Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
باب ١٤ / ح ١٩١٤
كتاب الصوم
عن ذلك لتصريح الخبر به.
قوله: ((هشام)) هو الدَّستُوائي.
قوله: ((عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة»، في رواية خالد بن الحارث عن هشام عند
الإسماعيلي: حدَّثني أبو سَلَمة حدَّثني أبو هريرة، ونحوُه لأبي عَوَانةَ (٢٧٠٦) من طريق
معاوية بن سلَّام عن يحيى.
قوله: ((لا يَتَقَدَّمنَ أحدكم رمضان بصوم»، في رواية أبي داود (٢٣٣٥) عن مسلم بن
إبراهيم شيخ البخاري فيه: ((لا تَقدَّموا صومَ رمضان بصوم(١)»، وفي رواية خالد بن
الحارث المذكورة: ((لا تَقدَّموا بين يَدَي رمضان بصوم))، ولأحمد (١٠٦٦٢) عن روحٍ عن
هشام: ((لا تقدّموا قبلَ رمضان بصوم))، وللتِّرمِذي (٦٨٥) من طريق عليّ بن المبارَكِ عن
يحيى: ((لا تَقدَّموا شهر رمضان بصيام قبله)).
قوله: ((إلّا أن يكونَ رجلٌ)) كان تامّة، أي: إلَّا أن يوجَدَ رجل.
قوله: ((يصومُ صوماً))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((صومَه فليَصُم ذلك اليومَ))، وفي رواية
مَعمَرٍ عن يحيى عند أحمد (٧٧٧٩): ((إلَّا رجل كان يصومُ صياماً فيأتي ذلك على صيامه))،
ونحوُه لأبي عَوَانَ (٢٧٠٥) من طريق أيوبَ عن يحيى، ومن رواية أحمد عن روحٍ: ((إلّا
رجل كان يصومُ صياماً فليَصِله به))، وللتِّرمِذي (٦٨٤) وأحمد (٩٦٥٤) من طريق محمد بن
عَمْرو عن أبي سَلَمة: ((إلّا أن يوافقَ ذلك صوماً كان يصومُه أحدكم)).
قال العلماء: معنى الحديث: لا تَستَقبِلوا رمضان بصيام على نيةِ الاحتياط لرمضان.
قال التِّرمِذي لمَّا أخرجه: العملُ على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجَّلَ الرجلُ بصيام
قبل دخول رمضان لمعنی رمضان، انتھی.
والِحِكْمةُ فيه التقَوّي بالِفِطْر لرمضان ليدخُلَ فيه بقوّة ونشاط. وهذا فيه نظرٌ، لأنَّ
مُقتَضى الحديث أنَّه لو تقدَّمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز، وسنذكر ما فيه قريباً، وقيل:
(١) كذا وقع عند الحافظ ((بصوم))، والذي في رواية أبي داود التي بين أيدينا: ((بيوم)) وهو الصواب، وكذا جاء
على الصواب في ((عمدة القاري)) للعيني.

٣٠٢
باب ١٤ / ح ١٩١٤
فتح الباري بشرح البخاري
الحِكْمة فيه خَشْية اختلاط النَّفل بالفرض، وفيه نظرٌ أيضاً، لأنه يجوز لمن له عادةٌ كما في
الحديث، وقيل: لأنَّ الحكمَ عُلِّقَ بالرُّؤية فمن تقدَّمه بيوم أو يومين فقد حاوَلَ الطَّعنَ في
ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد.
ومعنى الاستثناء أنَّ من كان له وِرْد فقد أُذِنَ له فيه، لأنه اعتاده وألِفَه، وتَركُ المألوف
شديدٌ، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويُلْحَق بذلك القضاءُ والنَّذر لوجوبهما،
قال بعض العلماءِ: يُستَئنى القضاءُ والنَّذر بالأدلَّة القطعية على وجوب الوفاء بهما، فلا
يَبطُلُ القطعي بالظنّ.
وفي الحديث رَدٌّ على من يرى تقديمَ الصوم على الرُّؤية كالرافضة، ورَدٌّ على من قال
بجواز صوم النَّل المطلَق، وأبعَدَ من قال: المرادُ بالنَّهي التقَدُّم بنية رمضان، واستدلَّ بلفظ
التَقَدُّم، لأنَّ التقَدُّمَ على الشيء بالشيءٍ إِنَّما يَتَحقَّقُ إذا كان من جنسِه، فعلى هذا يجوز الصيامُ
بنية النَّفل المطلَق، لكنَّ السِّياقَ يأبى هذا التأويلَ ويَدْفَعُه.
وفيه بيانٌ لمعنى قوله في الحديث الماضي: ((صوموا لُرُؤْيَته)) وأنَّ اللّمَ فيه للتأقيت، لا
للتَّعليل. قال ابن دَقِيقِ العيدِ: ومع كونها محمولةً على التأقيتِ فلا بُدّ من ارتكاب مَجَاز، لأنَّ
وقتَ الرُّؤية - وهي الليلُ - لا يكون مَحَلّ الصوم. وتعقَّبه الفاكهي(١) بأنَّ المراد بقوله:
((صوموا)): انووا الصيام، والليل كلّه ظَرف للنِّية. قلت: فوقع في المجاز الذي فرَّ منه، لأنَّ
الناوي ليس صائماً حقيقةً بدليل أنَّه يجوز له الأكلُ والشُّربُ بعد النِّيّة، إلى أن يَطلُعَ الفجر.
وفيه منعُ إنشاء الصوم قبلَ رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، فإن زاد على ذلك
فمفهومُه الجواز، وقيل: يَمتَدُّ المنعِ لمَا قبلَ ذلك، وبه قطَعَ كثيرٌ من الشافعية، وأجابوا عن
١٢٩/٤ الحديث بأنَّ المراد منه التقديم بالصوم، فحيثُ وُجِدَ مُنِعَ، / وإنَّما اقتَصَرَ على يوم أو يومين،
لأنه الغالبُ مَمَّن يَقصِدُ ذلك، وقالوا: أمَدُ المنع من أوَّل السادسَ عشر من شعبانَ لحديث
(١) هو عمر بن علي بن سالم اللخمي الإسكندري الفاكهاني، ويقال في نسبته أيضاً: الفاکھي، له ((ریاض
الأفهام في شرح عمدة الأحكام)).

٣٠٣
باب ١٥ / ح ١٩١٥
كتاب الصوم
العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا انتَصَفَ شعبان فلا تصوموا))
أخرجه أصحابُ ((السُّننِ)) (١) وصَخَّحَه ابن حِبَّان (٣٥٨٩) وغيرُه، وقال الرُّوياني من
الشافعية: يَحِرُمُ التَقَدُّم بيوم أو يومين لحديث الباب. ويُكرَه التقَدُّمَ من نصفِ شعبانَ
للحديث الآخر.
وقال جمهور العلماءِ: يجوز الصومُ تطوُّعاً بعد النِّصفِ من شعبانَ، وضُعِّفَ الحديث
الوارد فيه، وقال أحمد وابن معينٍ: إنَّه مُنكَر، وقد استدلَّ البيهقي بحديث الباب على
ضعفِه فقال: الرُّخصةُ في ذلك بما هو أصحُّ من حديث العلاء، وكذا صَنَعَ قبله الطَّحاوي،
واستَظهَرَ بحديث ثابتٍ عن أنس مرفوعاً: ((أفضل الصيام بعد رمضان شعبان))(٢). لكنَّ
إسناده ضعيف، واستَظهَرَ أيضاً بحديث عمرانَ بن حُصَين: أنَّ رسولَ اللهَوَّل قال الرجل:
((هل صُمتَ من سَرَر شعبان شيئاً؟)) قال: لا، قال: ((فإذا أفطَرتَ من رمضان فصُمْ
يومين))(٣) ثمَّ جُمِعَ بين الحديثين بأنَّ حديثَ العلاءِ محمول على من يُضعِفُه الصومُ، وحديث
الباب مخصوص بمن يحتاطُ بزَعمِه لرمضان، وهو جمعٌ حسنٌ، والله أعلم.
١٥ - باب قول الله عز وجلَّ:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
[البقرة: ١٨٧].
١٩١٥ - حدَّثنا عُبيد الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ ظُه، قال:
كان أصحابُ محمَّدٍ وَّهِ إذا كان الرجلُ صائماً، فحَضَرَ الإفطارُ، فنامَ قبلَ أن يُفطِرَ، لم يأكل
ليلتَه ولا يومَه حتَّى يُمسِيَ، وإنَّ قيسَ بنَ صِرمةَ الأنصاريَّ كان صائماً، فلمَّا حَضَرَ الإفطارُ أتى
(١) أبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٩١١)، وانظر
((المسند)) برقم (٩٧٠٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٦٦٣)، وأبو يعلى (٣٤٣١)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) ٨٣/٢، والبغوي
(١٧٧٨).
(٣) سيأتي برقم (١٩٨٣).

