Indexed OCR Text

Pages 1-20

خَ النَّرِى
بشرح صحيح البُخَارِيّ
تأليف
الِمَّاِ الْحَافِظِ شَكَابِ الِّينِ أُحَ بِنْ عَلَيِّ بْنِ حَجَِ السَّقَلَافِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَجَعه
شُغَيِّبٌ الأهُؤْوَط ◌َادكْ مُرْسِد
شارك في تخريج نصوصه
حقّق هَذَا الجزء رخّصَهُ وعَلّ عَلَيْ
عَادل بُرْهُ أُخْمَدْ بُرْهُوُمْ يَعَبْ اللَّطِيفُنِ عِ الَّه
الجزءُ السَّادِسُ
الرسالة العالمية

.
-3

فَعُ النَّارِي
بشرح صحيح البخاريّ
٦

دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@rosalshonline.com
hap://www.resalabonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112-319039- 818615
P.O. BOX:117460
نِـ
جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَةٌ لِلنّاخِرْ
الطبعَة الأولىّ
١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣م

٥
باب ١ / ح ١٧٧٣
أبواب العمرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب العُمْرة
٥٩٧/٣
١ - باب وجوب المُمْرة وفضلها
وقال ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما: ليس أحدٌ إلا وعليه حَجَّةٌ وعمرةٌ.
وقال ابنُ عَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّهَا لَقَرِينتُها في كتابِ الله: ﴿ وَأَيِّمُواْ الْحَجَّ وَاُلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
[البقرة: ١٩٦].
١٧٧٣ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمن،
عن أبي صالح السَّان، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: «العُمْرةُ إلى العُمْرةِ كَفَّارَةٌ لِمَا
بينَهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة)).
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. أبواب العمرة. بأب وجوب العُمْرة وفَضْلها)) سَقَطَت
البسملة لأبي ذَرّ، وثَبَتَت الترجمة هكذا في روايته عن المُستَمْلِي، وسَقَطَ عنده عن غيره:
((أبواب العمرة))، وثَبَتَ لأبي نُعَيم في ((المستخرَج)): ((كتاب العمرة))، وللأَصِيلي وكَرِيمة:
«باب العمرة وفضلها)) حَسْب.
والعمرة في اللُّغة: الزيارة، وقيل: إنَّها مُشتَقّة من عِمارة المسجد الحرام.
وجَزَمَ المصنِّف بوجوب العمرة، وهو مُتابعٌ في ذلك للمشهورِ عن الشافعي وأحمد
وغيرهما من أهل الأثر، والمشهورُ عن المالكية أنَّ العمرة تطوُّع، وهو قول الحنفيَّة،
واستدلُّوا بما رواه الحجاج بن أرطاةً عن محمد بن المنكّدِر عن جابر: أتى أعرابي النبي
فقال: يا رسول الله ◌َ﴿ أخبرني عن العمرة: أواجبة هي؟ فقال: ((لا، وأن تَعتَمِرَ خير لك»
أخرجه التِّرمِذي (٩٣١)، والحجاج ضعيف. وقد روى ابن لَهِيعة عن عطاء عن جابر
مرفوعاً: ((الحج والعمرة فَرِيضتان)) أخرجه ابن عَدِيّ (١٤٦٨/٤)، وابن لَهِيعة ضعيف،

٦
باب ١ / ح ١٧٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
ولا يَثْبُت في هذا الباب عن جابر شيء، بل روى ابن الجَهْم المالكي بإسناد حسن عن
جابر: ليس مسلم إلّا عليه عمرة، موقوف على جابر.
واستدلَّ الأولون بما ذُكِرَ في هذا الباب، وبقول الصُّبَيّ بن مَعبَد لعمر: رأيتُ الحج
والعمرة مكتوبَينِ عليَّ فأهلَلتُ بهما، فقال له: هُدِيتَ لسُنّة نبيك، أخرجه أبو داود (١٧٩٩).
وروى ابن خُزَيمة (١ و٢٥٠٤ و ٣٠٦٥) وغيره (١) في حديث عمر في (٢) سؤال جِبْريل عن
الإيمان والإسلام فوقع فيه: ((وأن تحجَّ وتَعتَمِر))، وإسناده قد أخرجه مسلم (٨) لكن لم يَسُق
لفظه، وبأحاديث أُخَر غير ما ذُكِرٍ، وبقوله تعالى: ﴿ وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ أي: أقيموهما.
وزَعَمَ الطَّحاوي أنَّ معنى قول ابن عمر: العمرة واجبة، أي: وجوب كِفاية، ولا يخفى
بُعدُه مع اللفظ الوارد عن ابن عمر كما سنذكره. وذَهَبَ ابن عبّاس وعطاء وأحمد إلى أنَّ
العمرة لا تجب على أهل مكَّة، وإن وَجَبَت على غيرهم.
قوله: ((وقال ابن عُمَر)) هذا التعليق وَصَله ابن خُزيمة (٣٠٦٦)، والدارَ قُطْني (١/٢٧٢٠)،
والحاكم (١/ ٤٧١) من طريق ابن جُرَيج، أخبرني نافع أنَّ ابن عمر كان يقول: ليس من
خَلْق الله أحد إلَّ عليه حَجَّة وعمرة واجبَتان مَن استَطاعَ سبيلاً، فمَن زاد شيئاً فهو خير
وتَطوُّع. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة في ((المناسك)) عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال:
الحج والعمرة فریضتان.
٥٩٨/٣
قوله: ((وقال ابن عبّاس)) هذا التعليق وَصَله الشافعي وسعيد بن منصور، كلاهما عن
سفيان بن عُيَينة، عن عَمْرو بن دينار، سمعت طاووساً يقول: سمعت ابن عبّاس يقول:
والله إنَّهَا لَقَرِينتُها في كتاب الله: ﴿ وَأَتِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وللحاكم (٤٧٠/١-٤٧١) من
طريق عطاء عن ابن عبّاس: الحج والعُمْرة فريضتان، وإسناده ضعيف، والضَّمير في قوله:
(لَقَرِينتها)) للفريضة، وكان أصل الكلام أن يقول: لَقَرِينته، لأنَّ المراد الحج.
(١) وأخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٦٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) لفظة ((في)) سقطت من (س).

