Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
باب ١١ / ح ٢٢٧١
كتاب الإجارة
في المواقيت (٥٥٧)، الآتية في التوحيد (٧٤٦٧) ما يوافِقُ روايةَ أبي موسى، فَرَجَّحَها
الخطَّبيُّ على رواية نافع وعبد الله بن دينار، لكن يُحتمل أن تكون القِصَّتان جميعاً كانتا عندَ
ابن عمر، فحدَّثَ بهما في وقتین.
وجمع بينهما ابنُ التِّين باحتمال أن يكونوا غَضِبوا أوَّلاً، فقالوا ما قالوا، إشارةً إلى
طلب الزِّيادة، فلمَّا لم يُعطَوا قَدْراً زائداً تَرَكوا، فقالوا: لك ما عَمِلنا باطلٌ. انتهى.
وفيه مع بُعدِه مخالفةٌ لصريح ما وقع في رواية الزُّهْري في المواقيت (٥٥٧)، وفي
التوحيد (٧٤٦٧)، ففيها: ((قالوا: رَبَّنا أعطَيتَ هؤلاء قِيراطَين قِيراطَين، وأعطَيْتَنَا قِيراطاً
قيراطاً، ونحن كنا أكثرَ عملاً))، ففيه التصريحُ بأنهم أُعطوا ذلك، إلا أن يُحمل قولهم:
أعطَيتنا، أي: أمرتَ لنا، أو وَعَدْتَنا، ولا يستلزم ذلك أنهم أخذوه، ولا يَخْفَى أن الجمعَ
بکونہما قصَّتین أوضح.
وظاهر المثَل الذي في حديث أبي موسى: أن الله تعالى قال لليهود: آمنوا بي وبرُسُلي إلى
يوم القيامة، فآمَنوا بموسى إلى أن بُعِثَ عيسى، فكفروا به، وذلك في قَدْرِ نصفِ المدة التي
من بعثٍ موسى إلى قيام الساعة.
فقولهم: ((لا حاجةَ لنا إلى أجرِك)) إشارةٌ إلى أنهم كفروا، وتوَلَّوا، واستغنى الله عنهم،
وهذا من إطلاق القَول وإرادة لازِمِه، لأن لازِمَه تركُ العمل المُعَّرِ به عن ترك الإيمان.
وقولهم: ((وما عَمِلْنا باطلٌ)) إشارةٌ إلى إحباط عملهم بكُفرهم بعيسى، إذا لا يَنفَعُهم
الإيمانُ بموسى وحدَه بعد بعثة عيسى، وكذلك القول في النصارى، إلا أن فيه إشارةً إلى
أن مُدَّتَهم كانت قَدْرَ نصف المدّة، فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار.
وقوله: ((ولكم الذي شَرَطتُ)) زاد في رواية الإسماعيلي: ((الذي شَرَطتُ لهؤلاء من
الأجر)) يعني: الذين قبلهم.
وقوله: ((فإن ما بقىَ من النهار شيءٌ يَسِيرٌ)) أي: بالنسبة لمَا مضى منه، والمراد ما بَقي
من الدنيا.

٣٢٢
باب ١١ / ح ٢٢٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((واستكمَلوا أجرَ الفريقَين)) أي: بإيمانهم بالأنبياء الثلاثة. وتَضمَّنَ الحديثُ
الإشارة إلى قِصَرِ المدة التي بَقِيت من الدُّنيا، وسيأتي الكلام عليه في قوله: ((بُعثتُ أنا
والساعةَ كهاتين)) (٦٥٠٣).
قوله: ((حتى إذا كان حينَ صلاةٍ العصر)) هو بنصب ((حين))، ويجوزُ فيه الرفع.
قوله: ((واستكملوا أجرَ الفريقَينِ كليهما)) كذا لأبي ذرٍّ وغيره، وحكى ابنُ التِّين: أن في
روایته: «کلاهما) بالرفع، و خطاه، ولیس کما زعم، بل له وجهٌ.
قوله: ((فذلك مثلهم)) أي: المسلمين ((ومثلُ ما قَبِلُوا من هذا النور)»/ في رواية الإسماعيلي:
٤٤٩/٤
((فذلك مَثَلُ المسلمين الذين قَبِلوا هُدى الله وما جاء به رسولُه، ومَثَلُ اليهود والنصارى
تَرَكوا ما أمرهم الله به)).
واستدلَّ به على أن بقاء هذه الأُمّة يزيدُ على الألف، لأنه يقتضي أن مدةَ اليهود نظيرُ
مدتَ النصارى والمسلمين، وقد اتَّفْقَ أهلُ النقل على أن مدةَ اليهود إلى بِعثة النبيِّ وَلـ
كانت أكثر من ألفي سنةٍ، ومدةُ النصارى من ذلك ستُّ مئة، وقيل: أقلّ، فتكون مدة
المسلمين أكثر من ألفٍ قطعاً.
وتضمَّنَ الحديثُ أن أَجرَ النصارى كان أكثر من أجر اليهودِ، لأن اليهود عملوا نصف
النهار بِقيراطٍ، والنصارى نحو ربعُ النهار بقيراط، ولعل ذلك باعتبار ما حَصَلَ لمن آمَنَ
من النصارى بموسى وعيسى، فحصل لهم تضعيفُ الأجر مرتين، بخلاف اليهود، فإنهم
لما بُعِثَ عیسی، کفروا به.
وفي الحديث تفضيلُ هذه الأُمّة، وتوفير أجرها مع قِلّة عملها، وفيه جوازُ استدامة
صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس.
وفي قوله: ((فإن ما بَقَي من النهار شيءٌ يَسِير)) إشارةٌ إلى قِصَرِ مدة المسلمين بالنّسبة إلى
مدة غيرهم، وفيه إشارةٌ إلى أن العمل من الطوائف كان مُتَساوياً في الِقِدارِ، وقد تقدم
البحث في ذلك في المواقيت (٥٧٧ ,٥٥٨) مشروحاً.

