Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
باب ٤٢ / ح ١٥٨٣
كتاب الحج
قوله: ((فخَرَّ إلى الأرض)) في رواية زكريًّا بن إسحاق عن عَمْرو بن دينار الماضية في
((باب كراهية التَّعَرّي)) (٣٦٤) من أوائل الصلاة: فجعله على مَنكِبِهِ فسَقَطَ مَغشياً عليه.
قوله: ((فطَمَحَت عيناه)) بفتح المهمَلة والميم، أي: ارتَفَعَتا، والمعنى: أنَّه صار يَنظُر إلى فوق.
وفي رواية عبد الرزاق عن ابن جُرَيج (٣٨٢٩) في أوائل السّيرة النَّبوية: ثمَّ أفاق فقال.
قوله: ((أرِني إزاري)) أي: أعطِنِي، وحكى ابن التِّين كسر الراء وسكونها وقد قُرِئَ بهما،
وفي رواية عبد الرزاق الآتية (٣٨٢٩): «إزاري إزاري)) بالتكرير.
قوله: ((فشَدَّه عليه)) زاد زكريًّا بن إسحاق (٣٦٤): فما رُئي بعدَ ذلك عُرياناً. وقد تقدَّم
شاهدها من حديث أبي الطُّفَيل.
١٥٨٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله: أنَّ
عبد الله بنَ محمَّدٍ بنِ أبي بكرٍ، أخبَر عبد الله بنَ عمرَ، عن عائشةَ رضي الله عنهم زوجِ النبيِّ
وَلَهُ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَليهِ قال لها: «ألم تَرَي أنَّ قَوْمَكِ لمَّا بَنَوُا الكَعْبةَ اقْتَصَرُوا عن قواعدِ
إبراهيمَ!) فقلتُ: يا رسولَ الله، ألا تَرُدُّها على قواعدِ إبراهيمَ؟ قال: «لولا حِدْثانُ قَوْمِكِ
بالكُفْرِ لَفَعَلْت)).
فقال عبدُ الله ﴾: لَئِن كانت عائشةُ رضي الله عنها سمعَت هذا من رسولِ الله وَّةٍ، ما
أُرَى رسولَ الله ◌َّه تَرَكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَينِ يَلِيَانِ الحِجْرَ، إلا أنَّ البيتَ لم يُتَمَّم على قواعدٍ
إبراهیم.
الحديث الثاني: ساقه من أربعة طرقٍ:
قوله في الطريق الأولى: ((عن سالم بن عبد الله)) أي: ابن عمر.
قوله: ((أنَّ عبد الله بن محمَّد بن أبي بَكْر)) أي: الصِّدّيق، ووقع في رواية مسلم
(٤٠٠/١٣٣٣): ((أبي بكر بن أبي قُحافة)) وعبد الله هذا: هو أخو القاسم بن محمد.
قوله: ((أخبر عبدَ الله بن عُمَر)) بنصب عبد الله على المفعولية، وظاهره أنَّ سالماً كان
حاضراً لذلك، فيكون من روايته عن عبد الله بن محمد، وقد صَرَّحَ بذلك أبو أُوَيس عن

٣٦٢
باب ٤٢ / ح ١٥٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
ابن شِهاب، لكنَّه سماه عبد الرحمن بن محمد، فوَهمَ، أخرجه أحمد (٢٤٨٢٧)، وأغرَبَ
إبراهيم بن طَهْمانَ، فرواه عن مالك عن ابن شِهاب عن عُرْوة عن عائشة، أخرجه
الدارَقُطْني في ((غرائب مالك)) والمحفوظ الأول.
وقد رواه مَعمَر عن ابن شهاب عن سالم لكنَّه اختصره، وأخرجه مسلم (٤٠٠/١٣٣٣)
من طريق نافع عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر عن عائشة، فتابَعَ سالماً فيه وزاد في المتن:
((ولَأَنفَقت كنز الكعبة)) ولم أرَ هذه الزيادة إلَّا من هذا الوجه، ومن طريق أُخرى أخرجها
أبو عَوَانة من طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزُّبَير عن عائشة، وسيأتي البحث
فيها في ((باب كِسْوة الكعبة)) (١٥٩٤).
قوله: ((ألم تَرَي)) أي: ألم تَعرِفِي.
قوله: ((قَوْمك)) أي: قُریش.
قوله: ((اقْتَصَرُوا عن قواعد إبراهيم)) سيأتي بيان ذلك في الطَّريق التي تلي هذه.
قوله: ((لولا حِدْثان)) بكسر المهمَلة وسكون الدال بعدها مُثلَّثة، بمعنى الحدوث، أي:
قُرْب عهدهم.
قوله: (لَفَعَلْت)) أي: لَرَدَدتها على قواعد إبراهيم.
قوله: «فقال عبد الله)) أي: ابن عمر بالإسناد المذكور، وقد رواه مَعمَر عن ابن شِھاب
عن سالم عن أبيه بهذه القصَّة مجرَّدة(١).
قوله: (لَئِن كانت)) ليس هذا شكّاً من ابن عمر في صِدق عائشة،/ لكن يقع في كلام
٤٤٣/٣
العرب كثيراً صورة التَّشكيك، والمراد التقرير واليقين.
قوله: ((ما أُرى)) بضم الهمزة، أي: أظنّ، وهي رواية مَعمَر، وزاد في آخر الحديث: (ولا
طافَ الناس من وراء الحجر إلَّا لذلك)) ونحوه في رواية أبي أُوَيس المذكورة.
(١) أخرجه أبو داود برقم (١٨٧٥).

٣٦٣
باب ٤٢ / ح ١٥٨٤
كتاب الحج
قوله: ((استلام)) افتعال من السلام، والمراد هنا لمس الرُّكن بالقُبلة أو اليد.
قوله: (يَليان)) أي: يَقرَبان من ((الحِجْر)) بكسر المهمَلة وسكون الجيم، وهو معروف
على صفة نصف الدائرة، وقَدْرها تسع وثلاثونَ ذِراعاً، والقَدْر الذي أُخرِجَ من الكعبة
سيأتي قريباً.
١٥٨٤ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو الأخْوَصِ، حدَّثنا أشعَتُ، عن الأسوَدِ بنِ يزيدَ، عن
عائشةَ رضي الله عنها قالت: سألتُ النبيَّ ◌ََّ عن الجَدْرِ: أمِنَ البيتِ هو؟ قال: ((نعم)) قلتُ: فما
لهم لم يُدخِلُوه في البيتِ؟ قال: ((إنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَت بهم النَّفقة)) قلتُ: فما شَأْنُ بابه مُرْتَفِعاً؟ قال:
((فعل ذلك قَوْمُكِ لِيُدخِلُوا مَن شاؤُوا، وَيَمْنَعُوا مَن شاؤُوا، ولولا أنَّ قَوْمَكِ حديثٌ عَهْدُهم
بجاهليةٍ، فأخافُ أن تُنْكِرَ قُلُوبُهم أن أُدْخِلَ الجَدْرَ في البيتِ، وأن أُلْصِقَ بابَه بالأرض».
قوله في الطريق الثانية: ((حدَّثنا الأشعَث)) هو ابن أبي الشَّعثاء المحاربي، وقد تقدَّم في
العلم (١٢٦) من وجه آخر عن الأسوَد بزيادةٍ نَبَّهنا على ما فيها هناك.
قوله: ((عن الجَدْر) بفتح الجيم وسكون المهمَلة، كذا للأكثر، وكذا هو في ((مسند)) مُسدَّد
شيخ البخاري فيه، وفي رواية المُستَمْلي: ((الجِدار)) قال الخليل: الجدر لغة في الجدار.
انتهى، ووَهِمَ مَن ضَبَطَه بضمِّها، لأنَّ المراد الحِجر، ولأبي داود الطَّيالسي في ((مسنده))
(١٣٩٣) عن أبي الأحوص شيخ مُسدَّد فيه: ((الجَدر أو الحِجر)) بالشكِّ(١)، ولأبي عَوَانة من
طريق شَيْبانَ عن الأشعَث: ((الحِجر)) بغير شكٌّ.
قوله: ((أمن البيت هو؟ قال: نعم)) هذا ظاهره أنَّ الحِجر كلّه من البيت، وكذا قوله في
الطَّريق الثانية: ((أن أُدخِل الجَدْر في البيت)) وبذلك كان يُفتي ابن عبّاس كما رواه
عبد الرزاق (٨٩٨٦) عن أبيه عن مَرَد بن شُرَحبيل قال: سمعت ابن عبّاس يقول: لو
وَلِيت من البيت ما وَلي ابن الزُّبَيرِ، لَأدخَلت الحِجر كلّه في البيت، فلِمَ يُطَاف به إن لم يكن
من البيت؟
(١) ليس فيه الشك، وإنما جاء لفظه: ((سألت رسول الله وَ له عن الجدر، تعنى: الحجر: أمن البيت .... )).