٣٠٤
باب ١٥ / ح ١٩١٥
فتح الباري بشرح البخاري
امرأته، فقال لها: أعندَكِ طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أنطَلِقُ فأطلُبُ لكَ، وكان يومَه يَعمَلُ، فغَلَبَتَه
عيناه، فجاءته امرأتُه، فلمَّا رأتْه قالت: خَيبةً لكَ! فلمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عليه، فَذُكِرَ ذلك
للنبيِّ وََّ، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اُلْصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ ففَرِحوا بها
فَرَحاً شَدِيداً، ونزلت: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَقّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ اَلْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾.
[طرفه في: ٤٥٠٨]
قوله: ((باب قول الله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله:
﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وساق غيرُه الآيةَ كلَّها، والمرادُ بهذه الترجمة
بيانُ ما كان الحالُ عليه قبلَ نزول هذه الآية. ولمَّا كانت هذه الآيةُ مُنَزَّلةً على أسبابٍ تتعلَّقُ
بالصيام عَجَّلَ بها المصنِّف، وقد تَعَرَّضَ لها في التفسير أيضاً كما سيأتي (٤٥٠٨). ويُؤخَذُ
من حاصل ما استقرَّ عليه الحالُ من سبب نزولها: ابتداءُ مشروعية السَّحور، وهو المقصودُ
في هذا المكان، لأنه جعل هذه الترجمةَ مقدِّمةً لأبواب السَّحور.
قوله: ((عن أبي إسحاقَ)) هو السَّبيعي، وإسرائيلُ: هو ابن يونسَ بن أبي إسحاقَ
المذكور، وقد رواه الإسماعيلي من طریق یوسف بن موسی وغيره عن عبيد الله بن موسى
١٣٠/٤ شيخ البخاري فيه/ عن إسرائيلَ وزُهَيرٍ - هو ابن معاويةَ - كلاهما عن أبي إسحاقَ عن
البَرَاء، زاد فيه ذِكرَ زُهَيرٍ وساقه على لفظ إسرائيل، وقد رواه الدّارمي (١٦٩٣) وعبدُ بنُ
حميدٍ(١) في ((مُسنَدِيهما)) عن عُبيد الله بن موسى فلم يَذكُرا زُهَيراً، وقد أخرجه النَّسائي
(٢١٦٨) من وجهٍ آخرَ عن زُهَیرِ به.
قوله: ((كان أصحابُ محمَّدٍ ێ)» أي: في أوَّل افتراض الصيام، وبيَّن ذلك ابن جَرِیر
(٢/ ١٦٤) في روايته من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى مُرسلاً.
قوله: ((فنامَ قبلَ أن يُفطِرَ ... )) إلى آخره، في رواية زُهَيرٍ: كان إذا نامَ قبلَ أن يَتَعَشّى لم يَحِلّ
له أن يأكل شيئاً ولا يشربَ ليله ويومَه حتَّى تَغرُبَ الشمس، ولأبي الشيخ من طريق زكريا
(١) وأخرجه الترمذي (٢٩٦٨) عن عبد بن حميد بهذا الإسناد.

٣٠٥
باب ١٥ / ح ١٩١٥
كتاب الصوم
ابن أبي زائدةً عن أبي إسحاقَ: كان المسلمونَ إذا أفطَروا يأكلون ويشربونَ ويأتونَ النِّساءَ
ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئاً من ذلك إلى مثلها. فاتَّفَقَت الرواياتُ في حديث البراءِ
على أنَّ المنعَ من ذلك كان مُقيَّداً بالنَّومِ، وهذا هو المشهورُ في حديثٍ غيره، وقُيِّدَ المنعُ من
ذلك في حديث ابن عبّاسٍ بصلاة العَتَمة، أخرجه أبو داود (٢٣١٣) بلفظ: كان الناسُ على
عهد رسول الله وَ﴿ إذا صَلَّوا العَتَمَةَ حَرُمَ عليهم الطعامُ والشَّرابُ والنِّساءُ، وصاموا إلى
القابلة، ونحوُه في حديث أبي هريرة كما سأذكره قريباً، وهذا أخَصُّ من حديث البَراءِ من
وجهٍ، ويحتمل أن يكونَ ذَكَر صلاةَ العِشاءِ لكونِ ما بعدَها مَظِنَّةَ النَّوم غالباً، والتقييدُ في
الحقيقة إنَّما هو بالنَّوم كما في سائر الأحاديث، وبيَّن السُّدّي وغيرُه أنَّ ذلك الحكم كان على
وَفِقِ ما كُتِبَ على أهل الكتاب، كما أخرجه ابن جَرِير (١٦٦/٢ -١٦٧) من طريق السُّدّي،
ولفظُه: كُتِبَ على النَّصارى الصيام، وكُتِبَ عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا يَنكِحوا
بعد النَّومِ، وكُتِبَ على المسلمين أوَّلاَ مثلُ ذلك حتَّى أقبلَ رجلٌ من الأنصار، فذكر القصَّةَ.
ومن طريق إبراهيم التيمي: كان المسلمونَ في أوَّل الإسلام يفعلون كما يفعلُ أهلُ الكتاب:
إذا نامَ أحدُهم لم يَطعَم حتَّى القابلة، ويُؤْيِّد هذا ما أخرجه مسلمٌ (١٠٩٦) من حديث
عَمِرِو بن العاص مرفوعاً: ((فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السَّحَر)).
قوله: ((وإنَّ قيسَ بنَ صِرمةً)) بكسر الصاد المهمَلة وسكونِ الراء، هكذا سُمّي في هذه
الرواية، ولم يُخْتَلَف على إسرائيلَ فيه إلَّا في رواية أبي أحمد الزُّبَيري عنه، فإنَّه قال: ((صِرمةُ
ابنُ قيسٍ)) أخرجه أبو داود (٢٣١٤)، ولأبي نُعيم في ((المعرفة)) من طريق الكلبي عن أبي
صالحٍ عن ابن عبّاسٍ مثلُه، قال: وكذا رواه أشعَثُ بنُ سَوَّارٍ عن عِكْرمةَ عن ابن عبَّاسٍ،
ووقع عند أحمد (١٨٦١٢) والنَّسائي (٢١٦٨) من طريق زُهَيرٍ عن أبي إسحاقَ: أنَّه أبو
قيسٍ بن عَمرِو، وفي حديث السُّدّي المذكورِ: حتَّى أقبلَ رجلٌ من الأنصار يقال له: أبو
قيسٍ بنُ صِرمةً، ولابن جَرِير (١٦٧/٢ -١٦٨) من طريق ابن إسحاقَ عن محمد بن يحيى
ابن حَبّان - بفتح المهمَلة وبالموحّدة الثَّقیلة ۔ مُرسلاً: صِرمةُ بنُ أبي أنسٍ، ولغیر ابن جَرِیر

