Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ١٠٨ / ح ٢٢٢٨
كتاب البيوع
قوله: ((بابُ أمر النبي ◌َّ اليهودَ ببيعِ أَرَضِيهم)» كذا في رواية أبي ذرِّ، بفتح الراءِ وكسر
الضّاد المعجَمة: جمعُ أرضٍ، وهو جمعٌ شاذٌّ، لأنه جُمعَ جمعَ السلامة، ولم يبقَ مُفرَدُه سالماً،
لأنَّ الراءَ في المفرَد ساكنةٌ وفي الجمع مُرَّكةٌ.
قوله: ((حين أجلاهم)) أي: من المدينة.
قوله: (فيه المقبري، عن أبي هريرة)) يشيرُ إلى ما أخرجه في الجهاد في («باب إخراج اليهود
من جزيرة العربِ)) (٣١٦٧) من طريق سعيد المقبري [عن أبيه](١) عن أبي هريرة، قال:
بينما نحنُ في المسجد إذ خرج علينا النبي ◌َّة، فقال: ((انطَلِقوا إلى اليهود)) وفيه: فقال: ((إنّ
أُرِيدَ أن أُجليَكم، فمن يَجِدْ منُم بماله شيئاً فليَِعه))، وهذه القصَّةُ وَقَعَت لبني النَّضير كما ٤١٩/٤
سيأتي بيانُ ذلك في موضعِه، وكأنَّ المصنِّفَ أخذَ بيعَ الأرضِ من عموم بيع المال، وقد تقدَّم
في أبواب الخيار في قصَّة عثمانَ وابن عمرَ (٢١١٦) إطلاقُ المال على الأرض.
وغَفَلَ الكِرْماني عن الإشارة إلى هذا الحديث، فقال: إنَّما ذكر البخاري هذا الحديثَ
بهذه الصيغة مُقْتَضَباً لكونِه لم يَتْبُت الحديثُ المذكورُ على شرطِه. والصوابُ أنَّه اكتَفَى هنا
بالإشارة إليه لاتِّحاد مَخَرَجِه عنده، ففَرَّ من تكرار الحديث على صورته بغیر فائدةٍ زائدةٍ، كما
هو الغالبُ من عادته.
١٠٨ - باب بيع العبيد والحيوان بالحيوان نسيئةً
واشترَى ابنُ عمَ راحلةً بأربعةِ أبعِرةٍ مضمونةً عليه، يُوفِيها صاحبَها بِالرَّبَذة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: قد يكونُ البعيرُ خيراً مِن البعيرَين.
واشترَى رافعُ بنُ خَدِيجِ بعيراً ببعيرَينٍ، فأعطاه أحدَهما، وقال: آتِيكَ بالآخَرِ غَداً رَهْواً
إن شاء الله.
(١) ما بين معقوفين زيادة لم ترد في الأصلين و(س)، والصواب إثباتها، لأن روايات البخاري في هذا الموضع
لم تختلف في أن الرواية: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وإن كان سعيد يروي عن أبي هريرة مباشرة.

٢٦٢
باب ١٠٨ / ح ٢٢٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابنُ المسيّبِ: لا ربا في الحيوان: البعيرُ بالبعيرَينِ، والشّاةُ بالشّاتَينِ إلى أَجَلٍ.
وقال ابنُ سِيرِينَ: لا بأسَ بَعِيرٌ ببعيرَين، ودِرهمٌ بِدِرْهَمِ نَسِيئً.
٢٢٢٨ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زیدٍ، عن ثابتٍ، عن أنس ﴾، قال: كان
فِي السَّبْ صَفِيَّةُ، فصارَت إلى دِحيةَ الكلِيِّ، ثمَّ صارَت إلى النبيِّ ◌ِلّ.
قوله: ((بابُ بيعِ العبد والحيوان بالحيوان نَسيئةً)) التقديرُ: بيعُ العبد بالعبد نَسيئةً،
والحيوانُ بالحيوان نَسيئةً، وهو من عطفِ العامِّ على الخاصّ، وكأنَّه أراد بالعبد جِنسَ من
يُستَعَبَدُ، فيَدخُلُ فيه الذَّكَرُ والأُنثى، ولذلك ذكر قصَّةَ صَفيَّة، أو أشار إلى إلحاق حُكمٍ
الذَّكَر بحُكم الأنثى في ذلك لعَدَمِ الفرق.
قال ابن بطَّالٍ: اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهورُ إلى الجواز، لكن شَرَطَ مالكٌ أن
يختلفَ الجِنِس، ومَنَعَ الكوفيون وأحمد مُطلَقاً، لحديث سَمُرةَ المخرَّج في السُّننِ(١)، ورجالُه
ثقاتٌ، إلَّا أنَّه اختُلِفَ في سماع الحسن من سَمُرة، وفي الباب عن ابن عبّاسٍ عند البَزَّار
والطَّحاوي (٦٠/٤) ورجاله ثِقاتٌ أيضاً، إلّا أنَّه اختُلِفَ في وصِلِه وإرساله، فرَجَّحَ
البخاري وغيرُ واحدٍ إرساله (٢)، وعن جابر عند التِّرمِذي (١٢٣٨) وغيره(٣)، وإسنادُه ليٌِّ،
وعن جابر بن سَمُرةً عند عبد الله في زيادات ((المسنَد)) (٢٠٩٤٢)، وعن ابن عمرَ عند
الطَّحاوي (٦٠/٤) والطبراني(٤).
واحتُجَّ للجُمهور بحديث عبد الله بن عَمرِو: أنَّ النبيِ نَّهِ أَمَرَه أن يُجِهِّزَ جيشاً، وفيه:
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٥٦) وابن ماجه (٢٢٧٠)، والترمذي (١٢٣٧)، والنسائي (٤٦٢٠).
(٢) لكن قال البزار فيما نقله عنه ابن دقيق العيد في ((الإلمام)) (٩٧٢): ليس في الباب أجلُّ إسناداً من هذا. قال
ابن دقيق العيد: قلت: وقد عُلل بالإرسال، إلا أن الذي أسنده ثقة. وكذلك رجَّح الموصولَ ابنُ
التركماني في «الجوهر النقي)) ٢٨٨/٥-٢٨٩، وانظره لزاماً.
(٣) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٢٢٧١).
(٤) لم نقف عليه في المطبوع من ((المعجم الكبير))، وقد عزاه إليه أيضاً الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٠٥/٤.

