Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ باب ٢ / ح ٢٢٨٨ -٢٢٨٩ كتاب الحوالة قوله: ((إذْ أَتي بجِنازةٍ)) لم أقِف على اسم صاحب هذه الجِنازة، ولا على الذي بعده، وللحاكمِ (٥٨/٢) من حديث جابر: مات رجل، فغَسَّلْناه وكَفَّناه، وحَنّطْناه(١)، ووَضعناه حيثُ توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثمَّ آذَنّا رسولَ الله ◌َلاّ به. قوله: ((فقال: هل عليه دين)) سيأتي بعد أربعة أبواب (٢٢٩٨) سبب هذا السُّؤال من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَّه كان يُؤتى بالرجل المتوَلّى عليه الدَّينُ، فيَسأل: ((هل تَرَكَ لدَينِهِ قضاءً؟)) فإن حُدِّثَ أنَّه تَرَكَ لدَينِه وفاءً صَلّى عليه، وإلّا قال للمسلمين: ((صَلّوا على صاحبكُم)) الحديث، وبيَّن فيه: أنَّه تَرَكَ ذلك بعد أن فتَحَ الله عليه الفُتوح. قوله: (ثمَّ أُتي بجِنازةٍ أُخرى) ذُكِرَ في هذا الحديث أحوالُ ثلاثةٍ وتُرِكَ حالُ رابعٍ، الأوَّل: لم يَترُك مالاً، وليس عليه دَين، والثاني: عليه دين، وله وفاء، والثالث: عليه دَين، ولا وفاء له، والرابع: من لا دَين عليه، وله مال، وهذا حُكمه أن يُصَلّى عليه أيضاً، وكأنَّه لم يُذكر لا لكونه لم يقع، بل لكونه كان كثيراً. قوله: ((ثلاثة دنانير)) في حديث جابر عند الحاكم: ديناران، وأخرجه أبو داود (٣٣٤٣) من وجه آخر عن جابر نحوه، وكذلك أخرجه الطبراني (٢٤/ ٤٦٦) من حديث أسماء بنت یزید. ويُجمَع بينهما بأنَّهما كانا دينارين وشَطراً، فمن قال: ثلاثةٌ، جَبَرَ الكسر، ومن قال: ٤٦٨/٤ ديناران، ألغاه، أو كان أصلهما ثلاثةً، فوَفى قبل موته ديناراً، وبقي عليه ديناران، فمن قال ثلاثةٌ، فباعتبار الأصل، ومن قال: ديناران، فباعتبار ما بَقي من الدَّين، والأوَّل أليق. ووقع عند ابن ماجَهْ (٢٤٠٧) من حديث أبي قَتَادة: ثمانيةَ عشرَ درهماً، وهذا دون دينارين، وفي ((مُتَصَر المُزَني)) من حديث أبي سعيد الخُدْري: ((درهمَين))(٢)، ويُجمع إن ثبت بالتعدُّد. (١) تحرف في (س) إلى: وحفظناه. وقد فات الحافظ أن يخرج الحديث من ((مسند أحمد)) (١٤٥٣٦). (٢) قد ذكر الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٣/ ٤٨ أنه عند المزني في ((المختصر)) بغير إسناد. ٣٦٢ باب ٢ / ح ٢٢٨٨ -٢٢٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «فقال أبو قَتَادَ: صَلِّ علیه یا رسول الله، وعلىَّ دَینه، فصَلّی علیه»، وفي رواية ابن ماجَهْ من حديث أبي قَتَادةَ نفسه: فقال أبو قَتَادةَ: وأنا أتكَفَّل به. زاد الحاكم في حديث جابر: فقال: ((هما عليك، وفي مالك، والميِّت منهما بَريء؟)) قال: نعم، فصَلّى عليه، فجعل رسولُ اللهِ وَسَل﴿ إذا لَقِي أبا قَتَادَةَ يقول: ((ما صَنَعَتِ الديناران؟)) حتَّى كان آخر ذلك أنْ قال: قد قَضَيتهما يا رسول الله، قال: ((الآن حين بَرَّدْتَ عليه جِلْده))، وقد وَقَعَت هذه القصّة مرَّةً أُخرى، فروى الدَّارَ قُطني (٢٩٨٤) من حديث عليّ: كان رسول الله وَل﴿ إذا أُتي بجِنازةٍ لم يَسأل عن شيءٍ من عمل الرجل، ويَسأل عن دَينه، فإن قيل: عليه دَين، كَفّ، وإن قيل: ليس عليه دَين، صَلّى. فأُتي بجِنازةٍ، فلمَّا قامَ ليكَبِر: ((سأل هل عليه دَين؟)) فقالوا: ديناران، فعَدَلَ عنه فقال علي: هما عليّ يا رسول الله، وهو بريء منهما، فصَلّى عليه. ثمَّ قال لعليّ: ((جَزاك الله خيراً، وفَكَّ الله رِهانَك)) الحديث. قال ابن بطَّال: ذهب الجمهور إلى صِحّة هذه الكفالة، ولا رُجوع له في مال المیِّت. وعن مالك: له أن يَرجِع إن قال: إنَّما ضمِنْت لأرجِع، فإذا لم يكن للميِّتِ مالٌ وعَلِمَ الضّامن بذلك فلا رُجوع له، وعن أبي حنيفة: إن تَرَكَ المَيِّتُ وفاءً جازَ الضَّمان بقدر ما تَرَك، وإن لم يَترُك وفاءً، لم يَصِحّ ذلك. وهذا الحديث حُجّة للجمهور. وفي هذا الحديث إشعار بصعوبة أمر الدَّين، وأنَّه لا ينبغي تحمُّله إلَّا من ضَرُورة، وسيأتي الكلام على الحِكمة في تركه مَّهِ الصلاةَ على مَن عليه دَين في أوَّل الأمر عند الكلام على حديث أبي هريرة (٢٢٩٨) بعد أربعة أبواب إن شاء الله تعالى. وفي الحديث وجوب الصلاة على الجنازة، وقد تقدَّم البحث في ذلك في موضعه. ٣٦٣ باب ١ / ح ٢٢٩٠ -٢٢٩١ كتاب الكفالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [كتاب الكفَالة] ٤٦٩/٤ ١ - باب الكفالة في القَرْض والدُّیون بالأبدان وغيرها ٢٢٩٠ - وقال أبو الزِّنادِ: عن محمَّد بنِ حمزةَ بنِ عَمٍو الأسلَمِيِّ، عن أبيه: أنَّ عمرَ ﴾ بَعَثَه مُصَدِّقاً، فَوَقَعَ رجلٌ على جاريةِ امرَأْتِهِ، فأخذَ حمزةُ مِن الرجلِ كَفِيلاً حتَّى قَدِمَ على عمرَ، وكان عمرُ قد جَلَدَه مئةَ جَلْدةٍ، فصَدَّقَهم وعَذَرَه بالجَهَالة. وقال جَرِيرٌ والأشعَتُ لعبد الله بنِ مسعودٍ في المرتَدِّينَ: استَتِيْهم وكَفِّلْهم، فتابوا وكَفَلَهُم عَشائرهم. وقال حَمَّدٌ: إذا تَكَفَّلَ بنَفْسٍ فماتَ، فلا شيء عليه. وقال الحكمُ: يَضمَن. ٢٢٩١ - وقال اللَّيثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةَ، عن عبد الرحمن بنِ هُرمُزَ، عن أبي هريرةَ ﴿ّ، عن رسولِ اللهِ وَّ: ((أَنَّهَ ذَكَرَ رجلاً من بني إسرائيلَ سأَلَ بعضَ بني إسرائيلَ أن يُسلِفَه ألفَ دِينارٍ، فقال: ائِنِي بالشُّهَداءِ أُشهِدُهم، فقال: كَفَى بالله شَهِيداً، قال: فأَتِنِي بالكَفِيلِ، قال: كَفَى بالله كَفِيلاً، قال: صَدَقتَ، فَدَفَعَها إليه إلى أجَلٍ مُسَمَّى، فخَرَجَ في البحرِ نقَضَى حاجَتَه، ثمَّ التَمَسَ مَركَباً