Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
باب ٥٤ / ح ٢١٣١ -٢١٣٤
كتاب البيوع
عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌َلاَه نهى أن يَبِيعَ الرجلُ طعاماً حتَّى يَستَوفِيَه.
قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: كيفَ ذاكَ؟ قال: ذاكَ دراهمُ بدراهمَ والطَّعامُ مُرْجاً.
قال أبو عبد الله: ((مُرْجَؤُون))(١) [التوبة: ١٠٦]: مؤخّرونَ.
[طرفه في: ٢١٣٥]
٢١٣٣ - حدَّثني أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ
رضي الله عنهما يقول: قال النبيُّ وَّ: ((مَنِ ابتاعَ طعاماً فلا يَبِعْهُ حتَّى يَقِضَه)».
٢١٣٤ - حدَّثنا عليٌّ، حذَّثنا سفيانُ، كان عَمْرو بنُ دِينارٍ يُحدِّثُ، عن الزُّهْريِّ، عن مالكِ
ابن أَوسِ أنَّه قال: مَن عندَه صَرْفٌ؟ فقال طلحةُ: أنا حتَّى يَجِيءَ خازنُنا مِن الغابةِ - قال سفيانُ:
هو الَّذي حَفِظناه عن الزُّهْرِيِّ ليس فيه زِيادة - فقال: أخبرني مالكُ بنُ أَوسٍ، سمعَ عمرَ بنَ
الخطّابِ ﴾ه يُخْبِرُ عن رسولِ الله وَّةٍ، قال: ((الذَّهبُ بالوَرِقِ رباً إلا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رباً
إلا هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالثَّمرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ)).
[طرفاه في: ٢١٧٠، ٢١٧٤]
قوله: ((باب ما يُذكَر في بيع الطَّعام والخُكْرة)) أي: بضمِّ المهمَلة وسكون الكاف: حَبسُ ٣٤٨/٤
السِّلَع عن البيع، هذا مُقتَضى اللّغة، وليس في أحاديث الباب للحُكْرة ذكرٌ كما قال
الإسماعيلي، وكأنَّ المصنّف استنَبَطَ ذلك من الأمر بنقل الطَّعام إلى الرِّحال ومَنْع بيع الطَّعام
قبل استيفائه، فلو كان الاحتكارُ حراماً لم يأمر بما يَؤول إليه، وكأنَّه لم يَئْبُت عنده حديثُ
مَعمَر بن عبد الله مرفوعاً: ((لا يَحَتكِرُ إلَّا خاطئٌ)) أخرجه مسلمٌ (١٦٠٥)، لكن مُجرَّد إيواءِ
الطَّعام إلى الرِّحال لا يَستَلِزِمُ الاحتكار الشَّرعي، لأنَّ الاحتكار الشَّرعي إمساكُ الطَّعام عن
البيعِ وانتِظارُ الغَلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه، وبهذا فسَّرَه مالكٌ عن أبي الزّناد
عن سعيد بن المسيّب. وقال مالك فيمن رَفَعَ طعاماً من ضَيْعته إلى بيته: ليست هذه بحُكرةٍ،
(١) قرأها كذلك - يعني بالهمزة المضمومة - أبو عمرو وابنُ كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر عن عاصم،
وقرأها الباقون ((مُرْجَون) بغير همز. انظر ((النشر)) لابن الجزري ١ / ٤٠٦.

١٢٢
باب ٥٤ / ح ٢١٣١ -٢١٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
وعن أحمد: إنَّما يَجِرُمُ احتكارُ الطَّعام المقتاتُ دونَ غيره من الأشياء.
ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيانَ تعريف الحُكرة التي نُهي عنها في غير هذا
الحديث، وأنَّ المراد بها قَدْرٌ زائدٌ على ما يُفسِّرُه أهلُ اللُّغة، فساق الأحاديث التي فيها تمكينُ
الناس من شِراءِ الطَّعام ونَقلِه، ولو كان الاحتكار تَمنوعاً لَمُنِعوا من نَقلِهِ، أو لَبُيِّنَ لهم عند
نَقْلِهِ الأَمَدُ الذي يَنْتَهونَ إليه، أو لَأُخِذَ على أيديهم من شِراءِ الشيء الكثير الذي هو مَظِنّةُ
الاحتكار. وكلُّ ذلك مُشعِرٌ بأنَّ الاحتكار إنَّما يُمنَعُ في حالةٍ مخصوصةٍ بشروطٍ مخصوصةٍ.
وقد وَرَدَ في ذمِّ الاحتكار أحاديثُ: منها حديث مَعمَر المذكور أوَّلاً.
وحديث عمر مرفوعاً: ((من احتكَرَ على المسلمين طعامَهم ضَرَبَه الله بالُدام والإفلاس))
رواه ابن ماجه (٢١٥٥)، وإسناده حسن(١).
وعنه مرفوعاً قال: ((الجالبُ مرزوق والمحتكِرِ ملعونٌ)) أخرجه ابن ماجَهْ (٢١٥٣)
والحاكم (١١/٢)، وإسنادُه ضعيفٌ.
وعن ابن عمر مرفوعاً: ((من احتكَرَ طعاماً أربعين ليلةً، فقد بَرِئَ من الله وبَرِئَّ منه))
أخرجه أحمد (٤٨٨٠) والحاكم (٢/ ١١ - ١٢)، وفي إسناده مقالٌّ.
وعن أبي هريرة مرفوعاً: ((من احتكَرَ حُكْرةً يريد أن يُغالي بها على المسلمين، فهو خاطئٌ))
أخرجه الحاكم (٢/ ١٢)(٢).
ثمَّ ذکر المصنِّف في الباب أحاديث:
الأول: حديث ابن عمر في تأدیبٍ من یبیعُ الطّعام قبل أن يُؤویہ إلی رَحْلِه، وسيأتي الكلامُ
علیه بعد بابٍ (٢١٣٧).
الثاني والثالث: حديث ابن عبّاس وابن عُمرَ في النَّهي عن بيع الطَّعام قبل أن يُستوفَى،
(١) كذا قال الحافظ: إسناده حسن، وحسّنه من قبله ابن كثير في («مسند عمر)) ٣٤٨/١، وصححه البوصيري
في ((مصباح الزجاجة)) ورقة ١٣٧، مع أن في إسناده رجلين مجهولين! وقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة
أحدهما: الخبر منكر.
(٢) هو بهذا اللفظ عند أحمد في («مسنده)) (٨٦١٧)، والذي عند الحاكم بنحوه بزيادة: ((وقد برئت منه ذمّة الله)).

١٢٣
باب ٥٤ / ح ٢١٣١ - ٢١٣٤
كتاب البيوع
وسیأتي الكلامُ علیھما في الباب الذي يليه.
الرابع: حديث عمر: ((الذَّهب بالوَرِق رباً))، ومُطابَقَته للتَّرجمة لمَا فيه من اشتراط قَبْضٍ
الشَّعير وغيره من الرِّبَويات في المجلسِ، فإنَّه داخل في قبضِ الطَّعام بغير شرطٍ آخرَ. وقد
استَشعَرَ ابن بطَّل مُبايَنتَه للتَّرجمة فأدخله في ترجمة (باب بيع ما ليس عندك))(١)، وهو مُغایِرٌ
للنُّسَخِ المروية عن البخاري.
وقوله في حديث عمرَ: ((حدَّثنا عليّ)) هو ابن المَدِيني، وسفيان: هو ابن عُيَينة.
وقوله: ((كان عَمْرو بن دينار يُحدِّثُ عن الزُّهْري عن مالك بن أوس أنَّه قال: مَن عنده
صَرف؟ فقال طلحة - أي: ابن عُبيد الله - أنا حتَّى يَجِيءَ خازنُنا من الغابة))، تأتي بقيَّته في رواية
مالك عن الزُّهْري بعد نيِّف وعشرين باباً (٢١٧٠).
قوله: ((قال سفيان)» هو ابن عُيَينة بالإسناد المذكور.
وقوله ((هذا الذي حَفِظناه من الزُّهْري ليس فيه زيادة)) أشار إلى القصَّة المذكورة، وأنَّه
حَفِظَ من الزُّهْري المتنَ بغير زيادة، وقد حَفِظَها مالك وغيره عن الزّهْري، وأبعَد الكِرْماني
فقال: غرضُ سفيان تصديق عَمْرو وأنَّه حَفِظَ نظير ما روى.
قوله: ((الذَّهب بالوَرِقِ)) هكذا رواه أكثرُ أصحاب ابن عُيَينة عنه، وهي روايةُ أكثر
أصحاب الزُّهْري، وقال بعضهم فيه: ((الذَّهب بالذَّهبِ))، كما سيأتي شرحه في المكان
المذكور إن شاء الله تعالى.
قوله في آخر حديث ابن عبّاس: قال أبو عبد الله - أي: المصنّف - مُرْجَؤون، أي:
مُؤخَّرون)) وهذا في رواية المُستَمْلي وحدَه،/ وهو موافق لتفسير أبي عبيدةَ حيثُ قال في ٣٤٩/٤
قوله: ((وآخَرون مُرجَؤون لأَمرِ الله)) أي: مُؤخَّرونَ لأمر الله، يقال: أرجأتُكَ، أي:
أَخَّرَتُك، وأراد به البخاري شرح قول ابن عبّاس: ((والطَّعام مُرْجاً)) أي: مُؤخّرٌ، ويجوزُ
همزُ مُرجَأٍ وتركُ همزه، ووقع في كتاب الخطّابي بتشديد الجيمِ بغير همزٍ، وهو للمُبالَغة.
(١) وهو الباب التالي.

