Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
باب ١٠٢ / ح ١٦٨٨
كتاب الحج
بين قوله: ﴿الْمَدْيِ﴾ وقوله: ﴿حَاضِرِى﴾، وغَرَضُ المصنِّ بذلك تفسير الهَدْي، وذلك أنَّه
لمَّا انتهى في صفة الحجّ إلى الوصولِ إلى مِنّى، أراد أن يَذكُرَ أحكام الهَدي والنَّحر، لأنَّ
ذلك يكون غالباً بمِنَّی.
والمرادُ بقوله: ﴿فَمَنَ تَمَنَّعَ﴾ أي: في حال الأمن، لقوله: ﴿فَإِذَآ أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ﴾، وفيه
حُجَّة للجمهورِ في أنَّ التمتُّعَ لا يَخْتَصُ بالمحْصَرِ، وروى الطَّبَري (٢٤٣/٢) عن عُرْوةَ قال
في قوله: ﴿فَإِذَآ أَمِنْتُمْ﴾ أي: من الوَجَع ونحوه. قال الطََّري: والأشبَه بتأويل الآية أنَّ المراد
بها: الأمن من الخوف، لأنَّها نزلت وهم خائفونَ بالحُدَيبية، فبيَّنت لهم ما يَعمَلونَ حال
الحصر وما يَعمَلونَ حالَ الأمن.
قوله: ((أخبَرَنا النَّضْر)) هو ابن شُمَيلِ صاحب العربية.
قوله: ((أبو جَمْرة)) بالجيمِ والراء، وقد تقدَّم لهذا الحديث طريق في آخر ((باب التمتّع
والقِرَان)) (١٥٦٧)، وقد تقدَّم الكلام عليه هناك، والغَرَض منه هنا بيان الھَدْي.
قوله: «وسألته» أي: ابن عبّاس.
قوله: ((عن الهَدْي فقال: فيها)) أي: المتعة، يعني: يجبُ على مَن تَمَّعَ دَمٌّ.
قوله: ((جَزُور» بفتح الجيم وضم الزّاي، أي: بعیر، ذكراً كان أو أُنثى، وهو مأخوذ من
الجَزْر، أي: القطع، ولفظها مؤنَّث، تقولُ: هذه الجزور.
قوله: ((أو شِرْك)) بكسر الشّين المعجمة وسكون الراء، أي: مُشارَكة في دَم، أي: حيثُ
يُجِزِئُ الشيء الواحد عن جماعة، وهذا موافق لما رواه مسلم (٣٥١/١٣١٨) عن جابر
قال: خَرَجنا مع رسول الله وَّهِ مُهِلِّينَ بالحج، فأمَرَنا رسولُ اللهِ وَّهِ أَن نَشتَرِك في الإبلِ
والبقر: كلُّ سبعة مِنّا في بَدَنة.
وبهذا قال الشافعي والجمهورُ، سواء كان الهَدْي تطوُّعاً أو واجباً، وسواء كانوا كلُّهم
مُتَقَرِّبين بذلك، أو كان بعضُهم يريدُ التقرُّبَ وبعضُهم يريدُ اللَّحمَ.

٥٤٢
باب ١٠٢ / ح ١٦٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
وعن أبي حنيفة: يُشتَرَطُ في الاشتراك أن يكونوا كلَّهم مُتَقّرِّبين بالهَدْي، وعن زُفَرَ مثلُه
بزيادة: أن تكون أسبابهم واحدة.
وعن داود وبعض المالكية: يجوزُ في هَذْي التطوُّعِ دونَ الواجبِ.
وعن مالك: لا يجوزُ مُطلَقاً، واحتَجَّ له إسماعيل القاضي بأنَّ حديثَ جابر إنَّما كان
بالحُدَيبية حيثُ كانوا مُحْصَرِينَ، وأمَّا حديثُ ابن عبّاس فخالَفَ أبا جَمْرة عنه ثقاتُ
أصحابه، فَرَوَوا عنه أنَّ ما استَيَسَرَ من الهَدي: شاةٌ، ثمَّ ساق ذلك بأسانيدَ صحيحةٍ عنهم
عن ابن عبّاس. قال: وقد روى لَيثٌ عن طاووسٍ عن ابن عبّاس مثلَ رواية أبي جَمْرةَ،
ولَيثٌ ضعيف(١). قال: وحدَّثنا سليمان عن حمّاد بن زيد عن أيوبَ عن محمد بن سيرينَ عن
ابن عبّاس قال: ما كنت أرى أنَّ دَماً واحداً يقضي عن أكثرَ من واحد، انتهى.
وليس بين رواية أبي جَمْرة ورواية غيره مُنافاةٌ؛ لأنَّه زاد عليهم ذِكرَ الاشتراك ووافَقَهم
على ذِكرِ الشاة، وإنَّما أراد ابن عبّاس بالاقتصار على الشاة الردّ على مَن زَعَمَ اختصاصَ
٥٣٥/٣ الهَدْي / بالإبلِ والبقرِ، وذلك واضح فيما سنذكره بعدَ هذا.
وأمَّا روايةُ محمد عن ابن عبّاس فمُنقَطِعة، ومع ذلك لو كانت متَّصلةً احتُمِلَ أن يكون
ابن عبّاس أخبر أنَّه كان لا يَرى ذلك، من جهة الاجتهاد، حتَّى صَحَّ عنده النَّقْلُ بصِحَّة
الاشتراك، فأفتى به أبا جَمْرة، وبهذا تجتمعُ الأخبارُ، وهو أولى من الطَّعنِ في رواية مَن
أجمع العلماءُ على تَوثيقِه والاحتجاجِ بروايته، وهو أبو جَمْرة الضُّبَعي.
وقد رُوي عن ابن عمر أنَّه كان لا يَرى التَّشريك، ثمَّ رَجَعَ عن ذلك لمَّا بَلَغَته السُّنّة.
قال أحمد(٢): حدَّثنا عبد الوهّاب حدَّثنا مُجَالِد(٣) عن الشَّعْبي قال: سألتُ ابن عمر،
قلت: الجَزورُ والبقرة تُجِزِئُ عن سبعة؟ قال: يا شَعْبي، ولها سبعةُ أنفُس؟ قال: قلت: فإنَّ
(١) لیث هذا: هو ابن أبي سليم.
(٢) انظر ما أخرجه في ((المسند)) برقم (٢٣٤٧٨).
(٣) مجالد: هو ابن سعيد، وتحرَّفت في (س) إلى: مجاهد.

٥٤٣
باب ١٠٢ / ح ١٦٨٨
كتاب الحج
أصحابَ محمد يَزْعُمونَ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ سَنَّ الجَزُورَ عن سبعةٍ والبقرةَ عن سبعة. قال:
فقال ابنُ عمرَ لرجلٍ: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم. قال: ما شَعَرتُ بهذا.
وأمَّا تأويلُ إسماعیلَ حديث جابر بأنّه كان بالُدَیبیة، فلا يَدفَعُ الاحتجاج بالحديث، بل
روى مسلم (٣٥٤/١٣١٨) من طريق أُخرى عن جابر في أثناء حديث قال: فأمَرَنا رسولُ الله
وَ ل﴿ إذا أحلَلنا أن نُهدي ونَجْمَعَ النَّفْرَ مِنّا في الهديَّة. وهذا يدلُّ على صِحَّة أصل الاشتراك.
واتَّفَقَ مَن قال بالاشتراك على أنَّه لا يكون في أكثر من سبعة، إلّا إحدى الروايتين عن
سعيد بن المسيّب فقال: تُجْزِئُ عن عشرة، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خُزيمة من
الشافعية، واحتَجَّ لذلك في ((صحيحه)) وقَوّاه، واحتَجَّ له ابن خُزيمة بحديث رافع بن
خَدِيج: أنَّه ◌َ ﴿لَ قَسَمَ فَعَدَلَ عشراً من الغنمِ ببعير ... الحديث، وهو في (الصحيحين))(١).
وأجمعوا على أنَّ الشاةَ لا يَصِحُّ الاشتراك فيها.
وقوله: ((أو شاة» هو قول الجمهور، ورواه الطَّبري وابن أبي حاتم بأسانيدَ صحيحة
عنهم، ورَوَيا بإسناد قوي عن القاسم بن محمد عن عائشة وابن عمر: أنَّهما كانا لا يَرَيان ما
اسْتَسَرَ من الهَدي إلَّا من الإبلِ والبقر. ووافقهما القاسم وطائفة.
قال إسماعيل القاضي في ((الأحكام)) له: أظنُّهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿ وَاُلْبُدْنَ
جَعَلْنَهَا لَكُ مِن شَعَبِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، فذهبوا إلى تخصيص ما يقعُ عليه اسم البُدنِ، قال:
ويَرُدُّ هذا قوله تعالى: ﴿هَدِّيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمع المسلمونَ أنَّ في الظَّبِي شاةً
فوقع عليها اسم مدي.
قلت: قد احتَجَّ بذلك ابن عبّاس، فأخرج الطََّري (٢١٧/٢) بإسناد صحيح إلى
عبد الله بن عُبَيد بن عُمَير قال: قال ابن عبّاس: الهَديُ شاةٌ. فقيل له في ذلك، قال: أنا أقرأُ
عليكم من كتاب الله ما تُقِرُّونَ به، ما في الظَّبي؟ قالوا: شاة. قال: فإنَّ الله تعالى يقول:
﴿هَدْيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ
(١) سيأتي عند البخاري برقم (٢٤٨٨)، وهو عند مسلم برقم (١٩٦٨) (٢١).