٧
باب ١ / ح ١٧٧٣
أبواب العمرة
قوله: ((عن سُميّ)) قال ابن عبد البَرِّ: تَفرَّدَ سُميّ بهذا الحديث، واحتاجَ إليه الناس فيه،
فرواه عنه مالك والسُّفيانان وغيرهما، حتَّى إنَّ سُهَيل بن أبي صالح حدَّث به عن سُميّ
عن أبي صالح، فكأنَّ سُهَيلاً لم يسمعه من أبيه، وتَحقَّقَ بذلك تفرُّد سُميّ به، فهو من
غرائب ((الصحيح)).
قوله: ((العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما)) أشارَ ابن عبد البَرِّ إلى أنَّ المراد تكفيرُ الصَّغائر
دون الكبائر، قال: وذَهَبَ بعض العلماء من عَصْرنا إلى تعميم ذلك، ثمَّ بالَغَ في الإنكار
عليه، وقد تقدَّم التنبيه على الصواب في ذلك أوائل مواقيت الصلاة (٥٢٨).
واستشكَلَ بعضهم كَوْن العمرة كفَّارةً، مع أنَّ اجتناب الكبائر يُكفِّر، فماذا تُكفِّر
العمرة؟ والجواب: أنَّ تكفير العمرة مُقيَّد بزَمَنِها، وتكفير الاجتناب عامّ لجميع عُمُر
العبد، فتَغايَرا من هذه الحيثية.
وأمَّا مُناسَبة الحديث لأحدٍ شِقَّي الترجمة وهو وجوب العمرة فمُشكِل، بخلاف الشِّقّ
الآخر، وهو فضلها، فإنَّه واضح، وكأنَّ المصنِّف - والله أعلم - أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض
طرق الحديث المذكور، وهو ما أخرجه التِّرمِذي (٨١٠) وغيره(١) من حديث ابن مسعود
مرفوعاً: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنَّ مُتَابَعةً بينهما تنفي الذُّنوب والفقر كما ينفي الكِيرُ
خَبَثَ الحديد، وليس للحَجَّة المبرورة ثواب إلَّ الجنَّة)) فإنَّ ظاهره التَّسوية بين أصل الحج
والعمرة، فيوافق قول ابن عبّاس: إنَّهَا لَقَرِينتُها في كتاب الله، وأمَّا إذا اتَّصَفَ الحج بكَونِه
مبروراً فذلك قَدْر زائد، وقد تقدَّم الكلام على المراد به في أوائل الحج (١٥١٩). ووقع عند
أحمد (١٤٤٨٢) وغيره (٢) من حديث جابر مرفوعاً: ((الحج المبرور ليس له جزاء إلَّ الجنَّة)»
قيل: يا رسول الله وَّيه ما بِّ الحج؟ قال: ((إطعام الطعام، وإفشاء السلام))، ففي هذا تفسير
المراد بالبِرِّ في الحج، ويُستَفاد من حديث ابن مسعود المذكور المراد بالتكفير المبهم في
حديث أبي هريرة.
(١) وأخرجه النسائي أيضاً (٢٦٣١)، وانظر تمام تخريجه في ((المسند)) برقم (٣٦٦٩).
(٢) وإسناده ضعيف.

٨
باب ٢ / ح ١٧٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
وفي حديث الباب دلالةٌ على استحباب الاستكثار من الاعتمار، خلافاً لقول من قال:
يُكرَه أن يَعتَمِر في السنة أكثر من مرَّة، كالمالكية، ولمن قال: مرَّة في الشهر من غيرهم.
واستُدلَّ لهم بأنَّه وَ له لم يفعلها إلَّا من سنة إلى سنة، وأفعاله على الوجوب أو النَّدب،
وتُعُقِّبَ بأنَّ المندوب لم يَنحَصِر في أفعاله، فقد كان يَترُك الشيء وهو يستحبُّ فعله لرفع
المشقّة عن أُمَّته، وقد نَدَبَ إلى ذلك بلفظه، فثَبَتَ الاستحباب من غير تقييد.
واتَّفَقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن مُتلبّساً بأعمال الحج، إلَّا ما نُقِلَ عن
الحنفيَّة أنَّه يُكرَه في يوم عَرَفة ويوم النَّحر وأيام التشريق، ونَقَلَ الأثرَم عن أحمد: إذا اعتَمَرَ
فلا بُدّ أن يَحِلِق أو يُقصِّر، فلا يَعتمِر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليُمكِنَ حلق الرأس فيها. قال
ابن قدامة: هذا يدلّ على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام.
وقال ابن التِّين: قوله: ((العمرة إلى العمرة)) يحتمل أن تكون ((إلى)) بمعنى ((مع)) فيكون
التقدير: العمرة مع العمرة مُكفِّرة لما بينهما.
وفي الحديث أيضاً إشارة إلى جواز الاعتمار قبل الحجّ، وهو من حديث ابن مسعود
الذي أشرنا إليه عند التُّرمِذي، وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه.
٢ - باب من اعتمر قبل الحجّ
١٧٧٤ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا ابنُ جُرَيج، أنَّ عِكْرمةَ بنَ خالدٍ
سألَ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما عن العمرةِ قبلَ الحجّ، فقال: لا بأسَ. قال عِكْرمةُ: قال ابنُ عمر:
اعتَمَرَ النبيُّ ◌َّهِ قبلَ أن يحجّ.
وقال إبراهيمُ بنُ سعدٍ عن ابنِ إسحاقَ: حدَّثني عِكْرمةُ بنُ خالٍ: سألتُ ابنَ عمَرَ ...
مِثْلَه.
٥٩٩/١ ١٧٧٤م- حدَّثْنَا عَمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا أبو عاصم، أخبرنا ابنُ جُرَیچِ، قال عِكْرمُ بنُ
خالدٍ: سألتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما ... مِثلَه.