٣٠٦
باب ١٥ / ح ١٩١٥
فتح الباري بشرح البخاري
من هذا الوجه: صِرمةُ بنُ قيسٍ، كما قال أبو أحمد الزُّبَيري، وللذُّهلي في ((الزُّهْريات)) من
مُرسَل القاسم بن محمدٍ: صِرِمةُ بنُ أنسٍ، ولابن جَرِير (١٦٤/٢) من مُرسَل عبد الرحمن
ابن أبي ليلى: صِرمةُ بنُ مالكٍ.
والجمعُ بين هذه الروايات: أنَّه أبو قيسٍ صِرمةُ بنُ أبي أنسٍ قيسٍ بن مالكِ بن عَدي
ابن عامر بن غَنْم بن عَدي بن النَّجّار، كذا نسبه ابن عبد البرِّ وغيرُه، فمن قال: قيسُ بنُ
صِرِمَةَ قَلَبَه، كما جَزَمَ الدَّاوودي والسُّهَيلي وغيرهما، بأنَّه وقع مقلوباً في رواية حديث
الباب، ومن قال: صِرمةُ بنُ مالكِ نسبه إلى جدِّه، ومن قال: صِرمةُ بنُ أنسٍ، حَذَفَ أداةَ
الكُنية من أبيه، ومن قال: أبو قيسٍ بنُ عَمِرٍو، أصاب كُنيتَه وأخطأ في اسم أبيه، وكذا من
قال: أبو قیسٍ بنُ صِرمة، وکانّه أراد أن يقول: أبو قیسٍ صِرمٌ، فِزِيدَ فیه ((ابن)).
وقد صَحَّفَه بعضُهم، فرُوِّيناه في ((جزءِ إبراهيمَ بن أبي ثابتٍ)) من طريق عطاءٍ عن أبي
هريرة قال: كان المسلمونَ إذا صَلَّوا العِشاءَ حَرُمَ عليهم الطعامُ والشَّرابُ والنِّساء، وأنَّ
ضمرةَ ابنَ أنسِ الأنصاريَّ غَلَبَتْه عينُه ... الحديثَ، وقد استَدرَكَ ابن الأثير في ((الصحابة))
١٣١/٤ ضمرةَ بنَ أنسٍ في حرفٍ / الضّاد المعجمة، على من تقدَّمه، وهو تصحيفٌ وتحريفٌ ولم يَتَنَبَّه
له، والصوابُ صِرمةُ بنُ أبي أنسٍ كما تقدَّم، والله سبحانه وتعالى أعلمُ بالصواب.
وصِرِمةُ بنُ أبي أنسٍ مشهورٌ في الصحابة يُكنى أبا قيسٍ، قال ابن إسحاقَ فيما أخرجه
السَّرّاجُ في ((تاريخه)) من طريقه بإسناده إلى عُوَيم بن ساعدةَ قال: قال صِرْمةُ بنُ أبي أنسٍ،
وهو يَذْكُر النبي ◌َالتّ:
تَوَى في قُرَيشٍ بضعَ عشرةَ حِجّةً يُذَكِّرُ لو يَلقى صديقاً مُوَاتيا
الأبياتَ.
قال ابن إسحاق: وصِرمةُ هذا هو الذي نزل فيه: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ الآيةَ. قال: وحدّثني
محمدُ بنُ جعفر بن الزُّبَير قال: كان أبو قيسٍ ممَّن فارقَ الأوثانَ في الجاهلية، فلمَّا قَدِمَ النبي

٣٠٧
باب ١٥ / ح ١٩١٥
كتاب الصوم
وَّهُ المدينةَ أسلمَ وهو شيخٌ كبيرٌ، وهو القائلُ:
يقول أبو قيسٍ وأصبَحَ غادياً ألَا ما استَطَعْتُم مِن وَصاتيَ فافعلوا
الأبيات.
قوله: ((فقال لها: أعندكِ - بكسر الكاف - طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أنطَلِقُ أطلُبُ(١) لك))
ظاهرُه أنَّه لم يَجِئ معه بشيءٍ، لكن في مُرسَل السُّدّي: أنَّه أتاها بتمرٍ، فقال: استَبدِلي به
طحيناً واجعليه سَخِيناً، فإنَّ التمرَ أحَرَقَ جوفي. وفيه: لعلّي آكُلُهُ سَخِيناً، وأنَّهَا استَبدَلَته له
وصَنَعَته. وفي مُرسَل ابن أبي ليلى: فقال لأهلِه: أطعِموني، فقالت: حتَّى أجعَلَ لك شيئاً
سَخيناً. ووَصَله أبو داود (٥٠٦) من طريق ابن أبي ليلى فقال: حدَّثنا أصحابُ محمدٍ
فذكره مُختصَراً.
قوله: ((وكان يومّه)) بالنَّصبِ ((يَعمَل)) أي في أرضِه، وصَرَّحَ بها أبو داود (٢٣١٤) في
روايته. وفي مُرسَل السُّدّي: ((كان يَعمَلُ في حيطان المدينة بالأجرة))، فعلى هذا فقوله: ((في
أرضِه» إضافةُ اختصاصٍ.
قوله: «فغلبته عيناه)) أي: نام، وللگُشْمِیهنيّ: «عينُه)) بالإفراد.
قوله: ((فقالت: خَيْبةً لك)) بالنَّصبِ وهو مفعولٌ مُطلَقٌ محذوفُ العامل، وقيل: إذا كان
بغير لام يجبُ نصبُهُ وإلَّا جازَ. والخيبةُ: الحِرمانُ، يقال: خابَ يَجِيبُ: إذا لم يَنَل ما طلبَ.
قوله: ((فلمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشيَ عليه))، في رواية أحمد (١٨٦١١): فأصبَحَ صائماً، فلمَّا
انْتَصَفَ النَّهار، وفي رواية أبي داود: فلم يَنْتَصِفِ النَّهارُ حتَّى غُشي عليه، فيُحمَّلُ الأوَّلُ
على أنَّ الغَشْيَ وقع في آخر النِّصفِ الأوَّل من النَّهار، وفي رواية زُهَيرٍ عن أبي إسحاق: فلم
يَطعَم شيئاً، وباتَ حتَّى أصبَحَ صائماً، حتَّى انتَصَفَ النَّهَارُ فغُشي عليه، وفي مُرسَل
السُّدّي: فأيقَظْه، فكَرهَ أن يَعصي الله وأبى أن يأكلَ، وفي مُرسَل محمد بن يحيى: فقالت له:
(١) هكذا قال الحافظ: أطلب، مع أن الذي في روايات البخاري: فأطلب، بزيادة الفاء، دون اختلاف بين
روايات البخاري في ذلك، حسب ما جاء في النسخة اليونينية والقسطلاني.

٣٠٨
باب ١٦ / ح ١٩١٦
فتح الباري بشرح البخاري
كُلْ، فقال: إنِّي قد نِمت، فقالت: لم تَنَمْ، فأبى فأصبَحَ جائعاً مجهوداً.
قوله: ((فذكر ذلك للنبي (وَّ)) زاد في رواية زكريا عند أبي الشيخ: وأتى عمرُ امرأته وقد
نامَت فذكر ذلك للنبي ◌َلّ.
قوله: ((فنزلت هذه الآيةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، ففَرِحوا بها
فَرَحاً شديداً، ونزلت: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾)) كذا في هذه الرواية وشرح الكِرْماني على ظاهرها،
فقال: لمَّا صار الرَّفَتُ وهو الجِماعُ هنا حلالاً بعد أن كان حراماً كان الأكلُ والشُّربُ بطريق
الأَولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرُّخصة، وهذا وجه مطابقة ذلك لقصَّة أبي
قيسٍ، قال: ثمَّ لمَّا كان حِلَّهما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ ليُعلَمَ بالمنطوقِ
تسهيلُ الأمر عليهم صريحاً، ثمَّ قال: أو المرادُ من الآية هي بتمامها.
قلتُ: وهذا هو المعتمَد، وبه جَزَمَ السُّهَيلي، وقال: إنَّ الآيةَ بتمامها نزلت في الأمرَينِ
معاً، وقد تقدَّم ما یَتعلّقُ بعمرَ لفضلِه. قلتُ: وقد وقع في رواية أبي داود (٢٣١٤) فنزلت:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فهذا يُبيِّنُ أنَّ مَحَلّ قوله: ((ففَرِحوا
بها)» بعدَ قوله: ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ووقع ذلك صريحاً في رواية زكريا بن أبي زائدةَ ولفظُه:
فنزلت ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففَرِحَ المسلمونَ بذلك، وسيأتي بيانُ قصّة
عمرَ في تفسير سورة البقرة (٤٥٠٨) مع بقية تفسير الآية المذكورة إن شاء الله تعالى.
١٣٢/٤
١٦ - باب قول الله تعالى:
﴿وَكُلُواْ وَأُشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ اَلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ اْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ
ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
فيه عن البراء عن النبي زيتيار.
١٩١٦ - حدّثنا حجّاجُ بنُ منهالٍ، حدَّثنا هُشَيم، قال: أخبرنا حُصَينُ بنُ عبد الرحمن،
عن الشَّعِيِّ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتمٍ ◌ّ، قال: لمَّا نزلت ﴿حَّ يَتْبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ اْلْخَيْطِ
اُلْأَسْوَدِ﴾ عَمَدتُ إلى عِقالٍ أسوَدَ وإلى عِقالٍ أبيضَ، فجَعَلتُهما تحت وِسادتي، فجَعَلتُ أَنظُرُ