٥٤٤
باب ١٠٣ / ح ١٦٨٩ - ١٦٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ومُتْعةٌ مُتَقبَّلَةٌ)) قال الإسماعيلي وغيره: تفرَّد النَّضرُ بقوله: ((مُتْعة))، ولا أعلمُ
أحداً من أصحاب شُعْبة رواه عنه إلَّ قال: عُمْرة. وقال أبو نُعَيم: قال أصحابُ شُعْبة
كلّهم: عُمْرة، إلَّ النَّضرَ فقال: مُتْعة. قلت: وقد أشارَ المصنِّفُ إلى هذا بما عَلَّقَه بعد.
قوله: ((وقال آدم ووَهْب بن جَرِير وغُنْدَرٌ عن شُعْبة: عُمْرة ... )) إلى آخره، أمَّا طريق آدم
فَوَصَلها عنه في ((باب التمتّع والقِرَان)) (١٥٦٧)، وأمَّا طريق وَهْب بن جَرِير فَوَصَلها
البيهقي (٢٤/٥) من طريق إبراهيم بن مرزوق عن وَهْب، وأمَّا طريق غُندَر فَوَصَلها أحمدُ
عنه (٢١٥٨)، وأخرجها مسلم (١٢٤٢) عن أبي موسى وبُنْدار، كلاهما عن غُندَر.
١٠٣ - باب ر کوب البدن
لقولِه تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِن شَعََبِ اَللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا
صَوَّآَفٌَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧].
قال مجاهدٌ: سُمِّيَت البُدْنَ لَبَدَنِها، والقانعُ: السائلُ، والمُعْتُرُّ: الذي يَعتَرُّ بالبُدنِ من غنيٍّ أو
فقيرٍ، وشعائرُ: استِعْظام البُدْنِ واستِحْسانها. والعَتِيق: عِنْقُه من الجَبابرةِ.
ويقال: وَجَبَت: سَقَطَت إلى الأرضِ، ومنه: وَجَبَتِ الشَّمس.
٥٣٦/٣
١٦٨٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرةَ ﴾: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ رَأى رجلاً يَسُوقُ بَدَنةً، فقال: ((ارْكَبْها)) فقال: إنَّهَا بَدَنَةٌ، فقال:
(ارْكَبْها)) قال: إنَّهَا بَدَنةٌ، قال: ((ارْكَبْها ويلَكَ)) في الثّانيةِ أو في الثّالثةِ.
[أطرافه في: ١٧٦، ٢٧٥٥، ٦١٦٠]
١٦٩٠ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ وشُعْبةُ، قالا: حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ ﴾
أنَّ النبيَّ ◌َ رَأى رجلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، قال: ((ارْكَبْها)) ثلاثاً.
[طرفاه في: ٢٧٥٤، ٦١٥٩]
قوله: ((باب رُكُوب الْبُدْنِ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاَلْبُدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُ مِّن شَعَكَبِرِ اللَّهِ لَكُمْ

٥٤٥
باب ١٠٣ / ح ١٦٨٩ - ١٦٩٠
كتاب الحج
فِيهَا خَيْرٌّ فَاذَكُرُواْ أَسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا صَوَآفٌ فَإِذَا وَبَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ
هكذا في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوَقْت، وساق في رواية كَرِيمة الآيتينِ.
واستَدَلَّ المصنّف لجواز رُكوبِ البُدْن بعُمومٍ قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيَهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]،
وأشارَ إلى قول إبراهيم النَّخَعي: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾: مَن شاءَ رَكِبَ ومَن شاءَ حَلَبَ، أخرجه
ابن أبي حاتم وغيره عنه بإسناد جيّد.
والبُدْن بسكون الدال في قراءة الجمهور، وقرأ الأعرَج - وهي رواية عن عاصم -
بضمِّها، وأصلُها من الإبلِ، وأُلِقَت بها البقرُ شرعاً.
قوله: ((قال مجاهد: سُمّيَت البُدْنَ لبَدَنِها)) هو بفتح الموحّدة والمهمَلة للأكثر، وبضمِّها
وسكون الدال لبعضهم، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((لبَدانَتها)) أي: سِمَنِها، وكذا أخرجه عبد
ابن حُميد من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: إنَّما سُمّيت البُدنَ من قِبَلِ السَّمانة.
قوله: ((والقانع: السائل، والمعْتَّرّ: الذي يَعْتَرُ بالبُدْنِ من غَني أو فقير)) أي: يَطيفُ بها
مُتعرِّضاً لها، وهذا التعليق أخرجه أيضاً عبد بن حُميد من طريق عثمان بن الأسوَد: قلت
لمجاهد: ما القانع؟ قال: جارُك الذي يَنتظِرُ ما دخل بيتَك، والمعتَرّ: الذي يَعتَرّ ببابك
ويُريكَ نفسه ولا يَسألُك شيئاً.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عُيَينة عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال:
القانعُ: هو الطامع. وقال مرَّة: هو السائل. ومن طريق الثَّوري عن فُرات عن سعيد بن
جُبَير: المعتَرُّ الذي يَعتَريك يَزورُك ولا يَسألُك. ومن طريق ابن جُرَيج عن مجاهد: المعتَرُّ
الذي يَعتَّرّ بالبُدنِ من غني أو فقير.
وقال الخليل في ((العَين)): القَنوعُ: المتَذَلِّلُ للمسألة، قَنَعَ إليه: مالَ وخَضَعَ، وهو
السائل. والمعتَرُّ: الذي يَعتَرِضُ ولا يَسأل. ويقال: قَنِعَ، بكسر النون: إذا رَضِي، وَنَعَ
بفتحِها: إذا سأل. وقرأ الحسن: (المعتَري) وهو بمعنى المعتّرّ.
قوله: ((وشعائر: استِعْظام البُدْن واستِخْسانها)) أخرجه عبد بن حُميد أيضاً من طريق وَرْقاءَ