٣٢٣
باب ١٢ / ح ٢٢٧٢
كتاب الإجارة
١٢ - باب من استأجر أجيراً فترك أجره فعمل فيه المستأجر فزاد،
ومن عمل في مال غيره فاستفْضَل
٢٢٧٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، حدَّثني سالمُ بنُ عبد الله، أنَّ
عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّةٍ يقول: ((انطَلَقَ ثلاثةُ رَهْطٍ ممَّن
كان قبلَكُم حتَّى أوَوا المِيتَ إلى غارٍ، فدخلوه فانحَدَرَت صَخرةٌ مِن الجبلِ، فسَدَّت عليهم
الغارَ، فقالوا: إنَّه لا يُنجِيكُم من هذه الصَّخرةِ، إلا أن تَدعوا اللهَ بصالح أعمالكم، فقال رجلٌ
منهمُ: اللّهمَّ كان لي أَبَوان شيخان كَبِيران، وكنتُ لا أغِقُ قبلَهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي في
طَلَبٍ شيءٍ يوماً، فلم أُرِح عليهما حتَّى ناما، فحَلَبتُ لهما غَبوقَهما، فَوَجَدتُهما نائمَينٍ، فَكَرِهْتُ
أن أغبِقَ قبلَهما أهلاً أو مالاً، فلَبِثتُ والقَدَحُ على يَدَيَّ أنْتَظِرُ اسْتِيقاظَهما حتَّى بَرَقَ الفَجْرُ،
فاستَيقَظا فشَرِبا غَبوقَهما، اللهمَّ إن كنتُ فعَلتُ ذلك ابتغاءَ وجهكَ، ففَرِّج عَنّا ما نحنُ فيه من
هذه الصَّخرةِ، فانفَرَ جَت شيئاً لا يستطيعونَ اخروج)).
قال النبيُّ وَّهِ: ((وقال الآخَرُ: اللهمَّ كانت لي بنتُ عَمِّ، كانت أحَبَّ النّاس إليَّ، فأرَدتُها
عن نَفسِها فامتَنَعَت منّي، حتَّى ألَمَّتْ بها سَنَةٌ مِن السِّنِينَ، فجاءتني فأعطَيْتُها عِشِرِينَ ومئَةَ
دِينارٍ على أن تُخُلِّيَّ بيني وبينَ نَفسِها، ففَعَلَتْ، حتَّى إذا قَدَرتُ عليها قالت: لا أُحِلُّ لكَ أن
تَفُضَّ الخائَمَ إلا بحَقِّه، فَتَحَرَّجْتُ مِن الوقوعِ عليها، فانصَرَفْتُ عنها، وهي أحَبُّ النّاس إليَّ،
وتَرَكتُ الذَّهبَ الَّذي أعطَيْتُها، اللهمَّ إن كنتُ فعَلتُ ذلكَ ابتغاءَ وجهكَ، فافرُجِ عَنّا ما نحنُ
فيه، فانفَرَجَتِ الصَّخرةُ غيرَ أنَّهم لا يستطيعونَ الخروجَ منها)).
قال النبيُّ نَّهِ: ((وقال الثالثُ: اللهمَّ إنِّي استأجَرتُ أُجَراءَ، فأعطَيْتُهم أجرَهم غيرَ رجلٍ
واحدٍ / تَرَكَ الَّذي له وذهبَ، فَمَّرتُ أجرَه حتَّى كَثُرَت منه الأموالُ، فجاءني بعدَ حِينٍ، فقال: ٤٥٠/٤
يا عبدَ الله، أدِّ إليَّ أَجْري، فقلتُ له: كلُّ ما تَرَى من أَجْلِكَ مِن الإبلِ والبقرِ والغنمِ والرَّقِيقِ،
فقال: يا عبدَ الله، لا تَستَهزِئ بي، فقلتُ: إنّ لا أستَهزِئُ بكَ، فأخذَه كلَّه فاستاقَه، فلم يَترُك
منه شيئاً، اللهمَّ فإن كنتُ فعَلتُ ذلك ابتغاءَ وجهكَ، فافرُج عَنّا ما نحنُ فيه، فانفَرَجَتِ
الصَّخرةُ، فخَرَجوا يَمشونَ».

٣٢٤
باب ١٢ / ح ٢٢٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب من استأجَرَ أجيراً، فتَرَكَ أَجْرَه)» في رواية الكُشْمِيهني: فَتَرَكَ الأجير أجره.
قوله: ((فَعَمِلَ فيه المستأجر)) أي: الشَّجَرَ فيه أو زَرَعَ ((فزاد)) أي: رَبِحَ.
قوله: ((ومَن عَمِلَ في مال غيره فاستَفْضَلَ» هو من عطف العامّ على الخاصّ، لأنَّ العامل
في مال غيره أعَمّ من أن يكون مُستأجَراً أو غير مُستأجَر، ولم يَذكُر المصنِّف الجواب إشارة
إلى الاحتمال كعادته.
ثُمَّ ذكر فيه حديث ابن عمر في قصَّة الثلاثة الذين انطَبَقَ عليهم الغار، وقد تقدَّم من
وجه آخر قريباً (٢٢١٥).
وقد تَعَقَّبَ المهلَّب ترجمة البخاري بأنَّه ليس في القصّة دليل لمَا ترجمَ له، وإنَّمَا الَّجَرَ
الرجلُ في أجر أجيره، ثمَّ أعطاه له على سبيل التبَرُّع، وإنَّما الذي كان يَلزَمُه قَدْرُ العمل
خاصّةً، وقد تقدَّم ذلك في أثناء كتاب البيوع (٢٢١٥)، وسيأتي شرحه مُستوفَّى في أواخر
أحاديث الأنبياء (٣٤٦٥) إن شاء الله تعالى.
وقوله في هذه الرواية: ((لا أَغْبِقُ)) هو من الغَبوق، بالغين المعجمة والموخَّدة وآخره قاف:
◌ُرب العَشِيِّ، وضَبَطوه بفتح الهمزة من الثَّلاثي، إلَّا الأَصِيلِي فبضمّها، من الرُّباعي،
وخَطُّوه.
وقوله: ((أهلاً ولا مالاً)) المراد بالأهلِ: ما له من زوجٍ ووَلَدٍ، وبالمال: ما له من رَقيقِ
وخَدَم، وزَعَمَ الدَّاوودي أنَّ المراد بالمال الذَّوابّ، وتَعقَّبوه، وله وجه.
وقوله: ((فنأَى)) بفتح النّون والهمزة، مقصوراً بوزن سَعَى، أي: بَعُد، وفي رواية كريمة
والأَصِيلي: ((فناءً» بمَدِّ بعد النّون، بوزنِ: جاء، وهو بمعنى الأوَّل.
وقوله: ((فلم أُرِحْ)) بضمِّ الهمزة وكسر الراء.
وقوله: (بَرَقَ الفجر)) بفتح الراء، أي: أضاءَ.
وقوله: ((فافرُجْ)) بالوَصْل وضمّ الراء، وبهمزة قطع وكسر الراء، من الفَرَج أو من الإفراج.

٣٢٥
باب ١٣ / ح ٢٢٧٣
كتاب الإجارة
وقوله: ((كلّ ما تَرى من أجْلِك)) كذا للكُشْمِيهني، ولأبي زيد المروزي وللباقين: ((من
أجرك))، ولكلٍّ وجه.
١٣ - باب من آجر نفسه ليحمل على ظهره ثمّ تصدَّق به،
وأَجرِ الحمال
٢٢٧٣ - حدّثنا سعيدُ بنُ يحيى بن سعيدِ القُرَشِيُّ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن شَقِيقٍ،
عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ عُ، قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَه إذا أمَرَنا بالصَّدَقةِ انطَلَقَ أحدُنا إلى
السّوقِ، فيُحامِلُ فِيُصِيبُ المُدَّ، وإنَّ لَبَعْضِهم لَمِئَةَ ألفٍ. قال: ما نَرَاه إلا نفسَه.
قوله: ((باب من آجَرَ نفسه ليحمِلَ على ظهره، ثمَّ تَصَدَّقَ به)) في رواية الكُشْمِيهني: «ثُمَّ
تَصَدَّقَ منه)).
وقوله: ((وأجرٍ الحمّال)) أي: وباب أجر الحمال.
قوله: ((حدَّثنا أبي)) هو الأُمَوي صاحب ((المغازي)).
و قوله: ((عن شقیق)) هو أبو وائل.
وقوله: ((فيُحامِلُ)) أي: يَطلُب أي: يَحمِل بالأُجرة، وقوله: ((المُدَّ)(١) أي: يَحمِل المتاع
بالأُجرة وهي مُدٌّ من طعام، والمحامَلةُ: مُفاعَلة، وهي تكون بين اثنين، والمراد هنا: أنَّ
الحمل من أحدهما والأُجرة من الآخر، كالمساقاة والمزارَعة، ووقع للنَّسائي (٢٥٢٩) من
طريق منصور عن أبي وائل: يَنطَلِقِ أحدُنا إلى السوق فيَحمِل على ظَهره.
قوله: ((وإنَّ لِبعضهم لَمِئَةَ ألفٍ)) هذه اللَّام للتأكيد، وهي ابتدائية لدخولها على اسم ٤٥١/٤
((إنَّ) وتقدُّم الخبر، وهي كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً ﴾ [النازعات: ٢٦]، ومُراده: أنَّ ذلك
في الوقت الذي حَدَّثَ به، وقد تقدَّم في الزكاة (١٤١٦) بلفظ: وإنَّ لبعضِهم اليومَ مئة
ألف، زاد النَّسائي (٢٥٢٩): وما كان له يومئذٍ درهم، أي: في الوقت الذي كان يَحمِلُ فيه.
(١) جاء في الأصلين و(س): بالمدِّ، بالباء، وهو خطأ، فقد سلف الحديث بهذا الإسناد بعينه برقم (١٤١٦)
بلفظ: المد، لكن رواه زائدة عن الأعمش كما سيأتي برقم (٤٦٦٩) بلفظ: حتى يجيء بالمد.