٣٠٩
باب ١٦ / ح ١٩١٦
كتاب الصوم
في الليلِ، فلا يَستَبِينُ لِي، فَغَدَوتُ على رسولِ اللهِ وَّةِ، فَذَكَرتُ له ذلك، فقال: ((إنَّما ذلكَ
سَوَادُ الليلِ وبياضُ النَّهار)).
[طرفاه في: ٤٥٠٩، ٤٥١٠]
قوله: ((بابٌ قولُ الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾)) ساق إلى قوله:
﴿إِلَى الَّيْلِ﴾ وهذه الترجمةُ سِيقَت لبيان انتهاءِ وقتٍ الأكل وغيره الذي أُبیحَ بعد أن كان
ممنوعاً، واستفيدَ من حديث سهلِ الذي في هذا الباب، أنَّ ذِكرَ نزول الآية في حديث البراءِ
أُرِيدَ به مُعظَمُها، وهو أنَّ قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ تأخّرَ نزولُه عن بقية الآية مع أنَّه ليس في
حديث البَراءِ التصريحُ بأنَّ قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزلت أوَّلاً، فإنَّ روايةَ حديث الباب فيها إلى
قوله: ﴿اَلْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ وروايةَ أبي داود (٢٣١٤) وأبي الشيخ فيها إلى قوله: ﴿مِنَ اُلْفَجْرِ﴾
فيُحمَلُ الثاني على أنَّ قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لم يدخل في الغاية.
قوله: ((فيه عن البَرَاءِ عن النبيِ نَّه)) يريدُ الحديثَ الذي مضى قبله، وهو موصولٌ كما
تقدَّم.
ثم أورد المصنف في الباب حدیثین:
الحديث الأول: قوله: ((أخبرنا حُصَينٌ)) زاد الطَّحاوي (٢/ ٥٣) من طريق إسماعيلَ بن
سالم عن هُشَيم أخبرنا حُصَيْنٌ ومجالدٌ، وكذا أخرجه التِّرمِذي (٢٩٧٠) عن أحمد بن مَنِيعٍ
عن هُشَيم، إلَّا أَنَّه فَّقَهما.
قوله: (عن عَديّ بن حاتم)، في رواية التُّرمِذي: أخبرني عَدُّ بنُ حاتم، وكذا أخرجه
ابن خُزيمة (١٩٢٥) عن أحمد بن مَنيع، وكذا أوردَه أبو عَوَانَةَ (٢٧٧٧) من طريق أبي عُبيدٍ
عن هُشَيم عن حُصَين.
قوله: ((لمَّا نزلت: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ عَمَدتُ .. ))
إلى آخره، ظاهرُه أنَّ عَدّاً كان حاضراً لمَّا نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تَقدُّمَ إسلامه،
وليس كذلك، لأنَّ نزولَ فرضِ الصوم كان مُتَقدِّماً في أوائل الهجرة، وإسلامَ عَدي كان في

٣١٠
باب ١٦ / ح ١٩١٦
فتح الباري بشرح البخاري
التاسعة أو العاشرة كما ذكره ابن إسحاقَ وغيرُه من أهل المغازي، فإمّا أن يقال: إنَّ الآيةَ
التي في حديث الباب تأخّرَ نزولها عن نزول فرضِ الصوم، وهو بعيدٌ جِدّاً، وإمّا أن يُؤْوَّلَ
قولُ عَدي هذا على أنَّ المراد بقوله: لمَّ نزلت أي: لمَّا تُليت عليَّ عند إسلامي، أو لمَّا
١٣٣/٤ بَلَغَني نزولُ الآية،/ أو في السِّياق حذفٌ تقديرُه: لمَّا نزلت الآيةُ، ثمَّ قَدِمتُ فأسلمت
وتَعَلَّمتُ الشَّرائعَ، عَمَدت، وقد روى أحمد (١٩٣٧٥) حديثَه من طريق مُجَالٍ بلفظ:
عَلَّمَني رسولُ اللهِوَِّ الصلاةَ والصيامَ، فقال: ((صَلِّ كذا وصُم كذا، فإذا غابت الشمسُ
فَكُل حتَّى يَتَبِيَّن لك الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسوَد)) قال: فأخذت خَيطَين ... الحديثَ.
قوله: ((إلى عِقالٍ)) بكسر المهمَلة، أي: حَبْلٍ، وفي رواية مجالدٍ: فأخذت خَيطَينِ من شعرٍ.
قوله: ((فجَعَلت أنظُرُ في الليلِ فلا يَستَبَينُ لي)»، في رواية مُجالدٍ: ((فلا أستَبِينُ الأبيضَ من
الأسوَد)).
قوله: ((فقال: إنَّما ذلك)) زاد أبو عُبيدٍ: ((إنَّ وِسادَك إذاً لَعَريضٌ))، وكذا لأحمد (١٩٣٧٠)
عن هُشَيم، وللإسماعيلي عن يوسفَ القاضي عن محمد بن الصَّبّاح عن هُشَيم قال:
فَضَحِكَ، وقال: ((إن كان وِسادُك إذاً لَعَريضٌ(١))، وهذه الزِّيادةُ أوردَها المصنِّفُ في تفسير
البقرة (٤٥٠٩) من طريق أبي عَوَانةَ عن حُصَين، وزاد: ((إن كان الخيطُ الأبيضُ والأسوَدُ
تحت وسادتِك))، وفي رواية ابن(٢) إدريسَ عن حُصَين عند مسلم (٣٣/١٠٩٠): ((إنَّ
وِسَادَك لَعَرِيضٌ طويلٌ))(٣)، وللمصنِّف في التفسير (٤٥١٠) من طريق جَرِير عن مُطرِّفٍ
عن الشَّعْبي: ((إنَّك لَعَرِيضُ القَفا))، ولأبي عَوَانَةَ (٢٧٧٦) من طريق إبراهيمَ بن ◌َهْمانَ عن
مُطرِّف: فضَحِكَ وقال: ((لا يا عَرِيضَ القَفَا)).
قال الخطَّابي في ((المعالم): في قوله: ((إنَّ وِسادك لَعَريضٌ)) قولان: أحدهما: يريدُ: إنَّ نَومَك
(١) هكذا في الأصلين بالرفع على أن ((كان)) زائدة و((إنْ)) مخفَّفة من أنَّ فقلَّ عملُها، وفي (س): ((لعريضاً))
بالنصب على إعمال «کان».
(٢) تحرفت في (س) إلى: أبي.
(٣) لفظة ((طويل)) ليست في ((صحيح مسلم).

٣١١
باب ١٦ / ح ١٩١٧
كتاب الصوم
الكثيرٌ، وكَنّى بالوِسادة عن النَّوم، لأنَّ النائمَ يَتْوَسَّد، أو أراد: إنَّ ليلك لَطويلٌ إذا كنت لا
تُسِكُ عن الأكل حتَّى يَتَبِيَّ لك العِقال، والقولُ الآخرُ أنَّه كَنّى بالوِسادة عن الموضع الذي
يَضعُه من رأسِه وعُنُقِّه على الوِسادة إذا نام، والعربُ تقولُ: فلانٌ عَريضُ القَفا، إذا كان فيه
غَباوةٌ وغَفلةٌ، وقد روي في هذا الحديث من طريق أُخرى: ((إنَّك عَرِيضُ القَفَا)).
وجَزَمَ الَّتَشري بالتأويل الثاني، فقال: إنَّا عَرَّضَ النبيِِّ قَفَا عَدي لأنه غَفَلَ عن
البيان، وعُرضُ القَفا ممَّا يُستَدَلُّ به على قِلّة الفِطْنة، وأنشَدَ في ذلك شعراً، وقد أنكَرَ ذلك
غير واحد، منهم القُرطُبي، فقال: حمله بعضُ الناس على الذَّمِّ له على ذلك الفَهم، وكأنَّهم
فهموا أنَّه نسبه إلى الجهل والجَفَاء وعَدَم الفقه، وعَضَّدوا ذلك بقوله: ((إِنَّك عَريضُ
القَفا»، وليس الأمرُ على ما قالوه لأنَّ مَن حمل اللَّفظَ على حقيقته اللِّسانية التي هي الأصلُ
إذا لم يَتَبَيَّن له دليلُ التجَوُّز، لم يَسْتَحِقَّ ذمّاً، ولا يُنسَبُ إلى جهلٍ، وإِنَّا عَنَى - والله أعلمُ -
أنَّ وِسَادَك إن كان يُغطِّي الخيطَينِ اللذَينِ أراد الله فهو إذاً عَریضٌ واسعٌ، ولهذا قال في إثر
ذلك: إنَّما ذلك سوادُ الليل وبياضُ النَّهار، فكأنَّه قال: فكيف يدخلان تحت وسادتِك؟
وقوله: ((إِنَّك لَعَرِيضُ القَفَا)) أي: إنَّ الوِساد الذي يُغطّي الليل والنَّهار لا يَرِقُدُ عليه إلَّا
قَفاً عَريضٌ للمُناسَبة.
قلت: وترجم عليه ابن حِبَّان (٢٤٢/٨) ((ذِكرُ البيان بأنَّ العربَ تَتَهاوَتُ لُغاتُها)»،
وأشار بذلك إلى أنَّ عَدياً لم يكن يَعرِفُ في لُغَته أنَّ سواد الليل وبياضَ النَّهار يُعبَّرُ عنهما
بالخيط الأسود والخيط الأبيض. وساق هذا الحديثَ (٣٤٦٣).
قال ابن المنيِّر في الحاشية: في حديث عَدي جوازُ التوبيخ بالكلام النادر الذي يسيرُ
فيصيرُ مثلاً، بشرط صِحّة القصد ووجود الشَّرط عند أمنِ الغُلوِّ في ذلك، فإنَّه مَزَلَةُ قدم
إلَّا لمن عَصَمَه الله تعالى.
الحديث الثاني:
١٩١٧ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعدٍ (ح)
وحدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ محمَّدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثني أبو حازم، عن

