Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ١٥ / ح ١٥٣٣
كتاب الحج
الميقات، وقد ترجم عليه بعض الشارحينَ: ((نزول البَطْحاء والصلاة بذي الحليفة))، وحكى
القُطب أنَّه في بعض النُّسَخ، قال: وسقط في نسخة سماعنا لفظُ: ((باب))، وفي ((شرح ابن
بَطَّال)): ((الصلاة بذي الحُلَيفة)».
قوله: ((أناخَ)) بالنون والخاء المعجمة، أي: أبَرَكَ بعيرَه، والمراد أنَّه نزل بها.
والبَطْحاء قد بيَّن أنَّها التي بذي الحُلَيفة.
وقوله: ((فصلَّى بها)) يحتمل أن يكون للإحرام، ويحتمل أن يكون للفريضة، وسيأتي
(١٥٤٦) من حديث أنس: أنَّه وَ له صلَّى العصر بذي الحُلَيفة ركعتَين. ثمَّ إنَّ هذا التُّزول
يحتمل أن يكون في الذَّهاب، وهو الظاهر من تصرُّف المصنّف، ويحتمل أن يكون في الرُّجوع،
ويؤيِّده حديث ابن عمر الذي بعده بلفظ: وإذا رَجَعَ صلَّى بذي الحُلَيفة ببطن الوادي وباتَ
حتَّى أصبح. ويُمكِن الجمع بأنَّه كان يفعل الأمرينِ ذَهاباً وإياباً، والله أعلم.
١٥ - باب خروج النبيِّ وَّر على طريق الشجرة
١٥٣٣ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِیاضٍ، عن عُبیدِ الله، عن نافع، عن
عبدِ الله بن عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَطِّ كان يَخْرُجُ من طريقِ الشجرةِ، ويَدخُلُ من
طريقِ المُعرَّسِ.
وأنَّ رسولَ الله وَلِّ كان إذا خَرَجَ إلى مَكَّةَ يُصلِّي في مسجدِ الشجرةِ، وإذا رَجَعَ صَلَّى بذي
الحُلَيفةِ بَبَطْنِ الوادي، وباتٌ حتَّى يُصبحَ.
قوله: ((باب خروج النبي ◌َّ - على طريق الشجرة)) قال عياض: هو موضع معروف على
طريق مَن أراد الذَّهاب إلى مكَّة من المدينة، كان النبي ◌َّه يخرج منه إلى ذي الحُلَيفة فيَبِيت
بها، وإذا رَجَعَ باتَ بها أيضاً، ودخل على طريق المعرَّس، بفتح الراء المثقّلة وبالمهمَلتَين، وهو
مكان معروف أيضاً، وكلٌّ من الشجرة والمعرَّس على ستَّة أميال من المدينة، لكنَّ المعرَّس
أقرب، وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد بيان في ذلك.

٢٦٢
باب ١٦ / ح ١٥٣٤-١٥٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بَطَّال: كان وَ لّ يفعل ذلك كما يفعل في العيد، يذهب من طريق ويَرجِع من
٣٩٢/٣ أُخرى. وقد تقدَّم القول في حكمة ذلك مبسوطاً (٩٨٦)، وقد قال/ بعضهم: إنَّ نزوله
هناك لم يكن قَصداً، وإنَّما كان اتّفاقاً، حكاه إسماعيل القاضي في ((أحكامه)) عن محمد بن
الحسن وتعقّبه، والصحيح أنَّه كان قَصداً لئلا يَدخُلَ المدينة ليلاً، ويدلُّ عليه قوله: ((وباتَ
حتَّى يُصبح) ولمعنی فیه: وهو التبرُّك به كما سيأتي في الباب الذي بعده.
وقد تقدَّمت الإشارة إلى شيء من حديث الباب في أواخر أبواب المساجد (٤٨٤)،
وسياقه هناك أبسط من هذا.
١٦ - باب قول النبي وَالَّ: ((العَقيق وادٍ مبارَكٌ))
١٥٣٤ - حدَّثنا الحُميديُّ، حدَّثنا الوليدُ وبِشْرُ بنُ بكرِ التِّيسيُّ، قالا: حدَّثنا الأوزاعيُّ،
قال: حدَّثني يحيى، قال: حدَّثني عِكْرمةُ، أَنَّه سمعَ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، يقول: إنَّه سمعَ
عمرَ ، يقول: سمعتُ النبيَّ نَّهَ بوادي العَقِيقِ يقول: ((أَتاني الليلةَ آتٍ من ربِّ، فقال: صَلِّ
في هذا الوادي المبارَكِ، وقُلْ: عُمْرةٌ في حَجَّةٍ)).
[طرفاه في: ٢٣٣٧، ٧٣٤٣]
١٥٣٥ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، قال:
حدَّثني سالم بنُ عبدِ الله، عن أبيه ، عن النبيِّ وََّ: أَنَّه أُرِيَ وهو مُعرِّسُ بذي الحُلَيَفةِ بَبَطْنِ
الوادي، قيلَ له: إنَّكَ بَبَطْحاءَ مُبارَكةٍ.
وقد أناخَ بنا سالمٌ يَتَوَخَّى بالمُنَاخِ الَّذي كان عبدُ الله يُنيخُ، يَتَحَرَّى مُعرَّسَ رسولِ الله وَّه
وهو أسفَلَ من المسجدِ الَّذِي ببَطْنِ الوادي، بينهم وبين الطَّرِيقِ وَسَطٌ من ذلك.
قوله: «باب قول النبي ڑ: العَقیق وادٍ مُبارك) أورد فيه حديث عمر في ذلك، ولیس
هو من قول النبي وَلَّ، وإنَّما حكاه عن الآتي الذي أتاه. لكن روى أبو أحمد بن عَدِيّ
(٧/ ٢٦٠٤) من طريق يعقوب بن إبراهيم الزّهْري، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن

٢٦٣
باب ١٦ / ح ١٥٣٤ -١٥٣٥
كتاب الحج
عائشة مرفوعاً: (تَخَيَّموا بالعَقيق، فإنَّه مُبارَك))، فكأنَّه أشارَ إلى هذا. وقوله: ((أَخَيَّموا)) بالخاء
المعجمة والتحتانية، أمرٌ بالَّخَيُّم، والمراد به التُّزول هناك.
وذكر ابن الجَوْزي في ((الموضوعات)) (٥٩/٣) عن حمزة الأصبهاني أنَّه ذكر في کتاب
((التَّصحيف)): أنَّ الرواية بالتحتانية تصحيف، وأنَّ الصواب بالمثنَّة الفَوْقانية. ولمَا قاله
اتّجاه؛ لأنَّه وقع في مُعظَم الطُّرق ما يدلّ على أنَّه من الخاتم، وهو من طريق يعقوب بن
الوليد عن هشام بلفظه(١)، ووقع في حديث عمر: ((قَتَّموا بالعقيق، فإنَّ چِبْریل أتاني به من
الجنَّة)) الحديث، وأسانيده ضعيفة(٢).
قوله: «آتٍ من رِ» هو چبریلُ.
قوله: ((فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارَك)) يعني: وادي العَقِيق، وهو بقُرب البَقِيع، بينه
وبين المدينة أربعة أميال.
روى الزُّبَير بن بَكّار في ((أخبار المدينة)) أنَّ تُبَّعاً لمَّا رَجَعَ من المدينة انحَدَرَ في مكان
فقال: هذا عَقِيق الأرض؛ فسُمّي العقيق.
قوله: ((وقل: عُمْرَةٌ في حَجَّة)) برفع ((عمرة) للأكثر، وبنصبها لأبي ذرٍّ على حكاية اللفظ، أي:
قل: جعلتُها عمرةً، وهذا دالٌّ على أنَّهِوَ ﴿ كان قارناً، وسيأتي بيان ذلك بعدَ أبواب (١٥٦١).
وأَبعَدَ مَن قال: معناه عمرة مُدرَجة في حَجَّة، أي: إنَّ عمل العمرة يَدخُل في عمل
الحج، فيُجزئ لها طواف واحد، وقال: مِن معناه: أنَّه يَعتمِر في تلك السنة بعدَ فراغ حَجِّه.
وهذا أبعَدُ من الذي قبله، لأنَّه ◌ِ له لم يفعل ذلك. نعم يُحتمل أن يكون أمَرَ أن يقول ذلك
لأصحابه ليُعلِّمَهم مشروعية القِرَان، وهو كقوله: ((دَخَلَت العمرة في الحج))(٣)، قاله
(١) وهي عند ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٣/ ٥٧.
(٢) انظر ((المقاصد الحسنة)) (٣٢١).
(٣) جزء من حديث أخرجه مسلم (١٢٤١)، وأحمد في ((مسنده)) (٢١١٥)، وأبو داود (١٧٩٠) من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما.

