Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
باب ١٣٢ / ح ١٧٤١
كتاب الحج
١٧٤١ - حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عامرٍ، حدَّثْنَا قُرَةُ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ، قال:
أخبرني عبدُ الرحمن بنُ أبي بَكْرةَ، عن أبي بَكْرةَ ورجلٌ أفضَلُ في نفسي من عبدِ الرحمن: مُميدُ بنُ
عبد الرحمن، عن أبي بَكْرَةَ ﴾ قال: خَطَبَنَا النبيُّ ◌َّهِ يومَ النَّحْرِ قال: «أتدرونَ أيُّ يومٍ هذا؟))
قلنا: الله ورسوله أعلمُ، فسَكَتَ حتَّى ظنًّا أنَّه سيُسمِّيه بغيرِ اسمِه، قال: ((أليس يومَ النَّحْرِ؟»
قلنا: بلى، قال: ((أيُّ شهرِ هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلمُ، فسَكَتَ حتَّى ظنًّا أنَّه سيُسمِّيه بغيرِ
اسمِه، فقال: ((أليس ذو الحجّةِ؟)) قلنا: بلى، قال: ((أيُّ بلدٍ هذا؟)) قلنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ،
فسَكَتَ حتَّى ظنًّا أنَّه سيُسمِّيه بغيرِ اسمِه، قال: ((أليست بالبَلْدِ الحرامِ؟» قلنا: بلى، قال: ((فإنَّ
دماءكم وأموالكم علیکم حرامٌ، کحُرمةِ يومِكم هذا، في شهر كم هذا، في بلدِکم هذا إلى يومِ
تَلْقَوْنَ رَبَّكم، ألا هل بَلَّغْتُ؟)) قالوا: نعم، قال: «اللّهِمَّ اشهَدْ، فَلْيُلِّغِ الشّاهدُ الغائبَ، فرُبَّ
مُبلَّغٍ أَوعَى من سامع، فلا تَرجِعُوا بعدي كفَّاراً يَضرِبُ بعضُكم ◌ِقابَ بعضٍ».
قوله في الحديث الثالث: ((حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّد)) هو الجُعْفي، وأبو عامر: هو العَقَدي،
وقُرَّة: هو ابن خالد، وحميدُ بن عبد الرحمن: هو الحِمْيَري، وإنَّما كان عند ابن سِيرينَ أفضل
من عبد الرحمن بن أبي بَكْرة لأنَّه دخل في الولايات، وكان حميدٌ زاهداً.
قوله: ((أليس يومَ النَّحْر؟)) بنصب ((يوم))/ على أنَّه خبر ليس، والتقدير: أليس اليومُ يومَ ٥٧٦/٣
النَّحر؟ ويجوز الرفعُ على أنَّه اسم ((ليس)) والتقدير: أليس يومُ النَّحر هذا اليومَ؟ والأول
أوضح، لكن يؤيِّد هذا الثاني قوله: ((أليس ذو الحِجّة)) أي: أليس ذو الحِجّة هذا الشهر.
قوله: ((بالبْدةِ الحرام)) كذا فيه بتأنيث البلد وتذكير الحرام، وذلك أنَّ لفظ الحرام
اضمحلّ منه معنى الوَصْفية وصار اسماً.
قال الخطّبي: يقال: إنَّ البلدة اسم خاصٍّ بمكّة، وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ
أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١].
وقال الطِّيبي: المطلَق محمول على الكامل، وهي الجامعة للخير المستَجمِعة للكمال، كما أنَّ
الكعبة تُسمَّى البيت ويُطلَق عليها ذلك. وقد اختَصَرتُ ذلك من كلام طويل للتُّورِشْتي.

٦٢٢
باب ١٣٢ / ح ١٧٤١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إلى يومٍ تَلْقَونَ)) بفتح ((يوم))، وكسره مع التنوين وعَدَمه، وتركُ التنوين مع
الكسر هو الذي ثبتت به الرواية.
قوله: ((اللهمَّ اشهَدْ)) تقدَّم أنَّه أعاد ذلك في حديث ابن عبّاس، وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان
فرضاً عليه أنَّ يُبلِّغ، فأشهَدَ اللهَ على أنَّه أدّى ما أوجَبَه عليه.
و(المبلَّغ)) بفتح اللَّام، أي: رُبَّ شخص بَلَغَه كلامي فكان أحفظَ له وأفهمَ لمعناه من
الذي نقله له.
قال المهلَّب: فيه أنَّه يأتي في آخر الزمان مَن يكون له من الفَهْم في العلم ما ليس لمن
تقدَّمه، إلَّا أنَّ ذلك يكون في الأقلِّ، لأنَّ((رُبَّ)) موضوعة للتقليل. قلت: هي في الأصل
كذلك، إلَّا أنَّهَا استُعمِلَت في التكثير بحيثُ غَلَبَت على الاستعمال الأول، لكن يؤيِّد أنَّ
التقليل هنا مرادٌ أنَّه وقع في رواية أُخرى تقدَّمت في العلم (٦٧) بلفظ: («عسى أن يُبلِّغَ مَن
هو أَوعی له منه)).
وفي الحديث دلالةٌ على جواز تحمُّل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهَه إذا ضَبَطَ ما
يُحدِّث به، ويجوز وصفُه بكَونِه من أهل العلم بذلك.
وفي الحديث من الفوائد أيضاً: وجوبُ تبليغ العلم على الكِفاية، وقد يَتَعيَّن في حقِّ
بعض الناس.
وفيه تأکید التحریم وتغلیظه بأبلغ مُمكِنٍ من تكرارٍ ونحوه.
وفيه مشروعية ضَرْب المثَل وإلحاق النَّظير بالنَّظير ليكون أوضحَ للسامع، وإنَّما شَبَّه
حُرْمة الدَّم والعِرْض والمال بخُرْمة اليوم والشهر والبلد، لأنَّ المخاطَبِين بذلك كانوا لا
يرونَ تلك الأشياء ولا يرونَ هَتْك حُرمَتِها ويَعِيبونَ على مَن فعل ذلك أشدَّ العَيْب، وإنَّما
قَدَّمَ السُّؤال عنها تَذكاراً لحُرمَتها وتقريراً لمَا ثَبَتَ في نفوسهم، ليبنيَ عليه ما أراد تقريره
علی سبیل التأكید.

