Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ باب ٨٣ / ح ٢١٩٠ كتاب البيوع واحتَجَّ بعض المالكية بأنَّ لفظة: ((دونَ)) صالحةٌ لجميع ما تحت الخمسة، فلو عَمِلنا بها لَلَزِمَ رفعُ هذه الرُّخصة، وتُعُقِّبَ بأنَّ العملَ بها مُمكِّنٌ بأن يُحِمَلَ على أقلِّ ما تَصْدُقُ عليه، وهو المفتى به في مذهب الشافعي، وقد روى الترمذي (١٣٠١) حديث الباب من طریق زید ابن الحُباب عن مالكٍ بلفظ: أرخَصَ في بيعِ العَرايا فيما دونَ خمسة أوسُق، ولم يتردّد في ذلك. وزَعَمَ المازَرِيّ أنَّ ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسُق لُرودِه في حديث جابر من غير شَكٍّ فيه (١) فتَعيَّنَ طَرحُ الرواية التي وقع فيها الشكُّ والأخذُ بالرواية المتيَقَّنة، قال: وألزَمَ الُزَنُّ الشافعيَّ القولَ به، انتھی. وفيما نقله نظرٌ، أمَّا ابن المنذر فليس في شيءٍ من كُتُبِهِ ما نقله عنه، وإنَّما فيه ترجيح القول الصائِ إلى أنَّ الخمسةَ لا تجوزُ، وإنَّما يجوزُ ما دونَها، وهو الذي ألزَمَ المُزَنِيُّ أن يقولَ به الشافعيُّ كما هو بيِّنٌ من كلامه، وقد حكى ابن عبد البَرِّ هذا القول عن قومٍ، قال: واحتَجّوا بحديث جابر، ثمَّ قال: ولا خلافَ بين الشافعي ومالك ومن اتَّبَعَهما في جواز العَرايا في أكثر من أربعة أوسُقِ مَّا لم يَبلُغ خمسة أوسُقٍ، ولم يَثْبُت عندهم حديثُ جابر. قلت: حديثُ جابر الذي أشار إليه أخرجه الشافعي(٣)، وأحمد (١٤٨٦٨) وصَخَّحَه ٣٨٩/٤ ابن خُزَيمة (٢٤٦٩) ابن حِبَّان (٥٠٠٨) والحاكمُ (٤١٧/١) أخرَ جوه كلّهم من طريق ابن إسحاق، حدَّثني محمد بن يحيى بن حِبّانَ، عن عَمِّه واسع بن حِبّانَ، عن جابر: سمعتُ رسول الله وَ﴿ يقول حين أذِنَ لأصحاب العَرايا أن يبيعوها بخَرْصها يقول: ((الوَسْقُ والوَسْقَين والثلاثة والأربعة)) لفظ أحمد، وترجمَ عليه ابن حِبَّان: الاحتياط أن لا يزيدَ على أربعة أوسُق، وهذا الذي قاله يَتعيَّنُ المصير إليه، وأمَّا جَعلُه حَدّاً لا يجوزُ تَجَاوُزه فليس بالواضح، واحتَجَّ بعضهم لمالكِ بقول سهل بن أبي حَتْمة: إنَّ العَربيّةَ تكونُ ثلاثة أوسُقِ أو أربعةً أو خمسةً، وسيأتي ذِكْره في الباب الذي يليه، ولا حُجّةً فيه، لأنه موقوف. (١) سيخرّجه الحافظ قريباً. (٢) لم نجد هذا الحديث في شيء من كتب الشافعي المطبوعة، ولم يخرجه عنه البيهقي في شيء من كتبه المطبوعة على عادته إذا كان عنده من رواية الشافعي، وإنما أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣١١/٥ من طريق أحمد بن خالد الوَهْبي عن محمد بن إسحاق، فالله أعلم. ٢٠٢ باب ٨٣ / ح ٢١٩١ فتح الباري بشرح البخاري ومن فروعٍ هذه المسألة: ما لو زاد في صَفْقةٍ على خمسةِ أوسُق فإنَّ البيعَ يَبطُلُ في الجميع. وخرَّج بعض الشافعية من جواز تَفريق الصَّفقة: أنَّه يجوز، وهو بعيدٌ لوضوحِ الفرق. ولو باع ما دونَ خمسة أوسُقِ في صَفْقَةٍ، ثمَّ باع مثلها البائعُ بعَينِهِ للمُشتَري بعَينِه في صَفقةٍ أُخرى جازَ عند الشافعية على الأصحّ، ومَنَعَه أحمد وأهل الظّاهر، والله أعلم. قوله: ((قال: نعم)) القائل هو مالكٌ، وكذلك أخرجه مسلم (١٥٤١) عن يحيى بن يحيى، قال: قلت لمالكٍ: أحدَّثَكَ داود؟ فذكره وقال في آخره: نعم، وهذا التحَمُّل يُسمَّى عَرْضَ السَّماع، وكان مالكٌ يختارُه على التحديث من لفظه. واختلفَ أهلُ الحديث هل يُشْتَرَطُ أن يقولَ الشيخُ: نعم أم لا، والصحيح أنَّ سكوتَه يُنَزَّل مَنزِلَةَ إقراره إذا كان عارفاً ولم يَمِنَعه مانعٌ، وإذا قال: نعم، فهو أولى بلا نزاع. ٢١٩١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سفيانُ، قال: قال يحيى بنُ سعيدٍ: سمعتُ بُشَيراً، قال: سمعتُ سهلَ بنَ أبِي خَثْمَةَ: أَنَّ رسولَ اللهَِّ نهى عن بيع الثَّمَرِ بالتَّهْرِ، وَرَخَّصَ في العَرِيَّةِ، أن تُباعَ بِخَرْصِها يأكلُها أهلُها رُطَباً. وقال سفيانُ مرَّةً أُخرَى: إلا أنَّه رَخَّصَ في العَرِيَّةِ يَبِيعُها أهلُها بخَرصِها يأكلونَها رُطَباً. قال: هو سَواءٌ. قال سفيانُ: فقلتُ ليحيى وأنا غُلامُ: إنَّ أهلَ مَكّةَ، يقولونَ: إِنَّ النبيَّ ◌َّهِ رَخَّصَ لهم في بيعِ العَرايا، فقال: وما يُدري أهلَ مَكّةَ؟ قلتُ: إنَّهم يَروُونَه عن جابرٍ، فَسَكَتَ. قال سفيانُ: إنَّما أردتُ أنَّ جابراً من أهلِ المدينة. قيلَ لسفيانَ: أَليسَ فيه: نَهَى عن بيعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبدوَ صَلاحُه؟ قال: لا. [طرفه في: ٢٣٨٤ ] قوله: ((سفيان)) هو ابن عُيَينة. قوله: ((قال يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، وسيأتي في آخر الباب ما يدلُّ على أنَّ سفيان صَرَّحَ بتحديث يحيى بن سعيد له به، وهو السِّرُّ في إيراد الحِكاية المذكورة. قوله: ((سمعتُ بُشَيراً)) بالموخَّدة والمعجَمة مُصغَّراً: وهو ابن يَسارٍ - بالتحتانية ثمَّ المهمَلة مُخفَّفاً - الأنصاري. ٢٠٣ باب ٨٣ / ح ٢١٩١ كتاب البيوع قوله: ((سمعتُ سهل بن أبي حَثْمة)) زاد الوليد بن كثير عند مسلم (١٥٤٠/ ٧٠) عن بُشَیر ابن يسار: أنَّ رافع بن خديج وسهل بن أبي خَثْمة حدَّثاه، ولمسلم (٦٧/١٥٤٠) من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن بُشَير بن يسار: عن بعضِ أصحاب رسول الله وَّ، منهم سهل بن أبي حئمة. قوله: ((أن تُباعَ بخَرْصِها» هو بفتح الخاءِ المعجَمة، وأشار ابن الِّين إلى جواز كسرها، وجَزَمَ ابن العربي بالكسر، وأنكَرَ الفتحَ، وجَوَّزَهما النَّووي، وقال: الفتح أشهَر، قال: ومعناه: بقَدْرِ ما فيها إذا صار تمراً، فمن فتحَ قال: هو