٢٦٤
باب ١٧ / ح ١٥٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
الطََّرِي. واعتَرَضَه ابن المنيِّر في ((الحاشية)) فقال: ليس نَظِيره، لأنّ قوله: (دخلت ... )) إلى
آخره، تأسیسُ قاعدةٍ.
٣٩٣/٣
وقوله: ((عمرة في حَجَّة)) بالتنكير يستدعي الوَحْدة، وهو إشارة إلى الفعل الواقع من
القِرَان إذ ذاك.
قلت: ويؤيِّده ما يأتي في كتاب الاعتصام (٧٣٤٣) بلفظ: ((عمرة وحَجَّة)) بواو العطف،
وسيأتي بیان ذلك بعدَ أبواب.
وفي الحديث فضل العَقِيق كفضل المدينة، وفضل الصلاة فيه، وفيه استحباب نزول
الحاجِّ في منزلة قريبة من البلد ومَبِيتهم بها، ليجتمع إليهم مَن تأخّرَ عنهم ممَّن أراد
مُرافَقَتَهم، وليستدرِك حاجته مَن نَسِيَها مثلاً فيَرجِع إليها من قريب.
قوله في حديث ابن عمر: (أنَّه أُرِيَ)) بضم الهمزة، أي: في المنام، وفي رواية كَرِيمة: (رُئي))
بتقديم الراء، أي: رآه غيره.
قوله: ((وهو مُعرِّس)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((في مُعرَّسٍ)) بالتنوين.
وقوله: ((ببطن الوادي)) تَبيَّن من حديث عمرَ الذي قبله أنَّه وادي العَقِيقِ.
قوله: ((وقد أناخَ بنا سالم)) هو مَقُول موسى بن عُقْبة الراوي عنه.
وقوله: ((يَتَوَخّى)) بالخاء المعجمة، أي: يَقصِد، و((المُناخ)) بضم الميم: المَبْرَك.
قوله: ((وهو أسفَلَ)) بالنصب ويجوز الرفع، والمراد: بالمسجد الذي كان هنا في ذلك الزمان.
وقوله: ((بينَه)) أي: بين المعرَّس، وفي رواية الحَمُِّيّ: ((بينهم)) أي: بين النازلينَ وبين الطَّريق.
وقوله: ((وَسَطٍّ من ذلك)) بفتح المهمَلة، أي: مُتوسِّط بين بطن الوادي وبين الطَّريق، وعند
أبي ذرٍّ: ((وَسَطاً من ذلك)) بالنصب.
١٧ - باب غَسْل الخَلُوق ثلاث مرّات من الفِّياب
١٥٣٦ - قال أبو عاصم: أخبرنا ابنُ جُرَيج، أخبرني عطاءٌ: أنَّ صَفْوانَ بنَ يَعْلَى أخبره: أنَّ

٢٦٥
باب ١٧ / ح ١٥٣٦
كتاب الحج
يَعْلَى قال لِعمَرَ ﴾: أرِنِي النبيَّ وَّهِ حِينَ يُوحَى إليه، قال: فبينَا النبيُّ وَّ بِالْجِعْرانةِ - ومعه نَفَرٌ
من أصحابه - جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، كيفَ تَرَى في رجلٍ أَحرَمَ بِعُمْرةٍ وهو مُتَضَمٌِّ
بِطِيبٍ؟ فسَكَتَ النبيُّ وَِّ ساعةً، فجاءه الوَحْيُ، فأشارَ عمرُ ﴾ إلى يَعْلَى، فجاء يَعْلَى - وعلى
رسولِ الله وَل﴿ ثوبٌ قد أُظِلَّ به .- فأدخَلَ رأسَه، فإذا رسولُ اللهِوَلاَ مُحمَّرُّ الوجهِ وهو يَغِطُّ، ثمَّ
سُرِّيَ عنه، فقال: ((أينَ الَّذي سألَ عن العُمْرةِ؟)) فأُتيَ برجلٍ، فقال: ((اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بكَ
ثلاثَ مَرَّاتٍ، وانزِعْ عنكَ الجُبّةَ، واصنَعْ في عُمرَتِكَ ما تَصْنِعُ في حَجَّتِكَ)).
قلتُ لِعطاءٍ: أرادَ الإنْقَاءَ حينَ أمَرَه أن يَغِلَ ثلاثَ مَرَّاتٍ؟ قال: نعم.
[أطرافه في: ١٧٨٩، ١٨٤٧، ٤٣٢٩، ٤٩٨٥]
قوله: ((باب غسل الخَلُوق ثلاث مرَّات من الثّياب)) الخَلُوق، بفتح الخاء المعجَمة: نوع
من الطِّيب مُرگَّب فيه زَعْفران.
قوله: ((قال أبو عاصم)) هو من شيوخ البخاري، ولم أرَه عنه إلَّا بصيغة التعليق، وبذلك
جَزَمَ الإسماعيلي، فقال: ذكره عن أبي عاصم بلا خبر، وأبو نُعَيم، فقال: ذُكِرَ بلا رواية،
وحكى الكِرْماني أنَّه وقع في بعض النُّسَخ: حدَّثنا محمد حدَّثنا أبو عاصم؛ ومحمد: هو ابن
مَعمَر، أو ابن بشَّار، ويحتمل أن يكون البخاريّ.
ولم يقع في المتن ذكرُ الخَلُوق، وإنّما أشارَ به إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، وهو في أبواب
العمرة (١٧٨٩) بلفظ: ((وعليه أَثَرُ الحَلُوق)).
قوله: ((أنَّ يَعْلى)) هو ابن أُمَيَّة التَّميمي، وهو المعروف بابن مُنْية، بضم الميم وسكون
النون وفتح التحتانية، وهي أُمّه، وقيل: جَدَّتُه، وهو والد صَفْوان الذي روى عنه، وليست
رواية صَفْوان عنه لهذا الحديث بواضحةٍ لأنَّه قال فيها: ((أنَّ يَعْلى قال لعمر)) ولم يقل: إنَّ
يَعْلى أخبَرَه أنَّه قال لعمر، فإن يكن صَفْوان حَضَرَ مُراجعتَهما وإلَّا فهو مُنقَطِع، لكن سيأتي
في أبواب العمرة من وجه آخر: ((عن صَفْوان بن يَعْلى عن أبيه)) فذكر الحديث.

