Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب ٨٧ / ح ٢١٩٨ -٢١٩٩
كتاب البيوع
قوله: ((بابُ بيع النَّخلِ قبلَ أن يَبدوَ صلاحُها)) هذه الترجمةُ معقودٌ لبيان حُكمِ بيعِ
الأُصول، والتي قبلها ◌ُکم بيع الِّار.
قوله: ((مُعلَّى بنُ منصورٍ)) هو من كِبار شيوخ البخاري، وإنَّما روى عنه في ((الجامع))
بواسطةٍ، ووقع في نُسخة الصَّغاني في آخر الباب: قال أبو عبد الله: كَتَبتُ أنا عن مُعلّ بن
منصورٍ، إلّا أنّي لم أكتُب عنه هذا الحديثَ.
قوله: ((حتَّى يَزهو)) يقال: زَهَا النَّخْلُ يَزْهُو: إذا ظَهَرَت ثَمَرتُه، وسيأتي في الباب الذي ٣٩٨/٤
بعدَه بلفظ: حتَّى تُزهِي، وهو من أزْهى يُزهِي: إذا احمرَّ أو اصفرَّ.
قوله: ((قيل: وما يَزْهُو؟)) لم يُسمَّ السائلُ عن ذلك في هذه الرواية ولا المسؤول، وقد
رواه إسماعيلُ بنُ جعفرِ كما سيأتي بعد خمسة أبوابٍ (٢٢٠٨) عن حُميدٍ، وفيه: قلنا لأنسِ:
ما زَهُوُها؟ قال: تحمّ، وفي رواية مسلم (١٥/١٥٥) من هذا الوجه: فقلت لأنسٍ،
وكذلك رواه أحمد (١٢١٣٨) عن يحيى القَطّان عن حُميدٍ، لكن قال: قيل لأنسٍ: ما تَزهُو؟.
٨٧ - بابٌ إذا باع الثّار قبل أن يبدو صلاحها ثمّ أصابته
عاهةٌ فهو مِن البائعِ
٢١٩٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن مُميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ
رسولَ الله ◌َّه نهى عن بيع الثِّار حتَّى تُزهِيَ. فَقيلَ له: وما تُزهي؟ قال: ((حتَّى تحمرَّ)).
فقال رسولُ الله ◌َّ: «أرأيتَ إذا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يأخُذُ أحدُكُمْ مالَ أخيهِ؟)).
٢١٩٩ - وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: لو أنَّ رجلاً ابتاعَ ثَمَراً قبلَ أن
يَبدوَ صَلاحُه، ثمَّ أصابَتْه عاهةٌ كان ما أصابَه علی رَبِّه.
أخبرني سالمُ بنُ عبد الله، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((لا تَتبايعوا
الثَّمَرَة حتَّى يَبْدوَ صَلاحُها، ولا تَبِيعوا الثَّمَرَ بالتَّمرِ)).
قوله: ((بابٌّ إذا باع القِّمار قبلَ أن يَبدوَ صلاحُها، ثمَّ أصابَته عاهَةٌ، فهو من البائعِ)) جَنَحَ
البخاري في هذه الترجمة إلى صِحّة البيع وإن لم يَبدُ صلاحُه، لكنَّه جعله قبلَ الصلاح من

٢٢٢
باب ٨٧ / ح ٢١٩٨ - ٢١٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
ضَمان البائع، ومُقتَضاه أنَّه إذا لم يَفسُد فالبيعُ صحيحٌ، وهو في ذلك مُتابعٌ للزُّهري كما
أورده عنه في آخر الباب.
قوله: ((حتَّى تُزهي)) قال الخطَّبي: هذه الروايةُ هي الصوابُ، فلا يقال في النَّخْلِ:
(تَزْهُو)) إِنَّما يقال: ((تُزهِي)) لا غيرُ. وأثبَتَ غيرُه ما نَفَاه، فقال: زَهَا: إذا طالَ واكتَمَل،
وأزهى: إذا احمرَّ واصفرَ.
قوله: ((فقيل: وما تُزهي)) لم يُسمَّ السائلُ في هذه الرواية ولا المسؤول أيضاً، وقد رواه
النَّسائي (٤٥٢٦) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالكِ بلفظ: قيل: يا رسولَ الله،
وما تُزهي؟ قال: ((تحمُّ)، وهكذا أخرجه الطَّحاوي (٤/ ٢٤) من طريق يحيى بن أيوبَ،
وأبو عَوَانةَ (٥٢٠٥) من طريق سليمانَ بن بلالٍ، كلاهما عن مُيدٍ، وظاهرُه الرفعُ. ورواه
إسماعيلُ بنُ جعفرٍ وغيرُه، عن محُميدٍ موقوفاً على أنسٍ كما تقدَّم في الباب الذي قبله.
قوله: ((فقال رسولُ الله ◌َّهِ: أرأيت إذا مَنَعَ الله الثَّمَرَةَ) الحديثَ هكذا صَرَّحَ مالكٌ برفعِ
هذه الجملة، وتابعه محمدُ بنُ عبَّادٍ عن الدَّراوَردي عن حُميدٍ، مُقتَصَراً على هذه الجملة
الأخيرة(١)، وجَزَمَ الدَّارَقُطني وغيرُ واحدٍ من الحُفّاظِ بأنَّه أخطَأً فيه، وبذلك جَزَمَ ابنُ أبي
حاتمٍ في ((العِلَل)) عن أبيه وأبي زُرْعة، والخطأُ في رواية عبد العزيزِ من محمد بن عبَّاد، فقد
رواه إبراهيمُ بنُ حمزةَ عن الدَّراوَرْدي (٢) كرواية إسماعيلَ بن جعفرِ الآتي ذكرُها، ورواه
مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ وبشرُ بنُ المفَضَّل عن حُميدٍ فقال فيه: قال: أفَرأيت ... ، إلى آخره، قال: فلا
أدري، أنسٌ قال: ((بمَ يَسْتَحِلّ)) أو حدَّثَ به عن النبي ◌ََّ؟ أخرجه الخطيبُ في (المدرَج))
(١٢٠/١- ١٢١)، ورواه إسماعيلُ بنُ جعفرٍ عن مُيدٍ، فعَطَفَه على كلام أنسٍ في تفسير
قوله: ((تُزهِي)»، وظاهرُه الوقفُ (٣)، وأخرجه الجَوزَقي من طريق يزيد بن هارونَ، والخَطيبُ
(١٢٦/١-١٢٧) من طريق أبي خالدٍ الأحمر، كلاهما عن حُميدٍ بلفظ: قال أنس: أرأيت إن
(١) متابعة محمد بن عباد أخرجها مسلم (١٥٥٥) (١٦).
(٢) أخرجه من هذا الطريق البيهقي ٣٠٠/٥، والخطيب في ((المدرَج)) ١٢٤/١-١٢٥.
(٣) ستأتي روايته عند المصنف برقم (٢٢٠٨).

