبو شاهٍ - رجلٌ من أهلِ اليَمَنِ - فقال: اكتُبوا لي يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((اكتُبُوا لأبي شاهٍ)). قلتُ للأوزاعيِّ: ما قولُه: اكتُبُوا لي يا رسولَ الله؟ قال: هذه الخُطْبةُ الَّتي سمعَها من رسولِ الله ◌َله .. قوله: ((بابٌ كيف تُعرَّفُ لُقَطَة أهل مَكَّةَ)) كأنَّه أشار بذلك إلى إثبات لُقَطة الحَرَم، فلذلك قَصَرَ التَّرجمةَ على الكيفية، ولَعَلَّه أشار إلى ضَعف الحديث الوارد في النَّهي عن لُقَطة الحاجّ، أو إلى تأويلِه بأنَّ المراد النَّهي عن التقاطها للتَّمَلُّكِ لا للحفظ، وأمَّا الحديثُ فقد صَحَّحَه مسلم (١٧٢٤) من رواية عبد الرحمن بن عثمان الشَّيمي. ثمَّ ليس فيما ساقه المؤلِّفُ من حديثَي ابن عبّاس وأبي هريرة كيفية التَّعريفِ التي تَرجَمَ بها، وكأنَّه أشار إلى أنَّ ذلك لا يختلف. قوله: ((وقال طاووس: عن ابن عبّاس، عن النبيِ وَّ: لا يَلْتَقِطُ لُقَطَّتَها إِلَّ مَن عَرَّفَها)) هو طَرَفِّ من حديث وَصَلَه المؤلِّف في الحجِّ في ((باب لا يَحِلُّ القتالُ بمكَّة)) (١٨٣٤). قوله: ((وقال خالد)) هو الخَذّاءُ ((عن ◌ِكرِمَ ... )) إلى آخره، هو طَرَفٌ أيضاً وصَلَه في أوائل البيوعِ في ((باب ما قيل في الصَّوَّاغ)) (٢٠٩٠). قوله: ((وقال أحمد بن سعيد)) هو الرِّباطي فيما حكاه ابن طاهر، أو(١) الدّارمي فيما ذكره (١) في (س) بدل ((أو)): و، وهو خطأ. ٥٧٦ باب ٧ / ح ٢٤٣٣ - ٢٤٣٤ فتح الباري بشرح البخاري أبو نُعیم. قوله: ((حدَّثنا رَوْح)) هو ابن عُبادة، وزَكَریا: هو ابن إسحاق، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق العبَّاس(١) بن عبد العظيم، وأبو نُعيم من طريق خَلَف بن سالم، كلاهما عن رَوح ابن عُبادة بهذا الإسناد (٢). قوله: ((حدَّثنا يحيى بن موسى)) هو البَلْخي. وفي الإسناد لطيفة: وهي تصریحُ كلّ واحدٍ من رواته بالتحديث، مع أنَّ فيه ثلاثةً من المدلِّسينَ فِي نَسَق. قوله: ((لمَّا فَتَحَ الله على رسولِهِ وَّ مَكَّةَ قام في النّاس)) ظاهره أنَّ الْخُطبةَ وقعت عَقِبَ الفتح، وليس كذلك، بل وقعت بعد (٣) الفتح عَقِبَ قتل رجلٍ من خُزاعة رجلاً من بني ليث، ففي السّياق حذفٌ هذا بيانه، وقد تقدَّم في كتاب العلمِ (١١٢) من وجهٍ آخرَ عن یحیی بن أبي کثیر. قوله: ((القَتْل)) بالقاف والمثنَّة للأكثرِ، وللكُشمِيهني بالفاء والتَّحتانية، والثاني هو الصَّواب، وقد تقدَّم الخِلاف فيه أيضاً في العلم. ٨٨/٥ قوله: ((ولا تَحِلُّ ساقطَتُها إِلَّا لِمُنْشِد)) أي: مُعرِّفٍ،/ وأمَّا الطالبُ فيقال له: الناشد، تقولُ: نَشَدتُ الضّالَّةَ إذا طلبتَها، وأنشَدْتُها إذا عَرَّفَتَها، وأصل الإنشاد والنَّشيد رفعُ الصَّوت، والمعنى: لا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلَّ لمن يريدُ أن يُعرِّفَها فقط، فأمَّا مَن أراد أن يُعرِّفَها ثمَّ يَتَمَلَّكَها فلا، وقد تقدَّم الكلام على ما عَدا هذه الجملة في الحجّ (١٨٣٤) إلَّا قوله: ((ومَن قُتِلَ له قَتيل»، فأُحيلَ به على كتاب الدّيات (٦٨٨٠)، وإلَّا قوله: ((اكتُبُوا لأبي شاهٍ)، فتقدَّم الكلام عليه في العلم (١١٢)، والقائل: قلت للأوزاعي، هو