Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ باب ١ / ح ١٨٠٦ - ١٨٠٩ أبواب المحصر وجزاء الصيد إسماعيل (١٨٠٨) عن جُوَيريةَ عن نافع أنَّ بعض بني عبد الله بن عمر قال له، فذكر الحديث. وظاهره أنَّه لنافع عن ابن عمر بغير واسطة، وقد عَقَّبَ البخاري روايةَ عبد الله برواية موسى ليُنبِّه على الاختلاف في ذلك، واقتَصَرَ في رواية موسى هنا على الإسناد، وساقه في المغازي (٤١٨٥) بتمامه. وقد رواه يحيى القطّانُ عن عُبيد الله بن عمر عن نافع كذلك، ولفظه: أنَّ عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلَّما عبد الله، فذكر الحديث، أخرجه مسلم (١٢٣٠/ ١٨١)، وقد أخرجه البخاري في المغازي (٤١٨٤) عن مُسدَّد عن يحيى مُختصَراً، قال فيه: عن نافع عن ابن عمر: أنَّه أهلّ، فذكر بعض الحديث. وفي قوله: عن نافع عن ابن عمر، دلالة على أنَّه لا واسطة بین نافع وابن عمر فيه كما هو ظاهر سياق مسلم، وأخرجه البخاري كما سيأتي بعد باب (١٨١٢) من طريق عمر بن محمد عن نافع مثل سياق يحيى عن عُبيد الله سواء، وأخرجه في المغازي (٤٢٥٢) من طريق فُلَيح، وفيما مضى من الحج من طريق أيوب والليث، كلهم عن نافع، وأعرَضَ مسلم عن تخريج طريق جُوَيريةَ، ووافق على تخريج طريق الليث وأيوب وعُبيد الله بن عمر (١٢٣٠ /١٨٢ و١٨٣)، وكذا أخرجه النَّسائي (٢٩٣٢ و٢٩٣٣) من طريق أيوب بن موسى وإسماعيل بن أُميَّة، كلهم عن نافع عن ابن عمر بغير واسطة. والذي يترجَّح في نَقدي: أنَّ ابنَي عبد الله أخبرا نافعاً بما كلَّما به أباهما وأشارا عليه به من التأخير ذلك العام، وأمَّا بقية القصَّة فشاهدها نافع وسمعها من ابن عمر لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئاً من ذلك من ابن عمر فقد عُرِفَ الواسطةُ بينهما، وهي وَلَدا عبد الله بن عمر: سالم وعبد الله، وهما ثقتان لا مَطعَن فيهما، ولم أرَ من نبَّه على ذلك من شُرّاح البخاري. ووقع في رواية جُوَيريةَ المذكورة: عُبيد الله بن عبد الله بالتصغير، وفي رواية يحيى القطّان المذكورة: عبد الله بالتكبير، وكذا في رواية عمر بن محمد عن نافع، قال البيهقي (٢١٦/٥): عبد الله - يعني مُكَبَّراً - أصحّ. قلت: وليس بمُستبعَدٍ أن يكون كلٌّ منهما كَلَّمَ ٦٢ باب ١ / ح ١٨٠٦ - ١٨٠٩ فتح الباري بشرح البخاري أباه في ذلك، ولعلَّ نافعاً حَضَرَ كلام عبد الله المكبَر مع أخيه سالم، ولم يَحَضُر كلام عُبيد الله المصغّر مع أخيه سالم أيضاً، بل أخبراه بذلك، فقَصَّ عن كلَّ ما انتهى إليه عِلمُه. قوله: ((مُعتَمِراً)) في ((الموطَّأ)) (١/ ٣٦٠) من هذا الوجه: خرج إلى مكَّة يريد الحج، فقال: إن صُدِدتُ ... فذكره، ولا اختلاف، فإنَّه خرج أوَّلاً يريد الحج، فلمَّا ذكروا له أمر الفِتنة أحرَمَ بالعمرة، ثمَّ قال: ما شأنهما إلَّا واحدٌ، فأضافَ إليها الحج فصار قارناً. قوله: ((في الفِتنة)) بَيَّنْه في رواية جُوَيريةَ (١٨٠٧) فقال: لياليَ نزل الجيش بابن الزُّبَير، وقد مضى في ((باب طواف القارن)) (١٦٤٠) من طريق الليث عن نافع بلفظ: حين نزل ٦/٤ الحجاج بابن الزُّبَير، ولمسلم (١٢٣٠/ ١٨١) في رواية/ يحيى القطّان المذكورة: حين نزل الحجاج لقتال ابن الزُّبَير، وقد تقدَّم في ((باب من اشترى هَديَه من الطريق)) (١٧٠٨) من رواية موسى بن عُقْبة عن نافع: أراد ابن عمر الحج عام حجِّ الحَرورية. وتقدَّم طريق الجمع بينه وبين رواية الباب. قوله: ((إن صُدِدتُ عن البيت)) هذا الكلام قاله جواباً لقول من قال له: إنّا نخاف أن يُحَالَ بينك وبين البيت، كما أوضحَته الروايةُ التي بعد هذه. قوله: ((كما صَنَعنا مع رسول الله وَّ)) في رواية موسى بن عُقْبة (١٧٠٨) فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، إذاً أصنَعَ كما صَنَعَ، زاد في رواية الليث (١٦٤٠) عن نافع في ((باب طواف القارن)): كما صَنَعَ رسول الله وَّوَ، ونحوه في رواية أيوب (١٦٣٩) عن نافع في ((باب طواف القارن)). قوله: ((فأهلَّ)) يعني ابن عمر، والمراد: أنَّه رَفَعَ صوته بالإهلال والتلبية، زاد في رواية جُوَيريةَ (١٨٠٧) التي بعد هذه: فقال: خرجنا مع النبي ◌ََّ، فحالَ كُفّار قُرَيش دونَ البيت، فَنَحَرَ النبيِ وَ لِّ هَدِيَه وحَلَقَ رأسه. قوله: ((من أجل أنَّ النبي ◌َّ كان أهلَّ بعمرةٍ عام الحُدَيبية)) قال النووي: معناه أنَّه أراد: إن صُدِدتُ عن البيت وأُحِصِرتُ تَحَلَّلت من العمرة كما تَحلَّلَ النبي وَلّ من العمرة، وقال ٦٣ باب ١ / ح ١٨٠٦ - ١٨٠٩ أبواب المحصر وجزاء الصيد عياض: يحتمل أنَّ المراد: أهلَّ بعمرةٍ كما أهلَّ النبيِ وَلِّ بعمرة، ويحتمل أنَّه أراد الأمرَينِ أي: من الإهلال والإحلال، وهو الأظهر. وتعقّبه النووي، وليس هو بمردود. قوله: ((بعمرة)) زاد في رواية جُوَيرية: من ذي الحُلَيفة، وفي رواية أيوب الماضية: فأهلَّ بالعمرة من الدّار، والمراد بالدّار: المنزل الذي نزله بذي الحُلَيفة، ويحتمل أن يُحمَل على الدّار التي بالمدينة، ويُجمع بأنَّه أهلَّ بالعمرة من داخل بيته، ثمَّ أعلَنَ بها وأظهَرَها بعد أن استقرَّ بذي الحُلَيفة. قوله: ((عام الحُدَيبية)) سيأتي بيان ذلك وشرحه في كتاب المغازي (٤١٨٣) إن شاء الله تعالى، وأوردَه المصنّف بعد بابين (١٨١٣) عن إسماعيل - وهو ابن أبي أويس - عن مالك، فزاد فيه: ثمَّ إنَّ عبد الله بن عمر نظرَ في أمره فقال: ما أمرهما إلَّا واحد، أي: الحج والعمرة فيما يتعلَّق بالإحصار والإحلال، فالتَّفَتَ إلى أصحابه فذكر القصَّة. وبيَّن في رواية جُوَيريةَ (١٨٠٧) أنَّ ذلك وقع بعد أن سار ساعة، وهو يُؤيِّد الاحتمالَ الأوَّل الماضي في أنَّ المراد بالدّار: المنزل الذي نزله بذي الحُلَيفة. ووقع في رواية الليث (١٦٤٠): أُشهِدكم أنّ قد