٩
باب ٢ / ح ١٧٧٤
أبواب العمرة
قوله: ((باب مَن اعتَمَرَ قبل الحجّ)) أي: هل تُجزِئه العمرة أم لا؟
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن محمَّد)) هو المروَزي، وعبد الله: هو ابن المبارك.
قوله: ((أنَّ عِكْرمة بن خالد)» هو المخزومي.
قوله: ((سألَ))، هذا السياق يقتضي أنَّ هذا الإسناد مُرسَل، لأنَّ ابن جُرَيج لم يُدرِك
زمان سؤال عِكْرمة لابن عمر، ولهذا استَظهَرَ البخاري بالتعليقِ عن ابن إسحاق المصرِّح
بالاتِّصال، ثمَّ بالإسناد الآخر عن ابن جُرَيج، فهو يَرفَع هذا الإشكال المذكور، حیثُ
قال عن ابن جُرَيج قال: قال عِكْرمة، فإن قيل: إنَّ ابن جُرَيج ربَّما دلَّس، فالجواب أنَّ ابن
خُزيمة(١) أخرجه من طريق محمد بن بكر، عن ابن جُرَيج قال: قال لي عِكْرمة بن خالد ...
فذكره.
قوله: ((لا بأس)) زاد أحمد (٥٠٦٩) وابن خُزيمة: فقال: لا بأس على أحد أن يَعتمِر قبل
أن يحجّ.
قوله: (قال عكرمة)) هو ابن خالد، بالإسناد المذكور.
قوله: (وقال إبراهيم بن سعد ... )) إلى آخره، وَصَله أحمد (٦٤٧٥) عن يعقوب بن
إبراهيم بن سعد بالإسناد المذكور، ولفظه: حدثني عِكْرمة بن خالد بن العاص المخزومي،
قال: قَدِمت المدينة في نَفَر من أهل مكَّة، فَلَقِيت عبد الله بن عمر فقلت: إنّا لم نَحُجّ قطّ،
أفْتَعتَمِر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتَمَرَ رسول الله،وَلَ عُمَرَه
کلّها قبل حَجِّه، قال: فاعتمرنا.
قال ابن بَطَّال: هذا يدلّ على أنَّ فرض الحج كان قد نزل على النبي ◌َّل قبل اعتماره،
ويتفرَّع عليه: هل الحج على الفَوْر أو التَّراخي؟ وهذا يدلّ على أنَّه على التَّراخي، قال:
وكذلك أمرُ النبي ◌َّ أصحابه بفَسْخ الحج إلى العمرة دالّ على ذلك. انتهى، وقد نُوزِعَ في
ذلك، إذ لا يَلزَم من صِحَّة تقديم أحد النُّسُكَينِ على الآخر نفي الفَوْرية فيه.
(١) كما في «إتحاف المهرة)) ٨/ ٦٠٢، وهو ليس في القسم المطبوع من ابن خزيمة.

١٠
باب ٣ / ح ١٧٧٥ - ١٧٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّم في أول الحج نقلُ الخلاف في ابتداء فرض الحج، وسيأتي الكلام على عِدّة
عُمَر النبيِ وَّهِ في الباب الذي يليه، ومن الصَّريح في الترجمة الأثر المذكور في آخر الباب
الذي يليه (١) (١٧٨١) عن مسروق وعطاء ومجاهد قالوا: اعتَمَرَ النبي ◌َّ قبل أن يحجّ.
وحديث البراء في ذلك أيضاً (١٧٨١).
٣- بابٌ كم اعتمر النبيّ ◌َّ
١٧٧٥ - حدَّثْنَا قُتَيَبةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قال: دخلتُ أنا وعُرْوةُ بنُ
الزُّبَيرِ المسجدَ، فإذا عبدُ الله بنُ عمرَ رضي الله عنهما جالسٌ إلى حُجْرةٍ عائشةَ، وإذا أُناسٌّ
يُصَلُّونَ في المسجدِ صلاةَ الضُّحَى، قال: فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بِذْعٌ. ثمّ قال له: كم
اعْتَمَرَ رسولُ الله وَلَ؟ قال: أربعٌ، إحداهُنَّ في رجبٍ. فَكَرِهْنا أن نَرُدَّ عليه.
[طرفه في: ٤٢٥٣]
١٧٧٦ - قال: وسَمِعْنا استِنانَ عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ في الحُجْرةِ، فقال عُرْوةُ: يا أُمَّاه، يا أُمَّ
المؤمنينَ، ألا تَسمَعِينَ ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إنَّ رسولَ الله
وَ اعْتَمَرَ أربعَ عُمُراتٍ إحداهُنَّ في رجبٍ، قالت: يَرحَمُ الله أبا عبدِ الرحمن، ما اعتمَرَ عمرةً
إلا وهو شاهدُه، وما اعتَمَرَ في رجبٍ قُ.
[طرفاه في: ١٧٧٧، ٤٢٥٤]
٦٠٠/٣
١٧٧٧ - حدَّثنا أبو عاصم، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عطاءٌ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير
قال: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما اعتَمَرَ رسولُ الله ێ في رجبٍ.
قوله: ((بابٌ كم اعتَمَرَ النبي ◌َّ) أوردَ فيه حديث عائشة وابن عمر في أنَّه اعتَمَرَ أربعاً،
وكذا حديث أنس، وخَتَمَ بحديث البَراء أنَّ اعتَمَرَ مرَّتين، والجمع بينه وبين أحاديثهم أنَّه
لم يَعُدَّ العمرة التي قَرَنها بحَجَّتِهِ، لأنَّ حديثه مُقيّد بكَونِ ذلك وقع في ذي القَعْدة، والتي في
حَجَّته كانت في ذي الحِجّة، وكأنَّه لم يَعُدَّ أيضاً التي صُدَّ عنها وإنَّ كانت وقعت في ذي
(١) من قوله: ((ومن الصريح ... )) إلى هنا سقط من (أ) و(ع)، وأثبتناه من (س) على الصواب.