٦٢٣
باب ١٣٢ / ح ١٧٤٢
كتاب الحج
١٧٤٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا عاصمُ بنُ محمَّدِ بنِ زيدٍ،
عن أبيه، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ وَّ بِمِنَّى: «أتدرونَ أيُّ يومٍ هذا؟)) قالوا:
اللهُ ورسولُه أعلم، فقال: ((فإنَّ هذا يومٌ حرامٌ، أفتدرونَ أُّ بلدٍ هذا؟)) قالوا: الله ورسولُه
أعلمُ، قال: ((بلدٌ حرامٌ، أفتَدْرونَ أيُّ شهرٍ هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: ((شهرٌ حرامٌ)»
قال: (فإنَّ اللهَ خَرَّمَ علیکم دماءًگُم وأموالكم وأعراضگُم، کخُزمة یومِكم هذا، في شهرِ کم
هذا، في بلدِ کم هذا».
وقال هشامُ بنُ الغازِ: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: وَقَفَ النبيُّ ◌َّهِ يومَ النَّحْرِ
بين الجَمَراتِ في الحجَّة التي حجَّ بهذا، وقال: ((هذا يومُ الحَجِّ الأكثرِ))، فطَفِقَ النبيُّ ◌َل يقول:
(اللّهِمَّ اشهَدْ)) ووَدَّعَ الناسَ فقالوا: هذه حَجَّةُ الوَدَاعِ.
[أطرافه في: ٤٤٠٣، ٦٠٤٣، ٦١٦٦، ٦٧٨٥، ٦٨٦٨، ٧٠٧٧]
قوله: ((عن أبيه)» هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، فروايته عن جدِّه.
قوله: ((أفتَدْرونَ)) في رواية الإسماعيلي عن القاسم المطرِّز عن محمد بن المثَنَّى شيخ
البخاري قال: ((أوَتدرونَ)).
قوله: ((وقال هشام بن الغازِ)) بالغين المعجَمة وآخره زاي خفيفة، وقد وَصَلَه ابن ماجَهْ
(٣٠٥٨) قال: حدَّثنا هشام بن عمَّار حدَّثنا صدقة بن خالد حدَّثنا هشام، وأخرجه الطبراني
عن أحمد بن المعلَّى، والإسماعيلي عن جعفر الفِرْيابي، كلاهما عن هشام بن عمَّار، وعن
جعفر الفِرْيابي عن دُحَيم عن الوليد بن مسلم(١) عن هشام بن الغازِ، ومن هذا الوجه
أخرجه أبو داود (١٩٤٥).
قوله: ((بين الجَمَرات)) بفتح الجيم والميم، فيه تعيين البُقْعة التي وَقَفَ فيها، كما أنَّ في
الرواية التي قبلها تعیین المكان، کما أنَّ في حديثي ابن عبّاس وأبي بكرة تعیین اليوم، ووقع
(١) ورواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم أيضاً، فلجعفر الفريابي في هذا الإسناد شيخان: هشام بن عمار.
ودحيم: واسمه عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي. وأما رواية أبي داود فعن مؤمّل بن الفضل عن الوليد.

٦٢٤
باب ١٣٢ / ح ١٧٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
تعيين الوقت من اليوم في رواية رافع بن عَمروِ المُزَني عند أبي داود (١٩٥٦) والنَّسائي
(ك٤٠٧٩) ولفظه: رأيت النبيَّ وَ لَهَ يَخْطُب الناس بمِنَّى حين ارتَفَعَ الضُّحى ... الحديث.
قوله: ((في الحجَّة التي حَجَّ) هذا هو المعروف عند مَن ذُكِرَ أولاً، ووقع في رواية
الكُشْمِيهني: في حَجَّته التي حَجّ، وللطَّبَراني(١): في حَجَّة الوداع.
قوله: ((بهذا)) أي: بالحديث الذي تقدَّم من طريق محمد بن زيد عن جدِّه، وأراد المصنّف
بذلك أصلَ الحديث وأصل معناه لكنَّ السياق مُخُتِلِف، فإنَّ في طريق محمد بن زيد أنَّهم
أجابوا بقولهم: ((الله ورسوله أعلم))، وفي هذا عند ابن ماجَهْ (٣٠٥٨) وغيره في أجوبتهم
قالوا: يوم النَّحْرِ، قالوا: بلدٌ حرام، قالوا: شهر حرام، ويُجمَع بينهما بنحوِ ما تقدَّم، وهو
أنَّهم أجابوا أولاً بالتفويض، فلمَّا سَكَتَ أجابوا بالمطلوب. وأغرَبَ الكِرْماني فقال: قوله:
((بهذا)) أي: وَقَفَ مُتلبّساً بهذا الكلام.
٥٧٧/٣
قوله: ((وقال: هذا يومُ الحجّ الأكبر)) فيه دليل لمن يقول: إنَّ يوم الحج الأكبر هو يوم
النَّحر، وسيأتي البحث فيه في أول تفسير سورة براءة (٤٦٥٦) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فطَفِقَ)) في رواية ابن ماجَهْ (٣٠٥٨) وغيره بين قوله: ((يوم الحج الأكبر)) وبين
قوله: ((فطَفِقَ)) من الزيادة: ((ودِماؤُكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحُرْمة هذا
البلد في هذا اليوم)) وقد وقع معنى ذلك في طريق محمد بن زيد أيضاً.
قوله: «فودَّعَ الناس) وقع في طريق ضعيفة عند البيهقي (٥/ ١٥٢) من حديث ابن عمر
سببُ ذلك ولفظه: أُنزِلَت ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ على رسول الله وَّهُ فِي وَسَط
أيام التشريق، وعَرَفَ أنَّه الوداع، فأمَرَ براحلتِهِ القَصْواء فُرُحِلَت له فَرَكِب، فوَقَفَ بالعَقَبة
واجتمع الناس إليه فقال: يا أيُّها الناس ... فذكر الحديث.
وفي هذه الأحاديث دلالة على مشروعية الخُطبة يوم النَّحر، وبه أخذَ الشافعي ومَن
تَبِعَه، وخالَفَ في ذلك المالكيةُ والحنفيَّة قالوا: خُطَب الحج ثلاثة: سابع ذي الحِجّة، ويوم
عَرَفة، وثاني يوم النَّحر بمِنَّى، ووافقهم الشافعي إلَّا أنَّه قال بدل: ثاني النَّحر: ثالثه، لأنَّه
(١) في ((مسند الشاميين)) (١٥٣٣).