٢٦٣
باب ١٠٨ / ح ٢٢٢٨
كتاب البيوع
فابتاع البعيرَ بالبعيرَين بأمر رسول الله وَ له. أخرجه الدَّارَ قُطْني (٣٠٥٢) وغيرُهُ(١) وإسنادُه
قوي، واحتَجَّ البخاري هنا بقصَّة صَفيَّةَ، واستَشهَدَ بآثار الصحابة.
قوله: ((واشترى ابن عمرَ راحلةً بأربعة أَبْعِرة ... )) الحديث. وصله مالكٌ (٦٥٢/٢)
والشافعي (٣٧/٣) عنه عن نافع عن ابن عمرَ، بهذا، ورواه ابن أبي شَيْبةَ (١١٢/٦ -١١٣)
من طريق أبي بِشِرِ عن نافع: أنَّ ابن عمرَ اشترى ناقةً بأربعة أبعِرةٍ بالرَّبَذة، فقال لصاحبٍ
الناقة: اذهَب فانظُر، فإن رَضيتَ فقد وَجَبَ البيع (٢).
وقوله: ((راحلةً)) أي: ما أمكنَ رُكوبُه من الإبل ذكراً أو أُنثى.
وقوله: ((مضمونةً)) صفةُ راحلةٍ، أي: تكونُ في ضمان البائع حتَّى يوفِّيَها، أي: يُسلِّمَها
للمشتري.
و ((الرَّبَذةُ)) بفتح الراءِ والموخَّدة والمعجَمة: مكانٌ معروفٌ بين مكّةَ والمدينة.
قوله: ((وقال ابن عبّاسٍ: قد يكون البعيرُ خيراً من البعيرَينِ)) وَصَله الشافعي (١١٩/٣)
من طريق طاووس: أنَّ ابن عبّاسٍ سُئِلَ عن بعيرٍ ببعيرَين، فقاله.
قوله: ((واشترى رافعُ بنُ خديج بعيراً ببعيرَينٍ، / فأعطاه أحدَهما، وقال: آتيك بالآخر غَداً ٤٢٠/٤
رَهْواً إن شاء الله)) وصَلَه عبدُ الرزاق (١٤١٤١) من طريق مُطرِّفٍ بن عبد الله عنه.
وقوله: ((رَهْواً) بفتح الراءِ وسكون الهاءِ، أي: سهلاً، والرّهْوُ: السَّيرُ السَّهل، والمرادُ به
هنا: أن يأتيه به سَريعاً من غير مَطْلٍ.
قوله: ((وقال ابن المسيّبِ: لا ربا في الحيوان، البعيرُ بالبعيرَينِ والشاةُ بالشاتَينِ إلى أجَلِ)) أمَّا
(١) جاء هذا الحديث أيضاً عند أبي داود (٣٣٥٧)، لكن بإسناد آخر وقع فيه ضعف واضطراب كما أوضحناه
في («المسند» (٦٥٩٣). واقتصر الحافظ على أصح طرقه.
(٢) لكن يخالفه ما رواه عبد الرزاق (١٤١٤٠) عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه: أنه سأل ابن عمر عن
بعير ببعيرين نَظِرةً، فقال: لا، وكرهه. ونحوه ما رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١١٥ عن ابن أبي زائدة، عن ابن
عون، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر. وهذان الإسنادان صحيحان، قال الحافظ في ((التلخيص))
٣٣/٣: يمكن الجمعُ بأنه كان يرى فيه الجوازَ وإن كان مكروهاً على التنزيه لا على التحريم.

٢٦٤
باب ١٠٩ / ح ٢٢٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
قولُ سعيدٍ فَوَصَله مالكٌ (٦٥٤/٢) عن ابن شهابٍ عنه: لا رباً في الحيوان، ووَصَله ابن
أبي شَيْبةَ (٦/ ١١٤) من طريقٍ أُخرى عن الزُّهْري، عنه: لا بأسَ بالبعير بالبعيرَين نَسيئةً.
قوله: ((وقال ابن سِيرِينَ: لا بأسَ بَعِيرٌ ببعيرَينٍ، ودرهمٌّ بدرهمٍ نَسيئةً)) كذا في مُعظَمٍ
الروايات، ووقع في بعضها: ودرهم بدرهمين نَسيئةً، وهو خطأً، والصوابُ: درهم بدرهمٍ،
وقد وَصَله عبدُ الرزاق (١٤١٤٦) من طريق أيوبَ عنه، بلفظ: لا بأسَ بعيرٌ ببعيرَينٍ،
ودرهمٌ بدرهمِ نَسيئةً، فإن كان أحدُ البعيرَين نَسيئةً، فهو مكروهٌ، وروى سعيدُ بنُ منصورٍ
من طريق يونسَ عنه: أنَّه كان لا يرى بأساً بالحيوان بالحيوان يداً بيدٍ، والدَّراهمِ نَسيئةً،
ويُكرَه أن تكون الدَّراهم نقداً والحيوانُ نَسيئةً.
قوله: ((كان في السَّبْي صَفيَّةُ، فصارت إلى دِحِيةً، ثمَّ صارت إلى النبي وَّ) كذا أورَدَه
مُختصَراً، وأشار بذلك إلى ما وقع في بعضِ طرقه ممّا يُناسبُ ترجمْتَه: أنَّه وَلَ عَوَّضَ دِحيةً
عنها بسبعة أرؤُسٍ، وهو عند مسلمٍ (١٤٢٧ / ٨٧) من طريق حَمَّاد عن ثابتٍ عن أنس،
وللمصنّف من وجهٍ آخرَ كما سيأتي(١): فقال لِدِحْيةَ: ((خُذ جاريةً من السَّبْي غيرَها)).
قال ابن بطَّالٍ: يُنَزَّلُ تَبديلُها بجاريةٍ غير مُعيَّنَةٍ يختارُها مَنزِلَةَ بيع جاريةٍ بجاريةٍ نَسيئةً،
وسيأتي الكلامُ على قصَّة صَفيَّةَ هذه مُستوفَّى في غزوة خيبرَ (٤٢٠٠) إن شاء الله تعالى.
١٠٩ - باب بيع الرّقیق
٢٢٢٩ - حدَّثَنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني ابنُ مُحَيِيزٍ، أنَّ أبا
سعيدٍ الْخُذْريَّ ◌َّه أخبره: أنَّه بينَما هو جالسٌ عندَ النبيِّ وَِّ قال: يا رسولَ الله، إنّا نُصِيبُ
سَبْياً، فنُحِبُّ الأثمانَ، فكيفَ تَرَى في العَزْلِ؟ فقال: «أوَإِنَّكُمْ تَفْعَلونَ ذلك؟ لا عليكُم أن لا
تَفْعَلوا ذلكم، فإنَّها ليست نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ أَن تَخْرُجَ إلا وهي خارجٌ».
[أطرافه في: ٢٥٤٢، ٤١٣٨، ٥٢١٠، ٦٦٠٣، ٧٤٠٩]
قوله: ((بابُ بيعِ الرَّقيقِ)) أورَدَ فيه حديثَ أبي سعيدٍ أنَّه قال: يا رسولَ الله، إنّا نُصيبُ
(١) بل تقدم برقم (٣٧١).

٢٦٥
باب ١١٠ / ح ٢٢٣٠
كتاب البيوع
سَبايا، فنُحِبُّ الأثمانَ ... الحديثَ، ودلالته على الترجمة واضحةٌ، وسيأتي الكلامُ عليه في
كتاب النكاح (٥٢١٠) إن شاء الله تعالى.
وقوله في هذا السِّياق: أنَّه بينما هو جالسٌٌ عند النبيِ ◌ِّ قال: يا رسولَ الله، إنّا نُصيبُ
سبيا) يُوهِم أنَّه السائل، وليس كذلك، بل وقع في السِّياق حذفٌ ظَهَرَ بيانُه ممّا ساقه النَّسائي
(ك٥٠٢٤) عن عمرو بن منصورٍ عن أبي اليَمَان شيخ البخاري فيه بلفظ: بينما هو جالس
عند النبي ◌َّه جاء رجلٌ من الأنصار، فقال، فذكره، وسيأتي البحثُ في ذلك (٦٦٠٣)(١).
١١٠ - باب بیع المدبّر
٢٢٣٠ - حدَّثنا ابنُ نُمَير، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ، عن عطاءٍ،
عن جابرٍ خُ، قال: باعَ النبيُّ وَِّالمَدَبَّرَ.
قوله: ((بابُ بيعِ المديَّرِ)) أي: الذي عَلَّقَ مالكُه عِثْقَه بموتِ مالكِهِ، سُمّ بذلك لأنَّ ٤٢١/٤
الموتَ دُبُر الحياة، أو لأنَّ فاعله دَبَّرَ أمرَ دُنياه وآخرَتِهِ، أمَّا دُنياه فباستمراره على الانتفاع
بخدمة عبده، وأمَّا آخرَتُه فيتحصيل ثَواب العِتق، وهو راجعٌ إلى الأوَّل، لأنَّ تدبيرَ الأمر
مأخوذٌ من النَّظَر في العاقبة، فَيَرجِعُ إلى دُبُر الأمر، وهو آخرُه.
وقد أعاد المصنّفُ هذه الترجمةَ في كتاب العِتق (٢٥٣٤)، وضُرِبَ عليها في نسخة
الصَّغَاني، وصارت أحاديثُها داخلةً في بيع الرَّقیق، وتوجيهها واضح، وكذا هو في رواية
النَّسَفي.
وأورد المصنف فيه حديثين، كلّ منهما من طريقين:
الأول: حديث جابر في بيع المُدَبَّر.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي خالد، وعطاء: هو ابن أبي رباح، وفي الإسناد ثلاثة
من التابعين في نَسَق: إسماعيل وسَلَمة وعطاء، فإسماعيل وسَلَمةُ قرينان من صِغار التابعين،
وعطاء من أوساطهم.
(١) هذه الفِقْرة لم ترد في الأصلين، وهي في (س).

