Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ باب ١٤ / ح ٢٣٣٤ كتاب المزارعة ١٤ - باب أوقاف أصحاب النبي وقالّ وأرض الخراج ومزارعتهم ومعاملتهم وقال النبيُّ نَّه لِعُمرَ: ((تَصَدَّقْ بأصلِهِ، لا يُباعُ، ولكن يُنفَقُ ثَمَرُه)» فتَصَدَّقَ به. ٢٣٣٤ - حدَّثنا صدقةُ، أخبرنا عبدُ الرحمن، عن مالكٍ، عن زيد بنِ أسلَمَ، عن أبيه، قال: قال عمرُ﴾: لولا آخرُ المسلمينَ ما فُتِحَتْ قريةٌ إلا قَسَمْتُها بين أهلِها، كما قَسَمَ النبيُّ وَّ خِيِيرَ. [أطرافه في: ٣١٢٥، ٤٢٣٥، ٤٢٣٦] قوله: ((باب أوقاف أصحاب النبي ◌َّ وأرض الخراج ومُزارَعَتهم ومُعاملَتهم)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث عمر في وقف أرض خيبر، وذكر قولَ عمرَ: لولا آخرُ المسلمين ما فُتِحَت قرية إلَّا قَسَمتها. وأَخْذُ المصنّف صدر التَّرجمة من الحديث الأوَّل ظاهر، ويُؤخَذ أيضاً من الحديث الثاني، لأنَّ بقية الكلام محذوف تقديره: لكن النَّظَر لآخرِ المسلمين يقتضي أن لا أقسِمها، بل أجعَلها وقفاً على المسلمين. وقد صَنَعَ ذلك عمر في أرض السَّواد. وأمَّا قوله: ((وأرض الخراج ... )) إلى آخره، فيُؤخَذ من الحديث الثاني، فإنَّ عمر لمَّا وقَفَ السَّواد ضَرَبَ على مَن به من أهل الذِّمَّة الخَراجَ، فزارَعَهم وعاملهم، فهذا يَظهَر مُراده من هذه التَّرجمة، ودخولها في أبواب المزارَعة. وقال ابن بطَّال: معنى هذه التَّرجمة أنَّ الصحابة كانوا يُزارعون أوقاف النبي ◌َّ بعد وفاته على ما كان عامَلَ علیه يهود خيبر. وقوله: ((وقال النبي ◌َّهِ العُمر ... )) إلى آخره، قال ابن التِّين: ذكر الدَّاوُودي أنَّ هذا اللَّفظ غير محفوظ، وإنَّما أمَرَه أن يَتَصَدَّق بثَمَره ويُوقِف أصله. قلت: وهذا الذي رَدَّه هو معنى ما ذكره البخاري، وقد وصَلَ البخاري اللَّفظَ الذي عَلَّقَه هنا في كتاب الوصايا (٢٧٦٤) من طريق صَخر بن جوَيريةَ عن نافع عن ابن عمر، قال: تَصَدَّقَ عمر بمالٍ له، فذكر الحديث، وفيه: ((تَصَدَّقْ بأصلِه: لا يُباع ولا يوهَب ولا يورَث، ولكن يُنْفَق ثَمَرُه)). ٤٤٢ باب ١٤ / ح ٢٣٣٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «أخبرنا عبد الرحمن)) وهو ابن مهدي. قوله: ((عن مالك)) وقع للإسماعيلي من طُرُق(١) عن عبد الرحمن بن مهدي: حدَّثنا مالك. قوله: ((قال عُمر)) في رواية عبد الله بن إدريس عن مالكٍ عند الإسماعيلي: سمعت عمر يقول. ١٨/٥ قوله: ((ما فُتِحَتْ)) بضمِّ الفاء على البناء للمجهولِ، و ((قَرْية)) بالرفعِ، وبفتح الفاء ونصب ((قرية)) على المفعولية. قوله: ((إلَّا قَسَمْتُها)» زاد ابن إدريس في روايته: ما افتَتَحَ المسلمون قرية من قُری الکفَّار إلَّا قَسَمتُها سُهماناً. قوله: ((كما قَسَمَ النبي ◌ِّ﴿ خيبر)) زاد ابن إدريس في روايته: لكن أرَدتُ أن تكون جِزیةً تَجري عليهم، وسيأتي الكلام على هذه اللَّفظَة في غَزْوَة خيبر من كتاب المغازي (٤٢٣٥). وروى البيهقي (٣١٨/٦) من وجهٍ آخر عن ابن وَهْب عن مالك في هذه القِصَّة سبب قول عمر هذا، ولفظه: لمَّا فَتَحَ عمر الشّامَ قام إليه بلال، فقال: لَتَقْسِمَنَّها أو لنُضارِبنَّ عليها بالسَّيف، فقال عُمر، فذكره. قال ابن التِّين: تأوَّلَ عمر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَلَّمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] فرأى أنَّ للآخرينَ أُسوَةً بالأوَّلينَ، فخَشِي لو قَسَمَ ما يُفتَح أن تَكُل الفُتوح فلا يَبقى لمن يَجِيءُ بعد ذلك حَظَّ في الخَراج، فرأى أن تُوقَف الأرض المفتوحة عَنوَةً ويَضْرِبَ عليها خَراجاً يَدوم نفعُه للمسلمينَ. وقد اختلفَ نظر العلماء في قِسمة الأرض المفتوحة عَنوَةً على قولین شھیرین، کذا قال. وفي المسألة أقوال أشهَرها ثلاثة، فعن مالكٍ: تصير وقفاً بنفسِ الفتح، وعن أبي حنيفة والثَّوري: يَتَخَّر الإمام بين قِسمَتها ووقفيّتِها، وعن الشافعي: يَلزَمه قِسمَتها إلّا أن يَرضى بوقفيّتِها مَن غَنِمَها، وسيأتي بقية الكلام عليه في أواخر الجهاد إن شاء الله تعالى(٢). (١) في (س): من طريق عن. (٢) بل في فرض الخمس: ٩ - باب الغنيمة لمن شهد الوقعة. ٤٤٣ باب ١٥ كتاب المزارعة ١٥ - باب من أحيا أرضاً مَواتاً ورأَى ذلك عليٌّ في أرضِ الخَرَاب بالكوفةِ. وقال عمرُ: مَن أحيا أرضاً ميتةً فهيَ له. ويُروَى عن عَمرو بنِ عَوفٍ، عن النبيِّ وَّةِ، وقال فيه: ((في غيرِ حقٌّ مُسلِمٍ، وليسَ لِعِرْقٍ ظالم فيه حَقٌّ)). ويُروَى فيه عن جابرٍ، عن النبيِّ ◌َّ. قوله: ((باب مَن أحْيا أرضاً مَواتً)) بفتح الميم والواو الخفيفة، قال القَزّاز: الموات: الأرض التي لم تُعمَر، شُبِّهَتِ العِمارة بالحياة، وتَعطيلها بفَقْدِ الحَياة. وإحياء الموات: أن يَعمِد الشّخص لأرضٍ لا يعلم تقدُّم مالكٍ عليها لأحدٍ فيحييها بالسَّقي أو الزَّرع أو الغَرس أو البناء فتصير بذلك مِلكَه، سواء كانت فيما قَرُبَ من العُمران أم بَعُدَ، سواء أذِنَ له الإمام في ذلك أَم لم يأذَن، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة: لا بدَّ من إذْن الإمام مُطلَقاً، وعن مالكٍ فيما قَرُبَ. وضابط القُرب ما بأهل العُمران إليه حاجة من رَعْي ونحوه، واحتَجَّ الطَّحاوي للجُمهورِ مع حديث الباب بالقياس على ماء البحر والنَّهَر، وما يُصاد من طير وحيوان، فإنَّهم انَّفَقوا على أنَّ مَن أخذَه أو صاده يَملِكه سواء قَرُبَ أم بَعُدَ، سواء أذِنَ الإمام أم لم يأذَن. قوله: ((ورأى عليّ ذلك في أرض الخراب بالكوفَةِ)) كذا وقع للأكثر، وفي رواية النَّسَفي: في أرضٍ بالكوفة مَواتاً. قوله: ((وقال عُمر: مَن أحْيا أرضاً مَيتَة فهي له)) وصَلَه مالك في ((الموطَّأ)» (٢/ ٧٤٤) عن ابن شِهَاب عن