٢٦٦
باب ١٧ / ح ١٥٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
٣٩٤/٣
قوله: ((جاء رجل)) سيأتي بعدَ أبواب (١) بلفظ: ((جاءه أعرابي)) ولم أقفْ على اسمه، لكن
ذكر ابن فَتْحونٍ في ((الذَّيل)) عن ((تفسير الطَّرْطُوشي)) أنَّ اسمه عطاء ابن مُنْية، قال ابن
فَتْحونٍ: إن ثَبَتَ ذلك فهو أخو يَعْلى ابن مُنية راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ في اسم
الراوي، فإنَّه من رواية عطاء عن صَفْوان بن يَعْلى ابن مُنية عن أبيه، ومنهم مَن لم يَذْكُر بين
عطاء ويَعلى أحداً.
ووقع في (شرح)) شيخنا ◌ِراج الدِّين بن المُلقِّن ما نصّه: هذا الرجل يجوز أن يكون
عَمْرو بن سَوَاد، إذ في كتاب ((الشِّفاء)) (١٩٩/٢) للقاضي عياض عنه قال: أتيتُ النبي ◌َّ
وأنا مُتَخلِّق، فقال: ((وَرْسُ وَرْسٌ، حُطَّ حُطَّ»، وغَشِيَني بقَضيبٍ بيده في بطني فأَوجَعَني،
الحديث، فقال شيخنا: لكن عَمْرو هذا لا يُدرِكُ ذا، فإنَّه صاحب ابن وَهْب. انتهى كلامه،
وهو مُعتَرَضٌ من وجهين:
أمَّا أولاً: فليست هذه القصّة شبيهة بهذه القصَّة حتَّى يُفسَّرَ صاحبها بها.
وأمَّا ثانياً: ففي الاستدراك غَفْلة عظيمة، لأنَّ مَن يقول: ((أتيت النبي ◌ِّ) لا يُتْخَيَّل فيه
أنَّه صاحب ابن وَهْب صاحب مالك، بل إن ثَبَتَ فهو آخر وافق اسمُه اسمه واسمُ أبيه
اسمَ أبيه، والفَرْض أنَّه لم يَثْبُت، لأنَّه انقَلَبَ على شيخنا، وإنَّما الذي في ((الشِّفاء)»: سَوَاد ابن
عَمْرو، وقيل: سَوَادة بن عَمْرو، أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في ((مصنَّفَه)) (١٨٠٣٩)
والبَغَوي في ((معجم الصحابة))، وروى الطَّحاوي (١٢٨/٢) من طريق أبي حفص بن عَمْرو
عن يَعْلى: أنَّ مَرَّ على النبيِ وَِّ وهو مُتَخلِّق، فقال: ((ألكَ امرأة؟)) قال: لا، قال: ((اذهب
فاغسِلْهُ))، فقد يَتَوَهَّم مَن لا خِبرة له أنَّ يَعْلى بن أُميَّة هو صاحب القصّة، وليس كذلك، فإنَّ
راوي هذا الحديث يَعْلى بن مُرَّة الثَّقَفي، وهي قصَّة أُخرى غير قصَّة صاحب الإحرام.
نعم روى الطَّحاوي (١٣٩/٢) في موضع آخر أنَّ يَعْلى بن أُميَّة صاحب القصّة قال:
حدَّثنا سليمان بن شعيب حدَّثنا عبد الرحمن: هو ابن زياد الرَّصاصي(٢)، حدَّثنا شُعْبة، عن
(١) لم يقع هذا اللفظ في كتاب الحج كما يوهم كلام الحافظ، ولكنه وقع في كتاب المغازي في الحديث (٤٣٢٩).
(٢) كذا في الأصلين على الصحيح، وتحرف في (س) إلى: الوضاحي.

٢٦٧
باب ١٧ / ح ١٥٣٦
كتاب الحج
قَتَادةَ، عن عطاء بن أبي رَبَاحِ: أنَّ رجلاً يقال له يَعْلى بن أُميَّة أحرَمَ وعليه جُبّة، فأمَرَه
النبي ◌ُِّ أن يَنِزِعَها، قال قَتَادةُ: قلت لعطاءٍ: إنَّما كنَّا نَرَى أن نَشُقَّها، فقال عطاء: إنَّ الله لا
◌ُحِبّ الفساد.
قوله: ((قد أُظِلَّ به)) بضم أوَّله وكسر الظاء المعجَمة، أي: جُعِلَ عليه كالظُّلّة. ووقع
عند الطبراني في ((الأوسط)) (١٨١٥) وابن أبي حاتم أنَّ الآية التي (١) نزلت على النبي ◌ِّل
حينئذٍ قوله تعالى: ﴿ وَأَنِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ويُستفاد منه أنَّ المأمور به، وهو
الإتمام، يستدعي وجوب اجتناب ما يقعُ في العمرة.
قوله: (بَغِطّ)) بفتح أوله وكسر المعجَمة وتشديد الطاء المهمَلة، أي: يَنفُخ، والغَطِيط:
صوت النَّفَس المتردِّد من النائم أو المُغْمَى، وسبب ذلك شِدّة ثِقَل الوَحْي، وكان سبب
إدخال یَعْلی رأسه علیه في تلك الحال أنَّه کان ◌ُحِبّ لو رآه في حالة نزول الوحي، کما سيأتي
في أبواب العمرة من وجه آخر عنه (١٧٨٩)، وكان يقول ذلك لعمر، فقال له عمر حينئذٍ:
تعالَ فانظُر، وكأنَّه عَلِمَ أنَّ ذلك لا يَشُقّ على النبي ◌ِّ.
قوله: ((سُرّيَ)) بضم المهمَلة وتشديد الراء المكسورة، أي: كُشِفَ عنه شيئاً بعدَ شيء.
قوله: ((اغْسِل الطِّيب الذي بك)) هو أعمُّ من أن يكون بثوبِه أو ببَدَنِه، وسيأتي البحث فيه.
قوله: ((واصْنَع في عُمْرَتك ما تَصْنعُ في حَجَّتك)) في رواية الكُشْمِيهني: ((كما تَصنَعِ))
وسيأتي في أبواب العمرة (١٧٨٩) بلفظ: كيف تأمُرني أن أصنعَ في عمرتي؟
ولمسلم (٩/١١٨٠) من طريق قيس بن سعد عن عطاء: ((وما كنتَ صانعاً في حَجّك
فاصنَعْ في عمرتك)) وهو دالٌّ على أنَّه كان يَعرِف أعمال الحج قبلَ ذلك.
قال ابن العربي: كأنَّهم كانوا في الجاهلية يَخْلَعونَ الثّياب، ويَجْتَنبونَ الطِّيب في الإحرام
إذا حَجُّوا، وكانوا يتساهلونَ في ذلك في العمرة، فأخبَرَه النبي ◌َّ أنَّ مَجراهما واحد.
(١) لفظ ((التي)) سقط من (س).