٢٢٣
باب ٨٧ / ح ٢١٩٨ -٢١٩٩
كتاب البيوع
مَنَعَ الله الثَّمَرةَ، الحديث، ورواه ابن المبارَكِ (٢١٩٥) وهُشَيمٌ (٢١٩٧) كما تقدَّم آنِفاً عن
مُميدٍ، ولم يَذْكُرا هذا القَدْرَ المختلَفَ فيه، وتابعهما جماعةٌ من أصحاب ◌ُمیدٍ عنه على ذلك.
قلت: وليس في جميعٍ ما تقدَّم ما يَمنَعُ أن يكونَ التفسيرُ مرفوعاً، لأنَّ مع الذي رَفَعَه ٣٩٩/٤
زيادةً على ما عند الذي وقَفَه، وليس في رواية الذي وقَفَه ما يَنفي قولَ من رَفَعَه. وقد روى
مسلمٌ (١٥٥٤) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر ما يُقوِّي روايةَ الرفع في حديث أنسٍ،
ولفظُه: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لو بعت من أخيك ثَمَراً، فأصابَتْه عاهةٌ، فلا يَحِلُّ لك أن
تأخُذَ منه شيئاً، بمَ تأخُذُ مالَ أخيك بغير حَقٍّ؟!)).
واستُدِلَّ بهذا على وضع الجوائح في الثَّمَر يُشتَرى بعد بُدوِ صلاحه، ثمَّ تُصيبُه جائحةٌ،
فقال مالكٌ: يَضعُ عنه الثُّلُث، وقال أحمد وأبو عُبيدٍ: يَضِعُ الجميع، وقال الشافعي والليثُ
والكوفيون: لا يَرجِعُ على البائعِ بشيءٍ، وقالوا: إِنَّمَا وَرَدَ وضعُ الجائحة فيما إذا بيعَت الثَّمَرُ
قبلَ بُدوِّ صلاحها بغير شرط القَطْعِ فُيُحمَلُ مُطلَقُ الحديث في رواية جابر على ما قُيِّدَ به في
حديث أنسٍ، والله أعلم.
واستَدَلَّ الطَّحاوي (٣٥/٤-٣٦) بحديث أبي سعيدٍ: أُصيبَ رجلٌ في ثِمارٍ ابتاعها،
فَكَثُرَ دَينُه، فقال النبي ◌َّ: (تَصَدَّقوا عليه)) فلم يَبلُغ ذلك وفاءَ دَينِهِ، فقال: ((خُذوا ما
وجدتُم، وليس لكم إلَّا ذلك)) أخرجه مسلمٌ (١٥٥٦) وأصحابُ ((السُّننِ))(١)، قال: فلمَّا لم
يَبطُل دَينُ الغُرَماءِ بذهاب الثِّار وفيهم باعتُها، ولم يُؤْخَذ الثَّمَنُ منهم دلَّ على أنَّ الأمرَ
بوضع الجوائح ليس على عمومه، والله أعلم.
وقوله ((بمَ يَسْتَحِلُّ(٢) أحدُكُم مالَ أخيه؟!)) أي: لو تَلِفَ الثَّمَرُ لانتَفى في مُقَابَلَته العِوَضُ
فكيف يأكلُه بغير ◌ِوَضٍ؟ وفيه إجراءُ الحكمِ على الغالب، لأنَّ تَطَرُّقَ التَلَفِ إلى ما بَدَا
صلاحُه ◌ُمكِنٌ، وعَدَمُ التطرُّق إلى ما لم يَبْدُ صلاحُه ◌ُمكِّنٌ، فَأَنْيطَ الحكمُ بالغالبِ في الحالتين.
(١) أبو داود (٣٤٦٩)، وابن ماجه (٢٣٥٦)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٤٥٣٠).
(٢) كذا قال الحافظ، مع أن روايات البخاري لم تختلف أن نص الحديث هنا: ((بم يأخذ أحدكم))، وإنما اللفظ
المذكور هو نصُّ الحديث عند بعض مَن خرّجه، وسيأتي برقم (٢٠٨٨) بلفظ: بم تستحلُّ مال أخيك؟

٢٢٤
باب ٨٨-٨٩ / ح ٢٢٠٠ -٢٢٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (وقال الليثُ: حدَّثني يونسُ ... )) إلى آخره، هذا التعليقُ وَصَله الذُّهْلي في
((الزُّهْرِيات)) وقد تقدَّم الحديثُ (٢١٨٣) عن يحيى بن بُكَير عن الليث عن عُقيلٍ، بهذا
وأتمَّ منه، والغرضُ منه هنا: ذكرُ استنباط الزُّهْري للحُكمِ المترجَمِ به من الحديث.
٨٨ - باب شراء الطعام إلى أجلٍ
٢٢٠٠ - حدّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِیاثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: ذَكَرنا عندَ
إبراهيمَ الرَّهنَ في السَّلَفِ، فقال: لا بأسَ به، ثمَّ حدَّثنا عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها:
أَنَّ النبيَّ ◌ََّ اشترَى طعاماً من يهوديٍّ إلى أجَلٍ، فَرَهَنَه دِرعَه.
قوله: ((بابُ شِراءِ الطَّعام إلى أجَلٍ)) ذكر فيه حديثَ عائشةَ في شرائه وَ لّطعاماً إلى أجَلِ،
وسيأتي الكلامُ عليه مُستوفّ في الرَّهن (٢٥٠٩) إن شاء الله تعالى.
٨٩ - بابٌ إذا أراد بيع تمرٍ بتمرٍ خيرٍ منه
٢٢٠١، ٢٢٠٢ - حدَّثنا قُتَيبةٌ، عن مالكِ، عن عبد المجيد بنِ سُهَيلِ بنِ عبد الرحمن، عن
سعيد بن المسيّبٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَلَه
استَعمَلَ رجلاً على خيبرَ، فجاءَه بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال رسولُ الله ◌ِِّ: («أكلُّ تمرٍ خيبرَ هكذا؟!))
قال: لا والله يا رسولَ الله، إنّا لَنأْخُذُّ الصاعَ من هذا بالصاعَينِ، والصاعَينِ بالثّلاثِ، فقال
رسولُ الله ◌َ: ((لا تَفْعَلْ، بِعِ الجمعَ بالدَّراهمِ، ثمَّ ابتَعْ بالدَّراهمِ جَنِيباً).
[ح ٢٢٠١ - أطرافه في: ٢٣٠٢، ٤٢٤٤، ٤٢٤٦، ٧٣٥٠]
[ح ٢٢٠٢ - أطرافه في: ٢٣٠٣، ٤٢٤٥، ٤٢٤٧، ٧٣٥١]
قوله: ((بابٌ إذا أراد بيعَ تمٍ بتمرٍ خيرٍ منه)) أي: ما يصنعُ ليسلَمَ من الرِّبا؟
٤٠٠/٤
قوله: ((عن عبد المجيدِ)) بِمِيم مفتوحةٍ بعدَها جيمٌ، ومن قاله بالمهمَلة ثمَّ الميمِ فقد
صَخَّف، وسيأتي ذكرُ ذلك في الوكالة (٢٣٠٢).
قوله: ((عن عبد المجيد بنِ سُهَيل بنِ عبد الرحمن)) زاد في الوكالة من هذا الوجه: ((ابن
عَوْفٍ)).

٢٢٥
باب ٨٩ / ح ٢٢٠١ -٢٢٠٢
كتاب البيوع
قوله: ((عن سعيد بن المسيّبِ)) في رواية سليمانَ بن بلالٍ عن عبد المجيدِ: أنَّه سمع سعيدَ
ابنَ المسيّب. أخرجه المصنِّفُ في الاعتصام (٧٣٥٠).
قوله: ((عن أبي سعيدٍ وعن أبي هريرة)) في رواية سليمان: أنَّ أبا سعيدٍ وأبا هريرة حدَّثاه.
قال ابن عبد البَرِّ: ذِكرُ أبي هريرة لا يُوجَدُ في هذا الحديث إلَّا لعبد المجيد، وقد رواه
قَتَادُ عن سعيد بن المسيّبِ عن أبي سعيدٍ وحدَه، وكذلك رواه جماعةٌ من أصحاب أبي
سعيدٍ عنه. قلت: روايةٌ قَتَادةَ أخرجها النَّسائي (٤٥٥٤) وابن حِبَّان (٥٠٢٠) من طريق
سعيد بن أبي عَروبةَ عنه، ولكن سياقُه مُغايرٌ لسياق قصَّة عبد المجيد، وسياق قَتَادةَ يُشبِهِ
سياقَ عُقْبَةَ بن عبد الغافر عن أبي سعيدٍ، كما ستأتي الإشارةُ إليه في الوكالة (٢٣١٢).
قوله: ((أنَّ رسولَ الله ◌َِّ اسْتَعَمَلَ رجلاً على خيبرَ)» في رواية سليمانَ المذكورة: بَعَثَ أخا
بني عدي من الأنصار إلى خيبرَ، فأمَّرَه عليها، وأخرجه أبو عَوَانةَ(١)، والدَّارَقُطني (٢٨٤٩)
من طريق الدَّراوَردي عن عبد المجيد، فسمَّه سَوَاد بنَ غَزِيَّة، وهو بفتح السّين المهمَلة
وتخفيف الواو وفي آخره دالٌ مُهمَلٌ، وغَزِيّةُ: بغَيْنٍ مُعجَمةٍ وزايٍ وتحتانية ثقيلةٍ، بوزن
عطيَّةَ، وسيأتي ذكرُ ذلك في المغازي (٤٢٤٤) في غزوة خيبرَ.
قوله: (بتمرٍ جَنِيبٍ)) بِجِيمٍ ونوٍ وتحتانيةٍ وموخَّدةٍ، وزنُ عَظيم، قال مالكٌ: هو
الكَبِيس، وقال الطَّحاوي: هو الطيِّبُ، وقيل: الصُّلْبُ، وقيل: الذي أُخرِجَ منه حَشَفُه
ورَدِيتُه، وقال غيرُهم: هو الذي لا يُخْلَطُ بغيره بخلاف الجمع.
قوله: ((بالصاعينِ)) زاد في رواية سليمان: من الجمع، وهو بفتح الجيمِ وسكون الميمِ:
التمرُ المختَلِط.
قوله: ((بالثلاث)) كذا للأكثر، وللقابسي بالثلاثة، وكلاهما جائزٌ، لأنَّ الصاع يُذكَّرُ ويُؤنَّث.
قوله: ((لا تَفْعَل)) زاد سليمانُ: ((ولكن مِثلاً بمثلٍ)) أي: بع المِثْلَ بالمثلِ، وزاد في آخره:
((وكذلك الميزان))، وكذا وقع ذكرُ الميزان في الطَّريق التي في الوكالة (٢٣٠٢)، أي: في بيعِ
ما يوزَنُ من المُقتات بمثلِه.
(١) رواية أبي عوانة (٥٤٤٣) لفظها: أن النبي وال بعث أخا بني عدي على خيبر، ليس فيها ذكر اسمه!