٥٤٦
باب ١٠٣ / ح ١٦٨٩ - ١٦٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] قال: استعظام
البُدْن: استحسانها واستسمانها. ورواه ابن أبي شَيْبة(١) من وجه آخرَ عن ابن أبي نَجِيح عن
مجاهد عن ابن عبّاس نحوَه، لكن فيه ابن أبي ليلى وهو سَيِّئُ الحِفظ.
قوله: ((والعَتيق: عِتْقه من الجَبَابِرة)) أخرج عبد بن مُميد أيضاً من طريق سفيان عن ابن
أبي نَجِيح عن مجاهد قال: إنَّما سُمّي العَتِيق لأنَّه أُعِقَ من الجَبابِرة. وقد جاء هذا مرفوعاً
أخرجه البَزَّار(٢) من حديث عبد الله بن الزُّبَيرِ.
٥٣٧/٣ قوله: ((ويقال: وَجَبَت: سَقَطَت إلى الأرضِ، ومنه: وَجَبَت الشَّمس)» هو قول ابن عبّاس،
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مِقْسَم عن ابن عبّاس قال: فإذا وَجَبَت، أي: سَقَطَت.
وكذا أخرجه الطََّري (١٧/ ١٦٦) من طريقَينِ عن مجاهد.
قوله: ((عن الأعرج)) لم تَخْتَلِفِ الرُّواة عن مالك عن أبي الزِّناد فيه، ورواه ابن عُيَينة عن
أبي الزِّناد فقال: عن الأعرج عن أبي هريرة، أو عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن
أبيه عن أبي هريرة، أخرجه سعيد بن منصور عنه. وقد رواه الثَّوري عن أبي الزِّناد
بالإسنادينِ مُفَرَّقاً.
قوله: ((رأى رجلاً)) لم أقف على اسمه بعدَ طول البحث.
قوله: ((يَسُوقُ بَدَنة)) كذا في مُعظَم الأحاديث، ووقع لمسلم (٢٧٤/١٣٢٣) من طريق
بُكَير بن الأختَس عن أنس: ((مَرَّ بَبَدَنة أو هديَّة))، ولأبي عَوَانة من هذا الوجه: ((أو هَدْي))،
وهو ممّ يوضحُ أنَّه ليس المرادُ بالبَدَنة مجرَّدَ مَدُلُولها اللُّغَوي.
ولمسلم (١٣٢٢) من طريق المغيرة عن أبي الزِّناد: بَيْنا رجل يَسُوقُ بَدَنة مُقلَّدة. وكذا
في طريق همَّام عن أبي هريرة، وسيأتي للمصنِّف في ((باب تقليد البُدْن))(٣): أنَّها كانت مُقَلَّدة
نعلاً.
(١) في ((مصنفه)) (١٤٣٣٨) تحقيق الجمعة واللحيدان.
(٢) في «مسنده)) (٢٢١٥).
(٣) هو في البخاري: ((باب تقليد النعل)) وليس البدن، والحديث فيه برقم (١٧٠٦).

٥٤٧
باب ١٠٣ / ح ١٦٨٩ - ١٦٩٠
كتاب الحج
قوله: ((فقال: ارْكَبْها)) زاد النَّسائي(١) من طريق سعيد عن قَتَادة، والجَوزَقي من طريق
حُميد عن ثابت، كلاهما عن أنس: ((وقد جَهَدَه المشي))، ولأبي يَعْلى (٢٧٦٣) من طريق
الحسن عن أنس: ((حافيا))، لكنَّها ضعيفة.
قوله: ((ويلَكَ في الثّانية أو في الثّالثَة)) وقع في رواية همَّام عند مسلم (٣٧٢/١٣٢٢):
((ويلك اركَبْها، ويلك اركَبْها))، ولأحمد من رواية عبد الرحمن بن إسحاق (٧٤٥٤)
والثَّوري (١٠٢٣٣) كلاهما عن أبي الزِّناد، ومن طريق عَجْلانَ عن أبي هريرة (١٠١٢٧
و١٠٥٦٦) قال: ((اركَبْها ويحَك. قال: إنَّهَا بَدَنة. قال: اركَبْها ويحَك))(٢)، زاد أبو يَعْلى
(٢٧٦٣) من رواية الحسن: ((فَرَكِبَها))، وقد قلنا: إنَّا ضعيفة، لكن سيأتي للمصنّف
(١٧٠٦) من طريق عِكْرمةَ عن أبي هريرة: فلقد رأيتُه راكبها يُسابِرُ النبيَّ نَّهِ، والنَّعلُ
في عُنُقِها.
وتَبيَّن بهذه الطُّرق أنَّه أطلَقَ البَدَنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ولو
كان المراد مَدلُولها اللُّغَوي لم يَحصُل الجوابُ بقوله: إنَّهَا بَدَنة، لأنَّ كَونَها من الإبلِ معلوم،
فالظاهر أنَّ الرجلَ ظَنَّ أنَّه خَفِي كَوُها هَدْياً، فلذلك قال: إنَّهَا بَدَنة، والحقُّ أنَّه لم يَخْفَ
ذلك على النبي وَّة؛ لِكَونِها كانت مُقلَّدة، ولهذا قال له لمَّا زاد في مُراجَعَتِه: ((ويلكَ)).
واستُدِلَّ به على جواز رُكُوب الهَدْي، سواء كان واجباً أو مُتطوَّعاً به؛ لكَونِهِ وَّ لم
يَستفصِل صاحب الهَدْي عن ذلك، فدَلَّ على أنَّ الحُكْمَ لا يختلفُ بذلك. وأصرَحُ من هذا
ما أخرجه أحمد (٩٧٩) من حديث عليّ: أنَّه سُئِل: هل يَركَبُ الرجل هَديَه؟ فقال: لا
بأسَ، قد كان النبيِ وَّهِ يَمُرُّ بالرجال يمشون فيأمرُهم يَركَبونَ هَدْيَه؛ هَدْيَ النبي ◌َّ.
إسنادُه صالحُ(٣).
(١) ليس عند النسائي من طريق سعيد عن قتادة اللفظ الذي ذكره الشارح، وإنما هو عنده (٢٨٠١) من
طريق حميد عن ثابت عن أنس، کالجوزقي.
(٢) لفظة ((ويحك)) ليست في رواية عجلان، وإنما هي في رواية أبي الزناد.
(٣) بل إسناده ضعيف، والحديث حسن لغيره. وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((المسند)).

٥٤٨
باب ١٠٣ / ح ١٦٨٩ - ١٦٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
وبالجواز مُطلَقاً قال عُرْوة بن الزُّبَير، ونَسَبه ابن المنذر لأحمد وإسحاق، وبه قال أهل
الظاهر، وهو الذي جَزَمَ به النَّوَوي في ((الرَّوضة)) تَبَعاً لأصلِه في الضَّحايا، ونقله في
(شرح المهذَّب)) عن القَفّال والماوَرْدي، ونَقَلَ فيه عن أبي حامد والبَندَنِيجي وغيرهما
تقییده بالحاجة.
وقال الرّوياني: تجويزُه بغير حاجة يُخالفُ النَّصّ، وهو الذي حكاه التِّرمِذي عن
الشافعي وأحمد وإسحاق، وأطلقَ ابن عبد البَرِّ كراهةَ رُكُوبها بغير حاجة عن الشافعي
ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء، وقَيَّدَه صاحب ((الهداية)) من الحنفيَّة بالاضطرار إلى
ذلك، وهو المنقول عن الشَّعْبي عند ابن أبي شَيْبةٍ(١)، ولفظه: لا يَركَبُ الهَديَ إلَّا مَن لا يَجِدُ
منه بُدّاً. ولفظُ الشافعي الذي نقله ابن المنذر وترجم له البيهقي: يَركَبُ إذا اضطُرَّ رُكوباً
غيرَ فادح. وقال ابن العربي عن مالك: يَركَبُ للضّرورة، فإذا استراحَ نزل.
ومُقْتَضى مَن قَيِّدَه بالضّرورة أنَّ مَن انتَهَت ضَرورَتُهُ لا يَعودُ إلى رُكوِها إلَّا من ضَرُورة
أُخرى، والدليلُ على اعتبار هذه القُيود الثلاثة - وهي الاضطِرارُ والرُّكوبُ بالمعروفِ
وانتهاء الرُّكوب بانتهاء الضَّرورة - ما رواه مسلم (١٣٢٤) من حديث جابر مرفوعاً بلفظ:
((اركَبْها بالمعروفِ إذا أُلجئتَ إليها حتَّى تَجِدَ ظَهراً»، فإنَّ مفهومَه أنَّه إذا وَجَدَ غيرَها تَرَكَها.
٥٣٨/٣ وروى سعيد بن/ منصور من طريق إبراهيم النَّخَعي قال: يَركَبُها إذا أعيا قَدْرَ ما
يستريحُ على ظَهرها.
وفي المسألة مذهب خامس: وهو المنعُ مُطلَقاً، نقله ابنُ العربي عن أبي حنيفة وشَنَّعَ
عليه، ولكنَّ الذي نقله الطَّحاوي وغيره الجواز بقَدْر الحاجة، إلَّا أنَّه قال: ومع ذلك يَضمَنُ
ما نَقَصَ منها بُرُكوِهِ. وضَمَانُ النَّقْص وافق عليه الشافعية في الهَدْي الواجبِ كالنَّذر.
ومذهب سادس: وهو وجوب ذلك، نقله ابن عبد البَرِّ عن بعض أهل الظاهر؛
تمشُّكاً بظاهر الأمر ولِمُخالَفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البَحِيرة والسائبة، ورَدَّه بأن
(١) في ((مصنفه)) برقم (١٥١٤٠) تحقيق الجمعة واللحيدان.

