Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
باب ١٠٨ / ح ١٦٩٩
كتاب الحج
وذكر الطَّحاوي في ((اختلاف العلماء)) كراهتَه عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه
للأتِباع حتَّى صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا: هو حسن. قال: وقال مالك: يَخْتَصُّ
الإشعار بمن لها سَنام.
قال الطَّحاوي: ثَبَتَ عن عائشة وابن عبّاس التخييرُ في الإشعار وتَركُه، فدَلَّ على أنَّه
ليس بنُسُك، لكنَّه غيرُ مکروہ لُبوتِ فعلِه عن النبي
وقال الخطَّابي وغيرُه: اعتلال مَن كَرِهَ الإشعار بأنَّه من المُثْلة مردود، بل هو باب آخرُ
كالكَيِّ وشَقّ أُذُن الحيوان ليصير علامة وغير ذلك من الوَسْم، وكالخِتان والحجامة،
وشَفَقةُ الإنسان على المال عادة، فلا يُحشى ما تَوَهَّموه من سَرَيان الجُرح حتَّى يُفضِيَ إلى
الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظَ لَقَيَّدَه الذي كَرِهَه به كأن يقول: الإشعارُ الذي يفضي
بالجُرحِ إلى السِّراية حتَّى تَهِلِكَ البَدَنة مكروه، فكان قريباً.
وقد كَثُرَ تشنيع المتقدِّمينَ على أبي حنيفة في إطلاقه كراهةَ الإشعار، وانتَصَرَ له الطَّحاوي
في ((المعاني)) فقال: لم يَكرَه أبو حنيفة أصلَ الإشعار، وإنَّما كَرِهَ ما يُفعَلُ على وجهٍ يُخَافُ منه
هلاك البُدن كسِرَاية الجرح ولا سِيّما مع الطَّعنِ بالشَّفرة، فأراد سَدَّ الباب عن العامّة لأنَهم لا
يُراعُونَ الحدَّ في ذلك، وأمَّا مَن كان عارفاً بالسُّنّة في ذلك فلا.
وفي هذا تَعقُّبٌ على الخطَّبِي حيثُ قال: لا أعلمُ أحداً كرهَ الإشعار إلَّ أبا حنيفة،
وخالَفَه صاحباه فقالا بقول الجماعة. انتهى.
ورُوي عن إبراهيم النَّخَعي أيضاً أنَّ كَرِهَ الإشعار، ذكر ذلك التِّرمِذي(١) قال: سمعت
أبا السائب يقول: كنّا عند وكيع فقال له رجل: رُوِيَ عن إبراهيم النَّخَعي أنَّه قال: الإشعارُ
مُثْلةٌ، فقال له وكيع: أقول لك: أشعَرَ رسولُ اللهَوَّهِ، وتقولُ: قال إبراهيم؟! ما أحَقَّك بأن
◌ُحبَسَ، انتھی.
(١) في ((سننه)) تحت باب: ما جاء في إشعار البدن، بإثر الحديث رقم (٩٠٦).

٥٦٢
باب ١٠٩ / ح ١٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
٥٤٥/٣
وفيه تَعقُّبٌ على ابن حَزْم في زَعمِه أنَّه ليس لأبي حنيفة في ذلك سَلَفٌ. وقد بالَغَ ابن
خَزْم في هذا الموضع، ويَتَعيَّنُ الرُّجوع إلى ما قال الطَّحاوي، فإنَّه أعلمُ من غيره بأقوال
أصحابه.
تنبيه: أَتَّفَقَ مَن قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلَّا سعيد بن جُبَير، واتَّفَقوا
على أنَّ الغنمَ لا تُشعَر لضَعِفِها ولكَوْنِ صوفها أو شعرها يَستُر موضع الإشعار، وأمَّا على
ما نُقِلَ عن مالك فلكَونِها ليست ذاتَ أسنِمة، والله أعلم.
١٠٩ - باب من قلَّد القلائد بيده
١٧٠٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرِ بنِ عَمرِو بنِ
حَزْمِ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن أنَّهَا أخبَرَتْه: أنَّ زيادَ بنَ أبي سفيانَ كَتَبَ إلى عائشةَ رضي الله
عنها: إنَّ عبد الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: مَن أهدَى هَذْياً حَرُمَ عليه ما يَجِرُمُ على الحاجِّ
حتَّى يُنْحَرَ هَذْيُه. قالت عَمْرةُ: فقالت عائشةُ رضي الله عنها: ليس كما قال ابنُ عبَّاسٍ، أنا
فَتَلتُ قلائدَ هَذْىٍ رسولِ اللهِ وَّرَ بِيدَيَّ، ثمَّ قَلَّدَها رسولُ الله ◌َ﴿ بِدَیه، ثمَّ بَعَثَ بها مع أَبي،
فلم تَجِرُمْ على رسولِ الله وَلِّ شيءٌ أحَلَّه الله له حتَّى نُحِرَ الهَدْيُ.
قوله: ((باب مَن قَلَّدَ القلائدَ بيده)» أي: على الهدايا، وله حالان: إمّا أن يَسُوقَ الَدْيَ
ويَقصِدَ النُّسُك، فإنَّما يُقلِّدُها ويُشعِرُها عند إحرامه، وإمّا أن يسوقَه ويُقِيم فيُقُلِّدَها من
مکانه، وهو مُقتَضی حدیث الباب، وسيأتي بیان ما يُقلَّد به بعدَ باب.
والغرض بهذه الترجمة: أنَّه كان عالماً بابتداء التقليد ليتَرَتَّب عليه ما بعده.
قال ابن التِّين: يحتملُ أن يكون قول عائشة: ((ثمَّ قَلَّدَها بيدِه)) بياناً لِحِفْظِها للأمر
ومعرفتها به، ويُحتَمل أن تكون أرادت أنَّه ◌َلَ تَنَاوَلَ ذلك بنفسه وعَلِمَ وقتَ التقليد، ومع
ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنعُ منه المحرِمُ؛ لئلا يَظُنَّ أحد أنَّه استَباحَ ذلك قبلَ أن يَعلَمَ
بتقليد اهدي.