أوجبتُ عمرة، ثمَّ خرج حتَّى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأنُ الحج والعمرة إلّا واحد. ولو كان إيجابُه العمرةَ من داره التي بالمدينة لكان ما بينها وبين ظاهر البَيداء أكثرَ من ساعة. قوله في رواية جويرية: ((فلم يَحِلّ منهما حتَّى حَلَّ يوم النَّحر)) زاد في رواية الليث: فنَحَرَ وحَلَقَ، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأوَّل. وهذا ظاهره أنَّه اكتَفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة، وهو مُشكِل. ووقع في رواية إسماعيل (١٨١٣) المذكورة: ثمَّ طافَ لهما طوافاً واحداً، ورأى أنَّ ذلك مُجُزِئ عنه، وقد تقدَّم البحث في ذلك في آخر ((باب طواف القارن)) (١٦٤٠). قوله في رواية جُوَبرية: ((أُشهِدكم أنّ قد أوجبت)) أي: ألزمت نفسي ذلك، وكأنَّه أراد تعليم من يريد الاقتداء به، وإلَّا فالتلفُّظ ليس بشرطٍ. ٦٤ باب ١ / ح ١٨٠٦ - ١٨٠٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وإن حِيلَ بيني وبينه)) أي: البيت، أي: مُنِعتُ من الوصول إليه لأطوفَ، تَحَلَّلت بعمل العمرة، وهذا يُبيِّن أنَّ المراد بقوله: ((ما أمرهما إلَّا واحد)) يعني: الحج والعمرة في جواز التحلُّل منهما بالإحصار، أو في إمكان الإحصار عن كلٍّ منهما، ويُؤْيِّد الثاني قوله في رواية يحيى القطّان المذكورة(١) بعد قوله: ما أمرهما إلَّا واحد: ((إن حِيلَ بيني وبين العمرة، حِيلَ بيني وبين الحج))، فكأنَّه رأى أوَّلاً أنَّ الإحصار عن الحج أشدّ من الإحصار عن العمرة لطول زمن الحج وكَثْرة أعماله، فاختار الإهلال بالعمرة، ثمَّ رأى أنَّ الإحصار بالحجِّ يفيد التحلُّل منه بعمل العمرة، فقال: ما أمرهما إلَّا واحد. وفيه: أنَّ الصحابة كانوا يستعملون القياس ويَحْتَجّونَ به. وفي هذا الحديث من الفوائد: أنَّ من أُحِصِرَ بالعدوِّ بأن مَنَعَه عن المضيِّ في نُسُكه، حجّاً ٧/٤ كان أو عمرة،/ جازَ له التحلَّل، بأن ينويَ ذلك ويَنحَر هَديه وتَحِلِق رأسه أو يُقصِّر منه. وفيه: جواز إدخال الحج على العمرة، وهو قول الجمهور، لكنَّ شرطه عند الأكثر أن يكون قبل الشُّروع في طواف العمرة، وقيل: إن كان قبل مُضي أربعة أشواط صَحّ، وهو قول الحنفيَّة، وقيل: بعد تمام الطَّواف، وهو قول المالكية، ونقل ابن عبد البَرِّ أنَّ أبا ثَور شَذَّ فمَنَعَ إدخال الحج على العمرة قياساً على منع إدخال العمرة على الحج. وفيه: أنَّ القارن يَقتِصِرِ على طواف واحد، وقد تقدَّم البحث فيه في بابه (١٦٣٨). وفيه: أنَّ القارن يُهدِي، وشَذَّ ابن حَزْم فقال: لا هَديَ على القارن. وفيه: جواز الخروج إلى النُّسُك في الطريق المظنون خوفُه إذا رَجَى السلامة، قاله ابن عبد البَرِّ. قوله في رواية موسى بن إسماعيل (١٨٠٨): ((أنَّ بعض بني عبد الله)) قد تقدَّم اسمه في الرواية التي قبلها وأنَّه سالم بن عبد الله أو أخوه عُبيد الله أو عبد الله، ولم يَظهَر لي مَن الذي توَلّ مُخاطَبتَه منهم. تنبيه: وقع في رواية القَعْنبي عن مالك في أوَّل أحاديث الباب في آخر قصَّة ابن عمر (١) عند مسلم (١٢٣٠) (١٨١). ٦٥ باب ١ / ح ١٨٠٦ - ١٨٠٩ أبواب المحصر وجزاء الصيد زيادة، وهي: ((وأهدى شاة)) قال ابن عبد البَرِّ: هي زيادة غير محفوظة، لأنَّ ابن عمر كان يُفسِّرِ ((ما استَيسَرَ من الھَدي)): بأنَّه بَدَنة دون بَدَنة، أو بقرة دون بقرة، فکیف یُهدي شاة؟! قوله في حديث ابن عباس (١٨٠٩) في آخر الباب: ((حدَّثنا محمد)) كذا في جميع الروايات غير منسوب، فجَزَمَ الحاكم: بأنَّه محمد بن يحيى الذُّهلي، وأبو مسعود: بأنَّه محمد بن مسلم ابن وارة، وذكر الكلاباذي عن ابن أبي سعيد: أنَّه أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، وذكر أنَّه رآه في أصلِ عَتِيق، ويُؤيِّده أنَّ الحديث وُجِدَ من حديثه عن يحيى بن صالح المذكور، كذلك أخرجه الإسماعيلي وأبو نُعيم في ((مُستخرَجَيهما)) من طريق أبي حاتم، ورواية البخاري عنه من باب المُدَّج، فإنه روى عن البخاري(١). قلت: ويحتمل أن يكون هو محمد بن إسحاق الصَّغَاني، فقد وجدتُ الحديث من روايته عن يحيى بن صالح کما سأذكره. قوله: ((عن عِكْرمة قال: فقال ابن عبّاس)) هكذا رأيته في جميع النُّسَخ، وهو يقتضي سَبْقَ كلام يَعقُبه قوله: ((فقال ابن عبّاس))، ولم يُنبِّه عليه أحدٌ من شُرّاح هذا الكتاب ولا بيَّنَه الإسماعيلي ولا أبو نُعيم، لأنهما اقتَصَرا من الحديث على ما أخرجه البخاري، وقد بحثت عنه إلى أن يَسَّرَ الله بالوقوف عليه، فقرأت في ((كتاب الصحابة)) لابن السَّكَن، قال: حدَّثني هارون بن عيسى، حدَّثنا الصَّغاني - هو محمد بن إسحاق أحد شيوخ مسلم - حدَّثنا يحيى ابن صالح حدَّثنا معاوية بن سلّام عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت عِكْرمة فقال: قال عبد الله بن رافع مولى أُمّ سَلَمة: إنَّها سألت الحجاجَ بن عَمْرو الأنصاري عمَّن حُبِسَ وهو مُحُرِمِ، فقال: قال رسول الله وَّهِ: ((من عَرَجَ أو كُسِرَ أو حُبِسَ فليُجزِئ(٢) مثلَها وهو في (١) تحرفت هذه العبارة في (س) إلى: ((ورواية البخاري عنه في باب الذبح فإنه روى عنه البخاري)) وهو خطأ فادح، والصواب ما أثبتناه من الأصلين. والمدَّج: هو رواية الأقران سناً وسنداً، فمتى روى كلٌّ منهما عن الآخر سمي مدبجاً، كأبي هريرة وعائشة، والزهري وعمر بن عبد العزيز، ومالك والأوزاعي، وأحمد بن حنبل وعلي ابن المديني. (٢) فليُجزىء مِن أجزاً، ووقع في بعض المصادر: فلَيَجْزِ مِن جَزَى، وهما بمعنى: فليقضٍ، كما نقل الأخفش = ٦٦ باب ١ / ح ١٨٠٦ - ١٨٠٩ فتح الباري بشرح البخاري حِلٌّ))، قال فحدَّثتُ به أبا هريرة فقال: صَدَق، وحدَّثته ابنَ عبَّاس فقال: قد أُحِصِرَ رسول الله وَ﴿ فَحَلَقَ ونَحَرَ هَدْيه وجامع نساءَه، حتَّى اعتمَرَ عاماً قابلاً. فعُرِفَ بهذا السِّياق القَدرُ الذي حَذَفَه البخاري من هذا الحديث. والسبب في حذفه: أنَّ الزائد ليس على شرطه، لأنه قد اختُلِفَ في حديث الحجاج بن عَمْرو على يحيى بن أبي كثير عن عِكْرمة، مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري، فأخرجه أصحاب ((السُّنن)) (١) وابن خُزيمة والدّار قُطني (٢٦٩٢)، والحاكم (١/ ٤٧٠) من طرق عن الحجاج الصَّاف عن يحيى عن عِكْرمة عن الحجاج به، وقال في آخره: قال عِكْرمة: فسألت أبا هريرة وابن عبّاس فقالا: صَدَقَ. ووقع في رواية يحيى القطّان وغيره في سياقه: سمعت الحجاج، وأخرجه أبو داود (١٨٦٣) والتِّرمِذي (٩٤٠) من طريق مَعمَر عن يحيى عن عِكْرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج، قال التُّرمِذي: وتابع مَعمَراً على زيادة عبد الله بن رافع معاويةُ بن سلّام، وسمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: رواية معمر ومعاوية أصحّ، انتھی. فاقتَصَرَ البخاري على ما هو من شرط كتابه، مع أنَّ الذي حَذَفَه ليس بعيداً من الصِّحّة، ٨/٤ فإنَّه إن كان عِكْرمةُ سمعه من الحجاج بن عَمْرو فذاك، وإلَّا فالواسطة بينهما/ - وهو عبد الله بن رافع - ثقة، وإن كان البخاري لم يُرِّج له. وبهذا الحديث احتَجَّ من قال: لا فَرقَ بين الإحصار بالعدوِّ وبغيره، كما تقدَّمتِ الإشارة إليه، واستدلَّ به على أنَّ من تَحَلَّل بالإحصار وَجَبَ عليه قضاء ما تَحَلَّل منه، وهو ظاهر الحديث، وقال الجمهور: لا يجب، وبه قال الحنفيَّة، وعن أحمد روايتان. وسيأتي البحث فيه بعد بابين إن شاء الله تعالى. = فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم. انظر ((المصباح المنير)) ص٩١ طبعة مؤسسة الرسالة. (١) أخرجه أبو داود (١٨٦٢)، وابن ماجه (٣٠٧٧)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي (٢٨٦٠)، وابن خزيمة كما في «إتحاف المهرة)) لابن حجر ٢٠٧/٤. ٦٧ باب ٢ / ح ١٨١٠ أبواب المحصر وجزاء الصيد ٢- باب الإحصار في الحجّ ١٨١٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونس، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني سالمٌ قال: كان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يقول: أليس حَسبُكم سُنّةَ رسولِ الله وَّهِ؛ إن حُبِسَ أحدُكم عن الحجِّ طافَ بالبيت وبِالصَّفا والمروةِ، ثمَّ حَلَّ من كلِّ شيءٍ حَتَّى يحجَّ عاماً قابلاً، فيُهدِي أو يصومُ إن لم يَجِدْ هَذْياً. ١٨١٠ م- وعن عبد الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريّ، نحوَه. قوله: ((باب الإحصار في الحج)) قال ابن المنيِر في الحاشية: أشار البخاري إلى أنَّ الإحصار في عهد النبي ◌َّ- إنَّما وقع في العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق بنفي الفارق، وهو من أقوى الأقيسة. قلت: وهذا ينبني على أنَّ مراد ابن عمر بقوله: (سُنّة نبيكم)): قياس من يَحَصُّل له الإحصار وهو حاجٌ على من يَحصُل له في الاعتمار، لأنَّ الذي وقع للنبي ◌ّه هو الإحصار عن العمرة، ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقوله: ((سُنّة نبيكم)) وبما بَّنْه بعد ذلك: شيئاً سمعه من النبي ◌ِّ في حقّ من يَحصُل له ذلك وهو حاجٌ، والله أعلم. قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك، ويونس: هو ابن يزيد، وقد عَقَّبَ المصنّف هذا الحديث بأن قال: ((وعن عبد الله أخبرنا مَعمَر عن الزُّهْري نحوه))، وهو معطوف على الإسناد الأوَّل، فكأنَّ ابن المبارك كان يُحدِّث به تارةً عن يونس وتارةً عن معمر، وليس هو بُمُعلَّق كما اذَّعاه بعضهم. وقد أخرجه التِّرمِذي عن أبي كُرَيب(١) عن ابن المبارَك عن مَعمَر، ولفظه: أنَّه كان يُنكِرِ الاشتراط ويقول: أليس حَسبُكم سُنّة نبيِّكم؟ وهكذا أخرجه الدّار قُطني (٢٤٩٠) من طريق الحسن بن عَرَفة، والإسماعيلي من طريقه ومن طريق أحمد (١) كذا قال الحافظ: ((عن أبي كريب)) وهو وهمٌ منه رحمه الله، فلم يخرجه الترمذي عن أبي کریب، وإنما أخرجه (٩٤٢) عن أحمد بن منيع، عن ابن المبارك، بهذا الإسناد. وكذا هو في ((تحفة الأشراف)) للحافظ المِّي (٦٩٣٧). ٦٨ باب ٢ / ح ١٨١٠ فتح الباري بشرح البخاري ابن مَنِيع وغيره، كلهم عن ابن المبارك، وكذا أخرجه عبد الرزاق وأحمد (٤٨٨١) عنه عن مَعمَر، مُقتصِراً على هذا القَدْر، وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن عبد الرزاق بتمامه، وكذا أخرجه النَّسائي (٢٧٧٠). وأمَّا إنكار ابن عمر الاشتراط فثابت في رواية يونس أيضاً، إلَّا أنَّه حُذِفَ في رواية البخاري هذه، فأخرجه البيهقي (٢٢٣/٥) من طريق السَّاج عن أبي كُرَيب عن ابن المبارَك عن يونس، وأخرجه النَّسائي (٢٧٦٩) والإسماعيلي من طريق ابن وَهْب عن يونس، وأشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عبّاس. قال البيهقي: لو بَلَغَ ابنَ عمر حديثُ ضُبَاعة في الاشتراط لقال به. وقد أخرجه الشافعي (٢/ ١٧٢) عن ابن عُيَينةَ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه: أنَّ رسول الله وَ له مَرَّ بضُباعة بنت الزُّبَير فقال: ((أمَا تُريدينَ الحج؟)) فقالت: إني شاكية، فقال لها: ((حُجّي واشترطي أن مَحِلِي حيثُ حَبَستَنِي))، قال الشافعي: لو ثبت حديث عُرْوة لم أعْدُهُ إلى غيره، لأنه لا يَحِلّ عندي خلاف ما ثبت ٩/٤ عن رسول الله وَ لخير./ قال البيهقي (٢٢١/٥): قد ثبت هذا الحديث من أوجُه عن النبي وَلَ﴿، ثمَّ ساقه من طريق عبد الجبّار بن العلاء عن ابن عُيَينة موصولاً بذِكر عائشة فيه، وقال: وقد وَصَله عبد الجبّار وهو ثقة. قال: وقد وَصَلَه أبو أسامة ومَعمَر كلاهما عن هشام. ثمَّ ساقه من طريق أبي أسامة، وقال: أخرجه الشيخان من طريق أبي أسامة. قلت: وطريق أبي أسامة أخرجها البخاري في كتاب النكاح (٥٠٨٩) ولم يُخْرِجها في الحج، بل حَذَفَ منه ذِکرَ الاشتراط أصلاً؛ إثباتاً كما في حديث عائشة، ونفیاً كما في حديث ابن عمر. وأمَّا رواية مَعمَر التي أشار إليها البيهقي فأخرجها أحمد (٢٥٣٠٨) عن عبد الرزاق، ومسلم (١٢٠٧/ ١٠٥) من طريق عبد الرزاق عن مَعمَر عن هشام والزّهْري - فَرَّقَهما - كلاهما عن عُرْوة عن عائشة. ولقصَّة ضُبَاعة شواهدُ، منها: حديث ابن عبّاس أنَّ ضُباعة بنت الزُّبَير بن عبد المطَّلِب أتت رسول الله ﴿ فقالت: إنِّي امرأة ثقيلة - أي في الضَّعف - وإنِي أُريد الحج، فما تأمرُني؟ ٦٩ باب ٢ / ح ١٨١٠ أبواب المحصر وجزاء الصيد قال: ((أمِلّي بالحج، واشترطي أنَّ مَحِّي حيثُ تَحبِسني)) قال: فأدرَكَت. أخرجه مسلم (١٢٠٨) وأصحاب ((السُّنن))(١) والبيهقي (٢٢١/٥) من طرق عن ابن عبّاس. قال التِّرمِذي: وفي الباب عن جابر وأسماء بنت أبي بكر. قلت: وعن ضُبَاعة نفسها وعن سُعدی بنت عوف، وأسانيدها كلّها قوية. وصَحَّ القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعليّ وعَّر وابن مسعود وعائشة وأُمّ سَلَمة وغيرهم من الصحابة، ولم يَصِحَّ إنكاره عن أحد من الصحابة إلَّا عن ابن عمر، ووافقه جماعة من التابعين ومَن بعدَهم من الحنفيّة والمالكية، وحكى عياض عن الأَصِيلي قال: لا يَثْبُت في الاشتراط إسناد صحيح، قال عياض: وقد قال النَّسائي: لا أعلم أسندَه عن الزُّهْري غير مَعمَر. وتعقَّبه النووي بأنَّ الذي قاله غَلَط فاحش، لأنَّ الحديث مشهور صحيح من طرق متعدِّدة. انتهى، وقول النَّسائي لا يَلزَم منه تضعيف طريق الزّهْري التي تفرّد بها مَعمَر فضلاً عن بقية الطُّرق؛ لأنَّ مَعمَراً ثقة حافظ فلا يَضُرّه التفُّد، كيف وقد وُجِدَ لِمَا رواه شواهدُ كثيرة؟! قوله: «ألیس حَسُکم سُنّة رسول الله ێ، إن ◌ُبِسَ أحدكم عن الحجّ طاف)) قال عياض: ضبطناه ((سُنّة)» بالنَّصب على الاختصاص أو على إضمار فعل، أي: تمسّكوا وشِبهه، وخبر (حَسبُكم)) في قوله: طافَ بالبيت، ويَصِحّ الرفع على أنَّ ((سُنّة)) خبر ((حَسبُكم))، أو الفاعل بمعنى الفعل فيه، ويكون ما بعدها تفسيراً للسُّنّة. وقال السُّهَيلي: من نَصَبَ («سُنّة)» فإنَّه بإضمار الأمر، كأنَّه قال: الزَموا سُنّة نبيكم، وقد قَدَّمت البحث فيه. قوله: «طاف بالبيت» أي: إذا أمگنَه ذلك، وقد وقع في رواية عبد الرزاق: إِن خَبَسَ أحداً منكم حابسٌ عن البيت فإذا وصَلَ إليه طافَ به ... الحديث. والذي تَحصَّل من الاشتراط في الحج والعمرة أقوال: أحدها: مشروعيته، ثمَّ اختلف من قال به، فقيل: واجب لظاهر الأمر، وهو قول الظاهرية، وقيل: مُستحَبّ، وهو قول (١) أبو داود (١٧٧٦)، والترمذي (٩٤١)، وابن ماجه (٢٩٣٨)، والنسائي (٢٧٦٦) و(٢٧٦٧). ٧٠ باب ٣ / ح ١٨١١ - ١٨١٢ فتح الباري بشرح البخاري أحمد، وغَلِطَ من حكى عنه إنكارَه، وقيل: جائز، وهو المشهور عند الشافعية وقَطَعَ به الشيخ أبو حامد، والحقُّ أنَّ الشافعي نَصَّ عليه في القديم، وعَلَّقَ القولَ بصِخَّته في الجديد، فصار الصحيح عنه القولَ به، وبذلك جَزَمَ الِّرمِذي عنه، وهو أحد المواضع التي عَلَّقَ القولَ بها على صِحّة الحديث، وقد جمعتُها في كتاب مُفرَد مع الكلام على تلك الأحاديث. والذين أنكَروا مشروعية الاشتراط أجابوا عن حديث ضُبَاعة بأجوبةٍ، منها: أنَّه خاصٌّ بضُبَاعة، حكاه الخطَّابي، ثمَّ الرُّوياني من الشافعية، قال النووي: وهو تأويل باطل. وقيل: معناه مَحِلّي حيثُ حَبَسَني الموتُ، أي: إذا أدرَكَتني الوفاة انقَطَعَ إحرامي، حكاه إمام الحرمين، وأنكَرَه النووي، وقال: إنَّه ظاهر الفساد. وقيل: إنَّ الشَّرط خاصّ بالتحُّل من العمرة لا من الحج، حكاه المحِبّ الطَّبري، وقصَّة ضُبَاعة تَرُدّه كما تقدَّم من سياق مسلم، وقد أطنَبَ ابن خَزْم في التعقّب على من أنكَرَ الاشتراط بما لا مَزيد عليه، وسيأتي الكلام على بقية حديث ضُبَاعة في الاشتراط، حيثُ ذكره المصنّف في كتاب النكاح (٥٠٨٩) إن شاء الله تعالى. ٣- باب النّحر قبل الحلق في الحصر ١٠/٤ ١٨١١ - حدَّثْنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوةَ، عن المِسوَرِ عَلُّه: أنَّ رسولَ اللهِ وََّ نَحَرَ قبلَ أن يَحِلِقَ، وَأُمَرَ أصحابَه بذلك. ١٨١٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبد الرحيمِ، أخبرنا أبو بدرٍ شُجاعُ بنُ الوليدِ، عن عمرَ بنِ محمَّدٍ العُمَرِيِّ قال: وحدَّثَ نافعٌ: أنَّ عبد الله وسالماً كَلَّما عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما فقال: خَرَجنا مع النبيِّ ◌َِّ مُعتَمِرِينَ، فحالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ دونَ البيت، فَتَحَرَ رسولُ اللهِ وَِّ بُدْنَه وحَلَقَ رأسه. قوله: ((باب النَّحر قبل الحلق في الحصر)) ذكر فيه حديث المِسوَر: أَنَّ رسول الله،وَلَهَ نَحَرَ قبل أن يَحِلِقِ وأمَرَ أصحابه بذلك، وهذا طرف من الحديث الطّويل الذي أخرجه المصنِّف في الشُّروط (٢٧٣١) من الوجه المذكور هنا، ولفظه في أواخر الحديث: فلمَّا فَرَغَ من قضية ٧١ باب ٣-٤ / ح ١٨١١ - ١٨١٢ أبواب المحصر وجزاء الصيد الكتاب قال رسول الله وَله لأصحابه: ((قوموا فانحَروا، ثمَّ احلقوا»، فذكر بقية الحديث، وفيه قول أُمّ سَلَمة للنبي ◌ِِّ: اخرُجْ، ثمَّ لا تُكلِّم أحداً منهم كلمة حتَّى تَنحَر بُدنَك، فخرج فنَحَرَ بُدنَه، ودَعَا حالقه فحَلَقَه، وعُرِفَ بهذا أنَّ المصنّف أوردَ القدرَ المذكور هنا بالمعنى، وأشار بقوله في الترجمة: ((في الحصر)) إلى أنَّ هذا الترتيب يختصّ بحال من أُحِصِر، وقد