٢٦٨
باب ١٧ / ح ١٥٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): قوله: ((اصنَع)) معناه: اتُرُك، لأنَّ المراد بيان ما يجتنبُه
المُحْرِمِ، فَيُؤْخَذ منه فائدة حسنة وهي أنَّ التَّرْكُ فِعلٌ. قال: وأمَّا قول ابن بَطَّل: أراد
الأدعية وغيرها ممّا يشترك فيه الحج والعمرة؛ ففيه نظرٌ، لأنَّ التُّروك مُشتَرَكة بخلاف
الأعمال، فإنَّ في الحج أشياءَ زائدةً على العمرة کالوقوفِ وما بعده.
وقال النَّوَوي كما قال ابن بَطَّال وزاد: ويُستَثنى من الأعمال ما يَخْتَصّ به الحج.
٣٩٥/٣
وقال الباجيُّ: المأمور به غيرُ نَزْعِ الثَّوب وغسل الخَلُوق، لأنَّه صَرَّحَ له بهما فلم يَبْقَ
إلَّا الفِدية. كذا قال، ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تَبيَّن من طريق أُخرى أنَّ المأمور به
الغسل والنَّزْع، وذلك أنَّ عند مسلم (١١٨٠/ ٧) والنَّسائي (٢٧٠٩) من طريق سفيان عن
عَمْرو بن دينار عن عطاء في هذا الحديث فقال: ((ما كنتَ صانعاً في حَجِّك؟)) قال: أَنزِعُ
عنِّي هذه الثّياب وأغسِل عنِّي هذا الخَلُوق، فقال: ((ما كنت صانعاً في حَجّك فاصنعه في
عُمرتك)).
:
قوله: ((فقلت لِعطاءٍ) القائل: هو ابن جُرَيج، وهو دالٌّ على أنَّه فَهِمَ من السِّياق أنَّ قوله:
(ثلاث مرَّات)) من لفظ النبي وََّ، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابي، وأنَّه وَِّ أعاد
لفظة: ((اغسِله)) مرَّة ثمَّ مرَّة على عادته أنَّه كان إذا تكلّم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً لتُفهَم عنه (١)،
نَبَّه علیه عِیاض.
قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب أنَّ الحَلُوق كان على الثَّوب كما في الترجمة، وإنَّما
فيه أنَّ الرجل كان مُتَضمِّخاً، وقوله له: ((اغسِل الطِّيب الذي بك)) يوضح أنَّ الطِّيب لم
يكن في ثوبه وإنَّما كان على بَدَنه، ولو كان على الجُبّة لكان في نَزْعها كفاية من جهة
الإحرام. انتهى.
والجواب أنَّ البخاري على عادته يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يُورِده،
(١) انظر حديث أنس السالف برقم (٩٥).

٢٦٩
باب ١٧ / ح ١٥٣٦
كتاب الحج
وسيأتي في محرَّمات الإحرام من وجه آخر (١٨٤٧) بلفظ: ((عليه قميص(١) فيه أثر صُفْرة))
والخَلُوق في العادة إنَّما يكون في الثَّوب.
ورواه أبو داود الطَّيالسي في («مسنده)) (١٣٢٣) عن شُعْبة عن قَتَادةَ عن عطاء بلفظ:
رأى رجلاً عليه جُبّة عليها أَثَرُ خَلُوق، ولمسلم (١١٨٠/ ١٠) من طريق رَبَاح بن أبي
معروف عن عطاء مثله.
وقال سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم، أخبرنا عبد الملك ومنصور وغيرهما عن عطاء،
عن يَعْلى بن أُميَّة: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنّ أَحرَمتُ وعليَّ جُبَّتَي هذه - وعلى جُبَّتَه
رَدْعٌ من خَلُوق - الحديث، وفيه: فقال: ((اخلَع هذه الجُبّة واغسِلْ هذا الَّعفَران))(٢).
واستُدِلَّ بحديث يَعْلى على مَنْعِ استدامة الطِّيب بعدَ الإحرام للأمر بغسلِ أَثْرِه من
الثَّوب والبَدَن، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن.
وأجاب الجمهور بأنَّ قصَّة يَعْلى كانت بالجِعْرانة كما ثبتَ في هذا الحديث، وهي في سنة
ثمان بلا خلاف. وقد ثبتَ عن عائشة: أنَّها طيَّيت رسولَ الله وَّه بيديها عند إحرامها كما
سيأتي في الذي بعده، وكان ذلك في حَجَّة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنَّما يُؤْخَذ بالآخِر
فالآخِر من الأمر، وبأنَّ المأمور بغسلِه في قصَّة يَعْلى إنَّما هو الخَلُوق لا مُطلَق الطّيب، فلعلَّ
عِلّة الأمر فيه ما خالَطَه من الزَّعفَران. وقد ثَبَتَ النَّهي عن تَزَعفُر الرجل مُطلَقاً مُحِرِماً
وغير مُحُرِم، وفي حديث ابن عمر (١٥٤٢) الآتي قريباً: ((ولا يَلْبَس - أي: المحرِم - من
الّياب شيئاً مَسَّه زَعفَران))، وفي حديث ابن عبّاس (١٥٤٥) الآتي أيضاً قريباً: ولم يَنهَ إلَّا
عن الثّيّاب المُزَعفَرة، وسيأتي مزيد في ذلك في الباب الذي بعده.
واستُكِلَّ به على أنَّ مَن أصابَه طِيب في إحرامه ناسياً أو جاهلاً ثمَّ عَلِمَ فبادرَ إلى إزالَته، فلا
كَفّارة عليه، وقال مالك: إن طالَ ذلك عليه لَزِمَه، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية: يجب مُطلَقاً.
(١) ما سيأتي بلفظ: ((جبة)) بدل: قميص.
(٢) وأخرجه أيضاً عن هشيم بهذا الإسناد أحمد في ((مسنده)) (١٧٩٦٤).