الوليدُ بن مسلم الراوي. (١) وقع في (س): أبي العباس، بإقحام لفظة ((أبي)). (٢) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (٢٩٦٢) عن روح بن عبادة. (٣) وقع في (س): قبل الفتح، وهو خطأ، وجاء على الصواب في الأصلين عندنا، وجاء على الصواب أيضاً في ((عمدة القاري)) ٢٧٦/١٢، ورواية البخاري المشار إليها تدل على ذلك. ٥٧٧ باب ٧ / ح ٢٤٣٣ - ٢٤٣٤ كتاب اللقطة واستُدِلَّ بحديثَي ابن عبّاس وأبي هريرة المذكورين في هذا الباب على أنَّ لُقَطة مكَّة لا تُلْتَقَطُ للتملُّك، بل للتَّعريفِ خاصَّةً، وهو قولُ الجمهورِ، وإنَّما اختَصَّت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى رَبِّها، لأنَّها إن كانت للمَكّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ فلا يَخْلو أُفُق غالباً من واردٍ إليها، فإذا عَرَّفَها واجدها في كلِّ عامِ سهُلَ التَّوصُّل إلى معرفة صاحبِها، قاله ابن بطَّال. وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كَغيرها من البلاد، وإنَّا تَخْتَصُّ مكَّةُ بالمبالَغَة في التَّعريفِ، لأنَّ الحاجَّ يَرجِعُ إلى بلدِه وقد لا يعودُ، فاحتاجَ الملتَقِط بها إلى المبالَغَة في التَّعريف. واحتَجَّ ابن المنيِر لمذهبِهِ بظاهرِ الاستثناء، لأَنَّه نَفى الحِلَّ واستثنى المنشِد، فدَلَّ على أنَّ الحِلَّ ثابت للمُنشِدِ، لأنَّ الاستثناءَ من النَّفي إثبات، قال: ويَلزَمُ على هذا أنَّ مَكَّة وغيرَها سواء، والقياس يقتضي تخصيصَها. والجوابُ أنَّ التَّخصيصَ إذا وافقَ الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أنَّ لُقَطة مكَّة بَيأْسُ مُلتَقِطها من صاحبِها، وصاحبُها من وجدانها، لتَفرُّق الخَلْق إلى الآفاق البعيدة، فربَّما داخَلَ الملتَقِطَ الطَّمَعُ في تَلَّكِها من أوَّل وهْلةٍ فلا يُعرِّفُها، فنهى الشّارع عن ذلك، وأمَرَ أن لا يأخذها إلَّا مَن عَرَّفَها، وفارَقَت في ذلك لُقَطة العَسكَر ببلاد الحرب بعدَ تَفُّقِهم، فإنَّها لا تُعرَّفُ في غيرهم باتِّفاق، بخِلاف لُقَطة مكَّة فُيُشرَعُ تعريفها لإمكان عَودِ أهلِ أُفُق صاحب اللُّقَطة إلى مكَّة، فيَحصُلُ التَوَصُّلُ إلى معرفة صاحبها. وقال إسحاق بن راهويه: قوله: ((إلَّا لمُنْشِد)) أي: لمن سمِعَ ناشداً يقول: مَن رأى لي كذا؟ فحينئذ يجوزُ لواجد اللَّقَطة أن يرفعَها (١) ليُرُدَّها على صاحبِها، وهو أضيَقُ من قول الجمهورِ، لأنَّه قَيَّدَه بحالةٍ للمُعرِّفِ دون حالة، وقيل: المرادُ بالمنشِدِ الطالب، حكاه أبو عُبيد، وتَعَقَّبَه بأنَّه لا يجوزُ في اللُّغَة تسمية الطالبِ مُنشِداً. قلت: ويَكفي في رَدّ ذلك قوله في حديثِ ابن عبّاس: ((لا يَلتَقِطُ لُقَطَتَها إلَّا مُعرِّف))، والحديثَ يُفَسِّرُ بعضه بعضاً، وكأنَّ (١) تحرفت في (س) إلى: يعرفها. ٥٧٨ باب ٨ / ح ٢٤٣٥ فتح الباري بشرح البخاري هذا هو النُّكتة في تصدير البخاري الباب بحديثِ ابن عبّاس، وأمَّا اللُّغَةُ فقد أثبَتَ الحَربِيُّ جواز تسمية الطالبِ مُنشِداً، وحَكاه عياض أيضاً. واستدِلَّ به على أنَّ لُقَطة عَرَفة والمدينة النَّبوية كَسائرِ البلاد لاختصاص مكَّة بذلك، وحكى الماوَرْدي