Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
باب ٢٦ / ح ١٥٤٩ - ١٥٥٠
كتاب الحج
وحكى في ((المعرفة)) عن الشافعي قال: ولا ضَيْقَ على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر
وغيره من تعظيم الله ودعائه، غير أنَّ الاختيار عندي أن يُفرِد ما رُوي عن النبيِ وَّ في
ذلك. انتهى، وهذا أعدَلُ الوجوه، فيُفرِد ما جاء مرفوعاً، وإذا اختارَ قول ما جاء موقوفاً،
أو أنشأه هو من قِبَل نفسه/ ممّاً يليق، قاله على انفراده حتَّى لا يَخْتَلِطَ بالمرفوع. وهو شبيهٌ ٤١١/٣
بحال الدُّعاء في التشهُّد، فإنَّه قال فيه: ((ثمَّ ليتَخَيَّر من المسألة والثَّناء ما شاءَ)) أي: بعدَ أن
يَفرُغ من المرفوع كما تقدَّم ذلك في موضعه (٨٣٥).
تكميل: لم يَتعرَّض المصنّف لحُكْم التَّلبية، وفيها مذاهب أربعة يُمكِن توصيلها إلى
عشرة:
الأول: أنَّهَا سُنَّة من السُّنَن لا يجب بتَركِها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.
ثانيها: واجبة، ويجب بتَركِها دَم، حكاه الماوَرْدي عن ابن أبي هريرة من الشافعية،
وقال: إنَّه وَجَدَ للشافعي نَصّاً يدلّ عليه، وحكاه ابن قُدَامةَ عن بعض المالكية، والخطَّبيُّ
عن مالك وأبي حنيفة، وأغرَبَ النَّوَوي فحكى عن مالك: أنَّهَا سُنَّة ويجب بتَركِها دَم، ولا
يُعرَف ذلك عندهم إلّا أنَّ ابن الجُلّاب قال: التَّلبية في الحج مَسنونة غير مفروضة، وقال
ابن التِّين: يريد أنَّها ليست من أركان الحج، وإلَّا فهي واجبة، ولذلك يجب بتَركِها الدَّم،
ولو لم تكن واجبة لم يجب، وحكى ابن العربي: أنَّه يجب عندهم بتَركِ تكرارها دم، وهذا
قدر زائد على أصل الوجوب.
ثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يَتعلَّق بالحج، كالتوجُّه على الطَّريق، وبهذا صَدَّرَ
ابنُ شاسٍ من المالكية كلامه في ((الجواهر)) له، وحكى صاحب ((الهداية)) من الحنفيَّة مثله،
لكن زاد القول الذي يقوم مقام التَّلبية من الذِّكر، كما في مذهبهم من أنَّه لا يجب لفظ
مُعيَّن، وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرَّأي: إن كَبَّرَ أو هَلَّلَ أو سَبَّحَ يَنْوي بذلك
الإحرام، فهو مُحِرِم.
رابعها: أنَّهَا رُكْن في الإحرام لا يَنعَقِد بدونها، حكاه ابن عبد البَرِّ عن الثَّوري وأبي حنيفة

٣٠٢
باب ٢٦ / ح ١٥٤٩ - ١٥٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وابن حبيب من المالكية والزُّبَيري من الشافعية وأهلِ الظاهر، قالوا: هي نَظِير تكبيرة
الإحرام للصلاة، ويُقوِّيه ما تقدَّم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإحرام، وهو قول
عطاء أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه قال: التَّلبية فرض الحج، وحكاه ابن
المنذر عن ابن عمر وطاووسٍ وعِكْرمة.
وحكى النّوَوي عن داود: أنَّه لا بُدَّ من رفع الصَّوت بها، وهذا قدر زائد على أصل
گَوْنها رُكناً.
قوله: ((عن أبي عطيّة)) هو مالك بن عامر، وسيأتي الخلاف في اسمه في تفسير سورة
البقرة، ورجال هذا الإسناد إلى عائشة كوفُّون إلَّا شيخ البخاري.
وأردَفَ المصنّف حديث ابن عمر بحديث عائشة لما فيه من الدّلالة على أنَّه كان يُدِیم
ذلك، وقد تقدَّم أنَّ في حديث جابر عند مسلم (١٢١٨) التصريح بالمداومة.
قوله: ((تابَعَه أبو معاوية)) يعني: تابَعَ سفيان، وهو الثَّوري، عن الأعمش، وروايته وصَلها
مُسدَّد في ((مسنده) عنه، وكذلك أخرجها الجَوزَقي من طريق عبد الله بن هشام عنه.
قوله: ((وقال شُعْبة ... )) إلى آخره، وَصَلَه أبو داود الطَّيالسي في («مسنده)) (١٦١٦) عن
شُعْبة، ولفظه مثل لفظ سفيان إلَّا أنَّه زاد فيه: ((ثمَّ سمعتُها تُلِّي)) وليس فيه قوله: ((لا
شَريك لك))(١)، وهذا أخرجه أحمد (٢٤٦٩٠) عن غُندَرٍ عن شُعْبة.
و(سليمان)) شيخ شُعْبة فيه: هو الأعمَش، والطَّريقان جميعاً محفوظان، وهو محمولٌ على
أنَّ للأعمَشِ فيه شيخَين، ورَجَّحَ أبو حاتم في («العِلَل)) (٢٨٤/١) رواية الثَّوري ومَن تَبِعَه
على رواية شُعْبة فقال: إنَّهَا وَهْمٌ.
و((خَيْئمة)): هو ابن عبد الرحمن الجُعْفي، وأفادت هذه الطَّريق بيانَ سماع أبي عطيّة له
من عائشة، والله أعلم.
(١) كذا قال الحافظ، لكن المطبوع منه فيه اللفظ المذكور!

٣٠٣
باب ٢٧ / ح ١٥٥١
كتاب الحج
٢٧ - باب التَّحميد والتَّسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الرُّكُوب على الدابّة
١٥٥١ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ ◌َ
قال: صَلَّى رسولُ الله ◌ِِّ، ونحنُّ معه بالمدينةِ الظُّهرَ أربعاً، والعصرَ بذي الحُلَيَفةِ رَكْعتَينٍ، ثمَّ
باتَ بها حتَّى أصبَحَ، ثمَّ رَكِبَ حتَّى استَوَت به على البَيداءِ حَمِدَ اللهَ وسَبَّحَ وكَبََّ، ثمَّ أهلَّ
بحَجِّ وهُمْرةٍ، وأهلَّ الناسُ بهما، فلمَّا قَدِمْنا أمَرَ الناسَ فحَلُّوا حتَّى كان يومُ الثَّرَوِيَةِ أهَلُّوا
بالحجِّ، قال: ونَحَرَ النبيُّ ◌َ ◌ّهَبَدَناتٍ بِيدِه قياماً،/ وذَبَحَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ بِالمدينةِ كَبْشَينِ أملَحَينٍ. ٤١٢/٣
قال أبو عبد الله: قال بعضُهم: هذا عن أيوبَ، عن رجلٍ، عن أنسٍ.
قوله: ((باب التحميد والتسبيح والتكبير قبلَ الإهلال)) سَقَطَ من رواية المُستَمْلي لفظ
((التحميد))، والمراد بالإهلال هنا: التَّلبية.
وقوله: ((عند الركوب)) أي: بعدَ الاستواء على الدابّة، لا حال وضع الرِّجل مثلاً في
الرِّكاب، وهذا الحُكْم - وهو استحباب التسبيح وما ذُكِرَ معه قبلَ الإهلال - قَلَّ من
تعرَّضَ لذكره مع ثُبوته.
وقيل: أراد المصنِّف الردّ على مَن زَعَمَ أنَّه يُكتَفى بالتسبيح وغيره عن التَّلبية، ووجه
ذلك أنَّه ◌ِ﴿ أتى بالتسبيحِ وغيره ثمَّ لم يَكتَفِ به حتَّى لَبَّى.
ثُمَّ أورَدَ المصنِّف حديث أنس وهو مُشتَمِل على أحكام، فتقدَّم منها ما يَتعلَّق بقَصْر
الصلاة (١٠٨٩) وبالإحرام، وسيأتي ما يتعلَّق بالقِرَان قريباً (١٥٦١).
قوله: ((ثُمَّ باتَ بها حتَّى أصبَحَ ثمَّ رَكِبَ)) ظاهره أنَّ إهلاله كان بعدَ صلاة الصبح، لكن
عند مسلم (١٢٤٣) من طريق أبي حَسَّان عن ابن عبّاس: أنَّ النبيِ ◌ّهِ صلَّى الظُّهر بذي
الْحُلَيفة، ثمَّ دَعَا بناقته فأشعَرَها، ثمَّ رَكِبَ راحلته، فلمَّا استَوَت به على البَيداءِ أهلَّ
بالحج، وللنَّسائي (٢٦٦٢) من طريق الحسن عن أنس: أنَّه وَّهِ صلَّى الظُّهر بالبَيداء ثمَّ
رَكِبَ، ويُجمَع بينهما بأنَّه صلَّاها في آخر ذي الحُلَيفة وأول البَيداء، والله أعلم.