٣٦٤
باب ٤٢ / ح ١٥٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
وروى الثِّرمِذي (٨٧٦) والنَّسائي (٢٩١٢) من طريق عَلَقَمة عن أُمّه عن عائشة
قالت: كنت أُحِبّ أن أُصَلّي في البيت، فأخذَ رسول الله وَ لَّ بِيدَيَّ فأدخَلَني الحِجر، فقال:
((صَلّي فيه، فإنَّما هو قِطعة من البيت، ولكنَّ قومك استَقْصَروه، حتَّى بَنَوا الكعبة فأخرجوه
من البيت))، ونحوه لأبي داود (٢٠٢٨) من طريق صَفيَّة بنت شَيْبة عن عائشة، ولأبي
عَوَانة من طريق قَتَادةَ عن عُرْوة عن عائشة، ولأحمد (٢٤٣٨٤) من طريق سعيد بن جُبَير
عن عائشة وفيه: أنَّها أرسَلَت إلى شَيْبة الحجَبي ليفتَح لها البيت بالليل، فقال: ما فتَحناه في
جاهلية ولا إسلام بليلٍ.
وهذه الروايات كلّها مُطلَقة، وقد جاءت روايات أصحّ منها مُقَيَّدة، منها لمسلم
(٤٠٤/١٣٣٣) من طريق أبي قَزَعة عن الحارث بن عبد الله عن عائشة في حديث الباب:
((حتَّى أزيدَ فيه من الحِجر))، وله (١٣٣٣ /٤٠٣) من وجه آخر عن الحارث عنها: «فإن بَدا
لقومِك أن يَبنوه بعدي فهَلُمّي لأُريك ما تركوا منه)) فأراها قريباً من سبعة أذرُع، وله
(٤٠١/١٣٣٣) من طريق سعيد بن ميناء عن عبد الله بن الزُّبَير عن عائشة في هذا الحديث:
((وزِدت فيها من الحِجر ستَّة أذرُع)) وسيأتي في آخر الطَّريق الرابعة قول یزید بن رومان
الذي رواه عن عُرْوة: أنَّه أراه لجَرِير بن حازم، فحَزَرَه ستّة أذرُع أو نحوها. ولِسفيان بن
عُيَينةَ في ((جامعه)) عن داود بن شابور عن مجاهد: أنَّ ابن الزُّبَير زاد فيها ستّة أذرُع ممّا يلي
الحِجر. وله عن عُبيد الله بن أبي يزيد عن ابن الزُّبَير: ستّه أذرُع وشِبر. وهكذا ذكر الشافعي
عن عدد لَقِيهم من أهل العلم من قُرَيش كما أخرجه البيهقي في ((المعرفة)) (٩٩٢٣) عنه،
وهذه الروايات كلّها تجتمع على أنَّها فوق السِّة ودون السبعة، وأمَّا رواية عطاء عند
مسلم (٤٠٢/١٣٣٣) عن عائشة مرفوعاً: ((لكنت أُدخِل فيها من الحِجر خمسة أذرُع)) فهي
شاذَّة، والرواية السابقة أرجَح لما فيها من الزيادة عن الثِّقات الحُفَّاظ، ثمَّ ظَهَرَ لي لرواية
عطاء وجه، وهو أنَّه أُريدَ بها ما عدا الفُرجة التي بين الرُّكن والحِجر، فتجتمع مع
الروايات الأُخرى، فإنَّ الذي عدا الفُرجة أربعة أذرُع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهي من

٣٦٥
باب ٤٢ / ح ١٥٨٤
كتاب الحج
حديث أبي عَمْرو بن عَدِيّ بن الحمراء: أنَّ النبي ◌ََّ قال لعائشة في هذه القصّة:
((ولَأَدْخَلت فيها من الحِجر أربعه أذرُع)) فيُحمَل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على
جبره، ويُجمَع بين الروايات كلّها بذلك، ولم أرَ مَن سَبَقَني إلى ذلك، وسأذكُرُ ثَمَرة هذا
البحث في آخر الكلام على هذا الحديث.
قوله: ((قَصَّرَت بهم النَّفقة)) بتشديد الصاد، أي: النَّفقة الطيِّية التي أخرجوها لذلك، كما ٤٤٤/٣
جَزَمَ به الأزرقي وغيره، ويوضحه ما ذكر ابن إسحاق في ((السّيرة)) عن عبد الله بن أبي
نَجِيح أنَّه أخبر عن عبد الله بن صَفْوان بن أُميَّة أنَّ أبا وَهْب بن عابد بن عِمْران بن مخزوم
- وهو جَدّ جَعْدة بن هُبَيرة بن أبي وَهْب المخزومي - قال لقُرَيشٍ: لا تُدخِلوا فيه من
كسبكم إلَّا الطيِّب، ولا تُدخِلوا فيه مَهْر بَغِيٍّ، ولا بيع رِباً ولا مَظلِمة أحد من الناس(١).
وروى سفيان بن عُيَينةَ في ((جامعه)) عن عُبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه: أنَّه شَهِدَ عمر
ابن الخطَّب أرسَلَ إلى شيخ من بني زُهرة أدرَك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة، فقال:
إنَّ قُرَيشاً تَقرَّبَت لبناء الكعبة - أي: بالنَّفقة الطيِّة - فَعَجَزَت فَتَرَكوا بعض البيت في
الحِجر، فقال عمر: صَدَقت.
قوله: (ليُدخِلُوا)) في رواية المُستَمْلي: ((يُدخِلوا)) بغير لام، زاد مسلم (٤٠٣/١٣٣٣)
من طريق الحارث بن عبد الله عن عائشة: فكان الرجل إذا هو أراد أن يَدخُلها، يَدَعونه
يَرتَقي، حتَّى إذا كاد أن يَدخُلِ دَفَعوه فسَقَطَ.
قوله: «حدیثٌ عَهْدهم) بتنوین حدیث.
قوله: ((بجاهليةٍ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((بالجاهلية)»، وقد تقدَّم في العلم (١٢٦) من
طريق الأسوَد: ((حديث عهد بكُفٍ))، ولأبي عَوَانة من طريق قَتَادةَ عن عُرْوة عن عائشة:
«حدیث عهد بشركٍ)).
(١) انظر ((سيرة)) ابن هشام ١ / ٢٠٥ - ٢٠٦ و ٢٠٦.