٢٧٠
باب ١٨ / ح ١٥٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
وعلى أنَّ المُحْرِم إذا صار عليه المَخِيطُ نَزَعَه ولا يَلزَمه تمزيقُه ولا شَقُّه، خلافاً
للنَّخَعي والشَّعْبي حيثُ قالا: لا يَنزِعه من قِبَل رأسه لئلا يصير مُغطّياً لرأسِه، أخرجه ابن
أبي شَيْبة (١) عنهما، وعن عليّ (١٤٥٤٧) نحوه، وكذا عن الحسن وأبي قلابة (١٤٥٥١)، وقد
وقع عند أبي داود (١٨٢٠) بلفظ: ((اخلَعْ عنك الجُبّة فخَلَعَها من قِبَل رأسه)).
وعلى أنَّ المفتي والحاكم إذا لم يَعرِف الحكم يُمسِكُ حتَّى يَتَبَيَّن له، وعلى أنَّ بعض
الأحكام ثَبَتَ بالوحي وإن لم يكن ممّا يُتلى، لكن وقع عند الطبراني في ((الأوسط)) (١٨١٥)
أنَّ الذي نزل على النبي ◌َّ قوله تعالى: ﴿ وَأَنِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾.
وعلى أنَّ النبي ◌َّه لم يكن يَحِكُم بالاجتهاد إلَّ إذا لم تحضُره الوحي.
١٨ - باب الطِّيب عند الإحرام وما يَلبَس إذا أراد أن يُحِمَ
ويترجَّلُ ويدَّهنُ
٣٩٦/٣
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: يَشَمُّ المحرِمُ الرَّنْحَانَ وَيَنظُرُ فِي الْمِرْآةِ، ويَتَداوَى بما يأكلُ:
الزَّيتِ والسَّمْنِ.
وقال عطاءٌ: يَتَخَتَّمُ ويَلْبَسُ الهِمْيانَ.
وطافَ ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما وهو مُحِمٌ وقد خَزَمَ على بَطنِه بثوبٍ.
ولم تَرَ عائشةُ بالتُّبَان بأساً للذينَ يَرِحَلُونَ هَوْدَجَها.
١٥٣٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سعيد بنِ جُبَير، قال:
كان ابنُ عمر رضي الله عنهما يَدَّهِنُ بالزَّيتِ.
فَذَكَرُه لإبراهيمَ قال: ما تَصنَعُ بقولِه؟!
١٥٣٨ - حدَّثني الأسوَدُ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانِّي أَنظُرُ إلى وَبِيصِ الطِّيبِ
في مَفارقِ رسولِ الله وَ لَه وهو مُحِمٌ؟
(١) في ((مصنفه)) برقم (١٤٥٤٨) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٢٧١
باب ١٨ / ح ١٥٣٧ - ١٥٣٩
كتاب الحج
١٥٣٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبد الرحمن بنِ القاسمِ، عن أبيه،
عن عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّ وَّه قالت: كنتُ أَطيِّبُ رسولَ الله وَ لإحرامه حينَ
يُجِرِمُ، ولحِلِّه قبلَ أن يَطُوفَ بالبيتِ.
[أطرافه في: ١٧٥٤، ٥٩٢٢، ٥٩٢٨، ٥٩٣٠]
قوله: ((باب الطِّيب عند الإحرام، وما يَلْبَس إذا أرادَ أن يُحِرِم، ويَتَرَجَّل ويَدَّهِن)) أراد بهذه
الترجمة أن يُبيِّن أنَّ الأمر بغسل الخَلُوق الذي في الحديث قبله إنَّما هو بالنّسبة إلى الثّياب،
لأَنَّ المُحْرِمِ لا يَلبَس شيئاً مَسَّه الَّعفَران كما سيأتي في الباب الذي بعده، وأمَّا الطِّيب فلا
يُمْنع استدامتُه على البَدَن، وأضافَ إلى التطيُّب المقتَصَر عليه في حديث الباب التَّرجُلَ
والادِّهان لجامع ما بينهما من الثَّرقُّه، فكأنَّه يقول: يَلحَق بالتطيُّبِ سائر الترقُّهات فلا يَحُرُم
على المُحرِم، کذا قال ابن المنیِّر.
والذي يظهر أنَّ البخاري أشارَ إلى ما سيأتي بعدَ أربعة أبواب (١٥٤٥) من طريق
كُرَيبٍ عن ابن عبّاس قال: ((انطلقَ النبيِوََّ من المدينة بعدَما تَرَجَّلَ وادَّهَنَ)) الحديث.
وقوله: (تَرَجَّلَ)) أي: سَرَّحَ شعره، وكأنَّه يُؤخَذ من قوله في حديث عائشة: طَيِّته في
مَفِرِقِه لأنَّ فيه نوعَ تَرْجيل، وسيأتي من وجه آخر بزيادة: ((وفي أُصول شعره))(١).
قوله: ((وقال ابن عبّاس ... )) إلى آخره، أمَّا شَمُّ الرَّيحان فقال سعيد بن منصور: حدَّثنا ابن
عُيَينَةَ، عن أيوب، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس: أنَّه كان لا يرى بأساً للمُحرِمِ بِشَمّ الرَّيحان،
ورُوّينا في ((المعجم الأوسط))(٢) مثله عن عثمان، وأخرج ابن أبي شَيْبة(٣) عن جابر خلافَه.
واختُلِفَ في الرَّيحان فقال إسحاق: يُباح، وتوقَّف أحمد. وقال الشافعي: يَحُم، وكَرِهَه
مالك والحنفيَّة. ومَنشَأ الخلاف أنَّ كلَّ ما يُتَّخَذ منه الطّب يَجِرُم بلا خلاف، وأمَّا غيره فلا.
(١) انظر ((مسند أحمد)) برقم (٢٦٠٨٠).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من معاجم الطبراني الثلاثة، وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٣/ ٢٣٢ للطبراني
في ((الصغير))، وكذا فعل الحافظ نفسه في ((التلخيص الحبير)) ٢٨٢/٢ وساقه بالإسناد.
(٣) في ((مصنفه)) (١٤٨١٣) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٢٧٢
باب ١٨ / ح ١٥٣٧ -١٥٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا النَّظَر في المرآة، فقال الثَّوري في ((جامعه)) روايةَ عبد الله بن الوليد العَدَني عنه: عن
هشام بن حَسَّان عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: لا بأس أن يَنظُر في المرآة وهو مُحرِم، وأخرجه
ابن أبي شَيْبة (١٢٩٨٠) عن ابن إدريس عن هشام به، ونَقَل كراهته عن القاسم بن محمد.
وأمَّا التَّداوي، فقال أبو بكر بن أبي شَيْبة (١٣٠٦٧): حدَّثنا أبو خالد الأحمر وعبَّاد بن
العَوّام، عن أشعَثَ عن عطاء، عن ابن عبّاس أنَّه كان يقول: يَتَداوى المحرِمُ بما يأكل،
وقال أيضاً: حذَّثنا أبو الأحوَص، عن أبي إسحاق، عن الضَّحّاك، عن ابن عبّاس: إذا
شُقِّقَتِ يدُ المُحرِم أو رِجلاه، فليَدْهَنهما بالَّيْت أو بالسَّمْن.
٣٩٧/٣
ووقع في الأصل: ((يَتَداوى بما يأكل: الزَّيتِ والسَّمنِ)) وهما بالجرِّ في روایتنا، وصَحَّحَ
عليه ابنُ مالك عطفاً على ((ما)) الموصولة، فإنَّها مجرورة بالباء، ووقع في غيرها بالنصب،
وليس المعنى عليه، لأنَّ الذي يأكل هو الآكِل لا المأكول، لكن يجوز على الاتِّساع.
وفي هذا الأثر ردّ على مجاهد في قوله: إنْ تَداوَى بالسمنِ أو الزَّيت فعليه دمٌّ، أخرجه
ابن أبي شَيْبة (١٣٠٧٠).
تنبيه: قوله: ((يَشَمُّ) بفتح الشِّين المعجمة على الأشهر، وحُكِي ضَمُّها.
قوله: ((وقال عطاء: يَتَخَتَّم ويَلْبَس الهِمْيان)) هو بكسر الهاء مُعَّب، يُشبِه تِكَّة السّراويل
يُجُعَل فيها النَّفَقة ويُشَدُّ في الوَسَط. وقد روى الدارَقُطني (٢٤٨٤) من طريق الثَّوري، عن
ابن إسحاق، عن عطاء قال: لا بأس بالخاتَمِ للمُحرِم. وأخرج أيضاً (٢٤٨٣) من طريق
شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن عطاء - وربَّما ذكره عن سعيد بن جُبَير - عن ابن عبَّاس قال:
لا بأس بالهِمْيان والخاتَم للمُحرِمِ. والأول أصحُ، وأخرجه الطبراني (١٠٨٠٦) وابن عَدِيّ
في «الكامل)) (١٦٧/١ و٢١٧) من وجه آخر عن ابن عبّاس مرفوعاً، وإسناده ضعيف.
قال ابن عبد البَرِّ: أجازَ ذلك فقهاءُ الأمصار، وأجازوا عَقْده إذا لم يُمكِن إدخال بعضه
في بعض، ولم يُنقَل عن أحدٍ كراهته إلَّا عن ابن عمر، وعنه جوازه. ومَنَعَ إسحاق عَقدَه،

٢٧٣
باب ١٨ / ح ١٥٣٧ -١٥٣٩
كتاب الحج
وقيل: إنَّه تفرَّد بذلك، وليس كذلك فقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٤/ ٥١) بسندٍ صحيح عن
سعيد بن المسيّب قال: لا بأس بالهِمْيان للمُحرِم، ولكن لا يَعقِد عليه السّيرَ ولكن يَلِفُّه لَفّاً.
قال ابن أبي شَيْبة(١): حدَّثنا الفضل بن دُكَين، عن إسماعيل بن عبد الملك قال: رأيت
على سعيد بن جُبَير خاتَماً وهو مُحرِم، وعلى عطاء.
قوله: ((وطافَ ابن عُمَر وهو مُحِم وقد حَزَمَ على بَطْنه بثوبٍ)) وَصَلَه الشافعي (١٦٣/٢)
من طريق طاووسٍ قال: رأيت ابن عمر يسعى وقد حَزَمَ على بطنه بثوبٍ. وروى من وجه
آخر عن نافع: أنَّ ابن عمر لم يكن عَقَدَ الثَّوب عليه، وإنَّما غَرَزَ طرفه على إزاره.
وروى ابن أبي شَيْبة (٤٩/٤) من طريق مسلم بن جُندُب: سمعت ابن عمر يقول: لا
تَعِد عليك شيئاً وأنت مُرِم.
قال ابن التِّين: هو محمول على أنَّه شَدَّه على بطنه، فيكون كالهِمْيان ولم يَشُدَّه فوقَ المِزَر،
وإلَّ فمالكٌ يَرى على مَن فعل ذلك الفِدية.
قوله: ((ولم تَرَ عائشة بالتَُّان بأساً للذينَ يَرِحَلُونَ هَوْدجَها)» وقع في نسخة الصَّغَاني بعدَ
قوله: ((بأساً)): قال أبو عبد الله: يعني الذينَ ... إلى آخره.
التُّان - بضم المثنَّة وتشديد الموحّدة -: سراويل قصير بغير أكمام، والهَودَج - بفتح الهاء
وبالجيمِ - معروف، و((يَرْ حَلونَ)) بفتح أوله وسكون الراء وفتح الحاء المهملة، قال الجوهري:
رَحَلت البعير أرحَلُه بفتح أوله رَحْلاً: إذا شَدَدت على ظَهره الرَّحْل، قال الأعشى:
رَحَلَتْ أُمَيمةُ غُدْوَةً أجمالَها(٢)
وسيأتي في التفسير (٣) استشهادُ البخاري بقول الشاعر:
إذا ما قُمت أرحَلُها بليلٍ
(١) في ((المصنف)) (١٤٤١٤) بتحقيق الجمعة واللحيدان.
(٢) من قصيدة قالها الأعشى في مدح قيس بن مَعْدِي كَرِب، وهذا مطلعها، وتمامه: ((غَضْبى عليكَ فما تقول
بَدًا لها»، انظر ((اللسان)) (رحل).
(٣) في أول تفسير سورة براءة.