١٢٤
باب ٥٥ / ح ٢١٣٥ -٢١٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
٥٥- باب بيع الطعام قبل أن يُقبَض، وبيع ما ليس عندك
٢١٣٥ - حدّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: الَّذي حَفِظْناه من عَمرِو بنِ دِینارٍ:
سمعَ طاووساً يقول: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقول: أمَّا الَّذي نهى عنه النبيُّ لَه
فهو الطَّعامُ أن يُباعَ حتَّى يُقبَضَ. قال ابنُ عبَّاسٍ: ولا أحسبُ كلَّ شيءٍ إلا مِثْلَه.
٢١٣٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسَلَمَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما،
أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((مَنِ ابتاعَ طعاماً فلا يَبِعْهُ حتَّى يَستَوفِيه)».
زادَ إسماعيلُ: ((مَنِ ابتاعَ طعاماً فلا تَبِعْهُ حتَّى يَقِضَه)).
قوله: ((باب بيعِ الطّعام قبلَ أن يُقبَضَ، وبيع ما ليس عندك)) لم يُذكر في حديثَي الباب بيع
ما ليس عندك، وكأنَّه لم يَثْبت على شرطِه فاستَنْبَطَه من النَّهي عن البيعِ قبلَ القَبْض، ووجه
الاستدلال منه بطريق الأَولى، وحديث النَّهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب
((السُّنَن))(١) من حديث حَكيم بن حِزَام، بلفظ: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجلُ فِيَسألُني
البيعَ ليس عندي، أبيعُه منه، ثمَّ أبتاعُه له من السُّوقِ؟ فقال: ((لا تبعْ ما ليس عندك))،
وأخرجه التِّرمِذي (١٢٣٣) مُختصَراً ولفظُه: نها ني رسول اللهِوَ لَ عن بيع ما ليس عندي(٣).
قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتملُ معنيَينٍ، أحدهما: أن يقول: أبيعُك عبداً أو
داراً مُعيَّنَةً وهي غائبة، فيُشبِه بيع الغَرَر لاحتمال أن تَتَلَف أو لا يرضاها، ثانيهما: أن يقول:
هذه الدّارُ بكذا، على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يُسلِّمَها لك صاحبُها. انتهى،
وقصَّةُ حَكيم موافقةٌ للاحتمال الثاني.
قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو ابن عُيَينة.
وقوله: ((الذي حَفِظناه من عَمْرو)) كأنَّ سفیان یشیرُ إلی أنَّ في روایة غیر عَمْرو بن دینار
(١) أبو داود (٣٥٠٣)، وابن ماجه (٢١٨٧)، والترمذي (١٢٣٢)، والنسائي (٤٦١٣).
(٢) وروي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أيضاً عند أبي داود (٣٥٠٤)، وابن ماجه (٢١٨٨)،
والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٤٦١١)، وإسناده حسن.

١٢٥
باب ٥٥ / ح ٢١٣٥ - ٢١٣٦
كتاب البيوع
عن طاووس زیادة على ما حدّنهم به عمرو بن دینار عنه، کسُؤال طاووس من ابن عبّاس
عن سببِ النَّهي وجوابه وغير ذلك.
قوله عن ابن عبّاس: ((أمَّا الذي نهى عنه ... )) إلى آخره، أي: وأمَّا الذي لم أحفَظ نهيَه فما
سوى ذلك.
قوله: ((فهو الطَّعامُ أن يُباع حتَّى يُقْبَضَ)) في رواية مِسعَر عن عبد الملك بن مَيسَرة عن
طاووس عن ابن عبّاس: من ابتاع طعاماً فلا يَبِعْه حتَّى يَقِضَه، قال مِسعَر: وأظنُّه قال: أو
عَلَفاً(١)، وهو بفتح المهمَلة واللَّام والفاء.
قوله: ((قال ابن عبّاس: لا أحسبُ كلَّ شيءٍ إلَّا مثِلَه))، ولمسلم (٣٠/١٥٢٥) من طريق
مَعمَر عن ابن طاووس عن أبيه: وأحسبُ كلَّ شيءٍ بمَنزِلة الطَّعام، وهذا من تَفَقُّه ابن
عبَّاس. ومالَ ابن المنذر إلى اختصاص ذلك بالطَّعام، واحتَجَّ باتِّفاقهم على أنَّ من اشترى
عبداً فأعتَقَه قبلَ قَبِضِه أنَّ عِتقَه جائز، قال: فالبيعُ كذلك. وتُعقِّبَ بالفارق وهو تَشَوُّف
الشارع إلى العِثْق.
وقولُ طاووس في الباب قبله (٢١٣٢): قلت لابن عبّاس: كيف ذاكَ؟ قال: ذاكَ دراهم
بدراهمَ والطَّعام مُرْجاً؛ معناه: أنَّه استَفْهَمَ عن سببٍ هذا النَّهي، فأجابه ابن عبّاس: بأنَّه إذا
باعه المشتري قبلَ القبضِ وتأخّرَ المبيع في يد البائع، فكأنَّه باعه دراهم بدراهمَ، ويُبِّن ذلك
ما وقع في رواية سفيان عن ابن طاووس عند مسلم (٣١/١٥٢٥): قال طاووس: قلت
لابن عبّاس: لِمَ؟ قال: ألا تراهم يتبايعونَ بالذَّهبِ والطَّعامُ مُرجَأ؛ أي: فإذا اشترى طعاماً
بمئةِ دينار / مثلاً ودَفَعَها للبائع ولم يَقبِض منه الطَّعامَ، ثمَّ باع الطَّعامَ لآخرَ بمئةٍ وعشرين ٣٥٠/٤
ديناراً وقَبَضَها والطَّعامُ في يد البائع، فكأنَّه باع مئةَ دينارٍ بمئةٍ وعشرين ديناراً، وعلى هذا
التفسير لا يختصُّ النَّهي بالطَّعام، ولذلك قال ابن عبّاس: لا أحسَبُ كلَّ شيءٍ إلَّا مثله،
ويُؤْيِّدُه حديثُ زيد بن ثابت: نهى رسولُ اللهِ وَّهِ أن تُباعِ السِّلَعُ حيثُ تُبتاعُ حتَّى يَجُوزَها
التُّجّارُ إلى رِحالهم، أخرجه أبو داود (٣٤٩٩)، وصَخَّحَه ابن حِبَّان (٤٩٨٤).
(١) رواية مسعر أخرجها أحمد في («مسنده)) (٣٤٩٦).

١٢٦
باب ٥٥ / ح ٢١٣٥ -٢١٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال القُرطُبي: هذه الأحاديثُ حُجّة على عثمان البَتِّي (١) حيثُ أجازَ بيعَ كلِّ شيءٍ قبلَ
قَبِضِه، وقد أخذَ بظاهرها مالك فحَمَلَ الطَّعامَ على عمومه وألحَقَ بالشِّراءِ جميعَ
المعاوَضَات، وأَحَقَ الشافعي وابن حَبيبٍ وسَحْنونٌ بالطَّعام كلَّ ما فيه حَقُّ توفیةٍ، وزاد أبو
حنيفة والشافعي فعَدَّياه إلى كلٌّ مُشتَرَى، إلَّا أنَّ أبا حنيفة استثنى العَقَار وما لا يُنقَل، واحتَجَّ
الشافعي بحديث عبد الله بن عمرو قال(٢): نهى النبي ◌َّ عن رِبح ما لم يُضمَن. أخرجه
التِّرمِذي (١٢٣٤). قلت: وفي معناه حديث حَكيم بن حِزَام المذكور في صدر التَّرجمة.
وفي صفة القَبْض عن الشافعي تفصيل: فما يُتناولُ باليد كالدَّراهم والدَّنانير والثَّوبِ
فَقَبْضُه بالتناوُل، وما لا يُنقَلُ كالعَقارِ والثَّمَر على الشَّجَر فَقَبِضُه بالتخليّةِ، وما يُنقَلُ في
العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقَبِضُه بالنَّقل إلى مكانٍ لا اختصاصَ للبائعِ به،
وفيه قولٌ: إنَّه يكفي فيه النَّخليةُ.
قوله عَقِب حديث ابن عمر: ((زاد إسماعيل: فلا تَبِعْه حتَّى يَقِضَه)) يعني: أنَّ إسماعيلَ بن
أبي أُوَيس روى الحديث المذكور عن مالكِ بسنده بلفظ: ((حتَّى يَقِضَه)) بدلَ قوله: ((حتَّى
يَستوفيَه)»، وقد وَصَله البيهقي (٣١٢/٥) من طريق إسماعيلَ كذلك.
وقال الإسماعيلي: وافق إسماعيلَ على هذا اللَّفظ ابنُ وَهْبٍ وابن مهدي والشافعي
وقُتَيِيةٌ (٣).
قلت: وقول البخاري: زاد إسماعيل، يريدُ الزّيادةَ في المعنى، لأنَّ في قوله: ((حتَّى
يَقْبِضَه)) زيادةً في المعنى على قوله: ((حتَّى يَستوفيَه))، لأنه قد يستوفيه بالكَيل بأن يَكِيله
البائعُ ولا يُقْبِضَه المشتريَ، بل يَحِسُه عنده لينقُدَه الثَّمِنَ مثلاً.
وعُرِفَ بهذا جوابُ من اعتَرَضَه من الشُّرّاح، فقال: ليس في هذه الرواية زيادةٌ، وجوابُ
من حَمَلَ الزِّيادةَ على مُجرَّد اللَّفظِ، فقال: معناه زاد لفظاً آخرَ، وهو ((يَقِضُه))، وإن كان هو
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: الليثي.
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: عمر وقال.
(٣) انظر ((مسند أبي عوانة)) (٤٩٧٣) و(٤٩٧٤) و(٤٩٧٦)، و((شرح معاني الآثار)) للطحاوي ٤/ ٣٧.

١٢٧
باب ٥٦ / ح ٢١٣٧
كتاب البيوع
بمعنى ((يَستوفيه))، ويُعرَفُ من ذلك أنَّ اختيار البخاري أنَّ استيفاءَ المبيع المنقول من البائعِ
وتَبقيتَه في مَنزِل البائع لا يكون قَبْضاً شرعياً حتَّى يَنقُله المشتري إلى مكانٍ لا اختصاصَ
للبائعِ به، كما تقدَّم نَقلُه عن الشافعي، وهذا هو النُّكتة في تعقيبِ المصنّفِ له بالترجمة الآتية.
٥٦- باب مَن رأى إذا اشترى طعاماً جزافاً أن لا يبيعه حتى
یؤویه إلی رَحْلِه، والأدب في ذلك
٢١٣٧- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثْنا اللَّيْثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
سالمُ بنُ عبد الله: أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: لقد رأيتُ النّاسَ في عهدِ رسولِ الله وَيه
يَبتاعونَ جِزافاً - يعني: الطَّعامَ - يُضرَبونَ أن يَبِيعوه في مكانهم حتَّى يُؤْووه إلى رِحالهم.
قوله: ((باب من رأى إذا اشترى طعاماً جزافاً أن لا يبيعَه حتَّى يُؤویَه إلى رَحلِه، والأدب في
ذلك)) أي: تعزير من يبيعُه قبلَ أن يُؤويَه إلی رَحْلِه.
ذكَر فيه حديث ابن عمر في ذلك، وهو ظاهرٌ فيما ترجمَ له، وبه قال الجمهور، لكنَّهم لم
يَخْصّوه بالجِزاف ولا قيَّدوه بالإيواءِ إلى الرِّحال.
أمَّا الأوَّلُ، فلِما ثبت من النَّهي عن بيع الطَّعام قبلَ قَبْضِه(١)، فدَخَلَ فيه المَكِيل، ووَرَدَ
التَّنصيصُ على المَكِيل من وجهٍ آخرَ عن ابن عمر مرفوعاً، أخرجه أبو داود (٣٤٩٥).
وأمَّا الثاني، فلأنَّ الإيواءَ إلى الرِّحال خرج تَخَرَج الغالب، وفي بعضٍ طرق مسلمٍ (١٥٢٧)
عن ابن عمر: كنَّا نَبتاعُ الطَّعامَ فيَبعَثُ إلينا رسول الله وَ لّ من يأمرُنا بانتِقاله من المكان الذي
ابتَعناه فیه إلی مکانٍ سواه قبلَ أن نبیعَه.
وفَرَّقَ مالك في المشهور عنه بين الجِزاف والمَكِيل: فأجازَ بيع الجزاف قبلَ قَبضِه، وبه ٣٥١/٤
قال الأوزاعي وإسحاق، واحتُجَّ لهم بأنَّ الجِزافَ مَرْئيٍّ فتكفي فيه التَّخلية، والاستيفاء إنَّما
يكون في مَكيلٍ أو موزون، وقد روى أحمد (٥٩٠٠) من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((من
اشترى طعاماً بكَيلِ أو وزنٍ فلا يبيعُهُ حتَّى يَقِضَه)»، ورواه أبو داود (٣٤٩٥) والنَّسائي
(١) تقدم في الباب (٥٥).

١٢٨
باب ٥٧ / ح ٢١٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
(٤ ٤٦٠) بلفظ: نهى أن يبيعَ أحد طعاماً اشتراه بكَيلِ حتَّى يستوفيَه، والدَّارَ قُطني (٢٨١٩)
من حديث جابر: نهى رسول الله وَ ل﴿ عن بيع الطَّعام حتَّى يجريَ فيه الصاعان: صاع البائع
وصاع المشتري، ونحوُه للبزَّار(١) من حديث أبي هريرة بإسناد حسنٍ. وفي ذلك دلالة على
اشتراط القبضِ في المكيل بالكَيلِ، وفي الموزون بالوزن، فمن اشترى شيئاً مُكايَلة أو موازنة
فقَبَضَه چِزافاً فقَبْضُه فاسد، وكذا لو اشترى مُكایَلة فقَبَضَه موازَنة وبالعكس، ومن اشترى
مُكايَلة وقَبَضَه ثمَّ باعه لغيره لم يجزْ تسليمُه بالكَيل الأوَّل حتَّى يَكِيلَه على من اشتراه ثانياً،
وبذلك كلِّه قال الجمهور، وقال عطاء: يجوزُ بيعُه بالكَيل الأوَّل مُطلَقاً، وقيل: إن باعه بنَقدٍ
جازَ بالكَيل الأوَّل، وإن باعه بنَسيئةٍ لم يَجُزُ بالأوَّل، والأحاديث المذكورة تردُّ عليه.
وفي الحديث مشروعية تأديب من يَتَعاطى العقود الفاسدة، وإقامة الإمام على الناس
مَن يُراعي أحوالهم في ذلك، والله أعلم.
وقوله: ((جِزافاً) مُثلَّثة الجيم والكسرُ أفصح.
وفي هذا الحديث جواز بيع الصُّبْرة جِزافاً سواء عَلِمَ البائعُ قَدْرَها أم لم يعلم، وعن مالكٍ
التَّعْرِقة، فلو عَلِمَ لم يَصِحَّ، وقال ابن قدامة: يجوزُ بيع الصُّبْرةِ جِزافاً لا نَعلَمُ فيه خلافاً إذا
جَهِلَ البائعُ والمشتري قَدْرَها، فإن اشتراها جِزافاً ففي بيعها قبلَ نقلها، روايتان عن أحمد،
ونَقلُها قَبضُها.
٥٧- باب إذا اشتری متاعاً أو داّةً فوضعه عند البائع
أو مات قبل أن يُقبَضَ
وقال ابنُ عمرَ رضي الله عنهما: ما أدرَكَتِ الصَّفْقَةُ حيّاً مجموعاً، فهو مِن المبتاع.
٢١٣٨ - حدَّثْنَا فَرْوةُ بنُ أبي المَغْراءِ، أخبرنا عليٌّ بنُ مُسْهِر، عن هشام، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لَقَلَّ يومٌ كان يأتي على النبيِّ وََّ، إلا يأتي فيه بيتَ أبي بكرٍ أحدَ
طرفَ النَّهار، فلمَّا أُذِنَ له في الخروج إلى المدينةِ لم يَرُعْنا إلا وقد أتانا ظُهراً، فخُبِّرَ به أبو بكرِ،
(١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (١٢٦٥).

١٢٩
باب ٥٧ / ح ٢١٣٨
كتاب البيوع
فقال: ما جاءَنا النبيُّ ◌َّه في هذه الساعةِ إلا مِن حَدَثَ، فلمَّا دَخَلَ عليه قال لأبي بكرٍ: ((أَخرِجْ
مَن عندَكَ)) قال: يا رسولَ الله، إنَّما هما ابنَتَايَ - يعني: عائشةَ وأسماءَ - قال: ((أَشَعَرتَ أنَّه قد أُذِينَ
لي في الخروجِ)) قال: الصُّحبةَ يا رسولَ الله، قال: ((الصُّحبةَ)) قال: يا رسولَ الله، إنَّ عندي ناقَتَينِ
أعدَدْتُمَا للخُروج، فخُذْ إحداهما، قال: ((قد أخذتُها بالثَّمَنِ)).
قوله: ((باب إذا اشترى متاعاً أو دابَّةً فوضعه عند البائع أو مات قبلَ أن يُقْبَضَ)) أورَدَ فيه
حديثَ عائشة في قصَّة الهجرة، وفيه قوله وَ له لأبي بكر عن الناقة: ((أخذتُها بالثَّمَن))، قال
المهلَّب: وجه الاستدلال به أنَّ قوله: ((أخذتُها)) لم يكن أخذاً باليد ولا بحيازة شخصها،
وإنَّما كان التِزاماً منه لابتياعها بالثَّمَن وإخراجها عن مِلك أبي بكر. انتهى، وليس ما قاله
بواضح لأنَّ القصَّةَ ما سِيقَت لبيان ذلك، فلذلك اختُصِرَ فيها قَدرُ الثَّمن وصفةُ العقد،
فيُحمَلُ كلّ ذلك على أنَّ الراوي اختَصَرَه لأنه ليس من غرضِه في سياقه، وكذلك اختَصَرَ
صفة القبض فلا يكون فيه حُجّةٌ في عَدَمِ اشتراط القَبْض.
وقال ابن المنيِرِ: مُطابقهُ الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ البخاري أراد أن يُحقِّقَ انتقال
الضَّمان في الدّابَّة ونحوها إلى المشتري بنفسِ العقد،/ فاستَدَلَّ لذلك بقوله وَ ال ◌َ: «قد أخذتها ٣٥٢/٤
بالثَّمَن))، وقد عُلِمَ أنَّه لم يَقِضْها بل أبقاها عند أبي بكر، ومن المعلوم أنَّه ما كان ليبقيَها في
ضمان أبي بكر لما تقتضيه مكارم أخلاقه حتَّى يكونَ المِلك له والضَّمان على أبي بكر من
غير قَبْضٍ ثمنٍ، ولا سيّما وفي القصَّة ما يدلُّ على إيثاره لمنفعة أبي بكر حيثُ أَبى أن يأخُذَها
إلَّا بالثَّمَن. قلت: ولقد تَعسَّفَ في هذا كما تَعسَّفَ مَن قبله، وليس في التَّرجمة ما يُلحِىُّ إلى
ذلك، فإنَّ دلالةَ الحديث على قوله: ((فَوَضَعَه عند البائع)) ظاهرة جدّاً، وقد قدَّمتُ أنَّه لا
يَستَلِمُ صِحّةَ المبيع بغير قَبْض.
وأمَّا دلالته على قوله: ((أو مات قبلَ أن يُقبَضَ)) فهو واردٌ على سبيل الاستفهام، ولم يجزِم
بالحكم في ذلك بل هو على الاحتمال، فلا حاجةً لتحميله ما لم يَتحمَّل، نعم ذِكرُه لأثر ابن
عمر في صدر التَّرجمة مُشعِر باختيار ما دَلَّ عليه، فلذلك احتيجَ إلى إبداء المناسَبة، والله الموفَّق.

١٣٠
باب ٥٧ / ح ٢١٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال ابن عمر: ما أدرَكَت الصَّفقةُ)) أي: العقدُ ((حيّاً) أي: بمُهمَلةٍ وتحتانيةٍ مُثقَّلةٍ
(مجموعاً)) أي: لم يَتغيَّر عن حالته ((فهو من المبتاع)) أي: من المشتري. وهذا التَّعليق وَصَله
الطَّحاوي (١٦/٤) والدَّارَقُطني (٣٠٠٦) من طريق الأوزاعي عن الزُّهْري عن حمزة بن
عبد الله بن عمر عن أبيه، وقال في روايته: ((فهو من مال المبتاع))، ورواه الطَّحاوي (١٦/٤)
أيضاً من طريق ابن وَهْبٍ عن يونسَ عن الزُّهْري، مثله، لكن ليس فيه: ((مجموعاً)، وإسناد
الإدراك إلى العقد مجاز، أي: ما كان عند العقد موجوداً وغيرَ مُنفَصِل.
قال الطَّحاوي: ذهب ابن عمر إلى أنَّ الصَّفقةَ إذا أدرَكَت شيئاً حيّاً فَهَلَكَ بعد ذلك
عند البائعِ، فهو من ضمان المشتري، فدَلَّ على أنَّه كان يرى أنَّ البيعَ يَتِمُّ بالأقوال قبلَ الفُرْقة
بالأبدان. انتهى، وما قاله ليس بلازم، وكيف يَحَتَجُّ بأمرٍ مُتَمَلٍ في مُعارضة أمرٍ مُصَّحِ به،
فابن عمر قد تقدَّم عنه (٢١٠٧) التَّصريحُ بأنَّه كان يرى الفُرقة بالأبدان، والمنقول عنه هنا
يحتملُ أن يكونَ قبلَ التفرُّق بالأبدان، ويحتملُ أن يكونَ بعدَه فحَمْله على ما بعدَه أَولى جمعاً
بین حدیثیه.
وقال ابن حَبيب: اختلفَ العلماء فيمن باع عبداً واحتَبسَه بالثَّمَن فَهَلَكَ في يديه قبلَ أن
يأتي المشتري بالثَّمَن: فقال سعيد بن المسيّب ورَبِيعة: هو على البائع، وقال سليمان بن
يَسار: هو على المشتري، ورَجَعَ إليه مالك بعد أن كان أخذَ بالأوَّل، وتابعه أحمد وإسحاق
وأبو ثَوْر، وقال بالأوَّل الحنفيّة والشافعية، والأصل في ذلك اشتراط القبضِ في صِحّة
البيع، فمن اشترطه في كلُّ شيءٍ جعله من ضمان البائع، ومن لم يشترطه جعله من ضمان
المشتري، والله أعلم.
وروی عبد الرَّزاق (١٤٢٤٣) بإسناد صحيح عن طاووس في ذلك تفصيلاً، قال: إن
قال البائع: لا أُعطيكَه حتَّى تَنْقُدَني الثَّمَنَ، فَهَلَكَ فهو من ضمان البائع، وإلَّا فهو من
ضمان المشتري.
وقد فسَّر بعض الشُّاح المبتاع في أثر ابن عمر بالعين المبيعة وهو جيّد.

١٣١
باب ٥٨
كتاب البيوع
وقد سُئِلَ الإمامُ أحمد عَمَّن اشترى طعاماً فطلبَ من يَحِمِلُهُ فَرَجَعَ فَوَجَدَه قد احتَرَق،
فقال: هو من ضمان المشتري، وأورَدَ أثر ابن عمر المذكور بلفظ: فهو من مال المشتري.
وفَرَّع بعضهم على ذلك أنَّ المبيعَ إذا كان مُعيَّناً دَخَلَ في ضمان المشتري بمُجرَّد العقد
ولو لم يُقْبَض، بخلاف ما يكون في الذِّمّة فإنَّه لا يكون من ضمان المشتري إلّا بعد القَبْضِ،
كما لو اشترى قَفيزاً من صُبْرةٍ، والله أعلم.
وسيأتي الكلامُ على حديث عائشة في أوَّل الهجرة إن شاء الله تعالى، فقد أورَدَه هناك
(٣٩٠٥) من وجهٍ آخرَ عن عُرْوةَ أتمَّ من السِّياق الذي هنا، وبالله التَّوفيق.
٥٨ - بابٌ لا يبيع على بيع أخيه ولا يَسُومُ على سَوْم أخيه
حتى يأذن له أو يترك
قوله: ((بابٌ لا يبيعُ على بيع أخيهِ، ولا يَسومُ على سَوم أخيهِ، حتَّى يأذَنَ له أو يَترُكَ)) أورَدَ ٣٥٣/٤
فيه حديثَي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك، وأشار بالتقييد إلى ما وَرَدَ في بعضٍ طرقه، وهو ما
أخرجه مسلم (١٤١٢ / ٥٠) من طريق عُبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث بلفظ:
((لا يَبِع الرَّجل على بيع أخيه، ولا يَخْطُّب على خطبة أخيه، إلّا أن يأذَنَ له))، وقوله: ((إلَّا أن
يأذَنَ له)) يحتملُ أن يكونَ استثناءً من الحكمَين كما هو قاعدة الشافعي، ويحتملُ أن يختصَّ
بالأخير، ويُؤْيِّدُ الثاني روايةُ المصنِّفِ في النِّكاح (٥١٤٢) من طريق ابن جُرَيج عن نافعِ
بلفظ: نهى أن يبيعَ الرجل على بيع أخيه، ولا يَخْطُبَ الرجل على خطبة أخيه، حتَّى يَترُكَ
الخاطب قبله أو يأذَنَ له الخاطب.
ومن ثَمَّ نَشَأ خلاف للشافعية: هل يختصُّ ذلك بالنكاح أو يَلتَحِقُ به البيعُ في ذلك؟
والصحيحُ عَدَم الفرق. وقد أخرجه النَّسائي (٤٥٠٤) من وجهٍ آخرَ عن عبيد الله بن عمر
بلفظ: ((لا يبيعُ الرجل على بيع أخيه حتَّى يَبتاع أو يَذَرَ)).
وترجمَ البخاري أيضاً بالسَّومِ ولم يقع له ذكرٌ في حديثَي الباب، وكأنَّه أشار بذلك إلى
ما وقع في بعضٍ طرقه أيضاً، وهو ما أخرجه في الشُّروط (٢٧٢٧) من حديث أبي هريرة،

١٣٢
باب ٥٨ / ح ٢١٣٩ - ٢١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
بلفظ: وأن يَستامَ الرجل على سَوْم أخيه، وأخرجه مسلم في حديث نافعٍ عن ابن عمر
أيضاً (١). وذكر المسلم لكونِه أقرَبَ إلى امتثال الأمر من غيره، وفي ذِكْره إيذان بأنَّه لا يليقُ
به أن يَستأثِرَ على مسلمٍ مثلِه.
٢١٣٩- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما، أنَّ رسولَ الله وَ لَّه قال: «لا يَبِيعُ بعضُكُم على بيعِ أخيهِ».
[طرفاه في: ٢١٦٥، ٥١٤٢]
قوله: ((لا يبيع)) كذا للأكثر بإثبات الياء في ((يبيع)) على أنَّ ((لا)) نافيةٌ، ويحتملُ أن تكون
ناهيةً، وأُشبِعَت الكسرةُ كقراءة من قرأ: ((إنه مَن يتَّقي ويَصْبِرِ)) [يوسف: ٩٠]، ويُؤْيِّدُه رواية
الكُشْمِيهني بلفظ: ((لا ◌َيِعْ)) بصيغة الأمر.
قوله: «بعضُكُم على بيع أخيهِ)) كذا أخرجه عن إسماعيلَ عن مالك، وسيأتي في ((باب
النَّهي عن تَلَقّي الرُّكبان)) (٢١٦٥) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، بلفظ: ((على بيع
بعض))، وظاهر التقييد بأخيه أن يختصَّ ذلك بالمسلمِ، وبه قال الأوزاعي وأبو عُبيد بن
حَرْبويه من الشافعية، وأصرَحُ من ذلك رواية مسلمٍ (١٤١٣ /٥٤) من طريق العلاءِ عن
أبيه عن أبي هريرة، بلفظ: ((لا يَسومُ المسلم على سَوْم المسلم»، وقال الجمهور: لا فرقَ في
ذلك بين المسلمِ والدُّمّي، وذِكرُ الأخِ خرج للغالبِ فلا مفهومَ له.
٢١٤٠ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن سعيد بنِ المسيّبِ، عن
أبي هريرةَ ◌َُ، قال: نهى رسولُ اللهِ وَلَّهِ أَن يَبِيعَ حاضرٌ لبادٍ: ((ولا تَناجَشوا، ولا يَبِيعُ الرجلُ
على بيعٍ أخيه، ولا يَخِطُبُ على خِطبةِ أخيه، ولا تَسألُ المرأةُ طَلَاقَ أُخْتِها لِتُكِفِئَ ما في إنائِها».
[أطرافه في: ٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٥١، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠٨]
(١) لم نقف عليه في ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عمر، كما لم نقف على ذكر السَّوم في حديثه من رواية
نافع عنه في شيء من مصادر التخريج، وهو فيه من رواية مجاهد عنه عند الدارقطني في ((السنن))
(٣٠٧٢) وقرن به أبا هريرة، والمحفوظ في حديث ابن عمر بيع الرجل على بيع أخيه كما عند المصنف
هنا، وعند مسلم (١٤١٢).

١٣٣
باب ٥٨ / ح ٢١٤٠
كتاب البيوع
قوله في حديث أبي هريرة: ((نهى رسولُ الله ◌َ أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ، ولا تَناجَشوا ... )) إلى
آخره، عَطَفَ صيغة النَّهي على معناها، فتقدير قوله: نهى أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ، أي قال: لا
يبيعُ حاضرٌ لبادٍ، فعَطَفَ عليه: (ولا تَناجَشوا))، وسيأتي الكلام على بيع الحاضر للبادي
بعدُ في بابٍ مُفرَد(١)، وكذا على النَّجشِ في الباب الذي يليه.
وقوله هنا: ((ولا تَناجَشوا)» ذكره بصيغة التفاعُل، لأنَّ التاجرَ إذا فعَلَ لصاحبِه ذلك كان
بصَدَد أن يفعلَ له مثله، ويأتي الكلامُ على الخِطبة في كتاب النكاح (٥١٤٤) إن شاء الله تعالى.
قال العلماء: البيعُ على البيعِ حرام، وكذلك الشِّراء على الشِّراء، وهو أن يقولَ لمن اشترى
سلعةً في زَمَن الخيار: افسَخ لأبيعَك بأنقص، أو يقولَ للبائع: افسَخ لأشتَري منك بأزيد،
وهو مُجُمِعٌ علیه.
وأمَّا السَّومُ فصورته أن يأخُذَ شيئاً ليشتَريه فيقولَ له: رُدَّه لأبيعَك خيراً منه بثمنه أو
مثلِه بأرخص، أو يقولَ للمالكِ: استَرِذَّه لأشتَريه منك بأكثر، ومَحَلّه بعد استقرار الثَّمَن
ورُكون أحدِهما إلى الآخر، فإن كان ذلك صريحاً فلا خلافَ في التحريم، وإن كان ظاهراً
ففيه وجهان للشافعية.
ونقل ابن حَزْم اشتراط الرُّكون عن مالكِ، وقال: إنَّ لفظَ الحديث لا يدلُّ عليه. وتُعُقِّبَ ٣٥٤/٤
بأنَّه لا بدَّ من أمرٍ مُبيِّنٍ لموضعِ التحريمِ فِي السَّوم، لأنَّ السَّومَ في السِّلعة التي تُباعُ فيمن يزيدُ
لا يَحِرُمُ اتِّفاقاً كما نقله ابن عبد البَرِّ، فَتَعيَّنَ أنَّ السَّومَ المحرَّم ما وقع فيه قَدْرٌ زائدٌ على ذلك.
وقد استثنى بعضُ الشافعية من تحريمِ البيعِ والسَّومِ على الآخر ما إذا لم يكن المشتري
مَغْبوناً غُبْناَ فاحشاً، وبه قال ابن حَزْمٍ، واحتَجَّ بحديث: ((الدّينُ النَّصيحة)(٢). لكن لم تَنحَصِر
النَّصيحةُ في البيع والسَّومِ، فله أن يُعرِّفَه أنَّ قيمتها كذا، وأنَّك إن بعتها بكذا مَغبون من غير
أن يزيدَ فيها، فيجمعُ بذلك بين المصلَحَتَين، وذهب الجمهورُ إلى صِحّة البيعِ المذكور مع
تأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة في فساده روايتان، وبه جَزَمَ أهلُ الظّاهر، والله أعلم.
(١) باب رقم (٦٨) و(٦٩).
(٢) أخرجه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري، وعلّقه البخاري في كتاب الإيمان: باب (٤٢).

١٣٤
باب ٥٩ / ح ٢١٤١
فتح الباري بشرح البخاري
٥٩- باب بيع المزايدة
وقال عطاءٌ: أدرَكتُ النّاسَ لا يَرَونَ بأساً ببيعِ المغانمِ فيمَن يزيدُ.
٢١٤١ - حدَّثْنا بشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا الحسينُ المُكتِبُ، عن عطاءِ بنِ أبي
رَبَاحِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً أعتَقَ غُلاماً له عن دُبُرٍ، فاحتاجَ، فأخذَه
النبيُّ وَّه فقال: ((مَن يشترِيه منِّي؟)) فاشتراه نُعَيمُ بنُ عبدِ الله بكذا وكذا، فَدَفَعَه إليه.
[أطرافه في: ٢٢٣٠، ٢٣٢١، ٢٤٠٣، ٢٤١٥، ٢٥٣٤، ٦٧١٦، ٦٩٤٧، ٧١٨٦]
قوله: ((باب بيع المزايدة)) لمَّا أن تقدَّم في الباب قبله النَّهيُ عن السَّومِ أراد أن يُبيِّنَ موضعَ
التحريمِ منه، وقد أوضحتُه في الباب الذي قبله، ووَرَدَ في البيع فيمن يزيدُ حديث أنسٍ : أنَّه
وَر باع حِلْساً وقَدَحاً وقال: ((من يشتري هذا الِحِلْس والقَدَحَ؟» فقال رجل: أخذتُهما
بدرهم، فقال: ((من يزيدُ على درهم؟)) فأعطاه رجل درهمَين، فباعهما منه. أخرجه أحمد
(١٢١٣٤) وأصحاب السُّننِ(١) مُطوَّلاً ومُختصَراً، واللَّفظُ للتِّمِذي (١٢١٨)، وقال: حسنٌ.
وكأنَّ المصنِّفَ أشار بالترجمة إلى تضعيف ما أخرجه البَزَّار (٢) من حديث سفيان بن
وَهْبٍ: سمعتُ النبي ◌َّ ينهى عن بيع المزايدة، فإنَّ في إسناده ابن لَهِيعة، وهو ضعيف.
قوله: «وقال عطاء: أدرَكتُ الناسَ لا يرونَ بأساً ببيع المغانم فیمن یزید» وَصَله ابن أبي
شَيْبة نحوه (٣) عن عطاء ومجاهد (٤)، وروى هو (٦/ ٣٣٧) وسعيد بن منصور عن ابن عُيَينة
عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهدٍ، قال: لا بأسَ ببيعٍ من يزيد، وكذلك كانت تُباعُ الأخماس.
وقال الثِّرمِذي عَقِب حديث أنسِ المذكورِ: والعملُ على هذا عند بعض أهل العلم، لم
(١) أبو داود (١٦٤١)، وابن ماجه (٢١٩٨)، والنسائي (٤٥٠٨).
(٢) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (١٢٧٦).
(٣) في (ع) و(س): ونحوه. وهو خطأ، لأن الحافظ أراد أن لفظ رواية ابن أبي شيبة نحو اللفظ الذي ذكره
البخاري.
(٤) هو عند ابن أبي شيبة ٦/ ٦٠ بلفظ: لا بأس ببيع من يزيد. لكن أخرجه باللفظ الذي أشار إليه الحافظ
الطحاويُّ في ((شرح معاني الآثار)) ٧/٣ من طريق عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن عطاء.

١٣٥
باب ٦٠ / ح ٢١٤٢
كتاب البيوع
يروا بأساً ببيعٍ من يزيدُ في الغنائمِ والمواريث. قال ابن العربي: لا معنى لاختصاص الجواز
بالغنيمة والميراثِ، فإنَّ البابَ واحد والمعنى مُشتَرَكٌ. انتهى، وكأنَّ التِّرمِذي يُقَيِّدُ بما وَرَدَ في
حديث ابن عمر الذي أخرجه ابن خُزيمة (١) وابن الجارود (٥٧٠) والدَّارَ قُطني (٢٨٢٦) من
طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر: نهى رسولُ اللهِ وَ ل﴿ أن يبيعَ أحدكم على بيع أحد حتَّى
يَذَر، إلَّا الغنائم والمواريث. انتهى. وكأنَّه خرج على الغالبِ فيما يُعتادُ فيه البيعُ مُزايَدةً وهي
الغنائمُ والمواريث، ويَلتَحِقُ بهما غيرُهما للاشتراك في الحكم. وقد أخذَ بظاهره الأوزاعيُّ
وإسحاق فخَصّا الجوازَ ببيع المغانم والمواريث. وعن إبراهيمَ النَّخَعي: أنَّه كَره بیعَ من یزید.
ثُمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديثَ جابر في بيع المدبّر، وفيه قوله وَّ: ((من يشتريه منِّي؟)) فاشتراه
نُعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدَفَعَه إليه، وسيأتي شرحه مُستوقَى (٢٢٣٠) في ((باب بیعِ
المدبّر)) في أواخر البيوع.
وقوله: ((بكذا وكذا)) يأتي أنَّه ثمان مئة درهم، ويأتي أيضاً تسمية الرجل المذكور إن شاء
الله تعالى. وقد اعتَرَضَه الإسماعيلي، فقال: ليس في قصَّة المدبّر بيع المزايدة، فإنَّ بيع المزايدة
أن يعطى به واحد ثمناً ثُمَّ يعطى به غيرُه زيادةً عليها. انتهى.
وأجاب ابن بطَّال بأنَّ شاهد الترجمة منه قوله في الحديث: ((من يشتريه منّي؟)) قال: ٣٥٥/٤
فَعَرْضُه للزّيادة ليستقضي فيه للمُفلِسِ الذي باعه عليه، وسيأتي بيان كونه كان مُفلِساً في
أواخر كتاب الاستقراض (٢٤٠٣).
٦٠ - باب النَّجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع
وقال ابنُ أبي أوَى: النّاجِشُ آكلُ رباً خائنٌ.
وهو خِداعٌ باطلٌ لا يَحِلُّ، قال النبيُّ وَّةِ: ((الخديعةُ في النّار))، و((مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه
أمرُنا فهو رَبٌّ).
(١) ذكر ابن خزيمة في ((صحيحه)) في عدة مواضع أنه صنَّف كتاباً في البيوع، وذلك بإثر الأحاديث (٢٠٨)
و(٢٥٥١) و(٢٨٩٧)، والظاهر أن الحافظ يخرّج من مصنفه هذا في شرحه لكتاب البيوع. وقد غَفَلَ
الحافظُ رحمه الله عن نسبة هذا الحديث إلى ((مسند أحمد))، وهو فيه برقم (٥٣٩٨).

١٣٦
باب ٦٠ / ح ٢١٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
٢١٤٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسَلَمَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما،
قال: نهى النبيُّ ◌َلِ عن النَّجْش.
[طرفه في: ٦٩٦٣]
قوله: ((باب النَّجش)) بفتح النّون وسكون الجيمِ(١) بعدَها مُعجَمة، وهو في اللُّغة: تنفيرُ
الصَّيد واستثارتُه من مكانه ليُصادَ، يقال: نَجَشتُ الصَّيد أنجُشُه بالضمِّ نَجْشاً. وفي الشَّرعِ:
الزّيادة في ثمن السِّلعة ممَّن لا يريد شراءَها ليقع غيرُه فيها، سُمّي بذلك لأنَّ الناجشَ يُثيرُ
الرَّغبةَ في السِّلعة، ويقعُ ذلك بمواطَأة البائعِ فيشترِكان في الإثم، ويقعُ ذلك بغير عِلمِ البائعِ
فيختصُّ بذلك الناجش، وقد يختصُّ به البائعُ كمن يُخْبِرُ بأنَّه اشترى سلعة بأكثر ممّا اشتراها
به لَيَغُرَّ غيره بذلك كما سيأتي من كلام الصحابي في هذا الباب. وقال ابن قُتَيبة: النَّجش:
الخَتْل والخديعة، ومنه قيل للصائد: ناجش، لأنه يَخْتِلُ الصَّيد ويحتالُ له.
قوله: ((ومن قال: لا يجوزُ ذلك البيع)) كأنَّه يشيرُ إلى ما أخرجه عبد الرزاق (١٤٨٨٢)
من طريق عمر بن عبد العزيز: أنَّ غلاماً له باع سَبْياً، فقال له: لولا أنّ كنت أزيدُ فأُنفِّقُه
لكان كاسداً، فقال له عمر: هذا نَجْش لا يَحِلّ، فَبَعَثَ مُنادياً ينادي: إنَّ البيعَ مردود وإنَّ
البيعَ لا يَحِلّ.
قال ابن بطَّل: أجمع العلماء على أنَّ الناجشَ عاصٍ بفعلِه، واختلفوا في البيع إذا وقع على
ذلك. ونقل ابن المنذر عن طائفةٍ من أهل الحديث فسادَ ذلك البيع، وهو قولُ أهل الظّاهر
ورواية عن مالك، وهو المشهورُ عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطَأة البائع أو صنيعِه،
والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوتُ الخيار، وهو وجهٌ للشافعية قياساً على المصرّاة،
والأصحّ عندهم صِحّة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفيّة، وقال الرافعي: أطلقَ الشافعي في
(المختصَر)) تعصيةَ الناجش، وشَرَطَ في تعصية من باع على بيع أخيه أن يكونَ عالماً بالنَّهي.
وأجاب الشارحونَ: بأنَّ النَّجْشَ خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكلِّ أحدٍ وإن لم
(١) كذا قال هنا، مع أنه سيذكر آخرَ هذا الباب أن المشهور أنها بفتح الجيم.

١٣٧
باب ٦٠ / ح ٢١٤٢
كتاب البيوع
يعلم هذا الحديثَ بخصوصِه، بخلاف البيع على بيع أخيه فقد لا يشترِكُ فيه كلّ أحد.
واستشكَلَ الرافعي الفرق بأنَّ البيعَ على بيع أخيه إضرار، والإضرار يشترِكُ في علمٍ
تحريمِه كلُّ أحد، قال: فالوجه تخصيص المعصية في الموضعَين بمن عَلِمَ التحريمَ. انتهى،
وقد حكى البيهقي في ((المعرفة)) (١١٤٨١)، و((السُّنن)) (٣٤٤/٥) عن الشافعي تخصيص
التعصية في النَّجشِ أيضاً بمن عَلِمَ النَّهي، فظَهَرَ أنَّ ما قاله الرافعي بحثاً منصوصٌ، ولفظ
الشافعي: النَّجشُ أن يَحِضُرَ السِّلعةَ تُباعُ فُيُعطي بها الشيءَ وهو لا يريدُ شِراءَها، ليقتَديَ به
السُّوّامُ، فيُعطونَ بها أكثرَ مَمَّا كانوا يُعطُونَ لو لم يسمعوا سَوْمَه، فمن نَجَشَ فهو عاصٍ
بالنَّجشِ إن كان عالماً بالنَّهي، والبيعُ جائز لا يُفسِدُه معصية رجل نَجَشَ عليه.
قوله: ((وقال ابن أبي أوفى: الناجشُ آكلُ رباً خائنٌ)) هذا طرف من حديثٍ أورَدَه المصنّفُ ٣٥٦/٤
في الشَّهادات (٢٦٧٥) في ((باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا
قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، ثمَّ ساق فيه من طريق السَّكسَكيّ عن عبد الله بن أبي أوفى، قال:
أقامَ رجل سلعتَه فحَلَفَ بالله لقد أُعْطِيَ فيها ما لم يُعطَ، فنزلت. قال ابن أبي أوفى:
الناجشُ: آكلُ رباً خائنٌ. أورَدَه من طريق يزيد بن هارون(١) عن السَّكسَكي، وقد أخرجه
ابن أبي شَيْبة (٥٧١/٦) وسعيد بن منصور عن يزيدَ مُقتصِرين على الموقوف، وأخرجه
الطبراني(٣) من وجهٍ آخرَ عن ابن أبي أوفى مرفوعاً، لكن قال: ملعون، بدل: خائن، انتهى.
وأطلقَ ابن أبي أوفى على من أخبر بأكثرَ ممّا اشترى به أنَّه ناجشٌ، لمشاركته لمن يزيدُ في
السِّلعة وهو لا يريدُ أن يشتريَها في غُرور الغير، فاشترَكا في الحكم لذلك، وكونه آكلَ رباً بهذا
التفسير، وكذلك يَصِحُّ على التفسير الأوَّل إن واطَاه البائع على ذلك وجعل له عليه جُعْلاً
فيشتِرِكان جميعاً في الخيانة، وقد اتَّفَقَ أكثرُ العلماءِ على تفسير النَّجش في الشَّرع بما تقدَّم.
(١) كذا في الأصلين و(س)، مع أن الحديث برواية يزيد بن هارون عن العوّام بن حوشب عن إبراهيم
السَّكْسَكيّ، فإسقاط العوّام سهوٌ لعله من الحافظ أو من النُّسَّاخ، والله أعلم.
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((معجمه))، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٨٣/٤ وعزاه للطبراني في ((الكبير))،
وقال: رجاله ثقات إلا أني لا أعرف للعوّام بن حوشب من ابن أبي أوفى سماعاً.

١٣٨
باب ٦٠ / ح ٢١٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقَيَّد ابن عبد البَرِّ وابن العربي وابن حَزْم التحريم بأن تكون الزِّيادة المذكورة فوقَ ثمن
المِثْل، قال ابن العربي: فلو أنَّ رجلاً رأى سلعةَ رجلٍ تُباعُ بدون قيمتها، فزاد فيها لتَنْتَهي إلى
قيمتها لم يكن ناجشاً عاصياً، بل يُؤْجَرُ على ذلك بنيَّته، وقد وافقه على ذلك بعضُ المتأخّرين
من الشافعية. وفيه نظرٌ، إذ لم تَتَعيَّن النَّصيحة في أن يُوهِمَ أنَّه يريدُ الشِّراء ولیس من غرضِه،
بل غرضُه أن يزيدَ على من يريدُ الشِّراء أكثرَ ممَّا يريدُ أن يشتري به، فللذي يريدُ النَّصيحة
مندوحةٌ عن ذلك أن يُعلِمَ البائع بأنَّ قيمةَ سلعتِك أكثرُ من ذلك، ثمَّ هو باختياره بعد
ذلك، ويحتملُ أن لا يَتعيَّنَ عليه إعلامُه بذلك حتَّى يسأله، للحديث الآتي(١): ((دَعُوا الناسَ
يَرْزُقِ الله بعضَهم من بعض، فإذا استَنَصَحَ أحدُكُم أخاه فليَنصَحْه))، والله أعلم.
قوله: (وهو خِداعٌ باطلٌ لا يَحِلّ)) هو من تَفَقُّه المصنِّف، وليس من تتمَّة كلام ابن أبي
أوفى، وقد ذكرنا توجيه ما قاله المصنّفُ قبل.
قوله: ((قال النبي وَّ: الخديعةُ في النار، ومن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدُّ) أمَّا
الحديث الثاني فسيأتي موصولاً من حديث عائشة في كتاب الصُّلح (٢٦٩٧).
وأمَّا حديثُ: ((الخديعةُ في النار)) فُرُوِّیناه في ((الكامل)) لابن عدي (٥٨٤/٢) من حديث
قيس بن سعد بن عُبادة، قال: لولا أنّ سمعت رسولَ الله وَّه يقول: ((المكرُ والخديعة في
النار» لكنت من أمگر الناس. وإسناده لا بأس به.
وأخرجه الطبراني في ((الصغير)) (٧٣٨) من حديث ابن مسعود(٢)، والحاكمُ في
(المستدرك)) (٦٠٧/٤) من حديث أنس، وإسحاقُ بن راهويه في ((مُسنَده)) (٣٨١) من
حديث أبي هريرة(٣)، وفي إسناد كلٍّ منهما مقال، لكنَّ مجموعهما يدلُّ على أنَّ للمتن أصلاً،
(١) سيأتي معلقاً في باب (٦٨) هل يبيع حاضر لباد.
(٢) حديث ابن مسعود أخرجه أيضاً ابن حبان (٥٦٧)، وجوَّد إسناده المنذري في ((الترغيب والترهيب))
٢/ ٥٧٢.
(٣) وله طريقان آخران أيضاً ذكرهما الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢٤٤/٣.

١٣٩
باب ٦١ / ح ٢١٤٣
كتاب البيوع
وقد رواه ابن المبارك في ((البِرِّ والصِّلة)) عن عوف عن الحسن، قال: بَلَغَني أنَّ رسولَ الله
ڕ﴾ قال ... فذكره(١).
قوله: ((عن النَّجشِ)) تقدَّم أنَّ المشهورَ أنَّه بفتح الجيم (٢)، وحكى المطرِّزي فيه السُّكون.
٦١ - باب بيع الغَرَر وحَبَل الحَبَلة
٢١٤٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبد الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ الله وََّ نهى عن بيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ. وكان بيعاً يتبايعُهُ أهلُ الجاهليَّةِ، كان الرجلُ
يَبْتَاعُ الجَزُورَ إلى أن تُنْتَجَ النّاقةُ، ثمَّ تُنْتَجُ الَّتي في بطنِها.
[طرفاه في: ٣٨٤٣،٢٢٥٦]
قوله: ((باب بيع الغَرَر)) بِفتح المعجَمة وبراءَين، وبيع حَبَل الحَبَلة، بفتح المهملة
والموخَّدة، وقيل في الأوَّل بسكون الموحَّدة، وغَلَّطَه عياضٌ، وهو مصدرُ حَبِلَت تَحَبَلُ
حَبَلاً، والحَبَلةَ جمع حابل، مثل: ظَلَمة وظالم، وكَتَبة وكاتب،/ والهاء فيه للمُبالَغة، وقيل: ٣٥٧/٤
للإشعار بالأنوثة، وقد نَدَرَ فيه: امرأةٌ حابلةٌ، فالهاء فيه للتأنيث.
وقيل: حَبَلٌ مصدر يُسمَّى به المحمول(٣)، قال أبو عُبيد: لا يقال لشيءٍ من الحيوان:
حَبِلَت إلَّ الآدميات إلَّا ما وَرَدَ في هذا الحديث. وأثبتَه صاحبُ ((المحكَم)) قولاً، فقال:
اختُلِفَ أهي للإناثِ عامّة أم للآدميّات خاصَّة؟ وأنشَدَ في التعميمِ قولَ الشاعر:
أو ذِیخٌ حُبلَی مُچٌِّ مُقرِبُ
وفي ذلك تَعَقُّب على نقل النَّووي اتّفاق أهل اللَّغة على التخصيص.
(١) وأخرجه أيضاً أبو داود في ((المراسيل)) (١٦٥) من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن البصري.
(٢) كلامه هنا يقتضي أنه ذكر فيه في أول الباب خلافاً، وليس الأمر كذلك، فإنه لم يذكر فيه إلا وجهاً واحداً،
وهو سكون الجيم، وقد فرق أهل اللغة بين المصدر والاسم فيه، فجعلوا الاسم بالفتح والمصدر بالسكون،
کما قال الفیّومي وغيره، وعليه فالفتح هو الأنسب، وإن کانا يتناوبان في الاستعمال.
(٣) جاء في الأصلين و(س): حَبَلة مصدر يُسمّى به المحبُول، والمثبت هو الصواب كما في ((النهاية)) لابن
الأثير، إذ هي عبارته كما بيّنه العينيّ في ((عمدة القاري)) ١١/ ٢٦٥.

١٤٠
باب ٦١ / ح ٢١٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
ثمّ إنَّ عطف بيع حَبَل الحَبَلة على بيع الغَرَر من عطف الخاصِّ على العامّ، ولم يَذكُر في
الباب بيع الغَرَر صريحاً، وكأنَّه أشار إلى ما أخرجه أحمد (٦٣٠٧) من طريق ابن إسحاق:
حدَّثني نافع، وابن حِبَّان (٤٩٧٢) من طريق سليمان التيمي عن نافع عن ابن عمر، قال: نهى
النبي ◌ِّعن بيع الغَرَر.
وقد أخرج مسلم (١٥١٣) النَّهي عن بيع الغَرَر من حديث أبي هريرة، وابن ماجَهْ
(٢١٩٥) من حديث ابن عبّاس، والطبراني (٥٨٩٩) من حديث سهل بن سعد، ولأحمد
(٣٦٧٦) من حديث ابن مسعود رفعه: ((لا تَشتَروا السَّمَكَ في الماءِ، فإنَّه غَرَرٌ))(١)، وشِراء
السَّمكِ في الماءِ نوع من أنواع الغَرَر، ويَلْتَحِقُ به الطَّير في الهواءِ والمعدوم والمجهول والآبِقِ
ونحو ذلك.
قال النَّووي: النَّهيُّ عن بيع الغَرَر أصلٌ من أُصول البيع، فيَدخُل تحته مسائل كثيرة
جدّاً، ويُستَئنى من بيع الغَرَر أمران: أحدهما: ما يَدخُلُ في المبيع تَبَعاً، فلو أُفِرِدَ لم يَصِحَّ
بيعه، والثاني: ما يُتَسامَحُ بمثلِهِ، إمَّا لحقارته، أو للمَشَقّة في تمييزِه وتعيينِهِ، فمِن الأوَّل: بيعُ
أساس الدّار، والدابّة التي في ضَرْعها اللَّبَن، والحامل، ومن الثاني: الجُبّة المحشوّة،
والشُّرب من السِّقاء. قال: وما اختلفَ العلماءُ فيه مَبني على اختلافهم في كونِه حَقيراً أو
يَشُقُّ تمييزُه أو تعيينُه، فيكون الغَرَر فیه کالمعدومِ فيَصِحُّ البيعُ وبالعكس.
وقال: ومن بيوع الغَرَر ما اعتاده الناسُ من الاستجرار من الأسواق بالأوراق مثلاً،
فإنَّه لا يَصِحُّ لأنَّ الثَّمَنَ ليس حاضراً فيكون من المعاطاة، ولم توجد صيغةٌ يَصِحُّ بها العقد.
وروى الطَّبري عن ابن سِيرِين بإسناد صحيحٍ، قال: لا أعلمُ ببيع الغَرَر بأساً(٢). قال
ابن بطَّال: لعلَّه لم يَبلُغه النَّهيُ، وإلَّا فكلّ ما يُمكِّنُ أن يُوجَدَ وأن لا يوجدَ لم يَصِحَّ،
وكذلك إذا كان لا يَصِحُّ غالباً، فإن كان يَصِحُّ غالباً كالثَّمَرة في أوَّل بُدوِّ صلاحها، أو كان
(١) إسناده ضعيف.
(٢) لم نقف عليه عند الطبري، وهو عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٣١٢/٤.