١١
باب ٣ / ح ١٧٧٥ - ١٧٧٧
أبواب العمرة
القَعْدة، أو عَدَّها ولم يَعُدّ عمرة الجِعْرانة لخفائها عليه كما خفيت على غيره، كما ذكر ذلك
مُحُرِّش الكعبي فيما أخرجه التِّرمِذي (٩٣٥).
وروى يونس بن بُكَير في زيادات ((المغازي)) وعبد الرزاق جميعاً عن عمر بن ذرٍّ، عن
مجاهد، عن أبي هريرة قال: اعتَمَرَ النبي وَ له ثلاث عُمَرٍ في ذي القَعْدة. وهو موافق لحديث
عائشة وابن عمر، وزاد عليه تعيين الشهر، لكن روى سعيد بن منصور عن الدَّرَاوَزْدي،
عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النبي ◌َِّ اعتَمَرَ ثلاث عمر: عمرتَينِ في ذي القَعْدة
وعمرة في شوَّال. إسناده قوي، وقد رواه مالك (١/ ٣٤٢) عن هشام عن أبيه مُرسلاً. لكنَّ
قولها: ((في شوَّال)) مُغاير لقول غيرها: في ذي القَعْدة، ويُجمَع بينهما بأن يكون ذلك وقع في
آخر شوَّال وأول ذي القَعْدة، ويؤيِّده ما رواه ابن ماجَهْ (٢٩٩٧) بإسناد صحيح عن مجاهد
عن عائشة: لم يَعتمِر رسول الله وَلّ إلَّا في ذي القَعْدة.
قوله: ((حدَّثنا جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمِر.
قوله: ((المسجد)) يعني: مسجد المدينة النَّوية.
قوله: ((جالس إلى حُجْرة عائشة))، في رواية مُفَضَّل عن منصور عند أحمد (٦٤٣٠): فإِذا
ابن عمر مُستَنِد إلی حُجْرة عائشة.
٦٠١/٣
قوله: ((وإذا أُناس)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فإذا ناس)) بغير ألف.
قوله: ((فقال: بِذْعة)) تقدَّم الكلام على ذلك والبحث فيه في أبواب التطوُّع (١١٧٥).
قوله: ((ثُمَّ قال له)) يعني: عُرْوة، وصَرَّحَ به مسلم (١٢٥٥/ ٢٢٠) في روايته عن إسحاق
ابن راهویه عن جَرِیر.
قوله: ((قال: أربعٌ)) كذا للأكثر، ولأبي ذرٍّ: ((قال: أربعاً)) أي: اعتَمَرَ أربعاً. قال ابن
مالك: الأكثر في جواب الاستفهام مطابقة اللفظ والمعنى، وقد يُكتَفى بالمعنى، فمِن الأول
قوله تعالى: ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾ في جواب: ﴿وَمَاتِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾ [طه:١٧]، ومن
الثاني قوله عليه الصلاة والسلام: ((أربعينَ)) في جواب قولهم: ((كم يَلْبَث؟)) فأضمَرَ ((يَلْبَثُ))

١٢
باب ٣ / ح ١٧٧٥ - ١٧٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
ونَصَبَ به أربعين، ولو قَصَدَ تكميل المطابقة لَقال أربعون، لأنَّ الاسم المستفهَم به في
موضع الرفع. فظهر بهذا أنَّ النصب والرفع جائزان في مثل قوله: ((أربع))، إلّا أنَّ النصب
أقيس وأكثر نظائر.
قوله: ((إحداهُنَّ في رجب)) كذا وقع في رواية منصور عن مجاهد(١)، وخالَفَه أبو إسحاق
فرواه عن مجاهد عن ابن عمر قال: اعتَمَرَ النبي ◌َّهِ مرَّتين، فبَلَغَ ذلك عائشة فقالت:
اعتَمَرَ أربع عُمَرٍ، أخرجه أحمد (٦٢٤٢) وأبو داود (١٩٩٢) فاختَلَفا، جعل منصور
الاختلاف في شهر العمرة، وأبو إسحاق الاختلاف في عَدَد الاعتمار، ويُمكِن تعدُّد
السُّؤال بأن يكون ابن عمر سُئِلَ أولاً عن العَدَد فأجاب، فَرَدَّت عليه عائشة فَرَجَعَ إليها،
فسُئِلَ مرَّة ثانية فأجاب بموافقتها، ثمَّ سُئِلَ عن الشهر فأجاب بما في ظنِّه. وقد أخرج أحمد
(٦٢٩٥) من طريق الأعمَش، عن مجاهد قال: سألَ عُرْوةُ بن الزُّبَير ابنَ عمر: في أيّ شهرٍ
اعتَمَرَ النبي ◌َّ؟ قال: في رجب.
قوله: ((فكَرِهْنا أن نَرُدّ عليه)) زاد إسحاق(٢) في روايته: ونُكذِّبَه.
قوله: ((وسمعْنا استِنان عائشة)) أي: حِسّ مُرورِ السِّواك على أسنانها، وفي رواية عطاء
عن عُرْوة عند مسلم (٢١٩/١٢٥٥): وإنّا لَنَسمَعِ ضَرْبها بالسِّواكِ تَستَنّ.
قوله: ((عُمُرات)) يجوز في ميمها الحركاتُ الثلاث(٣).
قوله: ((يا أُمَاه)) كذا للأكثر بسكون الهاء، ولأبي ذرّ: «يا أُمّه» بسكون الهاء أيضاً بغير ألف،
وقول عُرْوة لها هذا(٤) بالمعنى الأخصّ لكونها خالتَه، وبالمعنى الأعمّ لكَونِها أُمَّ المؤمنين.
قوله: ((یرحم الله أبا عبد الرحمن)) هو عبد الله بن عمر، ذكرته بگنيَتِه تعظيماً له، ودَعَت
له إشارة إلى أنَّه نسی.
(١) أخرجها أحمد برقم (٦٤٣٠)، كما أشار إليها الحافظ قبل قليل.
(٢) وهي عند مسلم برقم (١٢٥٥) (٢٢٠)، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر.
(٣) يريد: الضم والفتح والسكون.
(٤) في (س): وقول عروة لهذا، وما أثبتناه من الأصلين أصوب.