٢٧٤
باب ١٨ / ح ١٥٣٧ - ١٥٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وعلى هذا فوَهِمَ مَن ضَبَطَه هنا بتشديد الحاء المهمَلة وكسرها. وقد وَصَلَ أثر عائشة سعيد
ابن منصور من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنَّها حَجَّت ومعها
غِلمان لها وكانوا إذا شَدّوا رَحْلَها يَبدو منهم الشيءُ، فأمَرَتهم أن يَتَّخِذوا التَّابِينَ(١) فيَلْبَسونَها
وهم مُحرِمون. وأخرجه من وجه آخر مختصراً بلفظ: يَشُدّونَ هَودَجها.
وفي هذا ردٌّ على ابن التِّين في قوله: أرادت النِّساء، لأنَّهَنَّ يَلبَسنَ المَخِيطَ بخلاف
الرجال، وكأنَّ هذا رأيٌّ رأته عائشة، وإلَّا فالأكثر على أنَّه لا فرق بين التُّبَان والسراويل في
مَنعه للمُحرِم.
قوله: ((سفيان)) هو الثَّوري، ومنصور: هو ابن المعتمِر، والإسناد إلى ابن عمر کوفیونَ،
وكذا إلى عائشة.
قوله: ((يَدَّهِن بالزَّيت)) أي: عند الإحرام بشرطِ أن لا يكون مُطيّباً، كَمأ أخرجه التِّرمِذي
(٩٦٢) من وجه آخر عنه مرفوعاً، والموقوف عنه أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٠٢٧) وهو
أصحّ، ويؤيِّده ما تقدَّم في كتاب الغُسل(٢) من طريق محمد بن المنتَشِرِ أنَّ ابن عمر قال: لأَنْ
أَطَّلِيَ بقَطِرانٍ أحبُّ إليَّ من أن أتطَيَّب ثمَّ أُصبح مُحرِماً. وفيه إنكار عائشة عليه، وكان ابن
عمر يَتَبَع في ذلك أباه، فإنَّه كان يَكرَه استدامة الطِّيب بعدَ الإحرام كما سيأتي، وكانت
عائشة تُنکِرِ عليه ذلك.
٣٩٨/٣ وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر أنَّ عائشة كانت
تقول: لا بأس بأن يُمَسَّ الطِّيب عند الإحرام، قال: فدَعَوت رجلاً وأنا جالس بجنب ابن
عمر، فأرسَلْتُه إليها وقد عَلِمتُ قولها، ولكن أحببت أن يسمعَه أَبي، فجاءني رسولي فقال:
إِنَّ عائشة تقول: لا بأس بالطِّيبِ عند الإحرام، فأَصِبْ ما بَدَا لك. قال: فسَكَتَ ابن عمر.
(١) جمع تُبّان: وهو سروال صغير يستر العورة المغلَّظة فقط، ويُكثِر لُبسه الملّحون. انظر ((النهاية في غريب
الحدیث)) (تبن).
(٢) برقم (٢٧٠)، وليس فيه عنده قوله: ((لأن أطّلي بقطران))، وهو عند مسلم من الطريق نفسها برقم
(١١٩٢) (٤٧).

٢٧٥
باب ١٨ / ح ١٥٣٧ -١٥٣٩
كتاب الحج
وكذا كان سالم بن عبد الله بن عمر يُخالف أباه وجَدَّه في ذلك لحديث عائشة، قال ابن
عُيَيْنَةَ: أخبرنا عَمْرو بن دينار عن سالم: أنَّه ذكر قول عمر في الطِّيب ثمَّ قال: قالت عائشة،
فذكر الحديث، قال سالم: سُنَّة رسول الله وَّه أَحَقُّ أن تُتَّبَع.
قوله: ((فَذَكَرْته لإبراهيم)) هو مَقُول منصور، وإبراهيم: هو النَّخَعي.
قوله: ((فقال: ما تَصْنعُ بقوله؟!)) يشير إلى ما بيَّنته وإن كان لم يتقدَّم إلّا ذِكْر الفعل، ويُؤْخَذ
منه أنَّ المفزَع في النَّوازل إلى السُّنَن، وأنَّه مُستَغْنَى بها عن آراء الرجال وفيها المقنَع.
قوله: ((كأنّي أَنظُر)) أرادت بذلك قوّة تَحَقُّقها لذلك، بحيثُ إنَّهَا لِشِدّة استحضارها له
کأنها ناظرة إلیه.
قوله: ((وَبِيص)) بالموخَّدة المكسورة وآخره صاد مُهمَلة: هو البَريق، وقد تقدَّم في الغُسل
(٢٧٠) قول الإسماعيلي: إنَّ الوَبيص زيادة على البَريق، وأنَّ المراد به التَّلَالُؤْ، وأنَّه يدلُّ على
وجود عَين قائمة لا الرِّيح فقط.
قوله: ((في مَفارِق)) جمع مَفرِق: وهو المكان الذي يَفتَرِق فيه الشَّعر في وَسَط الرَّأس،
قيل: ذكرته بصيغة الجمع تعميماً لجوانب الرَّأس التي يُفرَق فيها الشَّعر.
قوله: (لإحرامه)) أي: لأجلِ إحرامه، وللنَّسائي (٢٧٠٠): حينَ أراد أن يُحِرِم، ولمسلم
(١١٩٠/ ٤٤) نحوه كما سيأتي قريباً.
قوله: ((ولِحِلِّه)) أي: بعدَ أن يَرميَ ويَلِقَ.
واستُدِلَّ بقولها: ((كنت أُطيِّب)) على أنَّ (كان)) لا تقتضي التكرار، لأنَّها لم يقع منها ذلك
إلَّا مَرَّة واحدة، وقد صَرَّحَت في رواية عُرْوة عنها بأنَّ ذلك كان في حَجَّة الوداع كما سيأتي
في كتاب اللباس (٥٩٣٠).
كذا استَدَلَّ به النَّوَوي في ((شرح مسلم)) - وتُعقِّبَ - بأنَّ المدَّعَى تكرارُه إنَّما هو التطيُّب
لا الإحرام، ولا مانع من أن يَتكرّر التطيُّب لأجل الإحرام مع كونِ الإحرام مرَّة واحدة،
ولا يخفى ما فيه.