اسم الفعل، ومن كَسَرَ قال: هو اسمٌ للشيء المخروصِ. انتهى، والخَرْصُ هو التخمينُ والحَدْس، وسيأتي الكلامُ عليه في الباب الذي يليه في تفسیر العَرایا. قوله: ((وقال سفيان مَرَّةً أخرى ... )) إلى آخره، هو كلامُ عليّ بن عبد الله، والغرض أنَّ ابن عُيَينة حدَّثَهم به مرَّتين على لفظَينٍ، والمعنى واحد، وإليه الإشارةُ بقوله: هو سواءٌ، أي: المعنى واحد. قوله: ((قال سفيان)) أي: بالإسناد المذكور ((فقلت ليحيى)) أي: ابن سعيد لمَّا حدَّثَه به. قوله: ((وأنا غُلامٌ)) جُملة حاليَّة، والغرضُ الإشارة إلى قِدَم طلبِه وتقدُّم فِطنَتَه، وأنَّه كان في سِنِّ الصِّبا یُناظِرُ شیوخه ویباحثھم. قوله: ((رَخَّصَ لهم في بيع العَرايا)) مَحَلّ الخلاف بين رواية يحيى بن سعيد ورواية أهل مكّةَ: أنَّ يحيى بن سعيد قَيَّدَ الرُّخصة في بيعِ العَرايا بالخَرْصِ، وأن يأكلها أهلُها رُطَباً. وأمَّا ابن عُيَينة في روايته عن أهل مكّةَ، فأطلقَ الرُّخصة في بيعِ العَرايا، ولم يُقَيِّدها بشيءٍ ممَّا ذُكِرَ. قوله: ((قلت: إنَّهم يَروُونَه عن جابر)) في رواية أحمد في «مُسنَده)) (١٦٠٩٢) عن سفيان: قلت: أخبرهم عطاء أنَّه من جابر. قلت: وروايةُ ابن عُيَينة كذلك عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ عن جابر، تقدَّمت الإشارة إليها، وأنَّها تأتي في كتاب الشرب (٢٣٨٢)، وهي على الإطلاق کما في روايته التي في أوَّل الباب (٢١٨٩). ٢٠٤ باب ٨٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال سفيان)) أي: بالإسناد المذكورِ ((إنَّما أردت)) أي: الحاملُ لي على قولي ليحيى ابن سعيد: إنَّهم يروونَه عن جابر «أنَّ جابراً من أهلِ المدينة» فيَرجِعُ الحديثُ إلى أهل ٣٩٠/٤ المدينة،/ وكان ليحيى بن سعيد أن يقولَ له: وأهلُ المدينة رووا أيضاً فيه التقييد، فيُحمَلُ المطلَق على المقيَّد حتَّى يقومَ الدَّليلُ على العمل بالإطلاق، والتقييد بالخَرصِ زيادة حافظ فَتَعِيَّنَ المصير إليها. وأمَّا التقييدُ بالأكل فالذي يَظهَرُ أنَّه لبيان الواقع، لا أنَّه قَيِدٌ، وسيأتي عن أبي عُبيد أنَّه شرطُه، والله أعلم. قوله: ((قيل لسفيان)) لم أقف على تسمية القائل. قوله: ((أليس فيه)) أي: في الحديث المذكورِ ((نهى عن بيع الثَّمَر حتَّى يَبدوَ صلاحُه؟ قال: لا)) أي: ليس هو في حديث سهل بن أبي حَثْمة، وإن كان هو صحيحاً من رواية غيره، وسيأتي بعد باب (٢١٩٣). وقد حدَّثَ به عبد الجبّار بن العلاء عن سفيان في حديث الباب بهذا اللَّفظ الذي نَفاه سفيان(١)، وحكى الإسماعيلي عن ابن صاعدٍ: أنَّه أشار إلى أنَّه وهِمَ فيه. قلت: قد أخرجه النَّسائي (٤٥٤٢) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزُّهْري، عن سفيان كذلك، فظَهَرَ أنَّ عبد الجبّار لم يَنفَرِد بذلك. ٨٤ - باب تفسير العرايا وقال مالكٌ: العَرِيَّةُ: أن يُعرِيَ الرجلُ الرجلَ النَّخلةَ، ثمَّ يَتأَذَّى بدخولِه علیه، فرُخِّصَ له أن يشتريها منه بتمرٍ . وقال ابنُ إدرِيسَ: العَرِيَّةُ لا تكونُ إلا بالكَيلِ مِن التَّمرِ يداً بيدٍ، ولا تكونُ بالجِزَاف. وممّاً يُقوِّيه قولُ سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ: بالأوسُقِ الموَسَّقة. (١) هو عند الدارقطني في ((الغرائب والأفراد)) كما في ((أطرافه)) لأبي الفضل المقدسي (٢١٥٣)، ونقل عن الدار قطني قوله فيه: تفرد به سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار، لم يروه عنه غیر عبد الجبار بن العلاء. ٢٠٥ باب ٨٤ كتاب البيوع وقال ابنُ إسحاقَ في حديثِه عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: كانتِ العَرايا أن يُعرِيَ الرجلُ الرجلَ في ماله النَّخلةَ والنَّخلتَين. وقال يزيدُ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ: العَرايا: نَخلٌ كانت تُوهَبُ للمساكينِ، فلا يستطيعونَ أن يَنْتَظِروا بها، فُرُخِّصَ لهم أن يَبِيعوها بما شاؤُوا مِن الثَّمْر. قوله: ((باب تفسير العَرايا)) هي جمعُ عَريّةٍ، وهي عَطيَّةٌ ثَمَر النَّخل دونَ الرَّقَبة، كان العربُ في الجَدْبِ يتطوَّعُ أهلُ النَّخل بذلك على من لا ثَمَرَ له، كما يتطوَّعُ صاحبُ الشاة أو الإبل بالمَنِيحة، وهي عطيّة اللَّبَنِ دونَ الرَّقَبة، قال حسَّان بن ثابت فيما ذكر ابن التِّين - وقال غيرُه هي لسُوَيد بن الصامت(١) -: ليست بسَنْهاءَ ولا رُجَِّيَّةٍ ولكنْ عَرايا في السِّنينَ الجوائحِ ومعنى ((سَنْهاء)): أن تَحمِلَ سنةً دونَ سنة، والرُّجَّبِيَّة: التي تُدعَمُ حين تَميلُ من الضَّعف، والعَرِيَّة فعيلة بمعنى مفعولةٍ أو فاعلة، يقال: عَرَى النَّخل، بفتح العين والراءِ، بالتعدية، يَعروها: إذا أفرَدَها عن غيرها، بأن أعطاها لآخرَ على سبيل المِنْحة ليأكلَ ثَمَرَها وتَبقى رَقَبَتُها لُعطيها، ويقال: عَريتِ النَّخْلُ، بفتح العين وكسر الراءِ، تَعرى على أنَّه قاصرٌ، فكأنَّهَا عَرِيَتْ عن حُكمٍ أخَواتها، واستُثنيَت(٢) بالعطيّة، واختُلِفَ في المراد بها شرعاً. قوله: ((وقال مالك: العَرِيَّةُ أن يُعرِيَ الرَّجلُ الرجلَ النَّخلة)) أي: يَهَبُها له أو يَهَبُ له ثَمَرَها. ((ثُمَّ يَتأذّى بدخولِه عليه فَرَخَّصَ له)) أي: للواهبِ ((أن يشتريها)) أي: يشتري رُطَبَها ((منه)) أي: من الموهوبة له ((بتمْر)) أي: يابس. وهذا التعليق وَصَله ابن عبد البَرِّ(٣) من طريق ابن وَهْبٍ عن مالك،/ وروى الطَّحاوي ٣٩١/٤ (١) كذا قال الحافظ، مع أن أبا عُبيد البكري قد جزم في ((شرح الأمالي)) ١/ ٣٦١ أن البيت لسويد بن الصامت، قال: وقد نُسب إلى أُحَيحه