٣١٢
باب ١٦ / ح ١٩١٧
فتح الباري بشرح البخاري
سهلٍ بنِ سعدٍ، قال: أَنزِلَت: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ اَلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾
ولم يَنْزِل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رِجالٌ إذا أرادوا الصومَ رَبَطَ أحدُهم في رِجِلَيه الخيطَ الأبيضَ
والخيطَ الأسوَدَ، ولم يَزَل يأكلُ حتَّى يَتبيَّنَ له رُؤْيَتُهما، فأَنزَلَ الله بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلِمُوا أَنَّه
إنَّما يعني الليل والنَّهار.
[طرفه في: ٤٥١١]
قوله: ((حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم عن أبيهِ. وحدَّثنا سعيدٌ
ابنُ أبي مريمَ حدَّثنا أبو غَسّانَ حدَّثني أبو حازم)) كذا أخرجه البخاري عن سعيدٍ عن
شيخينٍ له، وأعاده في التفسير (٤٥١١) عن سعيدٍ عن أبي غَسّانَ وحدَه، وظهر من سياقه
أنَّ اللَّفظَ هنا لأبي غَسّانَ. وقد أخرجه ابن خُزيمة عن الذُّهلي عن سعيدٍ عن شیخیه، وبيَّن
أبو نُعيم في ((المستخرَج)) أنَّ لفظَهما واحدٌ، وقد أخرجه مسلمٌ (٣٥/١٠٩١) وابن أبي حاتم
وأبو عَوَانةَ (٢٧٧١) والطَّحاوي(١) في آخرين من طريق سعيدٍ عن أبي غَسّانَ وحدَه.
قوله: ((فكان رِجَالٌ)) لم أقف على تسمية أحدٍ منهم، ولا يَحسُنُ أن يُفسَّرَ بعضُهم بعَدي
ابن حاتم، لأنَّ قصَّةَ عَدي مُتأخّرةٌ عن ذلك، کما سَبَقَ ویأتي.
١٣٤/٤
قوله: ((رَبَطَ أحدُهم في رِجَلَيه))، في رواية/ فُضَيل بن سليمانَ عن أبي حازم عند مسلم
(٣٤/١٠٩١): لمَّا نزلت هذه الآيةُ جعل الرجلُ يأخُذُ خَيطاً أبيضَ وخَيطاً أسوَدَ،
فيَضعُهما تحت وِسادته، فيَنظُرُ متى يَستَبِينُهما. ولا مُنافاةَ بينهما لاحتمال أن يكونَ بعضُهم
فعلَ هذا وبعضُهم فعلَ هذا، أو يكونوا يَجَعَلونَهما تحت الوِسادة إلى السَّحَر، فَيَرِبِطونَهما
حينئذٍ في أرجُلِهم ليشاهدوهما.
قوله: ((حتَّى يَتبيَّنَ)) كذا للأكثر بالتشديد، وللكُشمِيهَنيّ: ((حتَّى يَستَبين)) بفتح أوَّلِه،
وسكونِ المهمَلة والتخفيف.
(١) لم نقف عليه عند الطحاوي في ((شرح المعاني)) ولا في ((أحكام القرآن)) من طريق سعيد عن أبي غسان، وهو
في (شرح المعاني)) ٥٣/٢ و((أحكام القرآن)) (١٠١٣) من طريق الفضيل بن سليمان عن أبي حازم به.

٣١٣
باب ١٦ / ح ١٩١٧
كتاب الصوم
قوله: ((رُؤيَتُهما)) كذا لأبي ذرٍّ، وفي رواية النَّسَفي: ((رِئيُهما)) بكسر أوَّلِه وسكونِ الهمزة
وضمِّ التحتانية، ولمسلم (٣٥/١٠٩١) من هذا الوجه: ((زِيُّهما)) بكسر الزاي وتشديد
التحتانية، قال صاحبُ ((المطالع)): ضُبِطَت هذه اللَّفظةُ على ثلاثة أو جُهٍ، ثالثُها: بفتح الراءِ
وقد تُكسَرُ، بعدَها همزةٌ مكسورة ثمَّ تحتانيةٌ مُشَدَّدةٌ. قال عياضٌ: ولا وجهَ له إلَّا بضَربِ
من التأويل، وكأنَّه رِئيٍّ بمعنى مَرئيّ، والمعروفُ أنَّ الرِّئَيَّ التابعُ من الجِنّ، فيحتمل أن
یکونَ من هذا الأصل، لتَرائیه لمن معه من الإنس.
قوله: ((فأَنزَلَ الله بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾)) قال القُرطُبي: حديثُ عَدي يقتضي أنَّ قوله: ﴿مِنَ
اٌلْفَجْرِ﴾ نزل مُتَّصِلاً بقوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، بخلاف حديث سهلٍ، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ
قوله: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل بعد ذلك لرفع ما وقع لهم من الإشكال. قال: وقد قيل: إنَّه كان
بين نزولهما عامٌ كاملٌ، قال: فأمَّا عَدي فحمل الخيطَ على حقيقته، وفَهمَ من قوله: ﴿مِنَ
اٌلْفَجْرِ﴾ من أجل الفجر، ففَعَلَ ما فعلَ.
قال: والجمعُ بينهما أنَّ حديثَ عَديٍّ مُتأخّرٌ عن حديث سهلٍ، فكأنَّ عَدياً لم يَبلُغه ما
جَرى في حديث سهلٍ، وإنَّما سمع الآيَةَ مُجرَّدَةً، ففَهمَها على ما وقع له، فبيَّن له النبيِ وَ أَنَّ
المراد بقوله: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ أن يَنفَصِلَ أحدُ الخيطَينِ عن الآخر، وأنَّ قوله: ﴿مِنَ اُلْفَجْرِ﴾
مُتعلِّقٌ بقوله: ((يَتَبَيَّن). قال: ويحتمل أن تكونَ القِصَّتان في حالةٍ واحدةٍ، وأنَّ بعضَ الرُّواة
- يعني في قصَّة عَدي - تلا الآيةَ تامّةً كما ثبت في القرآن، وإن كان حالَ التُّرول إنَّما نزلت
مُفرَّقَةً كما ثبت في حديث سهلٍ. قلت: وهذا الثاني ضعيفٌ، لأنَّ قصَّةَ عَدي مُتأخّرةٌ لتأُر
إسلامه كما قَدَّمتُه، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق أبي أُسامةَ عن مجالدٍ في حديث عَدي:
أنَّ النبي ◌َّم قال له لمَّ أخبره بما صَنَع: ((يا ابن حاتم، ألم أقُل لك: من الفجر))، وللطَّبراني
(١٧٥/١٧) من وجهٍ آخرَ عن مُجالدٍ وغيره: فقال عَدي: يا رسولَ الله، كلَّ شيءٍ أوصَيتَني
قد حَفِظُهُ غيرَ الخيط الأبيضِ من الخيط الأسود، إنِّ بتّ البارحةَ معي خَيطانٍ، أنظُرُ إلى
هذا وإلى هذا، قال: ((إنَّما هو الذي في السماء)). فتَبيَّن أنَّ قصَّةَ عَدي مُغايرةٌ لقصَّة سهلٍ، فأمَّا