٢٢٦
باب ٨٩ / ح ٢٢٠١ -٢٢٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن عبد البَرِّ: كلَّ من روى عن عبد المجيد هذا الحديثَ ذكر فيه الميزانَ سوى
مالكٍ - قلت: وفي هذا الحَصر نظرٌ لمَا في الوَكالة - وهو أمرٌ مُجمعٌ عليه لا خِلافَ بين أهل
العلمِ فيه، كلّ يقول على أصلِهِ: إنَّ كلَّ ما دَخَله الرِّبا من جهة التفاضُل فالكَيلُ والوزنُ فيه
واحدٌ، ولكن ما كان أصلَه الكَيلُ لا يُباعُ إلَّا كَيلاً وكذا الوزن، ثمَّ ما كان أصلَه الوزنُ لا
يَصِحُّ أن يُباعِ بالكَيل، بخلاف ما كان أصلَه الكَيلُ، فإنَّ بعضَهم يجيزُ فيه الوزنَ، ويقول:
إِنَّ المماثلةَ تُدرَكُ بالوزن في كلِّ شيءٍ. قال: وأجمعوا على أنَّ التمرَ بالتمر لا يجوزُ بيعُ بعضِه
ببعضٍ إلَّا مثلاً بمثلٍ، وسواءٌ فيه الطيِّبُ والدُّون، وأنَّه كلَّه على اختلاف أنواعه جِنسٌ
واحدٌ. قال: وأمَّا سكوتُ من سَكَتَ من الرُّواة عن فسخ البيعِ المذكور فلا يدلُّ على عَدَم
الوقوع، إمَّا ذُهولاً وإمَّا اكتفاءً بأنَّ ذلك معلومٌ، وقد وَرَدَ الفسخُ من طريقٍ أُخرى - كأنَّه
يشيرُ إلى ما أخرجه مسلمٌ (١٥٩٤/ ٩٧) من طريق أبي نَضرةَ عن أبي سعيدٍ، نحوَ هذه
القصَّة، وفيه: فقال: ((هذا الرِّبا فرُدُّوه)) - قال: ويحتملُ تعدُّدُ القصّة، وأنَّ القصَّةَ التي لم يقع
فيها الردُّ كانت قبلَ تحريمِ رِيا الفضلِ، والله أعلم.
وفي الحديث قيامُ عُذرٍ من لا يعلمُ التحريمَ حتَّى يعلمَه، وفيه جوازُ الرِّفق بالنَّفْسِ،
وترك الحمل على النَّفْسِ لاختيار أكل الطيِّب على الرَّديءٍ، خلافاً لمن مَنَعَ ذلك من
المتَزَّهِّدينَ.
٤٠١/٤
واستُدِلَّ به على جواز بيع العِينَةِ،/ وهو أن يبيعَ السِّلعةَ من رجلٍ بنَقْدٍ ثمَّ يشتريها منه
بأقلّ من الثَّمَنِ، لأنه لم يَخْصَّ بقوله: ((ثمَّ اشتر بالدَّراهمِ جَنيباً) غيرَ الذي باع له الجمع.
وتُعُقِّبَ بأنَّه مُطلَقٌ، والمطلَقُ لا يَشمَلُ، ولكن يَشِيعُ، فإذا عُمِلَ به في صورةٍ سَقَطَ الاحتجاجُ
به فيما عَدَاها، ولا يَصِحُّ الاستدلالُ به على جواز الشِّراءِ مَمَّن باعه تلك السِّلعةَ بعَينها.
وقيل: إنَّ وجهَ الاستدلال به لذلك من جهة تركِ الاستفصال، ولا يخفى ما فيه.
وقال القُرطُبي: اسْتَدَلَّ بهذا الحديث من لم يقل بسَدِّ الذَّرائع، لأنَّ بعضَ صور هذا البيعِ
يُؤَدّي إلى بيع التَّمر بالتَّمر مُتَفاضلاً، ويكون الثَّمَنُ لَغْواً، قال: ولا حُجّةَ في هذا الحديث،

٢٢٧
باب ٨٩ / ح ٢٢٠١ - ٢٢٠٢
كتاب البيوع
لأنه لم يَنْصَّ على جواز شِراءِ التمر الثاني مَمَّن باعه التمرَ الأوَّل، ولا يتناولُه ظاهرُ السِّياق
بعمومه، بل بإطلاقه، والمطلَقُ يحتملُ التقييدَ إجمالاً، فَوَجَبَ الاستفسار، وإذا كان كذلك
فتقييدُه بأدنى دليلٍ كافٍ، وقد دَلَّ الدَّليلُ على سَدِّ الذَّرائع، فلتكن هذه الصورةُ ممنوعةً.
واسْتَدَلَّ بعضُهم على الجواز بما أخرجه سعيدُ بنُ منصورٍ من طريق ابن سِيرِين: أنَّ
عمرَ خَطَبَ، فقال: إنَّ الدِّرهَمَ بالدِّرهَمِ سواءً بسواءٍ يداً بيدٍ، فقال له ابن عَوْفٍ: فنُعطي
الخبيث، ونأخُذُ الجيّد(١)؟ قال: لا، ولكن ابتَعْ بهذا عَرْضاً فإذا قَبَضتَه وكان له فيه نیةٌ،
فاهضِم ما شئت وخُذْ أيَّ نَقدٍ شئتَ.
واستدلَّ أيضاً بالاتّفاق على أنَّ من باع السِّلعةَ التي اشتراها ممَّن اشتراها منه بعد مُدّةٍ
فالبيعُ صحيحٌ، فلا فرقَ بين التعجيل في ذلك والتأجيل، فدَلَّ على أنَّ المعتبَرَ في ذلك
وجودُ الشَّرط في أصل العقد وعَدَمُه؟ فإن تَشارطا على ذلك في نفسِ العقد فهو باطلٌ، أو
قبلَه ثمَّ وقع العقدُ بغير شرطٍ فهو صحيحٌ، ولا يخفى الوَرَع.
قال بعضُهم: ولا تَضُرُّ إرادةُ الشِّراءِ إذا كان بغير شرطٍ، وهو كمن أراد أن يَزنيَ بامرأةٍ،
ثُمَّ عَدَلَ عن ذلك فخَطَبَها وتَزَوَّجَها، فإنَّه عَدَلَ عن الحرام إلى الحلال بكلمة الله التي
أباحَها، وكذلك البيعُ، والله أعلم.
وفي الحديث جوازُ اختيار طَيِّبِ الطَّعام، وجوازُ الوكالة في البيعِ وغيره.
وفيه أنَّ البيوعَ الفاسدةَ تُرَدّ، وفيه حُجّةٌ على من قال: إنَّ بيعَ الرِّبا جائزٌ بأصلِه من
حيثُ إنَّه بيعٌ، تَنوعٌ بَوَصِفِه من حيثُ إنَّه رباً، فعلى هذا يَسقُطُ الرِّبا، ويَصِحُ البيعُ. قاله
القُرطُبي، قال: ووجه الردِّ: أنَّه لو كان كذلك لمّا رَدَّ النبيِ وَّل هذه الصَّفْقة، ولَأمَرَه بَرَدِّ
الزيادة على الصاع.
(١) تحرفت العبارة في (أ) و(س) إلى: فنعطي الجنيب ونأخذ غيره. والمثبت على الصواب من (ع)، موافقاً لما
جاء في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٤٥٦٧) عن معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، وقال فيه: فنعطي
الخبيث ونأخذ الطيِّب.