٣٦٦
باب ٤٢ / ح ١٥٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأخاف أن تُنُكِرِ قُلُوبهم)) في رواية شَيْبانَ عن أشعَث: (تَنْفِر)) بالفاء بدلَ
الكاف(١)، ونَقَلَ ابن بَطَّال عن بعض عُلَمائهم: أنَّ النُّفرة التي خشيها وَِّ أن يَنسُبوه إلى
الانفراد بالفَخِرِ دونهم.
قوله: ((أن أُدْخِل الجَدْر)) كذا وقع هنا، وهو مُؤوَّل بمعنى المصدر، أي: أخاف إنكار
قلوبهم إدخالي الحِجر، وجواب ((لولا)) محذوف، وقد رواه مسلم (٤٠٥/١٣٣٣) عن
سعيد بن منصور عن أبي الأحوص بلفظ: ((فأخاف أن تُنكِر قلوبهم لَنَظَرت أن أُدخِل)»
فأثبَتَ جواب ((لولا))، وكذا أثبَتَه الإسماعيلي من طريق شَيْبانَ عن أشعَث، ولفظه:
((لَنَظَرت فأدخَلته)).
١٥٨٥- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها قالت: قال لي رسولُ اللهِ وَّةِ: (لولا حَداثةُ قَوْمِكِ بالكُفْرِ لَنقَضْتُ البيتَ، ثمَّ
لَبَّنَيْتُه على أساس إبراهيمَ عليه السَّلامُ - فإنَّ قُرَيشاً استَقْصَرَتْ بناءَه - وجَعَلْتُ له خَلْفاً)).
قال أبو مُعاوِية: حدَّثنا هشامٌ: خَلْفاً، يعني: باباً.
قوله في الطريق الثالثة: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة.
قوله: ((عن عائشة)) كذا رواه مسلم (٣٩٨/١٣٣٣) من طريق أبي معاوية، والنَّسائي
(٢٩٠١) من طريق عبدة بن سليمان، وأبو عَوَانة من طريق عليّ بن مُسهِر، وأحمد
(٢٤٢٩٧) عن عبد الله بن نُمَير، كلّهم عن هشام، وخالَفَهم القاسم بن مَعْن، فرواه عن
هشام عن أبيه عن أخيه عبد الله بن الزُّبَير عن عائشة، أخرجه أبو عَوَانة، ورواية الجماعة
أرجَح، فإنَّ رواية عُرْوة عن عائشة لهذا الحديث مشهورة من غير هذا الوجه، فسيأتي في
الطَّريق الرّابعة من طريق يزيد بن رومان عنه، وكذا لأبي عَوَانة من طريق قَتَادةَ وأبي النَّضر
كلاهما عن عُرْوة عن عائشة بغير واسطة، ويحتمل أن يكون عُرْوة حمل عن أخيه عن
عائشة منه شيئاً زائداً على روايته عنها، كما وقع للأسوَدِ بن يزيد مع ابن الزُّبَير فيما تقدَّم
شرحه في كتاب العلم (١٢٦).
(١) وهي عند مسلم برقم (١٣٣٣) (٤٠٦).

٣٦٧
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
كتاب الحج
قوله: ((وجَعَلْتُ له خَلْفاً)) بفتح المعجَمة وسكون اللَّام بعدها فاء، وقد فسَّره في الرواية
المعلّقة، وضَبَطَه الحربي في ((الغريب)) بكسر الخاء المعجَمة، قال: والخالفة عمود في مُؤخّر
البيت، والصواب الأول، وبيَّنه قوله في الرواية الرّابعة: ((وجعلت لها بابين)).
تنبيه: قوله: ((وجعلت)) بسكون اللَّام وضم التاء عطفاً على قوله: (لَبَنَيته))، وضَبَطَها
القابسي بفتح اللَّام وسكون المثنَّة عطفاً على ((استَقْصَرَت)) وهو وهم، فإنَّ قُرَيشاً لم
تَجَعَل له باباً من خَلف، وإنَّمَا هَمَّ النبي ◌ِّ بجعلِه، فلا يُغتَرّ بمن حَفِظَ هذه الكلمة
بفتحِ ثمَّ سکون.
قوله: ((قال أبو معاوية: حدّثنا هشام)) يعني: ابن عُرْوة بسندِه هذا.
((خَلْفاً يعني: باباً)) والتفسير المذكور من قول هشام، بيَّنْه أبو عَوَانة من طريق عليّ بن
مُسهِر عن هشام قال: الخَلف: الباب. وطريق أبي معاوية وصَلَها مسلم (٣٩٨/١٣٣٣)
والنَّسائي (٢٩٠١)، ولم يقع في روايتهما التفسير المذكور.
وأخرجه ابن خُزَيمةَ (٢٧٤٢) عن أبي كُرَيب عن أبي أُسامة، وأدرَجَ التفسير ولفظه:
((وجعلت لها خَلفا) يعني: باباً آخر من خَلف يُقابل الباب المقدَّم.
١٥٨٦ - حدَّثْنا بيانُ بنُ عَمرِو، حدَّثنا يزيدُ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، حذَّثنا يزيدُ بنُ
رُومانَ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال لها: ((يا عائشةُ لولا أنَّ قَوْمَكِ
حديثُ عَهْدٍ بجاهليّةٍ، لأمَرْتُ بالبيتِ فُهُدِمَ، فأدخَلْتُ فيه ما أُخرِجَ منه وألزَقْتُهُ بالأرضِ،
وجَعَلْتُ له بابينِ: باباً شَرْقِيّاً، وباباً غَرْبِيّاً، فبَلَغْتُ به أساسَ إبراهيمَ)). فذلك الَّذِي ◌َلَ ابنَ
الزُّبَير رضي الله عنهما على هَذْمِهِ.
قال يزيدُ: وشَهِدْتُ ابنَ الزُّبَير حينَ هَدَمَه وبَناه وأدخَلَ فيه من الحِجْرِ، وقد رأيتُ أساسَ
إبراهيمَ حِجارةً كأسنِمةِ الإبلِ.
قال جَرِيرٌ: فقلتُ له: أينَ موضعُه؟ قال أُرِيكَه الآنَ، فدخلتُ معه الحِجْرَ، فأشارَ إلى
مكانٍ، فقال: هاهُنا، قال جَرِيرٌ: فحَزَرْتُ من الحِجْرِ سِتْةَ أذرُعٍ أو نحوَها.

٣٦٨
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
٤٤٥/٣
قوله في الطريق الرابعة: ((حدَّثنا يزيد)» هو ابن هارون كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في
(المستخرج)).
قوله: ((عن عُرْوة)) كذا رواه الحُفَّاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه، فأخرجه أحمد بن
حنبل (٢٦٠٢٩) وأحمد بن سِنان وأحمد بن مَنيع في مسانيدهم عنه هكذا، والنَّسائي (٢٩٠٣)
عن عبد الرحمن بن محمد بن سَلّام، والإسماعيلي من طريق هارون الحَّال والَّعفَراني، كلّهم
عن يزيد بن هارون، وخالَفَهم الحارث بن أبي أسامة فرواه عن يزيد بن هارون فقال: ((عن
عبد الله بن الزُّبَير)) بدلَ: عُرْوة بن الزُّبَيرِ.
وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي الأزهَر عن وَهْب بن جَرِير بن حازم عن أبيه،
قال الإسماعيلي: إن كان أبو الأزهَر ضَبَطَه فكأنَّ يزيد بن رومان سمعه من الأخوين.
قلت: قد تابَعَه محمد بن مُشكان كما أخرجه الجَوزَقي عن الدَّغُولی عنه عن وَهْب بن جَرِیر،
ويزيد قد حَمَله عن الأخوين، لكنَّ روایة الجماعة أوضح فھي أصحّ.
قوله: ((حديث عَهْد)) كذا لجميع الرُّواة بالإضافة، وقال المطرِّزي: لا يجوز حذف الواو
في مثل هذا، والصواب: ((حديثو عهد)) والله أعلم.
قوله: ((فذلك الذي ◌َمَلَ ابن الزُّبَير على هَدْمه)) زاد وَهْب بن جَرِير في روايته: ((وبنائه)).
قوله: ((قال یزید» هو ابن رومان، بالإسناد المذكور.
قوله: ((وشَهِدْت ابن الزُّبَير حینَ هَدَمَه وبناه - إلى قوله - كأسنمةِ الإبل)» هكذا ذكره یزید
ابن رومان مختصراً، وقد ذكره مسلم وغيره واضحاً، فروى مسلم (٤٠٢/١٣٣٣) من
طريق عطاء بن أبي رباح قال: لمَّا احتَرَقَ البيت زَمَن يزيد بن معاوية حينَ غَزَاهُ أهل
الشام، فكان من أمره ما کان. وللفاکهي في ((کتاب مگّة)) من طريق أبي أُويس عن يزيد بن
رومان وغيره: قالوا لمَّا أحرَقَ أهل الشام الكعبة ورَمَوها بالمنجنيق وَهَتِ الكعبة.
ولا بن سعد في ((الطَّبقات)) من طريق أبي الحارث بن زَمعةَ قال: ارتَحَلَ الْحُصَين بن نُمَير
- يعني: الأمير الذي كان يُقاتل ابن الزُّبَير من قِبَل يزيد بن معاوية - لمَّا أتاهم موت يزيد

٣٦٩
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
كتاب الحج
ابن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستّينَ، قال: فأمَرَ ابن الزُّبَير بالخُصاص التي كانت
حول الكعبة فهُدِمَت، فإذا الكعبة تَنفُض - أي: تَتَحرَّك - مُتَوَهِّنة، تَرتَجّ من أعلاها إلى
أسفَلها، فيها أمثال جُيوب النِّساء من حِجارة المنجنيق.
وللفاكهي من طريق عثمان بن ساج: بَلَغَني أنَّه لمَّا قَدِمَ جيش الحُصَين بن نُمَير أحرَقَ
بعض أهل الشام على باب بني ◌ُح، وفي المسجد يومَئذٍ خيام، فمَشى الحَريق حتَّى أخذَ في
البيت، فظَنَّ الفريقان أَّهم هالكون، وضَعُفَ بناء البيت حتَّى إنَّ الطَّير ليقَع عليه فتَتَنَاثَر
حِجارَته. ولعبد الرزاق (٩١٥٧) عن أبيه عن مَرِئَد بن شُرَحبيل أنَّه حَضَرَ ذلك قال:
كانت الكعبة قد وَهَتْ من حريق أهل الشام، قال: فَهَدَمَها ابن الزُّبَير، فتَرَكَه ابن الزُّبَير
حتَّى قَدِمَ الناس الموسِم يريد أن يُحِزِّبهم على أهل الشام، فلمَّا صَدَرَ الناس قال: أشيروا
عليَّ في الكعبة ... الحديث.
ولابن سعد من طريق ابن أبي مُلَيكة قال: لم يَيْنِ ابن الزُّبَير الكعبة حتَّى حجَّ الناس
سنة أربع وستّين، ثمَّ بَناها حينَ استَقْبَلَ سنة خمس وستّينَ.
وحُكي عن الواقدي أنَّه ردَّ ذلك وقال: الأثبَت عندي أنَّه ابتَدَأ بناءَها بعدَ رحيل الجيش
بسبعينَ يوماً، وجَزَمَ الأزرقي بأنَّ ذلك كان في نصف ◌ُمادى الآخرة سنة أربع وستين.
قلت: ويُمكِن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البِناء في ذلك الوقت، وامتَدَّ أمَده
إلى الموسِم ليراه أهل الآفاق، ليُشَنِّعَ بذلك على بني أُميَّة. ويؤيِّده أنَّ في تاريخ ((المسَبِّحي)):
أنَّ الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستّين، وزاد المحِبّ الطَّبَري أنَّه كان في شهر
رجب، والله أعلم. وإن لم يكن هذا الجمع مقبولاً فالذي في ((الصحيح)) مُقدَّم على غيره.
وذكر مسلم في رواية عطاء (١٣٣٣ / ٤٠٢) إشارة ابن عبّاس عليه بأن لا يفعل، وقول ابن
الزُّبَير: لو أنَّ أحدكُمْ احتَرَقَ بيته بَناه حتَّى يُجُدِّده، وأنَّه استَخارَ الله ثلاثاً ثمَّ عَزَمَ على أن
يَنقُضها، قال: فَتَحاماه الناس، حتَّى صَعِدَ رجل فألقى منه حجارة، فلمَّا لم يَرَه الناس
أصابَه شيءٍ تَتابَعوا فنَقَضوه حتَّى بَلَغوا به الأرض، وجعل ابن الزُّبَير أعمِدة/ فسَتَرَ عليها ٤٤٦/٣
السُّتور حتَّى ارتَفَعَ بناؤُه.

٣٧٠
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن عُيَينةَ في ((جامعه)) عن داود بن شابور عن مجاهد قال: خَرَجنا إلى مِنَّى
فأقمنا بها ثلاثاً نَنتَظِر العذاب، وارتَقى ابن الزُّبَير على جدار الكعبة هو بنفسه فهَدَمَ.
وفي رواية أبي أُوَيس المذكورة: ثمَّ عَزَلَ ما كان يَصلُح أن يُعاد في البيت، فبَنَوا به
فَنَظَروا إلى ما كان لا يَصلُح منها أن يُبنى به، فأمَرَ به أن يُحِفَر له في جوف الكعبة
فيُدفَن، واتَّبَعوا قواعد إبراهيم من نحو الحِجر فلم يُصيبوا شيئاً حتَّى شَقَّ على ابن
الزُّبَير، ثمَّ أدرَكوها بعدما أمعَنوا، فنزل عبد الله بن الزُّبَيرِ فَكَشَفوا له عن قواعد
إبراهيم، وهي صَخر أمثال الخَلِف من الإبل، فانفَضّوا له، أي: حَرَّكوا تلك القواعد
بالعُثُلِّ فنَفَضَت قواعد البيت ورأوه بُنياناً مربوطاً بعضه ببعض، فحَمِدَ الله وكَبَّرَه، ثمَّ
أُحِضِرَ الناس فأمَرَ بوجوهِهم وأشرافهم، حتَّى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا بُنياناً متَّصلاً
فأشهدهم على ذلك.
وفي رواية عطاء(١): وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذِراعاً، فزاد ابن الزُّبَير في طولها
عشرة أذرُع. وقد تقدَّم من وجه آخر أنَّه كان طولها عشرينَ ذِراعاً، فلعلَّ راويه جَبَر
الكسر، وجَزَمَ الأزرَقي بأنَّ الزيادة تسعة أذرُع، فلعلَّ عطاء جَبَرَ الكسر أيضاً.
وروى عبد الرزاق (٩١٠٥) من طريق ابن سابط عن زيد: أنَّهم كَشَفوا عن القواعد، فإذا
الحَجر مثل الخَلِفة، والحِجارة مُشبَّكة بعضها ببعضٍ. وللفاكهي من وجه آخر عن عطاء قال:
كنت في الأُمَناء الذينَ جمعوا على حَفْره، فحَفَروا قامةً ونصفاً، فهَجَموا على حِجارة لها عُروق
تَتَّصِل بزَردِ عِرق المروة، فضَرَبوه فارتَجَّت قواعد البيت، فكَبَّرَ الناس، فبنى عليه. وفي رواية
مَرَد عند عبد الرزاق (٩١٥٧): فكَشَفَ عن رَبَضٍ في الحِجر آخذ بعضه ببعض، فتَرَكَه
مكشوفاً ثمانية أيام ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الرَّبض مثل خَلِف الإبل: وجه حجر، ووجه
حجران، ورأيت الرجل يأخُذ العَتَلة فيَضرِب بها من ناحية الرُّكن فيَهتَزُّ الزُّكن الآخر.
قال مسلم في رواية عطاء: وجعل له بابين: أحدهما يُدخَل منه، والآخر يُخْرَج منه. وفي
(١) عند مسلم برقم (١٣٣٣) (٤٠٢).