٣١٤
باب ١٦ / ح ١٩١٧
فتح الباري بشرح البخاري
من ذُكِرَ في حديث سهلٍ فحملوا الخيطَ على ظاهره، فلمَّا نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ عَلِموا المرادَ،
فلذلك قال سهلٌ في حديثه: فعلِموا أنَّما يعني الليل والنَّهار. وأمَّا عَدي فكأنَّه لم يكن في
لغة قومِه استعارةُ الخيط للصُّبح، وحمل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على السببية، فظَنَّ أنَّ الغاية
تَنْتَهي إلى أن يَظهَرَ تمييزُ أحد الخيطَينِ من الآخر بضياءِ الفجر، أو نَسي قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾،
حَتَّى ذَكَّرَه بها النبيِِّ، وهذه الاستعارةُ معروفةٌ عند بعضِ العرب، قال الشاعرُ:
ولمَّا تَبدَّت لنا سَدْفَةٌ ولاح من الصُّبحِ خَيطٌ أنارا
قوله: ((فعلِموا أنَّه إنَّما يعني الليل والنَّهار))، في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فعلِموا أنَّه يعني))،
وقد وقع في حديث عَدي: ((سوادُ الليل وبياضُ النَّهار))، ومعنى الآية: حتَّى يَظهَرَ بياضُ
النَّهار من سواد الليل، وهذا البيانُ يَحَصُلُ بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالةٌ على أنَّ ما بعد
الفجر من النَّهار. وقال أبو عُبيدٍ: المرادُ بالخيط الأسود: الليلُ، وبالخيط الأبيضِ: الفجرُ
الصادق، والخيطُ: اللَّون، وقيل: المرادُ بالأبيضِ: أوَّلُ ما يَبدو من الفجر المعتَرِضِ فِي الأُفْق
كالخيط الممدود، وبالأسوَد: ما يَمتَدُّ معه من غَبَشِ الليل شبيهاً بالخيط، قاله الَّغَشري.
١٣٥/٤ قال: وقوله: ﴿مِنَ اُلْفَجْرِ﴾ بيانٌ للخَيط الأبيض،/ واكتَفى به عن بيان الخيط الأسود، لأنَّ
بيانَ أحدِهما بيانٌ للآخر. قال: ويجوز أن تكونَ ((من)) للتَّبعيض، لأنه بعضُ الفجر، وقد
أخرجه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من الاستعارة إلى التشبيه، كما أنَّ قولهم: رأيت أسَداً مَجَازٌ، فإذا
زِدت فيه: من فلانٍ، رَجَعَ تشبيهاً. ثمّ قال: كيف جازَ تأخيرُ البيان وهو يُشبِهِ العَبَثَ، لأنه
قبلَ نزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لا يُفْهَمُ منه إلَّا الحقيقةُ وهي غيرُ مرادةٍ، ثمَّ أجاب بأنَّ من لا يُجُوِّزُه
- وهم أكثرُ الفقهاءِ والمتكَلِّمين - لم يَصِحَّ عندهم حديثُ سهلٍ، وأمَّا من يُجُوِّزُه فيقول:
ليس بعَبَثِ، لأَنَّ المخاطَبَ يَستَفيدُ منه وجوبَ الخِطاب، ويَعِزِمُ على فعله إذا استوضَحَ
المراد به، انتھی.
ونقلُه نفيَ التجويز عن الأكثر فيه نظرٌ كما سيأتي، وجوابُه عنهم بعَدَم صِحّة الحديث
مردودٌ، لم يَقُل به أحدٌ من الفريقين، لأنه ممَّ اتَّفَقَ الشيخان على صِحَّته وتَلَقَّته الأُمَّةُ

٣١٥
باب ١٦ / ح ١٩١٧
كتاب الصوم
بالقَبُول، ومسألةُ تأخير البيان مشهورةٌ في كُتُبِ الأُصول، وفيها خلافٌ بين العلماءِ من
المتكَلِّمين وغيرهم، وقد حكى ابن السَّمعاني في أصل المسألة عن الشافعية أربعةً أوجُهٍ:
الجوازُ مُطلَقاً، عن ابن سُرَيج والإصطَخري وابن أبي هريرة وابن خيران، والمنعُ مُطلَقاً،
عن أبي إسحاقَ المروَزي والقاضي أبي حامدٍ والصَّيرَفي، ثالثها: جواز تأخير بيان المجمَل
دونَ العامّ، رابعها: عكسه، وكلاهما عن بعضِ الشافعية.
وقال ابن الحاجبِ: تأخيرُ البيان عن وقتِ الحاجة ◌ُمْتَنِعٌ إلَّا عند مُجُوِّزي تكليفِ ما لا
يُطاق، يعني وهم الأشاعرةُ فيُجوِّزونَه، وأكثرُهم يقولون: لم يقع. قال شارحُه: والخِطابُ
المحتاجُ إلى البيان ضربان: أحدهما: ما له ظاهرٌ، وقد استُعمِلَ في خلافه، والثاني: ما لا
ظاهرَ له، فقال طائفةٌ من الحنفيَّة والمالكية وأكثر الشافعية: يجوز تأخيرُه عن وقتٍ
الخِطاب، واختاره الفَخرُ الرازي وابن الحاجبٍ وغيرُهم، ومالَ بعضُ الحنفيَّة، والحنابلةُ
كلَّهم إلى امتناعه، وقال الكَرْخِي: يَمتَنِعُ في غير المجمَل، وإذا تَقرَّرَ ذلك فقد قال النَّووي
تَبَعاً لعياضٍ: وإنَّما حمل الخيطَ الأبيضَ والأسوَدَ على ظاهرهما بعضُ من لا فقهَ عنده من
الأعراب، كالرجال الذين حكى عنهم سهلٌ، وبعض من لم يكن في لُغَته استعمالُ الخيط في
الصُّبْحِ كعَديٍّ، وادَّعى الطَّحاوي والدَّاوودي أنَّه من باب النَّسخ، وأنَّ الحكمَ كان أوَّلاً
على ظاهر المفهوم من الخيطَين، واستدلَّ على ذلك بما نُقِلَ عن حُذَيفةَ وغيره من جواز
الأكل إلى الإسفار، قال: ثمَّ نُسِخَ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. قلت: ويُؤيِّد ما قاله
ما رواه عبدُ الرزاق (٧٦٠٨) بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ (١): أنَّ بلالاً أتى النبيَّ نَّهِ وهو يَتَسَخَّرُ
فقال: الصلاةَ يا رسولَ الله، قد والله أصبَحْتَ، فقال: ((يَرحَمُ الله بلالاً، لولا بلالٌ لَرَجَونا
أن يُرخّصَ لنا حتَّى تَطلُعَ الشمس».
ويُستَفَادُ من هذا الحديث - كما قال عياضٌ - وجوبُ التوقُّفِ عن الألفاظِ المشتَرَكة،
وطلبُ بيان المراد منها، وأنَّها لا تُحمَلُ على أظهَر وجوهها وأكثر استعمالاتها، إلَّا عند عَدَم
البيان. وقال ابن بَزِيزةَ في ((شرح الأحكام)): ليس هذا من باب تأخير بيان المجمَلات، لأنَّ
(١) لكنه مرسلٌ، فهو من رواية حكيم بن جابر، وهو تابعيٌّ وأبوه جابر بن طارق الأحمسيُّ صحابيٌّ.