في ((الحاوي)) وجهاً في عَرَفة: أنَّها تَلتَحِقُ بحُكمِ مكَّة، لأنَّهَا تَجمَعُ الحاجَّ كمكَّة، ولم يُرجِّح شيئاً، وليس الوجه المذكور في ((الرَّوضة)) ولا أصلِها. واستُدِلَّ به على جواز تعريف الضّالَّة في المسجدِ الحرام بخلاف غيره من المساجد، وهو أصَحُّ الوجهَين عند الشافعية، والله أعلم. ٨- بابٌ لا تُحتلَب ماشية أحدٍ بغير إذنه ٢٤٣٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَ لَه قال: ((لا تَحِلُبَنَّ أحدٌ ماشيةَ امرِئٍ بغيرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أحدُكُم أن تُؤْتَى مَشْرُ بَتُه، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُه، فيُنْتَقَلَ طعامُه؟ فإنَّا تَخُزُنُ لهم ضُروعُ مَوَاشِيهِم أطْعِماتِهِم، فلا يَحِلُبَنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذْنِهِ)). قوله: ((بابٌ لا تُحْتَلَبُ ماشية أحد بغير إِذْنِه)) هكذا أطلقَ التَّرجمة على وَفْق ظاهر الحديث، إشارة إلى الردِّ على مَن خَصَّصَه أو قَيَّدَه. ٨٩/٥ قوله: ((عن نافع)) في ((موطَّأ محمد بن الحسن)) عن مالكٍ: أخبرنا نافع، وفي رواية أبي قَطَنِ في ((الموطَّآتِ)) للدّارَ قُطني: قلت لمالكِ: أحدَّثَكَ نافعٌ؟ قوله: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَلّ) في رواية يزيد بن الهاد عن مالكٍ عند الدّارَ قُطني(١) أيضاً: أنَّه سمعَ رسول الله ێ یقول. قوله: ((لا يَحِلُبَنَّ)) كذا في البخاري وأكثر الموطَّآت بضمِّ اللَّام، وفي رواية ابن الهاد المذكورة: ((لا يَحَتَلِبَنَّ) بكسرها وزيادة المثنَّة قبلَها. قوله: ((ماشية امْرِئ)) في رواية ابن الهاد وجماعةٍ من رواة ((الموطَّأ)): ((ماشية رجل))، وهو (١) يعني في ((الموطآت)) كما سبق قريباً. ٥٧٩ باب ٨ / ح ٢٤٣٥ كتاب اللقطة كالمثال، وإلا فلا اختصاصَ لذلك بالرِّجال، وذكره بعض شُرّاح ((الموطَّأ) بلفظ: ((ماشية أخيه)(١) وقال: هو للغالبِ، إذ لا فرقَ في هذا الحكمِ بين المسلمِ والذِّمّي. وتُعُقِّبَ بأنَّه لا وُجودَ لذلك في ((الموطَّأ))، وبإثبات الفرق عند كثير من أهل العلم كما سيأتي في فوائدٍ هذا الحديث، وقد رواه أحمد (٤٤٧١) من طريق عُبيد الله بن عمر عن نافعٍ بلفظ: نهى أن تُحتَلَب مَواشي الناس إلَّ بإذنِهِم. والماشية تَقَعُ على الإبل والبقرِ والغنم، ولكنَّه في الغنمِ يقعُ أكثر، قاله في «النّهاية». قوله: ((مَشْرُبَتُه) بضمِّ الراءِ وقد تُفتَحُ، أي: غُرفَتُه، والمشرَبة: مكان الشُّربِ - بفتح الراءِ - خاصَّةً، والمشرِبة - بالكسر -: إناء الشُّرب. قوله: ((خِزانته)) الخِزانة: المكان أو الوعاء الذي يُخْزَنُ فيه ما يُرادُ حِفظُه، وفي رواية أيوبَ عند أحمد (٤٥٠٥): ((فیُکسَرَ بابها». قوله: ((فَيُنْتَقَلَ)) بالنّون والقاف وضَمّ أوَّله: يُفتَعَلُ من النَّقْلِ، أي: يُحُوَّلَ من مكانٍ إلى آخرَ، كذا في أكثرِ الموطَّت عن مالك، ورواه بعضهم كما حكاه ابن عبد البَرِّ - وأخرجه الإسماعيلي من طريق رَوح بن عُبادة وغيره - بلفظ: ((فيُنَثَلَ))، بمُثَلَّةٍ بدلَ القاف، والنَّْل: النَّثْ مَرَّةً واحدة بسُرعة، وقيل: الاستخراجُ، وهو أخَصُّ من