٣٠٤
باب ٢٨ -٢٩ / ح ١٥٥٢ - ١٥٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثُمَّ أهلَّ بحَجِّ وعُمْرة)) يأتي الكلام عليه في ((باب التمتّع والقِرَان)) قريباً إن شاء
الله تعالى (١٥٦١).
قوله: ((حتَّى كان يومُ الثَّْوية)) بضم يومٍ، لأنَّ ((كان)) تامّة.
قوله: ((ونَحَرَ النبي ◌َّهِ بَدَناتٍ بيدِه قياماً، وذَبَحَ بالمدينةِ كَبْشَيْنِ أملَحَينٍ. قال أبو
عبد الله)) هو المصنِّف: ((قال بعضُهم: هذا عن أيوب عن رجل عن أنس)) هكذا وقع عند
الكُشْمِيهني، والبعض المبهم هنا ليس هو إسماعيل ابن عُليَّة، كما زَعَمَ بعضهم، فقد
أخرجه المصنّف (١٧١٥) عن مُسدَّد عنه في ((باب نَحْر البُدن قائمة)) بدون هذه الزيادة،
ويحتمل أن يكون حمَّد بن سَلَمة، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريقه عن أيوب لكن
صَرَّحَ بذِكرِ أبي قلابة، ووُهَيب أيضاً ثقة حُجَّة، فقد جعله من رواية أيوب عن أبي
قِلابةَ عن أنس، فعُرِفَ أنَّه المبهم، وقد تابَعَه عبد الوهّاب الثَّقَفي على حديث ذبح
الكَبشَين الأملَحَينِ عن أيوب عن أبي قِلابةَ، كما سيأتي في الأضاحي (٥٥٥٤) إن
شاء الله تعالى.
٢٨ - باب من أَهلَّ حين استوت به راحلتُه قائمةً
١٥٥٢ - حدَّثنا أبو عاصمٍ، أخبرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: أخبرني صالحُ بنُ كَيْسانَ، عن نافع،
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: أهلَّ النبيُّ ◌َ ◌َّ حِينَ استَوَتْ به راحلتُه قائمةً.
قوله: ((باب مَن أهلَّ حینَ استوت به راحلته قائمة)» أورد فیه حديث ابن عمر مختصراً،
وقد تقدَّم الكلام علیه قريباً (١٥١٤).
ورواية صالح بن كيسان عن نافع من الأقران، وقد سمع ابن جُرَيج من نافع كثيراً،
وروى هذا عنه بواسطة، وهو دالٌّ على قِلّة تدليسه، والله أعلم.
٢٩ - باب الإهلالِ مستقبل القبلة
١٥٥٣ - وقال أبو مَعمَرٍ: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن نافع قال: كان ابنُ عمَرَ
رضي الله عنهما إذا صَلَّى بالغداةِ بذي الحُلَيفةِ أمَرَ براحلتِهِ فُرُحِلَت، ثمَّ رَكِبَ، فإذا استَوَت به

٣٠٥
باب ٢٩ / ح ١٥٥٣ - ١٥٥٤
كتاب الحج
اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قائماً، ثمَّ يُلِي حتَّى يَبْلُغَ الحَرَمَ، ثمَّ يُمْسِكُ، حتَّی إذا جاء ذا طُوی باتَ به حتَّى
يُصْبِحَ، فإذا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَل، وزَعَمَ أنَّ/ رسولَ الله وَ لي فعل ذلك.
٤١٣/٣
تَابَعَه إسماعيلُ عن أيوبَ في الغُسْلِ.
[أطرافه في: ١٥٥٤، ١٥٧٣، ١٥٧٤]
١٥٥٤ - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود أبو الرَّبِيعِ، حدَّثنا فُلَيِحٌ، عن نافعٍ قال: كان ابنُ عمرَ رضي
الله عنهما إذا أرادَ الخروجَ إلى مَّ اذَّهَنَ بدُهْنٍ ليس له رائحةٌ طيِّةٌ، ثمَّ يأتي مسجدَ الخُلَيفةِ
فيُصلِي ثَّ يَرْكَبُ، وإذا استَوَت به راحلتُه قائمةً أحرَمَ، ثمَّ قال: هكذا رأيتُ النبيَّ ◌َلّم يفعل.
قوله: ((باب الإهلال مُستَقبِلَ القِبْلة)) زاد المُستَمْلي: الغَداة بذي الحُلَيفة، وسيأتي شرحُه.
قوله: ((وقال أبو مَعمَر)) هو عبد الله بن عَمْرو، لا إسماعيل القَطِيعي، وقد وَصَلَه أبو نُعَیم
في ((المستخرَج)) من طريق عبَّاس الدُّوري عن أبي مَعمَر، وقال: ذكره البخاري بلا رواية.
قوله: ((إذا صلَّى بالغداة)) أي: صلَّى الصبح بوقت الغَدَاة، وللكُشميهني: ((إذا صلَّى الغَداة»
أي: الصبح.
قوله: ((فُرُحِلَت)) بتخفيف الحاء.
قوله: (استَقبَلَ القِبْلة قائمً)) أي: مُستَوياً على ناقته، أو وَصَفَه بالقيام لقيام ناقته، وقد
وقع في الرواية الثانية بلفظ: فإذا استَوَت به راحلته قائمة.
وفَهِمَ الداووديُّ من قوله: ((استَقبَلَ القِبلة قائمً)) أي: في الصلاة، فقال: في السياق
تقديم وتأخير، فكأنَّه قال: أمَرَ براحلتِهِ فُرُحِلَت، ثمَّ استَقَبَلَ القِبلة قائماً، أي: فصلَّى صلاة
الإحرام ثمَّ رَكِبَ. حكاه ابن التِّين، قال: وإن كان ما في الأصل محفوظاً، فلعلَّه لقُربٍ
إهلاله من الصلاة. انتهى، ولا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير، بل صلاة الإحرام لم
تُذكَر هنا، والاستقبال إنَّما وقع بعدَ الركوب، وقد رواه ابن ماجَهْ (٢٩١٦) وأبو عَوَانة في
((صحيحه)) (٣٦٩٣) من طريق عُبَيد الله بن عمر عن نافع بلفظ: كان إذا أدخَلَ رِجلَه في
الغَرْز واستَوَت به ناقته قائماً أهلَّ.