٥٦٣
باب ١٠٩ / ح ١٧٠٠
كتاب الحج
قوله: ((عن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حَزْمٍ)) كذا للأكثر، وسَقَطَ (عَمْرو)) من رواية
أبي ذرِّ. وعَمْرة: هي خالةٌ عبد الله الراوي عنها، والإسناد كلُّه مدنيُّون إلَّا شيخ البخاري.
قوله: ((أنَّ زياد بن أبي سُفْيان)) كذا وقع في ((الموطأ)) (١/ ٣٤٠ -٣٤١) وكأنَّ شيخ مالك
حدَّث به كذلك في زَمَن بني أُميَّة، وأمَّا بعدَهم فما كان يقال له إلَّا زياد ابن أَبيه، وقبلَ
استلحاق معاوية له كان يقال له: زياد بن عُبيد، وكانت أُمّه سُميَّة مولاةُ الحارث بن
كَلَدة الثَّقَفي تحتَ عُبيدٍ المذكور، فوَلَدَت زياداً على فِراشه، فكان يُنسَبُ إليه، فلمَّا كان في
خلافة معاوية شَهِدَ جماعة على إقرار أبي سفيان بأنَّ زياداً ولدُه، فاستَلحَقَه معاويةُ لذلك
وزَوَّجَ ابنَه ابنتَه وأمَّرَ زياداً على العراقَين البصرة والكوفة جمعهما له، ومات في خلافة
معاوية سنةً ثلاث و خمسین.
تنبيه: وقع عند مسلم (٣٦٩/١٣٢١) عن يحيى بن يحيى عن مالك في هذا الحديث:
((أنَّ ابن زياد)) بدلَ قوله: ((أنَّ زياد بن أبي سفيان)) وهو وهمٌ نَبَّه عليه الغَسَّاني ومَن تَّبِعَه،
قال النّوَوي وجمیع مَن تكلّم على ((صحيح مسلم)): والصوابُ ما وقع في البخاري، وهو
الموجودُ عند جميع رواة ((الموطّ)).
قوله: ((حتَّى يَنْحَرَ هَذْیَه)) زاد مسلم في روايته: وقد بَعَثتُ بهَدْيي فاكتُبي إليَّ بأمرٍك، زاد
الطَّحاوي (٢٦٤/٢ - ٢٦٥) من رواية ابن وَهْب عن مالك: ((أو مُرِي صاحبَ الهَدْي)»
أي: الذي معه اهدي، أي: بما يصنع.
قوله: «قالت عَمْرة» هو بالسنَد المذكور.
وقد روى الحديثَ المرفوعَ عن عائشة القاسمُ (١٦٩٦) وعُرْوة (١٦٩٨) كما مضى
قريباً مختصراً، ورواه عنها أيضاً مسروق وسيأتي في آخر الباب الذي بعده مختصراً
(١٧٠٤)، وأورَدَه في الضَّحايا مطوَّلاً (٥٥٦٦) وترجم هناك على حُكْم مَن أهدى وأقام
هل يصيرُ مُحُرِماً أو لا؟ ولم يُترجِم/ به هنا، ولفظه هناك: عن مسروق أنَّه قال: يا أُمَّ ٥٤٦/٣
المؤمنين، إنَّ رجلاً يَبعَثُ بالهَدْي إلى الكعبة ويجلسُ في المِصْر فيوصي أن تُقلَّدَ بَدَنتُه، فلا
يزالُ من ذلك اليوم مُحرِماً حتَّى يَحِلَّ الناس، فذكر الحديث نحوه.

٥٦٤
باب ١٠٩ / ح ١٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
ولفظُ الطَّحاوي (٢٦٥/٢) في حديث مسروق: قال: قلت لعائشة: إنَّ رجالاً هاهنا
يَبعَثُونَ بالهَدْي إلى البيت ويأمرونَ الذي يَبعَثونَ معه بمَعلَم لهم يُقلِّدُها في ذلك اليوم، فلا
يزالونَ مُحُرِمينَ حتَّى تَحِلَّ الناس ... الحديث.
وقال سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم، حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا مُحدِّث عن عائشة
وقيل لها: إنَّ زياداً إذا بَعَثَ بالهَدْي أمسَك عَّا يُمسِكُ عنه المحرِمِ حتَّى يَنحَرَ هديَه، فقالت
عائشة: أوَله كعبةٌ يطوفُ بها؟
قال: وحدَّثنا يعقوب، حدَّثنا هشام، عن أبيه: بَلَغَ عائشةَ أنَّ زياداً بَعَثَ بالهَدْي وتَجرَّدَ
فقالت: إن كنتُ لَأْفِتِلُ قلائد هَدْي النبيِ وَلِّثُمَّ يَبْعَثُ بها وهو مُقِيم عندنا ما يَجِتَنَبُ شيئاً.
وروى مالك في ((الموطّ)) (١/ ٣٤١) عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم الشَّيمي، عن
ربيعة بن عبد الله بن الهُدَير: أنَّه رأى رجلاً مُتَجرِّداً بالعراق فسألَ عنه فقالوا: إنَّه أمَرَ بَهَدِه أن
يُقلَّدَ، قال ربيعة: فَلَقِيتُ عبد الله بن الزُّبَيرِ فذكرتُ له ذلك فقال: بدعة وربِّ الكعبة.
ورواه ابن أبي شَيْبة(١) عن الثّقَفي، عن يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم، أنَّ
ربيعة أخبَرَه: أنَّه رأى ابن عبّاس وهو أمير على البصرة في زمان عليٌّ مُتَجرِّداً على منبر
البصرة؛ فذكره، فعُرِفَ بهذا اسم المبهم في رواية مالك.
قال ابن التِّين: خالَفَ ابنَ عبَّاس في هذا جميعُ الفقهاء، واحتَجَّت عائشة بفعل النبيِ وَّ،
وما رَوَته في ذلك يجبُ أن يُصارَ إليه، ولعلَّ ابن عبّاس رَجَعَ عنه. انتهى، وفيه قصور
شديد، فإنَّ ابن عبّاس لم ينفرد بذلك، بل ثَبَتَ ذلك عن جماعة من الصحابة:
منهم ابن عمر، رواه ابن أبي شَيْبة(٢) عن ابن عُليَّة عن أيوب، وابن المنذرِ من طريق
ابن جُرَيج، كلاهما عن نافع: أنَّ ابن عمرَ كان إذا بَعَثَ بالهَدْي يُمسِكُ عمَّا يُمسِكُ عنه
المحرِم إلّا أنَّه لا يُلِّي.
(١) في ((المصنف)) برقم (١٢٨٥٥) بتحقيق الجمعة واللحيدان.
(٢) في ((المصنف)) برقم (١٢٨٥٤).

٥٦٥
باب ١٠٩ / ح ١٧٠٠
كتاب الحج
ومنهم قيس بن سعد بن عُبادة، أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيّب
عنه نحو ذلك.
وروى ابن أبي شَيْبة(١) من طريق محمد بن عليّ بن الحسين عن عمر وعليّ: أنَّهما قالا في
الرجلِ يُرسِلُ بَدَنِهِ: إنَّه يُمسِكُ عمَّا يُمسِكُ عنه المحرِمِ. وهذا مُنقَطِع.
وقال ابن المنذر: قال عمر وعليّ وقيس بن سعد وابن عمر وابن عبّاس والنَّخَعي
وعطاء وابن ◌ِيرِينَ وآخرون: مَن أرسَلَ الهديَ وأقام، حَرُمَ عليه ما يَحْرُمُ على المحرِمِ،
وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزُّبَير وآخرون: لا يصيرُ بذلك مُحُرِماً، وإلى ذلك
صار فقهاء الأمصار.
ومن حُجَّة الأوَّلينَ ما رواه الطَّحاوي (١٣٨/٢ و٢٦٤) وغيره(٢) من طريق عبد الملك
ابن جابر عن أبيه (٣) قال: كنت جالساً عند النبيِ وَلَّ فقَدَّ قميصه من جَيِه حتَّى أخرجه من
رِجِلَيه وقال: ((إنّي أمَرتُ بيِّدْني التي بَعَثتُ بها أن تُقلَّدَ اليومَ وتُشعَرَ على مكان كذا،
فَلَبِستُ قميصي ونسيتُ، فلم أكُن لأُخرِجَ قميصي من رأسي)) الحديثَ، وهذا لا حُجَّةَ فيه
لضعف إسناده، إلّا أنَّ نسبةَ ابن عبّاس إلى التفرُّدِ بذلك خطأ.
وقد ذهب سعيد بن المسيّب إلى أنَّه لا يَجْتَنَبُ شيئاً مَمَّا يَجِتَنْبُه المحرِمِ إلَّ الجِماع ليلةَ جمع،
رواه ابن أبي شيبة (٤) عنه بإسناد صحيح.
نعم جاء عن الزُّهْري ما يدلُّ على أنَّ الأمرَ استَقَرَّ على خلاف ما قال ابن عبّاس، ففي
نسخة أبي اليَمَان عن شعيب عنه، وأخرجه البيهقي (٢٣٤/٥) من طريقه، قال: أول مَن
كَشَفَ العَمَى عن الناس وبيَّن لهم السُّنّةَ في ذلك عائشة ... فذكر الحديث عن عُرْوة
وعَمْرة عنها، قال: فلمَّا بَلَغَ الناسَ قولُ عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عبّاس.
(١) في المصنف)) برقم (١٢٨٥٣).
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده) برقم (١٥٢٩٨)، وإسناده ضعيف كما قال الحافظ.
(٣) قوله: ((عن أبيه)) وهمٍّ، فإن عبد الملك هذا: هو ابن جابر بن عَتِيك الأنصاري، وهذا الحديث من روايته
عن جابر بن عبد الله، وليس عن أبيه.
(٤) في المصنف برقم (١٢٨٤٨).