٦٢٥
باب ١٣٢ / ح ١٧٤٢
كتاب الحج
أول النَّفر، وزاد خطبةً رابعة وهي يوم النَّحر وقال: إنَّ بالناس حاجةً إليها ليتعلَّموا أعمال
ذلك اليوم من الرَّمي والذَّبح والحلق والطَّواف.
وتعقَّبه الطَّحاوي بأنَّ الخطبة المذكورة ليست من مُتَعَلَّقات الحج، لأنَّه لم يَذكُر فيها
شيئاً من أُمور الحج وإنَّما ذكر فيها وصايا عامّة، ولم يَنقُل أحد أنَّه عَلَّمَهم فيها شيئاً من
الذي يَتعلَّق بيوم النَّحر، فعَرَفْنا أنَّها لم تُقصَد لأجل الحج. وقال ابن القَصَّار: إنَّما فعل ذلك
من أجل تبليغ ما ذَكَره لكَثْرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظَنَّ الذي رآه أنَّه
خَطَب، قال: وأمَّا ما ذكره الشافعي أنَّ بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلُّل
المذكورة، فليس بمُتَعيِّنٍ، لأنَّ الإمام يُمكِنه أن يُعلِّمهم إياها يومَ عَرَفة، انتھی.
وأُجيب بأنَّه نَبَّهَ وَله في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النَّحر، وعلى تعظيم شهر ذي
الحِجّة، وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جَزَمَ الصحابة المذكورونَ بتسميتها خطبةً فلا
يُلتَفَت لتأويلِ غیرهم، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذُكِرَ يوم عرفة يُعگِّر عليه في گَوْنه
يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النَّحر، وكان يُمكِن أن يُعلَّموا ذلك يوم عرفة، بل كان
يُمكِن أن يُعلَّموا يوم التَّروِيَة جميع ما يأتي بعده من أعمال الحج، لكن لمَّا كان في كلّ يوم
أعمال ليست في غيره، شُرِعَ تجديد التعليم بحَسَب تجديد الأسباب.
وقد بيَّن الزُّهْري - وهو عالم أهل زمانه - أنَّ الخطبة ثاني يوم النَّحر نُقِلَت من خطبة
يوم النَّحر، وأنَّ ذلك من عمل الأُمراء، يعني: من بني أُميَّة، قال ابن أبي شَيْبةٍ(١): حدَّثنا
وكيع، عن سفيان - هو الثَّوري - عن ابن ◌ُرَيج، عن الزُّهْري قال: كان النبي ◌َِّ يَخْطُب
يوم النَّحر، فشُغِلَ الأُمراء فأخَّروه إلى الغد. وهذا وإن كان مُرسلاً لكنَّه يَعتَضِد بما سَبَق،
ويانَ به أنَّ السُّنّة الخطبةُ يومَ النَّحر لا ثانیَه.
وأمَّا قول الطَّحاوي: إنَّه لم يُنقَلِ أَنَّه عَلَّمَهم شيئاً من أسباب التحلَّل، فلا ينفي وقوعَ
ذلك أو شيئاً منه في نفس الأمر، بل قد ثَبَتَ في حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص كما
(١) في ((المصنف)) (١٤١٤٧) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٦٢٦
باب ١٣٢ / ح ١٧٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
تقدَّم في الباب الذي قبله (١٧٣٧) أنَّه شَهِدَ النبيَّ نَّهِ يَخْطُب يوم النَّحر، وذكر فيه السُّؤال
عن تقدُّم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغَ للطَّحاوي هذا النَّفْيُ المطلَق مع روايته
هو لحديث عبد الله بن عَمْرو، وثَبَتَ أيضاً في بعض طرق أحاديث الباب أنَّه وَلِّ قال
للناس حينئذٍ: ((خُذوا عنِّي مَناسكَكم))(١) فكأنَّه وَعَظَهم بما وَعَظَهم به، وأحالَ في تعليمهم
على تَلقّي ذلك من أفعاله.
وممَا يُرَدُّ به على تأويل الطَّحاوي ما أخرجه ابن ماجَهْ (٣٠٥٧) من حديث ابن مسعود
قال: قال رسول الله وَ ل﴿ وهو على ناقته بعَرَفات: ((أتدرونَ أيُّ يوم هذا؟)) الحديث، ونحوه
للطَّبَراني في «الكبير» (١١٣٩٩) من حديث ابن عبّاس، وأخرج أحمد (١٨٧٢٢) من
حديث نُبَيط بن شَرِيط: أنَّه رأى النبي وَ لهَ واقفاً بعَرَفة على بعير أحمر يَخْطُب، فسمعته
٥٧٨/٣ يقول: ((أيُّ يوم أحرَمُ؟)) قالوا: هذا اليوم، قال: ((فأيّ بلد أحرَمُ؟»/ الحديث، ونحوه لأحمد
(٢٠٣٣٦) من حديث العَدّاء بن خالد، فهذا الحديث الذي وقع في ((الصحيح)): أنَّه وَله
خَطَبَ به يوم النَّحر، قد ثَبَتَ أَنَّه خَطَبَ به قبل ذلك يوم عَرَفة.
وأمَّا الأحاديث التي وَرَدَت عن الصحابة بتصريحهم أنَّه وَلَّ خَطَبَ يوم النَّحر غير ما
تقدَّم، فمنها حديث الهِرْماس بن زياد، أخرجه أبو داود (١٩٥٤) ولفظه: رأيت النبي وليه
يَخْطُب الناس على ناقته الجَدْعاء يوم الأضحى، وحديث أبي أمامة: سمعت خطبة النبي
وَّ بِمِنَّى يوم النَّحر، أخرجه (١٩٥٥)، وحديث عبد الرحمن بن معاذ(٢): خَطَبنا رسول الله
وَل﴿ ونحنُ بمِنَّى، أخرجه (١٩٥٧)، وحديث رافع بن عَمْرو: رأيت رسول الله وَّ تَخْطُب
الناس بمِنّى حين ارتَفَعَ الضُّحى، أخرجه (١٩٥٦)، وأخرج(٣) من مُرسَل مسروق: أنَّ
النبي ◌َّ خَطَبَ يوم النَّحر، والله أعلم.
(١) أخرجه مسلم (١٢٩٧).
(٢) العبارة في الأصلين و(س): أخرجه عبد الرحمن وحديث معاذ، وهو خطأ وخلط، والصواب ما أثبتنا.
(٣) إن كان الحافظ أراد بهذا العطف على تخريج أبي داود للأحاديث السابقة، فقد وَهِمَ، فإن أبا داود لم يخرج
مرسل مسروق لا في ((سننه)) ولا في ((مراسيله))، وإنما أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٤١٥١).

٦٢٧
باب ١٣٣ / ح ١٧٤٣ -١٧٤٥
كتاب الحج
١٣٣ - باب هل يَبِيت أصحاب السِّقابة أو غيرهم بمكّة لياليَ منَّی
١٧٤٣ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عُبيد بنِ ميمونٍ، حدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، عن عُبيدِ الله، عن
نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: رَخَّصَ النبيُّ وَّهِ.
١٧٤٤ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بكرٍ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، أخبرني عُبيدُ الله،
عن نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَّ أَذِنَ.
١٧٤٥ - وحدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ ثُمَيرٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: حدَّثني
نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ العبّاسَ ﴾ اسْتَأْذَنَ النبيَّ ◌َ لِيَبِيتَ بمكَّةً ليالَ مِنَّى من
أجْلِ ◌ِقایَتِه، فأذِنَ له.
تابَعَه أبو أُسامةَ وعُقْبةُ بنُ خالٍ وأبو ضَمْرةَ.
قوله: ((باب هل يَبيت أصحاب السِّقاية أو غيرهم بمَكَّة لياليَ مِنَّى)) مقصوده بالغير: مَن
كان له عُذر من مرض أو شُغل كالخَطّابين والرِّعاء.
قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَري.
قوله: ((رَخَّصَ رسول الله وٍَّ)) كذا اقتَصَرَ عليه وأحالَ به على ما بعده، ولفظه عند
الإسماعيلي من طريق إبراهيم بن موسى عن عيسى بن يونس المذكور في الإسناد: أنَّ
رسول الله ◌َ﴿ رَخَّصَ للعَبَّاس أن يَبِيت بمكّة أيام مِنَّى من أجل سِقايته.
قوله في طريق ابن جُرَيج: ((أنَّ النبي ◌َّهِ أَذِنَ)) كذا اقتَصَرَ عليه أيضاً وأحالَ به على ما
بعده، ولفظه عند أحمد في («مسنده)) (٥٦١٣) عن محمد بن بكر المذكور في الإسناد: أذِنَ
للعبّاس بن عبد المطلب أن يبيت بمكَّة لياليَ مِنَّى من أجل السِّقاية.
قوله: («تابَعَه أبو أسامة)) أي: تابَعَ ابنَ نُمَیر، وَصَلَه مسلم (٣٤٦/١٣١٥) عن أبي بكر
ابن أبي شَيْبة قال: حدَّثنا ابن نُمَير وأبو أُسامة، عن عُبيد الله، ولفظه مثل رواية ابن نُمَیر.
قوله: (وعُقْبة بن خالد)) وَصَلَه عثمان بن أبي شيبة في ((مسنده)) عنه.