٢٦٦
باب ١١٠ / ح ٢٢٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باع النبي وَلِّ المدبَّر)) هكذا أورَدَه مُختصَراً، وأخرجه ابن ماجَهْ (٢٥١٢) من طريق
وکیع كذلك، وأخرجه أحمد (١٤٢١٦) عن وكيع كذلك، لكن زاد: عن سفيان وإسماعيل -
جميعاً - عن سَلَمة، وأخرجه الإسماعيلي(١) من طريق أبي بكر بن خَلَّادٍ عن وكيع، ولفظه:
في رجل اعتقَ غُلاماً له عن دُبر وعلیه دین، فباعه رسول الله ێ بثمان مئة درهم.
وقد أخرجه المصنِّ في الأحكام (٧١٨٦) عن ابن نُمَير شيخه فيه هنا، لكن قال: عن
محمد بن بشر، بدل وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، ولفظه: بَلَغَ النبيَّ وَّرَ أَنَّ رجلاً من
أصحابه أعتَقَ غُلاماً له عن دُبُر لم يكن له مال غيِّرُه، فباعه بثمان مئة درهم، ثمَّ أرسَلَ
بثمنِه إليه، وترجمَ عليه: ((بيع الإمام على الناس أموالهم))، وقال في الترجمة: وقد باع النبي
وَّهِ مُدَبَّراً من نُعيم بن النَّحّام، وأشار بذلك إلى ما أخرجه مسلم (٩٩٧) وأبو داود
(٣٩٥٧) والنَّسائي (٤٦٥٣) من طريق أيوب عن أبي الزُّبَير عن جابر: أنَّ رجلاً من
الأنصار، يقال له: أبو مذكور، أعتَقَ غُلاماً له يقال له: يعقوب، عن دُبُر لم يكن له مال
غيره، فَدَعا به رسول الله وَ ل﴿ فقال: من يشتريه؟ فاشتراه نُعيم بن عبد الله النَّحّام بثمان مئة
درهم، فدَفَعَها إليه، الحديث.
وقد تقدَّم في ((باب بيع المزايدة)) (٢١٤١) من وجه آخر عن عطاءٍ بلفظ: أن رجلاً أعتَقَ
غُلاماً له عن دُبُر فاحتاجَ، فأخذَه النبي ◌َّهِ، فقال: ((من يشتريه منِّي؟)) فاشتراه نُعيم بن
عبد الله. فأفاد في هذه الرواية سبب بيعه، وهو الاحتياج إلى ثمنه.
وفي رواية ابن خَلَّادٍ زيادة في تفسير الحاجة، وهو الدَّين، فقد ترجم له في الاستقراض
٤٢٢/٤ (٢٤٠٣): «من باع مالَ المفلِس فقَسَمَه بين الغُرَماءِ، أو أعطاه حتَّى يُنفِق على نفسه)»،/ وكأنَّه
أشار بالأوَّل إلى ما تقدَّم من رواية وكيع عند الإسماعيلي في قوله: ((وعليه دين))، وإلى ما
أخرجه النَّسائي (٥٤١٨) من طريق الأعمش عن سَلَمة بن كُهَيل بلفظ: أن رجلاً من
الأنصار أعتَقَ غُلاماً له عن دُبر، و کان محتاجاً، وكان علیه دین، فباعه رسول الله ێ بثمان
(١) وأخرجه بنحوه النسائي (٥٤١٨) من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل.

٢٦٧
باب ١١٠ / ح ٢٢٣٠
كتاب البيوع
مئة درهم، فأعطاه، وقال: ((اقضِ دَينك))، وبالثاني إلى ما أخرجه مسلم (٩٩٧) والنَّسائي
(٤٦٥٢) من طريق الليث عن أبي الزُّبَير عن جابر قال: أعتَقَ رجل من بني عُذرة عبداً له
عن دُبُر، فَبَلَغَ ذلك النبيَّ وََّ، فقال: ((ألَك مالٌ غيره؟)) فقال: لا ... الحديث، وفيه:
فِدَفَعَها إليه، ثمَّ قال: ((ابدأ بنفسِك، فَتَصَدَّقْ عليها)) الحديث.
وفي رواية أيوب المذكورة نحوه، ولفظه: ((إذا كان أحدكُم فقيراً، فليَبدَأ بنفسِه، فإن
کان فَضْلٌ فعلی عیاله)) الحديث.
فاتَّفَقَت هذه الروايات على أنَّ بيع المدبّر كان في حَياة الذي دَبَّرَه، إلَّا ما رواه شَرِيك
عن سَلَمة بن كُهَيل، بهذا الإسناد: أن رجلاً مات وتَرَكَ مُدَبَّراً ودَيناً، فأمَرَهم النبيِّ،
فباعه في دَينه بثمان مئة درهم. أخرجه الدَّارَقُطني (٤٢٦٦)(١)، ونقل عن شيخه أبي بكر
النَّيسابوري أنَّ شَريكاً أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمَش وغيره، عن سَلَمة وفيه:
ودَفَعَ ثمنه إليه، وفي رواية النَّسائي (ك٤٩٨٤) من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد:
ودَفَعَ ثمنه إلى مولاه.
قلت: وقد رواه أحمد (١٥١٩٦) عن أسوَد بن عامر عن شَريك بلفظ: أنَّ رجلاً دَبَّرَ
عبداً له وعليه دَين، فباعه النبي ◌َّه في دَين مولاه. وهذا شَبيه برواية الأعمَش، وليس فيه
للموتِ ذكر، وشَريك كان تَغيَّر حِفظُ لمَّا وليَ القضاء، وسماع مَن حَمَله عنه قبل ذلك
أصحّ، ومنهم أسودُ المذكور.
تنبيهات:
الأوَّل: اتَّفَقَت الطُّرق على أنَّ ثمنه ثمان مئة درهم، إلَّا ما أخرجه أبو داود (٣٩٥٥) من
طريق هُشَيم عن إسماعيل، قال: سبع مئةٍ أو تِسع مئةٍ.
الثاني: وجدت لو کیع في حديث الباب إسناداً آخر أخرجه ابن حبان(٢) (٤٩٢٩) من
(١) وهو في ((مسند أحمد)) (١٤٩٣٤).
(٢) تحرف في (س) إلی: ابن ماجه.