٥٤٩
باب ١٠٣ / ح ١٦٨٩ - ١٦٩٠
كتاب الحج
الذينَ ساقوا الهَدْيَ في عهد النبي وَ طلين كانوا كثيراً ولم يأمر أحداً منهم بذلك. انتهى، وفيه
نظرٌ لما تقدّم من حديث عليّ، وله شاهد مُرسَلٌ عند سعید بن منصور بإسناد صحيح،
رواه أبو داود في ((المراسيل)) (١٥٣) عن عطاء: كان النبي ◌َِّ يأمُرُ بالبَدَنة إذا احتاجَ إليها
سَيِّدُها أن يَحمِلَ عليها ويَركَبَها غيرَ مُنهِكِها، قلت: ماذا؟ قال: الراجلُ والمتِّعُ اليسير،
فإن نُتِجَت ◌ُمِلَ عليها ولدها. ولا يمتنعُ القول بوجوبه إذا تَعيَّن طريقاً إلى إنقاذ مُهجة
إنسان من الهلاك.
واختَلَفَ المجيزونَ هل يَحمِلُ عليها مَتاعَه؟ فمَنَعَه مالك وأجازَه الجمهور. وهل يَحمِلُ
عليها غيرَه؟ أجازَه الجمهورُ أيضاً على التفصيل المتقدِّم. ونَقَلَ عياض الإجماع على أنَّه لا
يُؤجرُها.
وقال الطَّحاوي في ((اختلاف العلماء)): قال أصحابنا والشافعي: إن احتَلَبَ منها شيئاً
تَصدَّقَ به، فإن أكَله تَصدَّقَ بِثَمَنِهِ، ويَركَبُ إذا احتاجَ، فإنْ نَقَصَه ذلك ضَمِن.
وقال مالك: لا يَشرَبُ من لَيَنِهِ، فإن شَرِبَ لَم يَغرَم. ولا يَركَبُ إلَّا عند الحاجة، فإن
رَكِبَ لم يَغْرَم. وقال الثَّوري: لا يَركَبُ إلَّا إذا اضطُرُّ.
قوله: ((ويلَكَ)) قال القُرطُبي: قالها له تأديباً؛ لأجلِ مُراجَعَتِه له مع عَدَمِ خَفاء الحال عليه،
وبهذا جَزَمَ ابن عبد البَرِّ وابن العربي، وبالَغَ حتَّى قال: الوَيلُ لمن راجَعَ في ذلك بعدَ هذا.
قال: ولولا أنَّهِ وَ ◌ِّ اشْتَرَطَ على رَبِّه ما اشتَرَطَ لهُلَك ذلك الرجلُ لا محالةً.
قال القُرطُبي: ويحتملُ أن يكون فَهِمَ عنه أنَّه يَترُكُ رُكوبَها على عادة الجاهلية في السائبة
وغيرها، فَزَجَرَه عن ذلك، فعلى الحالتَينِ هي إنشاءٌ.
ورَجَّحَه عياض وغيره، قالوا: والأمرُ هنا وإن قلنا: إنَّه للإرشاد، لكنَّه استَحَقّ الذَّمَّ
بتَوقُّفِه عن(١) امتثال الأمر.
(١) تحرف في (س) إلى: على.

٥٥٠
باب ١٠٣ / ح ١٦٨٩ - ١٦٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
والذي يظهرُ أنَّه ما تَرَك الامتثالَ عِناداً، ويحتملُ أن يكون ظَنّ أنَّه يَلزَمُه غُرْمٌ
بُرُكوِها، أو إثمٌ، وأنَّ الإذنَ الصادرَ له بُرُكوِها إنَّما هو للشَّفَقة عليه، فتوقَّف، فلمَّا أغلَظَ
إليه بادر إلى الامتثال.
وقيل: لأنَّه كان أشرفَ على هَلكةٍ من الجَهْد. ووَيل كلمة تُقالُ لمن وقع في هَلكة،
فالمعنى: أشرفت على الملكة فارگب، فعلى هذا هي إخبار.
وقيل: هي كلمة تَدعَمُ بها العربُ كلامَها ولا تَقصِدُ معناها، كقوله: لا أُمَّ لك، ويُقَوّيه
ما تقدَّم في بعض الروايات بلفظ: ((ويحَكَ)) بدلَ ((ويلك))، قال الهَرَوي: ((ويل)) يقال لمن
وقع في هَلكة يستحِقُّها، و((وَيْح)) لمن وقع في مَلكة لا يستحِقُّها.
وفي الحديث تكرير الفَتْوى، والنَّذْب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وزَجْرُ مَن لم يُبَادِر إلى
ذلك وتَوبيخُه، وجواز مُسايَرة الكِبار في السفر، وأنَّ الكبيرَ إذا رأى مَصلَحةً للصَّغير لا
يأنفُ عن إرشاده إليها.
واستَنْبَطَ منه المصنِّف جوازَ انتفاع الواقفِ بوقفِه، وهو موافق للجمهورِ في الأوقاف
العامّة، أمَّا الخاصَّةُ فالوقف على النَّفْسِ لا يَصُِّ عند الشافعية ومَن وافقهم، كما سيأتي بيانه
في مكانه إن شاء الله تعالی.
قوله: ((عن أنس)): في رواية عليّ بن الجَعْد عن شُعْبة عند الإسماعيلي: ((سمعتُ أنس بن
مالك)).
قوله: ((قال: ارْكَبْها ثلاثاً) كذا في رواية أبي ذرِّ مختصراً، وفي رواية غيره: ((قال: إنَّهَا بَدَنة!
قال: اركَبها. قال: إنَّهَا بَدَنة! قال: اركَبها، ثلاثاً))، وكذا أخرجه أبو مسلم الكَجّي في
٥٣٩/٣ (السُّنَنِ)) عن مسلم بن إبراهيم شيخ / البخاري فيه، ومن طريقه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)).
وأخرجه الإسماعيلي عن أبي خَليفَة عن مسلم كذلك، لكن قال في آخره: ((وَيلكَ)) بدلَ
((ثلاثاً)، وللتّرمِذي (٩١١) من طريق أبي عَوَانة عن قَتَادة: فقال له في الثالثة أو الرّابعة:
((اركَبْها وَيُحَك أو وَيلكَ))، وللنَّسائي (٢٨٠٠) من طريق سعيد عن قَتَادة: قال في الرّابعة:
(«اركَبْها وَيلكَ)).

٥٥١
باب ١٠٤ / ح ١٦٩١ - ١٦٩٢
كتاب الحج
١٠٤ - باب من ساق البدن معه
١٦٩١- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيٍ، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بِنِ
عبدِ الله، أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: تَتَّعَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجّةِ الوداعِ بالعُمْرةِ إلى
الحِّ، وأهدى، فساقَ معه الهَدْيَ من ذي الحُلَيفةِ، وَبَدَأ رسولُ الله ◌َّهِ فأهلَّ بالعُمْرةِ، ثمَّ
أهلَّ بالحجِّ، فتَمتَّعَ الناسُ مع النبيِّ ◌َّهِ بِالعُمْرةِ إلى الحجِّ، فكان من الناس مَن أهدَى فساقَ
الهَدْيَ، ومنهم مَن لم يُهْدِ، فلمَّا قَدِمَ النبيُّ ◌َّه ◌ِكَّةَ قال للناس: ((مَن كان منكم أهدى فإنَّه لا
يَحِلُّ من شيءٍ حَرُمَ منه حتَّى يَقْضِيَ حَجَّه، ومَن لم يكن منكم أهدَى فَلْيَطُّفُ بالبيتٍ وبالصَّفا
والمَرْوةِ ويُقَصِّر ولْيَحْلِل، ثمَّ لِيُهِلَّ بالحيِّ، فمَن لم يَجِدْ هَذْياً فَلْيَصُم ثلاثةَ أيامٍ في الحجّ وسَبْعَةً
إذا رَجَعَ إلى أهلِه)).
فطافَ حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، واستَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شيءٍ، ثمَّ خَبَّ ثلاثةَ أَطوافٍ ومَشَى أربعاً،
فَرَكَعَ حينَ قَضَى طوافَه بالبيتِ عندَ المقام رَكْعتَينِ، ثمَّ سَلَّمَ فانصَرَفَ، فأتى الصَّفا فطافَ
بالصَّفا والمَرْوةِ سَبْعَةَ أطوافٍ، ثمَّ لم يَخْلِل من شيءٍ حَرُمَ منه حتَّى فَضَى حَجَّه ونَحَرَ هَذْيَه يومَ
النَّحْرِ وأفاضَ، فطافَ بالبيتِ ثمَّ حَلَّ من كلِّ شيءٍ حَرُمَ منه، وفَعَلَ مِثلَ ما فعل رسولُ الله ◌َلّ
مَن أهدى وساقَ الهَدْيَ من الناس.
١٦٩٢ - وعن عُرْوةَ: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها أخبَرَتْه عن النبيِّ وَّ فِي ◌َتُّعِه بالعُمْرةِ إلى الحجِّ،
فَتَمتَّعَ الناسُ معه بمِثلِ الَّذي أخبرني سالمٌ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن رسولِ الله ◌َِّةٍ.
قوله: ((باب مَن ساق البُدْن معه)) أي: من الحِلِّ إلى الحَرَم. قال المهلَّب: أراد المصنّف أن
يُعرِّفَ أنَّ السُّنّةَ في الهَدي أن يُساق من الحِلِّ إلى الحَرَم، فإن اشتراه من الحَرَمِ خرج به إذا
حَجَّ إلى عَرَفة، وهو قول مالك. قال: فإن لم يفعل فعليه البدَلُ، وهو قول الليث.
وقال الجمهور: إن وقَفَ به بعَرَفة فحسنٌ، وإلَّ فلا بَدَلَ عليه.
وقال أبو حنيفة: ليس بسُنَّةٍ؛ لأنَّ النبيِ وََّ إِنَّمَا ساق الهَديَ من الحِلِّ لأَنَّ مَسكَنَه كان
خارجَ الخَرَم. وهذا كلّه في الإبل، فأمَّا البقرُ فقد يَضعُفُ عن ذلك، والغنمُ أضعَف؛ ومن
ثَمَّ قال مالك: لا يُساقُ إلَّا من عَرَفة أو ما قَرُبَ منها، لأنَّها تَضعُفُ عن قطع طول المسافة.

٥٥٢
باب ١٠٤ / ح ١٦٩١ - ١٦٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عُقَيل)) في رواية مسلم (١٢٢٧) من طريق شعيب بن الليث عن أبيه:
((حذَّثني عُقَيل)).
قوله: (تَمَّعَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الوداع بالعُمْرةِ إلى الحجّ)) قال المهلَّب: معناه: أمَرَ
بذلك، لأنَّه كان يُنكِرُ على أنس قوله أنَّه قَرَنَ، ويقول: بل كان مُفرِداً، وأمَّا قوله: ((وبَدَأ
فأهلَّ بالعمرة)) فمعناه: أمَرَهم بالتمتُّع؛ وهو أن يُهِلّوا بالعمرة أولاً ويُقدِّموها قبلَ الحج،
قال: ولا بُدَّ من هذا التأويلِ لدَفع التَّنَاقُضِ عن ابن عمر.
قلت: لم يَتَعيَّن هذا التأويل المتَعسِّف، وقد قال ابن المنيِرِ في ((الحاشية)): إنَّ حملَ قوله:
٥٤٠/٣ (تَمَتَّعَ)) على معنى أمَرَ من أبعَد التأويلات، والاستشهادُ/ عليه بقوله: رَجَمَ وإنَّما أمَرَ
بالرَّجمِ، من أوهَن الاستشهادات، لأنَّ الرَّجمَ من وظيفة الإمام، والذي يَتَوَلّاه إنَّما يَتَوَلّاه
نيابةً عنه، وأمَّا أعمال الحج من إفراد وقِران وتَمتُّع فإنَّه وظيفة كلّ أحد عن نفسِه. ثمَّ أجازَ
تأويلاً آخرَ وهو أنَّ الراوي عَهِدَ أنَّ الناسَ لا يفعلونَ إلَّ كَفْعِلِه، لا سيَّما مع قوله: ((خُذُوا
عَنِّي مَناسِكَكم))(١)، فلمَّا تَحقَّقَ أنَّ الناسَ تَتَّعوا، ظَنّ أنَّه عليه الصلاة والسلام تَمَّعَ،
فأطلق ذلك.
قلت: ولم يَتَعيَّن هذا أيضاً، بل يحتملُ أن يكون معنى قوله: (تَتَّعَ)) محمولاً على مَدلولِه
اللُّغَوي، وهو الانتفاعُ بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغيرها، بل قال
النَّوَوي: إنَّ هذا هو المتَعيِّن. قال: وقوله: ((بالعمرة إلى الحج)) أي: بإدخال العمرة على
الحج، وقد قَدَّمنا في ((باب التمتّع والقِرَان)) (١٥٦١) تقرير هذا التأويل، وإنَّما المشكِّلُ هنا
قوله: ((بَدَأ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحج)) لأنَّ الجمعَ بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب
استَقَرَّ - كما تقدَّم - على أنَّ بَدَأ أولاً بالحجِّ ثمَّ أدخَلَ عليه العمرة، وهذا بالعكس.
وأُجيبَ عنه بأنَّ المراد به صورةُ الإهلال، أي: لمَّا أدخَلَ العمرة على الحج لَّ بهما،
فقال: لَبَّيك بعمرةٍ وحَجَّةٍ معاً. وهذا مطابق لحديث أنسِ المتقدِّم، لكن قد أنكَرَ ابن عمر
--
(١) أخرجه مسلم (١٢٩٧).