النَّقل، وهكذا أخرجه مسلم (١٧٢٦) من رواية أيوب وموسى بن عُقبة وغيرهما، عن نافع. ورواه عن اللَّيثِ، عن نافع بالقاف، وهو عند ابن ماجَهْ (٢٣٠٢) من هذا الوجه بالمثلَّثة! قوله: (تَخْزُن)) بالخاء المعجمة السَّاكِنة والزّائِ المضمومة بعدَها نون، وفي رواية الكُشمِيهني: ((تُحِرِز)) بضمٍّ أوَّله وإهمال الحاء وكسر الراءِ بعدَها زاي. قوله: (ضُروع)) الضَّرع للبَهائمِ كالثَّدي للمَرأة. قوله: ((أَطْعِماتهم)) هو جمعُ أطعمة، والأطعمة: جمع طعام، والمراد به هنا اللَّبَن، قال ابن (١) هذا اللفظ جاء في رواية الشافعي عن مالك في ((الأم)) ٢٦٨/٢، وكذلك في رواية ابن الهاد عن مالك عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٤١/٤، والخليلي في ((الإرشاد)) ٢٢٣/١. ٥٨٠ باب ٨ / ح ٢٤٣٥ فتح الباري بشرح البخاري عبد البَرِّ: في الحديثِ النَّهي عن أن يأخُذَ المسلمُ للمسلم شيئاً إلَّا بإذنِه. وإنَّمَا خَصَّ اللَّبَن بالذِّكرِ لتَساهُل الناس فيه، فنَبََّ به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذَ الجمهور، لكن سواء كان بإذنٍ خاصٍّ أو إذنٍ عامٍّ، واستثنى كثير من السَّلَفِ ما إذا عَلِمَ بطيب نفس صاحبِهِ، وإن لم يقع منه إذن خاصّ ولا عامّ. وذَهَبَ كثيرٌ منهم إلى الجوازِ مُطلَقاً في الأكل والشُّربِ، سواء عَلِمَ بطيب نفسه أو لم يعلم، والحُجَّة لهم ما أخرجه أبو داود (٢٦١٩) والتِّرمِذي (١٢٩٦) وصَحَّحَه من رواية الحسنِ عن سمُرة مرفوعاً: ((إذا أتى أحدُكُم على ماشيةٍ فإن لم يكن صاحبُها فيها فليُصَوِّت ثلاثاً، فإن أجاب فليَستأذِنه، فإن أذِنَ له وإلَّا فليَحلُب وليَشرَب ولا يَحمِلْ))، إسناده صحيح إلى الحسن، فمَن صَخَّحَ سماعه من سمُرة صَخَّحَه، ومَن لا أعلَّه بالانقطاع، لكِن له شواهد من أقواها حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((إذا أتيت على راع فنادِه ثلاثاً، فإن أجابك وإلَّا فاشرَب من غير أن تُفسِدَ، وإذا أتيتَ على حائط بُستان ... )) فذكر مثله، أخرجه ابن ماجه (٢٣٠٠) والطَّحاوي (٢٤٠/٤) وصَخَّحَه ابن حِبَّان (٥٢٨١) والحاكم (١٣٢/٤). وُجِيبَ عنه بأنَّ حديث النَّهي أصَحّ، فهو أولى بأن يُعمَلَ به، وبأنَّه مُعارضٌ للقواعِدِ القطعية في تحريمِ مال المسلمِ بغير إذنِهِ فلا يُلتَفَتُ إليه. ومنهم مَن جَمَعَ بين الحديثين بوجوه من الجمع: منها حَمْل الإذن على ما إذا عَلِمَ طِيبَ نفس صاحبِهِ، والنَّهي على ما إذا لم يَعلَم. ومنها: تخصيص الإذن بابن السَّبيل دون غيره، أو بالمضطَرِّ، أو بحال المجاعة مُطلَقاً، وهي مُتَقاربة. وحكى ابن بطَّال عن بعضِ شيوخه: أنَّ حديثَ الإذن كان في زَمَنِهِ نََّ، وحديث الَّهي أشار به إلى ما سيكون بعدَه من التَّشاحِ وتركِ المواساة. ومنهم مَن حَمَلَ حديث النَّهي ٩٠/٥ على ما إذا كان المالكُ أحوَجَ من المارِّ، / لحديث أبي هريرة: بينما نحنُ مع رسول الله وَله في سَفَرٍ إذا رأينا إِيلاً مصرورةَ فتُبْنا إليها، فقال لنا رسول الله وَّةٍ: ((إنَّ هذه الإبلَ لأهل بيتٍ من المسلمين هو قوتُهم، أيسُرُّكُم لو رَجَعتُم إلى مَزاوِدِكُم فوَجَدتُم ما فيها قد ذَهَبَ؟)) قلنا: