Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ باب ٨١ / ح ١٦٥٠ - ١٦٥١ كتاب الحج والمراد بالسعي هنا: شِدّة المشي، وقد تقدَّم القول فيه في ((باب بَدْء الرَّمَل)) (١٦٠٢). قوله: ((زادَ الحُميدي ... )) إلى آخره، أي: زاد التصريح بالتحديث من عَمْرو لسفيان، ومن عطاء لعمرو، وهكذا رُوّيناه في «مسند الحميدي)) (٤٩٧) رواية بشر بن موسى عنه، ومن طريقه أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وأخرج مسلم (١٢١٨) في هذا الباب حديث جابر: أنَّه ◌ِ﴿ ﴿ لمَّا فَرَغَ من الركعتَينِ بعد طوافه، خرج إلى الصَّفا، فقال: ((أبدَا بما بَدَأ الله به))، واستُدِلَّ به على اشتراط البِداءة بالصَّفا، ورواه النَّسائي (٢٩٦٢) بلفظ الأمر فقال: ((ابدؤوا بما بدأ الله به)). تكميل: قال ابن عبد السلام: المروة أفضل من الصَّفا، لأنَّها تُقْصَد بالذِّكرِ والدُّعاء أربع مرَّات بخلاف الصَّفا، فإنَّما يُقصَد ثلاثاً، قال: وأمَّا البِداءة بالصَّفا فليس بواردٍ لأنَّه وسيلة. قلت: وفيه نظرٌ لأنَّ الصَّفا تُقصَد أربعاً أيضاً أولها عند البِداءة، فكلّ منهما مقصود بذلك ويمتاز بالابتداء، وعند التَّنُزُّل يَتَعادلان، ثمَّ ما ثَمَرة هذا التفضيل مع أنَّ العبادة المتعلّقة بهما لا تَتِمّ إلَّا بهما معاً؟! ٥٠٤/٣ ٨١ - باب تقضي الحائض المناسك كلّها إلا الطّواف بالبيت وإذا سَعَى على غيرِ وُضُوءٍ بين الصَّفا والمَرْوةِ ١٦٥٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبد الرحمن بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّها قالت: قَدِمْتُ مكَّةَ وأنا حائضٌ ولم أطُفُ بالبيتِ ولا بين الصَّفا والمَرْوةِ، قالت: فَشَكَوْتُ ذلك إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال: ((افعلي كما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيتِ حَتَّى تَطَّهَرِي)). ١٦٥١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب. قال(١): وقال لي خَلِيفةُ: حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حذَّثنا حبيبٌ المعلِّمُ، عن عطاءٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: أهلَّ (١) القائل: هو أبو عبد الله البخاري، فله في هذا الإسناد شيخان: محمد بن المثنى، وخليفة، وهو ابن خياط. ٤٨٢ باب ٨١ / ح ١٦٥٠ - ١٦٥٢ فتح الباري بشرح البخاري النبيُّ ◌َ﴿ هو وأصحابُه بالحجِّ، وليس مع أحدٍ منهم هَذْيٌّ غيرَ النبيِّ لَ ﴿ وطَلْحَةَ، وَدِمَ عليٌّ من اليمنِ ومعه هَذِيٌّ، فقال: أهلَلْتُ بما أهلَّ به النبيُّ ◌َّهِ، فَأَمَرَ النبيُّ ◌َِّ أصحابَه أن يَجْعَلُوها عُمْرةَ ويَطُوفُوا، ثمَّ يُقصِّرُوا وَحِلُّوا، إلا مَن كان معه الهَدْيُ، فقالوا: نَنْطَلِقُ إلى مِنِّى وذَكَرٌ أحدِنا يَقْطُر! فَبَلَغَ النبيَّ ◌َِّ فقال: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ من أمري ما استَذْبَرْتُ ما أهدَيتُ، ولولا أنَّ معي الهَدْيَ لأخْلَلْت)). وحاضَت عائشةُ رضي الله عنها فنَسَكَتِ المناسكَ كلَّها، غيرَ أنَّها لم تَطُفُ بالبيتِ، فلمَّا طَهُرَت طافَت بالبيتِ، قالت: يا رسولَ اللهِ، تَتْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَهُمْرةٍ وأنطَلِقُ بِحَجّ؟ فَأَمَرّ عبد الرحمن بنَ أبي بكرٍ أن يَخْرُجَ معها إلى التَّنْعِيمِ، فاعتَمَّرَت بعدَ الحجِّ. ١٦٥٢- حدَّثْنا مُؤْمَّلُ بنُ هشام، حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوب، عن حفصةَ، قالت: كنَّا نَمْنَعُ عَواتِقَنا أن يَخِرُجْنَ، فَقَدِمَتِ امرأةٌ فنزلَت قَصْرَ بني خَلَفٍ، فحدَّثت أنَّ أُختَها كانت تَحْتَ رجلٍ من أصحاب رسولِ اللهِ﴿، قد غَزا مع رسولِ اللهِ وَلاَ ثِنْتَي عشرةَ غَزْوَةً، وكانت أُختي معه في بِتُّ غَزَواتٍ، قالت: كنَّا نُداوي الكَلْمَى وَنَقُومُ على المرْضَى، فسألَت أُختي رسولَ اللهِه فقالت: هل على إحدانا بأسِّ إن لم يكن لها جِلْبابٌ أن لا تَخْرُجَ؟ قال: «لِتُلْبِسْها صاحبَتُها من جِلْبابها، ولْتَشْهَدِ الخيرَ ودَعْوةَ المؤمنينَ)). فلمَّا قَدِمَت أُمُّ عَطيّة رضي الله عنها سألنَها - أو قالت: سألناها - فقالت: وكانت لا تَذْكُرُ رسولَ الله ﴿ إِلَّا قالت: بأبي، فقلنا: أسمعتٍ رسولَ الله ◌ِ ﴾ يقول كذا وكذا؟ قالت: نعم بأبي، فقال: ((لِتَخْرُجِ العَوائِقُ ذَواتُ الخُدُورِ أو العَواتقُ وذَواتُ الخُدُورِ والحُيَّضُ فِيَشْهَدْنَ الخيرَ ودَعْوةَ المسلمينَ، ويَعْتَزِلُ الخُيَّضُ المصَلَّى)) فقلتُ: الحائض؟ فقالت: أوَليس تَشْهَدُ عَرَفّةً وتَشْهَدُ كَذا وتَشْهَدُ كَذا؟ قوله: ((باب تَقْضي الحائضُ المناسك كلّها إلّ الطَّواف بالبيت وإذا سَعَى على غير وُضُوء بين الصَّفا والمروة)). جَزَمَ بالْحُكْم الأولِ لتصريح الأخبار التي ذكرها في الباب بذلك، وأورَدَ المسألةَ الثانيةَ مَورِد الاستفهام للاحتمال، وكأنَّه أشارَ إلى ما روي عن مالك في ٤٨٣ باب ٨١ / ح ١٦٥٠ - ١٦٥٢ كتاب الحج حديث الباب بزيادة: ((ولا بين الصَّفا والمروة))، قال ابن عبد البَرِّ: لم يقله أحد عن مالك إِلَّا يحيى بن يحيى التَّميمي النَّيسابوري. قلت: فإن كان يحيى حَفِظَه فلا يدلُّ على اشتراط الوُضوءِ للسعي؛ لأنَّ/ السعيَ ٥٠٥/٣ يَتَوقَّفُ على تقدُّم طوافٍ قبله، فإذا كان الطَّواف ◌ُمتَنِعاً امتَنَعَ لذلك لا لاشتراط الطَّهارة له. وقد روي عن ابن عمر أيضاً قال: تقضي الحائضُ المناسك كلّها إلَّ الطَّواف بالبيت وبين الصَّفا والمروة. أخرجه ابن أبي شَيْبة (١) بإسناد صحيح، قال (١٤٥٦٠): وحدَّثنا ابن فُضَيل عن عاصم، قلت لأبي العالية: تقرأُ الحائض؟ قال: لا، ولا تطوفُ بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة. ولم يَذكُر ابن المنذر عن أحدٍ من السلف اشتراطَ الطَّهارة للسعي إلَّا عن الحسن البصري، وقد حكى المجد ابن تيميةَ من الحنابلة رواية عندهم مثله. وأمَّا ما رواه ابن أبي شَيْبة (١٤٥٦٦) عن ابن عمر بإسناد صحيح: إذا طافَت ثمَّ حاضَت قبلَ أن تَسعَى بين الصَّفا والمروة فلتَسْعَ. و(١٤٥٦٨) عن عبد الأعلى عن هشام عن الحسنِ، مثله، وهذا إسناد صحيح عن الحسن، فلعلَّه يُفرِّقُ بين الحائضِ والمحدِثِ كما سيأتي. وقال ابن بَطَّال: كأنَّ البخاري فَهمَ أنَّ قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة: ((افعلي ما يفعلُ الحاتجُ غير أن لا تطوفي بالبيت)) أنَّ لها أن تَسعَى، ولهذا قال: وإذا سَعَى على غير وُضُوء. انتهى، وهو توجيه جيّد لا يُخالفُ التوجية الذي قَدَّمته وهو قول الجمهور. وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بَدَأ بالسعي قبلَ الطَّواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتَجَّ بحديث أُسامة بن شَرِيك: أنَّ رجلاً سألَ النبي ◌ِّ، فقال: سَعَيتُ قبلَ أن أطوفَ، قال: ((طُفْ ولا حَرَجَ))(٢)، وقال الجمهور: لا يُزِئُه، وأوَّلوا حديثٌ أُسامةَ على مَن سَعَى بعدَ طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة. (١) ((المصنف)) برقم (١٤٥٥٩) تحقيق الجمعة واللحيدان. (٢) أخرجه أبو داود (٢٠١٥)، وابن خزيمة (٢٧٧٤) و (٢٩٥٥). ٤٨٤ باب ٨١ / ح ١٦٥٠ -١٦٥٢ فتح الباري بشرح البخاري ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: الأول: حديث عائشة، وفيه: ((افعلي ما يفعلُ الحاجُ غير أن لا تطوفي بالبيت حتَّى تَطَّري)) وهو بفتح التاء والطاء المهمَلة المشدّدة وتشديد الهاء أيضاً، أو هو على حذفٍ إحدى التاءَين، وأصلُهُ: تَتَطَهَّري، ويؤيِّدُه قوله في رواية مسلم (١١٩/١٢١١): ((حتَّى تَغْتَسِلي))، والحديث ظاهر في نهي الحائضِ عن الطَّواف حتَّى يَنْقَطِعَ دَمُها وتَغْتَسِلَ، لأنَّ النَّهيَ في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطَّواف لو فعَلَتْه، وفي معنى الحائض الجُنُب والمحدث، وهو قول الجمهور. وذهب جمع من الكوفيين إلى عَدَم الاشتراط، قال ابن أبي شَيْبة (١٤٥٤٥): حدَّثنا غُندَر حدَّثنا شُعْبةُ: سألت الْحَكَمَ وحَمَّاداً ومنصوراً وسليمانَ عن الرجلِ يطوفُ بالبيت على غير طهارة، فلم يَرَوا به بأساً. وروي عن عطاء: إذا طافَت المرأةُ ثلاثة أطواف فصاعداً ثمَّ حاضَت أجزأ عنها. وفي هذا تَعقُّب على النَّوَوي حيثُ قال في ((شرح المهذَّب)): انفَرَدَ أبو حنيفة بأنَّ الطَّهارةَ ليست بشرط في الطَّواف، واختَلَفَ أصحابه في وجوبها وجُبْانه بالدَّمِ إن فعَله. انتهى، ولم ينفردوا بذلك كما تَرَى، فلعلَّه أراد انفرادهم عن الأئمّة الثلاثة، لكن عند أحمد رواية: أنَّ الطَّهارةَ للطّواف واجبة تُجِبَرُ بالدَّم، وعند المالكية قول يوافقُ هذا. الحديث الثاني: حديث جابر في الإهلال بالحجِّ، وفيه قصَّة قدوم عليّ ومعه الهَديُ، وقصَّة عائشة: حاضَت فنَسَكَت المناسك كلّها غير أنَّها لم تَطُف بالبيت ... الحديث، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في ((باب عُمْرة التنعيم)) من أبواب العمرة (١٧٨٥) والاحتياج منه لقوله: ((غير أنَّها لم تَطُفُ بالبيت)). تنبيه: ساقه المؤلِّف هنا رَحِمَه الله بلفظ خَلِيفة، وسيأتي لفظ محمد بن المثنَّی في ((باب عُمْرة التنعيم)). ٤٨٥ باب ٨٢ كتاب الحج الحديث الثالث: حديث حفصة: كنَّا نَمنَعُ عَوَاتقَنا أن يخرجنَ، فقَدِمَت امرأة فنزلت قَصْر بني خَلَف وفيه: ويَعتَزِلُ الْخُيَّض المصلَّى. وقد تقدَّم في الحيض (٣٢٤) وفي العيدَين (٩٧١)، وتقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى في كتاب الحيض، والمحتاج إليه هنا قولها في آخره: أوَليس تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كذا وتَشهَدُ كذا؟ فهو المطابقُ لقول جابر: فَنَسَكَت المناسك كلَّها إلَّ الطَّوافَ بالبيت، وكذا قولها: ويَعتَزِلُ الخُيَّضُ المصلَّى، فإنَّه يُناسبُ قوله: ((إنَّ الحائضَ لا تطوفُ بالبيت)) لأنَّها إذا أُمِرَت باعتزال المصلَّى كان اعتزالها للمسجدِ بل للمسجد الحرام بل للكعبة من باب الأولى. ٥٠٦/٣ ٨٢- باب الإهلال من البطحاء وغيرها للمكّيِّ وللحاجٌ إذا خَرَجَ من مِنِّی وسُئِلَ عطاءٌ عن المجاوِرِ يُلِّ بالحجِّ، قال: وكان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يُلبّي يومَ التروِيةِ إذا صَلَّى الظُّهرَ واستَوَى على راحلتِهِ. وقال عبدُ الملِك، عن عطاءٍ، عن جابرٍ﴾: قَدِمْنا مع النبيِّ وََّ فأحلَلْنا حتَّى يومِ التروِيةِ، وجَعَلْنا مِكَّةَ بِظَهْرٍ لَبِّينا بالحِّ. وقال أبو الزُّبَير، عن جابرٍ: أهلَلْنا من البَطْحاءِ. وقال عُبِيدُ بنُ جُرَيجِ لابنِ عمرَ رضي الله عنهما: رأيتُكَ إذا كنتَ بمكَّةَ أهلَّ الناسُ إذا رَأْوُا الهلالَ، ولم تُهِلَّ أنتَ حتَّى يومَ التروِيةِ؟ فقال: لم أرَ النبيَّ ◌َهِ يُّهِلُّ حتَّى تَنْبَعِثَ به راحلتُه. قوله: ((باب الإهلال من البَطْحاء وغيرها للمَّي والحاجِّ إذا خَرَجَ من مِنِّى)) كذا في مُعظَم الروايات، وفي نسخة مُعتَمَدةٍ من طريق أبي الوَقْت: ((إلى مِنَّى))، وكذا ذكره ابن بَطَّال في ((شرحِه)) والإسماعيلي في ((مُستَخرَجِه)) ولا إشكالَ فيها، وعلى الأولِ فلعلَّه أشارَ إلى الخلاف في ميقات المكِّي؛ قال النَّوَوي: ميقاتُ مَن بمكَّةَ من أهلِها أو غيرهم نفس مكَّةً على الصحيح، وقيل: مكَّة وسائر الحَرَم. انتهى، والثاني مذهب الحنفيّة. ٤٨٦ باب ٨٢ فتح الباري بشرح البخاري واختُلِفَ في الأفضل، فاتَّفَقَ المذهبان على أنَّه من باب المنزل، وفي قولٍ للشافعي: من المسجد، وحُجَّةُ الصحيح ما تقدَّم في أولِ كتاب الحج (١٥٢٦) من حديث ابن عبّاس: حتَّى أهلُ مَّةَ يُمِلّونَ منها. وقال مالك وأحمد وإسحاق: مُمِلُّ من جوف مگّة، ولا يخرجُ إلى الحِلِّ إلَّا مُحِماً. واختلفوا في الوقت الذي يُهِلَّ فيه، فذهب الجمهورُ إلى أنَّ الأفضلَ أن يكون يومَ التروية، وروى مالك (٣٣٩/١) وغيره بإسناد مُنقَطِع، وابن المنذر بإسناد متَّصل عن عمرَ أنَّه قال لأهلِ مَّةَ: ما لكم يَقدَمُ الناسُ عليكم شُعثاً وأنتُم تَنضَحونَ طِيباً مُدَّهِنِينَ؟! إذا رأيتُم الهلالَ فأهِلّوا بالحج. وهو قول ابن الزُّبَيرِ ومَن أشارَ إليهم عُبَيد بن جُرَيج بقوله لابن عمر: أهَلَّ الناسُ إذا رأوا الهلالَ. وقيل: إنَّ ذلك محمول منهم على الاستحباب، وبه قال مالك وأبو ثَوْر، وقال ابن المنذر: الأفضلُ أن يُهِلَّ يوم التروية إلَّ المتَمتِّعِ الذي لا يَجِدُ الهَديَ ويريدُ الصوم، فيُعجِّلُ الإهلال ليصومَ ثلاثة أيام بعدَ أن يُحِمَ. واحتَجَّ الجمهور بحديث أبي الزُّبَير عن جابر، وهو الذي عَلَّقَه المصنّفُ في هذا الباب. وقوله في الترجمة: ((للمَّي)) أي: إذا أراد الحجّ. وقوله: ((الحاجّ)) أي: الآفاقي إذا كان قد دخل مكَّةَ مُتَمتِّعاً. قوله: ((وسُئِلَ عطاء ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعید بن منصور من طريقه بلفظ: رأيت ابن عمر في المسجد، فقيل له: قد رُئي الهلال ... فذكر قصَّة فيها: فأمسَك حتَّى كان يومُ التروية، فأتى البَطْحاء، فلمَّا استَوَت به راحلتُه أحرَمَ. وروى مالك في ((الموطّا)) (١/ ٣٤٠): أنَّ ابن عمر أهلَّ لهلال ذي الحِجّة؛ وذلك أنَّه كان يَرى التوسِعةَ في ذلك. قوله: ((وقال عبد الملِك ... )) إلى آخره، الظاهر أنَّ عبد الملك: هو ابن أبي سليمان، وقد وَصَلَه مسلم (١٢١٦ /١٤٢) من طريقه عن عطاء عن جابر قال: أهلَلنا مع رسول الله وَّل بالحج، فلمَّا قَدِمنا مكَّة أمَرَنا أن نَحِلَّ ونجعلها عمرةً، فكَبُّرَ ذلك علينا، الحديث وفيه: ٤٨٧ باب ٨٢ كتاب الحج ((أيُّها الناسُ أحِلّوا)) فأحلَلْنا حتَّى كان يومُّ التروية، وجعلنا مكَّةً بظَهرِ أهلَلْنا بالحج. وقد روى عبد الملك بن جُرَيج نحوَ هذه القصَّة، وسيأتي في أثناء حديث (٢٥٠٥). تنبيه: قوله: ((بظَهْر)) أي: وراء ظُهورِنا، وقوله: ((أهلَلنا بالحج)) أي: جعلنا مكَّة من ورائنا في يوم التروية حالَ كَونِنا مُهِلِّينَ بالحج، فعُلِمَ أنَّهم حينَ الخروج من مكَّةَ كانوا مُرِمينَ، ويوضحُ ذلك ما بعده. قوله: ((وقال أبو الزُّبَير عن جابر: أهلَلْنا من البَطْحاء)) وَصَلَه أحمد (١٤٤١٨) ومسلم (١٢١٤) من طريق ابن جُرَيج عنه عن جابر قال: أمَرَنا النبي إذا أحلَلنا أن نُحرِمَ إذا تَوَجَّهنا إلى مِنَّى، قال: / فأهلَلْنا من الأبطَح. ٥٠٧/٣ وأخرجه مسلم مطوَّلاً (١٣٦/١٢١٣) من طريق الليث عن أبي الزُّبَيرِ، فذكر قصَّة فَسْخِهم الحج إلى العمرة، وقصَّة عائشة لمَّا حاضَت، وفيه: ثمَّ أهلَلنا يوم التروية. وزاد (١٣٨/١٢١٣) من طريق زهير عن أبي الزُّبَير: ((أهلَلنا بالحج))، وفي حديثه الطّويل عنده (١٢١٨) نحوه. تنبيه: يوم التروية سيأتي الكلام عليه في الترجمة التي بعدَ هذه. قوله: ((وقال عُبَيد بن ◌ُرَيج لابن عُمَر ... )) إلى آخره، وَصَلَه المؤلِّف في أوائل الطَّهارة (١٦٦)، وفي اللباس (٥٨٥١) بأتمّ من سياقه هنا. قال ابن بَطَّال وغيره: وجه احتجاج ابن عمر على ما ذهب إليه أنَّه يُهِلَّ يوم التروية إذا كان بمكَّةَ إِهلال النبيِ وَّهِ، وهو إنَّما أهلَّ حينَ انبَعَثَت به راحلتُه بذي الحُلَيفة ولم يكن بمكَّةَ، ولا كان ذلك يوم التروية من جهة أنَّه و ◌َه أهلَّ من ميقاته من حين ابتدائه في عملٍ حَجَّتِهِ، واتَّصَلَ له عملُه ولم يكن بينهما مُكْثٌ ربَّما انقَطَعَ به العمل. فكذلك المكِّي إذا أهلَّ يوم التروية اتَّصَلَ عمله، بخلاف ما لو أهلَّ من أول الشهرِ، وقد قال ابن عبَّاس: لا يُهِلَّ أحد من مكَّةَ بالحجِّ حتَّى يريدَ الرَّواح إلى مِنّى. ٤٨٨ باب ٨٣ / ح ١٦٥٣ - ١٦٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ٨٣- باب أين يصلّي الظّهر يوم التروية ١٦٥٣ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا إسحاقُ الأزرَقُ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ ابنِ رُفَيع، قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ ﴾، قلتُ: أخبرني بشيءٍ عَقَلْتَه عن النبيِّ ◌َِّ، أينَ صَلَّى ءِ الظّهرَ والعصرَ يومَ التروِيةِ؟ قال: بمِنَّى، قلتُ: فأينَ صَلَّى العصرَ يومَ النَّفْرِ؟ قال: بالأبطَحِ، ثمَّ قال: افعَلْ كما يفعلُ أُمراؤُكَ. [طرفاه في: ١٦٥٤، ١٧٦٣] ١٦٥٤ - حدَّثنا عليٌّ، سمعَ أبا بكرِ بنَ عيَّاشٍ، حدَّثنا عبدُ العزيز، لَقِيتُ أنساً. وحدَّثني إسماعيلُ بنُ أبانَ، حدّثنا أبو بكرٍ، عن عبدِ العزيزِ، قال: خَرَجْتُ إلى مِنِّى يومَ التروِيةِ فَلَقِيتُ أنساً ﴾ ذاهباً على حمارٍ، فقلتُ: أينَ صَلَّى النبيُّ وَّ هذا اليومَ الظَّهرَ؟ فقال: انظُر حيثُ يُصلِّي أُمراؤُكَ فصَلٌّ. قوله: ((باب أينَ يُصلِّيّ الظَّهرَ يوم التروية)) أي: يوم الثامن من ذي الحِجّة، وسُمّي التروية، بفتح المثنَّاة وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف التحتانية، لأنَّهم كانوا يَرْؤُونَ فيها إبلهم ويَتَرَوّوْنَ من الماء، لأنَّ تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عُيون، وأمَّا الآنَ فقد كَثُرَت جدّاً، واستغنَوا عن حمل الماء. وقد روى الفاكهي في ((كتاب مكَّةَ)) (١٧٨٨) من طريق مجاهد قال: قال عبد الله بن عمر: يا مجاهد، إذا رأيت الماءَ بطريق مكَّةَ، ورأيت البِناءَ يَعْلو أخاشِبَها، فخُذْ حِذْرَك. وفي رواية: فاعلمْ أنَّ الأمرَ قد أظَلَّك. وقيل في تسميته التروية أقوال أُخرى شاذّة، منها: أنَّ آدم رأى فيه حَوّاء واجتمع بها. ومنها: أنَّ إبراهيم رأى في ليلتِهِ أنَّه يَذْبَحُ ابنَه فأصبح مُتَفَكِّراً يَتَرَوّى. ومنها: أنَّ جِبريلَ عليه السلامُ أَرَى فيه إبراهيم مناسكَ الحج. ومنها: أنَّ الإمام يُعلِّمُ الناسَ فيه مناسكَ الحج. ووجه شذوذها أنَّه لو كان من الأولِ لكان يومَ الرُّؤية، أو من الثاني لكان يوم التروِّي بتشديد الواو، أو من الثالثِ لكان من الرُّؤيا، أو من الرّابع لكان من الرواية. ٤٨٩ باب ٨٣ / ح ١٦٥٣ - ١٦٥٤ كتاب الحج قوله: ((حدَّثْني عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفي، وإسحاق الأزرَقُ: هو ابن يوسف، وسفيان: هو الثَّوري. قال التِّرمِذي بعدَ أن أخرجهُ (٩٦٤): صحيح يُستَغرَبُ من حديث إسحاق الأزرق عن الثَّوري، يعني: أنَّ إسحاق تفرَّد به، وأظنُّ أنَّ لهذه النُّكتة أردَفَه البخاري بطريق أبي بكر بن عيَّاش عن عبد العزيز،/ ورواية أبي بكر وإن كان قَصَّرَ فيها ٥٠٨/٣ - كما سنوضحُه - لكنَّها مُتَابَعة قويةٌ لطريق إسحاق. وقد وجدنا له شواهد: منها ما وقع في حديث جابر الطّويلِ في صفة الحج عند مسلم (١٢١٨): فلمَّا كان يوم التروية تَوَجَّهوا إلى مِنَّى، فأهَلُّوا بالحج، ورَكِبَ رسولُ الله ◌ِّ فصلَى بها الظُّهر والعصر والمغرب والعِشاء والفجر ... الحديث. وروى أبو داود (١٩١١) والتِّرمِذي (٨٨٠) والحاكمُ (١ / ٤٦١) من حديث ابن عبّاس قال: صلَّى النبي ◌َِّ الظَّهرَ يوم التَّروية والفجر يوم عرفة بمنى))، ولأحمد (٢٧٠٠) و(٢٧٦٥) من حديثه: (١) ((صلَّى النبيِ نَّهِ بِمِنَّى خمسَ صَلَوات)»، وله عن ابن عمر أنَّه: ((كان يُحِبُّ - إذا استَطاعَ - أن يُصلِّ الظُّهر بمِنَّى يوم التروية))؛ وذلك أنَّ رسولَ الله ◌ِ﴾ صلَّى الظُّهر بمِنَّى، وحديث ابن عمر في ((الموطّا)) (١/ ٤٠٠) عن نافع عنه موقوفاً. ولابن خُزيمة (٢٨٠٠) والحاكم (١ / ٤٦١) من طريق القاسم بن محمد عن عبد الله ابن الزُّبَير قال: من سُنَّة الحجّ أن يُصلِّي الإمامُ الظُّهر وما بعدَها والفجرَ بِمِنَّى، ثمَّ يَغْدُونَ إلى عَرَفة. قوله: ((يوم النَّفْر)) بفتح النون وسكون الفاء، يأتي الكلام عليه في أواخر أبواب الحج. قوله: ((حدَّثنا عليٌّ) لم أرَه منسوباً في شيء من الروايات، والذي يظهرُ لي أنَّه ابن المدِيني، وقد ساق المصنِّفُ الحديث على لفظ إسماعيل بن أبانَ، وإنَّمَا قَدَّمَ طريق عليّ لتصريحِه فيها بالتحديث بين أبي بكر، وهو ابن عيَّاش، وعبد العزيز، وهو ابن رُفَيع. قوله: ((فَلَقيتُ أنساً ذاهباً)» في رواية الكُشْمِيهني: راكباً. (١) من قوله: صلى النبي، إلى هنا سقط من (س). ٤٩٠ باب ٨٣ / ح ١٦٥٣ - ١٦٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((انظُر حيثُ يُصلِّي أُمراؤُك فصَلّ)) هذا فيه اختصار توضّحُه رواية سفيان (١٦٥٣) وذلك أنَّه في رواية سفيان بيَّن له المكان الذي صلَّى فيه النبي ◌َ ◌ّ الظَّهر يوم التروية، وهو مِنّى، كما تقدَّم، ثمَّ خشي عليه أن يَحِرِصَ على ذلك فيُنسَبَ إلى المخالَفة أو تَفوتَه الصلاةُ مع الجماعة، فقال له: صَلِّ مع الأُمراء حيثُ يُصلّون. وفيه إشعار بأنَّ الأُمراءَ إذ ذاك كانوا لا يواظِبونَ على صلاة الظُّهرِ ذلك اليومَ بمكان مُعيَّن، فأشارَ أنس إلى أنَّ الذي يفعلونه جائز، وإن كان الاتِّباعُ أفضل. ولمَّا خَلَت رواية أبي بكر بن عيَّاش عن القَدْر المرفوع، وقع في بعض الطُّرق عنه وهمٌ، فرواه الإسماعيلي من رواية عبد الحميد بن بَيَان عنه بلفظ: أينَ صلَّى النبي ◌َِّ الظُّهر هذا اليومَ؟ قال: صلَّى حيثُ يُصلِّي أُمراؤُك. قال الإسماعيلي: قوله: ((صلَّى)) غَلَط. قلت: ويحتملُ أن يكون كانت ((صَلِّ)) بصيغة الأمر كغيرها من الروايات، فأشبَعَ الناسخ اللَّام فكَتَبَ بعدَها ياءً فقرأها الراوي بفتح اللَّام. وأغرَبَ الْحُميدي في ((جَمْعِه)»، فحَذَفَ لفظ ((فصَلِّ)) من آخر رواية أبي بكر بن عيَّاش، فصار ظاهره أنَّ أنساً أخبر أنَّه صلَّى حيثُ يُصلِي الأُمراء، وليس كذلك، فهذا بعَينِه الذي أطلقَ الإسماعيلي أنَّه غَلَط. وقال أبو مسعود في ((الأطراف)): جَوَّدَ إسحاق عن سفيان هذا الحديث، ولم يُحوِّده أبو بكر بن عيَّاش. قلت: وهو كما قال، وقد قَدَّمتُ عُذْر البخاري في تخريجه، وأنَّه أراد به دَفعَ مَن يَتَوقّفُ في تصحيحه لتغُّدِ إسحاق به عن سفيان. ووقع في رواية عبد الله بن محمد في هذا الباب زيادةُ لفظةٍ لم يتابعه عليها سائرُ الرُّواة عن إسحاق، وهي قوله: ((أينَ صلَّى الظُّهر والعصر؟)) فإنَّ لفظ ((العصر)) لم يَذكُره