Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ باب ٤٥ / ح ١٩٥٧ - ١٩٥٨ كتاب الصوم قوله: (باب تعجيل الإفطار)) قال ابن عبد البَرِّ: أحاديثُ تعجيل الإفطار وتأخير السَّحور صِحاحٌ متواترةٌ، وعند عبد الرزاق (٧٥٩١) وغيره بإسناد صحيح عن عَمْرو بن ميمون الأودي، قال: كان أصحاب محمد وَ ل﴿ أسرعَ الناس إفطاراً، وأبطأَهم سُحوراً. قوله: (عن أبي حازم)) هو ابن دینارٍ. قوله: ((لا يزالُ الناس بخيرٍ)) في حديث أبي هريرة: ((لا يزال الدِّينُ ظاهراً))(١) وظُهور الدّين مُستَلِمٌ لدوام الخير. قوله: ((ما عَجَّلوا الفِطرَ)) زاد أبو ذرٍّ في حديثه: ((وأخَّروا السَّحورَ)) أخرجه أحمد (٢١٣١٢)، و((ما)) ظرفيَّة، أي: مُدّةَ فِعلِهِم ذلك امتثالاً للسُّنّة، واقفين عند حَدِّها غيرَ مُتَنطِّعين بعقولهم ما يُغيِّرُ قواعدها، زاد أبو هريرة في حديثه: ((لأنَّ اليهود والنَّصارى يُؤخِّرون)) أخرجه أبو داود (٢٣٥٣) وابن خُزيمة (٢٠٦٠) وغيرهما، وتأخير أهل الكتاب له أمَدٌ وهو ظُهور النَّجم، وقد روى ابن حِبَّان (٣٥١٠) والحاكم (٤٣٤/١) من حديث سهل أيضاً بلفظ: ((لا تزال أُمَّتي على سُنَّتَي ما لم تنتظر بفِطْرها النُّجومَ))، وفيه بيان العِلّة في ذلك، قال المهلَّبُ: والحِكْمةُ في ذلك أن لا يُزادَ في النَّهار من الليل، ولأنَّه أرفَقُ بالصائم وأقوى له على العبادة، واتّفَقَ العلماءُ على أنَّ مَحَلَّ ذلك إذا تَحقَّقَ غروبُ الشمس بالرُّؤية أو بإخبار عَدَلَين، وكذا عَدلٍ واحدٍ في الأرجح. قال ابن دَقِيق العيد: في هذا الحديث رَدٌّ على الشِّيعة في تأخيرهم الفِطْر إلى ظُهور النُّجوم، ولعلَّ هذا هو السببُ في وجود الخير بتعجيل الفِطْرِ، لأنَّ الذي يُؤخِّرُه يدخل في فعل خلاف السُّنّة. انتهى، وما تقدَّم من الزِّيادة عند أبي داود أَولى بأن يكون سببَ هذا الحديث، فإنَّ الشّيعة لم يكونوا موجودين عند تحديثه وَ لَّ بذلك، قال الشافعي في ((الأُمّ»: تعجيل الفِطْر مُستحَبٌّ، ولا يُكرَه تأخيره إلَّا لمن تَعمَّدَه ورأى الفضلَ فيه؛ ومُقتَضاه أنَّ التأخير لا يُكرَه مُطلَقاً، وهو كذلك، إذ لا يَلزَم من كون الشيء مُستحَبّاً أن يكون نقيضُه (١) أخرجه الإمام أحمد (٩٨١٠) وسيعزوه الحافظ قريباً لمصدرين آخرين. ٤٤٢ باب ٤٦ / ح ١٩٥٩ فتح الباري بشرح البخاري مكروهاً مُطلَقاً، واستدلَّ به بعض المالكية على عَدَم استحباب ستّة شؤَّالٍ لئلا يَظُنَّ الجاهلُ أنَّهَا مُلتَحِقةٌ برمضان، وهو ضعيفٌ ولا يخفى الفرق. تنبيه: من البِدَع المنكَرة ما أُحدِثَ في هذا الزَّمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثُلُثِ ساعةٍ في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعِلَت علامةً لتحريم الأكل والشُّرب على من يريد الصيام زَعماً ممَّن أحدَثَه أنَّه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلَّا آحادُ الناس، وقد جَرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يُؤذِّنونَ إلَّا بعد الغروب بدرجةٍ لتمكينِ الوقت زَعَموا، فأخَّروا الفِطْر وعَجَّلوا السَّحور، وخالَفوا السُّنّة، فلذلك قلَّ عنهم الخير وكَثُر فيهم الشرُّ، والله المستعان. قوله: ((حدَّثنا أبو بكرٍ)) هو ابن عيَّاشٍ ((عن سليمان)) هو أبو إسحاق الشَّيباني، وقد تقدَّم الكلامُ علی حدیث ابن أبي أوفى قريباً (١٩٥٥). ٤٦ - بابٌ إذا أفطر في رمضان ثمَّ طلعت الشمس ١٩٥٩ - حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي شَيْبة، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن فاطمةَ، عن أسماء بنتِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما، قالت: أفطَرْنا على عهدِ النبيِّ وَّهِ يومَ غَيم، ثمَّ طَلَعَتِ الشمسُ. قيلَ هشامٍ: فَأُمِروا بالقضاءِ؟ قال: بٌُّّ من قضاءٍ؟ وقال مَعمَرٌ: سمعتُ هشاماً يقول: لا أدري أقَضَوْا أم لا. قوله: ((بابٌ إذا أفطر في رمضان)) أي: ظانّاً غروبَ الشمس ((ثمَّ طَلَعَت الشمس)) أي: ٢٠٠/٤ هل يجبُ عليه قضاءُ ذلك اليوم أو لا؟/ وهي مسألةٌ خلافيةٌ، واختلف قولُ عمر فيها كما سيأتي، والمراد بالطُّوع الظُّهور، وكأنَّه راعى لفظَ الخبر في ذلك. وأيضاً فإنَّه يُشعِرُ بأنَّ قُرصَ الشمس كلَّه ظهر مُرتِفِعاً، ولو عَبَّرَ بظَهَرَت لم يُفِدْ ذلك. قوله: ((عن هشام بن عُرْوة)) في رواية أبي داود (٢٣٥٩) من وجهٍ آخر عن أبي أُسامةً: حدَّثنا هشامُ بن عُرْوة. قوله: ((عن فاطمةَ)) زاد أبو داود: ((بنت المنذر))، وهي ابنة عمِّ هشام وزوجتُه، وأسماء ٤٤٣ باب ٤٦ / ح ١٩٥٩ كتاب الصوم جَدَّتُهما جميعاً. قوله: «یومَ غَیم)» کذا للأکثر فيه بنصب یوم على الظرفية، وفي رواية أبي داود وابن خُزيمة (١٩٩١): في يوم غَيم. قوله: ((قيل لهشام)) في رواية أبي داود: ((قال أبو أسامةَ: قلت لهشام))، وكذا أخرجه ابن أبِي شَيْبة في « مصنَّفْه)) (٢٤/٣) وأحمد في («مسنده)) (٢٦٩٢٧) عن أبي أُسامة. قوله: ((بٌُّ من قضاء؟)) هو استفهامُ إنكارٍ محذوفُ الأداة، والمعنى: لا بدَّ من قضاءٍ؟ ووقع في رواية أبي ذرٍّ: لا بدَّ من القضاء؟ قوله: ((وقال مَعمَر: سمعت هشاماً يقول: لا أدري أقَضَوا أم لا) هذا التعليقُ وَصَله عبدُ بن حميدٍ (١٥٧٤) قال: أخبرنا عبد الرزاق(١): أخبرنا مَعمَرٌ، سمعت هشامَ بنَ عُرْوةَ، فذكر الحديثَ وفي آخره: ((فقال إنسان لهشام: أقَضَوْا أم لا؟ فقال: لا أدري))، وظاهر هذه الرواية تُعارضُ التي قبلها، لكن يُجمَعُ بأنَّ جَزْمَه بالقضاءِ محمول على أنَّه استَنَدَ فيه إلى دليل آخر، وأمَّا حديث أسماء فلا يُحِفَظُ فيه إثبات القضاء ولا نفُه. وقد اختُلِفَ في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء، واختُلِفَ عن عمر فروى ابن أبي شَيْبة (٣/ ٢٤) وغيره من طريق زيد بن وَهْب عنه تركَ القضاء، ولفظ مَعمَرٍ عن الأعمش عن زيد: فقال عمر: لمَ نقضي، واللهِ ما تجانَفْنا الإثم(٢)، وروى مالك (٣٠٣/١) من وجهٍ آخرَ عن عمر: أنَّه قال لمَّا أفطرَ ثمَّ طَلَعَت الشمسُ: الخطبُ يسير وقد اجتهدْنا، وزاد عبد الرزاق في روايته (٧٣٩٢) من هذا الوجه: نَقضي يوماً، وله (٧٣٩٣) من طريق عليّ ابن حنظلة عن أبيه نحوه، ورواه سعيد بن منصور وفيه: فقال: من أفطرَ منکم فلیصُم یوماً مكانه، وروی سعید بن منصور من طریقٍ أُخرى عن عمر نحوه. وجاء تَركُ القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إسحاق وأحمد في رواية، واختاره ابن (١) قوله: ((أخبرنا عبد الرزاق)) سقط من (س). (٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه)) (٧٣٩٥). ٤٤٤ باب ٤٧ / ح ١٩٦٠ فتح الباري بشرح البخاري خُزيمة، فقال: قول هشام: لا بدَّ من القضاء، لم يُسنِده ولم يَتَبَيَّن عندي أنَّ عليهم قضاءً. ويُرجِّحُ الأوَّلَ: أنَّه لو غُمَّ هلال رمضان فأصبحوا مُفطِرِين ثمَّ تَبيَّن أنَّ ذلك اليوم من رمضان، فالقضاء واجب بالاتِّفاق، فكذلك هذا، وقال ابن التِّين: لم يُوجِب مالكٌ القضاء إذا كان في صوم نَذرٍ. قال ابن المنيِر في ((الحاشية)): في هذا الحديث أنَّ المكلَّفين إنَّما خُوطِبوا بالظاهر، فإذا اجتهدوا فأخطؤوا فلا حَرَجَ علیھم في ذلك. ٤٧- باب صوم الصِّبيان وقال عمرُ ﴾ لنَشْوانِ في رمضانَ: وَيَلَكَ وصِبيانُنا صيامٌ. فضَرَبَه. ١٩٦٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن خالدٍ بنِ ذَكْوانَ، عن الرُّبِّعِ بنتِ مُعوِّذ قالت: أرسَلَ النبيُّوَلَ غَدَاةَ عاشوراءَ إلى قُرَى الأنصار: ((مَن أصبَحَ مُفطِراً فليُمَّ بقيَّةَ يومِهِ، ومَن أصبَحَ صائماً فليَصُم)) قالت: فكنّا نصومُه بعدُ، ونُصوِّمُ صِبيانَنا، ونَجعَلُ لهم اللَّعبةَ من العِهْن، فإذا بَكَى أحدُهم على الطعام أعطَيناه ذاكَ حتَّى يكونَ عندَ الإفطارِ. قوله: ((باب صوم الصِّبيان)) أي: هل يُشرَع أم لا؟ والجمهور على أنَّه لا يجبُ على من دون البلوغ، واستَحَبَّ جماعةٌ من السَّلَف منهم ابن سِيرِين والزُّهْري، وقال به الشافعي: أنَّهم يُؤمرونَ به للتَّمرينِ عليه إذا أطاقوه، وحدَّه أصحابُه بالسَّبع والعشر كالصلاة، وحدَّه ٢٠١/٤ إسحاقُ باثنتي عشرةَ سنةً، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي: / إذا أطاقَ صومَ ثلاثةِ أيام تباعاً لا يَضعُف فيهنَّ مُلَ على الصوم، والأوَّل قول الجمهور، والمشهور عن المالكية: أنَّه لا يُشرَعُ في حقّ الصِّبيان، ولقد تَلَطَّفَ المصنِّفُ في التعقُّب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة؛ لأنَّ أقصى ما يَعتَمِدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها، ولا عملَ يُستَندُ إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شِدّة تَحَرِّيه ووُفور الصحابة في زمانه، وقد قال للذي أفطرَ في رمضان موبِّخاً له: كيف تُفطِرُ وصِبیانُنا صيامٌ؟! وأغرَبَ ابن الماحِشُون من المالكية، فقال: إذا أطاقَ الصِّبيانُ الصيام أُلزِموه، فإن ٤٤٥ باب ٤٧ / ح ١٩٦٠ كتاب الصوم أفطروا لغير عُذرٍ فعليهم القضاء. قوله: ((وقال عمرُ لنَشوانٍ ... )) إلى آخره، أي لإنسانٍ نَشْوان، وهو بفتح النّون وسكون المعجمة كسَكْرانَ وزناً ومعنَى وجمعه: نُشاوى كسُكَارى، قال ابن خالويه: سَكِرَ الرجل وانتَشى وثَمِلَ ونَزَفَ، بمعنَّى، وقال صاحب ((المحكم)): نَشِيَ الرجلُ وانتَشى وتَنَّى، كلّه سَكِرِ، ووقع عند ابن التِّين: النَّشوانُ: السَّكرانُ سكراً خفيفاً. وهذا الأثر وَصَله سعيد بن منصور والبَغَوي في ((الجعديات)) (٦١٤) من طريق عبد الله بن أبي (١) الهذيل: أنَّ عمر بن الخطّاب أُتي برجلٍ شَرِبَ الخمر في رمضان؛ فلمَّ دنا منه جعل يقول للمَنخِرَينِ والفَم، وفي رواية البغوي: فلمَّا رُفِعَ إليه عَثَرَ فقال عمر: على وجهك ويحَك، وصِبيانُنا صيامٌ، ثمَّ أمر به فضُرِبَ ثمانين سَوطاً، ثمَّ سَيَّرَه إلى الشام، وفي رواية البَغَوي: فضَرَبَه الحدَّ، وكان إذا غَضِبَ على إنسان سَيَّرَه إلى الشام، فسَّرَه إلى الشام. قوله: ((عن خالد بن ذَكْوان)) هو أبو الحسين المدني نزيلُ البصرة، وهو تابعي صغير، وليس له من الصحابة سماعٌ من سوى الرُّبِيِّع بنت مُعوِّذٍ، وهي من صِغار الصحابة، ولم يُرِّج البخاري من حديثه عن غيرها. قوله: ((عن الرُّبِّع) في رواية مسلم (١١٣٦/ ١٣٧) من وجهٍ آخرَ عن خالد: «سألتُ الرُّبِيِّع))، وهي بتشديد الياءِ مُصغَّراً وأبوها بكسر الواو والتشديد بوزنٍ مُعلُّم، وهو ابن عوف ويُعرَفُ بابن عَفْراءَ، يأتي ذِكرُه في وقعة بدرٍ من المغازي (٣٩٦٢) إن شاء الله تعالى. قوله: ((أرسَلَ النبيِ نَّهِ غداةَ عاشوراءَ إلى قُرى الأنصار)) زاد مسلمٌ (١٣٦/١١٣٦): ((التي حولَ المدينة))، وقد تقدَّم (١٩٢٤) تسمية الرَّسول بذلك في («باب إذا نوى بالنَّهار صوماً)). قوله: ((صِبيانَنا)) زاد مسلمٌ: الصِّغارَ ونذهبُ بهم إلى المسجد. قوله: ((من العِهْن)) أي: الصُّوف، وقد فسَّرَه المصنِّفُ في رواية المُستَمْلي في آخر (١) لفظ ((أبي)) سقط من (س). ٤٤٦ باب ٤٧ / ح ١٩٦٠ فتح الباري بشرح البخاري الحديث، وقيل: العِهْنُ الصّوفُ المصبوغ. قوله: ((أعطَيناه ذاك حتَّى يكون عند الإفطار)) هكذا رواه ابن خُزيمة (٢٠٨٨)(١) وابن حِبَّان (٣٦٢٠)، ووقع في رواية مسلم: أعطَيناه إياه عند الإفطار؛ وهو مُشكِلٌ، ورواية البخاري توضحُ أنَّ سَقَطَ منه شيء، وقد رواه مسلم (١٣٧/١١٣٦) من وجه آخر عن خالد بن ذَكْوان، فقال فيه: فإذا سألونا الطعامَ أعطَيناهم اللَّعبةَ تُلهيهم حتَّى يُتِمّوا صومَهم، وهو يوضحُ صِحّة رواية البخاري. ووقع لمسلم شكٍّ في تقييدِه الصِّبيانَ بالصِّغار، وهو ثابتٌ في «صحيح ابن خُزَيمة)) وغيره، وتقييده بالصِّغار لا يُخْرِجُ الكِيارَ بل يُدخِلهم من باب الأَولى، وأبلَغُ من ذلك ما جاء في حديث رَزِينَةَ - بفتح الراء وكسر الزاي -: أنَّ النبي ◌ََّ كان يأمر برُضعائِه(٢) في عاشوراء ورُضعاءِ فاطمةَ فيَتِغِلُ في أفواههم، ويأمرُ أُمَّهاتهم أن لا يُرضعنَ إلى الليل، أخرجه ابن خُزَيمة (٢٠٨٩ - ٢٠٩٠) وتوقَّف في صِحَّته، وإسناده لا بأس به(٣)، واستُدلَّ بهذا الحديث على أنَّ عاشوراء كان فرضاً قبل أن يُفرَض رمضان، وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى ذلك في أوَّل كتاب الصيام (١٨٩٢)، وسيأتي الكلام على صيام عاشوراء بعد عشرين باباً(٤). وفي الحديث حُجّة على مشروعية تمرين الصِّبيان على الصيام كما تقدَّم، لأنَّ من كان في مثل السِّنّ الذي ذُكِرَ في هذا الحديث فهو غير مُكلَّف، وإنَّما صنع لهم ذلك للتَّمرين، وأغرَبَ القُرطُبي فقال: لعلَّ النبي ◌َِّ لم يعلم بذلك، ويَبعُد أن يكونَ أمَرَ بذلك؛ لأنه تعذیبُ صغيرٍ بعبادةٍ شاقَّة(٥) غير مُتكرِّرةٍ في السَّنة، وما قَدَّمناه من حديث رَزِينَةَ يردُّ عليه، مع أنَّ الصحيح ٢٠٢/٤ عند أهل الحديث وأهل الأُصول أنَّ الصحابي إذا قال: فَعَلْنا كذا في عهد/ رسول الله وَّهـ (١) لكنه لم يسق إسناده. (٢) في (أ) و(ع): مرضعاته، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في ((صحيح ابن خزيمة)). (٣) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٨٦/٣: رواه أبو يعلى (٧١٦٢) والطبراني في ((الكبير)) ٢٤/ (٧٠٤) وعلیلة ومن فوقها لم أجد من ترجمهن. (٤) في باب (٦٨): صيام يوم عاشوراء. (٥) لفظ ((شاقَّة)) سقط من (س). ٤٤٧ باب ٤٨ كتاب الصوم كان حُكمُه الرفعَ؛ لأنَّ الظاهر اطّلاعُه بَلِّ على ذلك، وتقريرهم عليه مع توفّر دَوَاعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أنَّ هذا ممّا لا مجالَ للاجتهاد فيه، فما فعلوه إلَّا بتوقيفٍ، والله أعلم. ٤٨ - باب الوِصَال ومن قال: ليس في الليل صيامٌ، لقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ أَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ونهى النبيُّ نَّه عنه رحمةً لهم وإبقاءً عليهم، وما يُكرَه من التعمُّق. قوله: (باب الوِصَال)) هو الترك في ليالي الصيام لمَا يُفطِّر بالنَّهار بالقصد، فيَخرُج من أمسَكَ اتِّفاقاً. ويدخلُ من أمسَكَ جميعَ الليل أو بعضَه، ولم يَجِزِم المصنِّف بحُكمِه لشُهْرة الاختلاف فيه. قوله: ((ومَن قال: ليس في الليل صيامٌ، لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ أَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾)) كأنَّه يشير إلى حديث أبي سعيد الخير، وهو حديث ذكره التِّرمِذي في ((الجامع))(١) ووَصَله في ((العلل المفرَد)) (٣٣٨/١)، وأخرجه ابن السَّكَن وغيره في ((الصحابة)) والدُّولابي (٢١١) وغيره في ((الكنى))، كلهم من طريق أبي فروةَ الزُّهاوي، عن مَعقِل الكِنْدي، عن عُبادةَ بن نُسِيٍّ عنه، ولفظ المتن مرفوعاً: ((إنَّ الله لم يكتب الصيام بالليل، فمن صام فقد تَعنَّى، ولا أجر له)) قال ابن مَندَهْ: غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال التِّرمِذي: سألت البخاري عنه فقال: ما أری عُبادةً سمع من أبي سعيد الخیر. وفي المعنى حديث بشير ابن الخَصَاصيَة، وقد أخرجه أحمد (٢١٩٥٥) والطبراني (١٢٣١) وسعيد بن منصور وعبدُ بن حميدٍ(٢) وابن أبي حاتم في ((تفسير هما)) بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير ابن الخَصَاصيَة، قالت: أردتُ أن أصوم يومين مواصَلَةً، فمَنَعَني بشير (١) أشار إليه بإثر الحديث رقم (٦٩٨) بقوله: وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي سعد الخير. قلنا: أبو سعد الخیر وأبو سعيد الخیر کلاهما قيل في کنیته. (٢) وهو في المنتخب من «مسنده) أيضاً برقم (٤٢٩). ٤٤٨ باب ٤٨ فتح الباري بشرح البخاري ٢٠٣/٤ وقال: إنَّ النبيِ وَ لِّ نهى عن هذا وقال: ((يفعل ذلك النَّصارى، ولكن صوموا كما أمَرَكم الله تعالى، أتِمُّوا الصيام إلى اللیل، فإذا كان الليلُ فأُفطِروا» لفظ ابن أبي حاتم، وروى هو وابن أبي شَيْبة (٨٣/٣-٨٤) من طريق أبي العالية التابعي: أنَّه سُئِلَ عن الوِصال في الصيام، فقال: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِّقُواْ الْصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ فإذا جاء الليلُ فهو مُفطِرٌ. وروى الطبراني في («الأوسط)) (٣١٣٨) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن عبد الملك عن أبي ذرِّ رَفَعَه قال: ((لا صيامَ بعد الليل)) أي: بعد دخول الليل، ذكره في أثناء حديث، وعبدُ الملك ما عرفته فلا يَصِحُّ، وإن كان بقيةُ رجاله ثقاتٍ، ومعارِضُه أصُ منه كما سأذكره، ولو صَخَّت هذه الأحاديث لم يكن للوصال معنّى أصلاً، ولا كان في فعله قُربةٌ، وهذا خلافُ ما تقتضيه الأحاديث الصحيحة من فعل النبي وَ ﴿، وإن كان الراجح أنَّه من خصائصِه. قوله: ((ونهى النبي ◌َّ)) أي: أصحابَه ((عنه)) أي: عن الوِصال ((رحمةً لهم وإبقاءً عليهم))، وهذا الحديث قد وَصَله المصنِّفُ في آخر الباب من حديث عائشة بلفظ: نهى النبي ◌َِّ عن الوِصال رحمةً لهم. وأمَّا قوله: ((وإبقاءً عليهم)) فكأنَّه أشار إلى ما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤) وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي وَّ عن الحِجَامة والمواصَلة ولم يُحرِّمهما إبقاءً على أصحابه، وإسناده صحيحٌ كما تقدَّم التنبيه عليه في ((باب الحِجامة للصائم))(١)، وهو يعارضُ حديثَ أبي ذرِّ المذكور قبلُ. قوله: ((وما يُكرَه من التعمُّق)) هذا من كلام المصنِّف معطوفٌ على قوله: ((الوِصَال)) أي: باب ذكر الوِصال وذكر ما يُكرَه من التعمُّق، والتعمُّق: المبالَغة في تكلُّفٍ ما لم يُكلَّف به، وعُمقُ الوادي قَعْره، كأنَّه يشير إلى ما أخرجه في كتاب التمنِّي (٧٢٤١) من طريق ثابت عن أنس في قصَّة الوِصال، فقال وَّ: ((لو مُدَّ بي الشهر لواصَلتُ وِصالاً يَدَعُ المتعمِّقونَ تَعمُّقَهم))، وسيأتي في الباب الذي بعدَه في آخر حديث أبي هريرة (١٩٦٦): ((اكلَفُوا من العمل ما تُطِيقونَ». (١) باب رقم (٣٢). ٤٤٩ باب ٤٨ / ح ١٩٦١ كتاب الصوم ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب أربعة أحاديث: ١٩٦١ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثني يحيى، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني قَتَادةُ، عن أنسِ عن النبيِّ وََّ، قال: ((لا تُواصِلُوا)) قالوا: إنَّكَ تواصلُ! قال: ((لستُ كأحدٍ منكم، إنِّ أُطعَمُ وأُسْقَى)) أو ((إِّي أَبِيتُ أُطعَمُ وأُسقَى)). [طرفه في: ٧٢٤١] أحدها: حديث أنس من طريق قَتَادةً عنه، ويحيى المذكور في الإسناد: هو القطّان. قوله: ((لا تُواصِلوا)» في رواية ابن خُزيمة (٢٠٦٩) من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم عن شُعْبة بهذا الإسناد: ((إياكم والوِصالَ))، ولأحمد (١٣٥٨٢) من طريق همَّام عن قَتَادةَ: نهى النبي ◌َّ عن الوِصال. قوله: ((قالوا: إنَّك تواصل)» كذا في أكثر الأحاديث، وفي رواية أبي هريرة الآتية (١٩٦٥) في أوَّل الباب الذي يليه: ((فقال رجلٌ من المسلمين))، وكأنَّ القائلَ واحدٌ ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به، ولم أقف على تسمية القائل في شيءٍ من الطُّرق. قوله: «لست کأحدٍ منکم» في روایة الگُشْمِیھنیّ: (کأحدِکم))، وفي حديث ابن عمر: (لست مثلكم))، وفي حديث أبي سعيد (لستُ كهَيئتِكم)) (١) وفي حديث أبي زُرْعة عن أبي هريرة عند مسلم (١١٠٣/ ٥٨): ((لستُم في ذلك مثلي))، ونحوه في مُرسَل الحسن عند سعيد ابن منصور، وفي حديث أبي هريرة في الباب بعده: ((وأيُّكم مثلي)) وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ المشعِرَ بالاستبعاد، وقوله: ((مثلي)) أي على صِفَتي أو منزلتي من ربّ. قوله: ((إِّ أُطعَم وأُسقى، أو إِّي أبيت أُطعَم وأُسقى)) هذا الشكّ من شُعْبة، وقد رواه أحمد (١٢٧٧٦) عن بَهْزِ عنه بلفظ: ((إنى أظلُّ - أو قال: إنِّي أبيت))، وقد رواه سعيد بن أبي عَروبةَ، عن قَتَادَةَ بلفظ: ((إنَّ ربّ يُطعِمُني ويَسقيني)) أخرجه الثِّرمِذي (٧٧٨)، وقد رواه ثابتٌ، عن أنس كما سيأتي في ((باب التمنِّي)) (٧٢٤١) بلفظ: ((إِنِّي أظَلّ يُطعِمني ربّى ويَسقيني))، وبيَّن في (١) هما ثاني أحاديث الباب وثالثه. ٤٥٠ باب ٤٨ / ح ١٩٦٢ - ١٩٦٤ فتح الباري بشرح البخاري روايته سببَ الحديث، وهو أنَّه وَ لَهُ واصَلَ في آخر الشهر فواصَلَ ناسٌ من أصحابه، فبَلَغَه ذلك. وسيأتي نحوه في الكلام علی حدیث ابن عمر. ١٩٦٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: نهى رسولُ الله وَّهِ عن الوِصَالِ قالوا: إِنَّكَ تواصلُ! قال: ((إِنِّ لستُ مِثْلَكم، إنَّ أُطِعَمُ وَأُسْقَى)). ثاني الأحاديث: حديث ابن عمر، أخرجه من طريق مالك عن نافع عنه. قوله: ((نهى رسول الله وَ لل عن الوِصال)» تقدَّم في ((باب بركة السَّحور من غير إیجاب)» (١٩٢٢) من طريق جُوَيرية، عن نافع ذكرُ السبب أيضاً ولفظه: إنَّ النبيِ نَّهُ واصَلَ فواصَلَ الناس فشَقَّ عليهم، فنهاهم. وكذا رواه أبو قُرّة عن موسى بن عُقْبة عن نافع، ٢٠٤/٤ وأخرجه/ مسلم (٥٦/١١٠٢) من طريق ابن نُمَير عن عُبيد الله بن عمر عن نافع مثله، وزاد: ((في رمضان)) لكن لم يَقُل: فشَقَّ عليهم. قوله: ((إنِّي أُطعَم وأُسقى)) في رواية جُوَيريةَ المذكورة: ((إِنِي أظَلُّ أُطعَم وأُسقى)). ١٩٦٣- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا الليثُ، حدَّثني ابنُ الهادِ، عن عبد الله بنِ خبَّاب، عن أبي سعيدٍ ﴾، أنَّه سمع النبيَّ ◌َّ يقول: ((لا تُواصِلُوا، فأيُّكم إذا أرادَ أن يواصلَ، فليواصِلْ حَتَّى السَّحَر)) قالوا: فإنَّكَ تواصلُ يا رسولَ الله؟ قال: إنِّي لستُ كَهَيئِكم، إِّ أَبِيتُ لي مُطعِمٌ يُطعِمُني، وساقٍ يَسقِینِ». [طرفه في: ١٩٦٧] ١٩٦٤ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبة ومحمَّدٌ، قالا: أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام بنِ عُزْوة، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: نهى رسولُ الله وَِّ عن الوِصَال رحمةً لهم، فقالوا: إنَّكَ تواصلُ! قال: ((إنِّي لستُ كهَيْئِكم، إنِّ يُطعِمُني ربِّ ويَسِقِينٍ)). قال أبو عبد الله: لم يَذكُر عثمانُ: ((رحمةً لهم)). ثالثها: حديث أبي سعيد، وسيأتي بعد بابٍ (١٩٦٧)، وفيه: ((فأيُّكم أراد أن يواصلَ ٤٥١ باب ٤٨ / ح ١٩٦٣ - ١٩٦٤ كتاب الصوم فليواصل حتَّى السَّحَر)). رابعُها: حديثُ عائشةً. قوله: ((عَبْدة) هو ابن سلیمان. قوله: ((رحمةً لهم) فيه إشارةٌ إلى بيان السبب أيضاً، ويُؤيِّد ذلك ذِكرُ المشقّة في الرواية التي قبلها. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّفُ: ((لم يَذكُر عثمانُ)) أي: ابنُ أبي شَيْبة شيخُه في الحديث المذكور. قوله: ((رحمةً لهم)) فدلَّ على أنَّها من رواية محمد بن سَلَام وحده، وقد أخرجه مسلم (١١٠٥) عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شَيْبة جميعاً، وفيه: ((رحمةً لهم))، ولم يُبيِّ أنَّها ليست في رواية عثمان. وقد أخرجه أبو يعلى (٤٣٧٨) والحسن بن سفيان في ((مُسنَديهما)) عن عثمان، وليس فيه: ((رحمةً لهم))، وأخرجه الإسماعيلي عنهما كذلك، وأخرجه الجَوزَقي من طريق محمد بن حاتم عن عثمان وفيه: ((رحمةً لهم))، فيحتمل أن يكون عثمان كان تارةً يَذْكُرُها وتارةً يَحِذِفها، وقد رواها الإسماعيلي عن جعفر الفِرْيابي عن عثمان فجعل ذلك من قول النبي ◌َّيه ولفظه: قالوا إنَّك تواصل، قال: ((إنَّما هي رحمة رَحِكم الله بها، إنِّي لست کھیئتِکم)) الحديث. واستُدلَّ بمجموع هذه الأحاديث على أنَّ الوِصَال من خصائصه بَِّ، وعلى أنَّ غيره منوع منه إلّا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السَّحَر، ثمَّ اختُلِفَ في المنع المذكور فقيل: على سبيل التحريم، وقيل: على سبيل الكراهة، وقيل: يَجَرُم على من شَقَّ عليه، ويُباح لمن لم يَشُقَّ عليه، وقد اختلف السَّلَف في ذلك، فنُقِلَ التفصيل عن عبد الله بن الزُّبَير، روى ابن أبي شَيْبة (٨٤/٣) بإسناد صحيح عنه: أنَّه كان يواصل خمسةَ عشرَ يوماً، وذهب إليه من الصحابة أيضاً أُخت أبي سعيد(١)، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نُعْم (١) انظر ((مسند أحمد)) (١١٥٧٠). ٤٥٢ باب ٤٨ / ح ١٩٦٣ - ١٩٦٤ فتح الباري بشرح البخاري وعامر بن عبد الله بن الزُّبَير وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبو الجَوْزاء كما نقله أبو نُعيم في ترجمته في ((الحِلْية))، وغيرُهم رواه الطَّبري وغيره، ومن حُجَّتهم ما سيأتي في الباب بعده (١٩٦٥): أَنَّه ◌ِوَ لَ واصَلَ بأصحابه بعد النَّهي، فلو كان النَّهي للتَّحريم لمَا أقرَّهم على فعله، فعُلِمَ أنَّه أراد بالنَّهي الرحمةَ لهم والتخفيفَ عنهم كما صَرَّحَت به عائشة في حديثها، وهذا مثلُ ما نهاهم عن قيام الليل خَشْيةً أن يُفرَض عليهم، ولم يُنكِرِ على من بَلَغَه أنَّه فعله مَّن لم يَشُقَّ عليه، وسيأتي نظير ذلك في صيام الدَّهر(١)، فمن لم يَشُقَّ عليه، ولم يَقصِد مُوافَقَةً أهل الكتاب، ولا رَغِبَ عن السُّنّة في تعجيل الفِطْر، لم يُمنَع من الوصال. وذهب الأكثرونَ إلى تحريم الوصال، وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة، هكذا اقتَصَرَ عليه النَّووي، وقد نَصَّ الشافعي في ((الأُمّ) على أنَّه محظورٌ، وأغرَبَ القُرطُبي فنقل التحريمَ عن بعض أهل الظاهر على شكَّ منه في ذلك، ولا معنى لشَكِّه فقد صَرَّحَ ابن حَزْم بتحريمِه، وصَخَّحَه ابن العربي من المالكية، وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خُزيمة وجماعةٌ من المالكية إلى جواز الوِصَال إلى السَّحَر لحديث أبي سعيد المذكور، وهذا الوصال لا يترتَّب عليه شيء ممّاً يترتَّب على غيره لأنَّه (٢) في الحقيقة بمنزلة عَشائه إلَّا أنَّه يُؤخّرُه، لأنَّ الصائمَ له في اليوم والليلة أكلةٌ، فإذا أكَلها في السَّحَرَ كان قد نقلها من أوَّل الليل إلى آخره، وكان أخفَّ لجسمِه في قيام الليل، ولا يخفى أنَّ مَحَلَّ ذلك ما لم يَشُقَّ على الصائم وإلَّا فلا يكون قُربةً. وانفَصَلَ أكثر الشافعية عن ذلك بأنَّ الإمساك إلى السَّحَر ليس وِصالاً، بل الوصالُ أن يُمسِكَ في الليل جميعه كما يُمسِك في النَّهار، وإنَّما أُطلِقَ على الإمساك إلى السَّحَر وِصالاً لمُشابَهته الوصالَ في الصُّورة، ويحتاج إلى ثبوتِ الدَّعوى بأنَّ الوصال إنَّما هو حقيقةٌ في إمساك جميع الليل، وقد وَرَدَ: أنَّ النبي ◌َ﴿ كان يواصل من سَحَرٍ إلى سَحَرٍ، أخرجه أحمد (١) باب رقم (٥٦). (٢) في (س): إلا أنه، وهو خطأ. ٤٥٣ باب ٤٨ / ح ١٩٦٣ - ١٩٦٤ كتاب الصوم (١١٩٥) وعبد الرزاق (٧٧٥٢) من حديث علي، والطبراني(١) من حديث جابر،/ وأخرجه ٢٠٥/٤ سعيد بن منصور مُرسلاً من طريق ابن أبي نجيحِ عن أبيه ومن طريق أبي قلابة، وأخرجه عبد الرزاق (٧٧٥١) من طريق عطاء، واحتَجُّوا للتَّحريم بقوله في الحديث المتقدِّم (١٩٥٤): ((إذا أقبلَ الليل من هاهنا، وأدبَرَ النَّهار من هاهنا، فقد أفطرَ الصائم)) إذ لم يُجُعَل الليل مَحَلاَّ لسوى الفِطْرِ، فالصوم فيه مخالفةٌ لوضعه كيوم الفِطْر. وأجابوا أيضاً بأنَّ قوله: ((رحمةً لهم)) لا يمنع التحريم، فإنَّ من رحمته لهم أن حَرَّمَه عليهم، وأمَّا مواصَلَتُه بهم بعد نهِهِ، فلم يكن تقريراً بل تقريعاً وتنكيلاً، فاحتَمَلَ منهم ذلك لأجل مصلحة النَّهي في أكيد زَجْرهم، لأنهم إذا باشَروا ظَهَرَت لهم حِكمة النَّهي، وكان ذلك أَدعى إلى قَبُولهم(٢) لمَا يَترتَّبُ عليهم من الملَل في العبادة والتقصير فيما هو أهمُّ منه وأرجحُ من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوعُ الشَّديدُ ينافي ذلك، وقد صَرَّحَ بأنَّ الوِصالَ يختصّ به لقوله: ((لستُّ في ذلك مثلكم)) وقوله: ((لستُ كهَيئِتِكم))، هذا مع ما انضمَّ إلى ذلك من استحباب تعجيل الفِطْر كما تقدَّم في بابه(٣). قلت: ويدلُّ على أنَّه ليس بمُحرَّم حديثُ أبي داود (٢٣٧٤) الذي قَدَّمتُ التنبيهَ عليه في أوائل الباب، فإنَّ الصحابي صَرَّحَ فيه بأنَّهِ وَ له لم يُحُرِّم الوِصَال، وروى البَزَّار (٤٦٠٨) والطبراني (٧٠١٢) من حديث سَمُرةَ: نهى النبي ◌ِّهِ عن الوصال، وليس بالعزيمة، وأمَّا ما رواه الطبراني في «الأوسط)) (٣١٣٨) من حديث أبي ذرٍّ: أنَّ جِبْرِيل قال للنبي ◌ََّ: إِنَّ الله قد قَبِلَ وِصالَك ولا تَحِلَّ لأحدٍ بعدَك، فليس إسناده بصحيح فلا حُجّةً فيه. ومن أدلَّة الجواز إقدامُ الصحابة على الوِصال بعد النَّهي، فدَلَّ على أنَهم فهموا أنَّ النَّهي للتَّنزيه لا للتَّحريم، وإلَّاّ لمَا أقدَموا عليه، ويُؤيِّد أنَّه ليس بمُحرَّم أيضاً أنَّه وَّ في حديث بشير ابن الخَصَاصَيَة الذي ذكرته في أوَّل الباب سَوّى في عِلّة النَّهي بين الوصال (١) في ((الأوسط)) (٣٧٥٦). (٢) تحرف في (س) إلى: قلوبهم. (٣) باب رقم (٤٥). ٤٥٤ باب ٤٩ / ح ١٩٦٥ فتح الباري بشرح البخاري وبين تأخير الفِطْر، حيثُ قال في كلٌّ منهما: إنَّه فعلُ أهل الكتاب، ولم يَقُل أحد بتحريم تأخير الفِطْر سوى بعض من لا يُعتَدُّ به من أهل الظاهر، ومن حيثُ المعنى ما فيه من فَطْم النَّفس عن شَهَواتها، وقمعها عن ملذوذاتها، فلهذا استَمرَّ على القول بجوازه مُطلَقاً أو مُقَّداً من تقدَّم ذِكرُه، والله أعلم. وفي أحاديث الباب من الفوائد: استواءُ المكلَّفين في الأحكام، وأنَّ كلَّ حُكم ثبت في حقِّ النبيِوَِّ ثبت في حقّ أُمَّته إلَّا ما استُني بدليلٍ، وفيه جواز مُعارضة المفتي فيما أفتى به، إذا كان بخلاف حاله، ولم يعلم المستفتي بسِرِّ المخالفة، وفيه الاستكشاف عن حكمة النَّهي، وفيه ثبوتُ خصائصِه ◌ِوَله وأنَّ عموم قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] مخصوص، وفيه أنَّ الصحابة كانوا يَرجِعونَ إلى فعله المعلوم صِفَتُه ويبادرونَ إلى الائتِساءِ به إلَّا فيما نهاهم عنه، وفيه أنَّ خصائصَه لا يُتَأسَى به في جميعها، وقد توقَّف في ذلك إمامُ الحرمين، وقال أبو شامةَ: ليس لأحدٍ التشبُّه به في المباح كالزِّيادة على أربع نِسوةٍ، ويُستَحَبُّ التنزُّه عن المحرَّم عليه والتشبُّه به في الواجب عليه كالضُّحى، وأمَّا المستحَبُّ فلم يُتعرَّض له، والوِصَال منه، فيحتمل أن يقال: إن لم يَنهَ عنه لم يُمنَع الائتِساءُ به فیه، والله أعلم. وفيه بيانُ قُدْرة الله تعالى على إيجاد المسيّبات العاديَّات من غير سببٍ ظاهرٍ كما سيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده. ٤٩- باب التَّنكيل لمن أكثر الوصال رواه أنسُ عن النبيِّ يَّ. ١٩٦٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ عبد الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ ◌ّه قال: نهى رسولُ اللهِ وَ لَه عن الوِصَال في الصوم، فقال له رجلٌ من المسلمينَ: إِنَّكَ تواصلُ يا رسولَ الله! قال: ((وأيُّكم مِثْلِي؟ إِنِي أَبِيتُ يُطعِمُني ربِ ويَسِقِينٍ))، ٢٠٦/٤ فلمَّا أَبَوْا أن يَنْتَهُوا عن الوِصَال، / واصَلَ بهم يوماً، ثمَّ يوماً، ثمَّ رأَوًا الهلالَ، فقال: ((لو تأخّرَ ٤٥٥ باب ٤٩ / ح ١٩٦٥ - ١٩٦٦ كتاب الصوم ٠ لَزِدتُّكم)) كالتَّنكِيلِ لهم حين أبَوْا أن يَنتَهوا. [أطرافه في: ١٩٦٦، ٦٨٥١، ٧٢٤٢، ٧٢٩٩] ١٩٦٦ - حدَّثنا يحيى، حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعمٍَّ، عن همَّام، أنَّه سمع أبا هريرةَ ه، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((إِيَّكم والوِصالَ)) مَّتينٍ، قيلَ: إِنَّكَ تواصلُ! قال: ((إِّي أَبِيتُ يُطعِمُني ربّ ويَسِقِينٍ، فاكلَفُوا من العملِ ما تُطِيقونَ». قوله: ((باب التَّنكيل لمن أكثرَ الوِصَال)) التقييد بالأكثرَّةَ قد يُفهَمُ منه أنَّ من قلَّل منه لا نَكالَ عليه، لأنَّ التقليل منه مَظِنّةٌ لِعَدَم المشقّة، لكن لا يَلزَمُ من عَدَم التنكيل ثبوتُ الجواز. قوله: ((رواه أنس عن النبي وَّ) وَصَله في كتاب التمنِّي (٧٢٤١) من طريق حميدٍ عن ثابت عنه، كما تقدَّمت الإشارةُ إليه في الباب الذي قبله. قوله: ((أخبرني أبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن)) هكذا رواه شعيب عن الزُّهْري، وتابعه عُقَيل عن الزُّهْري كما سيأتي (٦٨٥١) في ((باب التعزير))، ومَعمَر كما سيأتي في كتاب التمنِّي(١)، ويونس عند مسلم (١١٠٣/ ٥٧) وآخرون. وخالَفَهم عبد الرحمن بن خالد بن مسافِر فرواه عن الزّهْري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، عَلَّقَه المصنِّ في المحاربين(٢) وفي التمنِّي (٧٢٤٢)، وليس اختلافاً ضارّاً، فقد أخرجه الدّار قُطني في ((العلل)) (٢٣٣/٩) من طريق عبد الرحمن بن خالد هذا عن الزُّهْري عنهما جميعاً، وكذلك رواه عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزُّهْري، عن سعيد وأبي سَلَمة جميعاً، عن أبي هريرة، أخرجه الإسماعيلي، وكذا ذكر الدّار قُطني أنَّ الزُّبَيدي تابع ابن نَمِر (٣) على الجمع بينهما. قوله: ((فقال له رجل)) كذا للأكثر، وفي رواية عُقَيل المذكورة: فقال له رجالٌ. (١) بل في كتاب الاعتصام برقم (٧٢٩٩). (٢) بإثر الحديث (٦٨٥١). (٣) تحرف في (ع) و(س) إلى: نمير، مصغّراً. ٤٥٦ باب ٤٩ / ح ١٩٦٥ - ١٩٦٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن الوصال)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: من الوِصال. قوله: ((واصَلَ بهم يوماً ثمَّ يوماً ثمَّ رأوا الهلال)) ظاهرُه أنَّ قَدْرَ المواصَلة بهم كانت يومين، وقد صَرَّحَ بذلك في رواية مَعمَر المشار إليها. قوله: ((لو تأخّرَ)) أي: الشهر (لَزِدتُكم)) استُدلَّ به على جواز قول: ((لو)) وحمل النَّهي الوارد في ذلك على ما لا يَتعلَّق بالأُمور الشَّرعية، كما سيأتي بيانه في كتاب التمنِّي في أواخر الكتاب إن شاء الله تعالى. والمراد بقوله: ((لو تأخّرَ لَزِدتُكم)) أي: في الوصال إلى أن تَعجِزوا عنه، فتسألوا التخفيف عنكم بتركِه، وهذا كما أشار عليهم أن يَرجِعوا من حصار الطائف فلم يُعجِبْهم، فأمرهم بمُباكَرة القتال من الغد فأصابتهم جِراحٌ وشِدّةٌ، وأحبُّوا الرُّجوع فأصبَحَ راجعاً بهم، فأعجَبَهم ذلك، وسيأتي ذِكرُه موضحاً في كتاب المغازي (٤٣٢٥) إن شاء الله تعالى. قوله: ((كالتَّكيلِ لهم)) في رواية مَعمَر: ((كالمنكِّل لهم))، ووقع فيها عند المُستَمْلي: ((كالمنكِرِ)) بالراءِ وسكون النّون من الإنكار، وللحَمُّوِي: ((كالمنْكِي)) بتحتانية ساكنة قبلها كافُ مكسورةٌ خفيفة من النكاية، والأوَّل هو الذي تَظافَرَت به الروايات خارجَ هذا الكتاب، والتنكيلُ: المعاقبة. قوله: «حدّثنا یحیی)) کذا للأکثر غیر منسوب، ولأبي ذرٍّ: حدّثنا يحيى بن موسى. قوله: ((إياكم والوصالَ، مرَّتين)) في رواية أحمد (٨١٨١) عن عبد الرزاق بهذا الإسناد: ((إياكم والوِصالَ، إياكم والوِصالَ)) فدَلَّ على أنَّ قوله: مرَّتين، اختصار من البخاري أو شيخه، وأخرجه مالك (١/ ٣٠١) عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، كما قال أحمد، ورواه ابن أبي شَيْبة (٨٣/٣) من طريق أبي زُرْعة عن أبي هريرة بلفظ: ((إياكم والوِصالَ، ثلاث مرّات» وإسناده صحيح، وقد أخرجه مسلم (٥٨/١١٠٣) من هذا الوجه بدون قوله: «ثلاث مرَّات)). قوله: ((إِّي أَبِيتُ يُطعِمني ربِّ ويَسِقِينٍ)) كذا في الطريقين عن أبي هريرة في هذا الباب، ٤٥٧ باب ٤٩ / ح ١٩٦٥ - ١٩٦٦ كتاب الصوم وقد تقدَّم في الباب الذي قبله من رواية في حديث أنس بلفظ: ((أظَلّ)»، وكذا في حديث عائشة عند الإسماعيلي،/ وهي محمولةٌ على مُطلَق الكون لا على حقيقة اللَّفظ؛ لأنَّ ٢٠٧/٤ المتَحدَّثَ عنه هو الإمساك ليلاً لا نهاراً، وأكثر الروايات إنَّما هي: ((أَبِيت))، وكأنَّ بعض الرّواة عَبَّرَ عنها بأظلَّ نظراً إلى اشتراكهما في مُطلَق الكون، يقولون كثيراً: أضحى فلان كذا مثلاً، ولا يريدون تخصيصَ ذلك بوقت الضُّحى، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِلْأُنثَى ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًا﴾ [النحل: ٥٨]، فإنَّ المراد به مُطلَق الوقت، ولا اختصاصَ لذلك بنهارٍ دون لیلٍ. وقد رواه أحمد (٧٤٣٧) وسعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة (٣/ ٨٢) كلهم عن أبي معاوية، عن الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بلفظ: ((إنِّي أظَلّ عند ربّ فيُطعِمني ويَسْقِيني))، وكذلك رواه أحمد (١٠٤٣٣) أيضاً عن ابن نُمَير، وأبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق إبراهيم بن سعيد، عن ابن نُمَير، عن الأعمش، وأخرجه أبو عَوَانة (٢٧٩٣) عن عليّ بن حَرْب، عن أبي معاوية كذلك، وأخرجه هو (٢٧٩٣) وابن خُزيمة (٢٠٧٢) من طريق عَبِيدة بن حميدٍ، عن الأعمَش كذلك، ووقع لمسلم (٥٨/١١٠٣) فيه شيء غريب، فإنَّه أخرجه عن ابن نُمَير عن أبيه، فقال بمثل حديث عُمارة عن أبي زُرْعة ولفظ عمارة المذكور عنده: ((إنِّ أَبيتُ يُطعِمني ربّي ويسقيني))، وقد عرفتَ أنَّ رواية ابن ثُمَير عند أحمد فيها: ((عند ربّ)) وليس ذلك في شيء من الطّرق عن أبي هريرة إلّا في رواية أبي صالح، ولم ينفرد بها الأعمَش، فقد أخرجها أحمد أيضاً (٨٩٠٢) من طريق عاصم بن أبي النَّجود عن أبي صالح. ووَقَعَت في حديث غير أبي هريرة، فأخرجها الإسماعيلي في حديث عائشة أيضاً عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شَيْبة بسنده الماضي في الباب الذي قبلَ هذا (١) بلفظ: ((أظلُّ عند الله يُطْعِمُني ويَسقيني))، وعن عِمرانَ بن موسى عن عثمان بلفظ: ((عند ربّ)»، (١) عند شرح الحديث رقم (١٩٦٤). ٤٥٨ باب ٤٩ / ح ١٩٦٥ - ١٩٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَت أيضاً كذلك عند سعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة من مُرسَل الحسن بلفظ: ((إنّي أبيتُ عند ربّ))(١). واختُلِفَ في معنى قوله: ((يُطعِمني ويسقيني)) فقيل: هو على حقيقته، وأنَّه وَلِ كان يُؤْتَى بطعام وشراب من عند الله كرامةً له في ليالي صيامه، وتعقَّبه ابن بَطَّال ومن تَبِعَه بأنَّه لو كان كذلك لم يكن مُواصِلاً، وبأنَّ قوله: ((يَظَلّ)» يدلُّ على وقوع ذلك بالنَّهار، فلو كان الأكل والشُّرب حقيقةً لم يكن صائماً، وأُجيبَ بأنَّ الراجح من الروايات لفظ: ((أَبيت)) دون ((أظلّ))، وعلى تقدير الثُّبوت فليس حملُ الطعام والشَّراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ أظَلُّ على المجاز، وعلى التنزُّل فلا يَضُرُّ شيءٌ من ذلك، لأنَّ ما يُؤتى به الرَّسولُ على سبيل الكرامة من طعام الجنَّة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلَّفين فيه، كما غُسِلَ صَدرُه وَلَهُ فِي طَسْت الذَّهَب(٢)، مع أنَّ استعمال أواني الذَّهب الدُّنيَوية حرامٌ. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): الذي يُفطِّر شرعاً إنَّما هو الطعام المعتاد، وأمَّا الخارق للعادة كالمحضَر من الجنَّة فعلى غير هذا المعنى، وليس تَعاطِيه من جنس الأعمال، وإنّما هو من جنس الثَّواب كأكل أهل الجنَّة في الجنَّة، والكرامة لا تُبطِلُ العبادة. وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشَّراب على حقيقتهما، ولا يَلزَم شيء ممَّا تقدَّم ذِكرُه، بل الروايةُ الصحيحة ((أَبِيتُ))، وأكلُه وشربُه في الليل ممّا يُؤتَى به من الجنَّة لا يَقطَعُ وِصالَه خصوصيةٌ له بذلك، فكأنَّه قال لمَّ قيل له: إنَّك تواصل، فقال: ((إِنِّي لست في ذلك كَهَيئِكم)) أي: على صِفَتكم في أنَّ مَن أكَلَ منكم أو شَرِبَ انقَطَعَ وِصالُه، بل إنَّما يُطعِمني ربّ ويسقيني، ولا تَنقَطِعُ بذلك مُواصَلَتي، فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورةً ومعنَى. وقال الزَّين بن المنيِر: هو محمولٌ على أنَّ أكله وشربه في تلك الحالة كحال النائم الذي يَحصُلُ له الشِّبَعُ والرِّيّ بالأكل والشُّرب، ويَستمِرُّ له ذلك حتَّى يَستَيَقِظَ ولا (١) قوله: ((عند ربي)) ليس في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٨٣/٣. (٢) انظر حديث أبي ذر السالف برقم (٣٤٩). ٤٥٩ باب ٤٩ / ح ١٩٦٥ - ١٩٦٦ كتاب الصوم يَبطُل بذلك صومُه ولا يَنقَطِعُ وِصالُه ولا يَنقُص أجرُه. وحاصله أنَّه يُحمَل ذلك على حالة استغراقه ◌َّه في أحواله الشَّريفة حتَّى لا يُؤْثِّرُ فيه حينئذٍ شيء من الأحوال البشرية. وقال الجمهور: قوله: ((يُطعِمني ويَسِقِيني)) مَجَازٌ عن لازم الطعام والشَّراب وهو القوّة، فكأنَّه قال: يعطيني قوّة الآكِل والشارب، ويُفيض عليَّ ما يَسُدّ مَسَدَّ الطعام والشَّراب ويقوِّي / على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوّة، ولا كَلالٍ في الإحساس، أو المعنى: إنَّ ٢٠٨/٤ الله يَخْلُقُ فيه من الشِّبَعِ والرّيِّ ما يُغنِيه عن الطعام والشَّراب، فلا يُحِسُّ بجوعٍ ولا عَطَشٍ، والفرق بينه وبين الأوَّل أنَّه على الأوَّل يُعطَى القوّةَ من غير شِبَع ولا رِيٌّ مع الجوع والظَّما، وعلى الثاني يُعطَى القوّة مع الشِّبع والرّي، ورُجِّحَ الأوَّل بأنَّ الثاني ينافي حال الصائم ويُفوِّت المقصود من الصيام والوِصال، لأنَّ الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القُرطُبي: ويُبعِدُه أيضاً النَّظَرُ إلى حاله وَِّ، فإنَّه كان يجوعُ أكثرَ ممّا يَشَبَعُ، ويَرِطُ على بطنه الحجارةَ من الجوع(١). قلت: وتمسّكَ ابن حِبَّن بظاهر الحال، فاستَدلَّ بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة: بأنَّه وَّه كان يجوعُ ويَشُدُّ الحجر على بطنه من الجوع، قال: لأنَّ اللهَ تعالى كان يُطعِمُ رسوله ويَسقيه إذا واصَلَ، فكيف يَترُكه جائعاً حتَّى يحتاج إلى شَدِّ الحجر على بطنه؟ ثمَّ قال: وماذا يُغني الحجرُ من الجوع؟(٢) ثمَّ اذَّعى أنَّ ذلك تصحيفٌ ممَّن رواه، وإنَّما هي الحُجَز بالزاي، جمع حُجْزة. وقد أكثرَ الناس من الردِّ عليه في جميع ذلك، وأبلَغُ ما يُرَدُّ عليه به أنَّه أخرج في ((صحيحه)) (٥٢١٦) من حديث ابن عبّاس قال: خرج النبي ◌ِّ بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر، فقال: ((ما أخرجكما؟)) قالا: ما أخرجَنا إلَّ الجوع، فقال: ((وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلَّ الجوع)) الحديثَ، فهذا الحديث يردُّ على ما تمسَّكَ به. وأمَّا قوله: وما يُغني الحجرُ من الجوع؟ فجوابه: أنَّه يُقيمُ الصُّلبَ، لأنَّ البطنَ إذا خلا (١) انظر حديث جابر فيما سيأتي في المغازي برقم (٤١٠١). (٢) انظر ((صحیح ابن حبان)) ٣٤٥/٨. ٤٦٠ باب ٥٠ / ح ١٩٦٧ فتح الباري بشرح البخاري ربَّمَا ضَعُفَ صاحبُه عن القيام لانثِناءِ بطنه عليه، فإذا رَبَطَ عليه الحجر اشتَدَّ وقوي صاحبُه على القيام، حتَّى قال بعض من وقع له ذلك: كنت أظنُّ الرِّجلين يَحمِلان البطن، فإذا البطن يَحْمِلُ الرِّجلَين. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((يُطعِمني ويَسقيني)) أي: يَشغَلُني بالتفكّر في عَظَمَته والتملِي بمشاهدته، والتغذِّي بمعارفِه وقُرّة العين بمحبَّته والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشَّراب. وإلى هذا جَنَحَ ابن القيِّم وقال: قد يكون هذا الغذاءُ أعظمَ من غذاء الأجساد، ومَن له أدنى ذوقٍ وتَجرِبةٍ يعلمُ استغناءَ الجسم بغذاءِ القلب والرُّوح عن كثيرٍ من الغذاء الجسماني ولا سيما الفَرِح المسرور بمطلوبه، الذي قَّت عينه بمحبوبه. قوله: ((اكلفوا)) بسكون الكاف وضمِّ اللَّام(١)، أي: احِمِلُوا المشقّة في ذلك، يقال: كَلِفْتُ بكذا: إذا وَلِعْت به، وحكى عياضٌ أنَّ بعضَهم قاله بهمزة قطعٍ وكسر اللَّام، قال: ولا يَصِحُّ لغةً. قوله: ((بما تُطِيقونَ)) في رواية أحمد (٨١٨١): ((بما لكم به طاقةٌ))، وكذا لمسلم (٥٨/١١٠٣) من طريق أبي الزِّناد عن الأعرج. ٥٠ - باب الوِصَال إلى السّحر ١٩٦٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثني ابنُ أبي حازم، عن يزيدَ، عن عبد الله بنِ خبَّابِ، عن أبي سعيد الخدريِّ ﴾، أنَّه سمع رسولَ الله وَله يقول: ((لا تُواصِلُوا، فأيُّكم أرادَ أن يواصلَ، فليُواصِلْ حَتَّى السَّحَر)) قالوا: فإنَّكَ تواصلُ يا رسولَ الله؟ قال: ((لستُ كھَیئتِکم، إنِّي أَبِتُ لی مُطعِمٌ يُطعِمُني وساقٍ يَسقِينٍ)). قوله: ((باب الوِصال إلى السَّحَر)) أي: جوازه، وقد تقدَّم أنَّه قول أحمد وطائفةٍ من (١) كذا قال الشارح هنا وقصَّر، وسيأتي عند شرح الحديث رقم (٦٤٦٥) ضبط الشارح لهذا الحرف بقوله: بفتح اللام ويضمها أيضاً قال ابن التين: هو في اللغة بالفتح ورويناه بالضم. قلنا: وهو في نسخ اليونينية بفتح اللام فقط، وقال القاضي عياض في ((المشارق)) ١/ ٣٤١ : بفتح اللام، کذا رواية الجمهور.