٦٢٨
باب ١٣٣ / ح ١٧٤٣ -١٧٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وأبو ضَمْرة)) يعني: أنس بن عياض، وقد تقدَّم (١٦٣٤) في ((باب سِقاية الحاجّ)) في
أثناء أبواب الطَّواف، ولفظه مثل رواية ابن نُمَير، والنُّكتة في استظهار البخاري بهذه المتابعات
٥٧٩/٣ بعد إيراده له من ثلاثة طرق لشكٍّ وقع في رواية يحيى بن سعيد القَطّان في وصله، / فقد أخرجه
أحمد (٤٦٩١) عن يحيى عن عُبيد الله عن نافع قال: ولا أعلمه إلّا عن ابن عمر.
قال الإسماعيلي: وقد وَصَلَه أيضاً بغير شكِّ موسى بن عُقْبة والدَّراوَردي وعليّ بن مُسهِر
ومحمد بن فلُيح وغيرهم، كلّهم عن عُبيد الله، وأرسَله ابن المبارك عن عُبيد الله.
قلت: الظاهر أنَّ عُبيد الله كان ربَّما شكَّ في وصله بدليلٍ رواية يحيى القَطّان، وكأنَّه
كان في أكثر أحواله يجزِم بوَصلِه بدليل رواية الجماعة.
وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمِنّى وأنَّه من مناسك الحج، لأنَّ التعبير
بالرُّخصة يقتضي أنَّ مُقابلها عَزِيمة وأنَّ الإذن وقع للعِّة المذكورة، وإذا لم تُوجَد أو ما في
معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور.
وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفيَّة: أنَّه سُنَّة، ووجوب الدَّم
بتَركِه مبنيٌّ على هذا الخلاف ولا تَحَصُل المبيت إلَّا بمُعظَم الليل، وهل يَخْتَصّ الإذنُ
بالسِّقاية وبالعبَّاس أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحُكْم؟ فقيل: يَخَتَصّ
الحكم بالعبّاس، وهو مُود، وقيل: يَدخُل معه آله، وقيل: قومه وهم بنو هاشم، وقيل:
كلُّ مَن احتاجَ إلى السِّقاية فله ذلك.
ثمَّ قيل أيضاً: يَخْتَصّ الحُكْم بسِقَاية العبَّاس حتَّى لو عُمِلَت سِقايةٌ لغيره لم يُرخّص
لصاحبها في المبيت لأجلِها، ومنهم من عَمَّمَه وهو الصحيح في الموضعين، والعِلّة في ذلك
إعداد الماء للشاربين، وهل يَخْتَصُّ ذلك بالماء أو يَلتَحِق به ما في معناه من الأكل وغيره؟
محلُّ احتمال.
وجَزَمَ الشافعية بإلحاق مَن له مال يخاف ضَياعَه، أو أمرٌ يخاف فَوْتَه، أو مريضٌ
يَتَعاهَده، بأهل السِّقاية، كما جَزَمَ الجمهور بإلحاق الرِّعاء خاصَّة، وهو قول أحمد، واختيار

٦٢٩
باب ١٣٤ / ح ١٧٤٦
كتاب الحج
ابن المنذر، أعني: الاختصاصَ بأهل السِّقاية والرِّعاء الإبل، والمعروف عن أحمد اختصاصُ
العبَّاس بذلك، وعليه اقتَصَرَ صاحب ((المغني)).
وقال المالكية: يجب الدَّم في المذكورات سوى الرِّعاء، قالوا: ومَن تَرَك المبيتَ بغير عُذر
وَجَبَ عليه دمِّ عن كلّ ليلة، وقال الشافعي: عن كلّ ليلة إطعام مِسْكين، وقيل عنه: التصدُّق
بدرهم، وعن الثلاث دم، وهي رواية عن أحمد، والمشهور عنه وعن الحنفيّة: لا شيء عليه،
وقد تقدَّم الكلام على سِقاية العبّاس في الباب المشار إليه في أول الكلام على هذا الباب.
وفي الحديث أيضاً: استئذانُ الأُمراء والكُبَراء فيما يَطَرَأ من المصالح والأحكام وبِدَارُ
مَن استُؤمِرَ إلى الإذن عند ظُهور المصلَحة.
والمراد بأيام مِنّى: ليلة الحاديَ عشرَ واللَّتَيْنِ بعده، ووقع في رواية رَوْح عن ابن جُرَيج عند
أحمد (٥٦١٣): أنَّ مَبِيت تلك الليلة بمِنَّى، وكأنَّه عَنَى ليلة الحاديَ عشرَ لأنَّها تَعقُب يوم
الإفاضة، وأكثر الناس يُفِيضونَ يوم النَّحر ثمَّ في الذي يليه وهو الحاديَ عشرَ، والله أعلم.
١٣٤ - باب رمي الجمار
وقال جابرٌ: رَمَى النبيُّ ◌َله يومَ النَّحْرِ ضُحِى، وَرَمَى بعدَ ذلك بعدَ الزَّوال.
١٧٤٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا مِسْعَر، عن وَبَرَةَ قال: سألتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما:
متى أَرمي الجِمارَ؟ قال: إذا رَمَى إمامُكَ فارْمِهْ. فأعَدْتُ عليه المسألةَ قال: كنَّا نَتَحَيَّنُ فإذا زالَتِ
الشَّمسُ رَمَینا.
قوله: ((باب رَمْي الجِمار)) أي: وقت رَمْيها أو حُكم الرَّمي، وقد اختُلِفَ فيه: فالجمهور
على أنَّه واجب يُحِبَرَ تَركُه بدَم، وعند المالكية: سُنَّة مُؤَّدة فيُجبَرَ، وعندهم رواية: أنَّ رَمْيَ
جَمْرة العَقَبة رُكْن يَبطُل الحج بتركِهِ، ومُقابِله قول بعضهم: إنَّها إنَّما تُشرَع حِفظاً للتكبير،
فإِن تَرَكَه وكَبَّرَ أجزأه، حكاه ابن جَرِير عن عائشة وغيرها.
قوله: ((وقال جابر: رمى النبي ◌َ ل﴿ يوم النَّحْرِ ضُخَّى، الحديث)) وَصَلَه مسلم (٣١٤/١٢٩٩)
وابن خُزَيمةَ (٢٨٧٦ و٢٩٦٨) وابن حِبَّان (٣٨٨٦) من طريق ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزُّبَير عن

٦٣٠
باب ١٣٥ / ح ١٧٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
جابر قال: رأيتُ رسول الله وَّ﴿ رمى الجَمْرة ضُحّی یوم النَّحر وحده، ورمی بعد ذلك بعد
٥٨٠/٣ زَوَال الشَّمس،/ ورواه الدارمي (١٨٩٦) عن عبيد الله بن موسى عن ابن جُرَيج بلفظ التعليق،
لکن قال: «وبعد ذلك عند زَوَال الشَّمس»، ورواه إسحاق بن راهویه في («مسنده» عن عیسی
ابن يونس عن ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزُّبَير أنَّه سمع جابراً ... فذكره(١).
قوله: ((عن وبَرة)) بفتح الواو والموخَّدة: هو ابن عبد الرحمن المُسْلِي، بضم الميم
وسکون المهملة بعدها لام، کوفي ثقة، ورجال الإسناد إلى ابن عمر کوفیون.
قوله: «متی أَرمي الجمار؟» یعني: في غیر یوم الأضحى.
قوله: «فازمِه» بهاءٍ ساكنة، وهي للسکتِ.
وقوله: ((إذا رمى إمامك فازْمِهْ)) يعني: الأمير الذي على الحج، وكأنَّ ابن عمر خافَ
عليه أن يُخَالِفِ الأمير فيَحصُلَ له منه ضَرَر، فلمَّا أعاد عليه المسألة لم يَسَعْه الكِتمانُ فأعلمه
بما كانوا يفعلونه في زَمَن النبي ◌ََّ، وقد رواه ابن عُيَينةَ عن مِسعَر بهذا الإسناد فقال فيه:
فقلت له: أرأيتَ إن أخَّرَ إمامي؛ أي: الرَّمي، فذكر له الحديث، أخرجه ابن أبي عمر في
«مسنده) عنه، ومن طريقه الإسماعيلي.
وفيه دليل على أنَّ السُّنّة أن يرميَ الجِمار في غير يوم الأضحى بعد الزَّوال، وبه قال
الجمهور، وخالَفَ فيه عطاء وطاووسٌ فقالا: يجوز قبل الَّوال مُطلَقاً، ورَخَّصَ الحنفيَّة
في الرَّمي في يوم النَّفْر قبل الزَّوال، وقال إسحاق: إنْ رمى قبل الزَّوال أعاد، إلَّا في اليوم
الثالث فيُجزِئه.
١٣٥ - باب رمي الجمار من بطن الوادي
١٧٤٧ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد الرحمن
ابنِ يزيدَ قال: رَمَى عبدُ الله من بَطْنِ الوادي، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمن، إنَّ ناساً يَرْمُونَها من
(١) ذكر الحافظ هذه الرواية لأجل بيان سماع ابن جريج له من أبي الزبير، وقد وقع هذا أيضاً في رواية يحيى
القطان عن ابن جريج عند أحمد (١٤٤٣٥) وعنه أبو داود (١٩٧١)، ففات الحافظ رحمه الله الإشارةُ إليها.