٢٢٨
باب ٩٠ / ح ٢٢٠٣ -٢٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
٩٠ - باب من باع نخلاً قد أُبِرت أو أرضاً مزروعةً أو بإجارةٍ
٢٢٠٣ - قال أبو عبد الله: وقال لي إبراهيمُ: أخبرنا هشامٌ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال:
سمعتُ ابنَ أبي مُلَيكةَ يُخْبِرُ، عن نافعٍ مولى ابنِ عمرَ: أَيُّما نَخلٍ بِيعَت قد أَبَرَت لم يُذكَرِ الثَّمَرُ،
فالثَّمَرُ للَّذِي أَبَرَها، وكَذلك العبدُ والحَرْث. سَمَّى له نافعٌ هؤلاءِ الثَّلاثَ.
[أطرافه في: ٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٣٧٩، ٢٧١٦]
٢٢٠٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((مَن باعَ نَخلاً قد أُبِرَت فَمَرُها للبائعِ إلا أن يشترِطَ المبتاع)).
قوله: ((بابُ من باع نَخلاً قد أُبِرَت أو أرضاً مزروعةَ أو بإجارةٍ)) أي: أخذَ شيئاً مَّا ذُكِرَ
بإجارةٍ. والنَّخلُ: اسمُ جنسٍ يُذكَّر ويُؤنَّث، والجمعُ: نَخيلٌ. وقوله: ((أُبِرَت)) بضمِّ الهمزة
وكسر الموحّدة مُفَّفاً على المشهور، ومُشدَّداً، والراءُ مفتوحةٌ، يقال: أبَرْتُ النَّخْلَ آَبُرُه أبْراً،
بوزنٍ: أَكَلتُ الشيءَ آكُلُهُ أكْلاً، ويقال: أبَرتُه - بالتشديد - أُؤَيُّه تأبيراً، بوزن عَلَّمته أُعلِّمُه
٤٠٢/٤ تعليماً،/ والتأبيرُ: التَّشْقِيقُ والتَّقِيحُ، ومعناه: شَقُّ طَلْعِ النَّخلة الأُنثِى لِيُذَرَّ فيه شيءٌ من
طَلْعِ النَّخلة الذَّكَرِ، والحكمُ مُستَمِرٌّ بمُجرَّد التشقيق ولو لم يَضعْ فيه شيئاً. وروى مسلمٌ
(٢٣٦١) من حديث طلحةَ قال: مَرَرت مع رسول الله وَ له بقومِ على رؤوسِ النَّخلِ، فقال:
((ما يصنعُ هؤلاءِ؟» قالوا: يُلقِّحونَه يجعلونَ الذَّكَرَ في الأُنثى فيَلْقَحُ، الحديثَ.
قوله: ((وقال لي إبراهيم)) يعني: ابن موسى الرازي، وهشامٌ شيخُه: هو ابن يوسفَ
الصَّنعاني(١).
قوله: ((أيُّما نَخْلٍ)» هكذا رواه ابن جُرَيج عن نافعٍ موقوفاً، قال البيهقي: ونافعٌ يروي
حديثَ النَّخل عن ابن عمرَ عن النبيِّهِ، وحديثَ العبد عن ابن عمرَ عن عمرَ موقوفاً.
قلت: وقد أسنَدَ المؤلِّفُ حديثَ العبد مرفوعاً كما سيأتي التنبيه عليه في كتاب الشّربِ
(١) كذا قال الحافظ والعينى وغيرهما، وقال المزي في ((تحفة الأشراف)) (١٩٤٩٩): إبراهيم هو ابن المنذر،
وهشام: هو ابن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص القرشي المخزومي، إن شاء الله.

٢٢٩
باب ٩٠ / ح ٢٢٠٣ -٢٢٠٤
كتاب البيوع
(٢٣٧٩)، ونذكر هناك إن شاء الله تعالى ما وقع لصاحبٍ ((العُمدة))، وشارحيها من الوَهم
فيه. وحديثُ الحرثِ(١) لم يروِهِ غيرُ ابن جُرَيج، والروايةُ الموصولةُ ذكرها مالكٌ والليثُ كما
تَراه في هذا الباب (٢٢٠٤)، وفي الباب الذي يلي البابَ الذي بعده (٢٢٠٦)، ووَصَلَ
مالكٌ والليثُ وغيرُهما عن نافع عن ابن عمرَ قصَّةَ النَّخل دونَ غيرِها.
واختُلِفَ على نافعٍ وسالمٍ في رفع ما عَدا النَّخل: فرواه الزُّهْري عن سالم عن أبيه
مرفوعاً في قصَّة النَّخل والعبد معاً، هكذا أخرجه الحُفّاظُ عن الزُّهْرِي، وخالَفَهم سفيانُ
ابنُ حسينٍ، فزاد فيه: ابن عمرَ عن عمرَ مرفوعاً لجميع الأحاديث، أخرجه النَّسائي
(ك ٤٩٧١).
وروى مالكٌ والليثُ وأيوبُ وعُبيدُ الله بنُ عمرَ وغيرُهم، عن نافع، عن ابن عمرَ قصَّةً
النَّخل، وعن ابن عمرَ عن عمرَ قِصَّةَ العبد موقوفةً، كذلك أخرجه أبو داود (٣٤٣٤) من
طريق مالكٍ بالإسنادين معاً، وسيأتي في الشّرب (٢٣٧٩) من طريق مالكٍ في قصَّة العبد
موقوفةً. وجَزَمَ مسلمٌ والنَّسائي والدَّارَقُطني بترجيحِ رواية نافعِ المفَصّلة على رواية سالمٍ،
ومالَ عليٌّ بن المَدِيني والبخاري وابن عبد البَرِّ إلى ترجيحِ رواية سالمٍ.
ورُوي عن نافعٍ رفعُ القِصَّتَينِ، أخرجه النَّسائي (ك٤٩٦٣) من طريق عبد رَبِّه بن
سعيدٍ عنه، وهو وهمٌّ، وقد روى عبدُ الرزاق (١٤٦٢٢) عن مَعمَرٍ عن أيوبَ عن نافعٍ،
قال: ما هو إلَّا عن عمرَ شأنَ العبد، وهذا لا يَدِفَعُ (٢) قولَ من صَحَّحَ الطَّريقَينِ، وجَوَّزَ أن
يكونَ الحديثُ عند نافع عن ابن عمرَ على الوجهَين.
(١) تحرف في (س) إلى: الحارث.
(٢) جاء في الأصلين عندنا: وهذا يدفع من صحح الطريقين، على العكس في المعنى، والمثبت على الصواب
من (س)، موافقاً لما قرره الحافظ في ((موافقة الخُبْرِ الخَبَرَ)) ٣٩١/٢ حيث قال: ونقل الترمذي في
((العلل)) (يعني ((العلل الكبير)) بترتيب أبي طالب القاضي ١/ ٥٠٠) عن البخاري أنه صحح الروايتين،
وهذا هو المعتمد، فقد روى بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. أخرجه البيهقي بسند
صحیح ٣٢٥/٥.