بنت الجُلَاحِ، والأول أثبت. (٢) تصحفت في (س) إلى: واستثبتت. (٣) في ((التمهيد)) ٣٢٨/٢. ٢٠٦ باب ٨٤ فتح الباري بشرح البخاري من طريق ابن نافع عن مالكٍ: أنَّ العَريةَ النَّخلة للرجل في حائط غيره، وكانت العادة أنَّهم يَخْرُجونَ بأهليهم في وقتِ الثُّمار إلى البَساتينِ، فيَكرَه صاحبُ النَّخل الكثيرِ دخولَ الآخر عليه، فيقول له: أنا أُعطِيكَ بخَرْص نخلتك تمراً، فَرَخَّصَ له في ذلك(١). ومن شرط العَريَّة عند مالك: أنَّها لا تكونُ بهذه المعاملة إلَّا مع المُعْرَى خاصّةً لمَا يَدخُلُ على المالكِ من الضَّرَر بدخول حائطِهِ، أو لرَفْع الضَّرَر عن الآخر بقيام صاحبِ النَّخل بالسَّقي والكُلَف، ومن شرطها: أن يكونَ البيع بعد بُدوّ الصلاح، وأن يكونَ بتمر مُؤْجَّل، وخالَفَه الشافعي في الشَّرط الأخير، فقال: يُشتَرَطُ التقابُض. قوله: ((وقال ابن إدريس: العَرَّةُ لا تكونُ إلَّا بالكَيلِ من الثَّمر يداً بيدٍ، ولا تكونُ بالجِزَاف» ابن إدريس هذا: رَجَّحَ ابن التِّين أنَّه عبد الله الأوْدي الكوفي، وتَرَدَّدَ ابن بطَّالٍ، ثمَّ السُّبكي في ((شرح المهَذَّب))، وجَزَمَ الِّي في ((التهذيب)) بأنَّه الشافعي(٢)، والذي في ((الأُمِ)) للشافعي، وذكره عنه البيهقي في ((المعرفة)) (١١٢٨٢) من طريق الرَّبيع عنه، قال: العَرايا: أن يشتريَ الرجل ثَمَر النَّخلة فأكثر بخَرْصِه من التمر، بأن يَخْرُصَ الرُّطَب، ثمَّ يُقدِّرَ كَم يَنقُصُ إذا يَبِسَ، ثمَّ يشتريَ بخَرصِه تمراً، فإن تَفرَّقا قبلَ أن يَتَقَابَضا فسَدَ البيع. انتهى، وهذا وإن غایَرَ ما عَلَّقَه البخاري لفظاً، فهو يوافقُه في المعنى، لأنَّ مُحُصَّلَهما أن لا يكونَ جِزافاً ولا نَسيئةً. وقد جاء عن الشافعي بلفظٍ آخرَ، قرأتُه بخَطِّ أبي علي الصَّدَفي بهامشِ نُسخَته، قال: لفظُ الشافعي(٣): ولا تُبتاعُ العَرية بالتمر إلَّا أن تُخرَصَ العَريّة كما يُخْرَصُ المُعشَر، فيقال: فيها الآنَ كذا وكذا من الرُّطَب، فإذا يَبِسَ كان كذا وكذا، فيَدفَعُ من التمر بكَيلِه خَرصاً، ويَقِضُ النَّخلة بِثَمَرها قبلَ أن يَتفرَّقا، فإن تَفرَّقا قبل قبضها، فَسَدَ (٤). (١) ذكر رواية الطحاوي هذه أيضاً ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) ٣٢٩/٢. (٢) وهو الذي نصَّ عليه البيهقي في ((بيان خطأ من أخطأ على الشافعي)) في خاتمة كتابه ص ٣٣٤، حيث قال: وقال ابن إدريس الشافعي ... هكذا قرأتُه في کتاب شيخنا أبي عثمان البحيري، سماعه من أبي الهيثم، عن الفِربري، عن البخاري. (٣) في ((الأم)) ٣/ ٦٤ مع اختلاف يسير في بعض العبارات التي ساقها الحافظ هنا. (٤) من قوله: قرأته ... إلى هنا، سقط من الأصلين، وأثبتناه من (س). ٢٠٧ باب ٨٤ كتاب البيوع قوله: ((وممّا يُقوِّيه)) أي: قول الشافعي بأن لا يكونَ جِزافاً «قول سهل بن أبي حَثْمة: بالأوسُق الموسَّقة)»، وقول سهل هذا أخرجه الطَّبري من طريق الليث عن جعفر بن رَبيعة عن الأعرَجِ عن سهل موقوفاً(١)، ولفظه: لا يُباعُ الثَّمَر في رؤوسِ النَّخل بالأوساق الموسَّقةِ إلَّا أوسُقاً ثلاثةً، أو أربعةً، أو خمسةً يأكلُها الناس، وما ذكره المصنّفُ عن الشافعي هو شرطُ العِرِيّة عند أصحابه، وضابط العَرِيّة عندهم: أنَّها بيعُ رُطَبٍ فِي نَخلٍ يكون خَرْصُه إذا صار تمراً أقلّ من خمسة أوسُق، بنظيره في الكيل من التمر مع التقابُضِ في المجلس. وقال ابن التِّينِ: احتجاج البخاري لابن إدريس بقول سهلِ بالأوسُق الموسَّقة لا دليلَ فيه، لأنها لا تكونُ مُؤجَّلةً، وإنَّما يَشهَدُ له قول سفيان بن حسين، يعني: الآتي. قلت: لعلَّه أراد أنَّ مجموع ما أورَدَه بعد قول ابن إدريس يُقوِّي قول ابن إدريس. ثمَّ إِنَّ صور العَريّة كثيرة: منها: أن يقولَ الرجل لصاحبٍ حائط: بعني ثَمَر نَخَلاتٍ بأعيانها بخَرْصها من التمر، فيَخرُصُها ويَبِيعُه ويَقِضُ منه التمر، ويُسلِّمُ إليه النَّخَلات بالتخلية، فيَنْتَفِعُ بُرُطَبها. ومنها: أن يَهَبَ صاحب الحائط لرجل نَخَلاتٍ أو ثَمَر نَخَلاتِ معلومةٍ من حائطِهِ، ثمَّ يَتَضَرَّرُ بدخوله عليه فيَخرُصُها ويشتري منه رُطَبَها بقَدْر خَرصهِ بتمرِ يُعَجِّلُه له. ومنها: أن يَهَبَه إياها، فيَتَضَرَّر الموهوبُ له بانتِظار صَيْرورة الرُّطَب تمراً، ولا يُحِبّ أكلها رُطَباً لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرُّطَب بخَرصِه من الواهبِ أو من غيره بتمرٍ يأخُذُهُ مُعَجَّلاً. ومنها: أن يبيعَ الرجلُ ثمر حائطه بعد بُدوِّ صلاحه، ويستثنيَ منه نَخَلاتٍ معلومةً يُبقيها لنفسِه أو لعِياله، وهي التي عُفِيَ له عن خَرصها في الصَّدَقة، وسُمّيت عَرايا لأنها أُعرِيَت من أن تُخرَصَ في الصَّدَقة، فرُخِّصَ لأهل الحاجة الذين لا نَقدَ لهم، وعندهم فُضول من تمرٍ قوتهم أن يَبتاعوا بذلك التمر من رُطَبٍ تلك النَّخَلات بخَرْصها. (١) وأخرجه أيضاً أبو عبيد في ((الأموال)) (١٤٦٢) من طريق ابن لهيعة، عن الأعرج. ٢٠٨ باب ٨٤ فتح الباري بشرح البخاري وممَّا يُطلَقُّ عليه اسم عَريّةٍ: أن يُعرِيَ رجلاً ثمر (١) نَخَلاتٍ، يُبيِحُ له أكلَها، والتصرّفَ فيها، وهذه هبة محضة(٢). ومنها: أن يُعريَ عاملُ الصَّدَقة لصاحبِ الحائط من حائطه نَخَلاتٍ معلومةً لا يَخْرُصُها في الصَّدَقة. وهاتان الصورتان من العَرايا لا بَيع فيهما. ٣٩٢/٤ وجميعُ هذه الصّوَر صحيحة عند الشافعي والجمهور، وقَصَرَ مالك العَرِيّة في البيعِ على الصورة الثانية، وقَصَرَها أبو عُبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع، وأراد (٣) أنَّه رَخَّصَ لهم أن