٣٢٦
باب ١٤ / ح ٢٢٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال: ما نَراه إلا نفسه)) بيَّن ابن ماجَهْ (٤١٥٥) من طريق زائدة عن الأعمش، أنَّ
قائل ذلك هو أبو وائل الراوي للحديث عن أبي مسعود، وقد تقدَّم شرح هذا الحديث في
كتاب الزكاة.
١٤ - باب أَجر السَّمسرة
ولم يَرَ ابنُ سِيرِينَ وعطاءٌ وإبراهيمُ والحسنُ بِأَجرِ السِّمسار بأساً.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: لا بأسَ أن يقولَ: بِعْ هذا الثَّوبَ، فما زادَ على كذا وكذا فهو لكَ.
وقال ابنُ سِيرِينَ: إذا قال: بِعُهُ بكذا، فما كان من رِبِحِ فَلَكَ، أو بيني وبينَكَ، فلا بأسَ به.
وقال النبيُّ ◌َّ: (المسلمونَ عندَ شُروطِهم)).
٢٢٧٤ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: نهى رسولُ الله ◌َّ﴿ أن يُتلقَّى الرُّكْبانُ، ولا تَبِيعَ حاضرٌ لبادٍ.
قلتُ: يا ابنَ عبَّاسٍ، ما قولُهُ: لا يَبِيعُ حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكونُ له سِمساراً.
قوله: ((بابُ أجر السَّمسَرةِ)) أي: حُكْمه، وهي بمُهمَلتَين.
قوله: ((ولم يَرَ ابن ◌ِيرِين وعطاءٌ وإبراهيم والحسن بأجر السِّمسار بأساً)) أمَّا قول ابن
سِيرِين وإبراهيم، فوَصَله ابن أبي شَيْبة (٦/ ٥٧٨) عنهما بلفظ: لا بأس بأجر السِّمسار إذا
اشتری يداً بيدٍ.
وأمَّا قول عطاء، فوَصَله ابن أبي شَيْبة أيضاً (٦/ ٥٧٨) بلفظ: سُئِلَ عطاء عن السَّمسَرة،
فقال: لا بأس بها، وكأنَّ المصنّف أشار إلى الردّ على من كَرهَها، وقد نقله ابن المنذر عن
الکوفیینَ.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: لا باسَ أن يقول: بعْ هذا الثَّوب، فما زاد على كذا وكذا، فهو لك))
وَصَله ابن أبي شَيْبة (٦/ ١٠٥) من طريق عطاء نحوه، وهذه أَجرُ سَمسَرة أيضاً، لكنَّها
مجهولة، ولذلك لم يُحِزْها الجمهور، وقالوا: إن باع له على ذلك فله أجر مثله، وحَمَلَ بعضهم

٣٢٧
باب ١٤ / ح ٢٢٧٤
كتاب الإجارة
إجازة ابن عبّاس على أنَّه أجراه مجرى المُقارِض(١)، وبذلك أجاب أحمد وإسحاق، ونقل
ابن التِّين: أنَّ بعضهم شَرَطَ في جوازه أن يعلم الناس ذلك الوقتَ أنَّ ثمن السِّلعة يُساوي
أكثر ممّا سَمّى له، وتعقَّبه بأنَّ الجهل بمقدار الأُجرة باقٍ.
قوله: ((وقال ابن سِيرِينَ: إذا قال: بعْهُ بكذا، فما كان من رِبح فلَك، أو بيني وبينك، فلا
بأس به)) وَصَله ابن أبي شَيْبة أيضاً (١٠٥/٦) من طريق يونس عنه، وهذا أشبه بصورة
المُقارِض من السِّمسار.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: المسلمونَ عند شروطهم)) هذا أحد الأحاديث التي لم يُوصِلها
المصنِّف في مكان آخر، وقد جاء من حديث عَمْرو بن عَوْف المزَني، فأخرجه إسحاق في
((مُسنَده)(٣) من طريق كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عن أبيه عن جدِّه، مرفوعاً،
بلفظه، وزاد: ((إلَّا شرطاً حَرَّمَ حلالاً أو أحَلَّ حراماً))(٣) وكَثيرُ بن عبد الله ضعيف عند
الأكثر، لكن البخاري ومن تَبِعَه كالتِّرمِذي وابن خُزَيمة يُقَوّونَ أمره.
وأمَّا حديث أبي هريرة فوَصَله أحمد (٨٧٨٤) وأبو داود (٣٥٩٤) والحاكم (٤٩/٢)
من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رَبَاح - وهو بموحَّدةٍ - عن أبي هريرة، بلفظه أيضاً،
دون زيادة كثير، فزاد بَدَلها: ((والصُّلح جائز بين المسلمين)) (٤)،/ وهذه الزيادة أخرجها ٤٥٢/٤
الدَّارَ قُطني (٢٨٩٠) والحاكم (٢/ ٥٠) من طريق أبي رافع عن أبي هريرة.
ولابن أبي شَيْبة (٥٦٨/٦) من طريق عطاء: بَلَغَنا أنَّ النبي ◌َ لَّه قال: ((المؤمنونَ عند
(١) المُقارِض: هو المُضارِب في لغة أهل الحجاز.
(٢) فات الحافظ أن يخرجه من الترمذي (١٣٥٢)، وقال عنه: حديث حسن صحيح.
(٣) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً الترمذي (١٣٥٢)، والطبراني ١٧/ (٣٠)، والدار قطني (٢٨٩٢)،
والحاكم ١٠١/٤، والبيهقي ٧٩/٦، وهو عند ابن ماجه برقم (٢٣٥٣)، لكن دون قوله: ((المسلمون
عند شروطهم)).
(٤) هذه الزيادة ثابتة عند الترمذي في حدیث کثیر بن عبد الله المزني. ثم إن أبا داود قد روی حديث أبي
هريرة متضمناً هاتين الزيادتين كلتيهما، واقتصر أحمدُ في روايته على قوله: ((الصلح جائز بين المسلمين)).

٣٢٨
باب ١٥ / ح ٢٢٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
شروطهم))، وللدَّارَ قُطني (٢٨٩٣) والحاكم (٤٩/٢- ٥٠) من حديث عائشة مثله، وزاد:
(«ما وافقَ الحقَّ)».
تنبيه: ظنَّ ابن التِّين أنَّ قوله: وقال النبي ◌ََّ: ((المسلمونَ على شروطهم)) بقية كلام ابن
سِيرِين، فَشَرَحَ على ذلك فوَهِم، وقد تعقَبه القُطْب الحَلَبي ومن تَبِعَه من علمائنا.
ثُمَّ أورَدَ المصنِّف حديث ابن عبّاس الماضي في البيوع (٢١٥٨)، والمراد منه: قوله في
تفسير المنع لبيعِ الحاضر للبادي: أن لا يكونَ له سِمْساراً. فإنَّ مفهومه أنَّه يجوز أن يكون
سِمساراً في بيع الحاضر للحاضر، ولكن شَرَطَ الجمهور أن تكون الأجرة معلومة.
وعن أبي حنيفة: إن دَفَعَ له ألفاً على أن يشتري بها بَزّاً بأُجرة عشرةٍ، فهو فاسد، فإن
اشترى، فله أُجْرةُ المثل ولا يجوز ما سَمّى من الأُجرة.
وعن أبي ثَوْر: إذا جعل له في كلّ ألف شيئاً معلوماً لم يَجُز، لأنَّ ذلك غير معلوم، فإن
عَمِلَ فله أجر مثله.
وحُجّة من مَنَعَ: أنَّها إجارة في أمرٍ لأَمَدٍ غير معلوم، وحُجّة من أجازَه: أنَّه إذا عيَّن له
الأُجرة، كَفى، ويكون من باب الجِعَالةِ، والله أعلم.
١٥ - باب هل يؤاجر الرجل نفسَه من مشركٍ في أرض الحرب؟
٢٢٧٥ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصِ، حدَّثنا أبي، حذَّثنا الأعمَشُ، عن مُسلِمٍ، عن مسروقٍ،
حدَّثَنَا خَبّابٌ ﴾، قال: كنتُ رجلاً قَيْناً فعَمِلتُ للعاصِ بنِ وائلٍ، فاجتَمَعَ لي عندَه، فأتيتُهُ
أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضِيكَ حتَّى تَكفُرَ بمحمَّدٍ، فقلتُ: أما والله حتَّى تموتَ، ثمَّ تُبعَثَ،
فلا، قال: وإنّ لَمِيِّتٌ، ثمَّ مَبعوثٌ؟ قلتُ: نعم، قال: فإنَّه سيكونُ لِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ، فأقضِيكَ.
فأنزلَ الله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِئَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْتَيَنَّ مَالَا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧].
قوله: ((باب هل يُؤاجر الرجل نفسه من مُشرِك في أرض الحرب» أورَدَ فیه حدیث خبّابٍ
- وهو إذ ذاكَ مسلم - في عمله للعاص بن وائل وهو مُشِرِك، وكان ذلك بمكّة وهي إذ
ذاكَ دارُ حَرب، والطَّلَعَ النبي ◌َّ على ذلك وأقرَّه، ولم يَجِزِمِ المصنِّف بالحكم لاحتمال أن