٣٠٦
باب ٢٩ / ح ١٥٥٣ - ١٥٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثمَّ يُمْسِكُ)) الظاهر أنَّه أراد: يُمسِك عن التَّلبية، وكأنَّه أراد بالحَرَمِ: المسجدَ،
والمراد بالإمساك عن التَّلبية: التَّشاغلُ بغيرها من الطَّواف وغيره، لا تَركُها أصلاً، وسيأتي
نقل الخلاف في ذلك، وأنَّ ابن عمر كان لا يُلبّي في طوافه كما رواه ابن خُزَيمةَ في ((صحيحه))
(٢٦٩٧) من طريق عطاء قال: كان ابن عمر يَدَعُ التَّلبية إذا دخل الحَرَم، ويُراجِعُها بعدَما
يقضي طوافه بين الصَّفا والمروة، وأخرج (٢٦٩٨) نحوه من طريق القاسم بن محمد عن
ابن عمر.
قال الكِرْماني: ويحتمل أن يكون مراده بالحَرَمِ مِنَّى، يعني: فيوافق الجمهور في
استمرار التَّلبية حتَّى يَرمي جَمْرة العَقَبة، لكن يُشكِل عليه قوله في رواية إسماعيل ابن
عُلَيَّة (١٥٧٣): ((إذا دخل أدنى الحَرَم))، والأَولى أنَّ المراد بالحَرَمِ ظاهره، لقوله بعدَ
ذلك: ((حتَّى إذا جاء ذا طُوَّى))، فجعل غاية الإمساك الوصول إلى ذي طُوَى، والظاهر
أيضاً أنَّ المراد بالإمساك تَركُ تكرار التَّلبية ومواظَبَتها ورفع الصَّوت بها الذي يُفْعَل في
أول الإحرام، لا ترك التَّلبية رأساً، والله أعلم.
قوله: ((ذا طُوَى)) بضم الطاء وبفتحِها وقيَّدها الأَصِيلي بكسرها: وادٍ معروف بقُربٍ
مكَّة، ويُعرَف اليوم ببئر الزّاهر، وهو مقصور مُنَوَّن وقد لا يُنَوَّن.
ونَقَلَ الكِرْماني أنَّ في بعض الروايات: ((حَتَّى إذا حاذى طُوى)) بحاءٍ مُهمَلة بغير همز
وفتح الذّال، قال: والأول هو الصحيح، لأنَّ اسم الموضع ذو طُوى، لا طُوى فقط.
قوله: ((وزَعَمَ)) هو من إطلاق الزَّعم على القول الصحيح، وسيأتي من رواية ابن عُليَّة
عن أيوب (١٥٧٣) بلفظ: ويُحدِّث.
قوله: ((تابَعَه إسماعيل)) هو ابن عُلِيَّة.
قوله: ((عن أيوب في الغُسْل)) أي: وغيره، لكن من غير مقصود الترجمة، لأنَّ هذه
المتابعة وصَلها المصنِّف كما سيأتي بعدَ أبواب (١٥٧٣) عن يعقوب بن إبراهيم حدَّثنا ابن
عُلَيَّة به، ولم يَقتَصِر فيه على الغُسل بل ذكره كلّه إلَّ القصَّة الأولى، وأوله: ((كان إذا دخل

٣٠٧
باب ٣٠ / ح ١٥٥٥
كتاب الحج
أدنى الحَرَم أمسَك عن التَّلبية)»/ والباقي مثله، ولهذه التُّكتة أورَدَ المصنّف طريق فُلَيح عن ٤١٤/٣
نافع المقتَصِرة على القصّة الأولى بزيادة ذِكر الدُّهن الذي ليست له رائحة طيِّبة، ولم يقع في
رواية فُلَيح التصريح باستقبال القِبْلة لكنَّه من لازم الموَجَّه إلى مكَّة في ذلك الموضع أن
يستقبل القِبْلة، وقد صَرَّحَ بالاستقبال في الرواية الأولى وهما حديث واحد، إنَّما احتاجَ إلى
رواية فُلَيح للنُّكتة التي بيَّنتها، والله أعلم.
وبهذا التقرير يَندَفِعِ اعتراضُ الإسماعيلي عليه في إيراده حديث فُلَيح، وأنَّه ليس فيه
للاستقبال ذِكر، قال المهلَّب: استقبال القِبْلة بالتَّلبية هو المناسب، لأنَّها إجابة لدعوة إبراهيم،
ولأنَّ المجيب لا يَصلُح له أن يولِّيّ المجاب ظهرَه بل يستقبله، قال: وإنَّما كان ابن عمر يَدَّهِن
ليمنَع بذلك القَمل عن شعره، ويَجِتَنب ما له رائحة طيِّبة صيانة للإحرام.
٣٠ - باب التلبية إذا انحدر في الوادي
١٥٥٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني ابنُ أبي عَدِيٌّ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن مجاهدٍ قال:
كنّا عندَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، فذَكَرُوا الدَّجّالَ أنَّه قال: ((مكتوبٌ بین عَینیهِ: كافرٌ))، فقال
ابنُ عبَّاسٍ: لم أسمَعْه، ولكنَّه قال: ((أمَّا موسى، كأنّي أَنظُرُّ إليه إذا انحَدَرَ في الوادي يُلِّي)).
[طرفاه في: ٣٣٥٥، ٥٩١٣]
قوله: ((باب التَّلْبية إذا انحَدَرَ في الوادي)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس: ((أمَّا موسى كأنّي
أنظُر إليه إذا انحَدَرَ إلى الوادي يُلبّ)) وفيه قصَّة، وسيأتي بها الإسناد بأتمّ من هذا السياق
في کتاب اللباس (٥٩١٣).
وقوله: ((أمَّا موسى كأنّي أَنظُر إليه)) قال المهلَّب: هذا وهمٌّ من بعض رواته، لأنَّه لم يأتِ
أثر ولا خبر أنَّ موسى حَيٍّ وأنَّه سَيَحُجّ، إنَّما أتى ذلك عن عيسى فاشتَبَهَ على الراوي،
ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر: ((لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريمَ بفَجّ الرَّوْحاء))(١). انتهى، وهو تغليط
(١) أخرجه مسلم (١٢٥٢) من حديث أبي هريرة، وانظر تمام تخريجه في ((مسند)) أحمد برقم (٧٢٧٣).

٣٠٨
باب ٣٠ / ح ١٥٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
للثِّقات بمجرَّد التوَهُّم، فسيأتي في اللباس (٥٩١٣) بالإسناد المذكور بزيادة ذكر إبراهيم
فيه، أفيقال: إنَّ الراوي غَلِطَ فزاده؟
وقد أخرج مسلم الحديث (١٦٦ / ٢٦٨ و ٢٦٩) من طريق أبي العالية عن ابن عبّاس
بلفظ: ((كأنّي أَنظُر إلى موسى هابطاً من الثَّية واضعاً إصبَعَيه في أُذُنيه مارّاً بهذا الوادي،
وله جُؤار إلى الله بالتَّلبية)»، قاله لمَّا مَّ بوادي الأزْرَق. واستُفيدَ منه تسمية الوادي، وهو
خلفَ أَمَج بينه وبين مكَّة ميل واحد، وأمَج - بفتح الهمزة والميم وبالجيم -: قرية ذات
مزارع هناك، وفي هذا الحديث أيضاً ذِكر يونس، أفَيقال: إنَّ الراوي الآخر غَلِطَ فزاد
يونس؟!
وقد اختَلَفَ أهل التحقيق في معنى قوله: ((كأنّ أنظُرُ)) على أوجُه:
الأول: هو على الحقيقة، والأنبياء أحياء عند رَبّهم يُرزَقونَ، فلا مانع أن يُحُجّوا في هذا
الحال كما ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٢٣٧٥) من حديث أنس: أنَّه ◌َ لّ رأى موسى قائماً في
قبره يُصلِّ.
قال القُرطُبي: حُبِّبَت إليهم العبادة، فهم يَتعبَّدونَ بما يَجِدونه من دَوَاعي أنفُسهم لا بما
يُلزَمونَ به، كما يُلهَم أهل الجنَّة الذِّكر. ويؤيِّده أنَّ عمل الآخرة ذِكْر ودعاء لقوله تعالى:
﴿ دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ الآية [يونس: ١٠].
لكنَّ تمام هذا التوجيه أن يقال: إنَّ المنظور إليه هي أرواحهم، فلعلَّها مُثِّلت له وَل ◌ِ فِي
الدنيا كما مُثِّلت له ليلة الإسراء، وأمَّا أجسادهم فهي في القبور، قال ابن المنيِّر وغيره: يجعل الله
لروحهمِثالاً فیری في اليقظة کما یُری في النوم.
ثانيها: كأنَّه مُثِّلت له أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا كيف تَعبَّدوا، وكيف حَجُّوا،
وكيف لَبَّوْا، ولهذا قال: ((كأنّي)).
ثالثها: كأنَّه أُخبِرَ بالوحي عن ذلك، فلشِدّة قطعه به قال: ((كأنّي أَنظُر إليه)).