٥٦٦
باب ١٠٩ / ح ١٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أنَّ مَن أراد النُّسُك صار بمجرَّدٍ تقليدِهِ الهَدْيَ
مُحرِماً، حكاه ابن المنذر عن الثَّوري وأحمد وإسحاق. قال: وقال أصحاب الرَّأي: مَن ساق
الهَدْي وأمَّ البيت، ثمَّ قَلَّدَ، وَجَبَ عليه الإحرام. قال: وقال الجمهور: لا يصيرُ بتقليد
الهَدْي مُحرِماً ولا يجبُ عليه شيءٍ.
ونَقَلَ الخطّابي عن أصحاب الرَّأي مثلَ قول ابن عبّاس، وهو خطأٌ عليهم، فالطَّحاوي
٥٤٧/٣ أعلمُ بهم منه، ولعلَّ / الخطَّابِي ظَنَّ التَّسويةَ بين المسألتين.
قوله: ((بيديّ) فيه رفعُ مَجاز أن تكون أرادت أنَّهَا فُتِلت بأمرها.
قوله: ((مع أَبي)) بفتح الهمزة وكسر الموخَّدة الخفيفة؛ تريدُ بذلك أباها أبا بكر الصِّديق.
واستُفيدَ من ذلك وقتُ البعث وأنَّه كان في سنة تسعِ عام حجَّ أبو بكر بالناس.
قال ابن التّين: أرادت عائشةُ بذلك علمَها بجميع القصَّة، ويحتملُ أن تريدَ أنَّه آخرُ
فعل النبي وٍَّ لأنَّه حجَّ في العام الذي يليه حَجَّة الوداع، لئلا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذلك كان في
أول الإسلام ثمَّ نُسِخَ، فأرادت إزالةَ هذا اللَّبْس وأكمَلَت ذلك بقولها: ((فلم يَجِرُم عليه
شيء كان له ◌ِلَّ حتَّى نُحِر الهدي)) أي: وانقَضى أمرُه ولم يُحُرِم، وتَركُ إحرامه بعدَ ذلك
أحرى وأَولى، لأنَّه إذا انتَفى في وقت الشُّبهة فلأن ينتفيَ عند انتفاء الشُّبهة أَولى.
وحاصلُ اعتراض عائشة على ابن عبّاس: أنَّه ذهب إلى ما أفتى به قياساً للتولية في
أمر الهَدْي على المباشَرة له، فبيَّنت عائشة أنَّ هذا القياسَ لا اعتبارَ له في مُقابلة هذه
السُّنّة الظاهرة.
وفي الحديث من الفوائد: تَناوُل الكبير الشيءَ بنفسه وإن كان له مَن يكفيه إذا كان ممّاً
يُهتَمُّ به، ولا سِيّما ما كان من إقامة الشَّرائع وأُمور الدِّيانة.
وفيه تَعقُّبُ بعض العلماء على بعض، ورَدُّ الاجتهاد بالنَّصّ، وأنَّ الأصلَ في أفعاله :
التأسِّي به حتَّى تَثْبُتَ الخصوصيَّة.

٥٦٧
باب ١١٠ / ح ١٧٠١ - ١٧٠٤
كتاب الحج
١١٠ - باب تقليد الغنم
١٧٠١ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله
عنها، قالت: أهدَى النبيُّ وَّهِ مرَّةً غنماً.
١٧٠٢ - حدّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن
الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كنتُ أَقِلُ القلائدَ للنبيِّ ◌َّهِ فَيُقُلِّدُ الغنمَ ويُقِيمُ في
أهلِه حلالاً.
١٧٠٣ - حذَّثنا أبو التُّعْمَان، حدَّثنا حَمَّدٌ، حدَّثنا منصورُ بنُ المعتمِرِ. وحدَّثنا محمَّدُ بنُ کَثیرٍ،
أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كنتُ
أَفِتِلُ قلائدَ الغنمِ للنبِّ ◌َِّ، فِيَبْعَثُ بها ثمَّ يَمْكُثُ حلالاً.
١٧٠٤ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زكريًّا، عن عامٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله
عنها، قالت: فَتَلْتُ لَهَذْىِ النبيِّ ◌َِّه ـتعني: القلائدَ - قبلَ أن يُحِمَ.
قوله: ((باب تقليد الغنم)) قال ابن المنذر: أنكَرَ مالك وأصحابُ الرَّأي تقليدها، زاد
غيره: وكأنَّهم لم يَبلُغهم الحديثُ، ولم نَجِدْ لهم حُجَّة إلَّا قول بعضهم: إنَّها تَضعُفُ عن
التقليد، وهي حُجَّةٌ ضعيفة، لأنَّ المقصودَ من التقليد العلامة، وقد اتَّفَقوا على أنَّها لا
تُشْعَر لأنَّها تَضعُفُ عنه فتُقُلَّدُ بما لا يُضعِفُها، والحنفيَّة في الأصلِ يقولون: ليست الغنم
من الهَدْي، فالحديث حُجَّة عليهم من جهةٍ أُخرى.
وقال ابن عبد البَرِّ: احتَجَّ مَن لم يَرَ إهداء الغنم بأنَّه ◌ِِّ حِجَّ مَّة واحدة ولم يُهدِ فيها
غنماً. انتهى، وما أدري ما وجه الحُجَّة منه؛ لأنَّ حديثَ الباب دالٌّ على أنَّه أرسَلَ بها
وأقام، وكان ذلك قبلَ حَجَّتِه قطعاً، فلا تَعارُضَ بين الفعل والتركِ، لأنَّ مجرَّدَ التركِ لا
يدلُّ على نَسْخ الجواز. ثمَّ مَن الذي صَرَّحَ من الصحابة بأنَّه لم يكن في هداياه في حَجَّتِه
غنمٌ حتَّى يَسُوغَ الاحتجاجُ بذلك؟!

٥٦٨
باب ١١١ / ح ١٧٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
٥٤٨/٣ ثُمَّ ساق ابن المنذر من طريق / عطاء وعُبيد الله بن أبي يزيد وأبي جعفر محمد بن عليّ
وغيرهم قالوا: رأينا الغنمَ تُقدَّمُ مُقلَّدةً. ولابن أبي شَيْبة(١) عن ابن عبّاس نحوه. والمرادُ
بذلك الردُّ على مَن ادَّعى الإجماعَ على تَرْك إهداء الغنم وتقليدها.
وأعَلَّ بعضُ المخالفينَ حديثَ الباب بأنَّ الأسوَدَ تفرَّد عن عائشة بتقليد الغنم دونَ
بقيّة الرّواة عنها من أهلِ بيتها وغيرهم، قال المنذري وغيرُه: وليست هذه بعِلّة، لأنَّه
حافظٌ ثقة لا يَضُرُّه التفُّد.
قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)) هو ابن زياد، وإنَّما أردَفَ البخاري بطريقه طريقَ أبي نُعَيم
مع أنَّ طريقَ أبي نُعَيم عنده أعلى درجةً، لتصريح الأعمَشِ بالتحديث عن إبراهيم في رواية
عبد الواحد، مع أنَّ في رواية عبد الواحد زيادة التقليد وزيادة إقامته في أهلِه حلالاً.
ثمَّ أردَفَه برواية منصور عن إبراهيم استظهاراً لرواية عبد الواحد، لمَا في حِفظِ
عبد الواحد عندهم وإن كان هو عنده حُجَّة.
وأمَّا إردافُه برواية مسروق مع أنَّه لا تصريحَ فيها بكَوْن القلائد للغنم، فلأنَّ لفظ
الهَدْي أعمُّ من أن يكون لغنم أو غيرها، فالغنم فردٌ من أفراد ما يُهدَى، وقد ثَبَتَ أنَّه وَله
أهدى الإبل وأهدى البقر، فمَن ادَّعى اختصاصَ الإبل بالتقليد فعليه البيان.
وعامر في طريق مسروق: هو الشّعْبي، وزكريّا الراوي عنه: هو ابن أبي زائدة. وقد
ذكرتُ في الباب الذي قبله أنَّه أخرج طريق مسروق من وجهٍ آخرَ عن الشَّعْبي مطوّلاً.
١١١ - باب القلائد من العِهْن
١٧٠٥ - حدَّثْنَا عَمُرُو بنُ عليٍّ، حدَّثْنا معاذُ بنُ معاذٍ، حذَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن القاسمِ، عن أَمِّ
المؤمنينَ رضي الله عنها، قالت: فَتَلْتُ قلائدَها من عِهْنٍ كان عندي.
قوله: ((باب القلائد من العِهْن)) بكسر المهمَلة وسكون الهاء، أي: الصُّوف، وقيل: هو
المصبوغُ منه، وقيل: هو الأحمرُ خاصَّة.
(١) في ((المصنف)) برقم (١٣٠٤٠) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٥٦٩
باب ١١٢ / ح ١٧٠٦
كتاب الحج
قوله: ((عن أُمّ المؤمنينَ)) هي عائشة، بيَّنْه يحيى بن حكيم عن معاذ، أخرجه أبو نُعَيم في
((المستخرج))، وكذا وقعت تسميتُها عند الإسماعيلي من وجه آخرَ عن ابن عَوْن.
قوله: ((فَتَلْتُ قلائدَها)) أي: الهدايا، وفي رواية يحيى المذكورة: أنا فتلتُ تلك القلائد،
ولمسلم (١٣٢١/ ٣٦٤) من وجهٍ آخرَ عن ابن عَوْن مثلُه وزاد: فأصبح فينا حلالاً يأتي ما
يأتي الحلالُ من أهلِه.
وفيه ردٌّ على مَن كَرِهَ القلائد من الأوبار(١) واختارَ أن تكون من نبات الأرض، وهو
منقولٌ عن ربيعة ومالك. وقال ابن التِّين: لعلَّه أراد أنَّه الأَولى مع القول بجواز گَوْنها من
الصّوف، والله أعلم.
١١٢ - باب تقليد النَّعل
١٧٠٦ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الأعلى بنُ عبدِ الأعلى، عن مَعمَرٍ، عن يحيى بنِ أبي
كَثِيرٍ، عن عِكْرمةَ، عن أبي هُرَيرَةَ﴾: أنَّ نبيَّ الله ◌َّهِ رَأى رجلاً يَسُوقُ بَدَنةً، قال: «ارْكَبْها»
قال: إِنَّهَا بَدَنةٌ، قال: ((ارْكَبْها)) قال: فلقد رأيتُهُ راكِيَها يُسابِرُ النبيَّ ◌َِّ، والنَّعْلُ فِي عُنُقِها.
تَابَعَه محمَّدُ بنُ بِشَارٍ: حدَّثنا عثمانُ بنُّ عمرَ، أخبرنا عليُّ بنُ المبارَكِ، عن يحيى، عن عِكْرِمةَ،
عن أبي هريرةً ﴾، عن النبيِّ ◌ِ﴾.
قوله: ((باب تقليد النَّعْل)) يحتملُ أن يريدَ الجنس، ويحتملُ أن يريدَ الوَحْدةَ، أي: النَّعل
الواحدة، فيكون فيه إشارة/ إلى مَن اشتَرَطَ نَعلَين، وهو قول الثَّوري، وقال غيره: تُجْزِئُ ٥٤٩/٣
الواحدة، وقال آخرون: لا تَتَعيَّنُ النَّعل بل كلُّ ما قام مقامها أجزا حتَّى أُذُنُ الإداوة.
ثمَّ قيل: الحكمةُ في تقليد النَّعل أنَّ فيه إشارة إلى السفرِ والجِدِّ فيه، فعلى هذا يَتَعيَّن،
والله أعلم.
وقال ابن المنيِّرِ في ((الحاشية)): الحكمةُ فيه أنَّ العربَ تَعتَدُّ النَّعَلَ مركوبةً لكونها تقي عن
صاحبها وتَحمِلُ عنه وَعْرَ الطَّريق، وقد كَتّى بعض الشُّعَراء عنها بالناقة، فكأنَّ الذي أهدى
(١) الأوبار: جمع الوبَر، وهو صوف الإبل والأرانب ونحوها.

٥٧٠
باب ١١٣ / ح ١٧٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
خرج عن مركوبه لله تعالى حيواناً وغيره، كما خرج حينَ أحرَمَ عن ملبوسِه، ومن ثَمَّ
استُحِبَّ تقليد نَعلَينِ لا واحدة، وهذا هو الأصلُ في نَذْر المشي حافياً إلى مگّة.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد)» كذا للأكثر غير منسوب، ولابن السَّکَن: «محمد بن سَلَام»، ولأبي
ذرِّ((محمد: هو ابن سلام))، ورَجَّحَ أبو عليّ الجَيَّاني أنَّه محمد بن المثنَّى، لأنَّ المصنِّفَ روى
عن محمد بن المثنَّى عن عبد الأعلى حديثاً غير هذا سيأتي قريباً (١٧٢٣)، وأيَّدَه غيره بأنَّ
الإسماعيلي وأبا نُعَيم أخرجاه في ((مُستَخرَجَيهما)) من رواية محمد بن المثنَّى، وليس ذلك
بلازم، والعُمدةُ على ما قال ابن السَّكَن فإنَّه حافظٌ.
قوله: «عن عكرمةً» هو مولى ابن عبّاس، وأمّا عكرمة بن عمّار فهو تلميذ یحیی بن أبي
كثير لا شيخُه، وقد تقدَّم الكلام على حديث الباب قبلَ تسعة أبواب (١٦٨٩).
قوله: ((تابَعَه محمَّد بن بشَّار ... )) إلى آخره، المتابَع بالفتح هنا هو مَعمَر، والمتابع بالكسر
ظاهر السياق أنَّه محمد بن بشَّار، وفي التحقيق هو عليّ بن المبارَك، وإنَّما احتاجَ مَعمَر عنده
إلى المتابعة لأنَّ في رواية البصريينَ عنه مقالاً لكَونِهِ حدَّثهم بالبصرة من حِفْظِهِ، وهذا من
رواية البصريينَ، ولم تَقَع لي روايةُ محمد بن بشَّار موصولةً، وقد أخرجه الإسماعيلي من
طريق وكيع عن عليّ بن المبارَكِ بمُتَابَعة عثمان بن عَمْرو قال: إنَّ حسيناً المعلِّمَ رواه عن
يحيى بن أبي كثير أيضاً.
١١٣ - باب الجلال للبُدْن
وكانَ ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما لا يَشُقُّ من الجِلَال إلا موضعَ السَّنام، وإذا نَحَرَها نَزَعَ
جِلالها تَخَافَةَ أنْ يُفسِدَها الذَّمُ، ثمَّ يَتصدَّقُ بها.
١٧٠٧ - حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بنِ
أبي ليلى، عن عليٍّ ﴾، قال: أمَرَني رسولُ الله ◌َّهِ أَن أتصَدَّقَ بحِلَال البُّدْنِ التي نَحَرْتُ
وبجُلُودِها.
[أطرافه في: ١٧١٦، ١٧١٧، ١٧١٨، ٢٢٩٩]