سالم عن أبيه مِثله، ورُوِّينا في ((الخَراج)) (٢٨٦) ليحيى بن آدم سبب ذلك فقال: حدَّثنا سفيان عن الزُّهْري عن سالم عن أبيه، قال: كان الناس يَتَحَجَّرون - يعني: الأرض - على عهد عُمر، فقال: مَن أحيا أرضاً فهي له. قال يحيى: كأنَّه لم يجعلها له بمُجرَّدِ التَّحجير حتَّى يُحييها. ٤٤٤ باب ١٥ فتح الباري بشرح البخاري ١٩/٥ قوله: ((ويُرْوى عن عَمْرو بن عَوْف عن النبي ◌َّ)) أي: مِثل حديث عمر هذا. قوله: ((وقال فيه: في غير حَقّ مسلم، وليس لِعِرْقِ ظالم حَقٌ)) وَصَلَه إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا أبو عامر العَقَدي عن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف حدَّثني أبي أنَّ أباه حدَّثه، أنَّه سمِعَ النبي ◌َّ يقول: ((مَن أحيا أرضاً مَواتاً من غير أن يكون فيها حَقّ مسلم فهي له، وليس العِرِقٍ ظالمٍ حَقّ)). وهو عند الطبراني (١٧ / ٤) ثمَّ البيهقي (٦ /١٤٢)، وكثيرٌ هذا ضعيف، وليس لجدِّه عَمْرو بن عَوْف في البخاري سوى هذا الحديث، وهو غير عَمْرو بن عَوْف الأنصاري البَدْري، الآتي حديثه في الجِزية (٣١٥٨) وغيرها، وليس له أيضاً عنده غيره. ووقع في بعض الرِّوايات: وقال عمر وابن عَوْف، على أنَّ الواو عاطفة وعُمر بضمٌ العين، وهو تصحيف، وشَرَحَه الكِرْماني، ثمّ قال: فعلى هذا يكون ذكر عمر مُكَرَّراً، وأجاب بأنَّ فيه فوائد: كَونه تعليقاً بالجَزم والآخر بالتَّمريض، وكَونه بزيادةٍ والآخر بدونها، وكونه مرفوعاً والأوَّل مَوقوف، ثمَّ قال: والصحيح أنَّه عَمْرو بفتح العين. قلت: فضاع ما تكلّفَه من التّوجيه. ولِحِديثِ عَمْرو بن عَوْف المعلَّق شاهد قوي أخرجه أبو داود (٣٠٧٣) من حديث سعيد بن زيد، وله (٣٠٧٤) من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عُروَة عن أبيه، مِثله مُرسلاً(١)، وزاد: قال عُروَة: فلقد خَبَّرَني الذي حدَّثني بهذا الحديث: أنَّ رجلَين اختَصَما إلى النبي ◌ََّ، غَرَسَ أحدهما نخلاً في أرض الآخر، فقَضى لصاحبِ الأرض بأرضِه، وأمَرَ صاحب النَّخل أن يُخرج نخله منها. وفي الباب عن عائشة أخرجه أبو داود الطَّيالسي (١٥٤٣)، وعن سَمُرة عند أبي داود (٣٠٧٧) والبيهقي (١٤٨/٦)، وعن عُبادةَ وعبد الله ابن عَمْرو عند الطبراني(٢)، وعن أبي أُسَيدِ عند يحيى بن آدم في ((كتاب الخَرَاج)) (٢٧٦). وفي أسانيدها مقال، لكن يَتَقوَّى بعضُها ببعض. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أن تتمة كلام عروة الذي في ((سنن أبي داود)) يُظهر أنه تلقّاه من صحابيِّ شهد القصة، إلا أنه لم يسمِّه، فاتصل الحديث، وقد حسَّنه الحافظ في ((بلوغ المرام)) (٨٩٧). (٢) حديث عبد الله بن عَمْرو لم نقف عليه في المطبوع من ((المعجم الكبير))، وهو في ((المعجم الأوسط)) (٦٠١)، وأما حديث عبادة فعزاه إلى الطبراني كذلك الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٧١/٤، ولم نقف عليه في المطبوع. ٤٤٥ باب ١٥ كتاب المزارعة قوله: ((لِعِرْقٍ ظالم)) في رواية الأكثر بتنوين عِرْق، وظالم نَعْت له، وهو راجع إلى صاحب العِرق، أي: ليس لذي عِرقٍ ظالمٍ، أو إلى العِرق، أي: ليس لعِرقِ ذي ظُلم، ويُروى بالإضافة ويكون الظَّالم صاحب العِرق، فيكون المراد بالعِرق الأرض، وبالأوَّل جَزَمَ مالك والشافعي والأزهَري وابن فارس وغيرهم، وبالَغَ الخطّابي فغَلَّطَ رواية الإضافة، قال رَبيعة: العِرق الظَّالم يكون ظاهراً ويكون باطناً، فالباطن ما احتَفَرَه الرجل من الآبار أو استَخْرَجَه من المعادن، والظَّاهر ما بَناه أو غَرَسَه، وقال غيره: الظَّالم مَن غَرَسَ أو زَرَعَ أو بَنى أو حَفَرَ في أرضٍ غيره بغير حَقِّ ولا شُبهَة. قوله: ((ويُروى فيه)) أي: في الباب أو الحكم ((عن جابر عن النبي(وَ) وَصَلَه أحمد (١٤٢٧١) قال: حدَّثنا عبَّاد بن عبَّاد حدَّثنا هشام بن عروة(١) عن وَهْب بن كَيْسان عن جابر، فذكره، ولفظه: ((مَن أحيا أرضاً مَيتَةً فلَه فيها أجر، وما أكَلَتِ العوافي منها فهو له صدقة))، وأخرجه التُّرمِذي (١٣٧٩) من وجه آخر عن هشام بلفظ: ((مَن أحيا أرضاً مَيتَةً فهي له)) وصَحَّحَه. وقد اختُلِفَ فيه على هشام، فرواه عنه عبَّاد هكذا، ورواه يحيى القطّانُ وأبو ضَمْرة وغيرهما عنه عن أبي رافع عن جابر، ورواه أيوب عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد، ورواه عبد الله بن إدريس عن هشام عن أبيه مُرسلاً(٢). (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: هشام عن عروة، وصوّبناه من ((مسند أحمد))، وهو أيضاً عند النسائي في («الكبرى» (٥٧٢٥) من طريق أيوب السختياني، و(٥٧٢٦) من طريق عباد بن عباد، كلاهما عن هشام ابن عروة، عن وهب بن کیسان. (٢) أخرجه يحيى بن آدم في ((الخراج)) (٢٥٩)، وأبو عبيد في ((الأموال)) (٧٠٢) وابن زَنْجويه في ((الأموال)) (١٠٥٠)، وابن أبي شيبة ٧٤/٧، وأحمد (١٤٣٦١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٢٤)، وابن حبان (٥٢٠٢) و(٥٢٠٣) من طرق عن هشام بن عروة عن أبي رافع - وهو عبيد الله بن عبد الرحمن الأنصاري۔۔ عن جابر. ومن طريق أيوب، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، أخرجه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في «الكبرى)) (٥٧٢٩). ٤٤٦ باب ١٥ / ح ٢٣٣٥ فتح الباري بشرح البخاري واختُلِفَ فيه على عُروَة، فرواه أيوب عن هشام موصولاً، وخالَفَه أبو الأسوَد، فقال: عن عُروَة عن عائشة، كما في هذا الباب، ورواه يحيى بن عُروَة عن أبيه مُرسلاً(١) كما ذكرته من عند أبي داود (٣٠٧٤)، ولعلَّ هذا هو السِّ في ترك جَزم البخاري به. تنبيه: استَنبَطَ ابن حِبَّان من هذه الزِّيادة التي في حديث جابر وهي قوله: ((فلَه فيها أجر)» أنَّ الذِّمّي لا يَملِك الموات بالإحياء، واحتَجَّ بأنَّ الكافر لا أجر له، وتَعَقَّبَه المحِبّ الطََّري ٢٠/٥ بأنَّ الكافر إذا/ تَصَدَّقَ يُثاب عليه في الدنيا كما وَرَدَ به الحديث(٢)، فيُحمَل الأجر في حَقّه على ثواب الدنيا، وفي حَقّ المسلم على ما هو أعمُّ من ذلك، وما قاله مُتَمَل إلَّا أنَّ الذي قاله ابن حِبَّان أسعَد بظاهرِ الحديث، ولا يَتَبادر إلى الفَهم من إطلاق الأجر إلَّا الأُخرَوي. ٢٣٣٥- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَيثُ، عن عُبيد الله بنِ أبي جعفرٍ، عن محمَّدِ بنِ عبد الرحمن، عن عُزْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «مَن أعمَرَ أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحقّ)). قال عُرْوةُ: قَضَى به عمرُ ﴾ في خِلافَتِهِ. قوله: ((عن عُبيد الله بن أبي جعفر)) هو المِصري، ومحمد بن عبد الرحمن شيخه: هو أبو الأسوَد يَتِيم عُروَة، ونصف الإسناد الأعلى مدنيُّون، ونصفه الآخر مِصريّونَ(٣). قوله: ((مَن أَعْمَرَ)) بفتح الهمزة والميم من الرُّباعي، قال عياض: كذا وقع والصَّواب: = ومن طرق عن هشام عن أبيه مرسلاً، أخرجه يحيى بن آدم (٢٦٦-٢٦٨) و(٢٧٢)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٣٠). وهشام قد توبع في روايته من حديث جابر، فقد روى الحديث أيضاً أبو الزبير عن جابر عند أحمد (١٤٨٣٩)، وابن حبان (٥٢٠٤)، ورجاله رجال الصحيح، لكن لم يصرح أبو الزبير فيه بالتحديث. (١) قد ذكرنا قريباً أنه عند أبي داود موصول بذكر صحابيٌّ لم يسمّه عروة، وأن الحافظ حسّنه في ((بلوغ المرام)). (٢) يعني حديث أنس الذي أخرجه مسلم برقم (٢٨٠٨)، ولفظه: ((إن الله لا يظلم مؤمناً حسنةً، يعطى بها في الدنيا ويُجزَى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها الله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم یکن له حسنة مُجُزَی بها». (٣) تحرف في الأصلين إلى: بصريّون، بالباء، والمثبت على الصواب من (س). ٤٤٧ باب ١٥ / ح ٢٣٣٥ كتاب المزارعة ((عَمَرَ)) ثُلاثياً، قال الله تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] إلَّا أن يريد أنَّه جعلَ فيها عَماراً. قال ابن بطَّال: ويُمكِن أن يكون أصله مَن: اعتَمَرَ أرضاً، أي: اتّخذها، وسَقَطَت التاء من الأصل. وقال غيره: قد سُمِعَ فيه الرُّباعي، يقال: أعمَرَ الله بك مَنزِلك، فالمراد: مَن أعمَرَ أرضاً بالإحياءِ، فهو أحقّ به من غيره، وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (أحقّ)) للعلم به. ووقع في رواية أبي ذرٍّ: ((مَن أُعمِرَ)) بضمِّ الهمزة، أي: أعمَرَه غيرُه، وكأنَّ المراد بالغير الإمام. وذكره الحميدي في ((جمعه)) بلفظ: ((مَن عُمِرَ)) من الثَّلاثي، وكذا هو عند الإسماعيلي من وجه آخر عن يحيى بن بُگیر شيخ البخاري فيه. قوله: ((فهو أحقّ)) زاد الإسماعيلي: ((فهو أحقّ بها)) أي: من غيره. قوله: ((قال عُرْوَة)) هو موصول بالإسناد المذكور إلى عُروَة، ولكن عُروَة عن عمر مُرسلاً، لأنَّه وُلِدَ في آخر خلافة عمر، قاله خليفة، وهو قَضية قول ابن أبي خَيْثَمَةَ أنَّه كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة، لأنَّ الجمل كان سنة ستّ وثلاثينَ وقَتْل عمر كان سنة ثلاث وعشرينَ. وروى أبو أسامة عن هشام بن عُروَة عن أبيه، قال: رُدِدت یوم الجمل، استُصغِرت. قوله: ((قَضى به عُمر في خِلافَته)) قد تقدَّم في أوَّل الباب موصولاً إلى عُمر. ورُوِّينا في ((كتاب الخَراج)) (٢٧١) ليحيى بن آدم من طريق محمد بن عُبيد الله الثّقَفي، قال: كَتَبَ عمر ابن الخطّاب: مَن أحيا مَواتاً من الأرض فهو أحقّ به. وروى من وجه آخر (٢٨٧)، عن عَمْرو بن شعيب أو غيره، أنَّ عمر قال: مَن عَطَّلَ أرضاً ثلاث سِنينَ لم يَعمُرها، فجاء غيره فَعَمَرَها فهي له. وكأنَّ مُراده بالتَّعطيل أن يَتَحَجَّرها ولا يَجِوطُها بِناءٍ ولا غيره. وأخرج الطَّحاوي (٣/ ٢٧٠) الطَّريقَ الأولى أتمّ منه بالسَّنَدِ إلى الثَّقَفي المذكور قال: خَرَجَ رجل من أهل البصرة - يقال له: أبو عبد الله - إلى عمر، فقال: إنَّ بأرضِ البَصرة أرضاً لا تَضُرّ بأحدٍ من المسلمين وليست بأرضٍ خَراج، فإن شئت أن تُقُطِعنيها أَتَّخِذِها قَضْباً وزَيتوناً، فكَتَبَ عمر إلى أبي موسى: إن كان كذلك، فأقطِعْها إياه. ٤٤٨ باب ١٦ / ح ٢٣٣٦ -٢٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري ١٦ - بابٌ ٢٣٣٦- حدَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن سالمٍ بِنِ عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن أبيه : أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أُريَ وهو في مُعرَّسِه بذي الحُلَيَفةِ في بَطْنِ الوادي، فقيلَ له: إنَّكَ بَبَطْحَاءَ مُبارَكةٍ، فقال موسى: وقد أناخَ بنا سالمٌ بالمناخ الذي كان عبدُ الله ◌ُنيخُ بِه يَتَحَرَّى مُعرَّسَ رسولِ الله ◌َّةِ، وهو أسفَلُ مِن المسجدِ الذي ببَطْنِ الوادي بينه وبين الطَّريقِ وسطُّ من ذلك. ٢٣٣٧- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا شعيبُ بنُ إسحاق، عن الأوزاعيِّ، قال: حدَّثني يحيى، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن عمرَ ﴾، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «اللَّيلةَ أتاني آتٍ من رَبّي وهو بالعَقيقِ: أن صَلِّ في هذا الوادي المبارَك، وقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجّةٍ)). قوله: ((باب)) كذا فيه بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وقد أورَدَ فيه ٢١/٥ حديث ابن عمر: / أنَّ النبي ◌َّهِ أُري وهو في مُعرَّسه بذي الحُلَيفة: إنَّك