يأكلوا الرُّطَبَ، ولا يشتروه لتجارة ولا ادِّخار. ومَنَعَ أبو حنيفة صور البيع كلَّها، وقَصَرَ العَربَّة على الهبة، وهو أن يُعريَ الرجل ثمرَ نَخلةٍ من نخله ولا يُسلِّمُ ذلك له، ثمَّ يَبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرُخصَ له أن يَحِتَبِسَ ذلك، ويُعطيَه بقدر ما وهَبَه له من الرُّطَبِ بخَرصِه تمراً، وحَمَله على ذلك أخذُه بعموم النَّهي عن بيع الثَّمَر بالتَّمْرِ، وتُعُقِّبَ بالتصريح باستثناءِ العَرايا في حديث ابن عمر كما تقدَّم (٢١٨٣ و٢١٨٤) وفي حديث غيره. وحكى الطَّحاوي عن عيسى بن أبانَ من أصحابهم: أنَّ معنى الرُّخصة أنَّ الذي وُهِبَت له العَريّة لم يَملكها، لأنَّ الهبةَ لا تُمُلَكُ إلَّ بالقبض، فلمَّا جازَ له أن يُعطى بَدَلها تمراً وهو لم يَملك المُبدَلَ منه حتَّى يَسْتَحِقَّ البدل، كان ذلك مُستَئِنَّى وكان رُخصة. وقال الطَّحاوي: بل معنى الرُّخصة فيه: أنَّ المرءَ مأمورٌ بإمضاء ما وعَدَ به، ويُعطي بَدَله ولو لم يكن واجباً عليه، فلمَّا أذِنَ له أن يَجِبِسَ ما وعَدَ به ويُعطي بَدَله، ولا يكون في حُكم من أخلَفَ وعدَه ظَهَرَ بذلك معنى الرُّخصة. واحتَجَّ لمذهبِهِ بأشياءَ تدلُّ على أنَّ العَريةَ العطيَّة، ولا حُجّةً في شيءٍ منها لأنه لا يَلزَمُ من كون أصل العَريّة العطيَّةُ أن لا تُطلَقَ العَرية شرعاً على صورٍ أُخرى. (١) تحرف في (س) إلى: تمر. (٢) في (س): مخصوصة. (٣) تحرف في (س) إلى: وزاد. ٢٠٩ باب ٨٤ كتاب البيوع قال ابن المنذر: الذي رَخَّصَ في العَرية هو الذي نهى عن بيع الثَّمَر بالتمر في لفظٍ واحدٍ من رواية جماعةٍ من الصحابة، قال: ونظيرُ ذلك الإذن في السَّلَمِ مع قوله وَّ: ((لا تَبِع ما ليس عندك))(١). قال: فمن أجازَ السَّلم مع كونِه مُستَثَنَّى من بيعِ ما ليس عندك ومَنَعَ العَرية مع كونها مُستَثناةً من بيعِ الثَّمَر بالتمر، فقد تَناقَضَ. وأمَّا حَملُهم الرُّخصة على الهبة، فبعيد مع تصريحِ الحديث بالبيعِ واستثناءِ العَرايا منه، فلو كان المراد الهبة لما استثنيت العَريّة من البيع، ولأنَّه عَبَّرَ بالرُّخصة، والرُّخصةُ لا تكونُ إلَّا بعد تَمنوع، والمنع إنَّما كان في البيع لا الهبة، وبأنَّ الرُّخصةَ قُيِّدَت بخمسة أوسُقٍ أو ما دونَها، والهبة لا تَتقيّدُ، ولأنهم لم يُفرِّقوا في الرُّجوعِ في الهبة بين ذي رَحِمٍ وغيره، وبأنَّه لو كان الرُّجوعُ جائزاً، فليس إعطاؤه التمرَ بدلَ الرُّطَب، بل هو تجديد هبةٍ أُخرى، فإن كان(٢) الرُّجوعُ لا يجوزُ، فلا يَصِحُ تأويلُهم. قوله: ((وقال ابن إسحاق في حديثه عن نافع عن ابن عمر: كانت العَرايا أن يُعريَ الرجلُ الرجلَ في ماله النَّخلة والنَّخلَتَينِ)) أمَّا حديث ابن إسحاق عن نافعٍ، فَوَصَله التِّرمِذي (١٣٠٠) دونَ تفسير ابن إسحاق، وأمَّا تفسيرُه فوَصَله أبو داود (٣٣٦٦) عنه بلفظ: النَّخَلات، وزاد فيه: فيَشُقُّ عليه فيبيعُها بمثل خَرْصها))، وهذا قريب من الصورة التي قَصَرَ مالك العَربَّة علیھا. قوله: ((وقال يزيد)) يعني: ابن هارون ((عن سفيان بن حسين: العَرايا: نَخلٌ كانت تُوهَبُ للمساكينِ، فلا يستطيعونَ أن يَنتَظِرِوا بها فُرُخّصَ لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التَّمرِ)) وهذا وَصَله الإمامُ أحمد (٢١٦٧٢) في حديث سفيان بن حسين عن الزُّهْري عن سالمٍ عن أبيه عن زيد بن ثابت، مرفوعاً في العَرايا، قال سفيان بن حسين، فذكره، وهذه إحدى الصّوَر المتقدِّمة. (١) حديث الإذن في السلم سيأتي عند المصنف برقم (٢٢٣٩)، وحديث: ((لا تبع ما ليس عندك)) سلف تخريجه والكلام عليه تحت باب (٥٥): بيع الطعام قبل أن يقبض. (٢) لفظة ((كان)) سقطت من (س). ٢١٠ باب ٨٤ فتح الباري بشرح البخاري واحتُجَّ لمالكٍ في قَصْر(١) العَرِيَّة على ما ذكره بحديث سهل بن أبي حَثْمة المذكور في الباب الذي قبله (٢١٩١) بلفظ: ((يأكلُها أهلُها رُطَباً)) فَتَمسَّك بقوله: ((أهلُها)»، والظّاهر أنَّه الذي أعراها، ويحتملُ أن يُرادَ بالأهل من تصيرُ إليه بالشِّراء، والأحسنُ في الجواب أنَّ حديث سهل دلَّ على صورة من صور العَريّة، وليس فيه التعرُّض لكون غيرها ليس عَريَّةً. وحُكي عن الشافعي تقييدُها بالمساكين على ما في حديث سفيان بن حسين، وهو اختيار المُزَني، وأنكَرَ الشيخُ أبو حامد نَقْله عن الشافعي، ولعلَّ مُستَنَد من أثبته ما ذكره الشافعي في ((اختلاف الحديث))(٢) عن محمود بن لَبِيد، قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عَرایاكُم هذه؟ قال: فلان وأصحابه شَكَوْا إلى رسول الله وَ ل﴿ أَنَّ الرُّطَبَ يَحِضُرُ وليس عندهم ذهب ٣٩٣/٤ ولا فِضّة يشترونَ بها منه، وعندهم فضل تمر من قوتِ سَنَتَهم،/ فَرَخَّصَ لهم أن يشتروا العرايا بخَرْصها من التمر يأكلونَهَا رُطَباً. قال الشافعي: وحديثُ سفيان يدلُّ لهذا(٣)، فإنَّ قوله: ((يأكُلُها أهلُها رُطَباً)) يُشعِرُ بأنَّ مُشتَريَ العَريَّة يشتريها ليأكلها، وأنَّه ليس له رُطَبٌ یأکلُه غيرها، ولو کان المرخّص له في ذلك صاحبَ الحائط - يعني: كما قال مالك - لكان لصاحبِ الحائط في حائطه من الرُّطَبِ ما يأكلُه غيرُها، ولم يَفتَقِر إلى بيع العَريّة. وقال ابن المنذر: هذا الكلامُ لا أعرِفُ أحداً ذكره غير الشافعي. وقال السُّبكي: هذا الحديثُ لم يَذكُر الشافعي إسناده، وكلُّ من ذكره إنَّما حكاه عن الشافعي، ولم يَجِدِ البيهقي في (المعرفة)) له إسناداً، قال: ولعلَّ الشافعي أخذَه من السِّيَر، يعني: سير الواقدي، قال: وعلى تقدير صِخَّته فليس فيه حُجّة للتَّقييد