١٣
باب ٣ / ح ١٧٧٨ - ١٧٨٠
أبواب العمرة
وقولها: ((ما اعتَمَرَ)) أي: رسول الله وَلِّ ((عمرةَ إلَّا وهو)) أي: ابن عمر ((شاهدُه)) أي:
حاضر معه، وقالت ذلك مُبالَغة في نسبته إلى النِّسيان، ولم تُنكِرِ عائشة على ابن عمر إلَّا
قوله: إحداُهُنَّ في رجب.
قوله: ((وما اعتَمَرَ في رجب قطُّ) زاد عطاء عن عُرْوة عند مسلم (٢١٩/١٢٥٥) في
آخره: قال: وابنُ عمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم، سَكَتَ.
قوله: ((عن عُرْوَة بن الزُّبَير: سألتُ عائشة)) كذا أوردَه مُختصَراً، وأخرجه مسلم (١٢٥٥/
٢١٩) من هذا الوجه مطوَّلاً، ذكر فيه قصَّة ابن عمر وسؤاله له نحو ما رواه مجاهد، إلَّا أنَّه
لم يقل فيه كم اعتَمَرَ، وقد أشرتُ إلى ما فيه من فائدة زائدة، وأغرَبَ الإسماعيلي فقال: هذا
الحديث لا يدخل في باب: كم اعتَمَرَ؟ وإنَّما يدخل في باب: متى اعتَمَرَ؟ وجوابه: أنَّ
غَرَض البخاري الطريق الأولى، وإنَّما أوردَ هذه لينبِّه على الخلاف في السياق.
١٧٧٨ - حدَّثْنا حسَّانُ بنُ حسَّانٍ، حدَّثْنا هَمَّامٌ، عن قَتَادة: سألتُ أنساً ﴾: كم اعتَمَرَ
النبيُّ وََّ؟ قال: أربعٌ: عُمْرَةُ الحُدَيبَةِ في ذي القَعْدةِ حيثُ صَدَّه المشركونَ، وعُمْرةٌ من العام
المقبِلِ في ذي القَعْدةِ حيثُ صالَحَهم، وعُمرةُ الجِعْرانِةِ إِذْ قَسَمَ غَنيمةَ - أُراه - حُنَينٍ، قلتُ: كم
حَجَّ؟ قال: واحدةً.
[أطرافه في: ١٧٧٩، ١٧٨٠، ٣٠٦٦، ٤١٤٨]
١٧٧٩ - حدَّثنا أبو الوليد هشامُ بنُ عبدِ الملك، حدَّثنا هَّامٌ، عن قَتَادةَ قال: سألتُ أنساً
﴾ فقال: اعتَمَرَ النبيُّ نَّهِ حيثُ رَدُّوه، ومِنَ القابلِ عمرةَ الحُدَيسِيَّةِ، وعمرةً في ذي القَعْدةِ،
وعمرةً مع حَجَّتِه.
١٧٨٠ - حدَّثْنَا هُدْبةُ، حدَّثنا هَّامٌ، وقال: اعتَمَرَ أربعَ عُمَرٍ في ذي القَعْدَةِ إلا الَّتِي اعْتَمَرَ
مع حَجَّتِهِ: عُمْرتَه من الحُدَيبيّةِ، ومِنَ العام المقبلِ، ومِنَ الجِعْرانةِ حيثُ قَسَمَ غنائمَ حُنَينٍ،
وعمرةً مع حَجَّتِهِ.
قوله: ((وعمرةُ الجِعْرانة إذْ قَسَمَ غَنيمةَ - أَراه - حُنَينٍ)) كذا وقع هنا بنصب ((غنيمة)) بغير

١٤
باب ٣ / ح ١٧٧٨ - ١٧٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
تنوين، وكأنَّ الراوي طَرأَ عليه شكٌّ فأدخَلَ بين المضاف والمضاف إليه لفظ ((أُراه)) وهو
بضم الهمزة، أي: أظنّه. وقد رواه مسلم (٢١٧/١٢٥٣) عن هُدْبة، عن هَمَّام بغير شكِّ
فقال: حيثُ فَسَمَ غنائم هُنَينٍ.
وسَقَطَ من رواية حسان هذه العمرة الرابعة، ولهذا استَظهَرَ المصنِّف بطريق أبي الوليد
التي ذَكَرها في آخر الحديث وهو قوله: وعمرةً مع حَجَّته، وكذا أخرجه مسلم من طريق
عبد الصمد عن هشام، فتَبيَّن بهذا أنَّ التقصير فيه من حسان شيخ البخاري.
وقال الكِرْمانيّ: العمرة الرابعة في هذا الحديث داخلة في ضِمن الحج؛ لأنَّه ◌َّهِ إمّا أن
يكون قارناً أو مُتمتِّعاً، فالعمرة حاصلة، أو مُفرِداً، لكن أفضل أنواع الإفراد لا بُدّ فيه من
٦٠٢/٣ العمرة في تلك السنة، ورسول الله لا يَترُك الأفضل. انتهى، / وليس ما ادَّعى أنَّه الأفضل
مُتَّفَقاً عليه بين العلماء، فكيف يَنسُب فعل ذلك إلى النبي وََّ، وفعلُ النبي ◌َّ- هو الذي
يُحْتَجّ به إذا ثَبَتَ لا حملُ (١) فعلِه على ما يختار بعضُ المجتَهِدينَ رُجحانَه.
قوله في رواية أبي الوليد: ((اعتَمَرَ النبي ◌َِّ حيثُ رَدّوه، ومن القابل عمرة الحُدَيبية)) قال
ابن التِّين: هذا أُراه وهماً؛ لأنَّ التي رَدّوه فيها هي عمرة الحديبية، وأمَّا التي من قابلٍ فلم
يردّوه منها. قلت: لا وهمَ في ذلك، لأنَّ كلَّ منهما كان من الحُدَيبية، ويحتمل أن يكون
قوله: ((عمرة الحديبية)) يَتعلَّق بقوله: حيثُ رَدّوه.
قوله: ((حدَّثْنَا هُدْبة، حدَّثْنَا هَّام، وقال: اعتَمَرَ)) أي: بالإسناد المذكور، وهو: عن قَتَادةَ أنَّ
أنس بن مالك أخبَرَه: أنَّ رسول الله وَّهَ اعتَمَرَ أربع عُمَرٍ، كلُّهنَّ في ذي القَعْدة إلَّ التي مع
حَجَّته ... الحديث، كذا ساقه مسلم (١٢٥٣/ ٢١٧) عن هَذّاب بن خالد، وهو هُدْبة المذكور.
وقوله: ((إلَّا التي مع حَجَّته)) استَشكَلَ ابن التِّين هذا الاستثناء فقال: هو كلام زائد،
والصواب أربع عُمَرٍ: في ذي القَعْدة عمرة من الحُدَيبية، الحديث، قال: وقد عَدَّ التي مع
حَجَّته في الحديث فكيف يَستَئنيها أولاً؟ وأجاب عياض بأنَّ الرواية صواب، وكأنَّه قال:
(١) في (س): إذا نسب لأحد، وهو تحريف.