٢٣٠
باب ٩٠ / ح ٢٢٠٣ -٢٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «وكذلك العبدُ والحرث)» يشيرُ بالعبد إلى حديث: ((من باع عبداً وله مالٌ، فمالُه
للبائع، إلّ أن يشترِطَ المبتاع))(١)، وصورةُ تشبيهه بالنَّخل من جهة الزَّوائد في كلٍّ منهما،
وأمَّا الحَرثُ، فقال القُرطُبي: إبارُ كلِّ شيءٍ بحَسبٍ ما جَرَت العادةُ أنَّه إذا فُعِلَ فيه نبت
ثمُه وانعَقَد (٢)، ثمَّ قد يُعبَّر به عن ظهور الثَّمَرة وعن انعِقادها، وإن لم يُفعَل فيها شيءٌ.
قوله: ((والحَرْث)) أي: الأرض المزروعة، فمَن باع أرضاً مَحروثةً وفيها زرعٌ فالزَّرع
للبائع، والخِلاف في هذه كالخِلاف في النَّخل، ويُؤْخَذُ منه أنَّ مَن أجَّرَ أرضاً وله فيها زرع
أنَّ الَّرِعَ للمُؤجِّرِ لا للمُستأجِ إِن تُصوِّرَت صورةُ الإجارة.
قوله ((سَمّى له نافع هؤلاءِ الثَّلاث)) قائلُ ((سَمّى)) هو ابن جُرَيج والضَّميرُ في (له)) لابن
أبي مُلَيكة.
وفي الحديثِ ما يدلُّ على قِلَّة تدليس ابن جُرَيج، فإنَّه كثيرُ الرِّواية عن نافعٍ ومَعَ ذلك
أفصَحَ بأنَّ بينهما في هذا الحديثِ واسطة(٣).
قوله: ((من باع نَخْلاً قد أُبِرَت)) في رواية نافع الآتية (٢٢٠٦) بعد يسيرٍ: «أتُّما رجلٍ أَبَرَ
نَخلاً ثمَّ باع أصلها ... )) إلى آخره، وقد استُدِلَّ بمنطوقِه على أنَّ من باع نَخلاً وعليها ثَمَرةٌ
مُؤبَرةٌ لم تَدخُلِ الثَّمَرةُ في البيعِ، بل تَستَمِرُّ على مِلكِ البائع، وبمفهومِه على أنَّها إذا كانت
غيرَ مُؤْبَرٍ أَّها تَدخُلُ في البيع، وتكونُ للمُشتَري، وبذلك قال ◌ُهورُ العلماء، وخالَفَهم
الأوزاعي وأبو حنيفةً، فقالا: تكونُ للبائع قبلَ التأبير وبعدَه، وعَكَسَ ابن أبي ليلى، فقال:
تكونُ للمُشتَرِي مُطلَقاً، وهذا كلَّه عند إطلاق بيع النَّخل من غير تَعرُّضٍ للثَّمَرة، فإن
شَرَطَها المشتري بأن قال: اشتريت النَّخْلَ بِثَمَرَتها كانت للمُشتَري، وإن شَرَطَها البائعُ
لنفسِه قبلَ التأبير كانت له، وخالَفَ مالكٌ، فقال: لا يجوزُ شرطُها للبائع.
(١) سيأتي برقم (٢٣٧٩).
(٢) في (س): نبتت ثمرته وانعقدت فيه، والمثبت من الأصلين، كما في ((المفهم)) للقرطبي.
(٣) من قوله: ((قوله: والحرث)) إلى هنا، وقع في (أ) والنسخ المطبوعة عند شرح حديث سالم عن ابن عمر
الآتي برقم (٢٣٧٩)، والصحيح أن موضعه هنا عند أثر نافع مولى ابن عمر، ولذلك نقلناه. وقد سقط
من (ع) في الموضعين.

٢٣١
باب ٩٠ / ح ٢٢٠٣ -٢٢٠٤
كتاب البيوع
والحاصلُ أنَّه يُستَفادُ من منطوقِه حُكمان، ومن مفهومِه حُكمان، أحدُهما: بمفهوم
الشَّرط، والآخرُ بمفهومِ الاستثناء.
قال القُرطُبي: القولُ بدلیل الخِطاب- يعني: بالمفهوم - في هذا ظاهرٌ، لأنه لو کان حکمُ
غير المؤبَرة حُكمَ المؤبَرة لكان تقييدُه بالشَّرط لَغْواً لا فائدةَ فيه.
تنبيه: لا يُشتَرَطُ في التأبير أن يُؤْبِّرَه أحدٌ، بل لو تأَبَّرَ بنفسِه لم يختلفِ الحكمُ عند جميعِ
القائلين به.
قوله: ((إلّا أن يشترِطَ المُبتاعُ)) المرادُ بالمبتاع: المشتري، بقرينة الإشارة إلى البائعِ بقوله:
((من باع)).
وقد استُدِلَّ بهذا/ الإطلاق على أنَّه يَصِحُّ اشتراطُ بعضِ الثَّمَرة كما يَصِحُ اشتراطُ ٤٠٣/٤
جميعها، وكأنَّه قال: إلَّا أن يشترِطَ الُبتاعُ شيئاً من ذلك، وهذه هي النُّكتةُ في حذفٍ
المفعول، وانفَرَدَ ابن القاسمِ، فقال: لا يجوزُ له شَرْطُ بعضها.
واستُدِلَّ به على أنَّ المؤبَر يُخالفُ في الحكمِ غيرَ المؤبَر. وقال الشافعيةُ: لو باع نَخلةَ بعضُها
مُؤْبَّرٌ وبعضُها غيرُ مُؤْيَرٍ، فالجميعُ للبائع، وإن باع نخلتَينِ فكذلك يُشتَرَطُ اتحادُ الصَّفْقة، فإن
أفرَدَ فلكلِّ حُكمُه. ويُشتَرَطُ كونُهما في بُستانٍ واحدٍ، فإن تَعدَّدَ فلكلِّ حُكْمُه. ونَصَّ أحمدُ على
أنَّ الذي يُؤْبَّرُ للبائع والذي لا يُؤْبَّرُ للمُشتَري، وجعل المالكيةُ الحكمَ للأغلَب.
وفي الحديث جوازُ التَّابِير وأنَّ الحكمَ المذكور مُخْتَصُّ بإناثِ النَّخل دونَ ذُكوره، وأمَّا
ذُكورُه فللبائع نظراً إلى المعنى، ومن الشافعية من أخذَ بظاهر التأبير، فلم يُفرِّق بين أُنثى
وذكرٍ، واختلفوا فيما لو باع نَخلةً وبقيتْ ثَمَرَتُها له، ثمَّ خرج طَلْعٌ آخرُ من تلك النَّخلة،
فقال ابن أبي هريرة: هو للمُشتَري لأنه ليس للبائع إلَّا ما وُجِدَ دونَ ما لم يُوجَد، وقال
الجمهورُ: هو للبائعِ لكونِه من ثَمَر المؤبَرة دونَ غيرها.
ويُستَفادُ من الحديث أنَّ الشَّرطَ الذي لا يُنافي مُقتَضى العقد لا يُفسِدُ البيعَ، فلا يَدخُلُ
في النَّهي عن بيعٍ وشرطٍ.

٢٣٢
باب ٩١ / ح ٢٢٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
واستَدَلَّ الطَّحاوي بحديث الباب على جواز بيع الثَّمَرة قبلَ بُدوِّ صلاحها، واحتَجَّ به
لمذهبِه الذي حَكَيناه في ذلك. وقد تعقّبه البيهقي وغيرُه: بأنَّه يُستَدَلُّ بالشيءٍ في غير ما وَرَدَ
فيه، حتَّى إذا جاء ما وَرَدَ فيه استدِلَّ بغيره عليه كذلك، فيُستَدَلُّ لجواز بيع الثَّمَرةِ قبلَ بُدوِّ
صلاحها بحديث التَّبير، ولا يُعمَلُ بحديث التأبير، بل لا فرقَ عنده كما تقدَّم في البيعِ قبلَ
التأبير وبعدَه، وأن الثَّمَرةَ في ذلك للمُشتَري سواءٌ شَرَطَها البائعُ لنفسِه أو لم يَشْرُطْها،
والجمعُ بين حديث التَّأبير وحديثِ النَّهي عن بيع الثَّمَرة قبلَ بُدوِّ الصلاح سهلٌ، بأنَّ
الثَّمَرَةَ في بيعِ النَّخل تابعةٌ للَّخلِ، وفي حديث النَّهي مُستقلّةٌ، وهذا واضحٌ جدّاً، والله
أعلمُ بالصواب.
٩١ - باب بيع الزَّرع بالطعام کیلاً
٢٢٠٥- حدّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: نهى
رسولُ اللهِوَلِّه عن المزابنةِ: أن يَبِيعَ ثَمَرَ حائطِهِ إن كان نَخلاً بتَمْرِ كَيلاً، وإن كان حَرْماً أن يَبِيعَه
بَزَبِيبٍ كَيلاً، وإنْ كان زَرْعاً أن يَبِيعَه بكَيلِ طعامٍ، ونهى عن ذلك كلِّه.
قوله: ((بابُ بيعِ الزَّرعِ بالطَّعامِ كَيلاً) ذكر فيه حديثَ ابن عمرَ في النَّهي عن المُزابَنة،
وفيه: ((وإن كان زرعاً أن يبيعَه بكيل طعامٍ)).
قال ابن بطَّالٍ: أجمع العلماءُ على أنَّه لا يجوزُ بيعُ الَّرعِ قبلَ أن يُقطَعَ بالطَّعام، لأنه بيعُ
مجهولٍ بمعلومٍ، وأمَّا بيعُ رَطْبِ ذلك بيابسِه بعد القطع وإمكان الماثلة، فالجمهورُ لا
يجيزونَ بيعَ شيءٍ من ذلك بجِنسِه لا مُتَفاضلاً ولا مُتَمَائِلاً. انتهى، وقد تقدَّم البحثُ في
ذلك قبلَ أبوابٍ (٢١٧١).
واحتَجَّ الطَّحاوي لأبي حنيفةَ في جواز بيعِ الَّرعِ الرَّطْبِ بالْحَبِّ اليابسِ بأنَّهم أجمعوا
على جواز بيعِ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ مِثْلاً بمثلٍ مع أنَّ رُطوبةَ أحدِهما ليست كَرُطوبة الآخر، بل
تَخْتَلِفُ اختلافاً مُتبايناً، وتُعُقِّبَ بأنَّه قياسٌ في مُقابَلة النصِّ، فهو فاسدٌ، وبأنَّ الرُّطَبَ
بالرُّطَبِ وإن تَفاوَتَ لكنَّه نُقصانٌ يسيرٌّ، فعُفي عنه لِقِلَّته بخلاف الرُّطَبِ بالتمر، فإنَّ
تَفاوُتَه تَفاوتٌ كثيرٌ، والله أعلم.