بالفقير، لأنه لم يقع في كلام الشارعِ، وإنَّما ذكره في القصَّة، فيُحتَمِلُ أن تكون الرُّخصةُ وَقَعَت لأجل الحاجة المذكورة، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ للسُّؤال، فلا يَتِمُّ الاستدلالُ مع إطلاق الأحاديث المنصوصة من الشارع. (١) في الأصلين: قصة، والمثبت من (س)، وهو أوفق لسياق الكلام. (٢) وهو أحد الكتب المجموعة في ((الأم)) ٣/ ٥٤. (٣) يعني حديثه السالف برقم (٢١٩١). ٢١١ باب ٨٤ / ح ٢١٩٢ كتاب البيوع وقد اعتبَرَ هذا القَيدَ الحنابلةُ مضموماً إلى ما اعتبَرَه مالك، فعندهم لا تجوزُ العَرية إلَّا لحاجة صاحبِ الحائط إلى البيع، أو لحاجة المشتري إلى الرُّطَب، والله أعلم. ٢١٩٢ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا موسى بنُ عُقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنهم: أنَّ رسولَ الله ◌َل﴿ رَشَّصَ في العرایا أن تُباعَ بخرْصِھا کیلاً. قال موسى بنُ عُقبةَ: والعَرايا: نَخَلاتُ معلوماتٌ تأتِيها فتَشتَرِيها. قوله: ((حدَّثنا محمد)) كذا للأكثر غير منسوب، ووقع في رواية أبي ذرٍّ: هو ابن مُقاتل، وعبد الله: هو ابن المبارك. قوله: ((قال موسى بن عُقبة)) أي: بالإسناد المذكور إليه. قوله: ((والعَرايا: نَخَلاتٌ معلوماتٌ تأتيها فَتَشْتَريها)) أي: تَشتَري ثَمَرتَها بتمر معلوم، وكأنَّه اختَصَرَه للعلمِ به، ولم أجِده في شيءٍ من الطُّرق عنه إلَّا هكذا، ولعلَّه أراد أن يُبيِّنَ أنَّها مُشتَقّة من عَروْتُ إذا أتيتَ وتَرَدَّدتَ إليه، لا من العُرْي، بمعنى: التجَرُّد. قاله الکِرْماني، وقد تقدَّم قولُ يحيى بن سعيد: العَريّةُ: أن يشتري الرجلُ ثَمَرَ النَّخَلات لطعام أهلِهِ رُطَباً بخَرْصها تمراً، وفي لفظٍ عنه: إنَّ العَريَّةَ النَّخْلةُ تُجعَلُ للقوم، فيبيعونَها بخَرْصها تمراً. وقال القُرطُبي: كأنَّ الشافعي اعتمَدَ في تفسیر العَريّة علی قول یحیی بن سعید، ولیس يحيى صحابيّاً حتَّى يُعتمَدَ عليه مع مُعارضة رأيٍ غيره له. ثمَّ قال: وتفسيرُ يحيى مرجوح بأنَّه عَينُ المزابنة المنهي عنها في قصَّةٍ لا تُرهِقُ إليها حاجةٌ أكيدةٌ(١)، ولا تَنْدَفِعُ بها مَفسَدة، فإنَّ المشتريَ لها بالتمر مُتمكِّن من بيعِ تَرْه بعَيْنٍ، وشرائه بالعين ما يريدُ من الرُّطَب، فإن قال: يَتَعَذَّرُ هذا، قيل له: فأجِزْ بيع الرُّطَبِ بالتمر، ولو لم يكن الرُّطَب على النَّخل، وهو لا يقول بذلك. انتهى، والشافعي أقعَدُ باتِّباع أحاديث هذا الباب من غيره، فإنّها ناطقة باستثناءِ العَرَايا من بيع المزابنة، وأمَّا إلزامُه الأخيرُ فليس بلازم، لأنها رُخصة وَقَعَت مُقِيَّدة (١) كذا وقع في الأصلين و(س)، والذي في ((المفهم)) للقرطبي: ثم هو عين المزابنة المنهي عنها، ووضع رخصة في موضعٍ لا تُرهِقُ إليه حاجةٌ وكيدة. والعبارة التي في ((المفهم)) أوضح في المعنى. ٢١٢ باب ٨٥ / ح ٢١٩٣ فتح الباري بشرح البخاري بِقَيدٍ، فيُتَبَعُ القَيد وهو كون الرُّطَب على رؤوسِ النَّخل، مع أنَّ كثيراً من الشافعية ذهبوا إلى إلحاق الرُّطَب بعد القطع بالرُّطَبِ على رؤوسِ النَّخل بالمعنى كما تقدَّم، والله أعلم. وكلُّ ما وَرَدَ من تفسير العَرايا في الأحاديث لا يُخالفُه الشافعي، فقد روى أبو داود (٣٣٦٥) من طريق عَمْرو بن الحارث عن عبد رَبّه بن سعيد - وهو أخو يحيى بن سعيد - قال: العَريةُ: الرجلُ يُعرِي الرجلَ النَّخلةَ، أو الرجلُ يستثني من ماله النَّخلة يأكلُها رُطَباً، فيبيعُها تمراً. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبة في ((مصنَّفه)) (٧٠٥/٤): حدَّثنا وكيع، قال: سمعنا في تفسير العَريّةِ: أنَّهَا النَّخلةُ يَرِثُها الرجلُ أو يشتريها في بستان الرجل. وإنَّما يَتَّجِه الاعتراضُ على من تَسَّكَ بصورةٍ من الصّوَر الواردة في تفسير العَريّة ومَنَعَ غيرها، وأمَّا من عَمِلَ بها كلِّها ونَظَمَها في ضابطٍ يجمعُها، فلا اعتراضَ عليه، والله أعلم. ٨٥- باب بیع الفّمار قبل أن يبدو صلاحها ٢١٩٣ - وقال اللَّيثُ، عن أبي الزِّنادِ، عن عُرْوةَ بنُ الزُّبَيرِ، يُحدِّثُ عن سهلِ بنِ أبي حَتمَةَ ٣٩٤/٤ الأنصاريِّ من بني حارثةَ: / أنَّه حدَّثه عن زيد بن ثابتٍ ◌َُ، قال: كان النّاسُ في عهد رسولِ الله وَه يتبايعونَ الثَّارَ، فإذا جَدَّ النّاسُ وحَضَرَ تَقاضيهم، قال المبتاعُ: إنَّه أصابَ الثَّمَرَ الدَّمَانُ أصابَه مَرَضٌ، أصابَه قُشَامٌ - عاهاتٌ يَحْتَجّونَ بها - فقال رسولُ اللهِ وَلِّ لمَّا كَثُرَت عندَه الخصومةُ في ذلك: ((فإِمَّا لا، فلا تَتبايَعوا حتَّى يَبْدُوَ صَلاحُ الثَّمَرِ)) كالمثُورةِ يُشِيرُ بها لِكَثْرةٍ خصو متهم. وأخبرني خارجةُ بنُ زيد بنِ ثابتٍ: أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ لم یکن یَبِیعُ ثِمارَ أرضِه، حتَّى تَطلُعَ الثُّرَيّا، فِيَبِيَّنَ الأصفَرُ مِن الأحمر. قال أبو عبد الله: ورواه عليُّ بنُ بَحٍ، حدَّثنا حَكّامٌ، حدَّثْنا عَنْبَسةُ، عن زكريّا، عن أبي الزِّنادِ، عن عُرْوةَ، عن سهلٍ، عن زيدٍ. ٢١٣ باب ٨٥ / ح ٢١٩٣ كتاب البيوع. قوله: ((باب بيع الثِّمار قبلَ أن يَبدوَ صلاحُها)) ((يَبدُو)) بغير همزٍ، أي: يَظهَر، والثِّمار: بالمثلَّثة: جمع ثَمَرةٍ بالتحريكِ، وهي أعمُّ من الرُّطَبِ وغيره، ولم يَجِزِمْ بحُكم المسألة (١) لقوّة الخلاف فيها. وقد اختُلِفَ في ذلك على أقوال: فقيل: يَبطُلُ مُطلَقاً، وهو قولُ ابن أبي ليلى والثَّوري، ووَهِمَ من نقل الإجماع على البُطْلان. وقيل: يجوزُ مُطلَقاً ولو شُرِطَ التَّبقيةُ وهو قولُ يزيد ابن أبي