٣٢٩
باب ١٦
كتاب الإجارة
يكون الجواز مُقيَّداً بالضّرورة، أو أنَّ جواز ذلك كان قبل الإذن في قتال المشركين
ومُنابَذَتهم، وقبلَ الأمر بعَدَمِ إذلال المؤمن نفسه.
وقال المهلَّب: كَرهَ أهل العلم ذلك إلَّا لضَرُورةٍ بشرطَينِ: أحدهما: أن يكون عمله فيما
يَجِّ للمسلمِ فعله، والآخر: أن لا يُعينَه على ما يعود ضَرَره على المسلمين.
وقال ابن المنيِر: استقرَّت المذاهب على أنَّ الصُّنّاع في حَوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل
الذِّمّة، ولا يُعَدّ ذلك من الذِّلّة، بخلاف أن يَخْدِمَه في مَنزِله وبطريق التبعية له، والله أعلم.
وقد تقدَّم حديث خَبّابٍ في البيوع (٢٠٩١)، ويأتي بقية شرحه في تفسير سورة مريم
(٤٧٣٢).
١٦ - باب ما يُعطى في الرُّقْية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب
وقال ابنُ عبَّاسٍ، عن النبيِّ يَّ: ((أحقُّ ما أخذتُم عليه أجراً كتابُ الله)).
وقال الشَّعْبِيُّ: لا يشترِطُ المعلِّمُ، إلا أن يُعطَى شيئاً، فليَقبَلُه.
وقال الحكمُ: لم أسمع أحداً كَرِهَ أجرَ المعلِّم.
وأعطَى الحسنُ دراهمَ عَشَرَةً.
ولم يَرَ ابنُ سِيرِينَ بأجرِ القَسّام بأساً،/ وقال: كان يقال: السُّحْتُ: الرِّشوةُ في الحكم، وكانوا ٤٥٣/٤
يُعطَونَ على الخَرْص.
قوله: ((باب ما يُعطَى في الرُّقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب)) كذا ثبتت هذه الترجمةُ
للجميع، والأحياء، بالفتحِ: جمع حَيٍّ، والمراد به طائفة من العرب مخصوصة، قال
الهَمْداني(١) في ((الأنساب)): الشِّعب والحِيُّ بمعنى، وسُمّ الشِّعبَ لأنَّ القبيلة تَتَشَعَّب
منه. وقد اعتُرِضَ على المصنّف بأنَّ الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة ولا باختلاف
الأجناس، وتقييده في الترجمة بأحياءِ العرب يُشعِر بحَصْره فيه، ويُمكِن الجواب بأنَّه
ترجمَ بالواقعِ، ولم يتعرَّض لنفي غيره، وقد ترجمَ عليه في الطِّبِّ: ((الشُّروط في الرّقْية
(١) هو محمد بن موسى الحازمي، وكتابه اسمه ((عُجالة المبتدي وفضالة المنتهي)).

٣٣٠
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
بقطيعٍ من الغنم)) (١)، ولم يُقيِّده بشيءٍ، وترجمَ فيه أيضاً: ((الرُّقيا بفاتحة الكتاب))(٢)، والرُّقية
كلامٌ يُستَشفَى به من كلّ عارضٍ، أشار إلى ذلك ابن دَرَسْتويه، وسيأتي تحقيق ذلك في
كتاب الطِّبّ (٥٧٣٦) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال ابن عبّاس عن النبي ◌َِّ: أحقُّ ما أخذتُم عليه أجراً كتابُ الله)) هذا طرف
من حديث وَصَله المؤلِّف رحمه الله في الطِّبّ (٥٧٣٧).
واستُدِلَّ به للجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
وخالَفَ الحنفيَّةُ، فمَنَعوه في التعليم، وأجازوه في الرُّقى كالدَّواء، قالوا: لأنَّ تعليمَ
القرآن عبادة، والأجر فيه على الله، وهو القياسُ في الزُّقى إلّا أنَّهم أجازوه فيها لهذا الخبر،
وحَ بعضهم الأَجر في هذا الحديث على الثَّاب، وسِياقُ القصَّةِ التي في الحديث يأبى هذا
التأويل، واذَّعى بعضهم نَسخَه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم
القرآن، وقد رواها أبو داود وغيره(٣). وتُعقّب بأنّه إثبات للنّسخ بالاحتمال وهو مردود،
وبأنَّ الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنعِ على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال مُحْتَملة
٤٥٤/٤ للتأويل لِتُوافِقَ الأحاديث الصحيحة كحديثَي الباب، وبأنَّ الأحاديث/ المذكورة أيضاً
ليس فيها ما تقوم به الحُجّة، فلا تُعارِضُ الأحاديث الصحيحة، وسيكون لنا عودةٌ إلى
البحث في ذلك في كتاب النكاح في ((باب التزويج على تعليم القرآن))(٤).
(١) باب رقم (٣٤) من كتاب الطب، لكن من حديث ابن عباس.
(٢) باب رقم (٣٣) من كتاب الطب، من حديث أبي سعيد.
(٣) أخرج أحمد (٢٢٦٨٩)، وأبو داود (٣٤١٦)، وابن ماجه (٢١٥٧) من حديث عبادة بن الصامت، قال:
علّمتُ ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليّ رجلٌ منهم قوساً، فقلت: ليست بمال وأرمي
عنها في سبيل الله، لآتين رسول الله وسي﴿ فلأسألنه ... فقال: ((إن كنت تحب أن تطوَّق طوقاً من نار
فاقبلها)). وإسناده ضعيف، وله طريق آخر عن عبادة أخرجه أيضاً أحمد (٢٢٧٦٦) وأبو داود
(٣٤١٧)، وله شاهد من حديث أبي بن كعب عند ابن ماجه (٢١٥٨)، وآخر من حديث أبي الدرداء
عند البيهقي ١٢٦/٦، وجوّد إسناده ابنُ التركماني.
(٤) باب رقم (٥٠).