٣٧١
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
كتاب الحج
رواية الأسوَد التي في العلم (١٢٦): ففَعَله عبد الله بن الزُّبَير. وفي رواية إسماعيل بن
جعفر عند الإسماعيلي: فنَقَضَه عبد الله بن الزُّبَير، فجعل له بابينٍ في الأرض. ونحوه
للتِّرمِذي (٨٧٥) من طريق شُعْبة عن أبي إسحاق، وللفاكهي من طريق أبي أُوَيس، عن
موسى بن مَيسَرة: أنَّه دخل الكعبة بعدما بناها ابن الزُّبَير، فكان الناس لا يَزْدَحِمونَ فيها؛
يَدخُلُونَ من باب ويخرجونَ من آخر.
فصل
لم يَذْكُر المصنِّف رحمه الله قصَّة تغيير الحَجّاج لمَا صَنَعَه ابن الزُّبَير، وقد ذكرها مسلم
(٤٠٢/١٣٣٣) في رواية عطاء قال: فلمَّا قُتِلَ ابن الزُّبَيرِ كَتَبَ الحجاج إلى عبد الملك بن
مروان يُخْبِهِ: أنَّ ابن الزُّبَير قد وضَعَه على أُسِّ نظرَ العُدولُ من أهل مكَّة إليه، فكَتَبَ إليه
عبد الملِك: إنّا لَسْنا من تلطيخ ابن الزُّبَير في شيء، أمَّا ما زاد في طوله فأقرّه، وأمَّا ما زاد فيه
من الحِجر فُرُدَّه إلى بنائه، وسُدَّ بابه الذي فَتَحَه. فنَقَضَه وأعاده إلى بنائه.
وللفاكهي من طريق أبي أُوَيس عن هشام بن عُرْوة: فبادرَ - يعني الحجاج - فَهَدَمَها
وبَنَى شِقَّها الذي يلي الحِجر، ورَفَعَ بابها، وسَدَّ الباب الغَربي. قال أبو ◌ُوَيس: فأخبرني غير
واحد من أهل العلم: أنَّ عبد الملِك نَدِمَ على إذنه للحَجّاج في هدمها، ولَعَنَ الحجّاج.
ولابن عُيَينةَ عن داود بن شابور عن مجاهد: فرَدَّ الذي كان ابن الزُّبَير أدخَلَ فيها من
الحِجر، قال: فقال عبد الملِك: ودِدنا أنّا تَرَكنا أبا خُبَيب وما تولَّى من ذلك.
وقد أخرج قصَّة نَدَم عبد الملِك على ذلك مسلمٌ من وجه آخر، فعنده (٤٠٣/١٣٣٣)
من طريق الوليد بن عطاء: أنَّ الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وَفَدَ على عبد الملِك في
خلافته، فقال: ما أظنُّ أبا خُبَيَب - يعني: ابن الزُّبَير - سمع من عائشة ما كان يَزعُم أنَّه
سمع منها، فقال الحارث: بلى أنا سمعته منها - زاد عبد الرزاق (٩١٥٠) عن ابن جُرَيج
فيه: وكان الحارث مُصدَّقاً لا يُكذّب ـ فقال عبد الملك: أنت سمعتَها تقول ذلك؟ قال:
نعم، فنكَتَ ساعة بعَصَاه وقال: وَدِدتُ أنّي تركتُه وما تَحمَّلَ.

٣٧٢
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
٤٤٧/٣
وأخرجها أيضاً من طريق أبي قَزَعة قال: بينما عبد الملك يطوف بالبيت إذ قال: قاتَلَ اللهُ
ابنَ الزُّبَير حيثُ يَكذِب على أُمّ المؤمنين - فذكر الحديث - فقال له الحارث: لا تَقُل هذا يا
أمير المؤمنين، فأنا سمعت أُمّ المؤمنين تُحدِّث بهذا. فقال: لو كنت سمعته قبلَ أن أهدِمه
لَتَرَكته على بناء ابن الزُّبَير.
تنبيه: جميع الروايات التي جمعتها في هذه القصَّة مُتَّفِقة على أنَّ ابن الزُّبَير جعل الباب
بالأرض، ومُقتَضاه أن يكون الباب الذي زاده على سَمْتِهِ، وقد ذكر الأزرَقي أنَّ جملة ما
غَيَّه الحجاج الجدار الذي من جهة الحِجر، والباب المسدود الذي في الجانب الغربي عن
يمين الرُّكن اليَمَاني، وما تحت عَتَبة الباب الأصلي وهو أربعة أذرُع وشِبر، وهذا موافق لمَا
في الروايات المذكورة، لكنَّ المشاهَد الآن في ظَهر الكعبة باب مسدود يُقابِل الباب
الأصليّ، وهو في الارتفاع مثله، ومُقْتَضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزُّبَير لم
يكن لاصقاً بالأرض، فيحتمل أن يكون لاصقاً كما صَرَّحَت به الروايات، لكنَّ الحجاج
لمَّا غَيَّرهِ رَفَعَه ورَفَعَ الباب الذي يقابله أيضاً، ثمَّ بدا له فسَدَّ الباب المجَدَّد، لكن لم أرَ النَّقْل
بذلك صريحاً.
وذكر الفاكهي في ((أخبار مكَّة)) أنَّه شاهَدَ هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة
ثلاث وستّينَ ومئتين، فإذا هو مُقابل باب الكعبة، وهو بقَدره في الطّول والعَرض، وإذا في .
أعلاه كلاليب ثلاثة كما في الباب الموجود سواء. فالله أعلم.
قوله: ((فحَزَرْت)) بتقديم الزّاي على الراء، أي: قَدَّرت.
قوله: ((سِتَّة أذرُع أو نحوها)) قد وَرَدَ ذلك مرفوعاً إلى النبي وَلِّ كما تقدَّم في الطَّريق
الثانية، وأنَّها أرجَح الروايات، وأنَّ الجمع بين المختلف منها مُمكِن كما تقدَّم، وهو أولى من
دعوى الاضطراب والطَّعن في الروايات المقيَّدة لأجل الاضطِراب كما جَنَحَ إليه ابن
الصلاح وتَبِعَه النَّوَوي، لأنَّ شرط الاضطراب أن تَتَساوى الوجوه، بحيثُ يَتَعذَّر الترجيح
أو الجمع، ولم يَتَعَذَّر ذلك هنا، فيَتَعيَّن حمل المطلق على المقيَّد كما هي قاعدة مذهبهما، ويؤيِّده