٥٧١
باب ١١٣ / ح ١٧٠٧
كتاب الحج
قوله: ((باب الجِلال للبُدْن)) بكسر الجيم وتخفيف اللَّام: جمعُ جُلٌّ، بضم الجيم: وهو ما
يُطرَحُ على ظَهْر البعير من كِساءِ ونحوه.
قوله: «وكان ابن عُمَر لا يَشُقُّ من الجِلال إلّا موضع السَّنام، فإذا نَحَرَها نَزَعَ جِلالها تَخافَةَ
أن يُفسِدَها الدَّمُ ثُمَّ يَتصدَّقُ بها)) هذا التعليق وَصَلَ بعضَه مالكٌ في ((الموطّا)) (٣٨٠/١) عن
نافع: أنَّ عبد الله بن عمر كان لا يَشُقُّ جِلال بُدْنِهِ، وعن نافع: أنَّ ابن عمر كان يُجُلِّل بُدنَه
القَباطيَّ والحُلَل ثمَّ يَبعَثُ بها إلى الكعبة فيكسُوها إياها.
وعن مالك (٣٧٩/١): أنَّه سألَ عبد الله بن دینار: ما كان ابن عمر یصنعُ بچِلال بُدنِه
حينَ كُسيَت الكعبة هذه الکِسْوة؟ قال: كان يتصدَّقُ بها.
وقال البيهقي (٢٣٣/٥) بعدَ أن أخرجه من طريق يحيى بن بُكَير عن مالك: زاد فيه
غيره عن مالك: ((إلَّا موضع السنام)) إلى آخر الأثر المذكور.
قال المهلَّب: ليس التصدُّق بجِلال البُدْن فرضاً، وإنَّما صَنَعَ ذلك ابن عمر لأنَّه أراد أن
لا يرجعَ في شيءٍ أهلَّ به لله ولا في شيء ◌ُضیفَ إلیه. انتهى.
وفائدة شَقّ الجُلِّ من موضع السنام ليظهَرَ الإشعارُ لئلّا يستِرَ ما تحتَها.
وروى ابن المنذرِ من طريق أُسامة بن زيدٍ عن نافع: أنَّ ابن عمرَ كان يُحلِّل بُدنَه
الأنماطَ والبُرُودَ والِحِبَرَ حتَّى يخرجَ / من المدينة ثمَّ يَنزِعُها فَيَطْويها حتَّى يكون يومُ عَرَفَةَ ٥٥٠/٣
فيُلِسُها إياها حتَّى يَنحَرَها، ثمَّ يَتصدَّقُ بها. قال نافع: وربَّما دَفَعَها إلى بني شَيْبة.
وأورَدَ المصنّف حديث عليّ في التصدُّق بجِلَال البُدن مختصراً، وسيأتي الكلام عليه
مُستوفّى بعدَ سبعة أبواب (١٧١٦ و١٧١٧) إن شاء الله تعالى.
تنبيه: ما في هذه الأحاديثِ من استحباب التقليد والإشعار وغير ذلك يقتضي أنَّ
إظهارَ التقُّب بالهَدْي أفضل من إخفائه، والمقرَّرُ أنَّ إخفاءَ العمل الصالحِ غيرِ الفرض
أفضل من إظهاره، فإمَّا أن يقال: إنَّ أفعال الحج مَبنِيَّة على الظُّهورِ كالإحرام والطَّواف

٥٧٢
باب ١١٤ / ح ١٧٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
والوقوفِ فكان الإشعار والتقليد كذلك، فيُخَصُّ الحجّ من عُموم الإخفاء، وإمّا أن يقال:
لا يَلزَمُ من التقليد والإشعار إظهار العمل الصالح، لأنَّ الذي يُهديها يُمكِنُه أن يَبعَثَها مع
مَن يُقلِّدُها ويُشعِرُها ولا يقول: إنَّها لفلان، فتَحصُل سُنَّةُ التقليد مع كِتمان العمل، وأبعَدَ
مَن استَدَلَّ بذلك على أنَّ العملَ إذا شُرعَ فيه صار فرضاً، وإمّا أن يقال: إنَّ التقليدَ جُعِلَ
عَلَماً لكونها هَذْياً حتَّى لا يَطمع صاحبُها في الرُّجوع فيها.
١١٤ - باب من اشترى هديه من الطريق وقلَّدها
١٧٠٨ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع،
قال: أرادَ ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما الحجّ عامَ حَجَّةِ الحَرُوِيَّةِ في عَهْدِ ابنِ الزُبير رضي الله عنهما،
فقيلَ له: إنَّ الناسَ كائنٌ بينهم قتالٌ، ونَخافُ أن يَصُدُّوكَ؟ فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ
أُشْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، إذاً أصنَعَ كما صَنَعَ، أُشْهِدُكم أنّ أو جَبتُ عُمْرةً. حتَّى كان بظاهرٍ
البيداء قال: ما شأنُ الحجّ والعُمْرةِ إلا واحدٌ، أُشهِدُكم أنّي جِمعْتُ حَجَّةً مع عُمْرةٍ. وأهدَى
هَذْباً مُقلَّداً اشتراه، حتَّى قَدِمَ فطافَ بالبيتِ وبالصَّفا، ولم يَزِدْ على ذلك، ولم يَخْلِلْ من شيءٍ
حَرُمَ منه حتَّى يومِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ ونَحَرَ ورَأَى أنْ قد قَضَى طوافَه للحجّ والعُمْرةِ بطوافِهِ الأوَّلِ،
ثَّ قال: كذلك صَنَعَ النبيُّ ◌َ﴿.
قوله: (باب مَن اشتَرى هَدْيه من الطَّريقِ وقَلَّدَها)) تقدَّم قبلَ ثمانية أبواب ((باب مَن
اشتَری الھَدْي من الطَّريق»، وأورَدَ فيه حديثَ ابن عمر هذا من وجه آخرَ (١٦٩٣)، وإنّما
زادت هذه الترجمةُ التقليدَ، وقد تقدَّم القول فيه مُستوقَى في ((باب مَن قَلَّدَ القلائد بيدِه))(١)،
وحديث ابن عمر يأتي الكلام عليه مُستوفَّى في أبواب المحصّرِ (١٨٠٦) إن شاء الله تعالى.
لكنَّ قوله في هذه الرواية: ((عام حَجَّةِ الْحَرُورية))، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((حَجِّ
الحرُورية في عهد ابن الزُّبَير)) مُغاير لقوله في ((باب طواف القارن)) من رواية الليث عن
نافع (١٦٤٠): ((عام نزول الحجاج بابن الزُّبَير)»، لأنَّ حَجَّة الحَرُورية كانت في السنة التي
(١) وهو الباب السالف برقم (١٠٩).