٢٦٨
باب ١١٠ / ح ٢٢٣١
فتح الباري بشرح البخاري
طريق أبي عبد الرحمن الأَذْرَمي، عنه عن أبي عَمْرو بن العلاء عن عطاء مثل لفظ حديث
الباب مُختصَراً.
الثالث: وقع في رواية الأوزاعي عن عطاء عند أبي داود (٣٩٥٦) زيادة في آخر الحديث
وهو: ((أنتَ أحقّ بثمنِه والله أغنى عنه)).
الطريق الثاني:
٢٢٣١ - حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، سمعَ جابرَ بنَ عبد الله رضي الله عنهما
يقول: باعَه رسولُ الله ◌ِّ.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، وفي روايةِ الحُميدي في «مُسنَده)) (١٢٢٢): حدَّثْنَا عَمْرو
ابن دینار.
قوله: ((باعه رسول الله وَ ل﴾)) هكذا أخرجه أيضاً مُختصَراً، ولم يَذكُر من يعود الضَّمیر علیه،
وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شَيْبة في «مُصَنَّه)) (١٤/ ١٥٣) عن سفيان فزاد في آخره: ((يعني
المدبّر))، وأخرجه مسلم (٥٩/١٦٦٨) عن إسحاق بن إبراهيم وأبي بكر بن أبي شَيْبة، جميعاً
عن سفيان، بلفظ: «بَّرَ رجل من الأنصار غُلاماً له لم يكن له مال غيره، فباعه رسول الله
وَلّهِ، فاشتراه ابن النَّحّام، عبداً قِبطيّاً مات عامَ أوَّل في إمارة ابن الزُّبَير، وهكذا أخرجه أحمد
(١٤٣١١) عن سفيان بتمامه نحوه، وقد أخرجه المصنّف في كَفّارات الأيمان (٦٧١٦) من
طريق حمّاد بن زيد عن عَمْرو، نحوه، ولم يقل: في إمارة ابن الزُّبَيرِ، ولا عيَّن الثَّمَن.
قال القُرطُبي وغيره: اتَّفَقوا على مشروعية التَّدبير، واتَّفَقوا على أنَّه من الثُّلُث، غيرَ
الليث وزُفَر، فإنَّهما قالا: من رأس المال، واختلفوا هل هو عَقد جائز، أو لازم؟ فمن قال:
لازم، مَنَعَ التصرُّف فيه إلَّ بالعِتق، ومن قال: جائز، أجاز، وبالأوَّل قال مالك والأوزاعي
والكوفيون، وبالثاني قال الشافعي وأهل الحديث، وحُجَّتهم حديث الباب، ولأنَّه تعليق
للعِتق بصفةٍ انفَرَدَ السَّيِّد بها، فيَتمكَّن من بيعه، كمن عَلَّقَ عِتقه بدخول الدّار مثلاً، ولأنَّ
من أوصى بعِثْق شخصٍ جازَ له بيعه باتِّفاق، فيَلحَق به جوازُ بيع المدبّر، لأنه في معنى
الوصية، وقَيَّدَ الليث الجواز بالحاجة، وإلَّ فيُكرَه، وأجاب الأوَّل: بأنَّها قضية عَينٍ لا

٢٦٩
باب ١١٠ / ح ٢٢٣٢ -٢٢٣٤
كتاب البيوع
عموم لها، فيُحمَل على بعض الصّوَر، وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دَين، وهو
مشهورُ قولِ (١) أحمد، والخلاف في مذهب مالك أيضاً.
وأجاب بعض المالكية عن الحديث بأنَّه ◌ِ لّهِ رَدَّ تصرُّف هذا الرجل لكونه لم يكن له مال
غيره، فيُستَدَلّ به على رَدّ تصرُّف من تَصَدَّقَ بجميع ماله، / وادَّعى بعضهم أنَّه وَ له إنَّما باع ٤٢٣/٤
خدمة المدبَّر لا رَقَبَته، واحتَجَّ بما رواه ابن فُضَيلٍ عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن
جابر، أنَّه ◌َ﴿ قال: ((لا بأس ببيع خدمة المدبَّر)»، أخرجه الدَّارَ قُطني (٤٢٦١) ورجال إسناده
ثقات، إلَّا أنَّه اختُلِفَ في وصله وإرساله، ولو صَحَّ لم يكن فيه حُجّة، إذ لا دليل فيه على أنَّ
البيع الذي وقع في قصَّة المدبَّر الذي اشتراه نُعيم بن النَّحّام كان في منفعَته دون رَقَبَته.
٢٢٣، ٢٢٣٣ - حدَّثني زهيرُ بنُ حَرْب، حدَّثنا يعقوبُ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، قال:
حدَّث ابنُ شِهابٍ، أنَّ عُبيد الله أخبَرَه، أنَّ زيدَ بنَ خالدٍ وأبا هريرةَ رضي الله عنهما أخبَرَاه،
أنَّمَا سمعا رسولَ الله وَلَّهِ يُسألُ عن الأمةِ تَزني ولم تُحصَنْ؟ قال: ((اجلِدُوها، ثمَّ إن زَنَتْ
فاجلِدوها، ثمَّ بيعوها» بعدَ الثالثةِ أو الرابعة.
٢٢٣٤ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبد الله، قال: أخبرني اللَّيثُ، عن سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي
هريرةَ عُ، قال: سمعتُ النبيَّ وََّ يقول: ((إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكُم، فَتَبَّنَ زِناها فليَجِدْها الحَدَّ
ولا يُتْرِّب عليها، ثُمَّ إِن زَنَت فليَجلِدها الحَدَّ ولا يُثْرِّب عليها، ثمَّ إن زَنَتِ الثالثةَ فتَبيَّنَ زِناها
فليَبِعْها ولو بحبلٍ من شَعرٍ).
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في بيع الأَمَة إذا زَنَت، وقد تقدَّمت
الإشارة إليه (٢١٥٣) في ((باب بيع العبد الزاني))، وأورَدَه هنا من وجه آخر عن أبي هريرة،
ووجه دخوله في هذا الباب عموم الأمر ببيع الأمة إذا زَنَت، فيَشمَلُ ما إذا كانت مُدَبَّرةً أو
غير مُدَبَّرةٍ، فيُؤخَذ منه جواز بيع المدبَّر في الجملة.
وأمَّا على ما وقع في رواية النَّسفي، وفي نُسخة الصَّغاني، فلا يحتاج إلى اعتذار.
(١) في (س): مذهب.

٢٧٠
باب ١١١ / ح ٢٢٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
١١١ - بابٌ هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها
ولم يَرَ الحسنُ بأساً أن يُقبِّلَها أو يُباشرَها.
وقال ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما: إذا وُهِبَتِ الوليدةُ الَّتِي تُوطَأُ، أو بِيعَت أو عَتَقَتْ، فليُستَبَرَأْ
رَحِمُها بحَيضةٍ، ولا تُستَبَرَأُ العَذراءُ.
وقال عطاءٌ: لا بأسَ أن يُصِيبَ من جاريَتِه الحامِلِ ما دونَ الفَرج، وقال الله تعالى: ﴿إِلَّا
عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].
٢٢٣٥ - حدّثنا عبدُ الغَفّار بنُ داود، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبد الرَّحمن، عن عَمرِو بنِ أبي
عَمْرٍو، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: قَدِمَ النبيُّ ◌َّ﴿ خيبرَ، فلمَّا فتَحَ الله عليه الحِصنَ ذُكِرَ له
جَالُ صَفِيَّةَ بنتِ حُبَيٍّ بنِ أخطَبَ - وقد قُتِلَ زوجُها، وكانت عَرُوساً - فاصطَفاها رسولُ الله
وَّ لِنَفْسِهِ، فخَرَجَ بها حتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّت، فَبَنَى بها، ثمَّ صَنَعَ حَيْساً في نِطَعٍ صَغِيرٍ،
ثَّ قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((آذِنْ مَن حولَكَ))، فكانت تلكَ وَلِيمَةَ رسولِ اللهِّهِ على صَفِيَّةَ، ثمَّ
خَرَجْنا إلى المدينةِ، قال: فرأيتُ رسولَ الله وَهِ يُحوِّي لها وراءَه بعَباءةٍ، ثمَّ يَجلِسُ عندَ بعيرِهِ
فَيَضَعُ رُكَبَتَه، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجلَها على رُكبتِه حتَّى تَركَبَ.
قوله: ((بابٌ هل يُسافِرُ بالجارية قبل أن يَستَبِئها؟)» هكذا قَيَّدَ بالسَّفَرِ، وكأنَّ ذلك لكونِه
مَظِنّةَ الملامَسة والمباشَرة غالباً.
قوله: ((ولم يَرَ الحسن بأساً أن يُقَبِّلها أو يُباشرها)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٢٧/٤) من
طريق يونس بن عُبيد عنه، قال: وكان ابن سِيرِين يَكرَه ذلك. وروى عبد الرزاق
(١٢٩١٩) من وجه آخر عن الحسن، قال: يُصيب ما دون الفَرج.
قال الدَّاوودي: قول الحسن إن كان في المَسِيّة فصوابٌ. وتعقّبه ابن التِّين بأنَّه لا فرق
في الاستبراء بين المَسِيّة وغيرها.
قوله: ((وقال ابن عمر: إذا وُهِبَت الوليدة التي توطَأْ، أو بِيعَت أو عَتَقَتْ، فليُستَبْرأ
رَجُها بحَيضةٍ، ولا تُستَبرأُ العَذراءُ)) أمَّا قوله الأوَّل، فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٢٩/٤) من