٥٥٣
باب ١٠٤ / ح ١٦٩١ - ١٦٩٢
كتاب الحج
ذلك على أنس، فيحتملُ أن يُحمَلَ إنكار ابن عمر عليه كونه أطلقَ أنَّه ◌َ لّ جمع بينهما، أي:
في ابتداء الأمر، ويُعيِّنُ هذا التأويلَ قوله في نفس الحديث: ((وَتَّعَ الناسُ ... )) إلى آخره، فإنَّ
الذينَ تَمَتَّعوا إِنَّما بَدَؤوا بالحج، لكن فسَخوا حَجَّهم إلى العمرة حتَّى حَلّوا بعدَ ذلك بمكَّةً،
ثمَّ حَجّوا من عامهم.
قوله: ((فساق معه الهَدْيَ من ذي الحُلَيفَة)) أي: من الميقات. وفيه النَّدبُ إلى سَوْق
الهَدْي من المواقيتِ ومن الأماكن البعيدة، وهي من السُّنَن التي أغفَلَها كثيرٌ من الناس.
قوله: ((فإنَّه لا يَحِلُّ من شيء» تقدَّم بيانُه في حديث حفصة (١٥٦٦) في (باب التمتُّع
والقِرَان)».
قوله: ((ويُقصِّر) كذا لأبي ذرٍّ، وأمَّا الأكثر فعندهم: ((وليُقصِّر))، وكذا في رواية مسلم
(١٢٢٧). قال النَّوَوي: معناه: أنَّه يفعلُ الطَّواف والسعي والتقصير ويصيرُ حلالاً، وهذا
دليل على أنَّ الحلق أو التقصيرَ نُسُك، وهو الصحيحُ، وقيل: استباحة محظور. قال: وإنَّما
أمَرَه بالتقصير دونَ الحلق مع أنَّ الحلقَ أفضلُ؛ ليبقى له شعر يَحِلِقُه في الحج.
قوله: ((ولْيَحْلِل)) هو أمرٌ معناه الخبرُ، أي: قد صار حلالاً، فله فعلُ كلِّ ما كان محظوراً عليه
في الإحرام، ويحتملُ أن يكون أمْراً على الإباحة لفعل ما كان عليه حراماً قبلَ الإحرام.
قوله: ((ثمَّ ليُهِلَّ بالحجّ)) أي: يُجِرِم وقتَ خروجِه إلى عَرَفة، ولهذا أتى بثُمَّ الدالّة على
التَّراخي فلم يُرِدِ أن يُهِلَّ بالحجِّ عَقِبَ إهلاله من العمرة.
قوله: ((ولْيُهْد))(١) أي: هَدْيَ التمتُّع، وهو واجب بشُروطِه.
قوله: ((فمَن لم يَجِد هَذْياً فَلْيَصُم ثلاثة أيام في الحجّ)) أي: لم يَجِد الهَدْي بذلك المكان،
ويَتَحقَّقُ ذلك بأن يَعدَمَ الهَدْيَ أو يَعدَمَ ثمنَه حينئذٍ، أو يَجِدَ ثمنه لكن يحتاجُ إليه لأهمّ من
ذلك، أو يَجِدَه لكن يمتنعُ صاحبُه من بيعِه، أو يمتنعُ من بيعِهِ إلَّا بغَلائِه، فيَنَتَقِّلُ إلى الصوم
كما هو نصُّ القرآنِ. والمراد بقوله: ((في الحج)) أي: بعدَ الإحرام به. وقال النَّوَوي: هذا هو
(١) لفظة ((ولْيُهْد)) ليست في رواية البخاري، وهي في رواية مسلم (١٢٢٧).

٥٥٤
باب ١٠٤ / ح ١٦٩١ - ١٦٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
الأفضلُ، فإن صامها قبلَ الإهلال بالحجِّ أجزأه على الصحيح، وأمَّا قبلَ التحلَّلِ من
العمرة، فلا على الصحيح، قاله مالكٌ، وجَوَّزَه الثَّوري وأصحاب الرَّأيٍ.
وعلى الأولِ فمَن استَحَبَّ صيام عَرَفة بعَرَفة قال: يُحِمُ يومَ السابع؛ ليصومَ السابع
والثامن والتاسع، وإلَّا فيُحرِمُ يومَ السادس ليفطِرِ بعَرَفة، فإن فاتَه الصوم قضاه، وقيل:
يَسقُطُ ويستقِرُّ الْهَدْي في ذِمَّتِهِ، وهو قول الحنفيّة.
وفي صومٍ أيام التشريق لهذا قولان للشافعية، أظهَرُهما: لا يجوزُ، قال النَّوَوي:
وأصحُّهما من حيثُ الدليلُ: الجواز.
قوله: (ثمَّ خَبَّ)) تقدَّم الكلام عليه في ((باب استلام الحجر الأسود)) (١٦٠٣)، وتقدَّم
الكلام على السعي في بابهِ.
٥٤١/٣ وقوله: ((ثُمَّ سَلَّمَ فانصَرَفَ فأتى الصَّفا)) ظاهره أنَّه لم يَتَخلَّل بينهما / عمل آخرُ، لكن في
حديث جابر الطّويلِ في صفة الحجِّ عند مسلم (١٢١٨): ثمَّ رَجَعَ إلى الحجَرِ فاستَلَمَه، ثمَّ
خرج من باب الصَّفا.
قوله: ((ثمَّ حَلَّ من كلِّ شيءٍ حَرُمَ منه)) تقدَّم أنَّ سببَ عَدَم إحلاله كَونُه ساق اهَدْي،
وإلَّا لكان يَفسَخُ الحج إلى العمرة ويَتَحلَّلُ منها، كما أمَرَ به أصحابَه.
واستُدِلَّ به على أنَّ التحلّلَ لا يقعُ بمجرَّدٍ طواف القدوم، خلافاً لابن عبَّاس، وهو
واضح وقد تقدّم البحث فيه.
وقوله: ((وفَعَلَ مِثلَ ما فَعَلَ)) إشارة إلى عَدَمِ خُصوصيَّتِه بذلك. وفيه مشروعيةُ طواف
القدوم للقارنِ والرَّمَلِ فيه إن عَقَّبَه بالسعي، وتسميةِ السعي طوافاً، وطوافِ الإفاضة
يومَ النَّحر.
واستُدِلَّ به على أنَّ الحلقَ ليس برُكن، وليس بواضح، لأنَّه لا يَلزَمُ من تَركِ ذِكْره في
هذا الحديث أن لا يكون وقع، بل هو داخل في عموم قوله: ((حتَّى قَضَى حَجَّه)).

٥٥٥
باب ١٠٤ / ح ١٦٩١ - ١٦٩٢
كتاب الحج
تنبيه: وقع بين قوله: ((وفَعَلَ مثلَ ما فعل رسول الله وَّ) وبين قوله: ((مَن أهدى وساق
الهَدْيَ من الناس)) في رواية أبي الوَقْتِ لفظُ: ((باب)) وقال: ((فيه عن عُرْوة عن عائشة ... ))
إلى آخره، وهو خطأٌ شَنيع، فإنَّ قوله: ((مَن أهدى)) فاعلُ قوله: ((وفَعَلَ))، فالفَصْل بينهما
بلفظ ((باب)) خطأ، ويصيرُ فاعلُ ((فعَلَ)) محذوفاً.
وأغرَبَ الكِرْماني فشَرَحَه على أنَّ فاعلَ ((فعَلَ)) هو ابن عمر راوي الخبرِ. وأمَّا أبو نُعَيم
في ((المستخرَج)) فساق الحديث بتمامه إلى آخره، ثمَّ أعاد هذا اللفظَ بترجمة مُستَقِلّة وساق
حديث عائشة بالإسناد الذي قبله، وقال في كلّ منهما: أخرجه البخاري عن يحيى بن بُگیر.
وهذا غريب، والأصوَب ما رواه الأكثر.
ووقع في رواية أبي الوليد الباجيّ عن أبي ذرِّ بعدَ قوله: ((ما فعل رسولُ اللهِّ) فاصلةٌ
صورتُها(١) وبعدَها: ((مَن أهدى وساق الهَديَ من الناس وعن عُرْوة أنَّ عائشةَ أخبَرَته)).
قال أبو الوليد: أمَرَنا أبو ذرِّ أنَّ نَضرِبَ على هذه الترجمة، يعني: قوله: ((مَن أهدى وساق
الهَدْيَ من الناس)) انتهى، وهو عجيب من أبي الوليد ومن شيخِه، فإنَّ قوله: ((مَن أهدى))
هو صفة لقوله: ((وفَعَلَ))، ولكنَّهما ظنّا أنَّها ترجمة فحَكَما عليها بالوَهمِ، وليس كذلك.
وكذا أخرجه مسلم (١٢٢٧) من رواية شعيب، فساق حديث ابن عمر إلى قوله: ((من
الناس))، ثمَّ أعاد الإسناد (١٢٢٨) بعَينِه إلى عائشة، قال عن رسول الله ◌َّ فِي ◌َتُّعِه بالحِّ
إلى العمرة: وتَمتَّعَ الناسُ معه بمثل الذي أخبرني سالم عن عبد الله.
وقد تعقَّب المهلَّبُ قولَ الزُّهْري: ((بمثل الذي أخبرني سالم)) فقال: يعني مثله في
الوَهم، لأَنَّ أحاديثَ عائشة كلَّها شاهدةٌ بأنَّه حجَّ مُفرِداً.
قلت: وليس وهماً؛ إذ لا مانعَ من الجمع بين الروايتين بمثلِ ما جمعنا به بين المختلِفِ
(١) كذا وقع بياض بقدر هذا الفراغ في (ع)، ووقع في (أ) لفظة ((له))، وفي (س): (.)، ولم نتبيَّن صورة هذه
الفاصلة، ووقع عند العيني في ((عمدة القاري)) ٣٣/١٠ أن الفصل وقع بلفظ ((باب))، فصار: باب من
أهدى ... إلخ.