٦٣١
باب ١٣٦ / ح ١٧٤٨
كتاب الحج
فوقِها، فقال: والَّذي لا إلهَ غيرُه، هذا مقامُ الَّذِي أُنْزِلَت عليه سورةُ البقرةِ وَلَه
وقال عبدُ الله بنُ الوليد: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنا الأعمَش بهذا.
[أطرافه في: ١٧٤٨، ١٧٤٩، ١٧٥٠]
قوله: ((باب رَمْي الجِمار من بَطْن الوادي)) كأنَّه أشارَ بذلك إلى ردِّ ما رواه ابن أبي شَيْبة
وغيره عن عطاء: أنَّ النبيِ وَّه كان يَعلُو إذا رمى الجَمْرةِ(١)، لكن يُمكِن الجمعُ بين هذا
وبين حديث الباب بأنَّ التي تُرمى من بطن الوادي هي جَمْرة العَقَبة لكونها عند الوادي
بخلاف الجَمرتَين الأُخريين، ويوضح ذلك قوله في حديث ابن مسعود في الطَّريق الآتية
بعد بابٍ بلفظ: ((حين رمى جَمْرة العَقَبة))، وكذا روى ابن أبي شَيْبة (٢) بإسناد صحيح عن
عَمْرو بن ميمون عن عمر: أنَّه رمى جَمْرة العَقَبة في السنة التي أُصيب فيها وفي غيرها من
بطن الوادي، ومن طريق الأسوَد (١٣٥٧١): رأيت عمر رمى جَمْرة العَقَبة من فوقها،
وفي إسناد هذا الثاني حَجّاج بن أرْطَاة وفيه ضعف، وسنذكر بقيّة الكلام عليه هناك.
قوله: ((وقال عبد الله بن الوليد)) هو العَدَني، هكذا رُوِّيناه موصولاً في ((جامع سفيان
الثَّوري)) رواية العَدَني عنه من طريق عبد الرحمن بن مَندَهْ بإسناده إلى عبد الله بن الوليد،
وفائدة هذا التعليق بيان سماع سفيان - وهو الثَّوري - له من الأعمش.
وتمتاز جَمْرة العَقَبة عن الجمرتين الأُخريَينِ بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النَّحر، وأن
لا يُوقَف عندها، وتُرمى ضُحَّى، ومن أسفَلها استحباباً.
١٣٦ - باب رمي الجمار بسبع حَصَیَاتٍ
٥٨١/٣
ذَكَرَه ابنُ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَلۇ.
١٧٤٨ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحكم، عن إبراهیمَ، عن عبد الرحمن
ابنِ يزيدَ، عن عبدِ الله﴾: أنَّه انتَهَى إلى الجَمْرةِ الكُبْرِى جَعَلَ البيتَ عن يَسارِهِ ومِنَّى عن
يمينِهِ، وَرَمَى بسَبْعٍ وقال: هكذا رَمَى الَّذِي أُنزِلَت عليه سورةُ البقرةِ ◌َّهِ.
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنف ابن أبي شيبة))، وذكره البيهقي في ((سننه)) ١٤٩/٥ من غير إسناد.
(٢) في ((المصنف)) (١٣٥٦٦) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٦٣٢
باب ١٣٧ -١٣٨ / ح ١٧٤٩ - ١٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
١٣٧ - باب من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره
١٧٤٩ - حدَّثنا آدمُ، حذَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا الحَگمُ، عن إبراهیمَ، عن عبد الرحمن بنِ یزید:
أنَّه حجَّ مع ابنِ مسعودٍ ﴾، فرآه يَرْمي الجَمْرةَ الكُبْرِى بسَبْعِ حَصَياتٍ، فجَعَلَ البيتَ عن
يَساره ومِنِّى عن يمينِه، ثمَّ قال: هذا مَقامُ الَّذِي أُنزِلَت عليه سورةُ البقرةِ.
قوله: ((باب رَمْي الجِمار بسَبْعِ حَصَيات، ذَكَرَه ابن عُمَر عن النبي ◌َّ)) يشير بذلك إلى
حديث ابن عمر الموصول عنده بعد بابين (١٧٥١) ويأتي الكلام عليه هناك، وأشارَ في
الترجمة إلى ردّ ما رواه قَتَادة عن ابن عمر قال: ما أُبَالِي رَمَيتُ الجِمار بستٍّ أو سبع، وأنَّ
ابن عبّاس أنكر ذلك، وقَتَادة لم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شَيْبة(١) من طريق
قَتَادة، وروى من طريق مجاهد: مَن رمى بستٍّ فلا شيءَ عليه، ومن طريق طاووسٍ:
يتصدَّق بشيء.
وعن مالك والأوزاعي: مَن رمى بأقلّ من سبع وفاته التَّدارُك يَجِبُرُه بدَمٍ، وعن
الشافعية: في ترك حصاةٍ مُّدٍّ، وفي ترك حَصاتَينِ مُدّان، وفي ثلاثة فأكثر دمٌّ، وعن الحنفيَّة:
إن تَرَك أقلّ من نصف الجَمَرات الثلاث فنصف صاع وإلَّا فدَمٌ.
قوله: ((عن إبراهيم)) هو ابن يزيد النَّخَعي، ورواية الحَكَم عنه لهذا الحديث مختصرة،
وقد ساقها الأعمَش عنه أتمَّ من هذا كما سيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه.
١٣٨- باب یکبِّر مع کلّ حصاةٍ
قاله ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ ◌َّد.
١٧٥٠ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، عن عبدِ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ قال: سمعتُ الحجّاجَ يقول على
المنبر: السُّورةُ التي يُذكَّرُ فيها البقرةُ، والسُّورةُ التي يُذكَرُ فيها ألُ عِمْرانَ، والسُّورةُ التي يُذكَّرُ
فيها النِّساءُ، قال: فَذَكَرْتُ ذلك لإبراهيمَ فقال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ يزيدَ: أنَّه كان مع ابنِ
مسعودٍ ﴾ حينَ رَمَى جَمْرةَ العَقَبَةِ، فاستَبْطَنَ الواديَ حتَّى إذا حاذَى بالشجرةِ اعترَضَها،
(١) في ((المصنف)) برقم (١٣٥٩٦).