٣٧٣
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
كتاب الحج
أنَّ الأحاديث المطلَقة والمقيَّدة مُتَواردة على سبب واحد: وهو أنَّ قُرَيشاً قَصَّروا عن بناء
إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنَّ ابن الزُّبَير أعاده على بناء إبراهيم، وأنَّ الحَجّاج أعاده
على بناء قُرَيش، ولم تأتِ روايةٍ قَطُّ صريحة أنَّ جميع الحِجر من بناء إبراهيم في البيت.
قال المحِبّ الطََّري في ((شرح التنبيه)) له: والأصحّ أنَّ القَدْر الذي في الحِجر من البيت
قَدْر سبعة أذرُع، والرواية التي جاء فيها أنَّ الحِجر من البيت مُطلَقة، فيُحمَل المطلَق على
المقيّد، فإنَّ إطلاق اسم الكلّ على البعض سائغ مجازاً.
وإنَّما قال النَّوَوي ذلك نُصرة لمَا رَجَّحَه من أنَّ جميع الحِجر من البيت، وعُمدَته في
ذلك أنَّ الشافعي نصَّ على إيجاب الطَّواف خارج الحِجر، ونَقَلَ ابن عبد البَرِّ الاتّفاق
عليه، ونَقَلَ غيره أنَّه لا يُعرَف في الأحاديث المرفوعة ولا عن أحد من الصحابة ومَن
بعدهم أنَّه طافَ من داخل الحِجر وكان عملاً مُستَمِّرّاً، ومُقتَضاه أن يكون جميع الحِجر من
البيت، وهذا مُتَعقَّب، فإنَّه لا يَلزَم من إيجاب الطّواف من ورائه أن یکون کلّه من البيت،
فقد نصَّ الشافعي أيضاً كما ذكره البيهقي في ((المعرفة)) (٩٩٢٣): أنَّ الذي في الحِجر من
البيت نحو من ستَّة أذرُع، ونقله عن عِدّة من أهل العلم من قُرَيش لَفِيَهم كما تقدَّم، فعلى
هذا فلعلَّه رأى إيجاب الطَّواف من وراء الحِجر احتياطاً.
وأمَّا العمل: فلا حُجَّة فيه على الإيجاب، فلعلَّ النبيِ نَّهِ ومَن بعده فعَلوه استحباباً
للرّاحة من تَسَوُّر الحِجر لا سيما والرجال والنِّساء يطوفونَ جميعاً، فلا يُؤمَن من المرأة
التَّكَتُّف، فلعلَّهم أرادوا حسم هذه المادّة.
وأمَّا ما نقله المهلَّب عن ابن أبي زيد: أنَّ حائط الحِجر لم يكن مَبنيّاً في زَمَن النبي :
وأبي بكر، حتَّى كان عمر فبَناه ووَسَّعَه قطعاً للشكّ، وأنَّ الطَّواف قبلَ ذلك كان حول
البيت، ففيه نظر. وقد أشارَ المهلَّب إلى أنَّ عُمدَته في ذلك ما سيأتي في ((باب بُنيان الكعبة))
في أوائل السّيرة النَّبوية (٣٨٣٠) بلفظ: لم/ يكن حول البيت حائط، كانوا يُصلّونَ حول ٤٤٨/٣
البيت، حتَّى كان عمر فبنى حوله حائطاً جُدْره قصيرة، فبَناه ابن الزُّبَير. وهذا إنَّما هو في

٣٧٤
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
حائط المسجد، لا في الحِجر، فدخل الوَهم على قائله من هنا. ولم يَزَل الحِجر موجوداً في
عهد النبي ◌َّ كما تُصرِّح به كثير من الأحاديث الصحيحة.
نعم، في الحُكْم بفساد طواف مَن دخل الحِجر، وخَلّى بينه وبين البيت سبعة أذرُع نظرٌ،
وقد قال بصِحَّتِه جماعة من الشافعية كإمام الحرمين، ومن المالكية كأبي الحسن اللَّخمي،
وذكر الأزرَقي أنَّ عَرضَ ما بين الميزاب ومُنتَهى الحِجر سبعة عشرَ ذِراعاً وثُلُث ذِراع، منها
عرض جدار الحِجر ذِراعان وثُلُث، وفي بطن الحِجر خمسة عشرَ ذِراعاً، فعلى هذا فنصف
الحِجر ليس من البيت فلا يَفسُد طواف مَن طافَ دونه، والله أعلم.
وأمَّا قول المهلَّب: إنَّ الفَضاء لا يُسمَّى بيتاً، وإنَّما البيت البُنيان، لأنَّ شخصاً لو حَلَفَ
لا يَدخُل بيتاً فانهَدَمَ البيت فلا يَجِنَث بدخولِهِ مكان ذلك البيت - فليس بواضح، فإنَّ
المشروع من الطَّواف ما شُرِعَ للخليلِ بالاتِّفاق، فعلينا أن نطوف حيثُ طافَ، ولا يَسقُط
ذلك بانهِدام حَرَم البيت؛ لأنَّ العبادات لا يَسقُط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه،
فحُرْمة البُقعة ثابتة ولو فُقِد الجدار، وأمَّا اليمين فمُتعلِّقة بالعُرف، ويؤيِّده ما قلناه أنَّه لو
انْهَدَمَ مسجد، فيُقِلَت حِجارَته إلى موضع آخر بقيت حُرْمة المسجد بالبقعة التي كان بها
ولا حُرْمة لتلك الحِجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدَلَّ على أنَّ البُقعة أصل للچِدار بخلاف
العكس، أشارَ إلى ذلك ابن المنيِّر في ((الحاشية)).
وفي حديث بناء الكعبة من الفوائد غير ما تقدَّم: ما ترجم عليه المصنِّف في العلم
(١٢٦) وهو ((تَرك بعض الاختيار مخافة أن يَقصُر عنه فهم بعض الناس)) والمراد بالاختيار
في عِبَارَته: المستَحَبّ.
وفيه اجتناب ولي الأمر ما يَتَسَرَّع الناس إلى إنكاره، وما يُحشى منه تَوَلَّد الضَّرَر عليهم
في دین أو دُنيا، وتألَّفُ قلوبهم بما لا يُترَك فيه أمر واجب.
وفيه تقديم الأهمّ فالأهمّ من دفع المفسَدة وجلب المصلحة، وأنَّهما إذا تَعارَضا بُدِيَ
بدَفع المفسَدة، وأنَّ المفسَدة إذا أُمِنَ وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة، وحديث الرجل
مع أهله في الأُمور العامّة، وحِرص الصحابة على امتثال أوامر النبي وَثّر.

٣٧٥
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
كتاب الحج
تكميل: حكى ابن عبد البَرِّ وتَبِعَه عياض وغيره عن الرَّشيد أو المهدي أو المنصور: أنَّه
أراد أن يُعيد الكعبة على ما فعَله ابن الزُّبَير، فناشَدَه مالك في ذلك وقال: أخشى أن يصير
مَلعَبة للمُلوك، فتَرَكَه.
قلت: وهذا بعَينِهِ خَشْيةٌ جدّهم الأعلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فأشارَ على
ابن الزُّبَير لمَّا أراد أن يَهدِم الكعبة ويُجدِّد بناءَها، بأن يَرُمّ ما وَهَى منها ولا يَتعرَّض لها
بزيادةٍ ولا نقص، وقال له: لا آمَن أن يَجيء من بعدك أمير فيُغَيِّر الذي صَنَعت. أخرجه
الفاكهي من طريق عطاء عنه، وذكر الأزرقي: أنَّ سليمان بن عبد الملك هَمَّ بنَقْضِ ما فعله
الحَجّاج، ثمَّ تَرَك ذلك لمَّا ظَهَرَ له أنَّه فعَله بأمر أبيه عبد الملِك.
ولم أقف في شيء من التواريخ على أنَّ أحداً من الخلفاء ولا مَن دونَهم غَيَّر من الكعبة
شيئاً ممّا صَنَعَه الحَجَّاج إلى الآن، إلّا في الميزاب والباب وعَتَبته، وكذا وقع الترميم في
جدارها غير مرَّة وفي سَقفها وفي سُلَّم سَطحها، وجُدِّدَ فيها الرُّخام، فذكر الأزرقي عن ابن
جُرَيج: أنَّ أول مَن فرَشها بالرُّخام الوليد بن عبد الملك. ووقع في جدارها الشامي ترميم
في شُهور سنة سبعينَ ومئتين، ثمَّ في شُهور سنة اثنتين وأربعينَ وخمس مئة، ثمَّ في شُهور
سنة تسع عشرة وست مئة، ثمَّ في سنة ثمانينَ وست مئة، ثمَّ في سنة أربع عشرة وثمان مئة،
وقد ترادفَت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتينٍ وعشرينَ أنَّ جهة الميزاب فيها ما
يحتاج إلى ترميم، فاهتَمَّ بذلك سُلطان الإسلام الملك المؤَيَّد، وأرجو من الله تعالى أن يُسَهِّل
له ذلك(١)، ثمَّ حَجَجت سنة أربع وعشرينَ، وتأمَّلت المكان الذي قيل عنه فلم أجده في
تلك البَشَاعة، وقد رُمِّمَ ما تَشَعَّثَ من الحَرَم في أثناء سنة خمس وعشرينَ إلى أن نُقِضَ
سَقْفها في سنة سبع وعشرينَ/ على يَدَي بعض الجُند، فجَدَّدَ لها سَقفاً ورَخَّمَ السطح، فلمَّا ٤٤٩/٣
كان في سنة ثلاث وأربعينَ صار المطر إذا نزل يَنزِل إلى داخل الكعبة أشدَّ مَّا كان أولاً،
(١) زاد هنا في هامش (أ): ((ثم اتفق تأخر ذلك إلى أن أُصلح السقف كلُّه في سنة ست وثلاثين في دولة
الأشراف، ثم أُعيد الإصلاح في السقف وترخيمه في أول سنة ثلاث وأربعين))، وأشير عليها بعلامة
(صح)، ولم ترد هذه العبارة في (ع) و(س).