يَركَبُها يَقدَمُ عليه للأجَلِ الَّذي أجَّلَه، فلم يَجِدْ مَركَباً، فأخذَ خَشَبَةً فنَقَرَها فأدخَلَ فيها ألفَ دِينارٍ، وصَحِيفةً منه إلى صاحبِهِ، ثمَّ زَجَّجَ مَوضِعَها، ثمَّ أَتى بها إلى البحرِ، فقال: اللّهِمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ أَنّي كنتُ تَسَلَّفْتُ فلاناً ألفَ دِينارٍ، فسألَنِي كَفِيلاً، فقلتُ: كَفَى بالله كَفِيلاً، فَرَضِيَ بِكَ، وسألَنِي شَهِيداً، فقلتُ: كَفَى بالله شَهِيداً، فَرَضِيَ بذلكِ، وإنّ جَهَدتُ أن أجِدَ مَركَباً أبعَثُ إليه الَّذي له فلم أقدِر، وإنّي اسْتَوَدَعْتُكَها، فَرَمَى بها في البحرِ حتَّى وَلَجَت فيه، ثمَّ انصَرَفَ وهو في ذلك يَلتَمِسُ مَركَباً يَخْرُجُ إلى بلدِه، فخَرَجَ الرجلُ الَّذي كان أسلَفَه يَنظُرُ لَعَلَّ مَركَباً قد جاء بمالِهِ، فإذا بالخشبةِ الَّتي فيها المالُ، فأخذها لأهلِهِ حَطَباً، فلمَّا ٣٦٤ باب ١ / ح ٢٢٩٠ -٢٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري نَشَرَها وَجَدَ المالَ والصَّحِيفةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذي كان أسلَفَه، فأتى بالألفِ دِينارٍ، فقال: والله ما زِلتُ جاهداً في طَلَبٍ مَركَبٍ لآتِيَكَ بالِكَ، فما وجدتُ مَر گباً قبلَ الَّذي أتيتُ فيه، قال: هل كنتَ بَعَثتَ إليَّ بشيءٍ؟ قال: أُخبِرُكَ أنّي لم أجِدْ مَركَباً قبلَ الَّذِي جئتُ فيه، قال: فإنَّ اللهَ قد أدَّى عنكَ الَّذِي بَعَنتَ في الخشبةِ، فانصَرِفْ بالألفِ الدِّينار راشداً)). قوله: ((باب الكَفالة في القَرض والدُّيون بالأبدان وغيرها)) ذكر الدُّيون بعد القَرض من عطف العامّ على الخاصّ، والمراد بغير الأبدان: الأموال. قوله: ((وقال أبو الزِّناد ... )) إلى آخره، هو مُختصَر من قصَّة أخرجها الطَّحاوي (١٤٧/٣) ٤٧٠/٤ من طريق/ عبد الرحمن بن أبي الزِّناد حدَّثني أبي حدَّثني محمد بن حمزة بن عَمْرو الأسلَمي عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطّاب بَعَثَه للصَّدَقة، فإذا رجل يقول لامرأَتِهِ: صَدِّقي مالَ مولاك، وإذا المرأة تقول: بل أنتَ صَدِّق مال ابنك، فسأل حمزةُ عن أمرهما، فأُخبِرَ أنَّ ذلك الرجلَ زوجُ تلك المرأة، وأنَّه وقع على جاريةٍ لها، فوَلَدَت ولداً، فأعتَقَتْه امرأتُه، ثمَّ ورِثَ من أُمّه مالاً، فقال حمزةُ للرجلِ: لَأَرجَُنَّك، فقال له أهل الماء: إنَّ أمره رُفِعَ إلى عمر فجَلَدَه مئة، ولم يَرَ عليه رَجْماً. قال: فأخذَ حمزةُ بالرجل كَفيلاً حتَّى قَدِمَ على عمر، فسأله، فصَدَّقَهم عمرُ بذلك من قولهم: وإنَّما دَرأ عمرُ عنه الرَّجمَ، لأنه عَذَرَه بالجَهالة. واستُفيدَ من هذه القصَّة مشروعية الكَفالة بالأبدان، فإنَّ حمزة بن عَمْرو الأسلَميّ صحابي، وقد فعَله، ولم يُنكِرِ عليه عمر مع كَثْرةِ الصحابة حينئذٍ. وأمَّا جَلْد عمر للرجلِ، فالظّاهر أنَّه عَزَّرَه بذلك، قاله ابن التِّين، قال: وفيه شاهد لمذهبٍ مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قَدْر الحدّ. وتُعُقِّبَ بأنَّه فعلُ صحابيٍّ عارضَه مرفوع صحيح(١)، فلا حُجّة فيه، وأيضاً فليس فيه التصريح بأنَّ جَلَدَه ذلك تعزيراً، فلعلَّ مذهب عمر أنَّ الزاني المحصَن إن كان عالماً رُجِمَ وإن كان جاهلاً ◌ُلِدَ. (١) يعني الحديث الآتي برقم (٦٨٤٨). ٣٦٥ باب ١ / ح ٢٢٩٠ -٢٢٩١ كتاب الكفالة قوله: ((وقال جَرِير)) أي: ابن عبد الله البَجَلي ((والأشعَث)) أي: ابن قيس الكِنْدي (لعبد الله بن مسعود في المرتَدّينَ: استِبْهم وكَفِّلْهم، فتابُوا، وكَفَلَهم عَشائرُهم)) وهذا أيضاً مُختصَر من قصَّة أخرجها البيهقي (٦ / ٧٧) بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مُضرِّب، قال: صَلَّيْتِ الغَداة مع عبد الله بن مسعود، فلمَّا سَلَّمَ، قامَ رجل فأخبره أنَّه انتهى إلى مَسجِد بني حنيفة، فسمع مُؤَذِّن عبد الله بن النَّاحة يَشْهَد أنَّ مُسَيلِمة رسولُ الله، فقال عبد الله: عليَّ بابن النَّاحة وأصحابه، فجيءَ بهم، فأمَرَ قُرَظةَ بن كعب فضَرَبَ عُنُقَ ابن النَّاحة، ثمّ استشار الناس في أولئكَ النَّفَر، فأشار عليه عديّ بن حاتم بقتلهم، فقامَ جَرِيرٌ والأشعَث، فقالا: بل استَتِبْهم وكَفِّلهم عَشائرهم، فتابوا وكَفَلَهم عشائرهم. وروى ابن أبي شَيْبة (٢٦٩/١٢) من طريق قيس بن أبي حازم: أنَّ عِدّة المذكورين كانت مئةً وسبعین رجلاً. قال ابن المنيِر: أخذَ البخاريُّ الكفالة بالأبدان في الدُّيون من الكَفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأَولى، والكَفالة بالنَّفْسِ قال بها الجمهور، ولم يختلف من قال بها أنَّ المكفول بحَدٍّ أو قِصاص إذا غابَ أو مات أن لا حَدّ على الكَفيل، بخلاف الدَّين، والفرق بينهما أنَّ الكفيل إذا أدّى المال وَجَبَ له على صاحب المال مثله. تنبيه: وقع في أكثر الروايات في هذا الأثر: ((فتابوا)) من التوبة، ووقع في رواية الأصيلي والقابِسي وعبدوسٍ: ((فأَبُوا)) بغير مُثنَّة قبل الألف، قال عياض: وهو وهم مُفسِد للمعنى. قلت: والذي يَظهَر لي أنَّه: ((فَآبوا)) بهمزة ممدودة، وهي بمعنى: فَرَجَعوا، فلا يَفسُد المعنى. قوله: ((وقال حَمّاه)) أي: ابن أبي سليمان: ((إذا تَكفَّلَ بنفسٍ فمات فلا شيء عليه، وقال الحكم: يَضمَن)) وَصَلَه الأثرَم من طريق شُعْبة عن حَمَّد والحكم(١)، وبذلك قال الجمهور، وعن ابن القاسم صاحب مالك: يُفْصَل بين الدَّين الحالّ والمؤجَّل، فيَغرَم في الحالِّ، ويُفصَّل في المؤجَّل بين ما إذا كان لو قَدِمَ لأدرَكَه