٢٧١
باب ١١١ / ح ٢٢٣٥
كتاب البيوع
طريق عُبيد الله (١) عن نافع عنه، وأمَّا قوله: ((ولا تُستَبْرأ العَذراء)) فَوَصَله عبد الرزاق
(١٢٩٠٦) من طريق أيوب عن نافع عنه، وكأنَّه يرى أنَّ البَكارةَ تَمنَع الحمْل، أو تدلّ على
عَدَمه أو عَدَم الوَطء، وفيه نظر، وعلى تقديره، ففي الاستبراء شائبة تَعبُّدٍ ولهذا تُستَبرأُ
التي أيِسَت من الحيض.
قوله: «وقال عطاء: لا بأس أن يُصيب من جاريته الحامل ما دون الفَرج، قال الله تعالى:
﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾)) قال ابن التِّين: إن أراد عطاء بالحامل مَن حَمَلَت
من سَيِّدها فهو فاسد، لأنه لا يُرتاب في حِلّه، وإن أراد من غيره، ففيه خلاف.
قلت: والثاني أشبَهُ بمُراده، ولذلك فَيَّدَه بما دون الفَرج، ووجه استدلاله بالآية: أنَّها ٤٢٤/٤
دَلَّت على جواز الاستمتاع بجميعٍ وجوهه، فخرج الوَطْءُ بدليلٍ، فبقيَ الباقي على الأصل.
ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديث أنس في قصَّة صَفيَّة، وسيأتي مبسوطاً في المغازي
(٤٢٠٠)، والغرض منه هنا قوله: حتَّى بَلَغْنا سَدّ الرّوحاء، حَلَّت فبَنى بها. فإنَّ المراد
بقوله: حَلَّت، أي: طَهُرَت من حَيضها. وقد روى البيهقي (٤٤٩/٧) بإسناد لَيِّن: أنَّه ◌َاِّ
استبرأ صَفيَّة بحَيضةٍ.
وأمَّا ما رواه مسلم (٨٧/١٣٦٥) من طريق ثابت عن أنس: أنَّه وَسَلَّ تَرَكَ صَفيَّة عند
أُمْ سُلَيم حتَّى انقَضَت عِدَّتها)) فقد شَكَّ حَمَّاد راويه عن ثابت في رفعه، وفي ظاهره نظر،
لأنه وَلِّ دَخَلَ بها مُنصَرَفَه من خيبر بعد قتل زوجها بيسيرٍ، فلم يَمضِ زمن يَسَع انقضاءَ
العِدّة، ولا نقلوا أنَّها كانت حاملاً، فتُحمَل العِدّة على طُهرها من المحيض، وهو المطلوب،
والصَّريح في هذا الباب حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((لا تُوطَأُ حامل حتَّى تَضع، ولا غير
ذات حَلِ حتَّى نَحِيض خیضة» قاله في سبایا أوطاس، أخرجه أبو داود (٢١٥٧) وغيره،
وليس على شرط الصحيح(٢).
(١) تحرف في (س) إلى: عبد الله.
(٢) وحسن إسناده في كتابه ((التلخيص الحبير)) ١/ ١٧٢.

٢٧٢
باب ١١٢ / ح ٢٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
١١٢ - باب بيع الميتة والأصنام
٢٢٣٦- حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ،
عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما: أنَّه سمعَ رسولَ الله ◌ِ لَه يقول وهو بمَكّةَ عامَ الفتحِ:
((إنَّ اللهَ ورسولَه حَرَّمَ بيعَ الخمرِ والميتةِ والخِنِزِيرِ والأصنامِ)) فقيلَ: يا رسولَ الله، أرأيتَ
شُحومَ الميتةِ، فإنه يُطلَى بها السُّفنُ، ويُدهَنُ بها الجلودُ، ويَستَصبِحُ بها النّاسُ؟ فقال: ((لا، هو
حرامٌ)) ثمَّ قال رسولُ اللهِ وَ ◌ّهِ عندَ ذلك: ((قاتَلَ الله اليهودَ، إنَّ اللهَ لمَّا حَرَّمَ شُحومَها جملوه،
ثمَّ باعوهُ فأكلوا ثمنَه)).
قال أبو عاصِمٍ: حدَّثنا عبد الحميدِ، حدَّثنا يزيدُ، كَتَبَ إليَّ عطاءٌ، سمعتُ جابراً ﴾، عن
النبيِّ ێ.
[طرفاه في: ٤٢٩٦، ٤٦٣٣]
قوله: ((باب بيع الميتة والأصنام)) أي تحريم ذلك، والميتة، بفتح الميم: ما زالَت عنه الحَياة
لا بذَكاةٍ شرعيَّة، والمِيتَة، بالكسر: الهيئةَ، وليست مُراداً هنا، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع
على تحريم بيع الميتة، ويُستَثنى من ذلك السَّمَك والجراد.
والأصنام: جمع صَنَم، قال الجَوْهَري: هو الوَثَن، وقال غيره: الوَثَن: ما له جُثّة، والصَّنَم:
ما کان مُصوَّراً، فبينهما عموم وخصوص وجهيٌّ، فإن كان مُصوَّراً، فهو وَثَن وصنم.
قوله: ((عن عطاء)) بيَّن في الرواية المعلّقة تلو هذه الرواية المتَّصِلة أنَّ یزید بن أبي حَبيب
لم يسمعه من عطاء، وإنَّما كَتَبَ به إليه(١)، وليزيدَ فيه إسناد آخر ذكره أبو حاتم في ((العِلَل))
(١١٤٠) من طريق حاتم بن إسماعيل عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حَبيب
عن عَمْرو بن الوليد بن عَبَدة عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص. قال ابن أبي حاتم: سألت
أبي عنه، فقال: قد رواه محمد بن إسحاق عن يزيد عن عطاء، ويزيد لم يسمع من عطاء،
(١) لكن أخرج هذا الحديث أبو عوانة (٥٣٥٣) من طريق شعيب بن الليث، عن أبيه عن یزید بن أبي حبيب
قال: سمعت عطاء بن أبي رباح. فإن کان ما عنده محفوظاً، فیحتمل أن یکون کتبه عنه، ثم لقیه فسمعه منه.