٣٠٩
باب ٣١ / ح ١٥٥٦
كتاب الحج
رابعها: كأنَّهَا رُؤية منام تقدَّمت له، فأخبر عنها لمَّا حجَّ عندما تَذَكَّرَ/ ذلك، ورُؤيا ٤١٥/٣
الأنبياء وحيٌّ، وهذا هو المعتمَد عندي، لما سيأتي في أحاديث الأنبياء من التصريح بنحوٍ
ذلك في أحاديث أُخَر، وكَون ذلك كان في المنام والذي قبله أيضاً ليس ببعيد، والله أعلم.
قال ابن المنير في ((الحاشية)): توهیم المھلَّب للزّاوي وهمٌّ منه، وإلّا فأيُّ فرق بین موسی
وعيسى لأنَّه لم يَتْبُت أنَّ عيسى منذُ رُفِعَ نزل إلى الأرض، إنَّمَا ثَبَتَ أنَّه سينزل.
قلت: أراد المهلَّب بأنَّ عيسى لمَّا ثَبَتَ أنَّه سَيَنزِلُ كان كالمحقَّق فقال: ((كأنّي أَنظُر إليه))،
ولهذا استَدَلَّ المهلَّب بحديث أبي هريرة الذي فيه: ((لَيُهِلَّن ابنُ مريم بالحج)) والله أعلم.
قوله: ((إذا انحَدَرَ)) كذا في الأُصول، وحكى عياض أنَّ بعض العلماء أنكَرَ إثبات
الألف وغَلَّطَ رواته قال: وهو غلط منه، إذ لا فرق بين إذا وإذ هنا، لأنَّه وَصَفَه حالة انحداره
فيما مضى.
وفي الحديث أنَّ التَّلبية في بُطون الأودية من سُنَن المرسَلين، وأنَّها تَتَأكَّد عند الهبوط كما
تتأكَّد عند الصُّعود.
تنبيه: لم يُصرِّح أحد مَمَّن روى هذا الحديث عن ابن عَوْن بذِكر النبي ◌َّ، قاله
الإسماعيلي، ولا شكَّ أنَّه مراد، لأنَّ ذلك لا يقوله ابن عبّاس من قِبَل نفسه، ولا عن غير
النبي وَلّ، والله أعلم.
٣١- باب كيف تُهِلّ الحائض والنُّفَساء
أهَلَّ: تكلّم به، واستَهْلَلْنا وأهلَلْنا الهلالَ: كلُّه من الظُّهُورِ، واستَهَلَّ المطرُ: خَرَجَ من
السَّحاب، ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،﴾ [النحل:١١٥]، وهو مِن استِهْلال الصبيِّ.
١٥٥٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، حدَّنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير،
عن عائشةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ وَّرَ قالت: خَرَجْنا مع النبيِّ نَّهِ فِي حَجَّةِ الوداع فأهلَلْنا
بِعُمْرةٍ، ثمَّ قال النبيُّ ◌َّةِ: ((مَن كان معه هَدْيٌّ فَلْيُهِلَّ بالحجِّ مع العُمْرةِ، ثمَّ لا ◌َحِلُّ حتَّى تَجِلَّ

٣١٠
باب ٣١ / ح ١٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
منهما جميعاً) فقَدِمْتُ مكَّةَ وأنا حائضٌ ولم أطُف بالبيتٍ ولا بين الصَّفا والمَرْوةِ، فَشَكَوْتُ ذلك
إلى النبيِّ وََّ فقال: ((انقُضي رأسَكِ، وامتَشِطي، وأهِلّي بالحجّ، ودَعي العُمْرَةَ)) ففَعَلْتُ، فلمَّا
قَضَينا الحجَّ أرسَلَني النبيُّ بَّر مع عبدِ الرحمن بنِ أبي بكرٍ إلى التَّنْعِيمِ، فاعتَمَرْتُ فقال: ((هذه
مكانَ عُمْرَتِك)) قالت: فطافَ الذينَ كانوا أهَلُّوا بالعُمْرةِ بالبيتِ وبين الصَّفا والمَرْوةِ، ثمَّ
حَلُّوا، ثمَّ طافُوا طوافاً واحداً بعدَ أن رَجَعُوا من مِنِّى، وأمَّا الذينَ جمعُوا الحجّ والعُمْرةَ، فإنَّما
طافُوا طوافاً واحداً.
قوله: ((باب كيف تُِّلّ الحائض والنُّفَساء)) أي: كيف تُحِرِم.
قوله: ((أهلَّ: تكلّم به ... )) إلى آخره، هكذا في رواية المُستَمْلي والكُشْمِيهني. وليس هذا
مخالفاً لمَا قَدَّمناه من أنَّ أصل الإهلال رفع الصَّوت، لأنَّ رفع الصَّوت يقع بذِكر الشيء
عند ظُهوره.
قوله: (﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وهو من استِهْلال الصَّبي)) أي: إنَّه من رفع الصَّوت
بذلك، فاستَهَلَّ الصبيُّ، أي: رَفَعَ صوته بالصّياح إذا خرج من بطن أُمّه، وأُهِلَّ به لغير الله،
أي: رُفِعَ الصَّوت به عند الذَّبح للأصنام، ومنه: استهلال المطر والدَّمع: وهو صوت وقعِه
بالأرض، ومِنْ لازمِ ذلك الظُّهور غالباً.
قوله: ((فأهلَلْنا بِعُمْرةٍ)) قال عياض: اختَلَفَت الروايات في إحرام عائشة اختلافاً كثيراً.
قلت: وسيأتي بسط القول فيه بعدَ بابينِ في ((باب التمتُّع والقِرَان)) (١٥٦١).
قوله: ((فقال: انقُضي رأسك)» هو بالقاف وبالمعجمة.
قوله: ((وامْتَشِطي وأهِلّي بالحجّ)) وهو شاهد الترجمة، وقد سَبَقَ في كتاب الحيض (٣٠٥)
بلفظ: ((وافعلي ما يفعل الحاجّ، غير أن لا تطوفي بالبيت))، وسيأتي بقيَّة الكلام عليه بعد هذا.
قوله: ((ثمَّ طاقُوا طوافاً آخر)) كذا للكُشْمِيهني والجُرْجاني، ولغيرهما: ((طوافاً واحداً)،
والأول هو الصواب، قاله عیاض.
٤١٦/٣
قال الخطَّابي: استَشكَلَ بعض أهل العلم أمرَه لها بنَقْضِ رأسها ثمَّ بالامتشاط، وكان