ببطحاءَ مُبارَكَةٍ، وحديث عمر مرفوعاً: ((أتاني آتٍ من رَبّي: أن صَلِّ في هذا الوادي المبارَك))، وقد تقدَّم الكلام على هذين الحديثين في الحجّ مُستَوَى (١٥٣٤ و ١٥٣٥). ولكن أشكَلَ تَعلَّقهما بالتَرجمة، فقال المهلَّب: حاوَلَ البخاري جَعْل موضع مُعرَّس النبيِ نَّ مَوقوفاً أو مُتَمَلَّكاً له، لصلاته فيه ونزوله به، وذلك لا يقوم على ساق، لأنَّه قد يَنزِل في غیر مِلکه ويُصَلّي فیه، فلا يصير بذلك مِلكَه، كما صَلّى في دار عِتْبان بن مالك(١) وغيره. وأجاب ابن بطَّال بأنَّ البخاري أراد أنَّ المعرّس نُسِبَ إلى النبي ◌َّ بنزوله فيه، ولم يُرِد أنَّه یصیر بذلك مِلگه. ونَفَى ابن المنيِّر وغيره أن يكون البخاري أراد ما ادَّعاه المهلَّب، وإنَّما أراد التَّنبيه على أنَّ البطحاء التي وقع فيها التَّعريسُ والأمرُ بالصلاة فيها لا تَدخُل في الموات الذي يُحيا ويُملَك، إذ لم يقع فيها تحويط ونحوه من وُجوه الإحياء، أو أراد أنَّها تَلحَق بحُكمِ الإحياء (١) سلف برقم (٤٢٥). ٤٤٩ باب ١٧ / ح ٢٣٣٨ كتاب المزارعة لمَا ثبت لها من خَصُوصَيَّة التَّصَرُّف فيها بذلك، فصارت كأنَّهَا أُرصِدَت للمسلمينَ كمِنَّى مثلاً، فليس لأحدٍ أن يَبني فيها ويَتَحَجَّرها لتَعلَّقِ حَقّ المسلمين بها عُموماً. قلت: وحاصله أنَّ الوادي المذكور، وإن كان من جِنس الموات، لكن مكان التَّعريس منه مُستَئِنّى لكَونِه من الحقوق العامَّة، فلا يَصِحّ احتجارُه لأحدٍ ولو عَمِلَ فيه بشروطِ الإحياء، ولا يختصّ ذلك بالبُقعة التي نزلَ بها النبي ◌َّ، بل كلّ ما وُجِدَ من ذلك فهو في معناه. تنبيه: المعَرَّس بمُهمَلات وفتح الراء: موضع التَّعريس، وهو نزول آخر اللَّيل للرّاحة. ١٧ - باب إذا قال ربّ الأرض: أَقُّك ما أقرَّك الله، ولم يذكر أجلاً معلوماً، فهما علی تراضیھما ٢٣٣٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدام، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا موسی، أخبرنا نافعٌ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسولُ الله ◌َلّ. وقال عبدُ الرَّزّاق: أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: حدَّثني موسى بنُ عُقْبَةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنَّ عمرَ بنَ الخطّاب رضي الله عنهما أجْلَى اليهودَ والنَّصارَى من أرضِ الحِجازِ، وكان رسولُ اللهِ وَّةِ لِمَّا ظَهَرَ على خيبرَ أرادَ إخْراجَ اليهودِ منها، وكانتِ الأرضُ حينَ ظَهَرَ عليها لله ولِرسولِهِ وَ﴿ وللمسلمينَ، وأرادَ إخْراجَ اليهودِ منها، فسألَتِ اليهودُ رسولَ الله ◌َّ لیُقِّهم بها أن يَكْفُوا عملَها، ولهم نِصْفُ الثَّمَرِ، فقال لهم رسولُ الله ◌َِّ: ((نُقِرُّكُم بها على ذلك ما شِئْنا)» فقَرّوا بها حتَّى أجْلاهم عمرُ إلى تَيْماءَ وأريحاءَ. قوله: ((باب إذا قال رَبّ الأرض: أُقِرّك ما أقرَّك الله، ولم يَذْكُر أجَلاً معلوماً، فهما على تَراضيهما)» أورَدَ فيه حديث ابن عمر في مُعاملة يهود خيبر، أورَدَه موصولاً من طريق الفُضَيل ابن سليمان ومُعلَّقاً من طريق ابن جُرَيجٍ، كلاهما عن موسى بن عُقْبة، وساقه على لفظ الرِّواية المعلّقة، وقد وصَلَ مسلم طريق ابن جُرَيجٍ (٦/١٥٥١)، وأخرجها أحمد (٦٣٦٨) عن عبد الرَّزّاق عنه بتمامها، وسيأتي لفظ فُضَيل بن سليمان في كتاب الخُمُس (٣١٥٢). ٤٥٠ باب ١٧ / ح ٢٣٣٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّ عُمر أجلى اليهود والنَّصارى من أرض الحجاز)) سيأتي سبب ذلك موصولاً في كتاب الشُّروط (٢٧٣٠)، قال الهَرَوي: جَلا القومَ عن مَوَاطنهم وأجلى بمعنَى واحد، والاسم: الجَلاء والإجلاء، وأرض الحِجاز: هي ما يَفصِل بين نَجْد وتهامة، قال الواقدي: ما بين وَجْرة وغَمْرةٍ(١) الطائف نَجْد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر تِهامة. ووقع هنا للكِرْماني تفسير الحِجاز بما فسَّروا به جزيرة العرب الآتي في ((باب هل يُستَشفَع بأهل الذِّمَّة)) في كتاب الجهاد (٣٠٥٣)، وهو خطأ. قوله: ((وكان رسول الله وَّرَ ... )) إلى آخره، هو موصولٌ لابن عمر. ٢٢/٥ قوله: وكانت الأرض لَّا ظَهَرَ عليها لله ولرسوله وللمسلمينَ» في رواية فُضَیل بن سليمان الآتية: وكانت الأرض لمَّا ظَهَرَ عليها لليهودِ وللرَّسول وللمسلمينَ. قال المهلَّب: يُجمَع بين الرِّوايَتَين بأن تُحمَل رواية ابن جُرَيجٍ على الحال التي آلَ إليها الأمرُ بعد الصُّلح، ورواية فُضَيل على الحال التي كانت قبله، وذلك أنَّ خيبر فُتِحَ بعضها صُلحاً وبعضها عَنوَةً، فالذي فُتِحَ عَنْوَة كان جميعُه لله ولِرسولِه وللمسلمينَ، والذي فُتِحَ صُلحاً كان لليهودِ ثمَّ صارَ للمسلمينَ بعَقدِ الصُّلح، وسيأتي بيان ذلك في كتاب المغازي (٤١٩٥-٤٢٤٨) إن شاء الله تعالى. وقوله في رواية ابن جُرَيجٍ: ((ليقِرّهم بها أن يَكْفوا عملها)) وقع عند أحمد (٦٣٦٨) عن عبد الرَّزّاق: أن يُقِرّهم بها على أن يَكفوا. وهو أوضح، ونحوه رواية ابن سليمان الآتية. وقوله فيها «فقَرّوا)» بفتح القاف، أي: سَكَنوا. وتَيماء: بفتح المثنَّة وسكون التَّحتانية والمدّ، وأَرِيحاءُ: بفتح الهمزة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ مُهمَلة وبالمدِّ أيضاً، هما موضعان مشهوران بقُربٍ بلاد طَيِّي على البحر في أوَّل طريق الشّام من المدينة. وقد ذكر البَلاذُرِي في ((الفُتوح)) (١٢٤): أنَّ النبي ◌َّه لمَّا غَلَبَ على وادي القُرى بَلَغَ ذلك أهلَ تَيماء فصالحوه على الجزية، وأقرَّهم ببلدِهم. (١) تحرفت في (أ) إلى: غمص، وفي (ع) إلى: عميق، وفي (س) إلى: غمس، وجاءت على الصواب في ((عمدة القاري)) ١٣٤/١٧، وقال البكري في ((معجم ما استعجم)): غَمْرة، بفتح أوله