٥٧٣
باب ١١٥ / ح ١٧٠٩
كتاب الحج
مات فيها يزيد بن معاوية سنة أربع وستّينَ، وذلك قبلَ أن يَتَسمّى ابن الزُّبَير بالخلافة،
ونزول الحجَّاجِ بابن الزُّبَير كان في سنة ثلاث وسبعينَ وذلك في آخر أيام ابن الزُّبَير، فإمّا
أن يُحمَلَ على أنَّ الراوي أطلقَ على الحجّاج وأتباعه حَرُورية لجامع ما بينهم من الخروجِ
على أئمَّة الحقّ، وإمّا أن يُحمَلَ على تعدُّد القصَّة.
وقد ظَهَرَ من رواية أيوبَ عن نافع أنَّ القائلَ لابن عمر الكلام المذكورَ هو ولدُه عبد الله
كما تقدَّم في ((باب مَن اشتَرى الهَدْي من الطَّريق)) (١٦٩٣)، وسيأتي في أول الإحصار
(١٨٠٦) مزيد بيانٍ لذلك إن شاء الله تعالى.
٥٥١/٣
١١٥ - باب ذبح الرجلِ البقرَ عن نسائه من غير أمرهنَّ
١٧٠٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمْرةَ بنتِ
عبد الرحمن، قالت: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها تقولُ: خَرَجْنا مع رسولِ الله ◌ِّ لخمسٍ
بَقِينَ من ذي القَعْدةِ لا نُرَى إلا الحَجَّ، فلمَّا دَنَوْنا من مكَّةَ أمَرَ رسولُ اللهِ وَّهِ مَن لم يكن معه
هَذْيٌّ إِذا طافَ وسَعَى بين الصَّفا والمَرْوةِ أن يَحِلَّ، قالت: فَدُخِلَ علينا يومَ النَّحْرِ بلحمٍ بقرٍ،
فقلتُ: ما هذا؟ قال: نَحَرَ رسولُ الله ◌َِّ عن أزواجِهِ.
قال يحيى: فَذَكَرَتُه للقاسمِ، فقال: أتتْكَ بالحديثِ على وجهِهِ.
قوله: ((باب ذَبْح الرجلِ البقرَ عن نسائه من غيرِ أمرِهِنَّ) أمَّا التعبير بالذَّبح مع أنَّ
حديثَ الباب بلفظ النَّحر فإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرقِه بلفظ الذَّبح، وسيأتي بعدَ
سبعة أبواب (١٧٢٠) من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد.
ونَحْر البقر جائز عند العلماء، إلاّ أنَّ الذَّبحَ مُستَحَبّ عندهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ
يَأْمُ كُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقْرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وخالَفَ الحسنُ بن صالح فاستَحَبَّ نحرَها.
وأمَّا قوله: ((من غير أمرهِنَّ)) فأخذَه من استفهام عائشة عن اللَّحم لمَّا دُخلَ به عليها
ولو كان ذَبَحَه بعلمِها لم تحتَجْ إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعاً للاحتمال، فيجوزُ أن

٥٧٤
باب ١١٥ / ح ١٧٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
يكون علمُها بذلك تقدَّم بأن يكون استأذَتَهنَّ في ذلك، لكن لمَّا أدخَلَ اللَّحمَ عليها احتَمَلَ
عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غيرَ ذلك فاستفهَمَت عنه لذلك.
قوله: ((عن عَمْرةَ)) في رواية سليمانَ المذكورة (١٧٢٠): حدَّثتَنِي عَمْرة.
قوله: ((لا نُرى)) بضم النون، أي: لا نَظُنّ.
قوله: ((إلّا الحجَّ)) تقدَّم القول فيه في الكلام على ((باب التمتّع والإفراد والقِرَان)) (١٥٦١).
وقوله: ((فدُخِلَ علينا)) بضم الدالِّ على البناء للمجهول.
قوله: ((بلحمِ بقٍ)) قال ابن بَطَّال: أخذَ بظاهره جماعة فأجازوا الاشتراك في الهَدْي
والأُضحيَّة، ولا حُجَّةَ فيه، لأنَّه يحتملُ أن يكون عن كلِّ واحدة بقرة، وأمَّا روايةُ يونسَ
عن الزُّهْري عن عَمْرةَ عن عائشة: أنَّ رسولَ اللهِ وَّ نَحَرَ عن أزواجه بقرةً واحدة، فقد
قال إسماعيل القاضي: تفرَّد یونس بذلك وقد خالَفَه غیرُه. انتهى.
وروايةُ يونس أخرجها النَّسائي (ك٤١١٣) وأبو داود (١٧٥٠) وغيرهما(١)، ویونس
ثقة حافظ وقد تابَعَه مَعمَر عند النَّسائي أيضاً (ك ٤١١٦) ولفظُه أصرَحُ من لفظ يونسَ،
قال: ما ذُبِحَ عن آلٍ محمد في حَجَّة الوداع إلَّ بقرةٌ.
وروى النَّسائي أيضاً (ك٤١١٤) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ عن أبي
هريرة قال: ذَبَحَ رسولُ الله ◌َّهِ عَمَّن اعتَمَرَ من نسائه في حَجَّة الوداع بقرةً بينهُنَّ، صَحَّحَه
الحاكمُ (٤٦٧/١)، وهو شاهد قوي لرواية الزُّهْري.
وأمَّا ما رواه عمَّار الدُّهْني عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: ذَبَحَ
عَنّا رسول الله وَّهِ يومَ حَجَجنا بقرة بقرة، أخرجه النَّسائي أيضاً (ك٤١١٥) فهو شاذٌ
مخالف لما تقدَّم.
وقد رواه المصنِّف في الأضاحي (٥٥٥٩) ومسلم أيضاً (١١٩/١٢١١) من طريق ابن
عُيَينة عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: ضَحّى رسول الله ◌َِّ عن نسائه البقرَ. ولم يَذكُر ما
(١) وأخرجه أيضاً ابن ماجه برقم (٣١٣٥).

٥٧٥
باب ١١٦ / ح ١٧١٠ -١٧١١
كتاب الحج
زاده عمَّار الدُّهني، وأخرجه مسلم أيضاً (١٢١١/ ١٢٠) من طريق عبد العزيز الماجِشُون
عن عبد الرحمن لكن بلفظ: ((أهدى)) بدل ((ضَحّى))، والظاهر أنَّ التصرُّفَ(١) من الرُّواة،
لأَنَّ ثَبَتَ في الحديث ذِكرُ النَّحِرِ فحَمَله بعضُهم على الأُضحيَّة، فإنَّ رواية أبي هريرة
صريحة في أنَّ ذلك كان عَمَّن اعتَمَرَ من نسائه، فقويت روايةٌ مَن رواه بلفظ: ((أهدى)).
وتَبيَّن أنَّه هَذْي التمتّع، فليس فيه حُجَّة على مالك في قوله: لا ضحايا على أهلِ مِنَّى، وتَبِيَّن
توجيهُ الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهَدْي والأُضحيَّة، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على أنَّ الإنسانَ قد يَلحَقُه من عملٍ غيره ما عَمِلَه عنه بغير أمره ولا علمه، ٥٥٢/٣
وتُعقّبَ باحتمال الاستئذان كما تقدَّم في الكلام على الترجمة.
وفيه جوازُ الأكلِ من الهَدْي والأَضحيَّة، وسيأتي نقل الخلاف فيه بعدَ سبعة أبواب
(١٧٢٠).
قوله: ((قال يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري بالإسناد المذكور كلِّه إليه.
قوله: ((فَذَكَرْتُه للقاسم)) يعني: ابنَ محمد بن أبي بكر الصِّدّيقِ ظُه.
قوله: ((فقال: أتتْكَ بالحديث على وَجْهِه)) أي: ساقته لك سياقاً تامًاً لم تَخْتَصِر منه
شيئاً، وكأنَّه يشير بذلك إلى روايته هو عن عائشة، فإنَّا مختصرةٌ كما قَدَّمتُ الإشارةَ إليها
في هذا الباب.
١١٦ - باب النّحر في مَنحَر النبي ◌َّ بِمِنَّى
١٧١٠- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، سمعَ خالدَ بنَ الحارثِ، حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ،
عن نافع: أنَّ عبد الله كان يَنْحَرُ في المَنحَرِ. قال عبيدُ الله: مَنْحَرِ رسولِ الله وَّ.
١٧١١ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن
نافعٍ: أنَّ ابنَ عمَرَ رضي الله عنهما كان يَبْعَثُ بهَذْبِهِ من جمع من آخر الليلِ، حتَّى يُدْخَلَ به
مَنْحَرُ النبيِّ ◌َِّ مع حُجّاجٍ، فيهم الحُرُّ والمملوكُ.
(١) أي: بذكر لفظ التضحية.