٣٣١
باب ١٦
كتاب الإجارة
قوله: ((وقال الشَّعْبي: لا يشترط الُعَلِّم، إلّا أن يعطى شيئاً، فليقبلُهُ. وقال الحكم: لم أسمع
أحداً كَرِه أجر المعَلِّم، وأَعطى الحسن دراهم عَشَرَةً)) أمَّا قول الشَّعْبي، فوَصَله ابن أبي شَيْبة
(٢٢١/٦) بلفظ: ((وإن أُعطي شيئا فليقبلْه))، وأمَّا قول الحكم، فَوَصَله البَغَوي في
((الجَعديات)) (١١٣٨) حدَّثنا عليّ بن الجَعد عن شُعْبة: سألت معاوية بن قُرَّة عن أَجرِ
المعَلِّم، فقال: أرى له أجراً، وسألت الحكم، فقال: ما سمعت فقيهاً يَكرَهُه.
وأمَّا قول الحسن، فوَصَله ابن سعد في ((الطَّبقات)) (١٧٥/٧ - ١٧٦) من طريق يحيى بن
سعيد بن أبي الحسن، قال: لمَّا حَذَقْتُ قلت لعَمّي: يا عمَّاه إنَّ المعَلِّم يريد شيئاً. قال: ما
كانوا يأخُذونَ شيئاً، ثمَّ قال: أعطِهِ خمسة دراهم، فلم أزل به حتَّى قال: أعطِه عشرة دراهم.
وروى ابن أبي شَيْبة (٢٢٢/٦) من طريق أُخرى عن الحسن، قال: لا بأسَ أن يأخُذ
على الكتابة أجراً، وكَرِهَ الشَّرْط.
قوله: ((ولم يَرَ ابن سِيرِين بأجر القَسّام بأساً، وقال: كان يقال: السُّحْتُ: الرّشوَة في الحكم))
أمَّا قوله في أُجرة القَسّام فاختلفَتِ الروايات عنه، فروى عبد بن حُميدٍ في ((تفسيره) (١) من
طريق يحيى بن عَتيق عن محمد، وهو ابن سِيرِين: أنَّه كان يَكرَه أُجور القَسّام، ويقول: كان
يقال: السُّحت الرِّشوة على الحكم، وأرى هذا حُكماً يُؤخَذ عليه الأُجرة.
وروى ابن أبي شَيْبة (٧/ ٤٠) من طريق قَتَادةَ قال: قلت(٢) لابن المسيّب: ما تَرى في
كَسْب القَسّام؟ فكَرِهَه. وكان الحسن يَكرَه كسبه. وقال ابن سِيرِين: إن لم يكن خبيثاً(٣)
فلا أدري ما هو؟
وجاءت عنه روايةٌ يُجمَع بها بين هذا الاختلاف، قال ابن سعد (٧/ ٢٠٢): حدَّثنا
عارٌ حدَّثنا حمّاد عن يحيى عن محمد، هو ابن سِيرِين: أنَّه كان يَكرَه أن يُشارِطِ القَسّامُ.
(١) وهو في التفسير من ((سنن سعيد بن منصور)) (٧٤٣).
(٢) الإسناد في ((المصنف)): قتادة عن يزيد الرشك عن القاسم، قال: قلت لسعيد بن المسيب ... إلخ، وأورده
في ((التغليق)» ٢٨٥/٣ كذلك، لكن ليس فيه: عن القاسم.
(٣) تحرف في (ع) و(س) إلى: حسنا.

٣٣٢
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وكأنَّه يَكرَه له أخذَ الأَجرة على سبيل المشارَطة، ولا يَكرَهها إذا كانت بغير اشتراطٍ، كما
تقدَّم عن الشَّعْبي.
وظَهَرَ بما أخرجه ابن أبي شَيْبة(١) أنَّ قول البخاري: وكان يقال: السُّحت الرِّشوة،
بقية كلام ابن سِيرِين، وأشار ابن سيرين بذلك إلى ما جاء عن عمر وعليّ وابن مسعود
وزيد بن ثابت من قولهم في تفسير السُّحت: إنَّه الرِّشوة في الحكم. أخرجه ابن جَرِیر
(٢٣٩/٦-٢٤١) بأسانيدِه عنهم، ورواه من وجه آخر مرفوعاً، ورجاله ثقات، ولكنَّه
مُرسَل، ولفظه: ((كلَّ لحم أنبَتَه السُّحْتُ فالنارُ أَولى به))، قيل: يا رسول الله، وما
السُّحت؟ قال: ((الرِّشوة في الحكم)).
تنبيه: القَسّام بفتح القاف فَعّال من القَسْم بفتح القاف، وهو القاسم، وشَرَحَه الکِرْماني
على أنَّه بضمِ القاف جمع قاسم.
والسُّحْت: بضمِّ السّين وسكون الحاء المهملتَينِ، وحُكي ضمُّ الحاء وهو شاذٍّ، وضَبَطَه
بعضُهم: بما يَلْزَم من أكله العارُ، فهو أعَمّ من الحرام.
والرَّشوة، بفتح الراء (٢) وقد تُكسَر وتُضمّ، وقيل: بالفتح المصدَر، وبالكسر الاسم.
قوله: ((وكانوا يُعطونَ على الخَرْص)) هو بفتح المعجَمة وسكون الراء ثمَّ صاد مُهمَلة:
هو الحَزْرُ وزناً ومعنَى، وقد تقدَّم تفسيره في البيوع(٣)، أي: كانوا يُعطونَ أُجرةَ الخارص،
وفي ذلك دلالة على جواز أُجرة القَسّام لاشتراكهما في أنَّ كلّ منهما يَفصِل التنازعُ بين
المتخاصمين، ولأنَّ الخَرْص يُقصَد للقِسْمة.
(١) كذا قال، وهوسبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأن الرواية التي تبيّن أن العبارة من قول ابن سيرين هي
رواية عبد بن حميد وسعيد بن منصور، لا رواية ابن أبي شيبة.
(٢) كذا قدَّم الحافظُ فتح الراء هنا، مع أنه قال في مقدمته: بكسر الراء وبضمها، ولم يذكر الفتح، واقتصر في
اليونينية على كسر الراء، وهو المشهور كما قال شارح ((القاموس)).
(٣) في باب (٨٤) تفسير العرايا.

٣٣٣
باب ١٦ / ح ٢٢٧٦
كتاب الإجارة
ومُناسَبة ذكر القَسّام والخارص للتَّرجمة الاشتراكُ في أنَّ جِنسهما وجنس تعليم القرآن
والرُّقية واحدٌ، ومن ثَمَّ كَره مالك أخذ الأجرة على عَقد الوثائق لكونها من فروض
الكِفايات، وكَرهَ أيضاً أُجرةَ القَسّام، وقيل: إنَّمَا كَرهَها لأنه كان يُرزَق من بيت المال، فكرهَ
له أن يأخذَ أُجرة أُخرى، وأشار سُحْنون إلى الجواز عند فسادٍ أُمور بيت المال.
وقال عبد الرزاق (١٤٥٣٥): أخبرنا مَعمَر عن قَتَادة: أحدَثَ الناس ثلاثة أشياء لم
يكن يُؤخَذ عليهِنَّ أجر: ضِراب الفَحل، وقِسْمَة الأموال، والتعليم. انتهى. وهذا مُرسَل،
وهو يُشعِر بأنَّهم كانوا قبل ذلك يَتَبَرَّ عونَ بها، فلمَّا فشا الشُّحَ طلبوا الأُجرة، فعُدَّ ذلك من
غير مكارم الأخلاق، فتُحمَل كراهة من كرهها على التنزيه، والله أعلم.
٢٢٧٦ - حدّثنا أبو النُّعمان، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بشٍ، عن أبي المتوكّلِ، عن أبي سعيد
◌َّ، قال: انطَلَقَ نَفَرٌّ من أصحاب النبيِّ ◌َّه فِي سَفرةٍ سافَروها، حتَّى نزلوا على حَيٍّ من أحیاءِ
العربِ، فاستَضافوهم، فأَبُوا أن يُضَيِّقوهم، فلُدِغَ سَيِّدُ ذلك الحيِّ، فسَعَوا له بكُلِّ شيءٍ لا
يَنفَعُهُ شيءٌ، فقال بعضُهم: لو أتيتُم هؤلاءِ الرَّهطَ الذينَ نزلوا لَعَلَّه أن يكونَ عندَ بعضِهم
شيءٌ، فأتوهم، فقالوا: يا أيُّها الرَّهطُ، إِنَّ سَيِّدَنا لُدِغَ وسَعَينا له بكُلِّ شيءٍ لا يَنفَعُه، فَهَل عندَ
أحدٍ منكُم من شيءٍ؟ فقال بعضُهم: نعم والله، إنّ لأرقي، ولكن والله لَقَد استَضَفناكُم، فلم
تُضَيِّفونا، فما أنا بِرَاقٍ لكم حتَّى تجعلوا لَنَا جُعْلاً، فصالَوهم على قَطِيعِ مِن الغنمِ، فانطَلَقَ
يَتْفُلُ عليهِ، ويَقرَأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، فكَأَنَّما نُشِطَ من عِقالٍ، فانطَلَقَ يمشي
وما به قَلَبةٌ، قال: فأوفَوهم جُعْلَهم الَّذي صالحوهم عليه، فقال بعضُهمُ: اقسِموا، فقال الَّذي
رَقَى: لا تَفعَلوا حتَّى نأتيَ النبيَّ وَّهِ، فَتَذْكُرَ له الَّذي كان، فَتَنظُرَ ما يأمرُنا، فقَدِموا على
رسولِ اللهِ وَّ﴿ فَذَكروا له، فقال: ((وما يُدرِيكَ أنَّهَا رُقيةٌ؟)) ثمّ قال: ((قد أصَبتُمُ، اقسِموا،
واضربوا لي معكم سهمً)) فضَحِكَ رسولُ الله ◌َل.
قال أبو عبد الله: وقال شُعْبةُ: حدَّثنا أبو بِشْرِ، سمعتُ أبا المتوكّل، بهذا.
[أطرافه في: ٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩]