غيرُه، فسيأتي في أواخر صفة الحج (١٧٦٣) عن أبي موسى محمد بن المثنَّى عند المصنّف، وكذا أخرجه ابن خُزيمة (٢٧٩٦) عن أبي موسى، وأخرجه أحمد في ((مسنده)) (١١٩٧٥) عن إسحاق نفسه، وأخرجه مسلم (١٣٠٩) عن زهير بن حَرْب، وأبو داود (١٩١٢) عن أحمد ٤٩١ باب ٨٣ / ح ١٦٥٣ - ١٦٥٤ كتاب الحج ابن إبراهيم، والتِّرمِذي (٩٦٤) عن أحمد بن مَنِيع ومحمد بن وَزيرٍ، والنَّسائي (٢٩٩٧) عن محمد بن إسماعيل ابن عُلِيَّة وعبد الرحمن بن محمد بن سَلَّام، والدارمي (١٨٧٢) عن أحمد ابن حنبل و محمد بن أحمد، وأبو عوانة في «صحیحہ)) (٣٤٦٢) عن سعدان بن یزید، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٤٩٤) عن محمد بن وزير، وسمُّويه في ((فوائده)) عن محمد بن بشَّار بُندار، وأخرجه ابن المنذر والإسماعيلي من طريق بُندار، زاد الإسماعيلي: وزهير بن حَرْب وعبد الحميد بن بيان وأحمد بن مَنِيع، كلّهم - وهم اثنا عشرَ نفساً - عن إسحاق الأزرق، ولم يقل أحد منهم في روايته: ((والعصر))، وادَّعى الداوودي أن ذِكرَ العصر هنا وهم، وإنَّما ذُكِرَ العصر في النَّفْرِ، وتُعقِّبَ بأنَّ العصرَ مذكور في هذه/ الرواية في الموضعين، وقد تقدَّم ٥٠٩/٣ التصريحُ في حديث جابر عند مسلم (١٢١٨) بأنَّه صلَّى الظُّهرَ والعصرَ وما بعدَ ذلك إلى صُبِحِ يومٍ عَرَفَةَ بِمِنَّى، فالزيادة في نفس الأمر صحيحة، إلّا أنَّ عبد الله بن محمد تفرَّد بذِكْرها عن إسحاق دونَ بقيّة أصحابه، والله أعلم. تكميل: ليس لعبد العزيز بن رُفَيع عن أنس في ((الصحيحين)) إلّا هذا الحديث الواحد، وله عن غير أنس أحاديث تقدَّم بعضها في ((باب مَن طافَ بعدَ الصبح)) (١٦٣٠). والمراد بالنَّفْر: الرُّجوع من مِنَّى بعد انقضاء أعمال الحج، والمراد بالأَبطَح: المحصَّب، كما سيأتي في مكانه. وفي الحديث أنَّ السُّنّةَ أن يُصلِّ الحاجّ الظُّهر يوم التروية بمِنَی، وهو قول الجمهور، وروى الثَّوري في ((جامعه)) عن عَمْرو بن دينار قال: رأيت ابن الزُّبَيرِ صلَّى الظُّهر يوم التروية بمكَّة. وقد تقدَّمت رواية القاسم عنه أنَّ السُّنّةَ أن يُصلِّيها بمِنَّى، فلعلَّه فعل ما نقله عمرو عنه لضرورةٍ أو لبيان الجواز. وروى ابن المنذر من طريق ابن عبّاس قال: إذا زاغَت الشَّمس فليَرُح إلى مِنَّى. قال ابن المنذر في حديث ابن الزُّبَير: إنَّ من السُّنّة أن يُصلِّيّ الإمام الظَّهر والعصر والمغرب والعِشاء والصبح بمِنَّى، قال به عُلَماءُ الأمصار، قال: ولا أحفظُ عن أحدٍ من أهل العلم أنَّه أو جَبَ على مَن تَخَلَّفَ عن مِنَّى ليلة التاسع شيئاً. ٤٩٢ باب ٨٤ / ح ١٦٥٥ -١٦٥٧ فتح الباري بشرح البخاري ثُمَّ روى عن عائشة أنَّها لم تَخرُج من مكَّةَ يوم التروية حتَّى دخل الليل وذهب ثُلُثه، قال ابن المنذر: والخروجُ إلى مِنَّى في كلِّ وقت مُباحٌ، إلَّا أنَّ الحسنَ وعطاء قالا: لا بأسَ أن يَتقدَّم الحاجّ إلى مِنِّى قبلَ يوم التروية بيوم أو يومَين. وكرهه مالك، وكَرِهَ الإقامةَ بمكَّةً يوم التروية حتَّى يُمسي إلَّا إن أدرَكَه وقتُ الجمعة فعليه أن يُصلِّيها قبلَ أن يخرج. وفي الحديث أيضاً الإشارة إلى مُتابعة أولي الأمر والاحتراز عن مُخالَفة الجماعة. ٨٤- باب الصلاة بمنّی ١٦٥٥ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه، قال: صَلَّى رسولُ الله ◌َلاَ بِمِنِى رَكْعتَينِ، وأبو بكرٍ وعمرُ، وعثمانُ صَدْراً من خِلافَتِهِ. ١٦٥٦- حدَّثنا آدمُ، حدّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدائيِّ، عن حارثةَ بنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيِّ ﴾، قال: صَلَى بنا النبيُّ ◌َّهِ ونحنُ أكثرُ ما كنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنَّی رَكْعَتَيْنِ. ١٦٥٧ - حدَّثنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبةَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد الرحمن ابنِ يزيدَ، عن عبدِ الله﴾، قال: صَلَّيْتُ مع النبيِّمِ﴿ رَكْعتَينٍ، ومع أبي بكرٍ ﴾﴾ رَكْعتَينِ، ومع عمرَ رَكْعَتَينٍ، ثمَّ تَفَرَّقَت بِكُمُ الطَّرَقُ، فَلَيْتَ حَظّي من أربعِ رَكْعَتان مُتَقبََّتان. قوله: ((باب الصلاة بمِنّى)) أي: هل تُقْصَرُ الرُّباعيَّة أم لا؟ وقد تقدَّم البحثُ في ذلك في أبواب قَصْر الصلاة (١٠٨٢) في الكلام على نَظِير هذه الترجمة، وأورَدَ فيها أحاديثَ الباب الثلاثة، لكن غايَرَ في بعض أسانيدِها؛ فإنَّه أورَدَ حديث ابن عمر هناك (١٠٨٢) من طريق نافع عنه، وهنا من طريق ولدِه ◌ُبید الله عنه. قوله: ((وعثمان صَدْراً من خِلافَتِه)) زاد في رواية نافع المذكورة (١٠٨٢): ((ثُمَّ أنَّها))، وأورَدَ حديث حارثة هناك (١٠٨٣) عن أبي الوليد، وهنا عن آدم، كلاهما عن شُعْبة، ٥١٠/٣ وحديث/ ابن مسعود هناك (١٠٨٤) من رواية عبد الواحد، وهنا من رواية سفيان، كلاهما عن الأعمش. ٤٩٣ باب ٨٥/ ح ١٦٥٨ كتاب الحج قوله: ((فلَيتَ حَظّي من أربعِ رَكْعَتان)) قال الداوودي: خشي ابن مسعود أن لا تُجزئ الأربعُ فاعِلَها، وتَبِعَ عثمانَ كراهةً لخلافه، وأخبر بما يعتقدُه. وقال غيره: يريدُ أن لو صلَّى أربعاً تَكَلَّفَها، فَلَيْتَها تُقبَلُ كما تُقبَلُ الركعتان. انتهى. والذي يظهرُ أنَّه قال ذلك على سبيل التفويضِ إلى الله لعَدَم اطلاعه على الغَيب، وهل يقبلُ الله صلاته أم لا، فتَمَنّى أن يُقْبَلَ منه من الأربع التي يُصلِّيها ركعتان، ولو لم يُقْبَل الزائد، وهو يُشعِرُ بأنَّ المسافرَ عنده مُخيّر بين القَصْر والإتمام، والركعتان لا بُدَّ منهما، ومع ذلك فكان يخافُ أن لا يُقبَلَ منه شيء، فحاصله أنَّه قال: إنَّمَا أُتِمُّ مُتَابَعَةً لعثمان، ولَيتَ الله قَبِلَ منِّ ركعتَينٍ من الأربع. وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة فوائد هذه الأحاديثِ في أبواب القَصْر (١٠٨٢)، وعلى السببِ في إتمام عثمان بمِنّى، ولله الحمد. ٨٥- باب صوم يوم عرفة ١٦٥٨ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ(١)، حدَّثنا سالمٌ قال: سمعتُ عُمَيراً مَوْلَى أُمّ الفَضْلِ، عن أُمّ الفَضْلِ: شكَّ الناسُ يومَ عَرَفَةَ في صومِ النبيِّ نَّهِ، فَبَعَثْتُ إلى النبيِّ ◌َِ لَ بِشَرَابِ فَشَرِبَه. [أطرافه في: ١٦٦١، ١٩٨٨، ٥٦٠٤، ٥٦١٨، ٥٦٣٦] قوله: ((باب صوم يوم عرفة)) يعني: بعرفة، أورد فيه حديث أم الفضل، وسيأتي الكلام عليه في كتاب الصيام (١٩٨٨) مُستَوفَّى إن شاء الله تعالى، وترجم له بنظير هذه الترجمة سواء. - (١) كذا وقع في بعض النسخ: ((سفيان عن الزُّهري))، وقوله: ((عن الزهري)) سقط من أصول كثيرة صحيحة كما في هامش اليونينية ١٩٨/٢، والصواب إسقاطه كما قال ابن حجر في ((النكت الظراف)) ٤٨/١٢، والقسطلاني ٣/ ١٩٦. ٤٩٤ باب ٨٦ / ح ١٦٥٩ فتح الباري بشرح البخاري ٨٦- باب التّلبية والتّكبير إذا غدا من منّى إلى عرفة ١٦٥٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن محمَّدِ بنِ أبي بكرِ الثَّقَفِيّ: أنَّه سألَ أنسَ بنَ مالكٍ وهما غاديان من مِنِّى إلى عَرَفة: كيفَ كنتُم تَصْنَعُونَ في هذا اليومِ مع رسولِ الله وَلا؟ فقال: كان يُهِلُّ مِنّا المهِلُّ فلا يُنْكَرُ عليه، ويُكبُِّ مِنّا المحبُّ فلا يُنگرُ علیه. قوله: ((باب التَّلْبية والتَّكْبير إذا غدا من مِنّى إلى عَرَفَة)) أي: مشروعيتهما، وغَرَضه بهذه الترجمة الردّ على مَن قال: يقطعُ المحرِمِ الثَّلبية إذا راحَ إلى عَرَفة، وسيأتي البحث فيه بعدَ أربعةَ عشرَ باباً (١٦٨٥) إن شاء الله تعالى. قوله: ((عن محمَّد بن أبي بكر الثَّقَفي» تقدَّم في العيدَين (٩٧٠) من وجه آخرَ عن مالك: ((حدَّثني محمد))، وليس لمحمد المذكور في ((الصحيح)) عن أنس ولا غيره غير هذا الحديث الواحد، وقد وافق أنساً على روايته: عبدُ الله بن عمر، أخرجه مسلم (١٢٨٤). قوله: ((وهما غاديان)) أي: ذاهبان غُذْوة. قوله: ((كيف كنتُم تَصْنَعُونَ)) أي: من الذِّكرِ، ولمسلم (١٢٨٥/ ٢٧٥) من طريق موسى ابن عُقْبة عن محمد بن أبي بكر: قلت لأنس غَدَاةَ عَرَفة: ما نقول في التَّلبية في هذا اليوم؟ قوله: ((فلا يُنْكَرُ عليه)) بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية موسى بن عُقْبة: لا يَعِيبُ أحدنا على صاحبِهِ، وفي حديث ابن عمر (١٢٨٤ /٢٧٢) المشار إليه من طريق عبد الله ابن أبي سَلَمَةَ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: غَدَونا مع رسول الله ◌َ ﴿ من مِنّى إلى عَرَفَاتٍ مِنّا الْلَبِي ومِنّا المكَبِّرِ، وفي رواية له (١٢٨٤/ ٢٧٣): قال - يعني عبد الله بن أبي سَلَمَةً - فقَلَت له - يعني لعُبيد الله -: عَجَباً لكم كيف لم تسألوه: ماذا رأيتَ رسولَ الله ◌َ ﴾ يصنع؟ وأراد عبد الله بن أبي سَلَمَةَ بذلك الوقوفَ على الأفضل، لأنَّ الحديثَ يدلُّ على التخيير بين ٥١١/٣ التكبير والتَّلبية من تقريره لهم ﴿ على ذلك، فأراد أن يَعرِفَ ما كان يصنعُ هو / ليَعرِف الأفضل من الأمرين، وسيأتي من حديث ابن مسعود بيان ذلك إن شاء الله تعالى. ٤٩٥ باب ٨٧ / ح ١٦٦٠ كتاب الحج ٨٧ - باب التّهجير بالرَّواح يوم عرفة ١٦٦٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابن شهاب، عن سالم، قال: حَتّبَ عبدُ الملِكِ إلى الحَجّاجِ: أن لا يُخالفَ ابنَ عمرَ في الحجِّ، فجاء ابنُ عمرَ وأنا معه يومَ عَرَفَةَ حينَ زالَتِ الشَّمسُ، فصاحَ عندٌ سُرادِقِ الحَجّاجِ، فخَرَجَ وعليه مِلْحَفةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فقال: ما لكَ يا أبا عبدِ الرحمن؟ فقال: الَّواحَ إن كنتَ تُرِيدُ السُّنّةَ! قال: هذه الساعةَ؟ قال: نعم، قال: فأنظِرْني حتّى أُفِيضَ على رأسي ثمّ أخرُجُ، فنزلَ حتَّى خَرَجَ الحجّاجُ، فسارَ بيني وبين أبي، فقلتُ: إن كنتَ تُرِيدُ السُّنّةَ فاقْصِرِ الخُطْبَةَ وعَجّلِ الوقوف، فَجَعَلَ يَنظُرُّ إلى عبدِ الله، فلمَّا رَأى ذلك عبدُ الله قال: صَدَقَ. [طرفاه في: ١٦٦٢، ١٦٦٣] قوله: ((باب التَّهْجيرِ بالَّواحِ يومَ عَرَفَةَ)) أي: من نَمِرةَ، لحديث ابن عمر أيضاً: غَدًا رسول اللهِ وَه حينَ صلَّى الصبح في صَبِيحة يومٍ عَرَفَةَ حتَّى أتى عَرَفة، فنزل نَمِرةً - وهو منزل الإمام الذي يَنْزِلُ فيه بعَرَفة - حتَّى إذ كان عند صلاة الظُّهرِ راحَ رسولُ الله ◌ِو مُهَجِّراً، فجمع بين الظَّهرِ والعصرِ، ثمَّ خَطَبَ الناس، ثمَّ راحَ فَوَقَفَ. أخرجه أحمد (٦١٣٠) وأبو داود (١٩١٣) وظاهرُه أنَّه تَوَجَّهَ من مِنّى حينَ صلَّى الصبح بها، لكن في حديث جابر الطّويلِ عند مسلم (١٢١٨) أنَّ تَوجّهَهِوَّهِ منها كان بعدَ طُلُوعِ الشَّمسِ، ولفظه: فضُرِبَت له قُبَّة بنَمِرةً فنزل بها، حتَّى إذا زاغَت الشَّمس أمَرَ بالقَصْواء فُرُحِلَت فأتى بطن الوادي. انتهى. ونَمِرة، بفتح النون وكسر الميمِ: موضع بقُربٍ عَرَفَات خارجَ الْحَرَمِ بين طرف الخَرَمِ وطرفٍ عَرَفات. قوله: «عن سالم)» هو ابن عبد الله بن عمر. قوله: «گتَبَ عبد