١٥
باب ٣ / ح ١٧٨١
أبواب العمرة
في ذي القَعْدة منها ثلاث، والرابعة عُمرَته في حَجَّته، والمعنى: كلّها في ذي القَعْدة إلَّا التي
اعتَمَرَ في حَجَّته، لأنَّ التي في حَجَّته كانت في ذي الحِجّة.
١٧٨١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عثمانَ، حدَّثْنَا شُرَيحُ بنُ مَسلَمَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسفَ، عن
أبيه، عن أبي إسحاقَ قال: سألتُ مسروقاً وعطاءً ومجاهداً؟ فقالوا: اعتَمَرَ رسولُ الله وَلِ فِي
ذي القَعْدِ قبلَ أن يحجّ.
وقال: سمعتُ البَرَاءَ بنَ عازِبٍ رضي الله عنهما يقول: اعتَمَرَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِي ذي القَعْدِةِ
قبلَ أن يحجَّ مَرَّتينِ.
[أطرافه في: ١٨٤٤، ٢٦٩٨، ٢٦٩٩، ٢٧٠٠، ٣١٨٤، ٤٢٥١]
قوله: ((شُرَيح بن مَسلَمة)) بمعجمةٍ أوله ومُهمَلة آخره، وإبراهيم بن يوسف، أي: ابن
إسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعي، ورجال هذا الحديث كلّهم كوفيونَ إلَّا عطاء ومجاهداً،
وقد سَبَقَ الكلام علیه.
وتقدَّم الكلام على الخلاف فيما كان ◌َّه به مُحرِماً في حَجَّته، والجمع بين ما اختُلِفَ فيه
من ذلك، فأغنى عن إعادته، والمشهور عن عائشة أنَّه كان مُفرِداً، وحديثه هذا يُشعِر بأنَّه
كان قارناً، وكذا ابن عمر أنكَرَ على أنس كَونَه كان قارناً، مع أنَّ حديثه هذا يدلّ على أنَّه
كان قارناً، لأنَّه لم يُنقَل أنَّه اعتَمَرَ بعد حَجَّته، فلم يَبْقَ إلَّا أَنَّه اعتَمَرَ مع حَجَّته، ولم يكن
مُتَمتِّعاً، لأنَّه اعتذر عن ذلك بگونه ساق اهدي.
واحتاجَ ابن بَطَّال إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا فقال: إنَّما تجوز نسبة
العمرة الرابعة إليه باعتبار أنَّه أمَرَ الناس بها وعُمِلَت بحَضرَتِه، لا أنَّهِلَّاعتَمَرَها بنفسه.
ومَن تأمَّلَ ما تقدَّم من الجمع استَغنى عن هذا التأويل المتعسّف.
وقال ابن التِّين: في عَدِّهم عمرة الحديبية التي صُدَّ عنها ما يدلُّ على أنَّها عمرة تامّة،
وفيه إشارة إلى صِحَّة قول الجمهور: إنَّه لا يجب القَضاء على مَن صُدَّ عن البيت، خلافاً
للحنفية، ولو كانت عمرة القَضيّة بَدَلاً عن عمرة الحُدَيبية لكانتا واحدة، وإنَّما سُمّيت

١٦
باب ٤ / ح ١٧٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
عمرة القَضيّة والقَضاء لأنَّ النبي ◌َِّ قاضَى قُرَيشاً فيها، لا أنَّها وقعت قضاءً عن العمرة
التي صُدَّ عنها، إذ لو كان كذلك لكانتا عمرةً واحدةً. وفيه دلالة على جواز الاعتمار في
أشهُر الحج، بخلاف ما كان عليه المشركون.
وفي هذا الحديث أنَّ الصحابي الجليل المكثِرِ الشَّديد الملازمة للنبيِ نَّ قد يخفى عليه
بعض أحواله، وقد يدخله الوَهمُ والنِّسيان لكَونِه غير معصوم.
وفيه رَدُّ بعض العلماء على بعض، وحُسْن الأدب في الردّ، وحُسْن التَّلَطَّف في استكشاف
الصواب إذا ظَنَّ السامع خطأً المحدِّث.
وقال النَّوَوي: سكوتُ ابن عمر على إنكار عائشة يدلُّ على أنَّه كان اشتَبَهَ عليه أو نسيَ
أو شكَّ. وقال القُرطبي: عَدَم إنكاره على عائشة يدلّ على أنَّه كان على وهمٍ وأنَّه رَجَعَ
لقولها. وقد تَعَسَّفَ مَن قال: إنَّ ابن عمر أراد بقوله: ((اعتَمَرَ في رجب» عمرةً قبل هجرَته،
لأَنَّه وإن كان مُخْتَمَلاً لكنَّ قول عائشة: ما اعتَمَرَ في رجب، يَلزَم منه عَدَمُ مطابقة رَدّها عليه
لكلامه، ولا سيما وقد بيَّنت الأربع، وأنَّها لو كانت قبل الهجرة فما الذي كان يمنعه أن
يُفْصِحِ بمراده فيرتفع (١) الإشكال؟ وأيضاً فإنَّ قول هذا القائل: لأنَّ قُرَيشاً كانوا يَعتمِرونَ
في رجب، يحتاج إلى نقل، وعلى تقديره فمِن أينَ له أنَّه ◌ُِّ وافَقَهم؟ وهَبْ أنَّه وافقهم
فكيف اقتَصَرَ على مرَّة؟
٦٠٣/٣
٤ - باب عمرةٍ في رمضان
١٧٨٢ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جُرَبِجِ، عن عطاءٍ، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسِ
رضي الله عنهما يُخبِرِنا يقول: قال رسولُ الله وَالّ لا مرأةٍ من الأنصارِ - سَّها ابنُ عبَّاسٍ فَنَسِيتُ
اسمَها -: ((ما مَنَعَكِ أن تَجِّي مَعَنا؟)) قالت: كان لنا ناضحٌ فرَکِیَه أبو فلانٍ وابنُه - لِزوجِها
وابنها - وتَرَكَ ناضحاً نَنْضِحُ عليه، قال: «فإذا كان رمضانُ اعتَمِري فيه، فإنَّ عمرةً في رمضانَ
حَجّةٌ)) أو نَحْواً ممّا قالَ.
[طرفه في: ١٨٦٣]
(١) في (س): فيرجع.