٥٥٦
باب ١٠٥ / ح ١٦٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
عن ابن عمرَ، بأن يكون المراد بالإفراد في حديثها: البِداءةَ بالحج، وبالتمتُّع بالعمرة:
إدخالها على الحج، وهو أولى من تَوهِيم جبل من جبال الحفظ، والله أعلم.
٥٤٢/٣
١٠٥ - باب من اشتری الهدي من الطّريق
١٦٩٣- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن نافع، قال: قال عبدُ الله بنُ
عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهم لأبِيه: أقِم، فإنّ لا آمَنُها أن تُصَدَّ عن البيتِ، قال: إذاً أفعَلُ كما
فعل رسولُ اللهِ وَّةٍ، وقد قال الله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسُّوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]
فأنا أُشهِدُكم أنّ قد أو جَبتُ على نفسي العُمْرةَ. فأهلَّ بالعُمْرةِ، قال: ثمَّ خَرَجَ حتَّى إذا كان
بالبَيداء أهلَّ بالحجِّ والعُمْرةِ، وقال: ما شَأنُ الحجّ والعُمْرةِ إلا واحدٌ. ثمَّ اشتَرَى الهَدْيَ من
قُدَيدٍ، ثمَّ قَدِمَ فطافَ لهما طوافاً واحداً، فلم تَحِلَّ حتَّى حَلَّ منهما جميعاً.
قوله: ((باب مَن اشتَرَى الهَذْي من الطَّريق)) أي: سواء كان في الحِلِّ أو الحَرَم، إذ سَوقُه
معه من بلدِە ليس بشَرْط.
وقال ابن بَطَّالٍ: أراد أن يُبيِّنَ أنَّ مذهبَ ابن عمر في الهدي: أنَّه ما أُدخِلَ من الحِلِّ إلى
الحَرَمِ، لأنَّ قُديداً من الحِلّ.
قلت: لا يخفى أنَّ الترجمةَ أعمُّ من فعل ابن عمر، فكيف تكون بياناً له!
قوله: ((فإنّ لا آمَنُها)» بالمدِّ وفتح الميم الخفيفة، وقد تقدَّم في ((باب طواف القارن))
(١٦٣٩) بلفظ: ((لا آمَن))، والهاءُ هنا ضمير الفِتنة، أي: لا آمَنُ الفِتنة أن تكون سبباً في
صَدِّك عن البيت، وسيأتي بيان ذلك في ((باب المحصَر)) (١٨٠٦) مع بقيّة الكلام عليه.
وفي رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسي هنا: ((لا أيمَنُها)) وقد تقدَّم ضبطُه وشرحه في ((باب
طواف القارن)».
قوله: ((أن تُصَدَّ)) في رواية السَّرَخْسي: ((أن سَتُصَدَّ».
قوله: ((فأهلَّ بِالعُمْرة)) زاد في رواية أبي ذرٍّ: ((من الدار))، وكذا أخرجه أبو نُعَيم من
رواية عليّ بن عبد العزيز عن أبي النُّعمان شيخ البخاري فيه، ويُؤْخَذُ منه جواز الإحرام من

٥٥٧
باب ١٠٦ / ح ١٦٩٤ - ١٦٩٦
كتاب الحج
قبل الميقات، وللعلماء فيه اختلاف: فنَقَلَ ابن المنذر الإجماع على الجواز، ثمَّ قيل: هو أفضلُ
من الإحرام من الميقات، وقيل: دونَه، وقيل: مثله، وقيل: مَن كان له ميقات مُعيَّن فهو في
حَقِّه أفضلُ، وإلَّا فمِن دارِه أفضلُ(١)، وللشافعية في أرجَحيَّة الميقات عن الدار اختلاف،
وقال الرّافعي: يُؤْخَذُ من تعليلِهم أنَّ مَن أمِنَ على نفسه كان أرجَح في حَقِّه، وإلَّا فمِنَ
الميقات أفضل، وقد تقدَّم قول المصنِّف: ((وكَرِهَ عثمان أن يُحِرِمَ من خُراسانَ أو كِرْمانَ)) في
((باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾))(٢).
قوله: ((فلم يَحِلَّ حتَّى حَلّ)) في رواية السَّرَخْسي: ((حتَّى أحَلَّ)) بزيادة ألفٍ والحاء
مفتوحة، وهي لغةٌ شَهِيرة يقال: حَلّ وأحَلّ.
١٠٦ - باب من أشعر وقّد بذي الحُلَيفة ثمّ أحرم
وقال نافعٌ: كان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما إذا أهدَى من المدينةِ قَلَّدَه وأشعَرَه بذي الحُلَيفةِ،
يَطْعُنُ في شِقِّ سَنامِه الأيمَنِ بِالشَّغْرةِ ووجهُها قِبَلَ القِبْلةِ باركةً.
١٦٩٤، ١٦٩٥ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن
عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن المِسوَرِ بنِ مَخْرَمةَ ومروانَ، قالا: خَرَجَ النبيُّ نَّهِ في بضعَ عشرةَ مئَّةٍ من
أصحابِهِ، حتَّى إذا كانوا بذِي الحُلَيفةِ قَلَّدَ النبيُّنَّهَ الَهَدْيَ وأشعَرَ وأحرَمَ بالعُمْرة.
[ح ١٦٩٤ - أطرافه في: ٢٧١٢،١٨١١، ٢٧٣١، ٤١٧٨،٤١٥٨، ٤١٨١]
[ح ١٦٩٥ - أطرافه في: ٢٧١١، ٢٧٣٢، ٤١٥٧، ٤١٧٩، ٤١٨٠]
١٦٩٦- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا أفلَحُ، عن القاسمِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت:
فَتَلْتُ قلائدَ بُدْنِ النبيِّ وَّهِ بِيدَيَّ، ثمَّ قَلَّدَها وأشعَرَها وأهداها، فما حَرُمَ عليه شيءٌ كان أُحِلَّ
له.
[أطرافه في: ١٦٩٨، ١٦٩٩، ١٧٠٠، ١٧٠١، ١٧٠٢، ١٧٠٣، ١٧٠٤، ١٧٠٥، ٢٣١٧، ٥٥٦٦]
(١) قوله: ((أفضل)) سقط من (س).
(٢) الباب رقم (٣٣) من كتاب الحج.