٣٧٦
باب ٤٢ / ح ١٥٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
فأدّاه رأيه الفاسد إلى نَقْض السقف مرَّة أُخرى، وسَدِّ ما كان في السطح من الطاقات التي
كان يَدخُل منها الضَّوء إلى الكعبة، ولَزِمَ من ذلك امتهانُ الكعبة، بل صار العُمَالِ يَصعَدونَ
فيها بغير أدب، فغارَ بعض المجاوِرينَ، فَكَتَبَ إلى القاهرة يشكو ذلك، فبَلَغَ السُّلطانَ
الظاهر فأنكَرَ أن يكون أمَرَ بذلك، وجَهَّزَ بعض الجند لكَشفِ ذلك فتَعَصَّبَ للأولِ بعض
مَن جاوَرَ، واجتمع الباقون رَغبةً ورَهبةً، فكَتَبُوا مَحَضَراً بأنَّه ما فعل شيئاً إلَّا عن مَلَأ منهم،
وأنَّ كلّ ما فعَله مَصلَحة، فسَكَنَ غَضَبُ السُّلطان، وغَطّى عنه الأمر.
وقد جاء عن عيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي - وهو بالتحتانية قبلَ الألف وبعدها
معجمة - عن النبي وَ ل﴿ قال: ((إنَّ هذه الأُمّة لا تزال بخيرٍ ما عَظَّموا هذه الحُرْمة - يعني:
الكعبة - حَقَّ تعظيمها، فإذا ضَيَّعوا ذلك هَلَكوا)) أخرجه أحمد (١٩٠٤٩) وابن ماجَهْ
(٣١١٠) وعمر بن شَبّة في ((كتاب مكَّة))، وسنده حسن(١)، فنسأل الله تعالى الأمنَ من الفتن
بحِلْمه و گَرَمه.
وممّا يُتْعَجَّب منه أنَّه لم يَتَّفِقِ الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلَّا فيما صَنَعَه الحجاج،
إمّا من الجدار الذي بناه في الجهة الشامية، وإمّا في السُّلَّم الذي جَدَّدَه للسطحِ والعَتَبة، وما
عدا ذلك ممّا وقع فإنَّما هو لزيادةٍ محضة کالرُّخام أو لتحسينٍ کالباب والميزاب، وكذا ما
حكاه الفاكهي عن الحسن بن مُكرَّم عن عبد الله بن بكر السهمي عن أبيه، قال: جاوَرتُ
بمكَّة، فعابَت - أي: بالعين المهملة وبالباء الموحّدة - أُسطوانة من أساطين البيت
فأُخرِجَت، وجيءَ بأُخرى ليُدخِلوها مكانها فطالَت عن الموضع، وأدرَكَهم الليل والكعبة
لا تُفْتَح ليلاً، فَتَرَكوها ليعودوا من غد ليُصلِحوها، فجاؤوا من غد فأصابوها أقوَمَ(٢) من
قدح؛ أي: بکسر القاف وهو السهم، وهذا إسناد قوي رجاله ثقات، وبکر: هو ابن حبيب
من كبار أتباع التابعين، وكأنَّ القصَّة كانت في أوائل دولة بني العبّاس، وكانت الأسطوانة
من خَشَب. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) بل إسناده ضعيف. وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((المسند)).
(٢) تحرف في (س) إلى: أقدم.

٣٧٧
باب ٤٣ / ح ١٥٨٧
كتاب الحج
٤٣ - باب فضل الحرم
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ، كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١].
وقوله جَلَّ ذِكرُه: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَمِنًا يُحْوَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن ◌َُّنَ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].
١٥٨٧ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ،
عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِ بَّهِ يومَ فَتْحِ مَّةُ: ((إنَّ هذا
البلدَ حَرَّمَه الله، لا يُعْضَدُ شَوْكُه، ولا يُتَفَّرُ صَيدُه، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَنَه إلا مَن عَرَّفَها)).
قوله: ((باب فضل الحرَم)) أي: المكِّي الذي سيأتي ذِكر حُدوده في ((باب لا يُعضَدُ شَجَرُ
الحَرَم)) (١٨٣٢).
قوله: ((وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا ﴾ الآية)» وجه
تعلُّقها بالترجمة من جهة إضافة الرُّبوبية إلى البلدة، فإنَّه على سبيل التَّشريف لها، وهي أصل
الحَرَم.
قوله: ((﴿أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا﴾ الآية) روى النَّسائي في/ التفسير (١١٣٢١): أنَّ ٤٥٠/٣
الحارث بن مُرّة بن نَوفَل قال للنبي وَّهِ: إن نَتَّبع الهُدى معك نُتَخَطَّف من أرضِنا، فأنزَلَ
الله عزَّ وجلَّ ردّاً عليه ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا﴾ الآية(١)، أي: أنَّ الله جعلهم في بلد
أمين، وهم منه في أمان في حال كُفرهم، فكيف لا يكون أمناً لهم بعدَ أن أسلموا وتابعوا
الحقّ.
وأورَدَ المصنّف في الباب حديث ابن عبّاس: ((إنَّ هذا البلد حَرَّمَه الله)) أخرجه مختصراً،
وسيأتي بأتمّ من هذا السياق في ((باب لا يَحِلّ القتال بمَّة)) (١٨٣٤) ويأتي الكلام عليه
مُستوفّى قريباً هناك إن شاء الله تعالى.
(١) ليس عند النسائي عبارة: ((فأنزل الله ردًا)).