٣١١
باب ٣٢ / ح ١٥٥٧
كتاب الحج
الشافعي يَتَأوَّله على أنَّه أمَرَها أن تَدَع العمرة وتُدخِل عليها الحجَّ فتَصير قارنةً، قال: وهذا
لا يُشاكل القصَّة. وقيل: إنَّ مذهبها أنَّ المعتمِر إذا دخل مكَّة استباحَ ما يستبيحه الحاجّ إذا
رمى الجَمْرة، قال: وهذا لا يُعلم وجهه. وقيل: كانت مُضطَرَّة إلى ذلك.
قال: ويحتمل أن يكون نَقْضُ رأسها كان لأجل الغُسل لتُهِلّ بالحج، لا سيّما إن كانت
مُلِّدة، فتحتاج إلى نَقض الضَّفر، وأمَّا الامتشاط فلعلَّ المراد به تَسريحُها شعرها بأصابعِها
برفقٍ حتَّى لا يَسقُط منه شيء، ثمّ تُضْفِرُه كما كان.
٣٢- باب من أهلَّ في زمن النبيِّ وَّ كَإهلال النبيِّ وَل
قاله ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ يََّ.
١٥٥٧ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ جُرَيج، قال عطاءٌ: قال جابرٌ ﴾: أمَرَ النبيُّ
وَّ عليّاً له أن يُقِيمَ على إحرامِه؛ وذَكَرَ قولَ سُرَاقةً.
[أطرافه في: ١٥٦٨، ١٥٧٠، ١٦٥١، ١٧٨٥، ٢٥٠٦، ٤٣٥٢، ٧٢٣٠، ٧٣٦٧]
قوله: ((باب مَن أهلَّ في زَمَن النبيِّ ◌َِّ كَإهلال النبيِّ وَّ) أي: فأقرّه النبي ◌َّ على ذلك
فجازَ الإحرام على الإبهام، لكن لا يَلزَمُ منه جواز تعليقه إلَّا على فعل مَن يَتَحقَّق أنَّه يَعرِفه
كما وقع في حديثَي الباب، وأمَّا مُطلَق الإحرام على الإبهام فهو جائز، ثمَّ يَصِرِفه المحرِم لمَا
شاءَ، لَكَونِه وَ له لم يَنهَ عن ذلك، وهذا قول الجمهور، وعن المالكية:/ لا يَصِحّ الإحرام على ٤١٧/٣
الإبهام. وهو قول الكوفيين.
قال ابن المنيِر: وكأنَّه مذهب البخاري، لأنَّه أشارَ بالترجمة إلى أنَّ ذلك خاصّ بذلك
الزَّمَن، لأنَّ عليًّا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يَرجِعان إليه في كيفية الإحرام، فأحالاه
على النبي وَّة، وأمَّا الآن فقد استَقرَّت الأحكام وعُرِفَت مَراتب الإحرام فلا يَصِحّ ذلك،
والله أعلم. وكأنَّه أخذَ الإشارة من تقييده بزَمَن النبي ◌َّ.
قوله: ((قاله ابن عُمَر رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ)) يشير إلى ما أخرجه موصولاً في ((باب
بَعث عليّ إلى اليمن)) من كتاب المغازي (٤٣٥٣ و٤٣٥٤) من طريق بكر بن عبد الله المُزَني،

٣١٢
باب ٣٢ / ح ١٥٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
عن ابن عمر، فذكر فيه حديثاً: فقَدِمَ علينا عليّ بن أبي طالب من اليمن حاجّاً، فقال له النبي
وَّ: (بمَ أهلَلْتَ، فإنَّ معنا أهْلَكَ)) قال: أهلَلتُ بما أهلَّ به النبيِ وَّةٍ ... الحديث، إنَّما قال
له: ((فإِنَّ معنا أَهْلَك)) لأنَّ فاطمة كانت قد تَتَّعَت بالعمرة وأحَلَّت كما بيَّنه مسلم (١٢١٨)
من حديث جابر.
١٥٥٨ - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٌّ الخَلَالُ الهُذَلِيُّ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَدِ، حَدَّثنا سَلِيمُ بنُ حَيّانَ،
قال: سمعتُ مروانَ الأصفَرَ، عن أنسِ بنِ مالكِ﴾ قال: قَدِمَ عليٌّ ﴾ على النبيِّ ◌َّ من اليمنِ
فقال: ((بما أهلَلْتَ؟)) قال: بما أهلَّ به النبيُّ ◌َّهِ، فقال: ((لولا أنَّ مَعيَ الهَدْيَ لأحلَلْتُ)).
وزاد محمَّدُ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جُرَبحٍ: قال له النبيُّ ◌َّهِ: ((بما أهلَلْتَ يا عليُّ؟)) قال: بما أهلَّ به
النبيُّ ◌ََّ، قال: «فَأَهْدِ وامكُثْ حراماً كما أنتَ)).
قوله: ((حدَّثنا عبد الصَّمَد)) هو ابن عبد الوارث بن سعيد، ومروان الأصفَر، يقال: اسم
أبيه خاقان، وهو أبو خَلَفِ البصري، وروى أيضاً عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما من
الصحابة، وليس له في البخاري عن أنس سوى هذا الحديث، وهو من أفراد ((الصحيح))،
قال التِّرمِذي: حسن غريب، وقال الدارَقُطني في ((الأفراد)): لا أعلم رواه عن سَليم بن
حَيّان غير عبد الصَّمَد بن عبد الوارث.
قوله: ((قَدِمَ عليٌّ من اليمن)) سيأتي في المغازي ذِكر سبب بَعْث عليٍّ إلى اليمن، وأنَّ ذلك قبلَ
حَجَّة الوداع، وبيان ذلك من حديث البراء بن عازب (٤٣٤٩) ومن حديث بُرَيدةَ (٤٣٥٠).
قوله: ((وزادَ محمَّد بن بكر عن ابن جُرَيج)) يعني: عن عطاء عن جابر، ثَبَتَ هذا التعليق
في رواية أبي ذرٍّ، وقد وَصَلَه الإسماعيلي من طريق محمد بن بشَّار، وأبو عَوَانة في ((صحیحه))
عن عَّار بن رجاء كلاهما عن محمد بن بكر به، وسيأتي مُعلَّقاً أيضاً في المغازي (٤٣٥٢) من
هذا الوجه مَقروناً بطريق مَكّي بن إبراهيم أيضاً هناك أتمّ، والمذكور في كلّ من الموضعين
قِطعة من الحديث، وأورَدَ بَقِيَّتَه بهذين السنَدَينِ مُعلَّقاً وموصولاً في كتاب الاعتصام
(٧٣٦٧)، والمراد بقوله في طريق مَكّي: ((وذكر قول سُراقة)) أي: سؤاله: ((أعُمْرتُنا لعامنا