الملك» يعني: ابن مروان. قوله: ((إلى الحجّاج)) يعني: ابن يوسف الثَّقَفي حینَ أرسله إلى قتال ابن الزُّبیر، کما سيأتي مُبِيَّناً بعدَ باب. ٤٩٦ باب ٨٧ / ح ١٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((في الحجّ)) أي: في أحكام الحجِّ، وللنَّسائي (٣٠٠٥) من طريق أشهَب، عن مالك: ((في أمر الحج)) وكان ابنُ الزُّبَير لم يُمَكِّن الحَجّاجِ وعَسكره من دخولٍ مَّةَ، فوَقَفَ قبلَ الطَّواف. قوله: ((فجاء ابن عُمَر وأنا معه)) القائل: هو سالم، ووقع في رواية عبد الرزاق عن مَعمَر عن الزُّهْري: «فرکِب هو وسالمٌ وأنا معهما))، وفي روايته: «قال: ابن شهاب: و کنت يومئذ صائماً فَلَقيتُ من الحرِّ شِدّة))، واختَلَفَ الحُفَّاظُ في رواية مَعمَر هذه؛ فقال يحيى بن مَعِين: هي وهمٌّ، ابن شهاب لم يَرَ ابن عمر ولا سمع منه. وقال الذُّهلي: لستُ أدفَعُ رواية مَعمَر، لأنَّ ابن وَهْبٍ روى عن العُمَري عن ابن شهاب نحوَ رواية مَعمَر، وروى عَنبَسة بن خالد عن يونسَ عن ابن شِهاب قال: وفَدتُ إلى مروانَ وأنا مُحْتَلِم. قال الذُّهلي: ومروانُ مات سنة خمس وستّينَ، وهذه القصَّة كانت سنة ثلاث وسبعینَ، انتھی. وقال غيره: إنَّ روايةَ عَنْبَسة هذه أيضاً وهمٌّ، وإنَّما قال الزُّهْري: وفَدتُ على عبد الملِك، ولو كان الزُّهْري وفَدَ على مروانَ لَأدرَك حِلّة الصحابة ممَّن ليست له عنهم روايةٌ إلَّا بواسطة. وقد أدخَلَ مالك وعُقَيل - وإليهما المرجِعُ في حديث الزُّهْري - بينه وبين ابن عمر في هذه القصَّة سالماً، فهذا هو المعتمَد. قوله: ((فصاحَ عند سُرادق الحجّاجِ)) أي: خَيمَتِه، زاد الإسماعيلي من هذا الوجه: «أينَ هذا؟)) أي: الحَجّاج. ومثلُه يأتي بعدَ باب من رواية القَعنَبي. قوله: ((وعليه مِلْحَفَة)) بكسر الميم، أي: إزار كبير، والمعَصفَر: / المصبوغ بالعُصفُر. ٥١٢/٣ وقوله: ((يا أبا عبد الرحمن)) هي کُنيةُ ابن عمر وقوله: ((الزَّواحَ)) بالنصب، أي: عَجِّل أو رُح. قوله: ((إن كنت تريدُ السُّنَّةَ)) في رواية ابن وَهْب: ((إن كنتَ تريدُ أن تُصيبَ السُّنّةَ)). قوله: ((فأنظِرْني)» بالهمزة وكسر الظاء المعجَمة، أي: أخّرني، وللكُشْمِيهني: بألفٍ وصلٍ وضم الظاء، أي: انتظرني. ٤٩٧ باب ٨٧ / ح ١٦٦٠ كتاب الحج قوله: ((فنزلَ)) يعني: ابن عمر، كما صَرَّحَ به بعدَ بابين (١٦٦٣). قوله: ((فاقْصِر)) بِألفٍ موصولة ومُهمَلة مكسورة. قال ابن عبد البَرِّ: هذا الحديثُ يَدخُلُ عندهم في المسنَد، لأنَّ المراد بالسُّنّة: سُنَّةُ رسول الله وَل﴿ إذا أُطلِقَت ما لم تُضَف إلى صاحبِها كَسُنَّة العمَرَين. قلت: وهي مسألةُ خلاف عند أهل الحديث والأُصول، وجمهورهم على ما قال ابن عبد البَرّ، وهي طريقة البخاري ومسلم، ويُقَوّيه قول سالم لابن شِهاب إذ قال له: أفَعَلَ ذلك رسول الله وَليه؟ فقال: وهل يَتَّبِعونَ في ذلك إلَّا سُنَّته؟ وسيأتي بعدَ باب (١٦٦٢). قوله: ((وعَجِّلِ الوقوفَ)) قال ابن عبد البَرِّ: كذا رواه القَعنَبي (١٦٦٣) وأشهَب، وهو عندي غَلَط، لأنَّ أكثرَ الرُّواة عن مالكٍ قالوا: ((وعَجِّلِ الصلاة))، قال: ورواية القَعنَبي لها وجه، لأنَّ تعجيلَ الوقوفِ يستلزمُ تعجيل الصلاة. قلت: قد وافق القَعنبيَّ عبدُ الله بن يوسف كما ترى، ورواية أشهَبَ التي أشارَ إليها عند النَّسائي (٣٠٠٥)، فهؤلاء ثلاثة رَوَوه هكذا، فالظاهر أنَّ الاختلافَ فيه من مالك، وكأنَّه ذكره باللَّازم؛ لأنَّ الغَرَضَ بتعجيل الصلاة حينئذٍ تعجیلُ الوقوف. قال ابن بَطَّال: وفي هذا الحديث: الغُسلُ للوقوفِ بعَرَفة؛ لقول الحَجّاج لعبد الله: أنظِرني، فانتَظَرَه، وأهل العلم يستحبّونه، انتهى. ويحتملُ أن يكون ابن عمر إنَّما انتَظَرَه لحملِه على أنَّ اغتساله عن ضَرُورة. نعم روى مالك في ((الموطّا)) (١/ ٣٢٢) عن نافع: أنَّ ابن عمر كان يَغْتَسِلُ لوقوفِه عَشيّةَ عَرَفة. وقال الطَّحاوي: فيه حُجَّة لمن أجازَ المعَصفَر للمُحرِمِ. وتعقَّبه ابن المنيِر في ((الحاشية)) بأنَّ الحجاجَ لم يكن يَتَّقي المنكَرَ الأعظَمَ من سَفْك الدِّماء وغيره، حتَّى يَتَّفي المعَصفَر، وإنَّما لم يَنْهَه ابن عمر لعلمِه بأنَّه لا يَنجَعُ فيه النَّهيُ ولِعلمِه بأنَّ الناسَ لا يَقتَدونَ بالحجاج. انتهى مُلخَّصاً، وفيه نظر، لأنَّ الاحتجاجَ إنَّما هو بعَدَمِ إنكار ابن عمر، فبِعَدَمِ إنكاره يَتمسَّكُ الناسُ في اعتقاد الجواز، وقد تقدَّم الكلام على مسألة المعَصفَر في بابه. ٤٩٨ باب ٨٨ / ح ١٦٦١ فتح الباري بشرح البخاري وقال المهلَّب: فيه جواز تأمير الأدْوَن على الأفضل. وتعقَّبه ابن المنيِر أيضاً بأنَّ صاحبَ الأمر في ذلك هو عبد الملِك، وليس بحُجَّة ولا سيَّما في تأمير الحجاج، وأمَّا ابن عمر فإِنَّا أطاعَ لذلك فِراراً من الفِتنة. قال: وفيه أنَّ إقامة الحج إلى الخلفاء، وأنَّ الأميرَ يَعمَلُ في الدِّينِ بقول أهل العلم، ويصيرُ إلى رأيِهِم. وفيه مُداخَلة العلماء السلاطين وأنَّه لا نَقيصةَ عليهم في ذلك. وفيه فتوى التِّلميذ بحَضرة مُعلِّمه عند السُّلطان وغيره، وابتداء العالم بالفَتوى قبلَ أن يُسألَ عنه. وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّ ابن عمر إنَّما ابتَدَأ بذلك المسألة عبد الملِك له في ذلك، فإنَّ الظاهرَ أنَّ كَتَبَ إليه بذلك كما كَتَبَ إلى الحجاج. قال: وفيه الفَهْم بالإشارة والنَّظَرِ لقول سالم: فجعل الحجاج يَنظُرُ إلى عبد الله، فلمَّا رأى ذلك قال: صَدَقَ. انتهى. وفيه طلبُ العُلوِّ في العلم؛ لتَشَوُّف الحجّاج إلى سماع ما أخبَرَه به سالمٌ من أبيه ابن عمر، ولم يُنکِر ذلك ابن عمر. وفيه تعليمُ الفاجر السُّنَن، لمنفَعة الناس. وفيه احتمالُ المفسدة الخفيفة لتحصيل المصلحة الكبيرة، يُؤْخَذُ ذلك من مُضيِّ ابن عمر إلى الحجّاج وتعليمه. وفيه الحِرصُ على نشر العلم لانتفاع الناس به. وفيه صِحَّةُ الصلاة خَلفَ الفاسق، وأنَّ التوجُّهَ إلى المسجد الذي بعَرَفة حينَ تَزولُ الشَّمسُ للجمع بين الظُّهرِ والعصرِ في أولٍ وقت الظُّهرِ سُنَّة، ولا يَضُرُّ التأخّر بقَدرِ ما يَشتَغِلُ به المرءُ من مُتَعَلَّقات الصلاة كالغُسلِ ونحوه. وسيأتي بقيّة ما فيه في الذي يليه. ٨٨ - باب الوقوف على الدّابّة بعرفة ٥١٣/٣ ١٦٦١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكٍ، عن أبي النَّضْرِ، عن عُمَيرٍ مَوْلَى عبدِ الله بنِ العبَّاس، عن أُمِّ الفَضْلِ بنتِ الحارث: أنَّ ناساً اختَلَفُوا عندَها يومَ عَرَفَةَ في صومِ النبيِّ ◌َِّه فقال بعضُهم: هو صائمٌ، وقال بعضُهم: ليس بصائم، فأرسَلْتُ إليه بقَدَحِ لَبَنٍ وهو واقفٌ على بعیرِه، فشَرِبَه. ٤٩٩ باب ٨٩ / ح ١٦٦٢ كتاب الحج قوله: ((باب الوقوف على الدّابَّةِ بعَرَفَةٍ)) أورَدَ فيه حديث أمّ الفضل في فِطرِهِ وَُّ يومَ عَرَفَةَ بها، وقد تقدَّم قريباً (١٦٥٨)، ويأتي الكلام عليه في كتاب الصيام (١٩٨٨). وموضع الحاجة منه قوله فيه: ((وهو واقف على بعيره)»، وأصرَحُ منه حديث جابر الطّويلِ عند مسلم (١٢١٨)، ففيه: ثمَّ رَكِبَ إلى الموقف، فلم يَزَل واقفاً حتَّى غَرَبَت الشَّمس. واختَلَفَ أهل العلم في أيِّهما أفضل: الركوبُ، أو تَركُه بعَرَفة؟ فذهب الجمهورُ إلى أنَّ الأفضلَ الركوب؛ لكَونِهِ وَ لِ﴿ وَقَفَ راكباً، ومن حيثُ النَّظَر فإنَّ في الركوب عَوْناً على الاجتهاد في الدُّعاء والتضرُّع المطلوب حينِئِذٍ، كما ذَكَروا مثله في الفِطْر. وذهب آخرونَ إلى أنَّ استحباب الركوب يَخْتَصُّ بمن يحتاجُ الناس إلى التعليمِ منه. وعن الشافعي قولُ أنَّهما سواء. واستُدِلَّ به على أنَّ الوقوفَ على ظَهرِ الدَّوابِّ مباح، وأنَّ النَّھيَ الوارد في ذلك محمول على ما إذا أجحَفَ بالدابّة. ٨٩ - باب الجمع بين الصّلاتين بعرفة وكان ابنُ عمر رضي الله عنهما إذا فاتَتْه الصلاةُ مع الإمام جمع بينَهما. ١٦٦٢ - وقال الليثُ: حدَّثني عُقَيلُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني سالم: أنَّ الحجّاجَ بنَ يوسفَ عامَ نزلَ بابنِ الزُّبَيرِ رضي الله عنهما سألَ عبد الله ﴾: كيفَ تَصْنَعُ في الموقِفِ يومَ عَرَفَةً؟ فقال سالم: إن كنتَ تُرِيدُ السُّنّةَ فَهَجِّرْ بالصلاةِ يومَ عَرَفَةَ، فقال عبدُ الله بن عمر: صَدَقَ، إِنَّهم كانوا يجمعونَ بين الظّهرِ والعصرِ في السُّنّةِ. فَقلتُ لِسالمٍ: أفَعَلَ ذلك رسولُ اللهِ وَلَه؟ فقال سالم: وهل يتَّبِعُونَ في ذلك إلا سُنَّتَه؟ قوله: ((باب الجمعِ بين الصلاتَينِ بعَرَفَة)) لم يُبيِّن حُكم ذلك، وقد ذهب الجمهورُ إلى أنَّ ذلك الجمعَ المذكورَ يَخْتَصُّ بمن يكون مُسافراً بشرطِه. ٥٠٠ باب ٨٩ / ح ١٦٦٢ فتح الباري بشرح البخاري وعن مالك والأوزاعي وهو وجه للشافعية: أنَّ الجمعَ بعَرَفة جمعٌ للنُّسُكِ؛ فيجوزُ لكلِّ أحد، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد، سمعت ابن الزُّبَير يقول: إنَّ من سُنَّة الحجِّ أنَّ الإمام يَروحُ إذا زالَتِ الشَّمسُ يَخْطُبُ فيَخطُبُ الناس، فإذا فَرَغَ من خُطَتِه نزل فصلّى الظُّهرَ والعصرَ جمیعاً. واختُلِفَ فیمن صلَّى وحده كما سيأتي. قوله: ((وكان ابن عُمَر ... )) إلى آخره، وَصَلَه إبراهيم الحربي في ((المناسكِ)) له، قال: حدَّثنا الخَوضي عن همَّام أنَّ نافعاً حدَّثه: أنَّ ابن عمر كان إذا لم يُدرِك الإمام يومَ عَرَفَةَ جمع بين الظُّهرِ والعصرِ في منزلِه. وأخرج الثَّوري في ((جامعه)) رواية عبد الله بن الوليد العَدَني، عنه عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد عن نافع مثله. وأخرجه ابن المنذر من هذا الوجه، وبهذا قال الجمهور. وخالَفَهم في ذلك النَّخَعي والثَّوري وأبو حنيفة، فقالوا: يَخْتَصُ الجمعُ بمن صلَّى مع الإمام. وخالَفَ أبا حنيفة في ذلك صاحباه والطّحاوي، ومن أقوى الأدلَّة لهم: صَنِيع ابن عمر هذا، وقد روى حديثَ جمع النبي وَِّ بين الصلاتَين، وكان مع ذلك يجمعُ وحدَه، ٥١٤/٣ فدَلَّ على أنَّه عَرَفَ أنَّ الجمعَ لا يَخْتَصُّ بالإمام. ومن قواعدِهم/ أنَّ الصحابي إذا خالَفَ ما روى دلَّ على أنَّ عنده علماً بأنَّ مخالفَه أرجَحُ؛ تحسيناً للظَّنِّ به، فينبغي أن يقال هذا هنا. وهذا في الصلاة بعَرَفة، وأمَّا صلاةُ المغرِبِ فعند أبي حنيفة وزُفَرَ ومحمد: يجبُ تأخيرُها إلى العِشاء، فلو صلاها في الطَّريق أعاد. وعن مالك: يجوزُ لمن به أو بدابَتِهِ عُذر فيُصلِّيها، لكن بعدَ مَغِيب الشَّفَقِ الأحمر. وعن ((المدوَّنة)): يُعيدُ مَن صلَّى المغرب قبلَ أن يأتي جمعاً، وكذا مَن جمع بينها وبين العِشاء بعدَ مَغِيب الشَّفَق، فيُعيدُ العِشاء. وعن أشهَب: إن جاء جمعاً قبلَ الشَّفَقِ جَمَع، وقال ابن القاسم: حتَّى يَغِيب. وعند الشافعية وجمهور أهل العلم: لو جمع تقديماً أو تأخيراً قبلَ جَمْعٍ أو بعدَ أن نزلها أو أفرَدَ أجزأ وفاتَت السُّنّة. واختلافُهم مبنيٌّ على أنَّ الجمعَ بعَرَفة وبمُزدَلِفِة للنُّسُكِ أو للسفَر.