٢٣٣
باب ٩٢-٩٣ / ح ٢٢٠٦ -٢٢٠٨
كتاب البيوع
٩٢ - باب بيع النّخل بأصله
٢٢٠٦ - حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ
النبيَّ وَّرَ قال: / «أيُّما امرِئٍ أَبَرَ نَخلاً ثمَّ باعَ أصلَها، فللَّذي أَبَرَ ثَمرُ النَّخلِ إلا أن يشترِطَ ٤٠٤/٤
المبتاعُ)).
قوله: ((بابُ بيعِ النَّخلِ بأصلِهِ)) ذكر فيه حديثَ ابن عمرَ في التَّأبير، وقد تقدَّم البحثُ فيه
قبلُ ببابٍ (٢٢٠٤)، وأورَدَه هنا من رواية الليث عن نافع، بلفظ: «أُّما امرِئٍ أبَرَ نَخلاً، ثمَّ
باع أصلها)».
قال ابن بطَّالٍ: ذهب الجمهورُ إلى منع من اشترى النَّخْلَ وحدَه أن يشتري ثَمَرَه قبلَ
بُدوِّ صلاحه في صَفْقةٍ أُخرى، بخلاف ما لو اشتراه تَبَعاً للنَّخلِ، فيجوز، وروى ابن
القاسمِ عن مالكِ الجوازَ مُطلَقاً، قال: والأوَّلُ أَولِى لعموم النَّهي عن ذلك.
٩٣ - باب بيع المخاضَرة
٢٢٠٧ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ وَهْب، حدَّثنا عمرُ بنُ يونسَ، قال: حدَّثني أَبي، قال: حدّثنا
إسحاقُ بنُ أبي طلحةَ الأنصاريُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ◌َُ، أنَّه قال: نهى رسولُ اللهِِّ عن
المحاقَلةِ، والمخاضَرةِ، والملامسةِ، والمنابَذةِ، والمزابنة.
٢٢٠٨ - حدَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ النبيَّ وَلـ
نهى عن بيعٍ ثَمَرِ التَّمرِ حتَّى يَزهُوَ. فقلنا لأنسِ: ما زَهْوُها؟ قال: تحمرٌ وتصفرُّ، أرأيتَ إن مَنَعَ
اللهُ الَّمَرَ، بِمَ تَستَحِلُّ مالَ أخيكَ؟
قوله: ((بابُ بيع المخاضَرةٍ)) بالخاءِ والضّاد المعجَمْتَين، وهي مُفَاعَةٌ من الخُضْرةِ، والمرادُ
بيعُ الثِّار والحبوب قبلَ أن يَبْدُوَ صلاحُها.
قوله: ((حدَّثنا إسحاقُ بنُ وَهبٍ)) أي: العَلَّافُ الواسطي، وهو ثقةٌ، ليس له ولا لشيخِه
ولا لشيخ شيخِه في البخاري غيرُ هذا الموضع.

٢٣٤
باب ٩٤ / ح ٢٢٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثْنا عمرُ بنُ يونسَ، حدَّثني أبي)) هو يونسُ بنُ القاسمِ اليَمامي، من بني حنيفة،
وثَّقَه يحيى بن معينٍ وغیرُه، وهو قليلُ الحديث.
قوله: ((عن المحاقَلةِ)) قال أبو عُبيدٍ: هو بيعُ الطَّعام في سُنبُلِه بالبُرِّ، مأخوذٌ من الحقل.
وقال الليثُ: الحقلُ: الزّرعُ إذا تَشَعَّبَ من قبل أن يَغْلُظَ سوقُه، والمنهي عنه: بيعُ الَّرعِ
قبلَ إدراكه، وقيل: بيعُ الثَّمَرة قبلَ بُدوِّ صلاحها، وقيل: بيعُ ما في رؤوسِ النَّخل بالتَّمر،
وعن مالكٍ: هي كِراءُ الأرضِ بالحِنطة، أو بكلِّ طعامٍ، أو إدام، والمشهورُ: أنَّ المحاقَلةَ كِراءُ
الأرضِ ببعضٍ ما تُنِت، وسيأتي البحثُ فيه في كتاب المزارعة (٢٣٢٧) إن شاء الله تعالى.
وقد تقدَّم الكلامُ على الملامسة (٢١٤٤) والمنابَذة (٢١٤٦) في بابه، وكذلك المزابنةُ
(٢١٨٥)، زاد الإسماعيلي في روايته: قال يونسُ بنُ القاسمِ: والمخاضَرةُ: بيعُ الثِّار قبلَ أن
تُطعِمَ، وبيعُ الَّرع قبلَ أن يَشتَدَّ ويُفرَكَ منه. وللطَّحاوي (٢٣/٤-٢٤): قال عمرُ بنُ
يونس: فسَّر لي أبي في المخاضَرة، قال: لا يُشتَرى من ثَمَر النَّخل حتَّى يُونِعَ: يحمرُّ أو يصفرّ.
وبيعُ الَّرعِ الأخضَر ممّا يُحْصَدُ بطناً بعد بطنٍ ممَّا يُهتَمُّ بمعرفة الحكم فيه، وقد أجازَه
الحنفيَّةُ مُطلَقاً، ويَثْبُتُ الخيارُ إذا اختُلِفٍ، وعند مالكِ: يجوزُ إذا بَدا صلاحُه، وللمُشتَري
ما يَتَجدَّدُ منه بعد ذلك حتَّى يَنْقَطِعِ، ويُغْتَفَرُ الغَرَرُ في ذلك للحاجة، وشَبَّهَه بجواز کِراءِ
خِدْمَةِ العبد مع أنَّها تَتَجدَّدُ وتَخْتَلِف، وبكِراءِ المرضِعة مع أنَّ لبنَها يَتَجدَّدُ، ولا يُدرى كَم
يَشرَبُ منه الطِّفل، وعند الشافعية يَصِحُّ بعد بُدوِّ الصلاح مُطلَقاً، وقبله يَصِحُّ بشرط
القطع. ولا يَصُِّ بِعُ الحَبِّ في سُنبُلِه، كالجَوْز واللَّوز.
ثم ذكر في الباب حديثَ أنسٍ في النَّهي عن بيع ثَمَر النَّخل حتَّى يَزُهُو، وقد تقدَّم البحثُ
فيه قريباً (٢١٩٧).
٤٠٥/٤
٩٤ - باب بيع الجُمّار وأكله
٢٢٠٩ - حدَّثنا أبو الوليد هشامُ بنُ عبد الملِكِ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ،