أم لا. (١) وهو أيضاً عند البيهقي ٦/ ٧٧ من طريق شعبة. ٣٦٦ باب ١ / ح ٢٢٩٠ - ٢٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال الليث: حدَّثني جعفر بن ربيعة ... )) إلى آخره، وقع هنا في نُسخة الصَّغاني: حدَّثنا عبد الله بن صالح، حدَّثني الليث، وقد تقدَّم في ((باب التِّجارة في البحر))(١) أنَّ أبا ذرٍّ وأبا الوقت وَصَلَاهُ في آخره: قال البخاري: حدَّثني عبد الله بن صالح، حدَّثني الليث به، ووَصَله أبو ذرِّ هنا من روايته عن شيخه عليّ بن وصيف: حدَّثنا محمد بن غسَّان حدَّثنا عمر بن الخطّاب السِّجِستاني حدَّثنا عبد الله بن صالح، به، وكذلك وَصَله بهذا الإسناد في ((باب ما يُستَخرَج من البحر)) من كتاب الزكاة (١٤٩٨). ولم يَنْفَرِد به عبدُ الله بن صالح، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عاصم بن عليّ وآدم ابن أبي إياس، والنَّسائي(٢) من طريق داود بن منصور، كلهم عن الليث، وأخرجه الإمام أحمد (٨٥٨٧) عن يونس بن محمد عن الليث أيضاً، وله طريق أُخرى عن أبي هريرة ٤٧١/٤ عَلَّقَها / المصنّف في كتاب الاستئذان (بإثر ٦٢٦١) من طريق عمر بن أبي سَلَمة عن أبيه عن أبي هريرة، ووَصَلها في ((الأدب المفرد)) (١١٢٨)، وابن حِيَّان في ((صحيحه)) (٦٤٨٧) من هذا الوجه. قوله: ((أَنَّه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسلِفه ألف دينار)) في رواية أبي سَلَمة: ((أنَّ رجلاً من بني إسرائيل كان يُسلِف الناس إذا أتاه الرجل بوكيلِ(٣))(٤). ولم أقِف على اسم هذا الرجل، لكن رأيت في ((مُسنَد الصحابة الذين نزلوا مِصر)) لمحمد بن الرَّبيع الجِيزيّ بإسناد له فيه مجهول: عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص يَرفَعه: ((أنَّ رجلاً جاء إلى النَّجاشي، فقال له: أسلِفْني ألف دينار إلى أجَل، فقال: مَن الحَمِيلُ بك؟ قال: الله، فأعطاه الألفَ، فضَرَبَ بها الرجل - أي: سافَرَ بها - في تجارةٍ، فلمَّا بَلَغَ الأجَل، (١) باب رقم (١٠) من كتاب البيوع. (٢) في اللقطة من ((سننه الكبرى)) كما في ((التحفة)) (١٣٦٣٠). (٣) تحرف في (س) إلى: بكفیل. (٤) هذا اللفظ في رواية أبي سلمة التي أخرجها الحافظ في ((تغليق التعليق)) ١٢٧/٥، دون غيره ممن أشار إليهم الحافظ قريباً، وما سيذكره بعدُ من رواية أبي سلمة، فإنما يعني به روايته هذه التي في ((التغليق))، فإنه ساق ألفاظها. ٣٦٧ باب ١ / ح ٢٢٩٠ - ٢٢٩١ كتاب الكفالة أراد الخروج إليه، فحَبَستْه الرّيح، فعَمِلَ تابوتاً)) فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة، واستَفَدْنا منه أنَّ الذي أقرَضَ هو النَّجاشي، فيجوز أن تكون نِسبَتَه إلى بني إسرائيل بطريق الاتِّباع لهم لا أنَّه من نَسلهم. قوله: ((قال: فأَتِني بالكَفيلِ، قال: كَفَى بالله كفيلاً، قال: صَدَقتَ)» في رواية أبي سَلَمة فقال: (سبحان الله، نعم)). قوله: ((فَدَفَعَها إليه)) أي: الألف دينار، في رواية أبي سَلَمة: ((فعَدَّ له ستّ مئة دينار)) والأوَّل أرجَح لموافَقة حديث عبد الله بن عَمْرو، ويُمكِن الجمع بينهما باختلاف العَدَد والوزن، فيكون الوزن مثلاً ألفاً، والعدد ستّ مئةٍ، أو بالعكس. قوله: ((فخرج في البحر فقضى حاجَته)) في رواية أبي سَلَمة: «فَرَكِبَ الرجلُ البحرَ بالمال يَتَّجِر فيه، فقَدَّرَ اللهُ أنْ حَلَّ الأجَل، وارتَجَّ البحر بينهما)). قوله: ((فلم يَجِدْ مَركَباً)) زاد في رواية أبي سَلَمة: ((وغَدَا رَبُّ المال إلى الساحل يَسأل عنه، ويقول: اللهمَّ اخلُفني، وإنَّما أعطَيتُ لك)). قوله: ((فأخذَ خَشَبَةً فَقَرَها)) أي: حَفَرَها، وفي رواية أبي سَلَمة: ((فَنَجَرَ خَشَبَةً))، وفي حديث عبد الله بن عَمْرو: ((فعَمِلَ تابوتاً وجعل فيه الألف)). قوله: ((وصَحيفة منه إلى صاحبه)) في رواية أبي سَلَمة: ((وكَتَبَ إليه صحيفةً: من فلان إلى فلان، إنّ دَفَعت مالك إلی و کیلي الذي توگَّلَ بي)). قوله: ((ثُمَّ زَجَّجَ موضعها)» كذا للجميعِ بزاٍ وجيمَين، قال الخطّابي: أي: سَوّى موضع النَّقر وأصلَحَه، وهو من تَزجيج الحواجب، وهو حذف زوائد الشَّعر، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من الزُّجّ: وهو النَّصْل، كأن يكون النَّقر في طرف الخَشَبة فشَدَّ عليه زُجّاً ليمسِكه ويَحَفَظ ما فيه، وقال عياض: معناه سَمَّرَها بمسامير كالزُّجْ، أو حَشَا شُقوق لصاقها بشيءٍ ودَفَعَه(١) بالزُّجّ، وقال ابن التِّين: معناه: أصلَحَ موضع النَّر. (١) في الأصلين و(س): ورقَعَه، والمثبت من ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض ٣٠٩/١، وهو الصواب، والله أعلم. ٣٦٨ باب ١ / ح ٢٢٩٠ -٢٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((تَسَلَّفتُ فلاناً)» کذا وقع فيه، والمعروف تعدیته بحرفِ الجرّ، کما وقع في رواية الإسماعيلي: ((استَسلَفت من فلان)). قوله: ((فرضي بذلك)) كذا للكُشْمِيهَني، ولغيره: ((فرضي به))، وفي رواية الإسماعيلي: «فرضي بك». قوله: (وإنّ جَهَدت)) بفتح الجيم والهاء، وزاد في حديث عبد الله بن عَمْرو: ((فقال: اللهمَّ أدِّ حَالَتك». قوله: ((حتَّى وَلَجَتْ فيه)) بِتخفيف اللَّام، أي: دَخَلَت في البحر. قوله: ((فأخذها لأهلِهِ حَطَباً فلمَّا نَشَرَها)) أي: قَطَعَها بالمِنِشار ((وَجَدَ المال)) في رواية النَّسائي: ((فلمَّا كَسَرَها)»، وفي رواية أبي سَلَمة: ((وَغَدا رَبّ المال يَسأل عن صاحبه كما كان يَسأل فيَجِد الْخَشَبة، فيَحمِلها إلى أهله، فقال: أوقِدوا هذه، فكَسَروها فانتَثَرَتِ الدَّنانيرُ منها والصحيفةُ، فقرأها وعَرَفَ)). قوله: ((ثمَّ قَدِمَ الذي كان أسلَفَه فأتى بالألفِ دينارٍ)) وفي رواية أبي سَلَمة: ((ثمَّ قَدِمَ بعد ذلك، فأتاه رَبّ المال، فقال: يا فلان مالي قد طالَت النَّظِرَةُ، فقال: أمَّا مالك، فقد دَفَعته إلى وكيلي، وأمَّا أنتَ فهذا مالك))، وفي حديث عبد الله بن عَمْرو، أنَّه قال له: ((هذه ألفك، فقال النَّجاشي: لا أقبَلها منك حتَّى تُخْبِني ما صَنَعتَ، فأخبره، فقال: لقد أدّى الله عنك)). قوله: ((وانصَرِفَ بالألفِ الدينار راشداً)) في حديث عبد الله بن عَمْرو: «قد أدّى الله عنك، وقد بَلَغَتْنا الألفُ في التابوت، فأمسِك عليك ألفَك)) زاد أبو سَلَمة في آخره: قال أبو هريرة: ولقد رأيتُنا عند رسول الله وَّهِ يَكثُرُ مِراؤُنَا وَلَغَطُنا: أيّهما آمنُ؟ ٤٧٢/٤ وفي الحديث جواز الأجل في القَرْض، ووجوب الوفاء به، وقيل: لا يجب، بل هو من باب المعروف. وفيه التحَدُّث عمّا كان في بني إسرائيل وغيرهم من العجائب للاتِّعاظِ والائتِساء، وفيه ٣٦٩ باب ٢ / ح ٢٢٩٢ - ٢٢٩٤ كتاب الكفالة التِّجارة في البحر وجواز رُكوبه، وفيه بَداءَةُ الكاتب بنفسِه، وفيه طلب الشُّهود في الدَّين وطلب الگفیل به. وفيه فضل التوكُّل على الله، وأنَّ من صَحَّ توكُّلُه، تَكَفَّلَ اللهُ بنَصْره وعَوْنه، وسیأتي حُكم أخذ ما لَفَظَه البحر في كتاب اللُّقَطة (٢٤٣٠) إن شاء الله تعالى. ووجه الدّلالة منه على الكفالة: تَحَدُّث النبيِ نَّهِ بذلك، وتقريره له، وإنَّما ذَكَرَ ذلك لیُتأسّی به فیه، وإلَّا لم یکن لذكره فائدةٌ. ٢- باب قول الله عزَّ وجلَّ: ((والذينَ عاقَدَتْ أَيَانُكُم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهم)) (١) [النساء: ٣٣] ٢٢٩٢ - حدَّثْنَا الصَّلتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن إدرِيسَ، عن طلحةَ بنِ مُصرِّفٍ، عن سعيد بنٍ مُبَير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] قال: وَرَثَةً، ((والذين عاقَدَتْ أَيمَانُكم)) قال: كان المهاجِرونَ لمَّا قَدِموا المدينةَ يَرِثُ المهاجِرُ الأنصاريَّ دونَ ذَوي رَحِمِهِ، للأُخوّةِ الَّتِي آخَى النبيُّ ◌َّهِ بِينَهم، فلمَّا نزلتْ: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ﴾ نَسَخَت، ثمّ قال: ((والذين عاقَدَتْ أَيمَانُكم)): إلَّا النَّصَرَ والرِّفَادةَ والنَّصِيحةَ، وقد ذهب الميراثُ، ويُوصِي له. [طرفاه في: ٤٥٨٠، ٦٧٤٧] ٢٢٩٣ - حدَّثْنَا قُتَيَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ تَ﴾، قال: قَدِمَ علينا عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ، فَآَخَى رسولُ الله وَّ بينَه وبينَ سعد بنِ الرَّبِيع. ٢٢٩٤ - حدَّثني محمَّدُ بنُ الصَّبّاح، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريًّا، حدَّثنا عاصِمٌ، قال: قلتُ الأنسِ بنِ مالكٍ : أَبَلَغَكَ أنَّ النبيَّ ◌َّ قال: ((لا حِلْفَ في الإسلام)»؟ فقال: قد حالَفَ (١) هذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر: ((عاقَدَتْ)) بالألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿عَقَدَتْ﴾ بلا ألف. انظر ((زاد المسير)) لابن الجوزي ٢/ ٧١. ٣٧٠ باب ٢ / ح ٢٢٩٢ - ٢٢٩٤ فتح الباري بشرح البخاري النبيُّ وَّ بِينَ قُرَيشٍ والأنصار في داري. [طرفاه في: ٧٣٤٠،٦٠٨٣] قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ((والذين عاقَدَتْ أَيانُكم فآتُوهم نَصيبهَم)) أورَدَ فيه حديث ابن عبَّاس الآتي في تفسير سورة النِّساء (٤٥٨٠) بسنده ومتنه، وسيأتي الكلام عليه هناك، والمقصود منه هنا: الإشارة إلى أنَّ الكفالة: التِزامُ مالٍ بغير ◌ِوَضٍ تَطوُّعاً، فيَلزَم كما لَزِمَ استحقاقُ الميراث بالحِلْفِ الذي عُقِدَ على وجه التطوُّع، وروى أبو داود (٢٩٢١)(١) من طريق يزيد النَّحوي عن عِكرمة في هذه الآية: كان الرجل يُحالف الرجل ليس بينهما نَسَبٌ، فَتَرِث أحدُهما الآخر، فَنَسَخَ ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِىِ كِتَبٍ اَللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث أنس: ((أنَّ النبي ◌َّ﴿ آخی بین عبد الرحمن بن عَوْف وسعد بن الرَّبيع))، وهو مُختصَر من حديث طويل تقدَّم في البيوع (٢٠٤٩)، وغرضه إثبات الحِلْفِ في الإسلام. ثمَّ أورَدَ حديث أنس أيضاً في إثبات الحِلْفِ في الإسلام. قوله: ((حدَّثنا عاصِم)) هو ابن سليمان المعروف بالأحوَل. ٤٧٣/٤ قوله: «قلت لأنس بن مالك: أبَلَغَك أنَّ النبي ◌َّ قال: لا حِلف في الإسلام؟»/ الحِلف، بكسر المهمَلة وسكون اللَّم بعدها فاء: العهد. والمعنى: أَّهم لا يَتَعاهَدونَ في الإسلام على الأشياء التي كانوا يَتَعاهَدونَ عليها في الجاهلية كما سأذكره، وكأنَّ عاصماً يشير بذلك (١) في (س): وروى أبو داود في ((الناسخ))، بزيادة قوله: في ((الناسخ))، ولم تَرِدْ في الأصلين، ولأبي داود كتاب بهذا الاسم، فلعل الحافظ خرّجه أولاً من كتاب ((الناسخ))، ثم اطلع على الحديث في ((السنن))، فأسقط ذكر كتاب ((الناسخ))، والله أعلم، إلا أن الحديث في ((السنن)) عن عكرمة عن ابن عباس. موصولاً، وهو في ((الناسخ)) مرسل، فقد أخرجه ابن الجوزي في ((نواسخ القرآن)) ص ٢٩٧ من طريق أبي بكر النجّاد راوية كتاب ((الناسخ)) لأبي داود عنه كذلك؛ يعني مرسلاً. فلعل الحافظ رحمه الله نسي أن يزيد فيه ابن عباس، والله أعلم. ٣٧١ باب ٢ / ح ٢٢٩٢ - ٢٢٩٤ كتاب الكفالة إلى ما رواه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف عن أبيه عن جُبَير بن مُطعِم مرفوعاً: ((لا حِلف في الإسلام، وأيّما حِلْف كان في الجاهلية، لم يَزِده الإسلام إلَّا شِدّةً)) أخرجه مسلم (٢٥٣٠)(١) . ولهذا الحديث طرق، منها: عن أُمّ سَلَمة مثله أخرجه عمر بنُ شَبّة في ((كتاب مكّة)) عن أبيه(٢). وعن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: خَطَبَ رسول الله وَّهِ على دَرَج الكعبة، فقال: أيّها الناس)) فذكر نحوه. أخرجه عمر بن شَبّة(٣)، وأصله في ((السُّنن))(٤). وعن قيس بن عاصم: أنَّه سأل رسول الله وَّر عن الحِلف، فقال: ((لا حِلف، في الإسلام، ولكن تَسَّكوا بحِلفِ الجاهلية)) أخرجه أحمد (٢٠٦١٣) وعمر بن شَبّة، واللَّفظ له. ومنها عن ابن عبّاس رَفَعَه: ((ما كان من حِلف في الجاهلية لم يَزِده الإسلام إلَّا شِدّةً وحِدّةً)) أخرجه عمر بن شَبّة، واللَّفظ له، وأحمد (٢٩٠٩) وصَحَّحَه ابن حِبَّان (٤٣٧٠). ومن مُرسَل عدي بن ثابت قال: أرادت الأوس أن تُحالف سلمان، فقال رسول الله ﴿ل﴾، مثل حديث قيس بن عاصم، أخرجه عمر بن شَبّة. ومن مُرسَل الشَّعْبِي رَفَعَه: ((لا حِلف في الإسلام، وحِلف الجاهلية مَشدود)). وذكر عمر بن شَبّة: أنَّ أوَّل حِلْف كان بمكّة حِلفُ الأحابيش: أنَّ امرأةً من بني مخزومٍ شَكَت لرجلٍ من بني الحارث بن عبد مناة بن كِنانة تَسَلَّطَ بني بكر بن عبد مَناة بن كِنانة عليهم، فأتى قومَه، فقال لهم: ذَلَّت قُرَيش لبني بكر، فانصُروا إخوانكم، فَرَكِبوا إلى بني المُصطَلِقِ من خُزَاعة، فسمعت بهم بنو الهُون بن خُزيمة بن مُدرِكة فاجتمعوا بذَنَبِ حَبْشٍ (١) وهو كذلك عند أحمد (١٦٧٦١)، وأبي داود (٢٩٢٥). (٢) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في ((مسنده)) كما في ((إتحاف الخيرة)) للبوصيري (٦٩١٣)، والطبريُّ في «تفسيره)» ٥٦/٥، وأبو يعلى (٦٩٠٢). (٣) فات الحافظ أن يخرجه من ((سنن الترمذي)) (١٥٨٥). (٤) أبو داود (٢٧٥١) و(٤٥٣١)، وابن ماجه (٢٦٨٥). ٣٧٢ باب ٢ / ح ٢٢٩٢ - ٢٢٩٤ فتح الباري بشرح البخاري - بفتح المهمَلة وسكون الموحّدة بعدها مُعجَمة(١) - وهو جبل بأسفَل مكّة، فتَحالَفوا: إنّا لَيَدٌ على غيرنا ما رَسَا حَبَش مكانَه، وكان هذا مَبدَأَ الأحابيش. وعند عمر بن شَبّة من مُرسَل عُرْوة بن الزُّبَير، مثله، ثمَّ دَخَلَت فيهم القارَة (٢). قال عبد العزيز بن عمر: إنَّما سُمّوا الأحابيش لتَحالُفِهم عند حَبْش. ثمَّ أسنَدَ عن عائشة: أنَّه على عشرة أميالٍ من مكّة. ومن طريق حَمَّاد الراوية: سُمّوا لتَحَبُّشِهم، أي: تَجِمُّعهم. قال عمر بن شَبّة: ثمَّ كان حِلف قُرَيش وثَقِيف ودَوْس، وذلك أنَّ قُرَيشاً رَغِبَت في وَجِّ وهو من الطائف، لمَا فيه من الشَّجَر والزَّرع، فخافَتهم ثَقيفٌ فحالَفَتهم وأدخَلَت معهم بني دَوس، وكانوا إخوانَهم وجيرانَهم، ثمَّ كان حِلف المطيَّبين(٣) وأزدٍ. وأَسنَدَ من طريق أبي سَلَمة رَفَعَه: ((ما شَهِدتُ من حِلف إلَّا حِلفَ المُطَيِّين، وما أُحِبّ أن أنكُثَه وإن لي حُمْرَ النَّعَم))(٤). ومن مُرسَل طلحة بن عبد الله بن عَوْف نحوه(٥)، وزاد: ((ولو دُعيت به اليوم في الإسلام لَا جبت)). ومن حديث عبد الرحمن بن عَوْف رَفَعَه: ((شهِدتُ وأنا غُلام حِلفاً مع عمومتي المطيِّين، فما أُحِبّ أَنَّلي حُمْرَ النَّعَم وإنّ نَكَثْتُه))(٦). (١) كذا ضبطه الحافظ، والصواب أنه (حُبْشِيّ) بضم الحاء وإسكان الباء وكسر الشين بعدها ياء مشدّدة، انظر ((معجم البلدان)) لياقوت الحموي ٢١٤/٢، و((لسان العرب)) مادة (حبش). (٢) هم بطن من خزيمة بن مُدرِ كة. (٣) قال ابن الأثير في ((النهاية)): اجتمع بنو هاشم وبنو زُهْرة وتَيْم في دار جُدْعان في الجاهلية وجعلوا طِيباً في جَفْنة، وغَمَسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فسُمُّوا المُطَيِّين. (٤) وأخرج هذا المرسل أيضاً الطبري في ((تهذيب الآثار)) القسم الموجود من مسانيد بقية العشرة، طبع دار المأمون (١٨). (٥) وأخرج هذا المرسل أيضاً البيهقي ٦ / ٣٦٧. (٦) والحديث أيضاً في ((مسند أحمد)) (١٦٥٥). ٣٧٣ باب ٢ / ح ٢٢٩٢ - ٢٢٩٤ كتاب الكفالة قال: وحِلف الفُضول، وهم فَضْل وفَضَالةُ ومُفضَّل، تَحَالَفوا، فلمَّا وقع حِلفُ المطيّبين بين هاشم والمطَّلِّب وأَسد وزُهْرة، قالوا: حِلفٌ كحِلْفِ الفُضول، وكان حِلفُهم أن لا يُقَرَّ(١) ظالمٌ مظلوماً بمكّة، وذكروا في سبب ذلك أشياء مُخْتَلِفة مُحصَّلها: أنَّ القادِمَ من أهل البلاد كان يَقدَم مكّة فربّما ظَلَمَه بعضُ أهلها فيَشكُوه إلى مَن بها من القبائل، فلا يفيد، فاجتمع بعضُ من كان يَكرَه الظُّلم ويَستَقِبِحه إلى أن عَقَدوا الحِلفَ، وظَهَرَ الإسلام وهم على ذلك، وسيأتي بيان ما وقع في الإسلام من ذلك في أوائل مناقب الأنصار (٣)، وفي أوائل الهجرة(٣). قوله: ((قد حالَفَ رسول الله وَّ) قال الطَّبري: ما استَدَلَّ به أنس على إثبات الحِلْف لا يُنافي حديث جُبَير بن مُطعِم في نفيه، فإنَّ الإخاء المذكور كان في أوَّل الهجرة، وكانوا يَتوارثونَ به، ثمَّ نُسِخَ من ذلك الميراثُ، وبقيَ ما لم يُبطِله القرآن وهو التعاونُ على الحقِّ والنَّصر، والأَخذُ على يد الظّالم، كما قال ابن عبّاس: إلَّ النَّصر والنَّصيحة والرِّفادة، وپُوصي له، وقد ذهب الميراث. قلت: وعُرِفَ بذلك وجهُ إيراد حديثَي أنس مع حديث ابن عبّاس، والله أعلم. وقال الخطَّابي: قال ابن عُبَينةَ: حَالَفَ بينهم، أي: آخى بينهم، يريد أنَّ معنى الحِلْف في ٤٧٤/٤ الجاهلية معنى الأُخوّة في الإسلام، لكنَّه