وإسكان ثانية: موضع، وهو فصلٌ بين نجد وتهامة من طريق الكوفة، كما أن وَجْرة فصلٌ بين نجد وتهامة من طريق البصرة. ٤٥١ باب ١٨ / ح ٢٣٣٩ كتاب المزارعة ١٨ - باب ما كان أصحاب النبي ◌َّ يواسي بعضهم بعضاً في الزّراعة والثّمر ٢٣٣٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا الأوزاعيُّ، عن أبي الَّجاشيِّ مولى رافعٍ بنِ خَدِيجٍ، سمعتُ رافعَ بنَ خَديجٍ بنِ رافعٍ، عن عَمِّه ظُهَيرِ بنِ رافع، قال ظُهَيرٌ: لقد ◌َهانا رسولُ الله ◌َّهِ عن أمرٍ كان بنا رافقاً، قلتُ: ما قال رسولُ اللهِ وَِّ فهو حَقٍّ، قال: دَعاني رسولُ اللهَ وَّه قال: ((ما تَصْنَعونَ بمَحاقِلِكُمْ؟)) قلتُ: نُؤاجرُها على الرَّبيع، وعلى الأوسُقِ مِن التَّمْرِ والشَّعيرِ، قال: ((لا تَفْعَلوا، ازرعوها، أو أَزْرِعوها، أو أمسِكوها)). قال رافعٌ: قلتُ: سَمْعاً وطاعة. [طرفاه في: ٢٣٤٦، ٤٠١٢] قوله: ((باب ما كان أصحاب النبي ◌َّ يواسي بعضُهم بعضاً في الزِّراعةِ والثَّمَرِ)) المراد ٢٣/٥ بالمواساة المشاركةُ في المال بغير مُقابل. قوله: ((أخبَرَنا عبدُ الله)) هو ابن المبارك. قوله: ((عن أبي النَّجَاشي)) بفتح الّون وتخفيف الجيم وبعد الألف مُعجَمة ثمَّ ياء ثَقيلة: تابعي ثقة، اسمه عطاء بن صُهَيبٍ، وقد روى الأوزاعيّ أيضاً في ثاني أحاديث الباب معنى الحديث عن عطاء عن جابر، وهو عطاء بن أبي رباح، فكان الحديث عنده عن كلٌّ منهما بسندِه. ووقع في رواية ابن ماجة (٢٤٥٩) من وجه آخر إلى الأوزاعي: حدَّثني أبو النَّجاشي. وقوله: ((سمعت رافع بن خَدِيج)) أخرجه البيهقي (٦/ ١٣١) من وجه آخر عن الأوزاعي: حدَّثني أبو النَّجَاشي، قال: صَحِبتُ رافع بن خَدِيج ستَّ سِنينَ وروى ◌ِكرمة بن عمَّار هذا الحديث عن أبي النَّجاشي، عن رافع، عن النبي ◌ِِّ، ولم يقل: عن عَمّه ظُهَيرٍ، ذكره مسلم (١٥٨٤)، وسيأتي (٢٣٤٦) من رواية حَنظَلة بن قيس عن رافع: حدَّثني عمَّيَ، وهو مِمَّا يُقوِّي رواية الأوزاعي. قوله: ((عن عَمّه ظُهَيرٍ)) بالظَّاءِ المعجَمة مُصغَّراً. ٤٥٢ باب ١٨ / ح ٢٣٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لقد نَهانا)) قد ذكَرَ في آخر الحديث صيغَة النَّهي، وهي قوله: ((لا تَفعَلوا))، وبها يُعرَف المراد بالأمر الرَّافق. وقوله: ((رافقاً) أي: ذا رِفق. قوله: ((بمَحاقلِكُمْ)) أي: بمَزارعِكُم، والحَقْل: الزَّرع، وقيل: ما دام أخضَرَ، والمحاقَلة: المزارَعة بجزءٍ ممّا يَخْرُج، وقيل: هو بيع الَّرع بالخِنطة، وقيل غير ذلك كما تقدَّم. قوله: ((على الرَّبيع)) بفتح الراء وكسر الموخَّدة، وهي موافقة للرِّواية الأخيرة، وهي قوله: على الأربعاء، فإنَّ الأربعاء جمع رَبيع: وهو النَّهر الصغير، وفي رواية المُستَمْلي: الرُّبِيِّع بالتَّصغير، ووقع لذكُشمِيهني: على الرُّبُع، بضمَّتَينِ، وهي موافقة لحديثٍ جابر المذكور بعدُ، لكن المشهور في حديث رافع الأوَّل، والمعنى: أنَّهم كانوا يُكْرون الأرض ويشترطون لأَنفُسِهم ما يَنْبُت على الأنهار. قوله: ((وعلى الأوسُق)) الواو بمعنى: أو. قوله: ((ازرَعُوها أو أزرِعُوها)) الأوَّل بكسر الألف، وهي ألِف وصل والراء مفتوحة، والثاني بألِفِ قطع والراء مكسورة، و((أو)) للتَّخيير لا للشكّ، والمراد ازرعوها أنتُم أو أعطوها لغيركُم يزرعها بغير أُجرة، وهو الموافق لقوله في حديث جابر: ((أو ليمنَحها)). ((أو أمسِكوها)) أي: اترُكوها مُعَطَّلة، أي: بغير زرع، وسيأتي البحث في ذلك في هذا الباب. وقوله: ((سَمْعاً وطاعةً)) بالنَّصبِ ويجوز الرفع. تنبيه: وقع للإسماعيلي(١) إيراد حديث ظُهَير بن رافع في آخر الباب الذي قبله، ثمَّ اعتَرضَ بأنَّه لا يَدخُل في هذا الباب، والذي وقع عند الجمهور إيراده في هذا الباب. ٢٣٤٠ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، أخبرنا الأوزاعيُّ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ ﴾، قال: (١) أُقحم بعد هذا في الأصلين و(س): عن جابر، ولا وجه لإيراده هنا، وإنما محلّه على الصواب كما أثبتنا بعد قوله: ((قوله: عن عطاء)). 1 ٤٥٣ باب ١٨ / ح ٢٣٤٠ كتاب المزارعة كانوا يَزْرَعونَها بالثُّلثِ والرُّبُع والنِّصْفِ، فقال النبيُّ ◌ََّ: «مَن كانت له أرضٌ فَلْيَزْرَعْها، أو ليَمْنَحْها، فإن لم يَفْعَلْ فلْيُمسِكْ أرضَه)). [طرفه في: ٢٦٣٢] قوله: ((عن عطاء عن جابر)) في رواية ابن ماجَهْ (٢٤٥١) من وجه آخر عن الأوزاعي: ٢٤/٥ حدَّثني عطاء، سمعت جابراً. قوله: ((كانوا)) أي: الصحابةَ فِي عَصِرِ النبي ◌َّ. قوله ((بالثُّلثِ والرُُّع والنِّصْف)) الواو في الموضعَين بمعنى أو، أشار إليه التَّيمي، وقد تقدَّم له توجيه آخر في ((باب المزارَعة بالشَّطِ))(١). قوله: ((أو ليَمْنَحها)) أي: يجعلها مَنِيحةً، أي: عَطيَّةً، والنّون في ((يَمنَحها)) مفتوحة ويجوز كسرها، وقد رواه مسلم (١٥٤٣/ ٨٧) من طريق مَطَر الوَرّاق عن عطاء عن جابر، بلفظ: أنَّ النبيِ لّهِ نهى عن كِراء الأرض، ومن وجه آخر عن مَطَر بلفظ: ((مَن كانت له أرض فليزرعها، فإن عَجَزَ عنها فليَمنَحها أخاه المسلم ولا يُؤاجِرها))(٢)، ورواية الأوزاعي التي اقتَصَرَ عليها المصنِّف مُفسِّرة للمُراد، لِذِكرها للسَّبَبِ الحامل على النَّهي. قوله: ((فإن لم يَفْعَل فلْيُمْسِك أرضه)) أي: فلا يَمنَحها ولا يُكربها، وقد استُشكِلَ بأنَّ في إمساكها بغير زِراعة تضييعاً لمنفَعَتِها، فيكون من إضاعة المال، وقد ثبت النَّهي عنها(٣). وأُجيبَ بحَمل النَّهي عن إضاعة عَين المال أو منفعةٍ(٤) لا تُخُلَف، لأنَّ الأرض إذا تُرِكَت بغير زرع لم تَتَعَطَّل منفعَتُها، فإنَّها قد تُنبِت من الكَلَأَ والخَطَب والحَشيش ما يَنفَع في الرَّعي وغيره، وعلى تقدير أن لا يَحصُل