١٧
باب ٤ / ح ١٧٨٢
أبواب العمرة
قوله: ((باب عمرة في رمضان)) كذا في جميع النُّسَخ، ولم يُصرِّح في الترجمة بفضيلةٍ ولا
غيرها، ولعلَّه أشارَ إلى ما رُوِيَ عن عائشة قالت: خرجتُ مع رسول الله وَّ في عمرة
رمضان، فأفطرَ وصمتُ، وقَصَرَ وأتممت ... الحديث، أخرجه الدارَقُطني (٢٢٩٣) من
طريق العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، عن أبيه عنها، وقال: إنَّ
إسناده حسن. وقال صاحب ((الهدي)): إنَّه غَلَط، لأنَّ النبي ◌ِِّ لم يَعتمِر في رمضان. قلت:
ويُمكِن حمله على أنَّ قولها: ((في رمضان)) مُتعلِّق بقولها: ((خرجت))، ويكون المراد سفر فتح
مكَّة، فإنَّه كان في رمضان، واعتَمَرَ النبي وَلّه في تلك السنة من الجِعْرانة، لكن في ذي
القَعْدة كما تقدَّم بيانه قريباً(١)، وقد رواه الدارَقُطني (٢٢٩٤) بإسناد آخر إلى العلاء بن
زهیر، فلم يقل في الإسناد: عن أبيه، ولا قال فيه: في رمضان.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القطّان.
وقوله: ((عن عطاء)) في رواية مسلم (٢٢١/١٢٥٦) عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن
سعيد، عن ابن جُرَيج: أخبرني عطاء.
قوله: ((لامرأةٍ من الأنصار سَّها ابن عبّاس فتَسِيتُ اسمها)) القائل: ((نسيت اسمها)): ابن
جُرَيج، بخلاف ما يَتَبادر إلى الذِّهن من أنَّ القائل عطاء، وإنَّما قلت ذلك، لأنَّ المصنّف أخرج
الحديث في ((باب حَجّ النِّساء)) (١٨٦٣) من طريق حبيب المعلِّم عن عطاء فسمّاها، ولفظه: لمَّا
رَجَعَ النبيِ وَله من حَجَّته، قال لأُمّ سِنان الأنصارية: ((ما مَنَعَك من الحج؟)) الحديث.
ويحتمل أنَّ عطاءً كان ناسياً لاسمِها لمَّا حدَّث به ابن جُرَيجٌ، وذاكراً له لمَّا حدَّث به حبيباً.
وقد خالَفَه يعقوب بن عطاء، فرواه عن أبيه عن ابن عبّاس قال: جاءت أُمّ سُلَيم إلى
رسول الله وَّهه فقالت: حَجّ أبو طلحة وابنه وتَرَكاني، فقال: ((يا أُمّ سُلَیم، عمرة في رمضان
تَعدِل حَجَّة معي))، أخرجه ابن حِبَّان (٣٦٩٩)، وتابعَه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى
عن عطاء، أخرجه ابن أبي شَيْبة(٢)، وتابَعَهما مَعِقِل الْجَزَري، لكن خالَفَ في الإسناد قال:
(١) في الباب السابق.
(٢) لم نعثر على هذه المتابعة عند ابن أبي شيبة، لكنها عند الإمام أحمد في ((مسنده)) (٢٨٠٨).

١٨
باب ٤ / ح ١٧٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
عن عطاء عن أُمّ سُلَيم ... فذكر الحديث دون القصّة، فهؤلاء ثلاثة يَبِعُد أن يَتَّفِقوا على
الخطأ، فلعلَّ حبيباً لم تَحَفَظ اسمها كما ينبغي، لكن رواه أحمد بن منيع في ((مسنده)) بإسناد
صحيح عن سعيد بن جُبَير عن امرأة من الأنصار يقال لها أُمَ سِنان: أنَّها أرادت الحج ...
فذكر الحديث نحوه دون ذِكر قصَّة زوجها. وقد اختُلِفَ في صحابيِّه على عطاء اختلافاً
آخر يأتي ذِكْره في «باب حَجّ النِّساء)» (١٨٦٣).
وقد وقع شبيهٌ بهذه القصَّة لِأُمّ مَعِقِل، أخرجه النَّسائي (ك٤٢١٣) من طريق مَعمَر، عن
الزُّهْري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن امرأة من بني أسد يقال لها: أُمّ مَعقِل،
قالت: أردت الحج فاعتَلَّ بعيري، فسألت رسول الله وَليه، فقال: ((اعتَمِري في شهر
رمضان، فإنَّ عمرة في رمضان تَعدِل حَجَّة))، وقد اختُلِفَ في إسناده، فرواه مالك عن سُمَيّ
عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: جاءت امرأة ... فذكره مُرسَلاً وأبهَمها، ورواه النَّسائي
أيضاً (ك٤٢١٤) من طريق عمارة بن عُمَير وغيره، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي
مَعِقِل، ورواه أبو داود (١٩٨٨) من طريق إبراهيم بن مُهاجِر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن،
عن رسول مروان، عن أُمّ مَعقِل.
٦٠٤/٣ والذي يَظھَر لي أنَّهما قِصَّتان وقعتا لامرأتین، فعند أبي داود (١٩٨٩) من طريق عيسى
ابن مَعقِل، عن يوسف بن عبد الله بن سَلَام، عن أُمّ مَعِل قالت: لمَّا حَجّ رسول الله وَل
حَجَّة الوداع، وكان لنا جمل، فجعله أبو مَعقِل في سبيل الله، وأصابنا مرض فهَلك أبو مَعقِل،
فلمَّا رَجَعَ رسول الله وَّ مِن حَجَّته جئتُ، فقال: ((ما مَنَعَك أن تحجِّي معنا؟)) فذكرتُ ذلك
له، قال: ((فَلَّا حَجَجت عليه، فإنَّ الحج من سبيل الله، فأمَّا إذا فاتَك فاعتَمِري في رمضان،
فإِنَّهَا كحَجَّة)). ووقعت لأُمّ طُلَيق قصَّة مثل هذه، أخرجها أبو عليّ بن السَّكَن وابن مَندَهْ في
((الصحابة)) والدُّولابي في ((الكنى)) (٢٤٩) من طريق طَلْق بن حَبِيب، أنَّ أبا طُلَيق حدَّثه: أنَّ
امرأته قالت له - وله جمل وناقة -: أعطِنِي جملك أحجَّ عليه، قال: جملي حَبِيسٌ في سبيل الله،
قالت: إنَّه في سبيل الله أن أحجَّ عليه، فذكر الحديث، وفيه: فقال رسول الله وَّةٍ: ((صَدَقَت أُمّ
طُلَيْقٍ)) وفيه: ما يَعدِلُ الحَّ؟ قال: ((عمرٌ في رمضان)).