تقدَّم أنَّه لا يجب في حال الاختيار في ((باب إذا رَمى بعدَما أمسى أو حَلَقَ قبل أن يذبح)) (١٧٣٤). ولم يتعرَّض المصنّف لما يجب على من حَلَقَ قبل أن ینحر، وقد روى ابن أبي شيبة (٣/ ٦٩١) من طريق الأعمش عن إبراهيم عن عَلْقمة قال: عليه دَمٌّ. قال إبراهيم: وحدَّثني سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس مثلَه. ثُمَّ أوردَ المصنّف حديث ابن عمر الماضي قبل بابٍ (١٨٠٧) مُختصَراً، وفيه: فنَحَرَ بُدنَه وحَلَقَ رأسه، وقد أوردَه البيهقي (٢١٦/٥) من طريق أبي بدر شُجاع بن الوليد - وهو الذي أخرجه البخاري من طريقه بإسناده المذكور - ولفظه: أنَّ عبد الله بن عبد الله وسالم ابن عبد الله كلَّما عبد الله بن عمر لياليَ نزل الحجاج بابن الزُّبَير، وقالا: لا يَضُرّك أن لا تحجّ العامَ، إنّا نخاف أن يُحال بينك وبين البيت، فقال: خرجنا ... فذكر مثل سياق البخاري، وزاد في آخره: ثمَّ رَجَعَ، وكذا ساقه الإسماعيلي من طريق أبي بدر إلّا أنَّه لم يَذكُر القصّة التي في أوَّله، وساقه من طريق أُخرى عن أبي بدر أيضاً فقال فيها: عن ابن عمر أنَّه قال: إِن حيلَ بيني وبين البيت فعلتُ كما فعلَ رسول اللهِ وَالتِ وأنا معه، فأهلَّ بالعمرة ... الحديث. قال ابن التيمي: ذهب مالك إلى أنَّه لا هَذْي على المحصَر، والحُجّة عليه هذا الحديث؛ لأنه نُقِلَ فيه حُكم وسبب، فالسبب الحصر، والحكم النَّحر، فاقتضى الظاهر تَعَلُّق الحكم بذلك السبب، والله أعلم. ٤ - باب من قال: ليس على المحصَر بدلٌ وقال رَوحٌ، عن شِبٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: إنّما ٧٢ باب ٤ / ح ١٨١٣ فتح الباري بشرح البخاري البَدَلُ على مَن نَقَض حجَّه بالتَّكَذُّذِ، فأمَّا مَن حَبَسَه عُذرٌ أو غيرُ ذلك، فإنَّه يَحِلُّ ولا يَرجِعُ، وإن كان معه هَديٌّ وهو مُحَصَرٌ نَحَرَه إن كان لا يستطيعُ أن يَبعَثَ به، وإنِ استَطاع أن يَبعَثَ به لم يَجِلَّ حتَّى يَبْلُغَ الهَدِيُ مَحِلَّه. ١١/٤ وقال مالكٌ وغيرُه: يَنحَرُ هَديَه ويَحلِقُ في أيِّ موضعٍ كان، ولا قضاءَ عليه؛ لأنَّ النبيَّ ◌َه وأصحابَه بالحُدَيِيَة نَحَروا وحَلَقوا وحَلّوا من كلِّ شيءٍ قبلَ الطَّواف، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدِيُّ إلى البيت، ثمَّ لم يُذكَر أنَّ النبيَّ وَِّ أُمَرَ أحداً أن يَقضُوا شيئاً ولا يعودوا له، والحُدَيِيَّةُ خارجٌ من الحَرَم. ١٨١٣ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ: أنَّ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما قال حين خرج إلى مكَّةَ مُعتَمِراً في الفِتنةِ: إن صُدِدتُ عن البيت صَنَعنا كما صَنَعنا مع رسولِ الله وَّةٍ، فأهلَّ بعمرةٍ من أجل أنَّ النبيَّ وَّهَ كان أهلَّ بعمرةٍ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ثمَّ إنَّ عبد الله بنَ عمرَ نظرَ في أمرِه، فقال: ما أمرُهما إلَّ واحدٌ، فالتَفَتَ إلى أصحابه فقال: ما أمرُهما إِلَّا واحدٌ، أُشهِدُكم أنّ قد أو جَبتُ الحَجَّ مع العمرةِ، ثمَّ طافَ لهما طوافاً واحداً، ورأى أنَّ ذلك مُجزئٌ عنه، وأهدى. قوله: ((باب من قال: ليس على المحصَر بَدَل)) بفتح الموحّدة والمهمَلة، أي: قضاء لمَا أحُصِرَ فيه من حجّ أو عمرة، وهذا هو قول الجمهور كما تقدَّم قريباً. قوله: ((وقال روح)) يعني ابن عُبادة، وهذا التعليق وَصَله إسحاق بن راهويه في ((تفسيره)) عن روح، بهذا الإسناد، وهو موقوف على ابن عبّاس، ومراده بالتلَذُّذِ - وهو بِمُعْجَمْتَيْنِ -: الجِماع. وقوله: ((حَبَسَه عُذْر)) كذا للأكثر بضمِّ المهمَلة وسكون المعجمة بعدها راء، ولأبي ذرٍّ: حبسه عدوّ، بفتح أوَّله وفي آخره واو. وقوله: ((أو غيرُ ذلك)) أي: من مرضٍ أو نَفادِ نَفَقة، وقد وَرَدَ عن ابن عبّاس نحو هذا بإسناد آخر، أخرجه ابن جَرِير من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، وفيه: فإن كانت حجَّةً ٧٣ باب ٤ / ح ١٨١٣ أبواب المحصر وجزاء الصيد الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه. وقوله: ((وإن استطاع أن يَبعَث به لم يَحِلَّ حتَّى يَبلُغ الهَدْي ◌َحِلّه)) هذه مسألة اختلاف بين الصحابة ومن بعدهم، فقال الجمهور: يَذْبَح المحصَرُ الهَدي حيثُ يَحِلّ سواء كان في الحِلّ أو في الحرم، وقال أبو حنيفة: لا يَذبحہ إلَّا في الحَرَم، وفَصَّلَ آخرون کما قاله ابن عبّاس هنا، وهو المعتمد. وسبب اختلافهم في ذلك هل نَحَرَ النبيِ وَِّ الهَدي بالحُدَيبية في الحِلّ أو في الحَرَم؟ فكان عطاء يقول: لم يَنحَر يوم الحُدَيبية إلَّا في الحَرَم، ووافقه ابن إسحاق، وقال غيره من أهل المغازي: إنَّمَا نَحَرَ في الِحِلّ. وروى يعقوب بن سفيان من طريق مُجُمِّع بن يعقوب عن أبيه قال: لمَّا حُبِسَ رسول الله وَ له وأصحابه نَحَروا بالحُدَيبية وحَلَقوا، وبَعَثَ الله ريحاً فحَمَّلَت شُعورَهم فألقَتها في الحَرَم. قال ابن عبد البَرِّ في ((الاستذكار)): فهذا يدلّ على أَّهم حَلَقوا في الحِلّ. قلت: ولا يخفى ما فيه، فإنَّه لا يَلزَم من كونهم ما حَلَقوا في الحَرَم لمنعِهم من دخوله أن لا يكونوا أرسَلوا الهَدي مع مَن نَحَرَه في الحَرَم، وقد وَرَدَ ذلك في حديث ناجية بن جُندُب الأسلمي: قلت: يا رسول الله، ابعَثْ معي بالهَدْي حتَّى أنحَرَه في الحَرَم، ففَعَلَ، أخرجه النَّسائي (ك٤١٢١) من طريق إسرائيل عن مَجَزَأة بن زاهر عن ناجية، وأخرجه الطَّحاوي (٢/ ٢٤٢) من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال: عن ناجية عن أبيه. لكن لا يَلزَم من وقوع هذا وجوبُه، بل ظاهر القصَّة أنَّ أكثرهم نَحَرَ في مكانه، وكانوا في الحِلّ وذلك دالٌ على الجواز، والله أعلم. قوله: (وقال مالك وغيره)) هو مذكور في ((الموطَّأ)) (١/ ٣٦٠) ولفظه: أنَّه بَلَغَه أنَّ رسول الله وَل﴿ حَلَّ هو وأصحابه بالحُدَيبية، فتَحَروا الهَدْي وحَلَقوا رُؤوسَهم، وحَلّوا من كلّ شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يَصِل إليه الهدي. ثمَّ لم نعلم أنَّ رسول الله وَله أمَرَ أحداً من أصحابه ولا مَمَّن كان معه أن يَقضُوا شيئاً، ولا أن يعودوا لشيءٍ. وسُئِلَ مالك عمَّن أُحِصِرَ بعدوٍّ، فقال: يَحِلّ من كلّ شيء ويَنحَرِ هَذْيه ويَحِلِقِ رأسه حيثُ حُبِسَ، ٧٤ باب ٤ / ح ١٨١٣ فتح الباري بشرح البخاري وليس عليه قضاء. ١٢/٤ وأمَّا قول البخاري: ((وغيره)) فالذي يَظهَر لي أنَّه عَنَى به الشافعيَّ، لأنَّ قوله في آخره: والحُدَيبية خارج الحَرَم، هو من كلام الشافعي في ((الأُمّ)، وعنه: أنَّ بعضها في الحِلّ وبعضها في الحَرَم، لكن إنَّمَا نَحَرَ رسول الله وَّه في الحِلّ، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَصَذُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْخَدَّىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، قال: ومَحِلّ الهَدْي عند أهل العلم الحَرَمُ، وقد أخبر الله تعالى أنَّهم صَدّوهم عن ذلك. قال: فحيثُ ما أُحِصِرَ ذَبَحَ وحَلّ، ولا قضاءَ عليه من قِبل أنَّ الله تعالى لم يَذكُر قضاء، والذي أعقِله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرتُ، لأنَّا عَلِمنا من متواطئ أحاديثهم أنَّه كان معه عام الحُدَيبية رجال معروفون، ثمَّ اعتمَرَ عمرة القضية فتَخلَّفَ بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال، ولو لَزِمَهم القضاء لأمرهم بأن لا يَتخلَّفوا عنه. وقال في موضع آخر: إنَّما سُمّيت عمرةَ القضاء والقضيّة للمُقاضاة التي وَقَعَت بين النبي ◌َّ وبين قُرَيش، لا على أَّهم وَجَبَ عليهم قضاء تلك العمرة. انتهى، وقد روى الواقدي في ((المغازي)) من طريق الزُّهْري ومن طريق أبي مَعشَر وغيرهما قالوا: أمَرَ رسول الله بَّ هِ أصحابه أن يَعتَمِروا فلم يَتَخلَّف منهم إلَّا من قُتِلَ بخَيْبر أو مات، وخرج معه جماعة مُعتَمِرين ممَّن لم يشهد الحُدَيبية، وكانت عِدَّتهم ألفين. ويُمكِن الجمع بين هذا - إن صَحَّ - وبين الذي قبله بأنَّ الأمر كان على طريق الاستحباب، لأنَّ الشافعي جازم بأنَّ جماعة تَخَلَّفوا بغير عُذْر، وقد روى الواقدي أيضاً من حديث ابن عمر قال: لم تكن هذه العمرة قضاء، ولكن كان شرطاً على قُرَيش أن يَعتَمِر المسلمونَ من قابل في الشهر الذي صَدَّهم المشرِكونَ فیه. قوله: (ثمَّ طافَ لهما)) أي: للحج والعمرة، وهذا يخالف قول الكوفيين: إنَّه يجب لهما طوافان. قوله: ((ورأى أنَّ ذلك مُجْزِئ عنه)) كذا لأبي ذرٍّ وغيره بالرفع على أنَّه خبر ((أنّ)، ووقع في ٧٥ باب ٥ / ح ١٨١٤ أبواب المحصر وجزاء الصيد رواية كَرِيمة: ((مُجزئاً)) فقيل: هو على لغة من يَنصِب بـ((أنَّ) المبتَدَأَ والخبرَ، أو هي خبر (كان)) المحذوفة، والذي عندي أنَّه من خطأ الكاتب، فإنَّ أصحاب ((الموطَّأ)) اتَّفَقوا على روايته بالرفع على الصواب. ٥- باب قول الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِ يضًا أَوْ بِهَِ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهو مُخُيَّرٌ، فَأَمَّا الصومُ فثلاثةُ أيامِ ١٨١٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن مُحميد بنِ قيسٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كعبٍ بنِ عُجْرة ◌ُه، عن رسولِ اللهِ وَّهِ أَنَّه قال: ((لعلَّكَ آذاكَ هَوامُّكَ؟)) قال: نعم يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله وَّ: ((احلِقْ رأسَكَ، وصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِم ◌ِسِتَّ مساكِينَ، أوِ انسُكْ بشاةٍ)). [أطرافه في: ١٨١٥، ١٨١٦، ١٨١٧، ١٨١٨، ٤١٥٩، ٤١٩٠، ٤١٩١، ٤٥١٧، ٥٦٦٥، ٥٧٠٣، ٦٧٠٨] قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهَِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ مِّن ◌ِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ ◌ُكٍ﴾ وهو مُخُيَّر، فأمَّا الصوم فثلاثة أيام)) أي: باب تفسير قوله تعالى كذا، وقوله: (ُخيَّ)) من كلام المصنِّ استفاده من ((أو)) المكرَّرة، وقد أشار إلى ذلك في أوَّل ((باب كفَّارات الأيمان)) فقال: وقد خَيَّرَ النبيِِّكعباً في الفِدْية، ويُذكَر عن ابن عبَّاس وعطاء وعِكْرمة: ما كان في القرآن ((أو)) فصاحبه بالخِيار. وسيأتي ذِكرُ من وَصَلَ هذه الآثار هناك، وأقرب ما وقفتُ عليه من طرق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود (١٨٥٧) من طريق الشَّعبي/ عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عُجْرة: أنَّ النبي ◌ٍِّ قال له: ((إن شئت ١٣/٤ فانسُْ نَسِيكة، وإن شئت فصُمْ ثلاثة أيام، وإِنَّ شئت فأطعِمْ)) الحديث. وفي رواية مالك في ((الموطَّأ)) (٤١٧/١) عن عبد الكريم بإسناده في آخر الحديث: ((أيَّ ذلك فعلتَ أجزاً»، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. وقوله: ((فأمَّا الصوم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((الصيام))، والصيام المطلَق في الآية مُقيّد بما ٧٦ باب ٥ / ح ١٨١٤ فتح الباري بشرح البخاري ثبت في الحديث بالثلاث. قال ابن التِّين وغيره: جعل الشارع هنا صومَ يوم مُعادَلاً بصاع، وفي الفِطْر من رمضان عَدْل مُدِّ، وكذا في الظُّهَار والجِماع في رمضان، وفي كفَّارة اليمين بثلاثة أمداد وثُلُث، وفي ذلك أقوى دليل على أنَّ القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات. وقَسِيم قوله: ((فأمَّا الصوم)) محذوف تقديره: وأمَّا الصَّدَقة