٣١٣
باب ٣٢ / ح ١٥٥٩
كتاب الحج
هذا أو للأبدِ؟ قال: بل للأبد))، وسيأتي موصولاً في أبواب العمرة (١٧٨٥) من وجه آخر
عن عطاء عن جابر.
قوله: ((وامْكُث حراماً كما أنتَ)) في حديث ابن عمر المشار إليه (٤٣٥٣ و٤٣٥٤) قال:
((فأمسِكْ، فإنَّ معنا هَدیاً»
١٥٥٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مُسلِمٍ، عن طارقِ بنِ شِهابٍ،
عن أبي موسى ﴾ قال: بَعَثَني النبيُّ ◌َّهِ إلى قَوْمي باليمنٍ، فجئتُ وهو بالبَطْحاء فقال: ((بمَ
أهلَلْتَ؟)) قلتُ: أهلَلْتُ كَإِهلال النبيِّ وََّ، قال: ((هل مَعَكَ من هَذْىٍ؟)) قلتُ: لا، فَأْمُرَني
فطُفْتُ بالبيتِ وبالصَّفا والمَرْوةِ، ثمَّ أمَرَني فأحلَلْتُ فَأَتَيتُ امرأةً من قَوْمي فمَشَطَنْني أو غَسَلَت
رأسي، فَقَدِمَ عمرُ ﴾ فقال: إن نأْخُذْ بكتابِ الله، فإنَّه يأمرُنا بالتَّام، قال الله: ﴿وَأَتِمُواْ الْحَجِّ
وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإن نأخُذْ بَسُنَّةِ النبيِّ وَّةِ، فإنَّه لم يَحِلَّ حتَّى نَحَرَ الهَدْيَ.
[أطرافه في: ١٥٦٥، ١٧٢٤، ١٧٩٥، ٤٣٤٦، ٤٣٩٧]
قوله: ((عن طارِق بن شِهاب)) في رواية أيوب بن عائذ الآتية في المغازي (٤٣٤٦) عن
قیس بن مسلم: سمعت طارق بن شهاب.
قوله: ((عن أبي موسى)) هو الأشعَري، وفي رواية أيوب المذكورة: حدَّثني أبو موسى.
قوله: (بَعَثَنِي النبي ◌َّ إلى قَوْمي باليمن)) سيأتي تحرير وقت ذلك وسببه في کتاب
المغازي (٤٣٤١-٤٣٤٢).
قوله: ((وهو بالبَطْحاء)) زاد في رواية شُعْبة عن قيس الآتية في ((باب متى يَحِلّ المعتمِر))
(١٧٩٥): ((مُنِيخٌ)) أي: نازلٌ بها، وذلك في ابتداء قدومه.
قوله: ((بمَ أهلَلْتَ؟)) في رواية شُعْبة: فقال: ((أحَجَجت؟)) قلت: نعم، قال: ((بمَ أهلَلتَ؟)).
قوله: ((قلت: أهلَلْتُ)) في رواية شُعْبة: قلت: لَبَّيك بإهلالٍ كإهلال النبي ◌َّز، قال:
«أحسنت)).

٣١٤
باب ٣٢ / ح ١٥٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأمَرَني فطُفْت)) في رواية شُعْبةٍ: ((طُفْ بالبيت وبالصَّفا والمروة)).
قوله: ((فأتيت امرأةً من قَوْمي)) في رواية شُعْبة: ((امرأة من قيس)) والمتبادرُ إلى الذِّهن من
هذا الإطلاق أنَّها من قيس عَيْلان، وليس بينهم وبين الأشعريِّينَ نسبة، لكن في رواية
أيوب بن عائذ (٤٣٤٦): ((امرأة من نساء بني قيس))، وظَهَرَ لي من ذلك أنَّ المراد بقَيسٍ،
قَيَسُ بن سُلَيم والد أبي موسى الأشعري، وأنَّ المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى
من الإخوة أبو رُهم وأبو بُزْدة، قيل: ومحمد.
قوله: ((أو غَسَلَتْ رأسي)) كذا فيه بالشكِّ، وأخرجه مسلم (١٢٢١ / ١٥٥) من طريق
عبد الرحمن بن مَهْدي عن سفيان بلفظ: ((وَغَسَلَتْ رأسي)) بواو العطف.
قوله: ((فقَدِمَ عُمَر)) ظاهر سیاقه أنَّ قدوم عمر كان في تلك الحَجّة، وليس كذلك، بل
البخاري اختصره، وقد أخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي أيضاً بعد قوله:/
٤١٨/٣ ((وغَسَلَت رأسي)): فكنت أُفتي الناس بذاك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإنّ لَقائم
بالموسِمِ إذ جاءني رجل، فقال: إنَّك لا تدري ما أحدثَ أمير المؤمنين في شَأن النُّسُك. فذكر
القصّة وفيه: فلمَّا قَدِمَ قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثتَ في شَأْن النُّسُك؟ فذكر
جوابه. وقد اختصره المصنّف أيضاً (١٧٢٤) من طريق شُعْبة لكنَّه أبيَن من هذا ولفظه:
فكنت أُفتي به حتَّى كانت خلافة عمر، فقال: إن أخذنا ... الحديث.
ولمسلم أيضاً (١٢٢٢) من طريق إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه: أنَّه كان
يُفْتي بالمتعة، فقال له رجل: رُوَيدك ببعض فُتْياك ... الحديث. وفي هذه الرواية بيَّن عمرُ
العِّة التي لأجلِها كَرِهَ التمتّع وهي قوله: قد عَلِمتُ أنَّ النبيِنَّهِ فِعَله، ولكن كَرهتُ أن
يَظَلّوا مُعْرِسِينَ بهنَّ - أي: بالنِّساء - ثمَّ يَرُوحوا في الحج تَقطُر رؤوسهم. انتهى، وكان من
رأي عمر عَدَمُ الترقُّه للحجِّ بكلِّ طريق، فكَرِهَ لهم قُرب عَهدهم بالنِّساء لئلا يستمِرّ الميل
إلى ذلك، بخلاف مَن بَعُدَ عَهده به، ومَن يُفطَم يَنفَطِم.
وقد أخرج مسلم (١٢١٧/ ١٤٥) من حديث جابر أنَّ عمر قال: ((افصِلوا حَجّكم من

٣١٥
باب ٣٢ / ح ١٥٥٩
كتاب الحج
عمرتكم، فإنَّه أتمُّ لحجِّكم وأتمُّ لعمرَتِكم))، وفي رواية (١٢١٧) (١٤٥): ((إنَّ الله يُحِلّ
لرسولِه ما شاء، فأتموا الحج والعمرة كما أمَرَكُم الله)).
قوله: ((إن نأخُذْ بكتاب الله ... )) إلى آخره، مُحُصَّل جواب عمر في منعه الناس من التحلَّل
بالعمرة: أنَّ كتاب الله دالٌّ على مَنْع التحلّل لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى
فراغ الحج، وأنَّ سُنَّة رسول الله وَّه أيضاً دالّة على ذلك، لأنَّه لم يَحِلَّ حتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ
يَحِلَّه، لكنَّ الجواب عن ذلك ما أجاب به هو رَِّ حيثُ قال: ((ولولا أنَّ معي الھَذْي
لَأَحلَلت))(١)، فدَلَّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هَديٌّ، وتَبيَّن من مجموع ما جاء عن
عمر في ذلك أنَّه مَنَعَ منه سَدّاً للذَّريعة.
وقال المازَرِي: قيل: إنَّ المتعة التي نهى عنها عمر فَسْخُ الحَجِّ إلى العمرة، وقيل: العمرة
في أشهر الحج ثمَّ الحج من عامه، وعلى الثاني، إنَّما نهى عنها تَرغيباً في الإفراد الذي هو
أفضلُ، لا أنَّه يعتقد بطلانها وتحريمها.
وقال عياض: الظاهر أنَّه نهى عن الفَسْخ، ولهذا كان يَضرِب الناس عليها كما رواه مسلم
(١٤٥/١٢١٧) بناء على مُعتقَده أنَّ الفَسْخ كان خاصّاً بتلك السّنة.
قال النَّوَوي: والمختار أنَّه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهُر الحج، ثمَّ
الحج من عامه، وهو على التنزيه للتَّرغيبِ في الإفراد كما يظهر من كلامه، ثمَّ انعَقَدَ الإجماع
على جواز التمتّع من غير كراهة، ونفي الاختلاف في الأفضل كما سيأتي في الباب الذي
بعده، ويُمكِنِ أن يَتمسَّك مَن يقول بأنَّه إنَّما نهى عن الفَسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا
إليه قريباً من مسلم (١٢١٧ / ١٤٥): ((إنَّ الله يُحِلّ لرسولِه ما شاءَ))، والله أعلم.
وفي قصَّة أبي موسى وعليّ دلالة على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير مع اختلاف
آخر الحديثَينِ في التحلّل، وذلك أنَّ أبا موسى لم يكن منه هَدي، فصار له حُكم النبي ◌ِّ
لو لم يكن معه هَدي وقد قال: ((لولا الهَدْي لَأَحلَلت)) أي: وفَسَخت الحج إلى العمرة كما
(١) سلف عند البخاري برقم (١٥٥٨) من حديث أنس بن مالك.

٣١٦
باب ٣٢ / ح ١٥٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
فعَله أصحابه بأمره كما سيأتي، وأمَّا عليّ فكان معه هَدي، فلذلك أَمَره بالبقاء على إحرامه
وصار مثله قارناً. قال النَّوَوي: هذا هو الصواب، وقد تأوله الخطّابي وعياض بتأويلَينِ
غیر مَرضیینِ. انتھی.
فأمَّا تأويل الخطَّبي فإنَّه قال: فعل أبي موسى يُخالف فعل علي، وكأنَّه أراد بقوله:
((أهلَلت كإهلال النبي ◌َّليت)، أي: كما يُبيِّنْه لي ويُعيِّنه لي من أنواع ما يُحرِم به، فأمَرَه أن يَحِلّ
بعملٍ عمرة، لأنَّه لم يكن معه هَدي، وأمَّا تأويل عياض، فقال: المراد بقوله: ((فكنت أُفتي
الناس بالمتعة))(١) أي: بفَسخ الحج إلى العمرة، والحامل لهما على ذلك اعتقادهما أنَّه وَلِّ كان
مُفرِداً مع قوله: ((لولا أنَّ معيَ الهَدْيُ لَأحلَلت)) أي: فسَخت الحج وجعلته عمرة، فلهذا
أمَرَ أبا موسى بالتحلُّل، لأنَّه لم يكن معه هَذْي، بخلاف عليٍّ. قال عياض: وجمهور الأئمّة
على أنَّ فَسْخ الحج إلى العمرة كان خاصّاً بالصحابة، انتهى.
٤١٩/٣ وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دلَّ عليه الكتاب/ ودَلَّت
عليه السُّنّة، وهذا التأويل يقتضي أنَّما يَرجِعان إلى معنّى واحد، ثمَّ أجاب بأنَّه لعلَّه أراد
إيطال وَهْم مَن تَوَهَّمَ أنَّه خالَفَ السُّنّة حيثُ مَنَعَ من الفَسخ، فبيَّن أنَّ الكتاب والسُّنّة
مُتَوافقان على الأمر بالإتمام، وأنَّ الفَسخ كان خاصّاً بتلك السَّنة لإبطال اعتقاد الجاهلية أنَّ
العمرة لا تصحّ في أشهر الحج. انتھی.
وأمَّا إذا قلنا: كان قارناً على ما هو الصحيح المختار، فالمعتمد ما ذكر النَّوَوي، والله
أعلم. وسيأتي بيان اختلاف الصحابة في كيفية التمتّع في ((باب التمتُّع والقِرَان)) (١٥٦١)
إن شاء الله تعالى.
واستُدِلَّ به على جواز الإحرام المبهم، وأنَّ المُحرِم به يَصرِفه لمَا شاءَ، وهو قول
الشافعي وأصحاب الحديث، ومحَلّ ذلك ما إذا كان الوقت قابلاً بناء على أنَّ الحج لا
ینعقد في غیر أشهُرہ کما سيأتي في الباب الذي یلیه.
(١) جزء من حديث سيأتي برقم (١٧٢٤)، وأخرجه مسلم (١٢٢١).

٣١٧
باب ٣٣ / ح ١٥٦٠
كتاب الحج
٣٣- باب قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ
فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجِ﴾ [البقرة: ١٩٧]
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [البقرة: ١٨٩]
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: أشهُر الحجّ: شوّالٌ، وذو القَعْدة، وعشرٌّ من ذي الحِجّة.
وقال ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما: من السُّنّةِ أن لا يُجرَمَ بالحجِّ، إلا في أشهُرِ الحجِّ.
وكَرِهَ عثمانُ ﴾ أن يُحَمَ من خُراسانَ أو كَرْمانَ.
3
١٥٦٠- حدَّثنا محمّدُ بنُ بشّارٍ، قال: حدَّثني أبو بكرِ الحَنَفيُّ، حدَّثْنَا أفلَحُ بنُ مُميدٍ،
سمعتُ القاسمَ بنَ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: خَرَجْنا مع رسولِ الله وَِّ في أشهُرِ
الحجِّ، وليالي الحجِّ، وحُرُمِ الحِّ، فنزلْنا بسَرِفَ، قالت: فخَرَجَ إلى أصحابه فقال: ((مَن لم يكن
منكم معه هَذْيٌّ، فأحَبَّ أن يَجَعَلَها عُمْرةً فليَفعَلْ، ومَن كان معه الهَدْيُ فلا)). قالت: فالآخِذُ
بها، والتاركُ لها من أصحابِهِ. قالت: فأمَّا رسولُ الله وََّ ورِجالٌّ من أصحابه، فكانوا أهلَ
قُوّةٍ، وكان معهم الهَدْيُ، فلم يَقْدِرُوا على العُمْرةِ.
قالت: فدخل عليَّ رسولُ الله ◌َله وأنا أبكي، فقال ((ما يُبْكِيكِ يا هَتْنَاهُ؟» قلتُ: سمعتُ قولَكَ
لأصحابكَ فمُنِعْتُ العُمْرةَ، قال: ((وما شَأْتُكِ؟)) قلتُ: لا أُصَلّى، قال: ((فلا يَضُرُّكِ، إِنَّا أنتِ امرأةٌ
من بناتِ آدَمَ كتبَ اللهُ عليكِ ما كتبَ عليهنَّ، فَكُوني في حَجَتِكِ فعَسَى الله أن يَرْزُقَكِيها)).
قالت: فخَرَجْنا في حَجَّتِهِ حتَّى قَدِمْنا مِنَّى فطَهَرْتُ، ثمَّ خرجتُ من مِنَّى فأفَضْتُ بالبيتِ،
قالت: ثمَّ خَرَجتُ معه في النَّفْرِ الآخِرِ حتَّى نزلَ المُحَصَّبَ، ونزلْنا معه فَدَعَا عبد الرحمن بنَ
أبي بكرٍ فقال: ((اخرُجْ بأَخِكَ من الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرةٍ، ثمَّ افرُغا، ثمَّ انتِيا هاهنا فإنّي أَنْظُرُّكُما
حتَّى تأتياني)) قالت: فخَرَجْنا حتَّى إذا فَرَغْتُ وفَرَغْتُ من الطَّواف، ثمَّ جْتُهُ بسَحَرَ، فقال:
(«هل فَرَغْتُمْ؟)) فقلتُ: نعم، فَآذَنَ بالرَّحِيلِ في أصحابه، فارْ تَحَلَ الناس، فمَرَّ مُتوجِّهاً إلى المدينةِ.
ضَير: من ضارَ يَضِيرُ ضَيراً، ويقال: ضارَ يَضُورُ ضَوْراً، وضَرَّ يَضُرُّ ضَرّاً.