٢٧٣
باب ١١٢ / ح ٢٢٣٦
كتاب البيوع
ولا أعلم أحداً من المصريين رواه عن يزيد مُتابعاً لعبد الحميد بن جعفر، فإن كان حَفِظَه
فهو صحيح، لأنَّ مَحَلّه الصّدق.
قلت: قد اختُلِفَ فيه على عبد الحميد، ورواية أبي عاصم عنه الموافقة لرواية غيرهِ عن
يزيد أرجَح، فتكون رواية حاتم بن إسماعيل شاذّة (١).
قوله: ((عن جابر)) في رواية أحمد (١٤٤٧٢) عن حجّاج بن محمد عن الليث بسنده:
سمعت جابر بن عبد الله بمكّة.
قوله: «وهو بمگَّة عام الفتح)) فيه بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك/ في رمضان سنة ثمان من ٤٢٥/٤
الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثمّ أعاده ێ ليسمعه من لم یکن سمعه.
قوله: ((إنَّ الله ورسوله حَرَّمَ)) هكذا وقع في ((الصحيحين)) بإسناد الفعل إلى ضمير
الواحد، وكان الأصل: حَرَّما. فقال القُرطُبي: إِنَّه ◌َلَّ تَأْذَّبَ، فلم يجمع بينه وبين اسم الله
في ضمير الاثنين، لأنه من نوعٍ ما رَدَّ به على الخَطيب الذي قال: ((ومن يَعصِهم)(٢). كذا
قال، ولم تَتَّفِقِ الرُّواة في هذا الحديث على ذلك، فإنَّ في بعض طرقه في ((الصحيح) (٣): ((إنَّ
الله خَرَّمَ)) ليس فيه: ((ورسوله))، وفي رواية لابن مَرْدويه (٤) من وجه آخر عن الليث: ((إنَّ
الله ورسوله حَرَّما))، وقد صَحَّ حديث أنس في النَّهي عن أكل الحُمُر الأهلية: ((إنَّ الله
ورسولَه يَنْهَيَانِكُم)» (٥)، ووقع في رواية النَّسائي (٦٩) في هذا الحديث: ((يَنهاكُم)). والتحقيق
جواز الإفراد في مثل هذا، ووجهه: الإشارة إلى أنَّ أمر النبي ناشئٌّ عن أمر الله، وهو نحو
قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، والمختار في هذا أنَّ الجملة الأولى
حُذِفَت لدلالةِ الثانية عليها، والتقدير عند سِيبويه: والله أحقّ أن يُرْضُوه، ورسوله أحقّ أن
(١) وقد جاء من حديث عبد الله بن عَمرو أيضاً، لكن بسند آخر حسنٍ عند أحمد (٦٩٩٧).
(٢) أخرجه مسلم (٨٧٠) من حديث عدي بن حاتم.
(٣) بل هو رواية أبي داود (٣٤٨٦) عن قتيبة شيخ البخاري نفسه.
(٤) وهو عند ابن أبي شيبة ١٤/ ٥٠٣ من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد. بهذا اللفظ.
(٥) سيأتي عند المصنف برقم (٥٥٢٨).

٢٧٤
باب ١١٢ / ح ٢٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
يُرضوه، وهو كقول الشاعر(١):
نحنُ بما عندنا وأنتَ بما عن ـدَك راضٍ والرَّأي مُختلِفُ
وقيل: ((أحقّ أن يُرضُوه)) خبرٌ عن الاسمَين، لأنَّ الرَّسول تابعٌ لأمر الله.
قوله: ((فقيل: يا رسولَ الله)) لم أقف على تسمية القائل، وفي رواية عبد الحميد الآتية(٢):
فقال رجل.
قوله: ((أرأيت شُحوم الميتة، فإنَّه يُطلى بها السُّفن ويُدهَن بها الجلودُ ويَستَصبِحُ بها الناس))
أي: فهل يَحِلّ بيعها لمَا ذُكِرَ من المنافع، فإنَّهَا مُقْتَضية لصِحّة البيع.
قوله: ((فقال: لا، هو حرام)) أي: البيع، هكذا فسَّرَه بعض العلماء كالشافعي ومن تَبِعَه،
ومنهم من حَمَلَ قوله: ((هو حرام)) على الانتفاع، فقال: يَجِرُم الانتفاع بها، وهو قول أكثر
العلماء (٣)، فلا يُنتَفَع من الميتة أصلاً عندهم إلَّا ما خُصَّ بالدَّليلِ، وهو الجِلد المدبوغ.
واختلفوا فيما يَتَنَجَّس من الأشياء الطاهرة، فالجمهور على الجواز، وقال أحمد وابن
الماجشونِ: لا يُنْتَفَع بشيءٍ من ذلك، واستَدَلَّ الخطّاب على جواز الانتفاع بإجماعهم على أنَّ
من ماتتْ له دابّة ساغَ له إطعامُها لكِلاب الصَّيد، فكذلك يَسوغ دَهنُ السَّفينة بشَحِمٍ
الميتة، ولا فرق.
قوله: («ثمَّ قال رسول الله وَّهِ عند ذلك: قاتَلَ الله اليهود ... )) إلى آخره، وسياقه مُشعِر
بقوّة ما أوَّلَه الأكثر أنَّ المراد بقوله: ((هو حرام)) البيع لا الانتفاع، وروى أحمد (٥٩٨٢)
والطبراني(٤) من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((الوَيلُ لبني إسرائيل، إنَّه لمَّا حُرِّمَت عليهم
(١) هو عمرو بن امرئ القيس الأنصاري، كما في ((لسان العرب)) في مادة (فجر).
(٢) سيأتي تخريجها قريباً.
(٣) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، فقد ذكر الخطابي في ((شرحه)) على البخاري ٢/ ١١٠٧ أن النهي
ينصرف عند أكثر العلماء إلى البيع دون الاستمتاع بها، وقد أراد الحافظُ ذلك فسبق قلمُه، ويؤيده قوله
قريباً: وسياقه مُشعِر بقوة ما أوَّلَه الأكثر أن المراد بقوله: ((هو حرام)) البيع لا الانتفاع.
(٤) لم نقف عليه في المطبوع منه، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٨٧/٤-٨٨، وعزاه إلى أحمد والطبراني في ((الكبير)).