٣٣٤
باب ١٦ / ح ٢٢٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن أبي بشر)) هو جعفر بن أبي وَحْشِيَّة،/ مشهور بكنيته أكثر من اسمه، كأبيه
اسمه إیاس، وهو مشهور بگنیته(١).
قوله: ((عن أبي المتوكّل)) هو الناجي، وقد ذكر المصنّف في آخر الباب تصريحَ أبي بشٍ
بالسَّمَاع منه، وتابع أبا عَوَانة على هذا الإسناد شُعْبةُ كما في آخر الباب، وهُشَيمٌ كما أخرجه
مسلم (٢٢٠١/ ٦٥) والنَّسائي (ك٧٤٩١) وخالَفَهم الأعمَش، فرواه عن جعفر بن أبي
وحشية عن أبي نضرة عن أبي سعيد، جعل بدل أبي المتوكّل أبا نَضرة. أخرجه التِّرمِذي
(٢٠٦٣) والنَّسائي (ك٧٤٩٠) وابن ماجَهْ (٢١٥٦) من طريقه، فأمَّا التِّرمِذي فقال: طريق
شُعْبة أصحّ من طريق الأعمش، وقال ابن ماجه: إنَّهَا الصواب، ورَجَّحَها الدَّارَ قُطني في
(العِلَل))، ولم يُرجِّح في ((السُّنن)) (٣٠٣٦) شيئاً، وكذا النَّسائي. والذي يَترجَّح في نقدي
أنَّ الطَّريقَين محفوظان، لاشتِمال طريق الأعمَش على زياداتٍ في الَّتْن ليست في رواية
شُعْبة ومن تابعه، فكأنَّه كان عند أبي بشر عن شیخَین، فحدَّثَ به تارة عن هذا وتارة عن
هذا، ولم يُصِب ابن العربي في دعواه أنَّ هذا الحديث مُضطرِب، فقد رواه عن أبي سعيد
أيضاً معبد بن سِيرِين كما سيأتي في فضائل القرآن (٥٠٠٧)، وسليمان بن قَتّة، وهو بفتح
القاف وتشديد المثنَّة، كما أخرجه أحمد (١١٤٧٢) والدَّارَ قُطني (٣٠٣٧)، وسأذكر ما في
روایاتهم من الفوائد.
قوله: ((انطَلَقَ نَفَر)) لم أقِفْ على اسم أحدٍ منهم سوی أبي سعيد، وليس في سياق هذه
الطَّريق ما يُشعِر بأنَّ السَّفَر كان في جهاد، لكن في رواية الأعمَش: أنَّ النبي ◌َّ بَعَثَهم،
وفي رواية سليمان بن قَتّة عند أحمد: بَعَثَنَا رسول الله بِّهِ بعثاً. زاد الدَّارَقُطني فيه: بَعَثَ
سَرِيَّةً عليها أبو سعيد، ولم أقف على تعيين هذه السَّريّة في شيءٍ من كتب المغازي، بل لم
يتعرَّض لِذِكْرها أحد منهم، وهي واردة عليهم، ولم أقِفْ على تعيين الحيّ الذين نزلوا
بهم، من أيّ القبائل هم.
(١) قوله: كأبيه ... إلى آخره، لم يرد في (أ) و(ع)، وأثبتناه من (س).
٤٥٥/٤

٣٣٥
باب ١٦ / ح ٢٢٧٦
كتاب الإجارة
قوله: ((فاستضافوهم)) أي: طلبوا منهم الضّيافة، وفي رواية الأعمَش عند غير (١) التِّرمِذي:
بَعَثَنا رسول الله ◌ِ ﴿ ثلاثين رجلاً فنزلنا بقومٍ ليلاً، فسألْناهم القِرَى. فأفادَتْ عَدَد السَّريّة
ووقت النزول، كما أفادت روايةُ الدَّارَ قُطني تعيين أمير السَّرية، والقِرى، بكسر القاف
مقصور: الضّيافة.
قوله: ((فأبَوْا أن يُضَيِّوهم)) بالتشديد للأكثر، وبكسر الضّاد المعجَمة مُحُفَّفاً.
قوله: ((فلُدِغَ)) بضمِّ اللَّام على البناء للمجهول، واللَّدْغُ، بالدّال المهمَلة والغَين
المعجَمة: هو اللَّسْعُ وزناً ومعنَى، وأمَّا اللَّذْعُ بالذّال المعجَمة والعين المهملة: فهو الإحراق
الخفيف. واللَّدْعُ المذكور في الحديث: هو ضرب ذات الحُمَةِ من حَيَّةٍ أو عَقرَب وغيرهما،
وأكثر ما يُستَعمَل في العَقرَب.
وقد أفادت رواية الأعمَش تعيين العَقرَب، وأمَّا ما وقع في رواية هُشَيمٍ عند النَّسائي:
أنَّه مُصاب في عقله أو لَديغ، فشٌَّ من هُشَيم، وقد رواه الباقونَ، فلم يَشُكّوا في أنَّه لَديغ،
ولا سيما تصريح الأعمَش بالعَقرَب، وكذلك ما سيأتي في فضائل القرآن (٥٠٠٧) من
طريق معبَد بن سِيرين عن أبي سعيد بلفظ: إنَّ سَيِّد الحيِّ سَلِيمٌ، وكذا في الطِّبّ (٥٧٣٧)
من حديث ابن عبّاس: إنَّ سَيِّد الحميّ سَليم(٢)، والسَّليم: هو اللَّديغ. نعم، وَقَعَت
للصحابة قصَّة أُخرى في رجل مُصابٍ بعقلِه فقرأ عليه بعضُهم فاتحةَ الكتاب فبرأً، أخرجه
أبو داود (٣٤٢٠) والتِّرمِذي(٣) والنَّسائي (ك٧٤٩٢) من طريق خارجةَ بن الصَّلتِ عن
عَمّه: أنَّه مَرَّ بقومٍ وعندهم رجل مجنون موثَق في الحديد، فقالوا: إنَّك جئت من عند هذا
الرجل بخيرٍ، فارْقٍ لنا هذا الرجل، الحديث. فالذي يَظهَر أنَّهما قِصَّتان، لكن الواقع في
قصّة أبي سعید أنَّه لَدیغ.
(١) لفظة ((غير)) سقطت من الأصلين، وأثبتناها على الصواب من (س)، لأن هذا اللفظ الذي ساقه الحافظ
ليس عند الترمذي، وإنما هو لفظ النسائي في ((الكبرى)) (٧٤٩٠).
(٢) لفظه في الطب: إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً.
(٣) لم نقف عليه في الترمذي، ولم يعزُه إليه صاحب ((التحفة)) (١١٠١١).