٦٣٣
باب ١٣٨ / ح ١٧٥٠
كتاب الحج
فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكبِّرُ مع كلِّ خَصاةٍ، ثمّ قال: من هاهُنا والَّذي لا إلهَ غيرُه قامَ الَّذِي
أُنْزِلَت عليه سورةُ البقرةِ وَلِ.
قوله: ((باب يُكبِّ مع كلّ خَصَاة، قاله ابن عُمَر عن النبي ◌َّليّ)) يأتي الكلام عليه بعد باب.
قوله: ((عن عبد الواحد)) هو ابن زياد البصري.
قوله: ((سمعت الحجّاج)) يعني: ابن يوسف الأمير المشهور، ولم يَقصِد الأعمَش الرواية
عنه، فلم يكن بأهلٍ لذلك، وإنَّما أراد أن يحكيَ القصَّة ويوضح خطأ الحجاج فيها بما ثَبَتَ
عَمَّن يُرجَع إليه في ذلك، بخلاف الحجاج، وكان لا يَرى إضافةَ السورة إلى الاسم، فَرَدّ
عليه إبراهيم النَّخَعي بما رواه عن ابن مسعود من الجواز.
قوله: ((جَمْرة العَقَبة)) هي الجَمْرة الكُبرى، وليست من مِنَّى بل هي حَدُّ مِنَی من جهة
مكَّة، وهي التي بايَعَ النبي ◌َِّ الأنصار عندها على الهجرة.
والجَمْرة: اسم لمُجتَمَع الحصى، سُمّيت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: تَجَمَّرَ بنو
فلان: إذا / اجتمعوا، وقيل: إنَّ العرب تُسمَّي الحصى الصِّغار جِماراً فسُمّيت تسمية الشيء ٥٨٢/٣
بلازمِه، وقيل: لأنَّ آدم أو إبراهيم لمَّا عَرَضَ له إبليسُ فحَصَبه جَمَرَ بين يديه، أي:
أسرَعَ، فسُمّیت بذلك.
قوله: «فاستَبَطَنَ الواديَ)) في رواية أبي معاوية عن الأعمش: فقيل له - أي: لعبد الله بن
مسعود - إنَّ ناساً يَرمُونَها من فوقها)) ... الحديث، أخرجه مسلم (١٢٩٦ / ٣٠٥).
قوله: ((حاذَى)) بمُهمَلةٍ وبالذّال المعجَمة من المحاذاة.
وقوله: ((اعترَضَها)) أي: الشجرة، يدلّ على أنَّه كان هناك شجرة عند الجَمْرة، وقد
روى ابن أبي شَيْبة (١) عن الثّقَفي عن أيوب قال: رأيت القاسم وسالماً ونافعاً يَرمونَ من
الشجرة، ومن طريق عبد الرحمن بن الأسوَد: أنَّه كان إذا جاوَزَ الشجرة رمى العَقَبة من
تحت غُصن من أغصانها.
(١) في ((المصنف)) (١٣٥٧٦) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٦٣٤
باب ١٣٨ / ح ١٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فرمى)) أي: الجَمْرة، وفي رواية الحَكَم عن إبراهيم في الباب الذي قبله:
جعل البيت عن يساره ومِنَّى عن يمينه، ووقع في رواية أبي صَخْرة عن عبد الرحمن بن
يزيد: لمَّ أتى عبد الله جَمْرة العَقَبة استَطَنَ الوادي واستَقبَلَ القِبْلة، أخرجه التِّرمِذي
(٩٠١)، والذي قبله هو الصحيح، وهذا شاذَّ في إسناده المسعودي وقد اختَلَط، وبالأولِ
قال الجمهور.
وجَزَمَ الرّافعي من الشافعية: بأنَّه يستقبل الجَمْرة ويستدبر القِبْلة، وقيل: يستقبل
القِبْلة ويجعل الجَمْرة عن يمينه، وقد أجمعوا على أنَّه من حيثُ رَمَاها جازَ، سواء
استَقبَلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وَسَطها، والاختلاف
في الأفضل.
قوله: ((قامَ الذي أُنزِلَت عليه سورة البقرة)) قال ابن المنيِّر: خَصَّ عبدُ الله سورةَ البقرة
بالذِّكرِ لأَّها التي ذكر الله فيها الرَّمي، فأشار إلى أنَّ فعله وَّ مُبيِّن لمراد كتاب الله تعالى.
قلت: ولم أعرِف موضع ذِكْر الرَّمي من سورة البقرة، والظاهر أنَّه أراد أن يقول: إنَّ
كثيراً من أفعال الحج مذكور فيها، فكأنَّه قال: هذا مقام الذي أُنزِلَت عليه أحكام المناسك،
مُنِّهاً بذلك على أنَّ أفعال الحج توقيفية.
وقيل: خَصَّ البقرة بذلك لطولها وعِظَم قَدْرها وكَثْرة ما فيها من الأحكام، أو أشارَ
بذلك إلى أنَّه يُشرَع الوقوف عندها بقَدْرِ سورة البقرة، والله أعلم.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على اشتراط رَمْي الجَمَرات واحدة واحدة لقوله: «ُكبِِّ مع كلّ
حَصَاة))، وقد قال ◌َّ: ((خُذوا عنِّي مَناسكَكم))(١)، وخالَفَ في ذلك عطاء وصاحبه أبو
حنيفة فقالا: لو رمى السبعَ دُفعةً واحدة أجزأه.
وفيه ما كان الصحابة عليه من مُراعاةٍ حال النبيِ وٍَّ في كلّ حَرَكة وهيئة ولا سيّما في
أعمال الحج، وفيه التكبير عند رَمْي حصى الجِمار، وأجمعوا على أنَّ مَن لم يُكبِّر فلا شيء عليه.
(١) أخرجه مسلم (١٢٩٧).

٦٣٥
باب ١٣٩ - ١٤٠ / ح ١٧٥١
كتاب الحج
فائدة: زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النَّخَعي عن أبيه في هذا الحديث عن ابن مسعود:
أنَّه لمَّا فَرَغَ من رمي جَمْرة العَقَبة قال: اللهمَّ اجعله حَجّاً مبروراً، وذنباً مغفوراً (١).
١٣٩ - باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف
قاله ابنُ عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ قَلّ.
قوله: ((باب مَن رمى جَمْرة العَقَبَة ولم يَقِف، قاله ابن عُمَر عن النبيِّ)) سيأتي موصولاً
في الباب الذي بعده، وعند أحمد (٦٦٦٩) من حديث عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه،
نحوُه، ولا نَعرِف فيه خلافاً.
١٤٠ - باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبلَ القبلة ويُسهِلُ
١٧٥١ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا طَلْحةُ بنُ يحيى، حدَّثنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ،
عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّه كان يَرْمي الجَمْرةَ الدُّنْيا بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ على
إِثْرِ كِلِّ حَصَاةٍ، ثمَّ يتقدَّمُ حتَّى يُسِهِلَ، فيقومَ مُستَقِلَ القِبْلةِ فيقومُ طويلاً ويَدْعُو وبَرفَعُ يديه،
ثُمَّ يَرْمي الوُسْطَى، ثمَّ يأخُذُ ذاتَ الشِّمال/ فيَستَهِلُ ويقومُ مُستَقْبِلَ القِبْلةِ فيقومُ طويلاً ويَدْعُو ٥٨٣/٣
ويَرفَعُ يديه ويقومُ طويلاً، ثمَّ يَرْمي جَمْرةَ ذاتِ العَقَبةِ من بَطْنِ الوادي، ولا يَقِفُ عندَها، ثمَّ
يَنصَرِفُ فيقول: هكذا رأيتُ النبيَّ ◌َ ﴿ يفعلُه.
[طرفاه في: ١٧٥٢، ١٧٥٣]
قوله: ((باب إذا رمى الجَمْرتَينِ يقوم مُستَقبِل القِبْلة ويُسهِل)) المراد بالجمرتَينِ: ما سوى
جَمْرة العَقَبة، وهي التي يبدأ بها في الرَّمي في أول يوم ثمَّ تصير أخيرةً في كلِّ يوم بعد
ذلك.
قوله: ((حدَّثنا طَلْحة بن يحيى)) أي: ابن النُّعمان بن أبي عيَّاش الزُّرَقي الأنصاري المدني
نزيل بغداد، وَثَّقَه ابن مَعِين، وقال أحمد: مُقارِب الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوي،
وزَعَمَ ابن طاهر أنَّه ليس له في البخاري سوى هذا الحدیث.
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٤٠٦١)، وإسناده ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.