حَبيب، ووَهِمَ من نقل الإجماع فيه أيضاً. وقيل: إنْ شُرطَ القطعُ لم يَبطُلْ، وإلَّا بَطَلَ، وهو قولُ الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك. وقيل: يَصِحُّ إن لم تُشْتَرَط التبقيةُ، والنَّهي فيه محمول على بيع الثِّار قبلَ أن توجّدَ أصلاً، وهو قولُ أكثر الحنفيَّة. وقيل: هو على ظاهره، لكنَّ الَّهيَ فيه للتَّزيه، وحديث زيد بن ثابت المصَدَّرُ به الباب يدلُّ للأخير، وقد يُحمَلُ على الثاني. وذكر المصنّف في الباب أربعةَ أحاديث: الأوَّلُ: حديث زيد بن ثابت. قوله: ((وقال الليث عن أبي الزِّناد ... )) إلى آخره، لم أرَه موصولاً من طريق الليث، وقد رواه سعيد بن منصور عن ابن أبي الزِّناد عن أبيه نحو حديث الليث، ولكن بالإسناد الثاني دونَ الأوَّل(٢)، وأخرجه أبو داود (٣٣٧٢) والطَّحاوي (٢٨/٤) من طريق يونس بن يزيد، عن أبي الزِّناد بالإسناد الأوَّل دونَ الثاني، وأخرجه البيهقي (٣٠١/٥-٣٠٢) من طريق يونس بالإسنادینِ معاً. (١) في (س): بحكم في المسالة. (٢) فات الحافظَ رحمه الله أن يخرجه من ((مسند أحمد)) (٢١٦٦٢)، فهو فيه من الطريق نفسه. ٢١٤ باب ٨٥ / ح ٢١٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((من بني حارثة)) بالمهمَلة والمثلَّثة. وفي هذا الإسناد رواية تابعيٍّ عن مثلِه عن صحابيّ عن مثله، والأربعة مدنُّون. قوله: ((فإذا جَذَّ الناسُ)) بالجيم والذّال المعجَمة الثَّقيلة(١)، أي: قَطَعوا ثَمَرَ النَّخل، أي: اسْتَحقَّ الثَّمرُ القطعَ. وفي رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي والسَّرَخْسي: ((أجَذَّ) بزيادة ألِف، ومثله للنَّسَفي، قال ابن التِّينِ: معناه: دخلوا في زمن الجِذَاذ، كأظلم: إذا دَخَلَ في الظَّلام، والجِذاذ: صِرام النَّخل، وهو قطعُ ثَمَرَتها، وأخذُها من الشجر. قوله: ((وحَضَرَ تَقاضِيهم)) بالضّاد المعجمة. ٣٩٥/٤ قوله: ((قال المبتاع)) أي: المشتري. قوله: ((الدَّمَان)) بفتح المهمَلة وتخفيف الميم، ضَبَطَه أبو عُبيد، وضَبَطَه الخطَّبيُّ بضمّ أوَّله، قال عياض: هما صحيحان، والضمُّ رواية القابِسي، والفتح رواية السَّرَخسي، قال: ورواها بعضهم بالكسر، وذكره أبو عُبيد عن أبي الزِّناد بلفظ: ((الأدَمان)) زاد في أوَّله الألف، وفَتَحَها وفتحَ الدّال، وفسَّرَه أبو عُبيد بأنَّه فسادُ الطَّلْعِ وتَعقُُّه وسوادُه، وقال الأصمعي: الدَّمَال، باللَّامِ: العَفَن. وقال القَزّاز: الدَّمان: فساد النَّخل قبلَ إدراكه، وإنَّما يقعُ ذلك في الطَّلِعِ يَخْرُجُ قلب النَّخلة أسوَدَ معفوناً. ووقع في رواية يونسَ ((الدمار)) بالراءِ بدل النّون، وهو تصحيفٌ كما قاله عياض، ووَجَّهَه غيرُه بأنَّه أراد الهلاك، كأنَّه قرأَه بفتح أوَّله. قوله: ((أصابَه مَرَض)) في رواية الكُشْمِيهني والنَّسَفي: ((مِراض)) بكسرٍ أوَّله للأكثر، وقال الخطَّبي بضمِّه، وهو اسمٌ لجميع الأمراض بوزن الصُّداع والسُّعال، وهو داءٌ يقعُ في الثَّمَرة فَتَهلِكُ، يقال: أمرَضَ إذا وقع في ماله عاهة، وزاد الطَّحاوي في رواية (٢٨/٤): أصابَه عَفَن، وهو بالمهمَلة والفاء المفتوحتَين. (١) كذا وقع للحافظ ابن حجر والعيني أيضاً، وقال القسطلّاني: بفتح الجيم والدال المهملة في اليونينية وفي غيرها من الأصول التي وقفتُ عليها، وقال عن تفسير ابن حجر والعيني: قاله في ((الصحاح)) في باب الذال المعجمة، وقال في باب الدال المهملة: وجَدَّ النخلَ يجدّه، أي: صَرَمه، وأجَدَّ النخلُ: حان له أن يُجَدَّ، وهذا زمن الجِداد والجَدَاد من الصِّرام والصَّرام ... وللحمّوي والمستملي: أجَدّ، بزيادة ألف. ٢١٥ باب ٨٥ / ح ٢١٩٣ كتاب البيوع قوله: ((قُشَام)) بضمِّ القاف بعدَها مُعجَمة خفيفة، زاد الطَّحاوي في روايته: والقُشام: شيء يُصيبُهُ حتَّى لا يَرطُبَ، وقال الأصمعي: هو أن يَنْتَفِضَ(١) ثَمَر النَّخل قبلَ أن يصيرَ بَلَحاً، وقيل: هو أُكَالٌّ يقعُ في الثَّمَر. قوله: ((عاهاتٌ)) جمعُ عاهةٍ، وهو بدلٌ من المذكورات أوَّلاً، والعاهةُ: العيبُ والآفة، والمرادُ بها هنا: ما يُصيبُ الثَّمَرَ مِمَا ذُكِرَ. قوله: ((فإمّا لا)) أصلُها ((إن)) الشَّرطيةُ و((ما)) زائدةٌ، فأُدغِمَت، قال ابن الأنباري: هي مثلُ قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] فاكتفى بلفظه عن الفعل، وهو نظيرُ قولهم: من أكرَمَني أكرمتُه، ومَن لا، أي: ومن لم يُكرِمْني لم أُكرِمه، والمعنى: إن لا تَفعَل كذا فافعل كذا، وقد نَطَقَت العربُ بإمالة ((لا)) إمالةً خفيفةً، والعامّةُ تُشبعُ إمالتَها وهو خطأٌ . قوله: ((كالمُورَة) بضمِّ المعجَمة وسكون الواو، وسكون المعجَمة وفتح الواو، لُغَتان، فعلى الأوَّل: فَعُولةٌ، وعلى الثاني: مَفْعَلٌ. وزَعَمَ الْحَرِيري: أنَّ الإسكان من لحن العامّة، وليس كذلك، فقد أثبتَها ((الجامع)) و((الصِّحاح)) و((المحكم))، وغیرُهم. قوله: ((وأخبرني خارجَةُ بنُ زيد بنِ ثابتٍ» القائلُ: هو أبو الزِّناد. قوله: ((حتَّى تَطلُعَ الثُّرَيّا)) أي: مع الفجر، وقد روى أبو داود(٢) من طريق عطاءٍ عن أبي هريرة مرفوعاً قال: ((إذا طَلَعَ النَّجمُ صباحاً، رُفِعَت العاهةُ عن كلِّ بلدٍ))، وفي رواية أبي حنيفةَ عن عطاءٍ: ((رُفِعَت العاهةُ عن الثِّمار)(٣)، والنَّجمُ: هو الثُّرَيّا، وطُلوعُها صباحاً يقعُ في أوَّل فصل الصَّيفِ، وذلك عند اشتِداد الحرِّ في بلاد الحجاز، وابتداءِ نُضج الثِّار، (١) تصحفت في (س) إلى: ينتقض، بالقاف بدل الفاء. (٢) كذا قال، ولم نقف عليه في ((سننه))، ولا عزاه إليه صاحب ((التحفة))، وهو في ((المسند)) برقم (٨٤٩٥)، وانظر تمام تخريجه فيه، والحديث حسن. (٣) أخرجه من طريق أبي حنيفة بهذا اللفظ أبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) (٥٤)، لكن أخرجه الطحاوي في (شرح مشكل الآثار)) (٢٢٨٢)، والطبراني في ((الصغير)) (١٠٤)، وأبو نعيم في «مسند أبي حنيفة)) ص١٣٨ من طريق أبي حنيفة بلفظ: ((رفعت العاهة عن كل بلد)). ٢١٦ باب ٨٥ / ح ٢١٩٣ فتح الباري بشرح البخاري فالمعتبَرُ في الحقيقة النُّجُ، وطُلوعُ النَّجم علامةٌ له، وقد بيَّنْه في الحديث بقوله: ((ويَتَبِيَّنَ الأصفَرُ من الأحمر))، وروى أحمد (٥١٠٥) من طريق عثمانَ بن عبد الله بن سُراقةً: سألت ابن عمرَ عن بيعِ الثِّار، فقال: نهى رسولُ الله ◌ََّ عن بيع الثِّار حتَّى تَذْهَبَ العاهةُ، قلت: ومتى ذلك؟ قال: حتَّى تَطلُعَ الثُريّا. ووقع في رواية ابن أبي الزّناد عن أبيه عن خارجةً عن أبيه: قَدِمَ رسولُ اللهِ بَّهُ المدينةَ ونحنُ نَتبايَعُ الثِّار قبلَ أن يَبدوَ صلاحُها، فسمع خصومةً، فقال: ((ما هذا؟)) فذكر الحديثَ(١)، فأفاد مع ذكر السببِ وقتَ صدور النَّهي المذكور. قوله: ((ورواه عليّ بنُ بَحْرٍ)) هو القَطّانُ الرازي أحدُ شيوخ البخاري، وحَكّامٌ: هو ابن سَلْمٍ، بفتح المهمَلة وسكون اللَّامِ، رازٌّ أيضاً، وعَنْبَسةُ بسكون النُّون وفتح الموحّدة بعدَها مُهمَلٌ: هو ابن سعيد بن الضُّرَيسِ، بالضّاد المعجَمة، مُصغّرُ ضِرْسٍ (٢)، کوفي ولي قضاءَ الَّّيِّ، فعُرِفَ بالرازي. وقد روى أبو داود (٣٣٧٢) حديثَ الباب من طريق عَنبَسةَ بن خالدٍ عن يونسَ بن يزيدَ، وهو غيرُ هذا، وقد خَفِيَ هذا على أبي عليٍّ الصَّدَفي، فرأيت بخَطِّه في هامشٍ نُسخَته ما نَصُّه: حديثُ عَنبَسةَ الذي أخرجه البخاري عن حَكّامٍ، أخرجه الباجي من طريق ٣٩٦/٤ أبي داود عن أحمد بن صالح عن عَنْبَسةَ. انتهى،/ فظنَّ أنَهما واحدٌ وليس كذلك، بل هما اثنان، وشيخُهما مُخْتَلِفٌ، وليس لعَنبَسةَ بن سعيدٍ هذا في البخاري سوى هذا الموضعِ الموقوف، بخلاف عَنبَسةَ بن خالدٍ، وكذا زكريا شيخُه، وهو ابن خالدِ الرازي، ولا أعرِفُ عنه راوياً غيرَ عَنْبَسةَ بن سعيدِ المذكور (٣). وقوله: ((عن سهلٍ)) أي: ابن أبي حَثْمَةَ المتقدِّمِ ذكرُه، وزيدٌ: هو ابن ثابتٍ. والغرضُ أنَّ الطَّريقَ الأولى عن أبي الزِّناد ليست غريبةً فَرْدةً. (١) أخرجه أحمد (٢١٦٦٢). (٢) لفظة ((ضرس)) سقطت من الأصلين، وأثبتناها من (س). (٣) وقد وصل طريق عنبسة بن سعيد هذه الطبرانيُّ في ((الكبير)) (٤٧٨٨)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) في ترجمة زكريا بن خالد ٣٥٨/٩ من طريق هارون بن المغيرة، عن عنبسة، به. ٢١٧ باب ٨٥ / ح ٢١٩٤ كتاب البيوع ٢١٩٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبد الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَّه نهى عن بيع الثِّارِ حَتَّى يَبدوَ صَلاحُها، نهى البائعَ والمبتاعَ. الحديث الثاني: حديثُ نافعٍ، عن ابن عمرَ بلفظ: نهى عن بيع الثِّمار حتَّى يَبْدُوَ صلاحُها، نهى البائعَ والمشتري، أمَّا البائعُ فلئلا يأكلَ مالَ أخيه بالباطل، وأمَّا المشتري فلئلا يُضِيعَ مالَه، ويُساعدَ البائعَ على الباطل. وفيه أيضاً قطعُ النِّراع والتخاصُم، ومُقتَضاه جوازُ بيعها بعد بُدوِّ الصلاح مُطلَقاً سواءٌ شُرِطَ الإبقاءُ أم لم يُشْرَط، لأَنَّ ما بعدَ الغاية مُخالفٌ لمَا قبلها، وقد جُعل النَّهِيُ مُمْتَدّاً إلى غاية بُدوّ الصلاح، والمعنى فيه: أن تُؤمَنَ فيها العاهَةُ وتَغْلِبَ السلامةُ، فَيَثِقَ المشتري بحصولها، بخلاف ما قبلَ بُدوّ الصلاح، وأنه بصَدَد الغَرَر. وقد أخرج مسلمٌ (١٥٣٥) الحديثَ من طريق أيوبَ عن نافع، فزاد في الحديث: ((حتَّى يأمَنَ العاهَةَ))، وفي رواية يحيى ابن سعيدِ عن نافعٍ بلفظ: ((وتذهبَ عنه الآفةُ بُيُدوِّ صلاحه: حُمْرته وصُفْرته))، وهذا التفسيرُ من قول ابن عمرَ، بَّنْه مسلمٌ في روايته من طريق شُعْبةَ عن عبد الله بن دینارٍ عن ابن عمر: فقيل لابن عمرَ: ما صلاحُه؟ قال: تَذْهَبُ عامَتُه. وإلى الفرق بين ما قبلَ ظهور الصلاح وبعدَه ذهب الجمهور، وعن أبي حنيفةً: إنّما يَصِحّ بيعُها في هذه الحالة حيثُ لا يَشترِطُ الإبقاءَ، فإِنْ شَرَطَه لم يَصِحَّ البيع. وحكى النَّووي في ((شرح مسلمٍ) عنه: أنَّه أو جَبَ شرطَ القطع في هذه الصورة، وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي صَرَّحَ به أصحابُ أبي حنيفةَ: أَنَّه صَخَّحَ البيعَ حالةَ الإطلاق قبلَ بُدوّ الصلاحِ وبعدَه، وأبطَله بشرط الإبقاءِ قبله وبعده، وأهلُ مذهبِهِ أعرَفُ به من غيرهم. واختلفَ السَّلَفُ في قوله: ((حتَّى يَبدوَ صلاحُها)) هل المرادُ به جِنسُ الثِّار، حتّى لو بَدا الصلاحُ في بُستانٍ من البلد مثلاً، جازَ بيعُ ثَمَرةِ جميعِ البَساتين، وإن لم يَبدُ الصلاحُ فيها، أو لا بُدَّ من بُدوِّ الصلاح في كلِّ بُستانٍ على حِدةٍ، أو لا بُدَّ من بُدوِّ الصلاح في كلِّ چِنسٍ على حِدةٍ، أو في كلِّ شَجَرةٍ على حِدةٍ؟ على أقوالٍ: ٢١٨ باب ٨٥ / ح ٢١٩٥ فتح الباري بشرح البخاري والأوَّلُ قولُ الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكونَ الصلاحُ مُتَلاحقاً. والثاني قولُ أحمد، وعنه روايةٌ كالرابع، والثالثُ قولُ الشافعية. ويُمكِنُ أن يُؤخَذَ ذلك من التعبير بيُدوِّ الصلاح، لأنه دالَّ على الاكتفاء بمُسَمّى الإزهاء(١) من غير اشتراط تكامُلِه، فيُؤخَذُ منه الاكتفاءُ بزُهوِ بعضِ الثَّمَرة، وبزُهِّو بعضٍٍ الشَّجَرة، مع حصول المعنى، وهو الأمنُ من العاهَةِ، ولولا حصولُ المعنى لكان تَسميتُها مُزْهيةً بإزهاءِ بعضها قد لا يُكتَفى به لكونِه على خلاف الحقيقة، وأيضاً فلو قيل بإزهاءِ الجميعِ لَأدّى إلى فساد الحائط أو أكثره، وقد مَنَّ الله تعالى بكون الثِّمار لا تَطيبُ دفعةً واحدةً ليطولَ زَمَنُ التَفَكُّه بها. ٢١٩٥- حدَّثنا ابنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مُميدٌ الطَّوِيلُ، عن أنسِ ﴾: أنَّ رسولَ اللهِ وََّ نهى أن تُباعَ ثَمَرةُ النَّخلِ حتَّى تَزهُوَ. قال أبو عبد الله: يعني: حتَّى تَحمَرَّ. الحدیث الثالث: حديث أنس. قوله: ((أخبرنا عبدُ الله)) هو ابن المبارك. قوله: ((عن أنسٍ)) سيأتي في الباب الذي يليه من وجهٍ آخرَ عن حُميدٍ، قال: حدَّثنا أنسٌ. قوله: ((نهى أن تُباع ثَمَرةُ النَّخلِ)) كذا وقع التقييدُ بالنَّخل في هذه الطَّريق، وأُطلِقَ في غيرها، ولا فرقَ في الحكمِ بين النَّخل وغيره، وإنَّما ذكر النَّخلَ لكونِه كان الغالبَ عندهم. قوله: ((قال أبو عبد الله: يعني حتَّى تحمرَّ)) كذا وقع هنا، وأبو عبد الله: هو المصنّف. وروايةُ الإسماعيلي تُشعِرُ بأنَّ قائلَ ذلك هو عبدُ الله بنُ المبارَك، فلعلَّ أداةَ الكُنية في روايتنا مَزيدٌ، وسيأتي هذا التفسيرُ في الباب الذي يليه في نفسِ الحديث، ونذكر فيه مَن حكى أنَّه مُدرَجٌ. (١) تحرف في (س) إلى: الإزهار. ٢١٩ باب ٨٥ / ح ٢١٩٦ كتاب البيوع ٢١٩٦- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سَلِيمٍ بنِ حيَّانَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ مِيناء، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى النبيُّ وَّهِ أَن تُباعَ الثَّمَرَةُ حتَّى تُشْقِحَ. فَقيلَ: وما تُشْقِحُ؟ قال: تَحمارُ وتَصفارٌّ، ويُؤْكَلُ منها. الحدیث الرابع: حديث جابر. قوله: (حتَّى تُشْقِحَ)) بضمٍّ أوَّله من الرُّباعي، يقال: أشقَحَ ثَمَرُ النَّخل إشقاحاً: إذا احمرّ أو اصفرٌ، والاسمُ: الشُّقْحَة(١)، بضمِّ المعجَمة وسكون القاف بعدَها مُهمَلةٌ،/ وذكره ٣٩٧/٤ مسلمٌ (٨٣/١٥٤٣) من وجهٍ آخرَ عن جابر بلفظ: حتَّى تُشْقِهَ، فأبدَلَ من الحاءِ هاءً لقُربها منهاقوله: ((فقيل: وما تُشْقِح؟)) هذا التفسيرُ من قول سعيد بن ميناء راوي الحديث، بيَّن ذلك أحمد (١٤٨٨٤) في روايته لهذا الحديث عن بَهْزِ بن أسدٍ عن سَليمٍ بن حيَّانَ، أنَّه هو الذي سأل سعيدَ بنَ مِیناء عن ذلك، فأجابه بذلك، وكذلك أخرجه مسلمٌ (٨٤/١٥٤٣) من طريق بَهْزٍ. وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سَليمٍ بن حيَّنَ، فقال في روايته: قلت لجابر: ما تُشْقِحُ؟ إلى آخره، فظَهَرَ أنَّ السائلَ عن ذلك هو سعيدٌ، والذي فسَّرَه هو جابرٌ، وقد أخرج مسلمٌ (٨٣/١٥٤٣) الحديثَ من طريق زيد بن أبي أنيسةَ عن أبي الوليد، عن جابر مُطوَّلاً، وفيه: وأن يُشتَرى النَّخلُ حتَّى يُشْقِه، والإشقاءُ: أن يحمرَّ أو يصفرَّ، أو يُؤكَلَ منه شيءٌ، وفي آخره: فقال زيدٌ: فقلت لعطاءٍ: أسمعتَ جابراً يَذْكُرُ هذا عن النبي ◌َِّ؟ قال: نعم، وهو يحتملُ أن يكونَ مُرادُه بقوله هذا جميعَ الحديث، فَيَدخُلُ فيه التفسير، ويحتملُ أن يكونَ مُرادُه أصلَ الحديث لا التفسيرَ، فيكون التفسيرُ من كلام الراوي، وقد ظَهَرَ من رواية ابن مهدي أنَّه جابرٌ، والله أعلم. وممّاً يُقَوِّي كونَه مرفوعاً وقوعُ ذلك في حديث أنسٍ أيضاً (٢)، وفيه دليلٌ على أنَّ المراد بُيُدوّ الصلاح قَدرٌ زائدٌ على ظهور الثَّمَرة، وسببُ النَّهي عن ذلك خوفُ الغَرَر لكَثْرة (١) في (س): الشقح، وهو خطأ. (٢) يعني حديثه الذي في هذا الباب. ٢٢٠ باب ٨٦ / ح ٢١٩٧ فتح الباري بشرح البخاري الجوائح فيها، وقد بيَّن ذلك في حديث أنسِ الآتي في الباب بعدَه(١) فإذا احمرَّت، وأُكِلَ منها، أُمِنَت العاهةُ عليها، أي: غالباً. قوله: (تَجمارُ وتَصفارٌ)) قال الخطَّابي: لم يُرِد بذلك اللَّونَ الخالصَ من الصُّفرة والحُمرة، وإنَّما أراد حُمرةً أو صُفرةً بكُمودةٍ، فلذلك قال: تَحمارُ وتَصفارُّ، قال: ولو أراد اللَّونَ الخالصَ، لقال: تحمُّ وتصفرُ. وقال ابن التِّينِ: التَّشْقِيحُ: تَغْيُر لونها إلى الصُّفرة والحُمْرة، فأراد بقوله: تَحمارُ وتَصفارٌ ظهورَ أوائل الحُمرة والصُّفرة قبلَ أن تُشْبَع، قال: وإنَّما يقال: ((تَفعالُّ)) في اللَّون الغير المتُمكِّن إذا كان يَتَلَوَّن. وأنكَرَ هذا بعضُ أهل اللُّغة، وقال: لا فرقَ بين تحمُّ ونَحمارُّ. ويحتملُ أن يكونَ المرادُ المبالَغةَ في احمرارها واصفِرارها، كما تَقَرَّرَ أَنَّ الزيادةَ تدلُّ على التكثير والمبالَغة. تكميل: قال الدَّاوودي الشارحُ: قولُ زيد بن ثابتٍ: كالمشورة يشيرُ بها عليهم، تأويلٌ من بعضٍ نقلة الحديث، وعلى تقدير أن يكونَ من قول زيد بن ثابتٍ فلعلَّ ذلك كان في أوَّل الأمر ثمَّ وَرَدَ الجَزمُ بالنَّهي كما بيَّنه حدیثُ ابن عمرَ وغیرُه. قلت: وكأنَّ البخاري استَشعَرَ ذلك، فَرَتَبَ أحاديثَ الباب بحَسبٍ ذلك، فأفاد حديثُ زيد بن ثابتٍ سببَ النَّهي، وحديثُ ابن عمرَ(٢) التصريحَ بالنَّهي، وحديثُ أنسٍ وجابر بيانَ الغاية التي يَنْتَهي إليها النَّهي. ٨٦- باب بيع النّخل قبل أن يبدو صلاحها ٢١٩٧- حذَّثنا عليُّ بنُ الهَيثَم، حدَّثنا مُعلَّى بن منصور، حدَّثْنَا هُشَيمٌّ، أخبرنا مُميِدٌ، حدّثنا أنسُ بنُ مالكِ عَُّ، عن النبيِّ ◌ِِّ: أنَّه نهى عن بيع الثَّمَرةِ حتَّى يَبْدُوَ صَلاحُها، وعن النَّخلِ حتَّى يَزِهُوَ. قيلَ: وما يَزْهُو؟ قال: تَمارُّ أو يَصْفاُ. (١) بل في الباب الذي بعد الذي يليه. (٢) حديث ابن عمر تقدم برقم (٢١٨٣) و(٢١٨٤).