٣٣٦
باب ١٦ / ح ٢٢٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فسَعَوْا له بكلِّ شيء)) أي: ممَّا جَرَت به العادة أن يُتَداوى به من لَدْغة العقرب،
كذا للأكثر، من السَّعْي، أي: طلبوا له ما يُداويه، وللكُشْمِيهني: ((فَشَفَوْا)) بالمعجَمة والفاء،
وعليه شَرَح الخطَّابي، فقال: معناه: طلبوا الشِّفاء، تقول: شَفَى الله مريضي، أي: أبرأه،
وشَفَى له الطَّبِيبُ، أي: عالجه بما يَشفيه، أو وَصَفَ له ما فيه الشِّفاء؛ لكن ادَّعى ابن الِّين
أنَّها تصحيف.
قوله: ((لو أتيتُم هؤُلاءِ الرَّهطَ)) قال ابن التِّين: قال تارةً: نَفَراً، وتارةً: رَهْطاً، والنَّفَر: ما
بين العشرة والثلاثة، والرَّهط ما دون العشرة، وقيل: يَصِل إلى الأربعين، قلت: وهذا
الحدیث یدلّ له.
٤٥٦/٤ قوله: ((فأتوهم)) في رواية معبَد بن سِيرِين: أنَّ الذي جاء في هذه الرِّسالة جارية منهم،
فيُحمَل على أنَّه كان معها غيرها، زاد البَزَّار(١) في حديث جابر: فقالوا لهم: قد بَلَغَنا أنَّ
صاحبكُم جاء بالنّور والشِّفاء، قالوا: نعم.
قوله: ((وسَعَينا)) في رواية الكُشْمِيهني: ((وشَفَينا)) بالمعجَمة والفاء، وقد تقدَّم ما فيها.
قوله: «فهل عند أحد منکم من شيء؟)) زاد أبو داود في روايته (٣٤١٨) من هذا الوجه:
يَنفَعُ صاحبنا.
قوله: ((فقال بعضهم)) في رواية أبي داود: فقال رجل من القوم: نعم والله، إنّ لَأرْقِي،
بكسر القاف، وبيَّن الأعمَش أنَّ الذي قال ذلك هو أبو سعيد راوي الخبر، ولفظه: قلت:
نعم أنا، ولكن لا أَرقيه حتَّى تُعطونا غنماً. فأفاد بيان جِنس الجُعل، وهو بضمِّ الجيم
وسكون المهمَلة: ما يُعطى على عمل.
وقد استُشكِلَ كونُ الراقي هو أبو سعيد راوي الخبر معَ ما وقع في رواية معبد بن
سِيرين: فقامَ معها رجل ما كنّا نَظُنّه يُحسِن رُقيةً، أخرجه مسلم (٦٦/٢٢٠١)، وسيأتي
للمصنِّف في فضائل القرآن (٥٠٠٧) بلفظٍ آخر وفيه: فلمَّا رَجَعَ، قلنا له: أكنت تُحسِن
(١) أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٩٥/٤-٩٦، وقال: فيه عمر بن إسماعيل بن مجالد، وهو كذاب متروك.

٣٣٧
باب ١٦ / ح ٢٢٧٦
كتاب الإجارة
رُقيةً؟ ففي ذلك إشعار بأنَّه غيرُه، والجواب أنَّه لا مانع من أن يَكْنِي الرجلُ عن نفسه،
فلعلَّ أبا سعيد صَرَّحَ تارة وكَنَى أُخرى.
ولم يَنْفَرِدِ الأعمَش بتعيينِهِ، وقد وقع أيضاً في رواية سليمان بن قَتّة بلفظ: فأتيتُهُ فَرَقَيْته
بفاتحة الكتاب، وفي حديث جابر عند البَزَّار: فقال رجل من الأنصار: أنا أرقيه، وهو ممّا
يُقوِّي رواية الأعمَش، فإنَّ أبا سعيد أنصاري. وأمَّا حَمْلُ بعض الشارحين ذلك على تعدُّد
القصّة، وأنَّ أبا سعيد روى قِصَّتَينِ، كان في إحداهما راقياً، وفي الأُخرى كان الراقي غيرَه
فبعيد جدّاً، ولا سيما مع اتّحادِ المخرَج والسِّياق والسبب، ويكفي في رَدّ ذلك أنَّ الأصل
عَدَمِ التعدُّد، ولا حامل عليه، فإنَّ الجمع بين الروایتین مُمكِنٌ بدونه، وهذا بخلاف ما
قدَّمتُه من حديث خارجة بن الصَّلْت عن عَمّه، فإنَّ السِّياقَين مُخْتَلِفان، وكذا السَّبب، فكان
الحَمْل على التعدُّد فيه قريباً.
قوله: ((فصالحوهم)) أي: وافَقوهم.
قوله: ((على قطيع من الغنم)) قال ابن التِّين: القطيع: هو الطائفة من الغنم. وتُعُقِّبَ بأنَّ
القطيع هو الشيء المُقتَطَع من غَنَمِ كان أو غيرِها، وقد صَرَّحَ بذلك ابن قُرْقُول وغيرُه،
وزاد بعضُهم: أنَّ الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين، ووقع في رواية الأعمَش:
فقالوا: إنّا نُعطِیگُم ثلاثین شاةً، و کذا ثبت ذكرُ عَدَد الشّياه في روایة معبد بن سِیرین، وهو
مُناسب لعَدَد السَّرية كما تقدَّم في أوَّل الحديث، وكأنَّهم اعتَبَرُوا عَدَدهم فجعلوا الجُعْل
بإزائه.
قوله: ((فانطَلَقَ يَتَفُل)) بضمِّ الفاء وبكسرها: وهو نَفخٌ معه قليلُ بُزاقٍ، وقد تقدَّم
البحث فيه في أوائل كتاب الصلاة(١).
قال ابن أبي جَمْرة: مَحَلّ التَّفل في الرُّقية يكون بعد القراءةِ لتحصيل بَرَكة القراءة في
الجوارح التي يَمُرّ عليها الرّيق، فتَحصُلِ البَرَكة في الرّيق الذي يَتْفُلُه.
(١) عند شرح الحديث السالف برقم (٤١٥)، حيث فرَّق بين التّفْل والنفْث والبُزاق.