٦٣٦
باب ١٤١ / ح ١٧٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: لكنَّه لم يحتجَّ به على انفراده، فقد استَظهَرَ له بمُتابعة سليمان بن بلال في الباب
الذي بعده، وبمُتابعة عثمان بن عمر أيضاً (١٧٥٣)، كلاهما عن یونس کما سيأتي بعد باب،
وتابَعَهم عبد الله بن عمر النُّمَيري عن يونس عند الإسماعيلي.
قوله: ((الجَمْرة الدُّنْيا)) بضم الدال وبكسرها، أي: القريبة إلى جهة مسجد الخَيْف،
وهي أول الجَمَرات التي تُرمَى من ثاني يوم النَّحر.
قوله: ((يُسهِل)) بضم أوله وسكون المهمَلة، أي: يَقصِد السهل من الأرض: وهو المكان
المصطَحِب الذي لا ارتفاعَ فيه.
قوله: «ثمّ یأخذ ذات الشِّمال) أي: يمشي إلى جهة شماله «فیقوم طويلاً) في رواية سليمان
(١٧٥٢): فيقوم قياماً طويلاً، وسيأتي الكلام فيه بعد باب.
قوله: ((ويَرفَع يديه)) أي: في الدُّعاء.
قوله: ((ثُمَّ يَرْمي الوُسْطَى ثمَّ يأخُذ ذات الشِّمال)) أي: لِيقِفَ داعياً في مكان لا يصيبُه
الرَّمي، وفي رواية سليمان: ثمَّ يرمي الجَمْرة الوُسطى كذلك فيأخذ ذات الشِّمال، وفي رواية
عثمان (١٧٥٣): ثُمَّ يَنحَدِر ذات اليَسار ممَّا يلي الوادي فيَقِف مُستَقَبِل القِبْلة.
قوله: ((ثُمَّ يَرْمي جَمْرةَ ذاتِ العَقَبة)) هو نحو: ((يا نساءَ المؤمناتِ)) أي: يأتي الجَمْرة
ذات العَقَبة، وثَبَتَ كذلك في رواية سليمان، وفي رواية عثمان بن عمر: ثمَّ يأتي الجَمْرة
التي عند العَقَبة.
قوله: ((ثمَّ یَنصَرِف» في روایة سلیمان: ولا يقف عندها.
١٤١ - باب رفع اليدين عند جمرة الدّنيا والوسطى
١٧٥٢ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن يونسَ بنِ یزیدَ،
عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله: أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما كان يَرْمي جَمْرةَ
الدُّنْيا بسَبْعِ خَصَياتٍ، ثمَّ يُكبِّرُ على إِثْرِ كلِّ حَصاةٍ، ثمَّ يتقدَّمُ فيُسهِلُ فيقومُ مُستَقِلَ القِبْلةِ قِياماً
طويلاً، فَيَدْعُو ويَرفَعُ يديه، ثمَّ يَرْمي الجَمْرةَ الوُسْطَى كذلك، فيأْخُذُ ذاتَ الشِّمال فيُسِهِلُ

٦٣٧
باب ١٤٢ / ح ١٧٥٣
كتاب الحج
ويقومُ مُستَقبِلَ القِبْلةِ قِياماً طويلاً، فيَدْعُو ويَرفَعُ يديه، ثمَّ يَرْمي الجَمْرةَ ذاتَ العَقَبَةِ من بَطْنِ
الوادي، ولا يَقِفُ عندَها ويقول: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِوَلِّ يفعلُ.
قوله: ((باب رَفْع اليدَينِ عند جَمْرة الدُّنْيا والوُسْطى)) قال ابن قُدَامة: لا نعلم لمَا تَضَمَّنَه
حديث ابن عمر هذا مخالفاً إلَّا ما روي عن مالك من تَرْك رفع اليدينِ عند الدُّعاء بعد
رمي الجِمار، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحداً أنكر رفع اليدينِ في الدُّعاء عند الجَمْرة إلَّا ما
حكاه ابن القاسم عن مالك. انتهى.
ورَدَّه ابن المنيِّر بأنَّ الرفع لو كان هنا سُنَّة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة، وغَفَلَ رحمه
الله تعالى عن أنَّ الذي رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة في زمانه، وابنه/ سالم أحد ٥٨٤/٣
الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شِهاب عالم المدينة ثمَّ الشام في زمانه،
فمَن عُلَماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟! والله المستعان.
١٤٢ - باب الدعاء عند الجمرتین
١٧٥٣ - وقال محمَّدٌ: حدّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريّ: أنَّ رسولَ الله وَلـ
كان إذا رَمَى الجَمْرةَ التي تلي مسجدَ مِنَّى يَرْمِيها بسَبْعِ خَصَياتٍ، يُكبِّرُ كلَّما رَمَی بحصاةٍ، ثمَّ
تقدَّمَ أمامَها فَوَقَفَ مُستَقِلَ القِبْلةِ رافعاً يديه يَدْعُو، وكان يُطِيلُ الوقوفَ، ثمَّ يأتي الجَمْرةَ
الثّانيةَ فيَرْمِيها بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكبِّرُ كلَّما رَمَى بِحَصاةٍ، ثمَّ يَنْحَدِرُ ذاتَ اليَسارِ ممّاً يلي الواديَ،
فِيَقِفُ مُستَقبِلَ القِبْلةِ رافعاً يديه يَدْعُو، ثمَّ يأتي الجَمْرةَ التي عندَ العَقَبَةِ فِيَرْمِيها بِسَبْعٍ
حَصَيَاتٍ، يُكبِّرُ عندَ كلِّ خَصاةٍ، ثمَّ يَنصَرِفُ ولا يَقِفُ عندَها.
قال الزُّهْريُّ: سمعتُ سالم بنَ عبدِ الله يُحدِّثُ مِثلَ هذا، عن أبيه، عن النبيِّ وَّ.
و کان ابنُ عمرَ یفعلُه.
قوله: ((باب الدُّعاء عند الجَمْرتَين)) أي: وبيان مِقْداره.
قوله: ((وقال محمَّد: حدَّثنا عثمان بن عُمَر)) قال أبو عليّ الجَيَّاني: اختُلِفَ في محمد هذا،