ذلك، فقد يكون تأخير الزَّرع عن الأرض إصلاحاً لها، (١) هو الباب رقم (٨). (٢) هذا لفظ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عند مسلم برقم (١٥٤٣) (٩١)، وأما رواية مطر التي عند مسلم (١٥٤٣) (٨٨) فليس فيها: ((ولا يؤاجرها أخاه)) لكن روى الحديثَ النسائيُّ (٣٨٧٧) من طريق عبد الله بن شَوذَب عن مطر، فقال فيه: ((ولا يؤاجرها)). فلعل الحافظ عنى هذه الرواية. (٣) انظر ما سيأتي برقم (٢٤٠٨). (٤) في الأصلين: أو منفعتها، والمثبت من (س). ٤٥٤ باب ١٨ / ح ٢٣٤١ - ٢٣٤٢ فتح الباري بشرح البخاري فُتُخْلِف في السَّنة التي تَليها ما لَعَلَّه فاتَ في سنة التَّرك، وهذا كلّه إن ◌ُلَ النَّهي عن الكِراء على عُمومه، فأمَّا لو ◌ُلَ الكِراء على ما كان مألوفاً لهم من الكِراء بجزءٍ مَّا يَخْرُج منها، ولا سيَّما إذا كان غير معلوم، فلا يَستَلزِم ذلك تَعطيلَ الانتفاع بها في الزِّراعة، بل يُكربها بالذَّهبِ أو الفِضَّة كما تَقَرَّرَ ذلك. والله أعلم. ٢٣٤١ - وقال الرَّبيعُ بنُ نافع أبو تَوْبةَ: حدَّثنا معاويةُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ اللهِوَّةَ: «مَن كانت له أرضٌ فَلْيَزْرَعْها أو لَمْنَحْها أخاه، فإن أبى فلْهُمْسِك أرضَه)). ٢٣٤٢- حدَّثنا قبيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرٍو، قال: ذَكَرْتُه لطاووس، فقال: يُزْرِعُ، قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: إنَّ النبيَّ نَّه لم يَنْهَ عنه، ولكن قال: ((إن يَمْنَحْ أحدُكُم أخاه، خيرٌ له من أن يأخُذَ شيئاً معلوماً)). قوله: ((وقال الرَّبيع بن نافع أبو تَوْبة)) بفتح المثنَّاة وسكون الواو بعدها موحّدة: هو الحَلَبي، ثقة ليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخرَ في الطَّلاق (٥٢٦٦). وقد وصَلَ مسلمٌ (١٥٤٤) حديث الباب عن الحسن بن عليّ الحُلواني عن أبي تَوبة. وشيخه مُعاويه: هو ابن سلَّام، بتشديد اللَّام. ويحيى: هو ابن أبي كثير، وقد اختُلِفَ عليه في إسناده وكذا على شيخه أبي سَلَمة، وقد أطنَبَ النَّسائيُّ في جمع طرقه(١). قوله: ((عن عَمْرو)» هو ابن دینار. قوله: «ذکرْته)) أي: حدیث رافع بن خدِیج «لطاووس» أي: کما تقدَّم، وقد مضى شرحه قبل أبواب (٢٣٣٠). وقوله: ((لم يَنْهَ عنه)) أي: لم يُحرِّمه، وبها صَرَّحَ التِّرمِذي في روايته (١٣٨٥). وقوله: ((إن يَمْنَحْ)) بكسر الهمزة من ((إن)) على أنَّها شرطية، ولغير أبي ذرِّ بفتحِها، وهو المشهور، وفي رواية التِّرمِذي (١٣٨٥): ولكن أراد أن يَرفُق بعضهم ببعضٍ. (١) انظر ((المجتبى)) (٣٨٨٢-٣٨٨٦). ٤٥٥ باب ١٨ / ح ٢٣٤٣ - ٢٣٤٤ كتاب المزارعة ٢٣٤٣ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا ◌َمَادٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ: أَنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما كان يُكْرِي مَزارِعَه على عَهْدِ النبيِّ وَّه وأبي بكرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ، وصَدْراً من إمارةِ معاويةً. [طرفه في: ٢٣٤٥] ٢٣٤٤ - ثمَّ حُدِّثَ عن رافعٍ بنِ خَديجٍ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ نهى عن كِراءِ المزارعِ، فَذَهَبَ ابنُ عمرَ إلى رافع، فَذَهَبتُ معه، فسألَه فقال: نهى النبيُّ وٍَّ عن كِراءِ المزارعِ، فقال ابنُ عمَرَ: قد عَلِمْتَ أَنَّا كنَّا نُكْرِي مَزارعَنا على عَهْدِ رسولِ اللهِوَّ بما على الأربعاءِ، وبِشيءٍ مِن التِّبنِ. قوله: ((أنَّ ابن عُمر كان يُكْري)) بضمِّ أوَّله من الرُّباعي، يقال: أكرى أرضَه يُكربها. قوله: ((وصَدْراً من إمارة معاوية)) أي: خِلافَته، وإنَّما لم يَذْكُر ابنُ عمر خلافة عليّ لأنَّه لم يُیایعه لوقوع الاختلاف علیه، کما هو مشهور في صحیح الأخبار، و کان رأَى أنَّه لا يُبایع لمن لم يجتمع عليه الناسُ، ولهذا لم يُبايع أيضاً لابن الزُّبَير ولا لعبدِ الملِك في حال اختلافهما، وبايَعَ ليزيد بن معاوية ثمَّ لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزُّبَيرِ، ولَعَلَّه في تلكَ المدَّة .- أعني مُدَّة خلافة عليّ - لم يُؤاجر أرضه، فلم يَذكُرها لذلك، وزاد مسلم في روايته (١٠٩/١٥٤٧): حتَّى إذا كان في آخر خلافة معاوية. وكان آخرُ خلافة معاوية في سنة ستّينَ من الهجرة. ووقع في رواية أحمد (٤٥٠٤) عن إسماعيل عن أيوب، بهذا الإسناد، نحو هذا السّياق وزاد فيه: فَتَرَكَها ابن عمر فكان لا يُكريها، فإذا سُئِلَ يقول: زَعَمَ رافع بن خَدِيج، فذكره. وقوله: ((ثُمَّ ◌ُدِّثَ عن رافع)) بضمٍّ أوَّله على ما لم يُسمَّ فاعِله للأكثر، وللگُشمِیهني بفتح أوَّله وحذف ((عن))، ولابن ماجَهْ (٢٤٥٣) عن نافع عن ابن عمر: أنَّه كان يُكري أرضه، فأتاه إنسان فأخبره عن رافع، فذكره، وزاد(١). وقد استَظهَرَ البخاري لحديثِ رافع بحديثٍ جابر وأبي هريرة رادّاً على مَن زَعَمَ أنَّ حديث رافع فردٌ وأنَّه مُضطَرِب، وأشار إلى صِحَّة الطَّریقین عنه،/ حیثُ روى عن النبي ٢٥/٥ مَلىالله وستـ (١) يعني زاد في روايته ما ليس عند البخاري، كقوله: فترك عبد الله كراءَها. ٤٥٦ باب ١٨-١٩ / ح ٢٣٤٥ فتح الباري بشرح البخاري وروى عن عَمّه عن النبيِ وَّةَ، وأشار إلى أنَّ روايته بغير واسطة مُقتَصِرة على النَّهي عن كِراء الأرض، وروايته عن عَمّه مُفسِّرة للمُراد، وهو ما بيَّنْه ابنُ عبَّاس في روايته من إرادة الرِّفق والتفضُّل(١)، وأنَّ النَّهي عن ذلك ليس للتَّحريم، وسأذكُرُ مَزيداً لذلك في الباب الذي بعده. ٢٣٤٥ - حذَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّنا اللَّيثُ، عن عُقَيَلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ: أخبرني سالمٌ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: كنتُ أعلمُ في عَهْدِ رسولِ الله ◌َ أنَّ الأرضَ تُكْرَى، ثمَّ خَشِيَ عبدُ الله أن يكونَ النبيُّ وَل﴿لقد أحدَثَ في ذلك شيئاً لم يكن عَلِمَهُ، فَتَرَكَ كِراءَ الأرضِ. قوله: ((قد كنت أعلم أنَّ الأرض تُكْرى، ثمَّ خَشي عبد الله)) هكذا أورَدَه مختصراً، وقد أخرجه مسلم (١١٢/١٥٤٧) وأبو داود (٣٣٩٤) والنَّسائي (٣٩٠٤) من طريق شعيب ابن اللَّيث عن أبيه مُطوَّلاً، وأوَّله: أنَّ عبد الله كان يُكري أرضه حتَّى بَلَغَه أنَّ رافع بن خَدِيج ينهى عن كِراء الأرض، فلَقيه، فقال: يا ابن خَدِيج ما هذا؟ قال: سمعت عَمَّيَّ - وكانا قد شَهِدا بَدراً - يُحدِّثان: أنَّ رسول الله وَلّ نهى عن كِراء الأرض، فقال عبد الله: قد كنت أعلم، فذكره. ١٩ - باب كراء الأرض بالذهب والفضة وقال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ أمثَلَ ما أنتُم صانعونَ أن تَسْتَأْجِروا الأرضَ البَيضاءَ مِن السَّنةِ إلى السَّنّةِ. قوله: ((باب كِراء الأرض بالذَّهبِ والفِضَّة)) كأنَّه أراد بهذه التَّرجمة الإشارة إلى أنَّ النَّهي الوارد عن كِراء الأرض محمول على ما إذا أُكريَت بشيءٍ مجهول، وهو قول الجمهور، أو بشيءٍ مَّا يَخْرُج منها ولو كان معلوماً، وليس المراد النَّهي عن كِرائها بالذَّهبِ أو الفِضَّة. وبالَّغَ رَبيعة فقال: لا يجوز كِراؤُها إلَّا بالذَّهبِ أو الفِضَّة، وخالَفَ في ذلك طاووسٌ وطائفة قليلة، فقالوا: لا يجوز كِراء الأرض مُطلَقاً، وذَهَبَ إليه ابن حَزم، وقوَّاه واحتَجَّ له بالأحاديثِ المطلَقة في ذلك، وحديث الباب دالٌ على ما ذَهَبَ إليه الجمهور، وقد أطلقَ ابن المنذِر أنَّ الصحابة أجمعوا على جواز كِراء الأرض بالذَّهبِ والفِضَّة، ونَقَلَ ابن بطَّال اتّفاق (١) في (س): والتفضيل. ٤٥٧ باب ١٩ / ح ٢٣٤٦ -٢٣٤٧ كتاب المزارعة فقهاء الأمصار عليه، وقد روى أبو داود (٣٣٩١) عن سعد بن أبي وقّاص، قال: كان أصحاب المزارع يُكرونَها بما يكون على السواقي(١) من الَّرع، فاختَصَموا في ذلك، فنهاهم رسول الله وَّ﴿ أن يُكروا بذلك، وقال: ((اكروا بالذَّهبِ والفِضَّة)) ورجاله ثقات، إلَّا أنَّ محمد بن عِكرمة المخزومي لم يَروِ عنه إلّا إبراهيم بن سعد. وأمَّا ما رواه التِّرمِذي (١٣٨٤) من طريق مجاهد عن رافع بن خَدِيج في النَّهي عن كِراء الأرض ببعضٍ خَراجها أو بدراهم، فقد أعلَّه النَّسائي (٣٨٦٧) بأنَّ مجاهداً لم يَسمَعه من رافع. قلت: وراويه أبو بكر بن عيَّاش في حِفظه مقال، وقد رواه أبو عَوَانة وهو أحفَظ منه عن شيخه فيه فلم يَذكُر الدَّراهم(٢). وقد روى مسلم من طريق سليمان بن يَسَار عن رافع ابن خَدِيج في حديثه: ولم يكن يومئذٍ ذَهَبٌ ولا فِضَّةٌ(٣). قوله: ((وقال ابن عبّاس ... )) إلى آخره، وَصَلَه الثَّوري في ((جامعه)) قال: أخبرني عبد الكَريم - هو الجَزَري - عن سعيد بن جُبَير، عنه ولفظه: إنَّ أمثَل ما أنتُم صانعونَ أن تَستأجروا الأرض البيضاء ليس فيها شَجَر. يعني من السَّنة إلى السَّنة، وإسناده صحيح، وأخرجه البيهقي (٦/ ١٣٣) من طريق عبد الله بن الوليد العَدَني عن سفيان، به (٤). ٢٣٤٦، ٢٣٤٧ - حدَّثْنَا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن رَبيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن، عن حَتْظَلَةَ بنِ قيسٍ، عن رافعٍ بنِ خَديجٍ، قال: حدَّثْنِي عَّايَ: أنَّهم كانوا يُكْرُونَ الأرضَ على عَهْدِ (١) تحرف في الأصلين إلى: الساقي، وفي (س) إلى: المساقي، والتصويب من نسخة ((سنن أبي داود)) التي بخط الحافظ ابن حجر، موافقاً لما في مصادر تخريج الحديث، وشروح ((السنن)). (٢) أخرجه النسائي (٣٨٦٧). لكن رواه الخطيب في ((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ١/ ٦٢ من طريق أبي عوانة، فقال فيه: أو بوَرِق منقودة، فتبقى العلة في انقطاعه. (٣) هذا وهمٌّ من الحافظ رحمه الله، فإن مسلماً أخرج حديث سليمان بن يسار عن رافع (١٥٤٨) (١١٣) فلم يذكر فيه ما نسبه الحافظ إليه، وإنما جاء ذلك في رواية حنظلة بن قيس عن رافع، وقد سلفت عند البخاري قريباً برقم (٢٣٢٧)، فكان حَريّاً بالحافظ رحمه الله أن لا تفوته. (٤) وبنحوه أخرجه النسائي (٣٩٣٣) من طريق معمر عن عبد الكريم الجزري، بلفظ: إنَّ خير ما أنتم صانعون أن يؤاجر أحدُكم أرضه بالذهب والوَرِق. ٤٥٨ باب ١٩ / ح ٢٣٤٦ -٢٣٤٧ فتح الباري بشرح البخاري النبيِّ وَّهِ بِما يَنْبُتُ على الأربِعاءِ، أو شيءٍ يَسْتَئنيهِ صاحبُ الأرضِ، فنهى النبيُّ ◌َّةٍ عن ذلك، فقلتُ لِرافعٍ: فكيفَ هيَ بالدينار والدِّرْهَمِ؟ فقال رافعٌ: ليسَ بها بَأْسٌ بالدينار والدِّرْهَم. وقال اللَّيثُ: وكان الذي نُهيَ من ذلك ما لو نظرَ فيه ذَوُو الفَهْمِ بالحلالِ والحرامِ لم يُجِيزُوه، لما فيه مِن المخاطَرةِ. [طرفه في: ٤٠١٣] قوله: ((عن حَنْظلة)) في رواية الأوزاعي عند مسلم (١١٦/١٥٤٨) عن ربيعة، حدَّثني ٢٦/٥ حنظلة، لكن ليس عنده ذکر عَمَّ رافع. وفي الإسناد تابعي عن مثله، وصحابي عن مثله. قوله: ((حدَّثْني عمَّايَ)) هما ظُهَير بن رافع، وقد تقدَّم حديثه في الباب قبله (٢٣٣٩)، والآخر قال الكلاباذي: لم أقف على اسمه، وذكر غيره أنَّ اسمه مُظَهِّر، وهو بضمِّ الميم وفتح الظَّاء وتشديد الهاء المكسورة، ضَبَطَه عبد الغني وابن ماكولا، هكذا زَعَمَ بعض مَن صَنَّفَ في المبهَمات، ورأيت في ((الصحابة)) لأبي القاسم البَغَوي ولأبي عليّ بن السَّكَن من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن يَعلى بن حَكيم عن سليمان بن يَسَار عن رافع بن خَدِيج: أنَّ بعض عُمومَته. قال سعيد: زَعَمَ قَتَادةُ أنَّ اسمه مُهَير (١)، فذَكَر الحديث، فهذا