٢٧٦
باب ١٨ / ح ١٥٣٧ - ١٥٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقال النَّوَوي في موضع آخر: المختار أنَّها لا تقتضي تكراراً ولا استمراراً، وكذا قال
الفَخْر في ((المحصول))، وجَزَمَ ابن الحاجب بأنَّها تقتضيه قال: ولهذا استَفَدنا من قولهم:
((كان حاتم يَقري الضَّيف)) أنَّ ذلك كان يَتكرّر منه، وقال جماعة من المحقّقين: إنّها تقتضي
التكرار ظُهوراً، وقد تَقَع قَرِينة تَدُلّ على عَدَمه، لكن يُستفاد من سياقه لذلك المبالَغة في
إثبات ذلك.
والمعنى: أنَّها كانت تُكرِّر فعل التطيُّب لو تكرَّرَ منه فعل الإحرام، لمَا اطَّلَعَت عليه من
استحبابه لذلك، على أنَّ هذه اللفظة لم تَتَّفِقِ الزُّواة عنها عليها، فسيأتي للبخاري (١٧٥٤)
من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك فيه هنا بلفظ: ((طيِّبت
رسول الله وَالي))، وسائر الطّرق ليس فيها صيغة ((كان))(١)، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على استحباب التطيُّب عند إرادة الإحرام، وجواز استدامته بعدَ الإحرام،
وأنَّه لا يَضُرّ بقاء لونه ورائحته، وإنَّما يَحَرُم ابتداؤُه في الإحرام، وهو قول الجمهور، وعن
مالك: يَجِرُم ولكن لا فِدْية، وفي رواية عنه: تجب، وقال محمد بن الحسن: يُكرَه أن يُتطيّب
قبلَ الإحرام بما یبقی عَينُه بعده.
واحتَجَّ المالكية بأُمور، منها: أنَّه ◌َلّهِ اغتَسَلَ بعدَ أن تَطَيِّبَ لقوله في رواية ابن المنتَشِر
المتقدِّمة في الغُسل (٢٧٠): ((ثمَّ طافَ بنسائه ثمَّ أصبح مُحُرِماً))، فإنَّ المراد بالطَّواف الجماع،
وكان من عادته أن يَغْتَسِل عند كلّ واحدة، ومن ضَرُورة ذلك أن لا يبقى للطِّيبِ أثر،
ويَرُدُّه قوله في الرواية الماضية أيضاً (٢٧٠): ((ثمَّ أصبح مُحُرِماً يَنضِح طيباً)) فهو ظاهر في أنَّ
(١) وهذا مردود بما وقع عند البخاري نفسه (٥٩٢٣)، وأحمد (٢٥٧٥٢) من رواية الأسود عنها بلفظ:
كنت أطيب النبي وَ ل، وهي عند مسلم أيضاً (١١٩٠) (٤٣) بلفظ: إن كنت لأنظر إلى وبيص
الطيب ... ، وبما وقع أيضاً عند البخاري (٥٩٢٨)، ومسلم (١١٨٩)، وأحمد (٢٤٩٨٨) من رواية
عروة عنها بلفظ: كنت أطيِّب رسول الله وَل و عند إحرامه بأطيب ما أجد، وعند الطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ٢/ ١٣٠، والدارقطني (٢٤٧٩)، والبيهقي ٣٥/٥ من رواية ابن عمر عنها بلفظ: كنت
أطيِّب رسول الله وَ له بالغالية الجيدة عند إحرامه.

٢٧٧
باب ١٨ / ح ١٥٣٧ -١٥٣٩
كتاب الحج
نَضْحَ الطِّيب - وهو ظُهور رائحته - كان في حال إحرامه، ودعوى بعضهم أنَّ فيه تقديماً
وتأخيراً، والتقدير: طافَ على نسائه يَنضِح طِيباً ثمَّ أصبح مُحرِماً، خلاف الظاهر، ويَرُدّه
قوله في رواية الحسن بن عُبيد الله عن إبراهيم عند مسلم(١): كان/ إذا أراد أن يُحِرِم يَتَطَيَّب ٣٩٩/٣
بأطيَبٍ ما يَجِدُ، ثمَّ أراه في رأسه ولحيته بعدَ ذلك، وللنَّسائي (٢٧٠٢) وابن حِبَّان (٣٧٦٨):
رأيت الطِّيب في مَفرِقه بعدَ ثلاث وهو مُحِم.
وقال بعضهم: إنَّ الوَبِيص كان بقايا الدُّهن المطيّب الذي تَطَيِّبَ به، فزالَ وبقيَ أثره
من غير رائحة، ويَرُدّه قول عائشة: يَنْضِحِ طِيباً.
وقال بعضهم: بقي أثرُه لا عَينُه، قال ابن العربي: ليس في شيء من طرق حديث عائشة
أَنَّ عَينه بقيَت. انتهى، وقد روى أبو داود (١٨٣٠) وابن أبي شَيْبة من طريق عائشة بنت
طلحة عن عائشة قالت: ((كنَّا نُضمِّخ وجوهنا بالمِسك المطيّب قبلَ أن نُحرِم ثمَّ نُحرِم،
فَتَعَرَق فيَسيلُ على وجوهنا ونحنُ مع رسول الله وَ له فلا يَنهانا))، فهذا صريح في بقاء عَيْن
الطِّيب، ولا يقال: إنَّ ذلك خاصٌّ بالنِّساء، لأنَّهم أجمعوا على أنَّ الرجال والنِّساء سواءٌ في
تحريم استعمال الطِّيب إذا كانوا مُحرِمين.
وقال بعضهم: كان ذلك طِيباً لا رائحة له، تمسُّكاً برواية الأوزاعي عن الزّهْري عن
عُرْوة عن عائشة: ((بطيبٍ لا يُشبِه طِيبَكم)) قال بعض رواته: يعني: لا بقاء له، أخرجه النَّسائي
(٢٦٨٨)، ويردُّ هذا التأويل ما في الذي قبله.
ولمسلم (١١٩١) من رواية منصور بن زاذانَ عن عبد الرحمن بن القاسم: بطيبٍ فيه
مِسك، وله (١١٩٠/ ٤٥) من طريق الحسن بن عُبيد الله عن إبراهيم: كأنّ أنظُر إلى وَبيص
المسك، وللشَّيخَينِ من طريق عبد الرحمن بن الأسوَد عن أبيه: بأطيب ما أجد (٢)،
(١) هو بهذا اللفظ عند مسلم (١١٩٠) (٤٤) ولكن من طريق أبي إسحاق عن ابن الأسود عن أبيه عن
عائشة، ولفظ الحسن بن عبيد الله عند مسلم (١١٩٠) (٤٥): كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق
رسول الله ﴾﴾ وهو محرم.
(٢) البخاري برقم (٥٩٢٣)، ومسلم برقم (١١٩٠) (٤٤).