في الإسلام جارٍ على أحكام الدّين وحُدوده، وحِلف الجاهلية جرى على ما كانوا يَتواضعونَه بينهم بآرائهم، فبَطَل منه ما خالَفَ حُكمَ الإسلام، وبقي ما عدا ذلك على حاله. واختلفَ الصحابة في الحدّ الفاصل بين الحِلف الواقع في الجاهلية والإسلام: فقال ابن عبّاس: ما كان قبل نزول الآية المذكورة جاهلي، وما بعدها إسلامي. وعن عليٍّ: ما كان قبل نزول ﴿ لِإِيلَفِ فُرَيْشٍ ﴾ جاهلي. وعن عثمان: كلّ حِلفٍ كان (١) تحرفت في (س) إلى: يُعين. (٢) في ((باب إخاء النبي ◌َّ بين المهاجرين والأنصار)) (٣). (٣) في كتاب مناقب الأنصار: ((باب كيف آخى النبي وَلّ بين أصحابه)) (٥٠). ٣٧٤ باب ٣ / ح ٢٢٩٥ -٢٢٩٦ فتح الباري بشرح البخاري قبل الهجرة جاهلي، وما بعدها إسلامي. وعن عمر: كلّ حِلف كان قبل الحُدَيبية فهو مشدود، و کلّ حلف بعدها منقوض. أخرج كلّ ذلك عمر بن شَبّة، عن أبي غسَّان محمد بن يحيى بأسانيدِه إليهم، وأظنّ قول عمر أقواها، ويُمكِن الجمع بأنَّ المذكورات في رواية غيره مما يدلّ على تأكيد حِلف الجاهلية، والذي في حديث عمر ما يدلّ على نَسْخ ذلك. ٣- باب من تكفّل عن مّتٍ دیناً فليس له أن يرجع وبِه قال الحسن. ٢٢٩٥ - حدَّثنا أبو عاصِمٍ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َِه أُفِيَ بِنازةٍ لِيُصَلِّيَّ عليها، فقال: ((هل عليه مِن دَينٍ؟)) قالوا: لا، فصَلَّى عليه، ثمَّ أُتيَ بِنازةٍ أُخرَى، فقال: ((هل عليه مِن دَينٍ؟)) قالوا: نعم قال: ((فصَلَّوا على صاحبِكُم)) قال أبو قَتَادةَ: عليَّ دَينُه يا رسولَ الله، فصَلَى عليه. ٢٢٩٦ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبد الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرٌو، سمعَ محمَّدَ بنَ عليٍّ، عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهم، قال: قال النبيُّ ◌َّةِ: ((لو قد جاء مالُ البحرَينِ قد أعطَيْتُكَ هكذا وهكذا))، فلم يَجِئ مالُ البحرَينِ حتَّى قُبِضَ النبيُّ ◌َّهِ، فلمَّا جاء مالُ البحرَينِ أمَرَ أبو بكرٍ، فنادَى: مَن كان له عندَ النبيِّ وَلَّهِعِدَةٌ أو دَينٌ فليأتِنا، فأتيتُهُ فقلتُ: إنَّ النبيَّ ◌َِّ قال لي كذا وكذا، فحَثَى لي حَئيةً، فعَدَدتُها فإذا هي ◌َمسُ مئةٍ، وقال: خُذْ مِثلَيها. [أطرافه في: ٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٣٧، ٣١٦٤، ٤٣٨٣] قوله: ((باب من تَكَفَّلَ عن ميِّت دَيناً فليس له أن يَرجِع، وبه قال الحسن)) يحتمِل قوله: فليس له أن يَرجِع، أي: عن الكفالة، بل هي لازمة له، وقد استقرَّ الحقّ في ذِمَّته. ويحتمل أن يريد: فليس له أن يَرجِع في الترِكة بالقَدْر الذي تَكَفَّلَ به، والأوَّل أليَقُ بمقصودِهِ. ثمَّ أورَدَ فيه حديث سَلَمة بن الأكوع المتقدِّم قبل بابين (٢٢٨٩)، وقد سَبَقَ القولُ فيه. ٣٧٥ باب ٣ / ح ٢٢٩٥ - ٢٢٩٦ كتاب الكفالة ووجه الأخذ منه: أنَّه لو كان لأبي قَتَادةَ أن يَرجِع، لمَّا صَلّى النبيِّ على الَدين حتَّى يُوفِيَ أبو قَتَادَةَ الدَّين، لاحتمال أن يَرجِع، فيكون قد صَلّى على مَدينٍ دَينُه باقٍ عليه، فدَلَّ على أنَّه ليس له أن يَرجِع. تنبيه: اقتَصَرَ في هذه الطريق(١) على ذكر اثنين من الأموات الثلاثة، وقد تقدَّم في تلك الطَّريق تامّاً(٢)، وقد ساقه الإسماعيلي هنا تامّاً، وساق في قِصَّته المحذوف: أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((ثلاث كَيّاتٍ))، وكأنَّه ذكر ذلك لكونه كان من أهل الصُّفّة، فلم يُعجِبه أن يَدَّخِر شيئاً. واستُدِلَّ به على جواز ضمان ما على الميِّت من دَين ولو لم يَترُك وفاءً، وهو قول الجمهور خلافاً لأبي حنيفة،/ وقد بالَغَ الطَّحاوي في نُصرة قول الجمهور. ٤٧٥/٤ ثمَّ أورد فیه حدیث جابر. قوله: «حدّثنا عَمْرو)» هو ابن دینار. قوله: ((سمع محمد بن عليٌّ) أي: ابن الحسين بن عليٍّ، وقد سمع عَمْرُو بن دينار من جابر الكثيرَ، وربَّما أدخَلَ بينه وبينه واسطة، ولسفيان في هذا الحديث إسناد آخر سيأتي بيانه في فرض الخُمُس (٣١٣٧). قوله: ((لو قد جاء مال البحرَينِ)) هو مال الجِزية، كما سيأتي بيانه في المغازي (٤٣٨٣)، وكان عاملُ النبي ◌ِّر على البحرَين العلاء بن الحضرميّ، كما سيأتي في ((باب إنجاز الوَعد)) من كتاب الشَّهادات (٢٦٨٣) في حديث جابر هذا. قوله: ((قد أعطَيتُك هكذا وهكذا)) في الطَّريق التي في الشَّهادات: ((هكذا وهكذا وهكذا)) فبَسَطَ يديه ثلاث مَرّات، وبهذا تَظهَر مُناسَبة قوله في آخر حديث الباب: ((فَعَدَدتها، فإذا هي خمس مئةٍ، فقال: خُذ مثلَيها)» وعُرِفَ بقوله فيه: «فحَثَی لي حثيةً)) تفسير (١) تحرف في (س) إلى: الطرق. (٢) يعني الطريق السالفة برقم (٢٢٨٩). ٣٧٦ باب ٤ / ح ٢٢٩٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: خُذْ هكذا(١)، كأنَّه أشار بيدَيه جميعاً، وسيأتي بسطُ شرحه في كتاب فرض الخُمس (٣١٣٧) إن شاء الله تعالى. ووجه دخوله في الترجمة: أنَّ أبا بكر لمَّا قامَ مقام النبي وَّ تَكَفَّلَ بما كان عليه من واجب أو تَطَوُّع، فلمَّا التَزَمَ ذلك لَزِمَه أن يُوفي جميع ما عليه من دَينٍ أو عِدَةٍ، وكان ◌ِّ يُحِبّ الوَفاءَ بالوَعد، فَتَفَّذَ أبو بكر ذلك. وقد عَدَّ بعضُ الشافعية من خصائصه وَه وجوبَ الوَفاءَ بالوعد، أخذاً من هذا الحديث، ولا دلالة في سياقه على الخَصُوصيَّة، ولا على الوجوب. وفيه قَبُول خبر الواحد العَدل من الصحابة ولو جَرّ ذلك نَفعاً لنفسِه، لأنَّ أبا بكر لم يَلْتَمِس من جابر شاهداً على صِحّة دَعواه، ويحتمل