٥٧٦
باب ١١٦ / ح ١٧١٠-١٧١١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب النَّحْرِ في مَنحَر النبيِ نَّهِ بِمِنَّى)) قال ابن التِّين: مَنحَر النبي ◌َّ هو عند
الجَمْرة الأولى التي تَلِي المسجدَ. انتهى، وكأنَّه أخذه من أثرٍ أخرجه الفاكهي(١) من طريق
ابن جُرَيج عن طاووس قال: كان منزل النبيِ وَ ل﴿ بمِنَّى عن يَسار المصلَّى. قال: وقال غیر
طاووس من أشياخنا مثله وزاد: وأمَرَ بنسائه أن يَنْزِلنَ جَنْب الدار بمِنَّى، وأمَرَ الأنصار أن
يَنْزِلوا الشِّعبَ وراءَ الدار.
قلت: والشِّعبُ هو عند الجَمْرة المذكورة.
قال ابن التِّين: وللنَّحرِ فيه فضيلة على غيره لقوله ◌َّ: ((هذا المنحَر وكلُّ مِنّى مَنحَر))
انتهى، والحديثُ المذكورُ أخرجه مسلم (١٤٩/١٢١٨) من حديث جابر ولفظُه: «نَحَرتُ
هاهنا ومِنَّى كلّها مَنحَر، فانحَروا في رِحالكم)، وهذا ظاهره أنَّ نَحْرَهُ وَ لِ بذلك المكان
وقع عن اتِّفاق لا لشيء يَتعلَّقُ بالنُّسُكِ، ولكنَّ ابن عمر كان شديدَ الاتِّباع.
وقد روى عمر بن شَبّة في ((كتاب مكّةً)) من طريق ابن جُرَيج عن عطاء قال: كان ابن
عمر لا يَنحَرُ إلَّا بمِنَّى.
وحكى ابن بَطَّل قول مالك في النَّحرِ بمِنَّى للحاجِ والنَّحرِ بمكَّةَ للمُعتَمِرِ، وأطالَ في
تقرير ذلك وترجيحِه، ولا خلاف في الجواز وإن اختُلِفَ في الأفضل.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم)) هو المعروفُ بابن راهويه، وكذلك أخرجه في
((مسنده)). وأخرجه من طريقه أبو نُعَیم.
قوله: ((قال عُبيد الله)) أي: ابن عمر بالإسناد المذكور، والمعنى أنَّ مراد نافع بإطلاق
المنحَر مَنحَرُ رسول الله
وقد روى المصنِّف هذا الحديثَ في الأضاحي (٥٥٥١) أوضح من هذا ولفظه: حدَّثني
محمد بن أبي بكر المقدَّمي، حدَّثنا خالد بن الحارث ... فذكر الحديث قال: قال عُبيد الله:
يعني مَنحَر النبي ◌َّه. ولهذا أردَفَه المصنّفُ هنا بطريق موسى بن عُقْبة عن نافع المصرِّحة
(١) في «أخبار مكة)) له (٢٥٩١).

٥٧٧
باب ١١٧-١١٨ / ح ١٧١٢ - ١٧١٣
كتاب الحج
بإضافة المنحَر إلى رسول الله وَّه في نفس الخبر، وأفادت روايةُ موسى زيادة وقت بَعْث
الهَدْي إلى المنحَرِ وأنَّها من آخر الليل.
قوله: ((مع محُجّاج)) بضم المهمَلة جمع حاجٍّ، وقوله: ((فيهم الحرّ والمملوك)) معناه: أنَّه لا
يُشتَرَطُ بعثُ الهَدْي مع الأحرار دونَ العبيد.
وسيأتي في الأضاحي (٥٥٥٢) من طريق كثير بن فَرقَد عن نافع عن ابن عمر: كان
رسولُ الله ◌َ ﴿ يَذْبَحُ ويَنحَرُ بالمصلَّى، وهذا محمول على الأُضحيَّة بالمدينة.
١١٧ - باب مَن نَخَر هدیه بیده
٥٥٣/٣
١٧١٢ - حدَّثْنَا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ،
وذَكَرَ الحديثَ، قال: وَنَحَرَ النبيُّ ◌َّهِ بِيدِه سبعَ بُدْنٍ قِياماً، وضَخَّى بالمدينةِ كَبْشَينِ أملَحَينٍ
أقرَنَينِ؛ مُختصَراً.
قوله: ((باب مَن نَحَرَ هَذْيَه بيدِه)) أورَدَ فيه حديثَ أنس مختصراً وفيه: نَحَرَ النبي ◌َّ بِيدِه
سبعَ بَدَناتٍ، وسيأتي بعدَ باب واحد (١٧١٤) بتمامه بالإسناد الذي ساقه هنا سواء.
وليست هذه الترجمة وحديثُها عند أكثر الرُّواة، بل ثبتت لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي
وحدَه، وفي نسخة الصَّغَاني بعدَ الترجمة ما نصُّه: ((حديث سَهل بن بَكّار عن وُهَيب»
فاكتفى بالإشارة.
١١٨ - باب نَحْر الإبل مقيّدةٌ
١٧١٣ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، حدَّثنا یزیدُ بنُ زُریع، عن يونس، عن زياد بنٍ مُبِیر،
قال: رأيتُ ابنَّ عمرَ رضي الله عنهما أَتى على رجلٍ قد أناخَ بَدَنَّتَه يَنْحَرُها، قال: ابعَثْها قياماً
مُقِيَّدةً، سُنَّةَ محمَّدٍ وَلُّ.
وقال شُعْبةٌ، عن يونس: أخبرني زیادٌ.
قوله: ((باب نَحْر الإبل مُقِيَّدة)» أورَدَ فيه حديثَ ابن عمر، وهو مُطابِقٍ لما ترجم له.

٥٧٨
باب ١١٨ / ح ١٧١٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن يونسَ)) هو ابن عُبيد، في رواية الإسماعيلي من طريق محمد بن عبد الأعلى
عن يزيد بن زُرَيع: أخبرنا يونس. والإسناد سوى الصحابي كلُّهم بصريون.
قوله: ((عن زياد بن جُبَير)) بجيم وموخَّدة مصغّرٌ، بصري تابعي ثقة، ليس له في
((الصحيحين)) سوى هذا الحديث وحديثٍ آخر أخرجه المصنّف في النَّذر (٦٧٠٦) بهذا
الإسناد، وأخرجه في الصوم (١٩٩٤) بإسناد آخرَ إلى يونس بن عُبيد، وقد سَبَقَ في أوائل
الحج (١٥٢٢) حديثٌ غير هذا من طريق زيد بن جُبَير عن ابن عمر، وهو غيرُ زياد بن
جُبَير هذا وليس أخاً له أيضاً، لأنَّ زيداً طائي كوفي، وزياداً ثَقَفي بصري، لكنَّهما اشتَرَكا
في الثِّقة وفي الرواية عن ابن عمر.
قوله: ((أتى على رجلٍ)) لم أقف على اسمه.
قوله: ((قد أناخَ بَدَنَتَه يَنْحَرُها)) زاد أحمد (٦٢٣٦) عن إسماعيل ابن عُلَيَّة عن يونسَ:
لینحَرَها بمِنَّی.
قوله: ((ابعثْها)) أي: أثِرُها، يقال: بَعَنتُ الناقةَ: أثرتُها.
وقوله: ((قياماً) أي: عن قيام، وقياماً مصدر بمعنى: قائمة، وهي حال مُقدَّرة، أو قوله:
((ابعثها) أي: أقِمها، أو العامل محذوف تقديره: انحَرْها. وقد وقع في رواية عند الإسماعيلي:
انحَرها قائمةً.
قوله: ((مُقيَّدةً)) أي: معقولةَ الرِّجلِ قائمةً على ما بقي من قوائمِها، ولأبي داود (١٧٦٧)
من حديث جابر: أنَّ النبيِ وَلِّ وأصحابه كانوا يَنحَرونَ البَدَنة معقولةَ اليُسرى قائمةً على
ما بقي من قوائمها.
وقال سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبَير: رأيت ابن
عمر یَنحَرُ بَدَنتَه وهي معقولة إحدی یدیها.
قوله: ((سُنَّةَ محمَّدٍ)) بنصب ((سُنَّة)) بعاملِ مُضمَرٍ كالاختصاص، أو التقدير: مُتَّبِعاً
سُنَّةَ محمدٍ.