٣٧٨
باب ٤٤ / ح ١٥٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
٤٤- باب توریث دُورٍ مكّة وبيعِها وشرائها
وأنّ الناس في المسجدِ الحرام سواءٌ خاصَّةً
لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِىِ جَعَلْتَهُ
لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادٍ وَ مَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ يُظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
البادِي: الطَّارئُّ.
﴿مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥]: محبُوساً.
١٥٨٨ - حدَّثْنا أصبَغُ، قال: أخبرني ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عليّ بنِ
حسينٍ، عن عَمرِو بنِ عثمانَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما: أنَّه قال: يا رسولَ الله، أينَ
تَنزِلُ؟ في دارِكَ بمكَّةَ؟ فقال: ((وهل تَرَكَ عَقيلٌ من رِباعٍ أو دُورٍ))؟! وكان عَقيلٌ ورِثَ أبا
طالبٍ هو وطالبٌ، ولم يَرِثْه جعفرٌ ولا عليٍّ رضي الله عنهما شيئاً، لأنَّهما كانا مُسلِمَينٍ، وكان
عَقيلٌ وطالبٌ كافرَينٍ، فكان عمرُ بنُ الخطَّابِ ﴾ يقول: لا يَرِثُ المؤْمِنُ الكافَرَ.
قال ابنُ شِهابٍ: وكانوا يَتَأَوَّلُونَ قولَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٢].
[أطرافه في: ٣٠٥٨، ٤٢٨٢، ٦٧٦٤]
قوله: ((باب تَوْريث دُور مَكَّة وبيعها وشِرائها، وأنَّ الناس في المسجد الحرام سواء خاصَّة،
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ
سَوَآءً﴾ الآية)) أشارَ بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث عَلَقَمة بن نَضْلةَ قال: تُوُقّي رسول الله
وَّه وأبو بكر وعمر، وما تُدعى رِباع مكَّة إلَّ السوائب، مَن احتاجَ سَكَنَ. أخرجه ابن
ماجَه (٣١٠٧) وفي إسناده انقطاع وإرسال، وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء، قال
عبد الرزاق (٩٢١٠) عن ابن جُرَيج: كان عطاء يَنهى عن الكِرَاء في الحَرَم، فأخبرني: أنَّ
عمر نهى أن تُبُوَّب دور مكَّة، لأنَّهَا يَنزِل الحاجّ في عَرَصاتها، فكان أول مَن بَوَّبَ داره
سُهَيل بن عَمْرو واعتَذَرَ عن ذلك لعمر.

٣٧٩
باب ٤٤ / ح ١٥٨٨
كتاب الحج.
وروى الطَّحاوي (٤٩/٤) من طريق إبراهيم بن مُهاجر عن مجاهد، أنَّه قال: مكَّة
مُباح، لا يَحِلّ بيع رِباعها ولا إجارة بيوتها. وروى عبد الرزاق من طريق إبراهيم بن
مُهاجر عن مجاهد عن ابن عمر: لا يَحِلّ بيع بيوت مكَّة ولا إجارتها(١). وبه قال الثَّوري
وأبو حنيفة، وخالَفَه صاحبه أبو يوسف، واختُلِفَ عن محمد، وبالجواز قال الجمهور
واختارَه الطَّحاوي. ويُجاب عن حديث عَلقَمة على تقدير صِخَّته بحَملِه على ما سَيُجمَعُ
به ما اختُلِفَ عن عمر في ذلك.
واحتَجَّ الشافعي بحديث أسامة الذي أورَدَه البخاري في هذا الباب، قال الشافعي:
فأضافَ المِلك إليه وإلى مَن ابتاعَها منه، وبقوله ◌َّ عام الفتح: ((مَن دخل دار أبي سفيان
فهو آمِن))(٢) فأضافَ الدار إليه.
واحتَجَّ ابن خُزَيمةَ بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ﴾
[الحشر: ٨] فَنَسَبَ الله الدّيار إليهم كما نَسَبَ الأموال إليهم، ولو كانت الدّيار ليست بمِلكِ
لهم لَمَا / كانوا مظلومينَ في الإخراج من دور ليست بمِلكِ لهم، قال: ولو كانت الدّور التي ٤٥١/٣
باعها عقیل لا تُلَك لكان جعفر وعليّ أوْلى بها إذ كانا مسلمینِ دونه.
وسيأتي في البيوع أثر عمر: أنَّه اشتَرى داراً للسِّجنِ بمكَّة(٣). ولا يعارضُ ما جاء عن
نافع عن ابن عمر عن عمر أنَّه كان ینھی أن تُغلَق دور مگَّة في زَمَن الحاجّ، أخرجه عبد بن
حُميد، وقال عبد الرزاق (٩٢١١) عن مَعمَر عن منصور عن مجاهد: أنَّ عمر قال: يا أهل
مكَّة لا تَتَّخِذوا لدورِكم أبواباً، لينزِل البادي حيثُ شاء. وقد تقدَّم من وجه آخر عن عمر،
فيُجمَع بينهما بكراهة الكِراء رِفقاً بالوُفود، ولا يَلزَم من ذلك منع البيع والشّراء، وإلى هذا
جَنَحَ الإمام أحمد وآخرون.
(١) أخرجه من هذا الطريق وبهذا اللفظ الطحاوي ٤٨/٤، وما عند عبد الرزاق برقم (٩٢١٤) فهو من
طريق ابن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا يحلّ بالبيع دور مكة ولا كراؤها.
(٢) أخرجه مسلم ضمن حديث طويل (١٧٨٠) (٨٤) (٨٦). وانظر تخريجه في ((المسند)) (٧٩٢٢)
(١٠٩٤٨).
(٣) انظر ما سيأتي في كتاب الخصومات قبل حديث رقم (٢٤٢٣).

٣٨٠
باب ٤٤ / ح ١٥٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
واختُلِفَ عن مالك في ذلك، قال القاضي إسماعيل: ظاهر القرآن يدلّ على أنَّ المراد به
المسجد الذي يكون فيه النُّسُك والصلاة لا سائر دور مكَّة. وقال الأبهري: لم يختلف قول
مالك وأصحابه في أنَّ مكَّة فُتِحَت عَنْوةً، واختلفوا هل مَنَّ بها على أهلها لعِظَمٍ حُرمَتها أو
أُقِرَّت للمسلمينَ؟ ومن ثَمَّ جاء الاختلاف في بيع دورها والكِراء، والراجح عند مَن قال:
إِنَّهَا فُتِحَت عَنوةً، أنَّ النبي ◌َّهِ مَنَّ بها على أهلها، فخالَفَت حُكم غيرها من البلاد في ذلك،
ذكره السُّهَيلي وغيره، وليس الاختلاف في ذلك ناشئاً عن هذه المسألة، فقد اختَلَفَ أهل
التأويل في المراد بقوله هنا: ﴿اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ هل هو الحَرَم كلّه أو مكان الصلاة فقط؟
واختلفوا أيضاً هل المراد بقوله: ﴿سَوَآءَ﴾ في الأمن والاحترام، أو فيما هو أعمّ من ذلك؟
وبواسطة ذلك نَشَأ الاختلاف المذكور أيضاً، قال ابن خُزَيمة: لو كان المراد بقوله تعالى:
﴿َسَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحَرَم وأنَّ اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحَرَم، لمَا
جازَ حفر بئر ولا قبر ولا التَّغَوُّط ولا البَول ولا إلقاء الجيف والنَّتن. قال: ولا نعلم عالماً
مَنَعَ من ذلك ولا كَرِهَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ دخول الحَرَم ولا الجِماع فيه، ولو كان كذلك ◌َجَازَ
الاعتكاف في دور مكَّة وحوانيتها، ولا يقول بذلك أحد، والله أعلم.
قلت: والقول بأنَّ المراد بالمسجد الحرام الحَرَم كلّه، وَرَدَ عن ابن عبّاس وعطاء
ومجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلّها إليهم ضعيفة، وسنذكر
في («باب فتح مكَّة)) من المغازي (٤٢٨٠) الراجح من الخلاف في فتحها صُلحاً أو عَنْوةً، إن
شاء الله تعالى.
قوله: ((البادي: الطّارِئ)) هو تفسير منه بالمعنى، وهو مُقتَضى ما جاء عن ابن عبّاس
وغيره، كما رواه عبد بن حُميدٍ وغيره. وقال الإسماعيلي: البادي: الذي يكون في البدو، وكذا
مَن كان ظاهرَ البلد فهو بادٍ، ومعنى الآية: أنَّ المقيم والطارئ سِيَّان. وروى عبد الرزاق(١)
عن مَعمَر عن قَتَادَةَ: ﴿سَوَآءُ الْعَكِفُ فِيهِ وَآلْبَادِ﴾ قال: سواء فيه أهل مكَّة وغيرهم.
(١) في ((التفسير)) ٣٤/٢.