٦٣٨
باب ١٤٢ / ح ١٧٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
فَنَسَبَه أبو عليّ بن السَّكَن فقال: محمد بن بشَار. قلت: وهو المعتمَد، وقال الكلاباذي: هو
محمد بن بشَار أو محمد بن المثنَّى. وجَزَمَ غيره بأنَّه الذُّهلي.
قوله: ((قال الزُّهْري سمعت ... )) إلى آخره، هو بالإسناد المصَدَّر به الباب، ولا اختلاف
بين أهل الحديث أنَّ الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايتُه أنَّه من تقديم المتن على
بعض السنَد، وإنَّما اختلفوا في جواز ذلك.
وأغرَبَ الكِرْماني فقال: هذا الحديث من مراسيل الزّهْري، ولا يصير بما ذَكَره آخِراً
مسنداً لأنَّه قال: يُحدِّث بمثلِه لا بنفسِه. كذا قال، وليس مراد المحدِّث بقوله في هذا:
((بمثله)) إلَّا نفسه، وهو كما لو ساق المتن بإسناد ثمَّ عَقَّبَه بإسناد آخر ولم يُعِد المتن بل قال:
((بمثلِه))، ولا نِزاع بين أهل الحديث في الحُكْم بوَصْلٍ مثل هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال:
((بمعناه)) خلافاً لمن يمنع الرواية بالمعنى.
وقد أخرج الحديث المذكورَ الإسماعيليُّ عن ابن ناجيةَ عن محمد بن المثنَّى وغيره عن
عثمان بن عمر وقال في آخره: قال الزُّهْري: سمعت سالماً يُحدِّث بهذا عن أبيه عن النبي ◌ِّ،
فعُرِفَ أنَّ المراد بقوله: ((مثله)) نفسه، وإذا تكلّم المرء في غير فنِّه أتى بهذه العجائب.
وفي الحديث مشروعية التكبير عند رمي كلّ حَصَاة، وقد أجمعوا على أنَّ مَن تَرَكَه لا
يَلزَمُه شيء، إلَّ الثَّوري فقال: يُطْعِم، وإن جَبَرَه بدَمِ أحَبُّ إليّ. وعلى الرَّمي بسبعٍ، وقد
تقدَّم ما فيه.
وعلى استقبال القِبْلة بعد الَّمي والقيام طويلاً. وقد وقع تفسيره فيما رواه ابن أبي شَيْبة(١)
بإسناد صحيح عن عطاء: كان ابن عمر يقوم عند الجمرتَينِ مِقدارَ ما يقرأ سورة البقرة.
وفيه التَّباعُد من موضع الرَّمي عند القيام للدُّعاء حتَّى لا يُصيبَه رميُّ غيره.
وفيه مشروعية رفع اليدينِ في الدُّعاء، وترك الدُّعاء والقيام عند جَمْرة العَقَبة، ولم
يَذكُر المصنِّف حال الرّامي في المشي والركوب. وقد روى ابن أبي شَيْبة (١٣٩٠٣) بإسناد
(١) في ((المصنف)) (١٤٥٣٦) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٦٣٩
باب ١٤٣ - ١٤٤ / ح ١٧٥٤ -١٧٥٥
كتاب الحج
صحيح: أنَّ ابن عمر كان يمشي إلى الجِمار مُقبِلاً ومُدبِراً، وعن جابر (١٣٩٠٩): أنَّه كان لا
يَركَب إلَّا من ضَرُورة.
٥٨٥/٣
١٤٣ - باب الطِّيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة
١٧٥٤ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ القاسم: أنَّه سمعَ
أباه - وكان أفضَلَ أهلِ زمانِه - يقول: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها تقولُ: طَيِّتُ رسولَ الله ◌ِّيه
بيدَيَّ هاتَينِ حينَ أحرَمَ، ولحِلُّه حينَ أحَلَّ قبلَ أن يَطُوفَ؛ وبَسَطَت يديها.
قوله: ((باب الطِّيب بعد رمي الجِمار والحلق قبل الإفاضة)» أورَدَ فيه حديث عائشة:
طِيَّيتُ رسول الله وَّه بيديّ حين أحرَمَ ولِلّه حين أحَلَّ قبل أن يطوف ... الحديث،
ومُطابَقَته للترجمة من جهة أنَّه ◌َِّ لمَّا أفاضَ من مُزدَلِفة لم تكن عائشة مُسايِرتَه، وقد ثَبَتَ
أنَّه استَمرَّ راكباً إلى أن رمى جَمْرة العقبة، فدَلَّ ذلك على أنَّ تطييبها له وقع بعد الرَّمي،
وأمَّا الحلق قبل الإفاضة فلأنَّه وَّهَ حَلَقَ رأسه بمِنَّى لمَّا رَجَعَ من الرَّمي، وأخذَه من
حديث الباب من جهة التطيُّب فإنَّه لا يقع إلَّا بعد التحلُّل، والتحلّل الأول يقع بأمرينِ
من ثلاثة: الرَّمي والحلق والطَّواف، فلولا أنَّه حَلَقَ بعد أنَّ رمى لم يَتَطَيِّب.
وفي هذا الحديث حُجَّة لمن أجازَ الطِّيب وغيره من محظورات الإحرام بعد التحلّل
الأول، ومَنَعَه مالك، وروي عن عمر وابن عمر وغيرهما، وقد تقدَّم الكلام على حديث
الباب مُستَوفَّى في ((باب الطّيب عند الإحرام)) (١٥٣٩) وأَحَلْتُ على هذا السياق هناك.
تنبيه: قوله: ((حين أحرَمَ)) أي: حين أراد الإحرام، وقوله: ((حين أحَلَّ)) أي: لمَّا وقع
الإحلالُ، وإنَّما كان كذلك لأنَّ الطِّيب بعد وقوع الإحرام لا يجوز، والطّيب عند إرادة
الِحِلّ لا يجوز، لأنَّ المحرِم ممنوع من الطّيب، والله أعلم.
١٤٤ - باب طواف الوداع
١٧٥٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا سفيانُ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما قال: أُمِرَ الناسُ أن يكونَ آخِرُ عَهْدِهم بالبيتِ إلا أنَّه خُفِّفَ عن الحائضِ.

٦٤٠
باب ١٤٤ / ح ١٧٥٥ - ١٧٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٧٥٦ - حدَّثنا أصبَغُ بنُ الفَرَج، أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بنِ الحارثِ، عن قَتَادة، أنَّ
أنسَ بنَ مالكٍ ﴾ حدَّثه: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صَلَى الظَّهرَ والعصرَ والمغرِبَ والعِشاءَ، ثمَّ رَقَدَ رَقْدةً
بالمُحَصَّبِ، ثمَّ رَكِبَ إلى البيتِ فطاف به.
تَابَعَه الليثُ، حدَّثني خالدٌ، عن سعيدٍ، عن قَتَادة: أنَّ أنْسَ بنَ مالكٍ﴾ حدَّثه عن النبيِّ وَلَّهِ.
[طرفه في: ١٧٦٤ ]
قوله: ((باب طواف الوداع)) قال النَّوَوي: طواف الوداع واجبٌ يَلْزَم بتَركِه دمٌّ على
الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء. وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سُنَّة لا شيء في
تركه. انتهى، والذي رأيته في ((الأوسط)) لابن المنذر: أنَّه واجبٌ للأمر به، إلَّا أنَّه لا يجب
بترکِه شيء.
قوله: ((أُمِرَ الناس)) كذا في رواية عبد الله بن طاووسٍ عن أبيه على البناء لمَا لم يُسمَّ
فاعله، والمراد به النبي ◌َّ﴿، وكذا قوله: ((خُفِّفَ))، وقد رواه سفيان أيضاً عن سليمانَ
الأحوَل عن طاووسٍ فصَرَّحَ فيه بالرفع ولفظه عن ابن عبّاس قال: كان الناس يَنصَرِ فونَ
في كلّ وجه، فقال رسول الله وَله: ((لا يَنِفِرَنَّ أحد حتَّى يكون آخِرُ عهده بالبيت، أخرجه
مسلم هو والذي قبله (١٣٢٧ و١٣٢٨) عن سعيد بن منصور عن سفيان بالإسنادینِ
فَرَّقَهما، فكأنَّ طاووساً حدَّث به على الوجهَين، ولهذا وقع في رواية كلِّ من الراويَينِ عنه ما
لم يقع في رواية الآخر.
٥٨٦/٣
وفيه دليل على وجوب طواف الوداع للأمر المؤكَّد به، وللتعبير في حقّ الحائض
بالتخفيفِ كما تقدَّم، والتخفيف لا يكون إلَّا من أمر مُؤكَّد، واستُدِلَّ به على أنَّ الطَّهارة
شرط لصِحَّة الطَّواف، وسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده.
قوله: ((عن قَتَادة)) سيأتي بعد باب (١٧٦٤) من وجه آخر عن ابن وَهْب التصريح
بتحديث قَتَادة، ويأتي الكلام عليه هناك، والمقصود منه هنا قوله في آخره: ثمَّ رَكِبَ إلى
البيت فطاف به.