٣١٦
باب ١٧ / ح ١٩١٨ -١٩١٩
فتح الباري بشرح البخاري
الصحابةَ عَمِلوا أوَّلاً على ما سَبَقَ إلى أفهامهم بمُقتَضى اللَّسان، فعلى هذا فهو من باب
تأخير ما له ظاهرٌ أُريدَ به خلافُ ظاهره. قلت: وكلامُه يقتضي أنَّ جميعَ الصحابة فعلوا ما
نقله سهلُ بن سعدٍ، وفيه نظرٌ.
واستدلَّ بالآية والحديث على أنَّ غايةَ الأكل والشُّربِ طلوعُ الفجر، فلو طَلَعَ
الفجرُ وهو يأكلُ أو يشربُ فَنَزَعَ تَمَّ صومُه، وفيه اختلافٌ بين العلماء. ولو أكَلَ ظانّاً
أنَّ الفجرَ لم يَطلُع لم يَفسُد صومُه عند الجمهور، لأنَّ الآيةَ دَّلَّت على الإباحة إلى أن
يَحَصُلَ التبيين، وقد روى عبدُ الرزاق (٧٣٦٧) بإسناد صحيح عن ابن عبّاس قال: أحَلَّ
الله لك الأكلَ والشُّربَ ما شَكَكت، ولابن أبي شَيْبةَ (٢٥/٣-٢٦) عن أبي بكرٍ وعمرَ
نحوُه، وروى ابن أبي شَيْبةَ (٢٦/٣) من طريق أبي الضُّحى قال: سأل رجلٌ ابنَ عبَّاسٍ
عن السَّحور، فقال له رجلٌ من جُلَسائه: كُلْ حَتَّى لا تَشُكَّ، فقال ابن عبّاسٍ: إن هذا
لا يقول شيئاً، كُل ما شَكَكت حتَّى لا تَشُكَّ. قال ابن المنذِرِ: وإلى هذا القول صار أكثرُ
العلماء. وقال مالكٌ: يقضي.
١٣٦/٤ وقال ابن بَزِيزةَ في ((شرح الأحكام)): اختَلَفوا هل يَحَرُمُ الأكلُ بطلوع الفجر أو بتَبِيُّنِهِ
عند الناظِرِ تَمسُّكاً بظاهر الآية، واختَلَفوا هل يجبُ إمساكُ جزءٍ قبلَ طلوع الفجر أم لا بناءً
على الاختلاف المشهور في مقدِّمة الواجب، وسنذكر بقيةَ هذا البحث في الباب الذي يليه
إن شاء الله تعالى.
١٧ - باب قول النبيّ ◌َّير: ((لا يمنعنّكم من سُحور كم أذان بلالٍ»
١٩١٨، ١٩١٩ - حدّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي أسامةَ، عن تُبيد الله، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ. والقاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ بلالاً كان يُؤْذِّنُ بليلٍ، فقال
رسولُ الله ◌َّ: «كُلُوا واشربوا حتَّى يُؤْذِّنَ ابنُ أُمّ مكتومٍ، فإنَّه لا يُؤْذِّنُ حتَّى يَطْلُعَ الفجرُ)).
قال القاسمُ: ولم يكن بينَ أذانهما إلا أن يَرفَی ذا ویَنزِلَ ذا.
قوله: (باب قول النبي ◌َ له: لا يمنعَنَّكم)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ: ((لا يمنعْكم))

٣١٧
باب ١٧ / ح ١٩١٨ -١٩١٩
كتاب الصوم
بسكونِ العين، بغير تأكيدٍ، قال ابن بَطَّالٍ: لم يَصِحَّ عند البخاري لفظُ الترجمة: فاستَخرَجَ
معناه من حديث عائشةَ. وقد روى لفظَ الترجمة وكيعٌ من حديث سَمُرةَ مرفوعاً: ((لا
يمنعَنَّكم من سُحورِكم أذانُ بلالٍ ولا الفجرُ المستطيل، ولكنِ الفجرُ المستطيرُ في الأُفق)).
وقال التِّرمِذي (٧٠٦): هو حديثٌ حسنٌ. انتهى. وحديثُ سَمُرةَ عند مسلم (١٠٩٤)
أيضاً لكن لم يتعيَّن في مراد البخاري، فإنه قد صَحَّ أيضاً على شرطِهِ حديثُ ابن مسعودٍ
بلفظ: ((لا يمنعَنَّ أحدَكم أذانُ بلالٍ من سُحوره، فإنَّه يُؤذِّنُ بليلٍ ليرجِعَ قائمُكم))
الحديث، وقد تقدَّم في أبواب الأذان في ((باب الأذان قبلَ الفجر)) (٦٢١)، وأخرج عنه
(٦٢٢) حديثَ عُبيد الله بن عمرَ عن شيخَيه القاسم ونافع كما أخرجه هنا، فالظاهرُ أنَّه
مرادُه بما ذكره في هذه الترجمة، وقد تقدَّم الكلامُ على حديث عُبيد الله بن عمرَ هناك.
وفي حديث سَمُرةَ الذي أخرجه مسلمٌ بيانٌ لمَا أُبهمَ في حديث ابن مسعودٍ، وذلك أنَّ
في حديث ابن مسعودٍ: وليس الفجرُ أن يقولَ - وَرَفَعَ بأصابعِه إلى فوقُ وطَأَطَاً إلى أسفَلُ -
حتَّى يقولَ هكذا))، وفي حديث سَمُرةَ عند مسلم (٤٣/١٠٩٤): ((لا يَغُرَّنَّكم من
سُحورِكم أذانُ بلالٍ ولا بياضُ الأُفق المستطيل هكذا، حتَّى يستطيرَ هكذا)) يعني مُعتَرِضاً.
وفي روايةٍ: ((ولا هذا البياضُ حتَّى يستطيرَ))، وقد تقدَّم لفظُ رواية التِّرمِذي، وله (٧٠٥)
من حديث طَلِقٍ بن عليّ: ((كُلوا واشرَبوا، ولا يَهِيدَنَّكم الساطعُ المصعَد، وكُلُوا واشَرَبوا
حتَّى يَعتَرِضَ لكم الأحمر))، وقوله: ((يَهِيدَنَّكم)) بكسر الهاء، أي: يُزْعِجَنَّكم، فَتَمْتَنِعوا به
عن السَّحور، فإنَّه الفجرُ الكاذِب، يقال: هِدتُه أهيدُه: إذا أزعَجتَه، وأصلُ الهِيد بالكسر:
الخَرَكة. ولابن أبي شَيْبةَ (٣/ ٢٧) عن ثَوبانَ مرفوعاً: ((الفجرُ فجران: فأمَّا الذي كأنَّه ذَنَبُ
السّرحان فإنَّه لا يُحِلُّ شيئاً ولا يُحرِّمُه، ولكنِ المستطيل)) أي هو الذي يُحُرِّمُ الطعامَ ويُحِلُّ
الصلاة، وهذا يوافق الآية الماضية في الباب قبله.
وذهب جماعةٌ من الصحابة - وقال به الأعمَشُ من التابعين وصاحبُه أبو بكر بنُ
عيَّاشٍ - إلى جواز السَّحور إلى أن يَتَّضِحَ الفجر، فروى سعيدُ بنُ منصورٍ عن أبي الأحوَصِ
عن عاصم عن زِرِّ عن حُذَيفةَ قال: تَسَخَّرنا مع رسول الله وَ الهِ هو والله النَّهَارُ غيرَ أنَّ