١٩
باب ٤ / ح ١٧٨٢
أبواب العمرة
وَزَعَمَ ابن عبد البَرِّ أنَّ أُمّ مَعقِل هي أُمّ طُلَيق لها كُنيَتَان، وفيه نظر، لأنَّ أبا مَعِقِل ماتَ
في عَهِدِ النبيِ وَِّ، وأبا طُلَيق عاش حتَّى سمع منه طَلق بنُ حبيب، وهو من صغار
التابعينَ، فدَلَّ على تَغايُر المرأتين، ويدلّ عليه تَغايُر السياقینِ أيضاً، ولا مَعدِل عن تفسير
المبهَمة في حديث ابن عبّاس بأنَّا أُمّ سِنان أو أُمّ سُلَيم، لمَا في القصّة التي في حديث ابن
عبَّاس من التَّغايُر للقصَّة التي في حديث غيره، ولِقوله في حديث ابن عبّاس: إنَّها أنصارية،
وأمَّا أُمّ مَعقِل فإنَّها أسَديّة، ووقعت لأمّ الهيثم أيضاً، والله أعلم.
قوله: ((أن تحجّي)) في رواية كَرِيمة والأَصِيلي: ((أنَّ تحجّينَ)) بزيادة النون، وهي لغة.
قوله: (ناضح)) بِضاد معجمة ثمَّ مُهمَلة، أي: بعير، قال ابن بَطَّال: الناضح: البعير أو
الثَّور أو الحِمار الذي يُستَقى عليه، لكنَّ المراد به هنا: البعير، لتصريحه في رواية بكر بن
عبد الله المُزَني عن ابن عبّاس في رواية أبي داود (١٩٩٠) بگونه جملاً، وفي رواية حبيب
المذكورة: وكان لنا ناضحان(١)، وهي أبيَنُ، وفي رواية مسلم (١٢٥٦/ ٢٢٢) من طريق
حبيب: کانا لأبي فلانٍ زوجها.
قوله: ((وابنُه)) إن كانت هي أُمّ سِنان، فيحتمل أن يكون اسم ابنها سِناناً، وإن كانت
هي أُمّ سُلَيم، فلم يكن لها يومئذٍ ابن يُمكِن أن يحجّ سوى أنس. وعلى هذا فنِسبَتَه إلى أبي
طلحة بگَونِه ابنه مجازاً.
قوله: (ننْضِح علیه)) بکسر الضّاد.
قوله: ((فإذا كان رمضان)) بالرفع و((كان)) تامّة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فإذا كان في
رمضان)).
قوله: ((فإنَّ عمرة في رمضان حَجَّة)) وفي رواية مسلم (٢٢١/١٢٥٦): ((فإنَّ عمرة فيه
تَعدِل حَجَّة))، ولعلَّ هذا هو السبب في قول المصنّف: أو نحواً مَّ قال.
قال ابن خُزيمة: في هذا الحديث أنَّ الشيء يُشَبَّه بالشيء ويُجْعَل عِدلَه إذا أشبَهَه في
(١) وهي فيما سلف برقم (١٨٦٣) في ((باب حج النساء)).

٢٠
باب ٤ / ح ١٧٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
بعض المعاني لا جميعها، لأنَّ العمرة لا يُقضَى بها فرض الحج ولا النَّذر.
وقال ابن بَطَّل: فيه دليل على أنَّ الحج الذي نَدَبَها إليه كان تطوُّعاً، لإجماع الأُمّة على
أنَّ العمرة لا تُجزِئ عن حَجَّة الفريضة. وتعقّبه ابن المنيِّر بأنَّ الحجة المذكورة هي حَجَّة
الوداع، قال: وكانت أول حَجَّةٍ أُقيمت في الإسلام فرضاً، لأنَّ حَجّ أبي بكر كان إنذاراً.
قال: فعلى هذا يَستَحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحج.
قلت: وما قاله غير مُسلَّم، إذ لا مانع أن تكون حَجَّت مع أبي بكر، وسَقَطَ عنها
الفرض بذلك، لكنَّه بَنى على أنَّ الحج إنَّما فُرِضَ في السنة العاشرة، حتَّى يَسلَم ممّا يَرِدُ
على مذهبه من القول بأنَّ الحج على الفَوْر. وعلى ما قاله ابن خُزَيمة فلا يحتاج إلى شيءٍ
بِمَا بَحَثَه ابن بَطَّال. فالحاصل أنَّه أعلمها أنَّ العمرة في رمضان تَعدِل الحجة في الثَّواب،
لا أنَّها تقوم مقامها في إسقاط الفرض، للإجماع على أنَّ الاعتمار لا يُجْزِئ عن حَجّ
الفرض. ونَقَلَ التِّرمِذي عن إسحاق بن راهويه أنَّ معنى الحديث نَظِير ما جاء أنَّ ((قُل
هو الله أحدٌ، تَعدِل ثُلُث القرآن))(١).
وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونِعمة، فقد أدرَكَت
العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجَوْزي: فيه أنَّ ثواب العمل يزيد
٦٠٥/٣ بزيادة شَرَف الوقت،/ كما يزيد بحضور القلب وبخُلوص القصد. وقال غيره: يحتمل أن
يكون المراد: عمرة فريضةٍ في رمضان كحَجَّة فريضة، وعمرة نافلةٍ في رمضان كحَجَّة نافلةٍ.
وقال ابن التِّين: قوله: (كحَجَّةٍ)) يحتمل أن يكون على بابه، ويحتمل أن يكون لبَرَكة
رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه المرأة. قلت: الثالث قال به بعض المتقدِّمين، ففي
رواية أحمد بن مَنِيع المذكورة قال سعيد بن جُبَير: ولا نعلم هذا إلَّا لهذه المرأة وحدها.
ووقع عند أبي داود (١٩٨٩) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أُمّ مَعقِل في آخر
حديثها، قال: فكانت تقول: الحج حَجَّة والعمرة عمرة، وقد قال هذا رسول الله وَلا لِي،
(١) سيأتي عند البخاري (٥٠١٣) من حديث أبي سعيد الخدري.