أن يكون أبو بكر عَلِمَ بذلك، فقضى له بعِلمِهِ، فيُستَدَلّ به على جواز مثل ذلك للحاكم. ٤ - باب جِوار أبي بكرٍ في عهد النبيّ وَّ وعقدِه ٢٢٩٧ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيَلٍ، قال ابنُ شِهابٍ: فأخبرني عُروةٌ ابنُ الزُّبَيِ: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ وَِّ قالت: لم أعقِل أبُوَيَّ إِلَّ وهما يَدِينان الدِّينَ. وقال أبو صالح: حدَّثني عبدُ الله، عن يونسَ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: لم أعقِل أبُوَيَّ قَطَّ إلَّ وهما يَدِينان الدِّينَ، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلَّا يأتينا فيه رسولُ اللهِوَّةِ طِرفَي النَّهَارِ بُكرةً وعَشِيَّةً، فلمَّا ابتُليَ المسلمونَ، خَرَجَ أبو بكرٍ مُهاجِراً قِبَلَ الحَبَشِةِ، حتَّى إذا بَلَغَ بَرْكَ الغِمادِ لَقِيَه ابنُ الدُّغُنَّةَ، وهو سَيِّدُ القارةِ، فقال: أينَ تُرِيدُ يا أبا بكرٍ؟ فقال أبو بكرٍ: أخرَ جَني قومي، فأنا أُرِيدُ أن أَسِيحَ في الأرضِ، وأعبُّدَ رَبِّي، قال ابنُ الدُّغُنَّةُ: إِنَّ مِثْلَكَ لا يَخْرُجُ ولا يُخرَجُ، فإنَّكَ تَكسِبُ المعدومَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحمِلُ الكَلَّ، وتَقْري الضَّيفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحقِّ، وأنا لكَ جارٌ، فارجِع فاعبُدُ رَبَّكَ ببلادِكَ. (١) هذا الذي ذكره الحافظ ليس في الحديث، ولكنه محذوف مقدّر، قال العيني في ((عمدة القاري)) ١٢ / ١٢: الفاء في «فحثى)» عطف على محذوف تقديره: خذ هكذا، وأشار بیدیه. ٣٧٧ باب ٤ / ح ٢٢٩٧ كتاب الكفالة فارَحَلَ ابنُ الدُّغُنَّةِ، فَرَجَعَ معَ أبي بكرٍ، فطافَ في أشراف كفَّر قُرَيشٍ، فقال لهم: إنَّ أبا بكرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُه ولا يُخْرَجُ، أَتُخرِ جونَ رجلاً يَكسِبُ المعدومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحِمِلُ الكَلَّ، ويَقري الضَّيفَ، ويُعِينُ على نَوائبِ الحقِّ؟ فأنفَذَت قُرَيشٌ جِوارَ ابنِ الدُّغُنَّةِ، وآمَنوا أبا بكرٍ، وقالوا لابنِ الدُّغْنَّةِ: مُر أبا بكرٍ فليَعبُد رَبَّه في داره، / فليُصَلِّ وليَقرَأ ما شاءَ، ولا يُؤْذِينا بذلك، ٤٧٦/٤ ولا يَستَعلِن به، فإنّا قد خَشِينا أن يَفيِنَ أبناءَنا ونِساءَنا، قال ذلك ابنُ الدُّغُنَّةِ لأبي بكرٍ، فَطَفِقَ أبو بكرٍ يَعْبُدُ رَبَّه في دارِه، ولا يَستَعلِنُ بالصَّلاةِ، ولا القراءةِ في غیرِ دارِه. ثُمَّ بَدَا لأبي بكرٍ فابتَنَى مَسجِداً بفِناءِ داره، وبَرَزَ، فكان يُصَلّى فيه، ويَقرَأُ القُرآنَ، فِيَتَقَصَّفُ عليه نِساءُ المشركينَ وأبناؤُهم، يَعجَبونَ ويَنظُرُونَ إليه، وكان أبو بكرٍ رجلاً بَكّاءً، لا يَملِكُ دمعَه حِينَ يَقرَأُ القُرآنَ، فأفزَعَ ذلك أشرافَ قُرَيشٍ مِن المشركِينَ، فأرسَلوا إلى ابنِ الدُّغُنَّةِ، فَقَدِمَ عليهم، فقالوا له: إنّ كَّا أَجَرْنا أبا بكرٍ على أن يَعبُدَ رَبَّه في داره، وإِنَّه جاوَزَ ذلك، فابتَنَى مَسجِداً بفِناءِ داره، وأعلَنَ الصَّلاةَ والقراءةَ، وقد خَشِينا أن يَفْتِنَ أبناءنا ونِساءَنا فأتِهِ، فإن أَحَبَّ أن يَقتَصِرَ على أن يَعبُّدَ رَبَّه في داره فعَلَ، وإن أبَى إلَّا أن يُعلِنَ ذلك، فسَلْه أن يَرُدَّ إليكَ ذِمَّتَكَ، فإنّا كَرِهنا أن نُخفِرَكَ، ولسنا مُقِرِّينَ الاستِعلانَ. قالت عائشةُ: فأتى ابنُ الدُّغْنَّةِ أبا بكرٍ فقال: قد عَلِمِتَ الَّذِي عَقَدتُ لكَ عليه، فإِمَّا أن تَقْتَصِرَ على ذلك، وإمَّا أَن تَرُدَّ إليَّ ذِمَّتِي، فإنّ لا أُحِبُّ أن تَسمَعَ العربُ أنّ أُخفِرتُ في رجلٍ عَقَدتُ له، قال أبو بكرٍ فإني أَرُدُّ إليكَ جِوارَكَ، وأرضَى بجوار الله، ورسولُ الله ◌َِّ يومئذٍ بِمَكّةَ، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((قد أُرِيتُ دارَ هِجرتِكُم، رأيتُ سَبْخةً ذاتَ نَخلٍ بينَ لابَتَينٍ))، وهما الحَرَّتان، فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المدينةِ حِينَ ذَكَرَ ذلك رسولُ اللهِ وَلّهِ، وَرَجَعَ إلى المدينةِ بعضُ مَن كان هاجَرَ إلى أرضِ الحَبَشةِ، وتَجهَّزَ أبو بكرٍ مُهاجِراً، فقال له رسولُ الله ◌َلّ: ((علی رِسلِكَ، فإنّي أرجو أن يُؤذَنَ لي))، قال أبو بكرٍ: هل تَرجُو ذلك بأبي أنتَ؟ قال: ((نعم))، فحَبَسَ أبو بكرٍ نَفْسَه على رسولِ اللهِ وَّهِ لَيَصحَبَه، وعَلَفَ راحِلتَينِ كانتا عندَه وَرَقَ السَّمُرِ أربعةَ أشهُرِ. وُ ٣٧٨ باب ٤ / ح ٢٢٩٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (باب جِوار أبي بكر)) الصِّدّيق، تُكسَر الجيم وتُضمّ، والمراد به: الذِّمام والأمان. قوله: ((في عهد رسول الله وَ ل﴿ وَعَقده)) أورَدَ فيه حديث عائشة في شأن الهجرة مُطوَّلاً. قوله: ((فأخبرني عُرْوة)) فيه محذوف تقديره: أخبرني فلان بكذا، وأخبرني عُرْوة بكذا، والغرض من هذا الحديث هنا: رِضا أبي بكر بجوار ابن الدُّغُنَّةِ، وتقرير النبي بَّ له على ذلك. ووجه دخوله في الكفالة: أنَّه لائق بكفالة الأبدان، لأنَّ الذي أجاره كأنَّه تَكَفَّلَ بنفسِ المجارِ أن لا يُضام. قاله ابن المنیِّ. تنبيه: ساق البخاري الحديث هنا على لفظ يونس عن الزُّهْري، وساقه في الهجرة (٣٩٠٥) على لفظ عُقيل، وسأُبيِّن ما بينهما من التفاوت هناك، وأذكر فيه الاختلاف في اسم ابن الدُّغُنَّةِ وضَبْطِهِ، وضَبْطِ بركِ الغِماد، إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال أبو صالح: حدَّثني عبد الله عن يونس)) هذا التعليق سَقَطَ من رواية أبي ذرّ، وساق الحديثَ عن عُقيل وحده. وأبو صالح هذا: اتَّفَقَ أبو نُعيم والأَصِيلي والجَيَّاني ٤٧٧/٤ وغيرهم: أنَّه سليمان بن صالح المروَزي،/ ولَقَبه سَلْمويه، وشيخه عبد الله: هو ابن المبارَك، وبذلك جَزَمَ الأَصِيلي. وجَزَمَ الإسماعيلي بأنَّه أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث(١)، وشيخه عبد الله على هذا: هو ابن وَهْبٍ. وزَعَمَ الدِّمياطي: أنَّه أبو صالح محبوب بن موسى الفَرّاء الأنطاكي، ولم يَذكُر لذلك مُستَنَداً، ولم يَسِقه أحد إلى عَدّ مَحبوب بن موسى في شيوخ البخاري. والمعتمد هو الأوَّل، فقد وقع في رواية ابن السَّكَن عن الفِرَبْري عن البخاري قال: قال أبو صالح سَلْمويه: حدَّثنا عبد الله بن المبارك. (١) كذا قال هنا، وقال في ((التغليق)) ٢٩٢/٣: ذكر أبو نعيم وجماعة منهم الإسماعيلي أنه سليمان بن صالح الملقَّب سلمویه! ٣٧٩ باب ٥ / ح ٢٢٩٨ كتاب الكفالة ہ۔ باب الدَّین ٢٢٩٨ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ : أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ كان يُؤْتَى بالرجلِ المتوفَّى عليه الدَّينُ، فيَسألُ: ((هَل تَرَكَ لَدَيْنِهِ فَضْلاً؟)) فإن حُدِّثَ أنَّه تَرَكَ لدَينِهِ وفاءً صَلَّى، وإلَّ قال للمسلمينَ: ((صَلّوا على صاحبِكُم))، فلمَّا فتَحَ الله عليه الفُتوحَ، قال: ((أنا أولَى بالمؤمنينَ من أنفُسِهِم، فمَن تُوقِّيَ مِن المؤمنينَ فتَرَكَ دَيناً فعليَّ قَضاؤُه، ومَن تَرَكَ مالاً فِلِوَرَثَتِهِ)). [أطرافه في: ٢٢٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١، ٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣] قوله: ((باب الدين)) كذا للأصِيلى وكَرِيمة، وسقط البابُ وترجمتُه من رواية أبي ذرِّ وأبي الوَقْت، وسقط الحديثُ أيضاً من رواية المُستَمْلِي، ووقع للنَّسَفي وابن شَبويه: ((باب)) بغير ترجمة، وبه جزم الإسماعيلي، وأما ابن بطَّل، فذكر هذا الحديث في آخر ((باب من تَكَفَّلَ عن ميِّتٍ بدَين))(١)، وصنيعُه أليَقُ، لأن الحديث لا تَعلَّقَ له بترجمة چِوار أبي بكر حتى یکونَ منها، أو يُثبَتُ («باب)» بلا ترجمةٍ، فیکون کالفَصل منها، وأما من ترجم له: ((باب الدَّين))، فبعيدٌ، إذ اللائقُ بذلك أن يكونَ في كتاب القَرض. قوله: ((عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة)) هكذا رواه عُقَيل، وتابعه أنس وابن أخي ابن شهاب وابن أبي ذئب، كما أخرجه مسلم (١٦١٩) وخالفَهم مَعمَر، فرواه عن الزُّهْري عن أبي سَلَمة عن جابر، أخرجه أبو داود (٣٣٤٣)، والترمذي(٢). قوله: ((هل ترك لدينه فضلاً؟)) أي: قَدراً زائداً على مُؤنة تجهيزه، وفي رواية الكُشمِيهني: ((قَضاءً)) بدل ((فضلاً))، وكذا هو عند مسلم (١٦١٩/ ١٤)، وأصحاب السنن(٣)، وهو أولى، بدليل قوله: فإن حُدِّث أنه تَرَكَ لدَينه وَفاءً. (١) هو الباب المتقدم برقم (٣). (٢) لم نقف عليه في ((سنن الترمذي))، ولا عزاه إليه صاحب ((التحفة)) (٣١٥٨)، بل اقتصر على أبي داود. (٣) ابن ماجه (٢٤١٥)، والترمذي (١٠٧٠)، والنسائي (١٩٦٣). ٣٨٠ باب ٥ / ح ٢٢٩٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فترك ديناً) في رواية همَّام عن أبي هريرة عند مسلم (١٦/١٦١٩): «فترك ديناً، أو ضَيعةً))، وسيأتي في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٨١) من طريق عبد الرحمن بن أبي عَمْرة عن أبي هريرة بلفظ: ((ما من مؤمنٍ إلا وأنا أولى الناسِ به في الدُّنيا والآخرة، فأيُّما مؤمنٍ مات)) فذكره، وفيه: ((ومن ترك دَيناً أو ضَياعاً فليأتِني))، وسيأتي الكلام على هذه الزيادة التي في أوله هناك إن شاء الله تعالى، والضَّياع - بفتح المعجمة بعدها تحتانية - قال الخطَّابي: هو وصفٌ لمن خَلَّفَه الميّت بلفظ المصدر، أي: ترك ذوي ضَياعٍ، أي: لا شيءَ لهم. وقوله: (كَلَّا))(١) بفتح أوله، أصله: الثّقْل، والمراد به هنا: العِيال. قوله: ((فلوَرَثِتِهِ)) في رواية مسلم (١٦١٩ /١٤): ((فهو لوَرَثِه))، وفي رواية عبد الرحمن ٤٧٨/٤ ابن أبي عَمرة: ((فليَرِثْه عَصَبتُه))، / ولمسلم (١٦١٩/ ١٥) من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ((فإلى العَصَبة مَن كان))، وسيأتى البحثُ فيه في كتاب الفرائض (٦٧٣١) إن شاء الله تعالى. قال العلماء: كأن الذي فعله وَلَ﴿ من تركِ الصلاة على مَن عليه دينٌ، ليُحرِّضَ الناس على قضاءِ الدُّون في حياتهم، والتوصُّل إلى البراءة منها، لئلا تفوتَهم صلاةُ النبي ◌ِّ. وهل كانت صلاتُه على من عليه دَينٌ مُحرَّمةً عليه، أو جائزةً؟ وجهان، قال النووي: الصوابُ الجَزْمُ بجوازه مع وجود الضامِن، كما في حديث مسلم. وحكى القُرطُبي: أنه ربما كان يَمتِنِعُ من الصلاة على من استدان دَيناً غيرَ جائز، وأما من استدان لأمرٍ هو جائزٌ، فما كان يَمتنِعِ. وفيه نظرٌ، لأن في حديث الباب ما يدلُّ على التعميم، حيث قال: ((من تُوقِّيَ وعليه دَينٌ))، ولو كان الحالُ مُخُتِلِفاً لَبيَّنَه، نعم جاء من حديث ابن عباس: أن النبيَّ ◌َّ لَمّا امتنع من الصلاة على من عليه دَينٌ جاءه جبريل، فقال: إنما الظالم في الدُّيون التي ◌ُهِلَت في البَغْي والإسراف، فأما المتُعقِّفُ ذو العِيال، فأنا ضامنٌ له أُؤَدِّي عنه، فصَلَّى عليه النبي ◌ََّ، وقال (١) لم يقع هذا الحرف في رواية حديث الباب، وهو في روايات أخرى لهذا الحديث، کالروايات الآتية عند البخاري بالأرقام (٢٣٩٨) و(٦٧٤٥) و(٦٧٦٣).