أولى أن يُعتَمَد، وهو بوزن أخيه ظُهَير، كلاهما بالتَّصغير. قوله: (يَسْتَشْنيه)) من الاستثناء، كأنَّه يشير إلى استثناء الثُّلث أو الزُّبُع، ليوافق الرّواية الأُخرى. قوله: ((فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدِّرْهَم)) يحتمل أن يكون ذلك قاله رافع باجتهاده، ويحتمل أن يكون عَلِمَ ذلك بطريق التَّنصيص على جوازه، أو عَلِمَ أنَّ النَّهي عن كِراء الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيءٍ مجهول ونحو ذلك، فاستَنْبَطَ من ذلك (١) كذا قال الحافظ هنا، وكذلك في ((الإصابة)) ٢٣٤/٦، مع أن الإمام أحمد أخرج الحديث في ((المسند)) (١٧٥٣٩) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن يعلى بن حكيم به، وقال في آخره: قال قتادة: وهو ظُهير. وكذلك أسنده من الطريق التي أشار إليها الحافظ كلٍّ من أبي عوانة (٥١٥٣)، والبيهقي ١٣١/٦، والخطيب في ((الأسماء المبهمة)) ص١٥٩، فقالوا عن قتادة: ظهير، فالظاهر أن ما وقع للحافظ تحريف عن ظهير، والله أعلم. ٤٥٩ باب ١٩ / ح ٢٣٤٦ -٢٣٤٧ كتاب المزارعة جواز الكِراء بالذَّهبِ والفِضَّة، ويُرجِّح كونه مرفوعاً ما أخرجه أبو داود (٣٤٠٠) والنَّسائي (٣٨٩٠)، بإسنادٍ صحيح من طريق سعيد بن المسيّب عن رافع بن خَدِيج، قال: نهى رسول الله وَل﴿ه عن المحاقَلة والمزابنة، وقال: ((إنَّما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل مَنَحَ أرضاً، ورجل اكتَرى أرضاً بذَهَبٍ أو فِضَّة)، لكن بيَّن النَّسائي (٣٨٩١) من وجه آخر أنَّ المرفوع منه النَّهي عن المحاقَلة والمزابَنة وأنَّ بَقيّه مُدرَج من كلام سعيد بن المسيّب، وقد رواه مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٧١١) والشافعي (٢٦/٤) عنه عن ابن شِهَاب عن سعيد بن المسيّب. قوله: ((وقال اللَّيث: وكان الذي نُهي من ذلك)) كذا للأكثرِ، وهو موصولٌ بالإسناد الأوَّل إلى اللَّيث، ووقع عند أبي ذرِّ هنا: قال أبو عبد الله - يعني المصنّف -: من هاهنا قال اللَّيث: أراه. وسَقَطَ هذا النَّقل عن اللَّيث عند النَّسَفي وابن شَبّويه، وكذا وقع في ((مصابيح البَغَوي)) فصارَ مُدرَجاً عندهما في نفس الحديث، والمعتَمَد في ذلك على رواية الأكثر. ولم يَذكُر النسائي(١) (٣٨٩٨) ولا الإسماعيلي في روايتهما لهذا الحديث من طريق اللَّيث هذه الزِّيادة، وقد قال التُّورِبِشتي شارح ((المصابيح)): لم يَظهَر لي هل هذه الزِّيادة من قول بعض الرُّواة أو من قول البخاري، وقال البيضاوي: الظاهر أنَّها من کلام رافع. انتھی، وقد تَبِيَّنَ برواية أكثر الطّرق في البخاري أنَّها من كلام اللَّيث. وقوله: ((ذَوو الفَهم)) في رواية النَّسَفي وابن شَبّويه: ذو الفَهم، بلفظ المفرَد، لإرادة الجِنس، وقالا: لم يُحِزْهُ. وقوله: ((المخاطَرة)) أي: الإشراف على الهلاك. وكلام اللَّيث هذا موافق لمَا عليه الجمهور من حَل النَّهي عن كِراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغَرَر والجَهالة، لا عن كِرائها مُطلَقاً حتَّى بالذَّهبِ والفِضَّة. ثمَّ اختلفَ الجمهور في جواز كِرائها بجزءٍ ممّا يَخْرُج منها، فمَن قال بالجوازِ حَمَلَ أحاديث النَّهي على الشَّنزيه، وعليه يدلّ قول ابن عبّاس الماضي في الباب الذي قبله، حيثُ قال: ولكن أراد أن يَرِفُق (١) تحرف في (س) إلى: النسفي. وسقطت هذه الزيادة أيضاً من رواية أحمد لهذا الحديث (١٧٢٧٨). ٤٦٠ باب ٢٠ / ح ٢٣٤٨ فتح الباري بشرح البخاري بعضهم ببعض. ومَن لم يُجِزِ إِجارَتها بجزءٍ ممّا يَخْرُج منها، قال: النَّهي عن كِرائها محمول على ما إذا اشترَطَ صاحبُ الأرض ناحيةً منها، أو شَرَطَ ما يَنْبُت على النَّهَر لصاحبِ الأرض، لمَا في كلّ ذلك من الغَرَر والجهالة. وقال مالك: النَّهي محمول على ما إذا وقع كِراؤُها بالطَّعام أو التَّمر، لئلّا يصيرَ من بيع الطَّعام بالطَّعام، قال ابن المنذر: ينبغي أن يُحمَل ما قاله مالك على ما إذا كان المكرَى به من الطَّعام جزءاً ممّا يَخْرُج منها، فأمَّا إذا اكتراها بطعام معلوم في ذِمَّة المكتَري، أو بطعام حاضر يَقبِضه المالك، فلا مانع من الجواز. والله أعلم. ٢٧/٥ ٢٠- بابٌ ٢٣٤٨ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِنَانٍ، حدَّثنا فُلَيِحٌ، حدَّثنا هلالٌ. وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدّثنا أبو عامٍ، حذَّثنا فُلَيجٌ، عن هلال بنِ عليٍّ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َلِ كان يوماً يُحدِّثُ - وعندَه رجلٌ من أهلِ الباديةِ -: ((أنَّ رجلاً من أهلِ الجَنّةِ استأذَنَ رَبَّه في الزَّرْعِ، فقال له: أَسْتَ فيما شِئْتَ؟ قال: بَلَى، ولكن أُحِبُّ أن أزْرَعَ، قال: فَبَذَرَ، فبادَرَ الطَّرْفَ نَباتُّه واستِواؤُه واستِحْصادُه، فكان أمثالَ الجِبال، فيقول الله: دونَكَ يا ابنَ آدمَ، فإنَّه لا يُشْبِعُكَ شيءٌ) فقال الأعرابيُّ: والله لا تَجِدُه إلا قُرَشَّاً أو أنْصاريّاً، فإنَّهم أصحابُ زَرْعٍ، فضَحِكَ النبيُّ ◌َل. [طرفه في: ٧٥١٩] قوله: ((بابٌ)) كذا للجميع بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ولم يذكُر ابن بطَّال لفظ: ((باب)). وكأن مُناسبته له من قول الرجل: فإنَّهم أصحاب زرع. قال ابن المنيِّر: وجهه أنَّه نَبَّهَ به على أنَّ أحاديث النَّهي عن كِراء الأرض إنَّما هي على التَّنزيه لا على الإيجاب، لأنَّ العادة فيما يَحِص علیه ابن آدم أنَّه ◌ُحِبّ استمرار الانتفاع به، وبقاء حِرص هذا الرجل على الزَّرع حتَّى في الجنَّة دليلٌ على أنَّه ماتَ على ذلك، ولو كان يَعتَقِد تحريم كِراء الأرض لَفَطَمَ نفسه عن الحِرص عليها حتَّى لا يَتْبُت هذا القَدرُ في ذِهْنه هذا الثَّبوت.