٢٣٥
باب ٩٤ -٩٥ / ح ٢٢٠٩
كتاب البيوع
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: كنتُ عندَ النبيِّ وَِّ وهو يأكلُ بُمَاراً، فقال: ((مِنَ الشَّجَرِ
شَجَرةٌ كالرجلِ المؤمنِ)) فأَرَدتُ أن أقولَ: النَّخْلةُ، فإذا أنا أحدَثُهم، قال: ((هِيَ النَّخْلُ)).
قوله: ((بابُ بيعِ الجُّار وأكلِهِ)) بضمِّ الجيمِ وتشديد الميمِ: هو قلبُ النَّخلة، وهو معروفٌ.
ذكر فيه حديث ابن عمر: ((من الشَّجَر شَجَرةٌ كالرجل المؤمن)»، وقد تقدَّمت مباحثُه في
كتاب العلمِ (٦١)، وليس فيه ذكرُ البيعِ، لكن الأكل منه يقتضي جوازَ بيعِه. قاله ابن المنيِّر.
ويحتملُ أن يكونَ أشار إلى أنَّه لم يَجِد حديثاً على شرطِه يدلَّ بمطابقته على بيع الجمار.
وقال ابن بطَّالٍ: بيعُ الجمار وأكلُه من المُباحات بلا خلافٍ، وكلَّ ما انتُفِعَ به للأكلِ،
فبیعُه جائزٌ.
قلت: فائدةُ الترجمة رفعُ توهُّم المنع من ذلك، لأنه قد يُظَنُّ إفساداً وإضاعةً، وليس
كذلك، وفي الحديث أكلُ النبيِ وَّهِ بِحَضرة القومِ، فيُرَدُّ بذلك على من كَرهَ إظهار الأكل
واستَحَبَّ إخفاءَه قياساً على إخفاء تَخَرَجِه.
٩٥ - باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة
والكيل والوزن، وسننهم على نيّاتهم ومذاهبهم المشهورة
وقال شُرَيحٌ للغَزّالينَ: سُنَُّكُم بِينَكُم.
وقال عبدُ الوهَّاب، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ: لا بأسَ العَشَرةُ بأحدَ عَشَرَ، ويأخُذُ للنَّفْقِةِ ربحاً.
وقال النبيُّ ◌َلّ لهندٍ: «خُذي ما يَكِفِيكِ ووَلَدَكِ بالمعروفِ».
وقال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
واكتَرَى الحسنُ من عبد الله بنِ مِرْداسٍ حماراً، فقال: بِكَم؟ قال: بدانَقَينِ، فَرَكِبَه ثمَّ جاءَ
مرَّةً أُخرَى، فقال: الحمارَ الحمارَ، فَرَكِبَه ولم يُشارِطْه، فَبَعَثَ إليه بنصفِ دِرهَمٍ.
قوله: «بابُ من أجرى أمرَ الأمصار على ما يتعارفونَ بينهم في البيوعِ والإِجارة والكَيلِ ٤٠٦/٤
والوزنِ وسُنَّنِهِم على نِيَّاتهم ومَذاهبِهم المشهورةٍ)) قال ابن المنيِّر وغيرُه: مقصودُه بهذه الترجمة

٢٣٦
باب ٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
إثباتُ الاعتماد على العُرف، وأنَّه يُقضَى به على ظواهر الألفاظ. ولو أنَّ رجلاً وَكَّلَ رجلاً
على بيعِ سلعةٍ، فباعها بغير النَّقْد الذي هو عُرْفُ الناسِ(١) لم يَجُز، وكذا لو باع موزوناً أو
مَكيلاً بغير الكَيل أو الوزن المعتاد، وذكر القاضي الحسينُ من الشافعية: أنَّ الزُّجوعَ إلى
العُرفِ أحدُ القواعد الخمسِ التي يُبنى عليها الفقه:
فمنها: الرُّجوعُ إلى العُرفِ في معرفة أسباب الأحكام من الصِّفات الإضافية، كَصِغَر
ضَبّةِ الفِضّة وكِبَرَها، وغالبِ الكثافة في اللِّحية ونادرِها، وقُربٍ مَنزِلِه وبُعدِه، وكَثْرةِ فعلِ
أو كلام وقِلَّتِه في الصلاة (٢)، وثمن مثلٍ، ومَهْر مثلٍ، وكُفْء نِكاحٍ، ومُؤنةٍ، ونَفَقٍ، وكِسوةٍ،
وسُكنى، وما يليقُ بحال الشّخصِ من ذلك.
ومنها: الرُّجوعُ إليه في المقادير، كالحيضِ والطُّهر، وأكثر مُدّة الحملِ، وِسِنِّ اليأس.
ومنها: الرُّجوعُ إليه في فعل غير مُنضَبِطٍ ترتَّبتْ عليه الأحكامُ، كإحياء الموات والإذن
في الضّيافة، ودخول بيت قريبٍ، وتَبسُّطٍ مع صديقٍ، وما يُعَدُّ قَبضاً وإيداعاً وهَديةً
وغَصْباً، وحِفظَ وديعةٍ، وانتِفاعاً بعاريّةِ.
ومنها: الرُّجوعُ إليه في أمرٍ مُخصَّصٍ، كألفاظِ الأيمان، وفي الوقفِ، والوَصيَّة، والتفويضِ
ومقادير المكاييل والموازينِ، والنُّقود، وغير ذلك.
قوله: ((وقال شُرَيْحٌ للغَزّالينَ)) بالمعجمة وتشديد الزاي.
قوله: ((سُنَّتْكُم بينكم)) أي: جائزةٌ، وهذا يدلُّ(٣) على أن تُقرأ ((سُنَّتَكم)) بالرفع، ويحتملُ
أن تُقرأ بالنَّصبِ، على حذفٍ فعلٍ، أي: الزَموا.
وهذا وَصَله سعيدُ بنُ منصورٍ (٤) من طريق ابن سِيرِين: أنَّ ناساً من الغَزّالين اختَصَموا
(١) في (س): الذي عَرَفَ الناس.
(٢) زاد في (س) وطبعة بولاق بعد هذا: ومقابلاً بعِوَضٍ في البيع وعيناً. وجاء في هامش طبعة بولاق ما
نصه: كذا بالنسخ التي بأيدينا، ولعل قبل ((ومقابلاً)) سقط من الناسخ.
(٣) قوله: ((يدلّ)) سقط من (س).
(٤) وهو أيضاً في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٣٨/٧.

٢٣٧
باب ٩٥
كتاب البيوع
إلى شُرَيحِ في شيءٍ كان بينهم، فقالوا: إنَّ سُنَّتَنا بيننا كذا وكذا، فقال: سُنَّتُكُم بينكم.
تنبيه: وقع في بعضِ نُسَخ الصحيح: سُنَّتُكم بينكم رِبحاً، وقوله: ((رِبحاً) لفظةٌ زائدةٌ،
لا معنى لها هنا، وإنَّما هي في آخر الأثر الذي بعده.
قوله: ((وقال عبدُ الوهَّاب)) هو ابن عبد المجيدِ ((عن أيوبَ، عن محمدٍ)) هو ابن سِيرِین،
وهذا وَصَله أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ(١) عن عبد الوهّاب هذا.
قوله: ((لا بأسَ العَشَرَةُ بأحدَ عشرَ)) أي: لا بأسَ أن يبيعَ ما اشتراه بمئة دينارٍ مثلاً، كلّ
عشرةٍ منه بأحدَ عشرَ، فيكون رأس المال عشرةً والرِّبحُ ديناراً.
قال ابن بطَّالٍ: أصلُ هذا الباب بيعُ الصُّبْرةِ كلَّ قَفيزِ بدرهم من غير أن يُعلَمَ مِقدارُ
الصُّبْرة، فأجازَه قومٌ، ومَنَعَه آخرونَ.
قلت: وفي كون هذا الفرعِ هو المرادَ من أثر ابن سِيرِين نظرٌ لا يخفى.
وأمّا قوله ((ويأخُذُ لِلنَّفَقة رِبحاً)) فاختلفوا فيه، فقال مالكٌ: لا يأخُذُ إلَّا فيما له تأثيرٌ
في السِّلعة كالصَّبغ والخياطةِ، وأمَّا أُجرةُ السِّمسار والطَّيِّ والشَّدِّ فلا، قال: فإن أربَحَه
المشتري على ما لا تأثيرَ له جازَ، إذا رضي بذلك.
وقال الجمهورُ: للبائعِ أن يَحِسُبَ في المرابحة جميع ما صَرَفَه، ويقول: قامَ عليَّ بكذا.
ووجه دخول هذا الأثر في الترجمة: الإشارةُ إلى أنَّه إذا كان في عُرفِ البلد أنَّ المشترى ٤٠٧/٤
بعشرة دراهمَ يُباعُ بأحدَ عشرَ، فباعه المشتري على ذلك العُرفِ، لم يكن به بأس.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ- لهندٍ)) أي: بنتِ عُتْبةَ زوج أبي سفيانَ، وقد ذكر قِصَّتَها موصولةً
في الباب.
قوله: ((واكتَرى الحسنُ)) أي: البصري ((من عبد الله بن مِرداسٍ حماراً ... )) إلى آخره،
وَصَله سعيدُ بنُ منصورٍ عن هُشَيم عن يونسَ، فذكر مثله.
(١) في ((مصنفه)) ٦/ ١٠٧ بلفظ: أنه كان لا يرى بأساً أن يأخذ للنفقة ربحاً، دون قوله: لا بأس العشرة بأحد
عشر.