٢٧٨
باب ١٨ / ح ١٥٣٧ - ١٥٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وللطَّحاوي (١٣٠/٢) والدارَقُطني (٢٤٧٩) من طريق نافع، عن ابن عمر، عن عائشة:
((بالغالية الجيّدة)) هذا يدلّ على أنَّ قولها: ((بطيبٍ لا يُشبِه طيبكم)) أي: أطيَب منه، لا كما
فَهِمَه القائل، يعني: ليس له بقاء.
وادَّعى بعضهم أنَّ ذلك من خصائصه وَلّهِ. قاله المهلَّب وأبو الحسن القَصّار وأبو
الفَرَج من المالكية، قال بعضهم: لأنَّ الطّيب من دواعي النِّكاح، فنهى الناس عنه، وكان
هو أَملكَ الناس لإرْبِه ففَعَله، ورَجَّحَه ابن العربي بكَثْرة ما ثَبَتَ له من الخصائص في
النِّكاح، وقد ثَبَتَ عنه أنَّه قال: ((حُبِّبَ إليَّ النِّساء والطِّيب)) أخرجه النَّسائي (٣٩٤٠) من
حديث أنس، وتُعقّبَ بأنَّ الخصائص لا تَنْبُت بالقياس.
وقال المهلَّب: إنَّما خُصَّ بذلك لمباشَرَتِه الملائكة لأجل الوحي، وتُعقِّبَ بأَنَّه فرِعُ ثُبُوت
الخصوصيّة، وكيف بها ويَرُدُّها حديث عائشة بنت طلحة المتقدِّم. وروى سعيد بن
منصور بإسناد صحيح عن عائشة قالت: طيّيت أبي بالمِسكِ لإحرامه حينَ أحرَمَ، وبقولها:
طَّيت رسول الله وَ لّه بِيدَيَّ هاتَين، أخرجه الشَّيخان(١) من طريق عمر بن عبد الله بن عُرْوة
عن جدِّه عنها، وسيأتي (١٧٥٤) من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ:
وأشارَت بيدَيها(٢).
واعتَذَرَ بعض المالكية بأنَّ عمل أهل المدينة على خلافه، وتُعقِّبَ بما رواه النَّسائي
(ك٤١٤٦) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنَّ سليمان بن
عبد الملك لمَّا حجَّ جمع ناساً من أهل العلم - منهم القاسم بن محمد وخارجة بن زيد
وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث - فسألهم عن التطيُّب قبلَ الإفاضة، فكلُّهم أمَرَ به. فهؤلاءِ فقهاءُ أهل المدينة من
التابعين قد اتَّفَقوا على ذلك، فكيف يُدَّعى مع ذلك العمل على خلافه؟
(١) هذا اللفظ لم يقع إلا عند البخاري (١٧٥٤) ولكن من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم، وأما
الطريق المذكورة فهي عند البخاري (٥٩٣٠)، ومسلم (١١٨٩) (٣٥) ولكن بلفظ: ((بيدي بذريرة)).
(٢) ما سيأتي: ((وبسطت يديها)) من هذا الطريق.

٢٧٩
باب ١٩ / ح ١٥٤٠
كتاب الحج
قوله: ((ولِحِلِّه قبلَ أن يَطُوف بالبيت)) أي: لأجلِ إحلاله من إحرامه قبلَ أن يطوف
طواف الإفاضة، وسيأتي في اللباس (٥٩٢٢) من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن
القاسم بلفظ: قبلَ أن يُفِيض، وللنَّسائي (٢٦٩١) من هذا الوجه: وحينَ يريد أن يَزور
البيت، ولمسلم (٣٨/١١٨٩) نحوه من طريق عَمْرة عن عائشة، وللنَّسائي (٢٦٨٧) من
طريق ابن عُيَينةَ عن الزُّهْري عن عُرْوة عن عائشة: ولِلِّه بعدَما يَرمي جَمْرة العَقَبة قبلَ
أن يطوف بالبيت.
واستُدِلَّ به على حِلّ الطّيب وغيره من مُحرَّمات الإحرام بعدَ رَمي جَمْرة العَقَبة،
ويستمِّرّ امتناع الجِماعِ ومُتَعَلَّقاته على الطَّواف بالبيت، وهو دالٌ على أنَّ للحجِّ تَحلَّلَيْنِ، فمَن
قال: إنَّ الحلق نُسُك كما هو قول الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعية، يُوقِف استعمال
الطّيب وغيره من المحرَّمات المذكورة عليه، ويُؤخَذ ذلك/ من كونه وَ لَ فِي حَجَّته رمى ثمَّ ٤٠٠/٣
حَلَقَ ثمَّ طاف، فلولا أنَّ الطّيب بعدَ الرَّمي والحلق، لمَا اقْتَصَرَت على الطَّواف في قولها:
قبلَ أن يطوف بالبيت.
قال النَّوَوي في ((شرح المهذَّب)): ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنَّه لم يقل بأنَّ الحلق
ليس بنُسُكِ إلَّا الشافعي، وهو في رواية عن أحمد، وحُكي عن أبي يوسف.
واستُدِلَّ به على جواز استدامة الطِّيب بعدَ الإحرام، وخالَفَ الحنفيَّة فأوجَبوا فيه
الفِدية قياساً على اللُّبْس، وتُعقّبَ بأنَّ استدامة اللُّبْس لُبْس، واستدامة الطِّيب ليس بطيب،
ويظهر ذلك بما لو حَلَف.
وقد تقدَّم التَّعقُّب على مَن زَعَمَ أنَّ المراد بَريق الدُّهن أو أثر الطِّيب الذي لا رائحة له
بما فیه کفایة.
١٩ - من أهلَّ مُلِّداً
١٥٤٠ - حدَّثنا أصبَغُ، أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم، عن أبيه
قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّه يُهِلُّ مُلِّداً.
[أطرافه في: ١٥٤٩، ٥٩١٤، ٥٩١٥]

٢٨٠
باب ٢٠ / ح ١٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب مَن أهلَّ مُلِّداً) أي: أحرَمَ وقد لَبَّدَ شعر رأسه، أي: جعل فيه شيئاً نحو
الصَّمغ ليجَمِع شعره، لئلا يَتشَغَّث في الإحرام، أو يقع فيه القمْل.
ثم أورد حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في ذلك، وهو مُطابق للترجمة.
وقوله: ((سمعته يُهِلّ مُلِّداً)) أي: سمعته يُهِلّ في حال كونه مُلبِّداً، ولأبي داود (١٧٤٨)
والحاكم(١) من طريق نافع عن ابن عمر: أنَّه عليه الصلاة والسلام لَبَّدَ رأسه بالعَسَل؛ قال ابن
الصَّلاح(٢): يحتمل أنَّه بفتح المهمَلتَين، ويحتمل أنَّه بكسر المعجَمة وسكون المهمَلة، وهو ما
يُغْسَل به الرَّأس من خِطْميٍّ أو غيره. قلت: ضبطناه في روايتنا في ((سنن أبي داود)) بالمهمَلَتَين.
٢٠ - باب الإهلال عند مسجد ذي الحُلَیفة
١٥٤١ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبَةَ، سمعتُ سالم بنَ
عبد الله، قال: سمعتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما.
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكٍ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله: أنَّه
سمعَ أباه يقول: ما أهلَّ رسولُ الله ◌َّ إلا من عندِ المسجد، يعني: مسجدَ ذي الحُلَيَفةِ.
قوله: ((باب الإهلال عند مسجد ذي الحُلَيفة)) أي: لمن حجَّ من المدينة. أورَدَ فيه حديث
سالم أيضاً عن أبيه في ذلك من وجهَين، وساقه بلفظ مالك.
وأمَّا لفظ سفيان: فأخرجه الحُميدي في («مسنده)) (٦٥٩) بلفظ: هذه البَيْداء التي تَكذِبونَ
فيها على رسول الله ◌َله، والله ما أهلَّ رسول الله ◌َ لل إلَّا من عند المسجد، مسجد ذي الحُلَيفة.
وأخرجه مسلم (٢٤/١١٨٦) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عُقْبةَ بلفظ:
كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من البَيْداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها ... إلى آخره، إلَّا
أنَّه قال: ((من عند الشجرة حينَ قام به بعيره))، وسيأتي للمصنِّف بعدَ أبواب ترجمة ((مَن أهلَّ
(١) ليس في مطبوع ((المستدرك)) للحاكم، وهو في ((إتحاف المهرة)) ٩/ ٣١٥ وأشار محققه إلى أنه ثابت في
مخطوطته نسخة رواق المغاربة ١/ ٢٠٨ ب.
(٢) كذا في الأصلين، وهو الصواب، وتحرف في (س) إلى: ابن عبد السلام.