٣١٨
باب ١٨ / ح ١٩٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
الشمس لم تَطلُعَ. وأخرجه الطَّحاوي (٢/ ٥٢) من وجهٍ آخرَ عن عاصم نحوَه، وروى ابن
أبي شَيْبةَ (١١/٣-١٢) وعبد الرزاق (٧٦٠٧) ذلك عن حُذيفةً من طرقٍ صحيحةٍ، وروى
سعيدُ بنُ منصورٍ وابن أبي شَيْبةَ وابن المنذر من طرقٍ عن أبي بكرٍ: أنَّه أمَرَ بغَلِقِ الباب حتَّى
لا يرى الفجر (١)، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن عليّ: أنَّه صلَّى الصُّبحَ ثمَّ قال: الآنَ
١٣٧/٤ حين يَتبيّنُ الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود،/ قال ابن المنذرِ: وذهب بعضُهم إلى أنَّ المراد:
يَتبيّنُ بياض النَّهار من سواد الليل إلى أن يَنتَشِرَ البياضُ في الطَّرَقِ والسِّكَكِ والبيوت، ثمَّ
حكى ما تقدَّم عن أبي بكرٍ وغيره. وروي بإسناد صحيح عن سالم بن عُبيدِ الأشجَعي -
وله صحبةٌ -: أنَّ أبا بكرٍ قال له: ((اخرُج فانظُرُ هل طَلَعَ الفجر؟ قال: فَنَظَرت، ثمَّ أتيته،
فقلت: قد ابيضَ وسَطَع، ثمّ قال: اخرُج فانظُرُ هل طَلَعَ؟ فَنَظَرت، فقلت: قد اعتَرَضَ،
فقال: الآنَ أبلغني شرابي. وروي من طريق وكيعٍ عن الأعمَشِ أنَّه قال: لولا الشَّهوةُ
لَصَلَّيْتِ الغَداةَ ثمَّ تَسَخَّرت. قال إسحاقُ: هؤلاءِ رأوا جوازَ الأكل والصلاة بعد طلوع
الفجر المعتَرِضِ حتَّى يَتَبَيَّن بياضُ النَّهار من سواد الليل. قال إسحاقُ: وبالقول الأوَّل
أقول، لكن لا أطعُنُّ على من تأوَّلَ الرُّخصةَ كالقول الثاني، ولا أرى له قضاءً ولا كفَّارةً.
قلت: وفي هذا تَعَقّبٌ على الموَقَّقِ وغيره حيثُ نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه
الأعمَش، والله أعلم.
قوله: ((عن ابن عمرَ. والقاسمِ بنِ محمَّدٍ)) بالجرِّ عَطفاً على نافعٍ لا على ابن عمر، لأنَّ
عُبِيدَ الله بنَ عمرَ رواه عن نافعٍ عن ابن عمرَ، وعن القاسم عن عائشة، وقد تقدَّم الكلامُ
عليه في المواقيت.
١٨ - باب تعجيل السّحُور
١٩٢٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله، حذَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه أبي حازم، عن
سهلِ بنِ سعدٍ ﴾، قال: كنتُ أتسَخَّرُ في أهلي، ثمَّ تكونُ سُرعَتي أن أُدْرِكَ السُّجودَ مع
(١) وأخرج نحوه عبد الرزاق (٧٦١٨) عن أيوب عن أبي قلابة مرسلاً: أن أبا بكر كان يقول: أجيفوا الباب
حتى لا يفجأنا الصبح.

٣١٩
باب ١٨ / ح ١٩٢٠
كتاب الصوم
رسولِ الله ێ.
قوله: ((باب تعجيل السَّحور)) أي: الإسراعُ بالأكل، إشارةً إلى أنَّ السَّحورَ کان یقعُ
قُربَ طلوع الفجر. وروى مالكٌ (١١٦/١) عن عبد الله بن أبي بكرٍ عن أبيه: كنَّا نَنصَرِفُ
- أي: من صلاة الليل - فنَستعجِلُ بالطعام تَخَافَةَ الفجر، قال ابن بَطَّالٍ: ولو ترجم له بباب
تأخير السَّحور لكان حسناً، وتعقَّبه مُغَلْطاي: بأنَّه وُجِدَ في نسخة أُخرى من البخاري
(باب تأخير السَّحور))، ولم أرَ ذلك في شيءٍ من نُسَخ البخاري التي وَقَعَت لنا. وقال
الَّينُ ابنُ المنيِّر: التعجيلُ من الأُمور النِّسبية، فإن نُسِبَ إلى أوَّل الوقتِ كان معناه
التقديمَ، وإن نُسِبَ إلى آخره كان معناه التأخيرَ، وإنَّما سمّاه البخاري تعجيلاً إشارةً منه إلى
أنَّ الصحابي كان يُسابِقُ بسُحوره الفجرَ عند خوفِ طلوعِه، وخوفٍ فوات الصلاة،
بمقدار وصوله إلى المسجد.
قوله: ((عن أبيه أبي حازم)) أشار الإسماعيلي إلى أنَّ عبد العزيزِ بنَ أبي حازم لم يسمعه من
أبيه، فأخرج من طريق مُصعَبِ الزُّبَيري عن ابن(١) أبي حازم عن عبد الله بن عامٍ
الأسلمي عن أبي حازم عن سهلٍ، ثمَّ رواه من طريقٍ أُخرى عن عبد الله بن عامٍ عن أبي
حازم. وعبدُ الله بنُ عامٍ: هو الأسلمي، فيه ضعفٌ، وأشار الإسماعيلي إلى تعليل الحديث
بذلك. ومُصعَبُ بنُ عبد الله الزُّبَيري لا يُقاوِمُ الْحُفّاظَ الذين رووه عن عبد العزيزِ عن أبيه
بغير واسطةٍ، فزيادتُه شاذّةٌ، ويحتمل أن يكونَ عبدُ العزيزِ سمع من عبد الله بن عامٍ فيه
عن أبيه زيادةً لم تكن فيما سمعه من أبيه، فلذلك حدَّثَ به تارةً عن أبيه بلا واسطةٍ، وتارةً
بالواسطة. وقد أخرجه البخاري في المواقيتِ (٥٧٧) من وجهٍ آخرَ عن أبي حازم، فبَطَلَ
التعليلُ من رواية عبد العزيز بن أبي حازم، والله أعلم.
قوله: ((ثُمَّ تكونُ سُرعَتي)) في رواية سليمانَ بن بلالٍ (٥٧٧): ثمَّ تكونُ سُرعةٌ بي،
وسُرعةٌ بالضمِّ على أنَّ كان تامّةٌ، ولفظُ (بي)) مُتَعلَّقُ بسُرعةٍ، أو ليست تامّةً و (بي)) الخبرُ، أو
قوله: أن أُدرِكَ، ويجوز النَّصبُ على أنَّها خبرُ كان والاسمُ ضميرٌ يَرجِعُ إلى ما يدلُّ عليه
(١) كلمة ((ابن)) سقطت من (ع) و(س)، والصواب إثباتها كما في (أ).

٣٢٠
باب ١٩ / ح ١٩٢١
فتح الباري بشرح البخاري
لفظُ السُّرعة.
قوله: ((أن أُدرِكَ السَّحورَ)) كذا في رواية الكُشْمِيهنيّ، وللنَّسَفي والجمهور: أن أُدرِكَ
١٣٨/٤ السُّجودَ، وهو الصواب، / ويُؤْيِّده أنَّ في الرواية المتقدِّمة في المواقيتِ: أن أُدرِكَ صلاةً
الفجر، وفي رواية الإسماعيلي: صلاةَ الصُّبح، وفي روايةٍ أُخرى: صلاةَ الغَدَاة.
قال عياضٌ: مرادُ سهل بن سعدٍ أنَّ غايةَ إسراعه أنَّ سُحورَه لقُربِه من طلوع الفجر
كان بحيثُ لا يَكادُ أن يُدرِكَ صلاةَ الصُّبح مع رسول الله بَّه، ولشِدّة تغلیسٍ رسول الله
وَلَه بالصُّبح. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): المرادُ أنَّهم كانوا يزاحِمونَ بالسَّحور الفجرَ،
فيختصِرونَ فيه، ويَستعجِلون خوفَ الفوات.
تنبيه: قال المِزّي: ذكر خَلَفٌ أنَّ البخاري أخرج هذا الحديثَ في الصوم عن محمد بن
عُبيد الله وقُتَيبَةَ كلاهما عن عبد العزيز، قال: ولم نَجِده في الصحيح ولا ذكره أبو مسعودٍ.
قلت: ورأيت هنا بخَطِّ القُطبِ ومُغَلْطاي: ((محمدُ بنُ عُبيدٍ)) بغير إضافةٍ، وهو غَلَطٌ،
والصوابُ: ((محمدُ بنُ عُبيد الله)) وهو أبو ثابتٍ المدني مشهورٌ من كِبار شيوخ البخاري.
١٩ - بابٌ قدرُ کم بين السَّحور وصلاة الفجر
١٩٢١ - حذَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ، عن زيد بنِ ثابتٍ
◌َ ◌ّهِ، قال: تَسَخَّرنا مع النبيِّ وَّةِ، ثمَّ قامَ إلى الصلاةِ، قلتُ: كم كان بينَ الأذان والسَّحورِ؟
قال: قَدرُ خمسِین آیةً.
قوله: ((بابٌ قَدْر كم بين السَّحورِ وصلاة الفجر)) أي: انتهاءِ السَّحور وإيتاء(١) الصلاة،
لأنَّ المراد تقديرُ الزّمان الذي تُرِكَ فيه الأكل، والمرادُ بفعل الصلاة أوَّلُ الشُّروع فيها، قاله
الزّينُ بنُ المنيِّر.
قوله: ((حدَّثنا هشامٌ)) هو الدَّستُوائي.
(١) تحرفت في (ع) إلى: ابتداء السحور وابتداء الصلاة، وجاء في (س): انتهاء السَّحور وابتداء الصلاة.
والمثبت من (أ) والقسطلاني.