٣١٨
باب ٣٣ / ح ١٥٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: («باب قول الله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَجّ
فَلاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجِّ﴾، وقوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ /
٤٢٠/٣ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾)) قال العلماء: تقدير قوله: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ﴾ أي: الحج حجّ أشهُر
معلومات، أو أشهر الحج، أو وقت الحج أشهر معلومات، فحُذِفَ المضاف وأُقيم المضاف
إلیه مقامه.
وقال الواحدي: يُمكِن حملُه على غير إضمار، وهو أنَّ الأشهُر جُعِلَت نفسَ الحج
اتِّساعاً، لكون الحج يقع فيها كقولهم: ليلٌ نائمٌ. وقال الشَّيخ أبو إسحاق في ((المهذَّب)):
المراد وقت إحرام الحج، لأنَّ الحج لا يحتاج إلى أشهُر، فدَلَّ على أنَّ المراد وقت الإحرام به.
وأجمع العلماء على أنَّ المراد بأشهُر الحج ثلاثة أولها شَوّال، لكن اختلفوا هل هي ثلاثة
بكمالها، وهو قول مالك، ونُقِلَ عن («الإملاء)» للشافعي، أو شهران وبعض الثالث، وهو
قول الباقين، ثمَّ اختلفوا فقال ابن عمر وابن عبَّاس وابن الزُّبَير وآخرون: عشر لَیالٍ من
ذي الحِجّة، وهل يَدخُل يوم النَّحر أو لا؟ قال أبو حنيفة وأحمد: نعم، وقال الشافعي في
المشهور المصحَّح عنه: لا، وقال بعض أتباعه: تسع من ذي الحِجّة، ولا يَصِحّ في يوم النَّحر
ولا في ليلته، وهو شاٌ.
واختَلَفَ العلماء أيضاً في اعتبار هذه الأشهر، هل هو على الشَّرط أو الاستحباب؟
فقال ابن عمر وابن عبَّاس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين: هو شرط، فلا
يَصِحّ الإحرام بالحجِّ إلَّا فيها، وهو قول الشافعي، وسيأتي استدلال ابن عبّاس لذلك
في هذا الباب.
واستَدَلَّ بعضهم بالقياس على الوقوف، وبالقياس على إحرام الصلاة، وليس بواضح،
لأنَّ الصحيح عند الشافعية أنَّ مَن أحرَمَ بالحجِّ في غير أشهُره انقَلَبَ عمرة ◌ُّجُزِئه عن عمرة
الَفرْض، وأمَّا الصلاة فلو أحرَمَ قبلَ الوقت انقَلَبَ بشرطِ أن يكون ظاناً دخول الوقت لا
عالماً، فاختَلَفا من وجهَين.

٣١٩
باب ٣٣ / ح ١٥٦٠
كتاب الحج
قوله: ((وقال ابن عُمَر رضي الله عنهما: أشهُر الحجّ ... )) إلى آخره، وَصَلَه الطََّري
(٢/ ٢٥٨) والدارَ قُطْني (٢٤٥٦) من طريق وَرْقاء عن عبد الله بن دينار عنه قال: ﴿الْحَُ
أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾: شَوّال وذو القَعدة وعشر من ذي الحِجّة، وروى البيهقي (٤/ ٣٤٢) من
طريق عبد الله بن نُمَير عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مثله، والإسنادان
صحيحان.
وأمَّا ما رواه مالك في ((الموطَّأ)) (١ / ٣٤٤) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: مَن
اعتَمَرَ في أشهُر الحج: شَوّال أو ذي القَعْدة أو ذي الحِجّة، قبلَ الحج فقد استَمتَعَ؛ فلعلّه
تجوَّزَ في إطلاق ذي الحِجّة جمعاً بين الروايتين، والله أعلم.
قوله: ((وقال ابن عبّاس ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن خُزَيمةَ (٢٥٩٦) والحاكم (٤٤٨/١)
والدارَقُطني (٢٤٨٦) من طريق الحكم عن مِقسم عنه قال: لا يُحِرِم بالحجِّ إلَّا في أشهُر
الحج، فإنَّ من سُنَّة الحج أن يُحِرِم بالحجِّ في أشهُر الحج، ورواه ابن جَرِير (٢٥٧/٢-٢٥٨)
من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: لا يَصلُح أن يُحِرِمِ أحد بالحجِّ إلَّا في أشهُر الحج.
قوله: ((وكَرِهَ عثمان ﴾ أن يُحرِم من خُراسان أو كَرْمان)) وَصَلَه سعيد بن منصور: حدَّثنا
هُشَيم، حدَّثنا يونس بن عُبيد، أخبرنا الحسن - هو البصري -: أنَّ عبد الله بن عامر أحرَمَ
من خُراسان، فلمَّا قَدِمَ على عثمان لامَه فيما صَنَعَ وكَرِهَه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعمَر،
عن أيوب، عن ابن سيرينَ، قال: أحرَمَ عبد الله بن عامر من خُراسان، فَقَدِمَ على عثمان
فلامَه وقال: غَزَوتَ وهانَ عليك نُسُكُكَ.
وروى أحمد بن سَيّار في ((تاريخ مرو)) من طريق داود بن أبي هِند قال: لمَّا فَتَحَ
عبد الله ابن عامر خُراسان قال: لَأَجعَلَنَّ شُكْري لله أن أخرج من موضعي هذا مُرِماً،
فأحرَمَ من نَيسابور، فلمَّا قَدِمَ على عثمان لامَه على ما صَنَعَ. وهذه أسانيد يُقوِّي بعضها
بعضاً. وروى يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) من طريق محمد بن إسحاق: أنَّ ذلك كان في
السنة التي قُتِلَ فيها عثمان.

٣٢٠
باب ٣٣ / ح ١٥٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
ومناسبة هذا الأثر للذي قبله أنَّ بين خُراسان ومكَّة أكثر من مسافة أشهُر الحج،
فيستلزم أن يكون أحرَمَ في غير أشهر الحج، فكره ذلك عثمان، وإلَّا فظاهره يَتعلَّق بكراهة
الإحرام قبلَ الميقات، فيكون من مُتَعَلَّق الميقات المكاني لا الزماني.
ثم أورد المصنف في الباب حديث عائشة في قصَّة عُمرتها، وسيأتي الكلام عليه
٤٢١/٣ مُستوفَّى في الباب الذي بعده، وشاهد الترجمة منه قولها:/ ((خَرَجْنا مع رسول الله ێ في
أشهُر الحج وليالي الحج وحُرُم الحج))، فإنَّ هذا كلُّه يدلّ على أنَّ ذلك كان مشهوراً
عندهم معلوماً.
وقوله فيه: ((وحُرُمِ الحج)) بضم الحاء المهمَلة والراء، أي: أزمِنَتِّهِ وأمكنتِه وحالاتِه،
ورويَ بفتح الراء، وهو جمع حُرْمة، أي: ممنوعات الحج.
وقوله: ((يا هَنَتَاه)) بفتح الهاء والنون - وقد تُسَكَّن النون - بعدها مُثنَّة وآخرها هاء
ساكنة: كِناية عن شيء لا تذكره باسمه، تقول في النِّداء للمُذكَّر: يا مَنُ، وقد تُزاد الهاء في
آخره للسكت، فتقول: يا هَنَهْ، وأن تُشَبَع الحركة في النون، فتقول: يا هَنَاهُ، وتُزاد في جميع
ذلك للمؤنَّث مُثنَّاة، وقال بعضهم: الألف والهاء في آخره كهُما في النُّدْبة.
وقوله: ((قلت: لا أُصَلّى)) كِناية عن أنَّها حاضَت، قال ابن المنيِّر: كَنَتْ عن الحيض بالحكم
الخاصّ به أدباً منها، وقد ظَهَرَ أثر ذلك في بناتها المؤمنات، فكلّهنَّ يُكْنِينَ عن الحيض بحِرْمان
الصلاة أو غير ذلك.
وقوله: ((فلا يَضُرُّكِ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((فلا يَضِيرُك)) بكسر الضّاد وتُخُفَّف التحتانية
من الضّێْرِ.
وقوله: ((النَّفْر الثّاني)) هو رابع أيام مِنَّى.
وقوله: ((فإِنّي أَنظُرُ كما)) في رواية الكُشْمِيهني: ((أنتظِرِ كُم)) بزيادة مُثَّاة.
وقوله: ((وحتَّى إذا فَرَغْت)) أي: من الاعتمار وفَرَغت من الطَّواف، وحُذِفَ الأول للعلمِ به.