٢٣٨
باب ٩٥ / ح ٢٢١٠ -٢٢١٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: (الحمارَ الحمارَ)) بالنَّصبِ فيهما بفعلِ مُضمَرٍ، أي: أحضِر أو اطلُب، ويجوزُ الرفعُ،
أي: المطلوب.
والدّانُ: بالمهمَلة ونونٍ خفيفةٍ مكسورةٍ، بعدها قافٌ: سُدُس(١) درهم.
ووجه دخوله في الترجمة ظاهرٌ من جهة أنَّه لم يُشارِطْه اعتماداً على الأُجرة المتقدِّمة،
وزاده بعد ذلك على الأُجرة المذكورة على طريق الفَضْل.
٢٢١٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، عن أنسِ بنِ مالكِ
◌َّ، قال: حَجَمَ رسولَ اللهَوَّ أَبُو طَيْبةَ، فَأمُرَ له رسولُ اللهِ وَ لّ بصاع من تمرٍ، وأمَرَ أهلَه أن
يُخفِّفوا عنه من خَراجِه.
٢٢١١ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها،
قالت هِندٌ أُمّ معاويةَ لرسولِ اللهِوَ له: إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، فَهَل عليَّ جُناٌ أن آخُذَ من
ماله ◌ِرّاً؟ قال: ((خُذي أنتِ وبَنِیكِ ما يَكفِیكِ بالمعروفِ)).
[أطرافه في: ٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠]
٢٢١٢ - حدَّثْني إسحاقُ، حدَّثنا ابنُ نُمَير، أخبرنا هشامٌ (ح) وحدَّثني محمَّدُ بنُ سَلَامِ،
قال: سمعتُ عثمانَ بنَ فرقَدٍ، قال: سمعتُ هشامَ بنَ عُرْوَ يُحدِّثُ عن أبيه، أنَّه سمعَ عائشةً
رضي الله عنها تقولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلّ ◌ِلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]
أَنْزِلَت في والي اليتيمِ الَّذي يُقِيمُ عليه ويُصلِحُ في مالِه إن كان فقيراً أُكَلَ منه بالمعروف.
[طرفاه في: ٢٧٦٥، ٤٥٧٥]
ثمَّ ذكر المصنِّفُ في الباب ثلاثةَ أحاديث:
أحدها: حديثُ أنسٍ في حِجَامة(٢) أَبِي طَيْبةَ، وقد تقدَّم ذكرُه في أوائل البيوع (٢١٠٢)،
وساقه فيه بهذا الإسناد، ووجه دخوله في الترجمة كونُه وَلّه لم يُشارِطْه على أُجَرَته، اعتماداً
على العُرفِ في مثلِه.
(١) في (س): وزن سدس.
(٢) في (س): قصة.

٢٣٩
باب ٩٦ / ح ٢٢١٣
كتاب البيوع
ثانيها: حديثُ عائشةَ في قصَّة هِندٍ، وسيأتي الكلامُ عليه في كتاب النَّفْقات (٥٣٥٩)،
والمرادُ منها قوله: ((خُذي من ماله ما يَكفِيك بالمعروف))، فأحالها على العُرفِ فيما ليس فيه
تحدیدٌ شرعي.
ثالثها: حديثُ عائشةَ في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾، وسيأتي الكلامُ عليه
في تفسير سورة النِّساءِ (٤٥٧٥) إن شاء الله تعالى، فإنَّه ساقه عن إسحاقَ هذا بهذا الإسناد،
فَظَهَرَ من سياقه أنَّه هنا بلفظ عثمانَ بن فرقَدٍ، وهناك بلفظ عبد الله بن نُمَیر، وقد ذكره هنا
بلفظ: ((والي اليتيمِ الذي يُقيمُ عليه))، وقال ابن التِّينِ: الصوابُ ((يقوم))، لأنه من القيام لا
من الإقامة.
قلت: وكذا أخرجه أبو نُعيمٍ من وجهٍ آخرَ عن هشامٍ، ولم يقع في رواية ابن نُمَير شيءٌ
من ذلك، ولا في رواية أبي أسامةَ في الوصايا (٢٧٦٥)، وروايةُ: ((يُقيم)) موجَّهةٌ، أي:
يُلازمُه أو يُقیمُ نفسَه علیه.
وإسحاقُ شيخُ البخاري فيه: هو ابن منصورٍ كما جَزَمَ به خَلَفٌ وغيرُه في ((الأطراف)»،
وقد استَخرَجَه أبو نُعيمٍ من مُسنَد إسحاقَ بن راهويه عن ابن نُمَير، وقال: أخرجه
البخاري عن إسحاق، وقال في التفسير: أخرجه البخاري عن إسحاقَ بن منصورٍ.
وهشامٌ: هو ابن عُرْوةَ، وعثمانُ بنُ فَرقَدٍ - بفاءٍ وقافٍ، وزنُ: جعفرٍ - هذا: هو العَطّارُ
البصري، فيه مَقالٌ، لكن لم يُخْرِّج له البخاري موصولاً سوى هذا الحديث، وقد قَرَنَه بابن
نُمَير، وذكر له آخرَ تعليقاً في المغازي (٤١٤٥)، والمرادُ منه في الترجمة: حَوَالٌ والي اليتيمِ في
أكله من ماله على العُرْف.
٩٦ - باب بيع الشَّریك من شریکه
٢٢١٣- حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ،
عن جابرٍ ع: جعلَ رسولُ اللهِ وَّةِ الشُّفْعَةَ في كلِّ مالٍ لم يُقسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ
الطُّرِقُ، فلا شُفْعَةَ.
[أطرافه في: ٢٢١٤، ٢٢٥٧، ٢٤٩٥، ٢٤٩٦، ٦٩٧٦]

٢٤٠
باب ٩٧ / ح ٢٢١٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابُ بيعِ الشَّريكِ من شَرِيكِه)) قال ابن بطَّالٍ: هو جائزٌ في كلِّ شيءٍ مُشاعٍ، وهو
كبيعه من الأجنبي، فإن باعه من الأجنبي فللشَّريكِ الشُّفعةُ، وإن باعه من الشَّريكِ،
ارتَفَعَتِ الشُّفعة.
وذكر فيه حدیثَ جابر في الشُّفعة، وسيأتي الكلامُ عليه في بابه (٢٢٥٧).
وحاصلُ كلام ابن بطَّالٍ مُناسَبةُ الحديث للتَّرجمة، وقال غيرُه: معنى الترجمة حُكمُ بيعٍ
الشَّريكِ من شَريكِهِ، والمرادُ منه: حَضُّ الشَّريكِ أن لا يبيعَ ما فيه الشُّفعةُ إلَّا من شَرِيكِه،
لأنه إن باعه لغيره، كان للشَّريكِ أخذُه بالشُّفعة قَهراً، وقيل: وجه المناسبة: أنَّ الدّار إذا
٤٠٨/٤ كانت بين ثلاثةٍ، فباع أحدُهم الآخرَ، كان للثالثِ أن يأخُذَ بالشُّفعة/ ولو كان المشتري
شَريكاً. وقيل: ينبني على الخلاف: هل الأخذُ بالشُّفعة أخذٌ من المشتري أو من البائعِ؟ فإن
كان من المشتري فيكون شَريكاً، وإن كان من البائع فهو شَريكُ شَرِيكِه. وقيل: مُرادُه أنَّ
الشَّفيعَ إن كان له الأخذُ قَهراً، فللبائع إذا كان شَرِيكَه أن يبيعَ له ذلك بطريق الاختيار،
فهو أولى، والله أعلم.
٩٧ - باب بيع الأرض والدُّور والعُروض مُشاعاً غير مقسوم
٢٢١٤ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ محبوبٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي
سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: فَضَى النبيُّ وََّ بِالشُّفعةِ في
كلِّ ما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرقُ، فلا شُفْعَةَ.
حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحد، بهذا، وقال: ((في كلِّ ما لم يُقْسَمْ)).
تابَعَه هشامٌ عن مَعمَرٍ .
قال عبدُ الرَّزّاقِ: ((في كلِّ مالٍ)). رواه عبدُ الرحمن بنُ إسحاق، عن الزُّهْريّ.
قوله: ((بابُ بيعِ الأرضِ والدُّور والعُروضِ مُشاعاً غيرَ مقسوم)) ذَكَرَ فيه حديث جابر في
الشُّفعة أيضاً، وسيأتي في مكانه (٢٢٥٧). وذَكَرَ هنا اختلافَ الرُّواة في قوله: كلّ ما لم
يُقسَم، أو: كلِّ مالٍ لم يُقْسَم، فقال عبدُ الواحد بن زيادٍ وهشامُ بنُ يوسفَ عن مَعمَرٍ: كلٍّ