٢٧٥
باب ١١٢ / ح ٢٢٣٦
كتاب البيوع
الشُّحوم باعوها، فأكَلُوا ثمنها، وكذلك ثمن الخمر عليكم حرام»، وقد مضى في ((باب
تحريم تجارة الخمر)) حديث تميم الدّاري(١) في ذلك.
قوله: ((وقال أبو عاصِم: حدَّثنا عبد الحميد)) هو ابن جعفر، وهذه الطَّريق وَصَلها أحمد
(١٤٤٩٥) عن أبي عاصم، وأخرجها مسلم (١٥٨١) عن أبي موسى عن أبي عاصم، ولم
يَسُقْ لفظه، بل قال: مثل حديث الليث، والظّاهر أنَّه أراد أصل الحديث، وإلّا ففي سياقه
بعض مُالَفة، قال أحمد: حدَّثنا أبو عاصم الضَّحّاك بن مَخَلَدٍ عن عبد الحميد بن جعفر
أخبرني يزيد بن أبي حَبيب، ولفظه: يقول عام الفتح: ((إنَّ الله (٢) حَرَّمَ بيع الخنازير، وبيع
الميتة، وبيع الخمر، وبيع الأصنام)) قال رجل: يا رسول الله، فما تَرى في بيع شُحوم الميتة؟
فإنَّها تُدهَن بها السُّفن والجلود، ويُستَصْبَح بها، فقال: ((قاتَلَ اللهُ يهود)) الحديث، فظَهَرَ بهذه
الرواية أنَّ السُّؤال وقع عن بيع الشُّحوم، وهو يُؤيِّد ما قَرَّرناه، ويُؤيِّده أيضاً ما أخرجه أبو
داود (٣٤٨٨) من وجه آخر عن ابن عبّاس، أنَّه وَ لِّ قال وهو عند الرُّكن: ((قاتَلَ الله
اليهود، إنَّ الله حَرَّمَ عليهم الشُّحوم، فباعوها، وأكَلوا أثمانها، وإنَّ الله إذا حَرَّمَ على قوم
أكلَ شيء خَرَّمَ علیھم ثمنه)).
قال ◌ُجُمهور العلماء: العِلّة في منع بيع الميتة والخمر والخِنزير: النَّجاسة، فيَتَعدّى ذلك إلى
كلّ نَجاسةٍ، ولكنَّ المشهور عند مالك طهارةُ الخِنزير، والعِلّة في منع بيع الأصنام عَدَم
المنفَعة المباحة،/ فعلى هذا إن كانت بحيثُ إذا كُسِّرَتْ يُنْتَفَعِ برُضَاضها(٣) جازَ بيعها عند ٤٢٦/٤
بعض العلماء من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع حَملاً للنَّهي على ظاهره، والظاهر أنَّ
(١) في باب رقم (١٠٥).
(٢) كذا قال الحافظ، وهو كذلك في النسخة التي اعتمدها لمسند أحمد، فقد ذكر الحديث في ((أطراف المسند))
(١٦١٠) بهذا اللفظ. وفي النسخ التي اعتمدناها من («المسند»: ((إن الله ورسوله حرم ... )).
(٣) في (أ): ينتفع بها صاحبها، وفي (ع): ينتفع بها برضاضها، والمثبت من (س)، وهو موافق لعبارة النووي
التي في ((شرحه)) على مسلم ٧/١١. ورضاضها قال في ((اللسان)»: رَضَّه رضّاً: كَسَره، ورُضَاضه:
گُسَاره، وقِطَعه.

٢٧٦
باب ١١٣ / ح ٢٢٣٧ -٢٢٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
النَّهي عن بيعها للمُبالَغة في التنفير عنها، ويَلتَحِقُ بها في الحكم الصُّلبان التي تُعَظِّمها
النَّصارى، ويَحَرُمِ نَحْتُ جميع ذلك وصَنْعَته.
وأجمعوا على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير إلَّا ما تقدَّمت الإشارة إليه في ((باب تحريم
الخمر))(١)، ولذلك رَخَّصَ بعض العلماء في القليل من شَعر الخِنزير للخَرْزِ، حكاه ابن المنذر:
عن الأوزاعي وأبي يوسف وبعض المالكية، فعلى هذا فيجوز بيعه، ويُستثنى من الميتة عند
بعض العلماء ما لا تَحُلُّه الحَياة كالشَّعر والصّوف والوَبَر، فإنَّه طاهر، فيجوز بيعه، وهو قول
أكثر المالكية والحنفيَّة، وزاد بعضهم: العَظم والسِّنّ والقَرن والظّلف، وقال بنجاسة الشُّعور
الحسن والليث والأوزاعي، ولكنَّها تَطهر عندهم بالغَسل، وكأنَّهَا مُتَنَجِّسة عندهم بما يَتعلَّق
بها من رُطوبات الميتة لا نَجِسة العينِ، ونحوه قول ابن القاسم في عَظم الفيل: إنَّه يَطهر إذا
سُلِقَ بالماء، وقد تقدَّم كثير من مباحث هذا الحديث في ((باب لا يُذاب شَحْم الميتة))(٢).
١١٣ - باب ثمن الکلب
٢٢٣٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي بكرِ بنِ عبد
الرحمن، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ هِ: أنَّ رسولَ الله وَِّ نهى عن ثمنِ الكلبِ، ومَهرِ البَغِيِّ،
وحُلْوان الكاهنِ.
[أطرافه في: ٢٢٨٢، ٥٣٤٦، ٥٧٦١]
٢٢٣٨ - حدَّثنا حَجّاجُ بنُ منهالٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَوْنُ بنُ أبي جُحَيفةَ، قال:
رأيتُ أبي اشترَى حَجّاماً، فَأَمَرَ بمَحاجِهِ فكُسِرَتْ، فسألتُه عن ذلك، قال: إنَّ رسولَ اللهِ وَيَو
نهى عن ثمنِ الدَّمِ، وثمنِ الكلبِ، وكَسْبِ الأَمةِ، ولَعَن الواشمةَ والمستَوشِمةَ، وآكلَ الرِّبا
ومُوكِلَه، ولَعَن المصوِّرَ.
قوله: «باب ثمن الكلب» أورد فیه حدیثین:
(١) بل سلف الكلام على شيء من ذلك بشأن الخمر والميتة في ((باب لا يذاب شحم الميتة)).
(٢) باب رقم (١٠٣).

٢٧٧
كتاب البيوع
أحدهما: عن أبي مسعود: أنَّه ◌ِ لّه نهى عن ثمن الكلب، ومَهْر البَغيّ، وحُلوان الكاهن.
ثانيهما: حديث أبي جُحَيفة: نهى عن ثمن الدَّم، وثمن الكلب، وكسب الأمة، الحديث،
وقد تقدَّم في ((باب مُوكِل الرِّبا)) في أوائل البيع (٢٠٨٦).
واشتَمَلَ هذان الحديثان على أربعة أحكام، أو خمسةٍ إن غايَرْنا بين كَسْب الأَمة ومَهْر
البَغِیّ:
الأوَّل: ثمن الكلب، وظاهر النَّهي تحريم بيعه، وهو عامّ في كلّ كلب، مُعلَّماً كان أو غيره،
ممّا يجوز اقتناؤُه أو لا يجوز، ومن لازم ذلك أنْ لا قيمة على مُتلِفِه، وبذلك قال الجمهور،
وقال مالك: لا يجوز بيعه وتجب القيمة على مُتلِفِه، وعنه كالجمهور، وعنه كقول أبي حنيفة:
يجوز وتجب القيمة، وقال عطاء والنَّخَعي: يجوز بيع کلب الصَّید دون غيره، وروى أبو داود
(٣٤٨٢) من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: نهى رسول الله،وَ ل عن ثمن الكلب، وقال: ((إن جاء
يَطلُب ثمن الكلب، فاملَأْ كَفّه تُراباً)، وإسناده صحيح، وروى أيضاً (٣٤٨٤) بإسناد
حسن عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يَحِلّ ثمن الكلب، ولا حُلوان الكاهن، ولا مَھر البَغيّ))،
والعِلّة في تحريم بيعه عند الشافعي نَجاسَته مُطلَقاً، وهي قائمة في المعَلَّم وغيره، وعِلّة المنع
عند من لا يرى نَجاسَته: النَّهي عن التّخاذه، والأمر بقتله، ولذلك خُصَّ منه ما أُذِنَ في التّخاذه،/ ٤٢٧/٤
ويدلّ عليه حديث جابر قال: نهى رسول الله وَلّر عن ثمن الكلب إلَّا كلب صيدٍ. أخرجه
النَّسائي (٤٦٦٨) بإسناد رجاله ثقات إلّا أنَّه طُعِنَ في صِخَّته(١)، وقد وقع في حديث ابن
عمر عند ابن أبي حاتم(٢)، بلفظ: نهى عن ثمن الكلب، وإن كان ضَارِياً؛ يعني: ممّا يصيد،
وسنده ضعيف، قال أبو حاتم: هو مُنكَر، وفي رواية لأحمد(٣): نهى عن ثمن الكلب، وقال:
((طُعْمة جاهلية))، ونحوه للطَّبراني (٦٣/٢٥) من حديث ميمونة بنت سعد (٤).
(١) وهو في ((المسند)) برقم (١٤٤١١) وانظر كلامنا عليه.
(٢) في ((العلل)) (١١٥٣).
(٣) من حديث جابر، أخرجها برقم (١٤٨٠٢).
(٤) قال الهيثمي في ((المجمع)) ٤ / ٩٢ : إسناده ضعيف، وفيه من لا يعرف ..