٥٥٨
باب ١٠٦ / ح ١٦٩٤ - ١٦٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب مَن أشعَرَ وقَلَّدَ بذي الحليفة ثمَّ أحرَمَ)) قال ابن بَطَّال: غَرَضُه أن يُبيِّنَ أنَّ
المستَحَبَّ أن لا يُشعِرَ المحرِمِ ولا يُقلِّدَ إلَّا في ميقات بلده. انتهى.
والذي يظهرُ أنَّ غَرَضَه الإشارة إلى ردِّ قول مجاهد: لا يُشعِرُ حتَّى يُحِرِمَ، أخرجه ابن
أبي شَيْبة(١) لقوله في الترجمة: ((مَن أشعَرَ ثمَّ أحرَمَ))، ووجه الدّلالة لذلك من حديث
المِسوَر قولُه: ((حتَّى إذا كانوا بذي الحُلَيفة قَلَّدَ الهَدْيَ وأحرَمَ)) فإنَّ ظاهرَه البِداءة
٥٤٣/٣ بالتقليد، ومن حديث عائشة قولُه: ((ثمَّ قَلَّدَها وأشعَرَها/ وما حَرُمَ عليه شيء)) فإنَّه يدلَّ
على أنَّ تقدُّمَ الإحرام ليس شرطاً في صِحَّة التقليد والإشعار، وأبيَنُ من ذلك لتحصيل
مقصود الترجمة ما أخرجه مسلم (١٢٤٣ / ٢٠٥) من حديث ابن عبّاس قال: صلَّى النبي
وَ﴿ الظُّهرَ بذي الْحُلَيفة، ثمَّ دَعَا بناقته فأشعَرَها في سَنامها الأيمنِ وسَلَتَ الدَّمَ وقَلَّدَها
نَعَلَين، ثمَّ رَكِبَ راحلته، فلمَّا استَوَت به على البَيْداء أهلَّ بالحج. وسيأتي الكلام على
حديث المِسوَر حيثُ ساقه المصنّف مطوَّلاً في كتاب الشُّروط (٢٧٣١ و٢٧٣٢) وعلى
حديث عائشة بعد بابين (١٧٠٠).
قوله: ((زمن الحُدَيبية)) وقع عند الكُشْمِيهنيّ: من المدينة.
قوله في صَدْر الباب: ((وقال نافع: كان ابن عُمَر ... )) إلى آخره، وَصَلَه مالك في ((الموطّ))
(٣٧٩/١) قال: عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنَّه كان إذا أهدى هَدياً من المدينة على
ساكنِها الصلاة والسلام قَلَّدَه بذي الحُلَيفة، يُقلِّدُه قبلَ أن يُشعِرَه، وذلك في مكان واحدٍ
وهو مُتوجِّه إلى القِبْلة يُقِّدُه بنَعَلَينِ ويُشعِرُه من الشِّقّ الأيسَر، ثمَّ يُساقُ معه حتَّى يُوقَفَ
به مع الناس بعَرَفة، ثمَّ يَدَفَعُ به فإذا قَدِمَ غَدَاةَ النَّحْرِ نَحَرَه، وعن نافع عن ابن عمر:
كان إذا طَعَنَ في سَنَام هَذْيه وهو يُشعِرُه قال: ((باسمِ الله والله أكبر)).
وأخرج البيهقي (٢٣٢/٥) من طريق ابن وَهْب عن مالك وعبد الله بن عمر عن نافع:
(١) في ((المصنف)) (١٣٧٠٣) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٥٥٩
باب ١٠٧ / ح ١٦٩٧ - ١٦٩٨
كتاب الحج
أنَّ عبد الله بن عمر كان يُشعِرُ بُدنَه من الشِّقّ الأيسَرِ إلَّا أن تكون صِعاباً، فإذا لم يستطع أن
يَدخُلَ بينها أشعَر من الشِّقّ الأيمَن، وإذا أراد أن يُشعِرَها وجَّهَها إلى القِبْلة.
وتَبيَّن بهذا أنَّ ابن عمرَ كان يَطعُنُ في الأيمَنِ تارةً وفي الأيسَرِ أُخرى بحَسَب ما
يَتَھَیَّاُ له ذلك.
وإلى الإشعار في الجانب الأيمَنِ ذهب الشافعي وصاحبا أبي حنيفة وأحمد في رواية.
وإلى الأيسَرِ ذهب مالك وأحمد في رواية، ولم أرَ في حديث ابن عمر ما يدلُّ على تقدُّم
ذلك على إحرامه.
وذكر ابن عبد البَرِّ في ((الاستذكار)) عن مالك قال: لا يُشعِرُ الهَدْيَ إلَّا عند الإهلال
يُقِّده، ثمَّ يُشعِرُه، ثمَّ يُصلِّي، ثمَّ يُحِم.
وفي هذا الحديث مشروعية الإشعار، وفائدته الإعلام بأنَّها صارت هَدياً ليتبَعَها مَن
يحتاجُ إلى ذلك وحتَّى لو اختَلَطَت بغيرها تَميَّزَت أو ضَلَّت عُرِفَت أو عَطِبَت، عَرَفَها
المساكينُ بالعلامة فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شِعار الشَّرع وحَتّ الغير عليه.
وأبعَدَ مَن مَنَعَ الإشعارَ واعتَلَّ باحتمال أنَّه كان مشروعاً قبلَ النَّهي عن المُثْلة، فإنَّ
النَّسْخَ لا يُصارُ إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعارُ في حَجَّة الوداع، وذلك بعدَ النَّهي عن
المُثْلة بزمان، وسيأتي نقلُ الخلاف في ذلك بعدَ باب.
١٠٧ - باب فَتْل القلائد للبُدْن والبقر
١٦٩٧- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، عن
حفصةَ رضي الله عنهم قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، ما شَأنُ الناس حَلُّوا ولم تَحلل أنتَ؟ قال:
(إنّي لَبَّدْتُ رأسي وقَلَّدْتُ هَذبي، فلا أَحِلُّ حتَّى أحِلَّ من الحجِ)).
١٦٩٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا الليثُ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن عُرْوة وعن
عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمن، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله ◌ِّهِ يُّهْدِي من المدينةِ
فَأَفْتِلُ قلائدَ هَذِْهِ، ثمَّ لا يَجِتَنَبُ شيئاً مَّا يَجِتَبُه المُحْرِمِ.

٥٦٠
باب ١٠٨ / ح ١٦٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب فَتْل القلائد للبُدْنِ والبقر)) أورَدَ فيه حديث حفصة: ما شَأن الناس حَلّوا،
وحديث عائشة: كان يُهدي من المدينة فأفتِلُ قلائد هَدیِه.
٥٤٤/٣ قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): ليس في الحديثَينِ ذِكْر البقرِ إلَّا أَّهما مُطلَقان، وقد/ صَحَّ
أنَّه أهداهما جميعاً. كذا قال، وكأنَّه أراد حديثَ عائشة: دخل علينا يومَ النَّحرِ بلحمٍ بقر ...
الحديثَ، وسيأتي بعدَ أبواب (١٧٠٩)، ولا دلالةَ فيه على أنَّه كان ساق البقرَ، وترجمة
البخاري صحيحة لأنَّه إن كان المرادُ بالهَدْي في الحديث الإبل والبقر معاً، فلا كلام، وإن
كان المراد الإبل خاصَّة فالبقر في معناها، وقد سَبَقَ الكلام على حديث حفصة مُستوفَّى في
((باب التمتّع والقِرَان)) (١٥٦٦).
ومُناسَبته للترجمة من جهة أنَّ التقليدَ يستلزمُ تقدُّمَ الفَتْلِ عليه، ويوضحُ ذلك حديث
عائشة المذكور معه ویأتي الكلام عليه بعدَ بابٍ (١٧٠٠).
تنبيه: أخذَ بعضُ المتأخِّرينَ من اقتصار البخاري في هذه الترجمة على الإبل والبقرِ أنَّه
موافقٌ لمالكِ وأبي حنيفة في أنَّ الغنمَ لا تُقلَّدُ، وغَفَلَ هذا المتأخّرُ عن أنَّ البخاري أفرَدَ
ترجمة لتقليد الغنم بعدَ أبوابٍ يسيرة كعادته في تفريق الأحكام في التراجم.
١٠٨ - باب إشعار البدن
وقال عُرْوةُ عن المِسوَرِ﴾: قَلَّدَ النبيُّنَّهَ الَهَدْيَ وأشعَرَه وأحرَمَ بالعُمْرةِ.
١٦٩٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، حدَّثنا أفلَحُ بنُ مُميدٍ، عن القاسمِ، عن عائشةَ رضي الله
عنها، قالت: فَتَلْتُ قلائدَ هَذْي النبيِّ وَّهِ ثمَّ أشعَرَها وقَلَّدَها، - أو قَلَّدْتُها - ثمَّ بَعَثَ بها إلى
البيتِ، وأقامَ بالمدينةِ فما حَرُمَ عليه شيءٌ كان له حِلٌّ.
قوله: ((باب إشْعار البُدْن)) ذكر فيه حديث عُرْوة عن المِسوَر مُعلَّقاً وقد تقدَّم موصولاً
قبلَ بابٍ (١٦٩٥/١٦٩٤)، وحديث عائشة: فَتَلتُ قلائد هَدْي النبيِ ﴿ ثمَّ أَشعَرَها
وقَلَّدَها ... الحديث، وفيه مشروعية الإشعار: وهو أن يَكشِطَ جلد البَدَنة حتَّى يَسِيلَ دمِّ
ثمَّ يَسلْتُه، فيكون ذلك علامة على كونهاِ هَدياً، وبذلك قال الجمهور من السلفِ والخلفِ.