٥٧٩
باب ١١٩ / ح ١٧١٤
كتاب الحج
قلت: ويجوزُ الرفعُ، ويدلَّ عليه رواية الحَرْبي في ((المناسك)) بلفظ: فقال له: ((انحَرها
قائمةً فإنَّهَا سُنَّةُ محمد)).
وفي هذا الحديث استحباب نَحْر الإبلِ على الصِّفة المذكورة، وعن الحنفيّة يستوي
نَحرُها قائمة وباركة في الفضيلة.
وفيه تعليمُ الجاهلِ وعَدَم السُّكوتِ على مُخالَفة السُّنّة وإن كان مُباحاً.
وفيه أنَّ قولَ الصحابي: من السُّنّة كذا، مرفوع عند الشَّيخَين لاحتجاجهما بهذا
الحدیث في ((صحیحیھم)).
قوله: ((وقال شُعْبةُ عن يونسَ: أخبرني زياد)» هذا التعليق أخرجه إسحاق بن راهويه في ٥٥٤/٣
((مسنده) قال: أخبرنا النَّضر بن شُمَيل، حدَّثنا شُعْبةُ، عن يونسَ: سمعتُ زياد بن جُبير
يقول: انتَهَيتُ مع ابن عمر فإذا رجل قد أضجَعَ بَدَنَتَه وهو يريدُ أن يَنحَرَها، فقال: قياماً
مُقيّدةً سُنَّةَ محمد ێ﴾.
وقد نَسَبَ مُغَلْطاي ومَن تَبِعَه تعليقَ شُعْبة المذكورَ لتخريج إبراهيم الحَرْبي عن عَمْرو
ابن مرزوق عن شُعْبة، فراجَعتُهُ فَوَجَدتُه فيه عن يونسَ عن زياد بالعنعنة، وليس في ذلك
وفاءٌ بمقصود البخاري، فإنَّه أخرج طريق شُعْبة لبيان سماع يونسَ له من زياد، وكذا
أخرجه أحمد (٥٥٨٠) عن محمد بن جعفر غُندَر عن شُعْبة بالعنعنة.
١١٩ - باب نحر البُدْن قائمةً
وقال ابنُ عمرَ رضي الله عنهما: سُنَّةَ محمَّدٍ وَلِهِ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿صَوَآفَّ﴾ [الحج: ٣٢]: قياماً.
١٧١٤ - حدَّثْنَا سَهْلُ بنُ بَكّارٍ، حَدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ ـ
قال: صَلَّى النبيُّ ◌َِّ الظُّهرَ بالمدينةِ أربعاً والعصرَ بذي الحُلَيفِ رَكْعتَينِ، فباتَ بها فلمَّا أصبَحَ
رَكِبَ راحلتَه، فجَعَلَ يُهلِّلُ ويُسبِّحُ، فلمَّا عَلَا على البَيْداء لَّى بهما جميعاً، فلمَّا دخل مكَّةَ أُمَرَهم
أن يَحِلُّوا، وَنَحَرَ النبيُّ وَّ بِيدِه سبعَ بُدْنٍ قِياماً، وضَخَّى بالمدينةِ كَبْشَينِ أملَحَينِ أقرَنَينِ.

٥٨٠
باب ١١٩ / ح ١٧١٤ -١٧١٥
فتح الباري بشرح البخاري
١٧١٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنس بنِ مالكٍ
قال: صَلَّى النبيُّوَِّ الظُّهرَ بالمدينةِ أربعاً، والعصرَ بذي الحُلَيفةِ رَكْعتَينِ.
وعن أيوبَ، عن رجلٍ، عن أنسٍ ﴾: ثمَّ باتَ حتَّى أصبَحَ فصَلَّى الصُّبحَ ثمَّ رَكِبَ راحلته،
حتَّى إذا استَوَت به البَيداءَ أهلَّ بعُمْرةٍ وحَجَّةٍ.
قوله: ((باب نَحْرِ البُدْن قائمة)» في رواية الكُشْمِيهني: قياماً.
قوله: ((وقال ابن عُمَر: سُنَّةَ محمَّد)) يشير إلى حديثه في الباب الذي قبله.
قوله: (وقال ابن عبّاس ﴿صَوَانً ﴾: قياماً» وهكذا ذكره سفيان بن عيينة في تفسيره عن
عُبيد الله بن أبي يزيد، عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَ﴾ قال: قياماً،
أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عُيَينة، وأخرجه عبد بن محُميد عن أبي نُعَيم، عنه.
وقوله: ((صَوافَّ)) بالتشديد جمعُ صافّةٍ، أي: مُصطَفّة في قيامها. ووقع في ((مُستدرَك
الحاكم)) (٤/ ٢٣٣) من وجه آخرَ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ((صَوافِنَ)) أي: قياماً على
ثلاثٍ قوائمَ معقولة. وهي قراءةُ ابن مسعود ((صَوافِنَ)) بكسر الفاء بعدَها نونٌ: جمع
صافئة، وهي التي رَفَعَت إحدى يديها بالعَقْل لئلا تَضطَرِب.
قوله: ((حدثنا سَهْل بن بگار)) الإسناد إلى آخره بصریون.
قوله: ((فباتَ بها فلمَّا أصبَحَ)) في رواية الكُشْمِيهني: فباتَ بها حتَّى أصبح. وقد تقدَّم
الكلام عليه في أوائل الحج (١٥٤٦)، والمراد منه هنا قوله: ((ونَحَرَ بيدِه سبعَ بُدنٍ قياماً)»،
كذا في رواية أبي ذرِّ، وفي رواية كَرِيمة وغيرها: ((سبعةَ بُدنٍ)) فقيل في توجيهِها: أراد: أبعِرة،
فلذا ألحَقَ بها الهاء، والجمع بينه وبين ما قبله واضح. وسيأتي بيان ما نّحَرَه وعددِه في
حديث عليّ إن شاء الله تعالى قريباً (١٧١٨)، ويأتي الكلام على حديث التَّضحية بالكَبِشَيْنِ
في كتاب الأضاحي (٥٥٥٨).
٥٥٥/٣ قوله في الطريق الثانية: ((وعن أيوب عن رجل عن أنس»/ المراد به بيان اختلاف إسماعيل
ابن عُليَّة ووُهَيب على أيوبَ فيه، فساقه وُهَيب عنه بإسناد واحد، وفَضَّلَ إسماعيلُ