٢٧٨
باب ١١٣ / ح ٢٢٣٧ - ٢٢٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال القُرطُبي: مشهور مذهب مالك جواز اتّخاذ الكلب، وكراهية بيعه، ولا يُفسخ
إن وَقَع، وكأنَّه لمَّا لم يكن عنده نَجساً، وأذِنَ في اتخاذه لمنافعِه الجائزة، کان حُكمه حُكم
جميع المبيعات، لكن الشّرع نهى عن بيعه تَنزيهاً، لأنه ليس من مكارم الأخلاق، قال: وأمَّا
تَسويته في النَّهي بينه وبين مَهر البَغيِّ وحُلوان الكاهن، فمحمول على الكلب الذي لم
يُؤذَن في التّخاذه، وعلى تقدير العموم في كلّ كلب، فالنَّهي في هذه الثلاثة في القَدْر المشتَرَك
من الكراهة أعَمّ من التنزيه والتحريم، إذ كل واحدٍ منهما منهيٌّ عنه، ثمَّ تُؤخَذ
خَصُوصيّة كلّ واحدٍ منهما من دليل آخر، فإنّا عَرَفنا تحريم مَهْر البَغيّ وحُلْوان الكاهن
من الإجماع، لا من ◌ُجرَّد النَّهي، ولا يَلزَم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع
الوجوه، إذ قد يُعطَفُ الأمر على النَّهي والإيجاب على النَّفي.
الحكم الثاني: مَهْر البَغيّ، وهو ما تأخذه الزانية على الزّنى، سمّاه مَهراً مجازاً، والبَغيّ:
بفتح الموحَّدة وكسر المعجَمة وتشديد التحتانية، وهو فعيلٌ بمعنى فاعِلة، وجمعُ البَغيِّ:
بَغايا، والبغاء بكسر أوَّله: الزِّنى والفُجور، وأصل البِغاء: الطََّب، غير أنَّه أكثر ما يستعمل
في الفساد.
واستُدِلَّ به على أنَّ الأمة إذا أُكرهَت على الزّنى فلا مَهر لها، وفي وجه للشافعية:
يجب للسّیِّد.
الحكم الثالث: كسب الأَمة، وسيأتي في الإجارة ((باب كسب البَغيّ والإماءِ))، وفيه
حديث أبي هريرة (٢٢٨٣): نهى رسول الله وَ له عن كسب الإماء، زاد أبو داود (٣٤٢٧)
من حديث رافع بن خديج: نهى عن كسب الأمة حتَّى يُعلَم من أين هو. فعُرِفَ بذلك
النَّهيُّ، والمراد به: كسبها بالزنى لا بالعمل المباح، وقد روى أبو داود أيضاً (٣٤٢٦) من
حديث رِفاعة بن رافع مرفوعاً: نهى عن كسب الأَمَة إلَّا ما عَمِلَت بيدها، وقال هكذا
بأصابعه(١) نحو الغَزْل والنَّفش، وهو بالفاء، أي: نَتْف الصُّوف، وقيل: المراد بكسبٍ
(١) في الأصلين: بإصبعه، وفي (س): بيده، والمثبت من نسخة ((سنن أبي داود)) التي بخط الحافظ رحمه الله،
فلعل ما وقع في الأصلين تحريف من النساخ.

٢٧٩
باب ١١٣ / ح ٢٢٣٧ -٢٢٣٨
كتاب البيوع
الأمة: جميع كسبها وهو من باب سَدّ الذَّرائع، لأنها لا تُؤمن إذا أُلزِمَت بالكسبِ أن
تكسِب بفَرجها، فالمعنى: أن لا يُجعل عليها خَرَاجٌ معلوم تُؤَدّيه كلّ يوم.
الحكم الرابع: حُلوان الكاهن، وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العِوَض على أمر
باطل، وفي معناه التنجيم والضَّرْب بالحصى، وغير ذلك ممَّا يَتَعاناه العَرّافونَ من استطلاع
الغَيب، والحُلْوان مصدر حَلَوتُه حُلواناً: إذا أعطَيْتَه، وأصله من الحلاوة، شُبِّه بالشيءٍ
الحُلْو من حيثُ إِنَّه يأخذه سهلاً بلا كُلفة ولا مَشَقّة، يقال: حَلَوته: إذا أطعَمتَه الحُلو،
والحُلوان أيضاً: الرِّشوة، والحُلوان أيضاً: أخذ الرجل مَهر ابنَته لنفسِه. وسيأتي الكلام
على الكهانة وأصلها وحُكمها في أواخر كتاب الطِّبّ (٥٧٥٨) من هذا الكتاب إن شاء الله
تعالی.
الحكم الخامس: ثمن الدَّم، واختُلِفَ في المراد به، فقيل: أُجرة الحجامة، وقيل: هو
على ظاهره، والمراد: تحريم بيع الدَّم كما حُرِّمَ بيع الميتة والخنزير، وهو حرام إجماعاً
- أعني بيع الدَّم وأخذ ثمنه - وسيأتي الكلام على حُكم أجرة الحجام في الإجارة
(٢٢٧٨) إن شاء الله تعالى.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب البيوع من المرفوع على مثَتَي حديث وسبعة وأربعين حديثاً،
المعلَّق منها ستّة وأربعونَ وما عداها موصول، المكرَّر منه فيه وفيما مضى مئة وتسعة
وثلاثونَ حديثاً، والخالص مئة وثمانية أحاديث، وافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة
وعشرين حديثاً، وهي: حديث عبد الرحمن بن عَوْف في قصَّة تَزويجه، وحديث أبي هريرة
في التمرة الساقطة، وحديث عائشة في التسمية على الذَّبيحة، وحديث أبي هريرة: «يأتي على
الناس زمان لا يُبالي المرء بما أخذَ المال)»،/ وحديث أبي بكر: قد عَلِمَ قومي أنَّ حِرفَتي، ٤٢٨/٤
وحديث المقدام: ((أطيب ما أكَلَ الرجلُ من كسبه))، وحديث أبي هريرة: ((إنَّ داود كان
يأكل من كسبه))، وحديث جابر: ((رَحِمَ الله عبداً سَمْحاً))، وحديث العَدّاء في العُهدة،
وحديث أبي جُحَيفةَ في الحجّام، وحديث ابن عبَّاس: آخر آية أُنزِلَت، وحديث ابن أبي
أوفی: أنَّ رجلاً أقام سلعة))، وحديث ابن عمر: کان على جمل صعب، وحديثه في الإبل

٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
الهِيم، وحديث: ((اكتالوا حتَّى تَستَوفوا))، وحديث: ((إذا بعتَ فكِلْ))، وحديث جابر في
دَين أبيه، وحديث المِقدام: ((كيلوا طعامَكُم))، وحديث عائشة في شأن الهجرة، وحديث:
((المكر والخديعة في النار))، وحديث أنس في الملامسة والمنابَذة، وحديث: ((إذا استَنَصَحَ
أحدُكم أخاه فليَنصَحه))، وحديث ابن عمر: ((لا يبيع حاضر لبادٍ))، وحديث ابن عبّاس في
المزابنة، وحديث زيد بن ثابت في بيع الثِّار، وحديث سلمان في مُكاتبته، وحديث
عبد الرحمن بن عَوْف مع صُهَيبٍ، وحديث أبي هريرة: ((ثلاثة أنا خَصمُهم))، وحديثه في
إجلاء اليهود.
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنان وخمسونَ أثراً. والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.