٣٣٨
باب ١٦ / ح ٢٢٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ويَقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾)) في رواية شُعْبة(١): فجعل يَقرَأُ عليه
بفاتحة الكتاب، وكذا في حديث جابر، وفي رواية الأعمش: فقرأت عليه: ((الحمد)).
ويُستَفاد منه تسمية الفاتحة: الحمد، والحمد لله رَبّ العالمين. ولم يَذكُر في هذه الطَّريق
عَدَدَ ما قرأ الفاتحة، لكنَّه بيَّنه في روایة الأعمش، وأنَّ سُ مَرّات، ووقع في حديث جابر:
ثلاث مَرّات، والحكمُ للزائد.
قوله: ((فكأنّما نُشِطَ)) كذا للجميع بضمِّ النّون وكسر المعجَمة من الثَّلاثي، قال الخطَّابي:
وهو لغة، والمشهور: نَشَطَ إذا عَقَدَ، وأَنْشَطَ إذا حَلّ، وأصله: الأُنشوطة، بضمِّ الهمزة
والمعجَمة بينهما نون ساكنة، وهي الحَبْل، وقال ابن التِّين: حكى بعضهم: أنَّ معنى أُنشِط:
حُلَّ، ومعنى نُشِط: أُقيم بسُرعةٍ، ومنه قولهم: رجل نَشيط. ويُحتَمل أن يكون معنى نُشِطَ:
نُزِعَ(٢)، ولو قُرِئَ بالتشديد لكان له وجه، أي: حُلَّ شيئاً فشيئاً.
قوله: ((من عِقالٍ)) بكسر المهمَلة بعدها قاف: هو الحبل الذي يُشدّ به ذِراع البَهيمة.
قوله: ((وما به قَلَبَةٌ)) بحركات، أي: عِلّة، وقيل للعِلّة: قَلَبة، لأنَّ الذي تُصيبه يُقلَب من
جَنْب إلى جَنب ليُعلم موضع الدّاء، قاله ابن الأعرابي، ومنه قول الشاعر(٣):
وقد بَرِئتُ فما في الصَّدر مِن قَلَبَهْ
٤٥٧/٤
وفي نُسخة الدِّمياطي بخَطِّهِ: قال ابن الأعرابي: القَلَبة: داء مأخوذ من القُلاب، يأخُذ
البعیرَ، فيُؤلِمُه قَلْبُه، فیموت من يومه.
قوله: ((فقال بعضهم: اقسِمُوا)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((فقال الذي رَفَى)) بفتح القاف، وفي رواية الأعمَش: فلمَّا قَبَضْنا الغنم عَرَضَ في
أنفُسنا منها شيء، وفي رواية معبَد بن سِيرِين: فأمَرَ لنا بثلاثين شاة، وسَقَانا لبناً، وفي رواية
(١) الآتية في الطب برقم (٥٧٣٦)، لكن بلفظ: فجعل يقرأ بأم القرآن.
(٢) تحرف في (س) إلى: فزع.
(٣) هو النَّمِر بن تَوْلَب، وهذا المذكور هو عجز بيت، صدرُه: أودَى الشبابُ وحُبُّ الخالَةِ الخَلِيَهْ. انظر
((أساس البلاغة)) للزمخشري، و((لسان العرب)) مادة (قلب).

٣٣٩
باب ١٦ / ح ٢٢٧٦
كتاب الإجارة
سليمان بن قَتّة (١): فبُعِثَ إلينا بالشِّياه والنُّزُل، فأكَلْنا الطَّعام، وأبَوْا أن يأكلوا الغنم حتَّى
أتينا المدينة، وبيَّن في هذه الرواية أنَّ الذي مَنَعَهم من تَناوُلها هو الراقي، وأمَّا في باقي
الروايات فأبهَمَه.
قوله: ((فتَنطُرُ ما يأمرنا)) أي: فنشَبِعِه، ولم يريدوا أنَّهم يَتَخيّرون في ذلك.
قوله: ((وما يُدريك أنَّهَا رُقْية؟)) قال الدَّاوودي: معناه: وما أدراك، وقد رُوي كذلك،
ولعلَّه هو المحفوظ، لأنَّ ابن عُيَينةَ قال: إذا قال: وما يُدريك، فلم يُعلِم، وإذا قال: وما
أدراك فقد أَعْلَم.
وتعقّبه ابن التِّين: بأنَّ ابن عُيَينَةَ إِنَّما قال ذلك فيما وقع في القرآن كما تقدَّم في أواخر
الصيام(٣)، وإلّا فلا فرق بينهما في اللُّغة، أي: في نفي الدِّراية، وقد وقع في رواية هُشَيمٍ:
((وما أدراك)»، ونحوه في رواية الأعمش، وفي رواية معبد بن سیرِین: ((وما كان يُدریه))،
وهي كلمة تُقال عند التعَجُّب من الشيء، وتُستَعمَل في تَعظيم الشيء أيضاً، وهو لائق هنا.
زاد شُعْبة في روايته: ولم يذكُر منه تَهياً، أي: من النبي ◌َّ عن ذلك، وزاد سليمان بن
قَتّة في روايته بعد قوله: ((وما يُدريك أنَّها رُقْية)): قلت: أُلقيَ في رُوعي، وللدَّارَقُطني من
هذا الوجه (٣): فقلت: يا رسول الله، شيء أُلقي في رُوعي، وهو ظاهر في أنَّه لم يكن عنده
عِلمٌ مُتُقدِّم بمشروعية الرَّقْي بالفاتحة، ولهذا قال له أصحابه لمَّا رَجَعَ: ما كنت تُحسِن
رُقیةً، كما وقع في رواية مَعبَد بن ◌ِیرِینَ.
قوله: (ثمّ قال: قد أصَبتُم)) يحتمل أن يكون صَوَّبَ فعلهم في الرَّقْية، ويُحْتَمل أنَّ ذلك في
توَقُّفهم عن التصرُّف في الجُعْلِ حَتَّى استأذَنوه، ويحتمل أعَمّ من ذلك.
(١) هذه الرواية التي ساقها الحافظ لسليمان بن قتة هي رواية الدارقطني دون أحمد، لكن جاء في مطبوع
((الدار قطني)): بالشاء، وكلاهما صحيح جائز في جمع الشاة.
(٢) في باب (١) فضل ليلة القدر، من كتاب فضل ليلة القدر.
(٣) يعني من رواية سليمان بن قتة نفسها.

٣٤٠
باب ١٦ / ح ٢٢٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((واضربوا لي معكم سهمًا)) أي: اجعلوا لي منه نصيباً، وكأنّه أراد المبالَغة في
تأنيسهم كما وقع له في قصَّة الحمار الوحشي وغير ذلك(١).
قوله: ((وقال شُعْبة: حدَّثنا أبو بشر، سمعت أبا المتوكّل)) هذه الطَّريق بهذه الصيغة
وَصَلها التِّرمِذي (٢٠٦٤)، وقد أخرجه المصنّف في الطِّبّ (٥٧٣٦) من طريق شُعْبة، لكن
بالعَنْعَنة، وهذا هو السِّ في عَزوه إلى التِّرمِذي مع كونه في البخاري، وغَفَلَ بعض الشُّرّاح
عن ذلك، فعابَ على من نَسَبَه إلى التِّرمِذي.
وفي الحديث جواز الرُّقية بكتاب الله، ويلتَحِقِ به ما كان بالذِّكرِ والدُّعاء المأثورِ، وكذا
غير المأثور ممّا لا يُخالف ما في المأثور، وأمَّا الرَّقْي بما سوى ذلك فليس في الحديث ما يُشِته
ولا ما يَنِفِيه، وسيأتي حُكم ذلك مبسوطاً في كتاب الطِّبّ.
وفيه مشروعية الضّيافة على أهل البَوَادي، والنزول على مياه العرب، وطلب ما
عندهم على سبيل القِرى أو الشِّراء.
وفيه مُقابلة من امتَنَعَ من المكرُمة بنظير صنيعه، لمَا صَنَعَه الصحابي من الامتناع من
الرُّقية في مُقابلة امتناع أولئكَ من ضيافَتهم، وهذه طريق موسى عليه السلام في قوله تعالى:
﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] ولم يَعتَذِرِ الحَضِر عن ذلك إلَّا بأمرٍ خارجيٍّ.
وفيه إمضاء ما يَلتَزِمه المرء على نفسه، لأنَّ أبا سعيد التَزَمَ أن يَرقِيَ وأن يكون الجُعْل له
ولأصحابه، وأمَرَه النبي ◌َّ بالوَفاء بذلك.
وفيه الاشتراك في الموهوب إذا كان أصلُه معلوماً، وجواز طلب الهدية ممَّن تُعلم
رغبته في ذلك وإجابته إلیه.
وفيه جواز قَبض الشيء الذي ظاهره الحِلّ، وتركُ التصرُّف فيه إذا عَرَضَت فيه شُبهة.
وفيه الاجتهاد عند فقْد النصّ، وعَظَمة القرآن في صُدور الصحابة خصوصاً الفاتحةَ.
(١) انظر شرح الحديث السالف برقم (١٨٢٤).