فهي إطعام ستّة مساكين. وقد أفرَدَ ذلك بترجمةٍ(١). قوله: ((عن مُميد بن قيس)) في رواية أشهَب عن مالك: أنَّ حميدَ بن قيس حدَّثَه، أخرجها الدّار قُطني في ((الموطَّآت)). قوله: ((مجاهد عن عبد الرحمن)) صَرَّحَ سَيفٌ عن مجاهد بسماعه من عبد الرحمن، وبأنَّ كعباً حدَّثَ عبد الرحمن، كما في الباب الذي يليه (١٨١٥). قال ابن عبد البَرِّ في رواية حميد ابن قيس هذه: كذا رواه الأكثر عن مالك، ورواه ابن وَهْب وابن القاسم وابن عُفَير، عن مالك بإسقاط عبد الرحمن بين مجاهد وكعب بن عُجْرة. قلت: ولمالك فيه إسنادان آخران في ((الموطَّأ): أحدهما: عن عبد الكريم الجَزَري عن مجاهد، وفي سياقه ما ليس في سياق حميد بن قيس، وقد اختُلِفَ فيه على مالك أيضاً على العكس ممّا اختُلِفَ فيه على طريق حميد بن قيس، قال الدّار قطني: رواه أصحاب ((الموطَّا)) عن مالك عن عبد الكريم عن عبد الرحمن لم يَذْكُرُوا مجاهداً، حتَّى قال الشافعي: إنَّ مالكاً وَهِمَ فيه، وأجاب ابن عبد البَرِّ: بأنَّ ابن القاسم وابن وَهْب في ((الموطَّأ)»، وتابعهما جماعة عن مالك خارج ((الموطَّأ) منهم بشر بن عمر الزَّهراني وعبد الرحمن بن مَهْدي وإبراهيم بن طَهْمان والوليد بن مسلم أثبتوا مجاهداً بينهما، وهذا الجواب لا يَرِدُ على الشافعي، وطريق ابن القاسم المشار إليها عند النَّسائي (٢٨٥١)، وطريق ابن وَهْب عند الطَّبري (٢٣٢/٢)، وطريق عبد الرحمن بن مَهْدي عند أحمد (١٨١٠٦)، وسائرها عند الدّار قُطْني في ((الغرائب)). والإسناد الثالث لمالك فيه عن عطاء التُراساني عن رجل من أهل الكوفة عن كعب (١) وهي الترجمة التالية. ٧٧ باب ٥ / ح ١٨١٤ أبواب المحصر وجزاء الصيد ابن عُجْرة، قال ابن عبد البَرِّ: يحتمل أن يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى أو عبدَ الله بن مَعِقِل، ونقل ابن عبد البَرِّ عن أحمد بن صالح المصري قال: حديث كعب بن عُجْرة في الفِدْية سُنّة معمولٌ بها، لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلّا ابن أبي ليلى وابن مَعِقِل، قال: وهي سُنّة أخَذَها أهل المدينة عن أهل الكوفة، قال الزُّهْري: سألتُ عنها علماءَنا كلَّهم حتَّى سعيد بن المسيّب فلم يُبيِّنُوا كم عددُ المساكين. قلت: فيما أطلقَه ابنُ صالح نظرٌ، فقد جاءت هذه السُّنّة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب، منهم عبد الله بن عَمْرو بن العاص عند الطَّبري (٢٣٤/٢) والطبراني (١٩) ٢١١)، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور(١)، وابن عمر عند الطَّبري (٢٢٩/٢)، وفَضَالة الأنصاري عمَّن لا يُتَّهَم من قومه عند الطَّبري أيضاً (٢٣٣/٢ -٢٣٤)، ورواه عن كعب ابن عُجْرة غير المذكورَين: أبو وائل عند النَّسائي (٢٨٥٢)، ومحمد بن كعب القُرَظي عند ابن ماجَهْ (٣٠٨٠)، ويحيى بن جَعْدة عند أحمد (١٨١١٦)، وعطاء عند الطَّبري (٢/ ٢٣٣)، وجاء عن أبي قِلابةَ والشَّعبي أيضاً عن كعب، وروايتهما عند أحمد (١٨١٠٢ و١٨١٢٤)، لكنَّ الصواب أنَّ بينهما واسطةً، وهو ابن أبي ليلى على الصحيح. وقد أوردَ البخاري حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأورده أيضاً في المغازي (٤١٥٩) والطِّبّ (٥٧٠٣) وكفَّارات الأيمان (٦٧٠٨) من طرق أُخرى مَدَارُ الجميع على ابن أبي ليلى وابن مَعقِل، فيُقيَّد إطلاق أحمد بن صالح بالصِّحّة، فإنَّ بقية الطّرق التي ذكرتها لا تَخلو عن مقال إلَّا طريق أبي وائل، وسأذكر ما في هذه الطّرق من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى. قوله: ((عن رسول الله وَل﴿ أَنَّه قال: لعلَّك)) في رواية أشهَب المقدَّمِ ذِكْرُها: أنَّ رسول الله وَّ قال له، وفي رواية عبد الكريم: / أنَّه كان مع رسول الله وَ له وهو مُحُرِمِ، فَآذاه القَمْل، ١٤/٤ وفي رواية سَيف في الباب الذي يليه (١٨١٥): وقَفَ عليَّ رسول الله وَّهِ بِالْحُدَيبية ورأسي (١) في التفسير من ((سننه)) (٢٩٧). ٧٨ باب ٥ / ح ١٨١٤ فتح الباري بشرح البخاري يَتَهافَت قَملاً، فقال: ((أيؤذيك هَوامُّك؟)) قلت: نعم، قال: ((فاحِلِقْ رأسك)) الحديث، وفيه: قال: فيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ، أَنَّى مِّن رَأْسِهِ ﴾، زاد في رواية أبي الزُّبَير عن مجاهد عند الطبراني (٢١٧/١٩): أنَّه أهلَّ في ذي القَعْدة، وفي رواية مغيرة عن مجاهد عند الطَّبري (٢/ ٢٣٢): أنَّه لَقِيَه وهو عند الشَّجَرة وهو مُحرِم، وفي رواية أيوب عن مجاهد في المغازي(١): أتى عليَّ النبيُّ وٍَّ وأنا أُوقِد تحت بُرْمةٍ والقَمل يَتَنَاثَر على رأسي، زاد في رواية ابن عَوْن عن مجاهد في الكفَّارات (٦٧٠٨): فقال: ((ادْنُ))، فدَنَوت، فقال: ((أيؤذيك؟))، وفي رواية أبي بشر عن مجاهد فيه (٢): قال: كنَّا مع رسول الله وَّر بالحُدَيبية ونحن مُحرِمونَ وقد حَصَرَنا المشركون، وكانت لي وَفْرَةٌ فجَعَلَت الهَوامٌ تسّاقط على وجهي، فقال: ((أيؤذيك هَوامٌ رأسك؟)) قلت: نعم، فأُنزِلَت هذه الآية، وفي رواية أبي وائل عن كعب(٣): أحرَمتُ فَكَثُرَ قمِلُ رأسي، فبَلَغَ ذلك النبيَّ وَّه فأتاني وأنا أطبُخ قِدراً لأصحابي، وفي رواية ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بعد بابين (١٨١٧): رآه وإنَّه لَيَسقُط القملُ على وجهه، فقال: ((أيؤذيك هَوامُّك؟)) قال: نعم، فأمره أن يَجلِقِ، وهم بالحُدَيبية ولم يتبيَّن لهم أنَّهم يَحِلّون بها، وهم على طَمَع أن يدخلوا مكَّة، فأنزل الله الفِذْية، وأخرجه الطبراني (١٩/ ٢١٥) من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد بهذه الزّيادة، ولأحمد (١٨١٠٢) وسعيد ابن منصور(٤) في رواية أبي قِلابة: فَمِلتُ حتَّى ظننتُ أنَّ كلّ شعرة من رأسي فيها القملُ من أصلها إلى فَرْعها، زاد سعيد: وكنتُ حسنَ الشَّعر. وأوَّل رواية عبد الله بن مَعقِل بعد بابٍ (١٨١٦): جلست إلى كعب بن عُجْرة فسألته عن الفِذْية فقال: نزلت فيَّ خاصَّةً وهي لكم عامّة، حُلْتُ إلى رسول الله وَّهِ والقملُ يَتْنَاثَر على وجهي، فقال: ((ما كنتُ أُرى الوَجَعَ بَلَغَ بك ما أَری))، زاد مسلم (٨٥/١٢٠١) من (١) بل في الطب برقم (٥٧٠٣)، أما رواية المغازي (٤١٩٠) فليس فيها قوله: وأنا أوقد تحت برمة. (٢) أي: في المغازي برقم (٤١٩١). (٣) عند النسائي برقم (٢٨٥٢). (٤) في التفسير من ((سننه)) (٢٩٣). ٧٩ باب ٥ / ح ١٨١٤ أبواب المحصر وجزاء الصيد هذا الوجه: فسألته عن هذه الآية: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ الآية، ولأحمد (١٨١٢٠) من وجه آخر في هذه الطريق: وقع القَمل في رأسي ولحيَتي حتَّى حاجبي وشاربي، فبَلَغَ ذلك النبيَّ ﴿، فأرسَلَ إليَّ فدَعاني، فلمَّا رآني قال: «لقد أصابك بَلاءٌ ونحن لا نَشعُر، ادعُوا لِيَ الحجّام)) فحَلَقَني، ولأبي داود (١٨٦٠) من طريق الحكم بن عُتَيبة عن ابن أبي ليلى عن كعب: أصابتني هَواُ حتَّى تَخوَّفت على بَصَري، وفي رواية أبي وائل عن كعب عند الطَّبري (٢/ ٢٣٣): فحَكَّ رأسي بإصبَعِه فانَثَرَ منه القملُ، زاد الطبراني(١) من طريق الحكم: ((إنَّ هذا لَأَذِّى؟)) قلت: شديد يا رسول الله. والجمع بين الاختلاف في قول ابن أبي ليلى عن كعب: أَنَّ النبي ◌ََّ مَرَّ به فرآه، وفي قول عبد الله بن مَعقِل: أنَّ النبي ◌َّهِ أُرسَلَ إليه فرآه، أن يقال: مَرَّ به أوَّلاً فرآه على تلك الصّورة، فاستدعى به إليه فخاطَبَه، وحلق رأسه بحَضرَته، فنقل كلّ واحد منهما ما لم يَنقُله الآخر، ويُوضحه قوله في رواية ابن عَوْن السابقة حيثُ قال فيها: فقال: ((ادنُ)) فدَنَوت، فالظاهر أنَّ هذا الاستدناء كان عَقِب رُؤيَته إياه إذ مرَّ به وهو یوقد تحت القِدْر. قوله: ((لعلَّك آذاك هَوامّك؟)) قال القُرطُبي: هذا سؤال عن تحقيق العِلّة التي يَتَرتَّب عليها الحكم، فلمَّا أخبره بالمشقَّة التي نالَتِه خَفَّفَ عنه. و ((الهَوَامٌ)) بتشديد الميم: جمع هامّة، وهي ما يَدِبّ من الأجناس(٢)، والمراد بها: ما يُلازم جَسَد الإنسان غالباً إذا طالَ عهده بالتنظيف، وقد عُيِّن في كثير من الروايات أنَّهَا القَمل، واستدلَّ به على أنَّ الِفِدْية مُرتَّبة على قتل القَمل، وتُعُقِّبَ بذِكر الحلق، فالظاهر أنَّ الِدْية مُرتَّبة عليه، وهما وجهان عند الشافعية، يَظهَر أثر الخلاف فيما لو حَلَقَ ولم يَقتُل قَملاً. قوله: ((احلِق رأسَك وصُمْ)) قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في إلحاق الإزالة بالحلق، ١٥/٤ (١) كذا في (أ)، وفي (ع) و(س): الطبري، والحديث عند الطبراني في ((الكبير)) ٩/ (٢٥٧) و((الأوسط)) (٥٢٥) بلفظ: قلت: أجل يا رسول الله، وأخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٢/ ٢٣٠ من غير طريق الحكم بلفظ: أجل یا رسول الله شدید. (٢) في (س): من الأخشاش، ولعله جمع خَشَاشة، وهي الحشرة والدابة من دواب الأرض كالعقرب والحيّة ونحوهما، ولم يرد هذا الجمع في شيء من كتب اللغة! ٨٠ باب ٥ / ح ١٨١٤ فتح الباري بشرح البخاري سواء كان بموسى أو مِقَصّ أو نُورَةٍ أو غير ذلك، وأغرَبَ ابن حَزْم فأخرج النَّف عن ذلك فقال: يَلحَق جميعُ الإزالات بالحلقِ إلَّ النََّف. قوله: ((أو أطعِم)) ليس في هذه الرواية بيان قَدْر الإطعام، وسيأتي البحث فيه بعد بابٍ، وهو ظاهر في التخيير بين الصوم والإطعام، وكذا قوله: ((أو انسُك بشاةٍ))، ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((شاة)) بغير موخَّدة، والأوَّل تقديره: تقرَّب بشاة، ولذلك عَدّاه بالباء، والثاني تقديره: اذبح شاة. والنُّسُك: يُطلَق على العبادة، وعلى الذَّبح المخصوص، وسياق رواية الباب موافق للآية، وقد تقدَّم أنَّ كعباً قال: إنَّها نزلت بهذا السبب، وقد قَدَّمتُ في أوَّل الباب أنَّ رواية عبد الكريم صريحة في التخيير، حيثُ قال: ((أيَّ ذلك فعلت أجَزَأ))، وكذا رواية أبي داود (١٨٥٧) التي فيها: ((إن شئت وإن شئت))، ووافقها رواية عبد الوارث عن ابن أبي نَجِيح، أخرجها مُسدَّد في («مسنده)) ومن طريقه الطبراني (٢٢٥/١٩)، لكنَّ رواية عبد الله بن مَعقِل الآتية بعد بابٍ تقتضي أنَّ التخيير إنَّما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يَجِد النُّسُك، ولفظه: قال: ((أتِجِدُ شاة؟)) قال: لا، قال: ((فصُمْ أو أطعِمْ))، ولأبي داود (١٨٥٨) في رواية أُخرى: ((أمعك دم؟» قال: لا، قال: ((فإن شئتَ فصُم))، ونحوه للطبراني (٣٤٩/١٩) من طريق عطاء عن كعب، ووافقهم أبو الزُّبَير عن مجاهد عند الطبراني (٢١٧/١٩)، وزاد بعد قوله: ما أجِدُ هَدياً: قال: ((فأطعِمْ)) قال: ما أجِدُ، قال: ((صُمْ))، ولهذا قال أبو عَوَانة في ((صحيحه)): فيه دليل على أنَّ من وَجَدَ نُسُكاً لا يصوم - يعني - ولا يُطعِم؛ لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلَّا ما رواه الطَّبري (٢٣٦/٢) وغيره عن سعيد بن جُبَير قال: النُّسُك شاة، فإن لم يَجِد قوِّمَت الشاة دَراهمَ، والدَّراهمُ طعاماً، فتَصَدَّقَ به أو صام لكلِّ نصف صاع يوماً، أخرجه من طريق الأعمَش عنه قال: فذكرته لإبراهيم فقال: سمعت عَلْقمة مثله. فحينئذٍ يُحتاج إلى الجمع بين الروايتين. وقد جُمع بينهما بأوجُهٍ: منها ما قال ابن عبد البَرِّ: إنَّ فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه. ومنها ما قال النَّووي: ليس المراد أنَّ الصيام أو الإطعام لا يُجزِئ إلَّا لفاقد الهَدي، بل المراد: أنَّه استَخْبَرَه: هل معه هَدي أو لا؟ فإن كان واجدَه، أعلمَه أنَّه ◌ُيَّر بينه وبين