Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
باب ٣٨ / ح ١٤٥٤
كتاب الزكاة
الأربع الزائدة على العشرينَ وَقْصاً، وهو قول الشافعي في البُوَيطي، وقال في غيره: إنَّه
عَفْوٌ. ويظهرُ أثرُ الخلاف فيمن له مثلاً تسعٌ من الإبل، فتَلِفَ منها أربعةٌ بعدَ الحَوْلِ وقبلَ
التمكُّن، حيثُ قلنا: إنَّه شرطٌ في الوجوب، وَجَبَت عليه شاة بلا خلاف، وكذا إن قلنا:
التمكُّنُ شرطٌ في الضَّمان، وقلنا: الوَقْص عفوٌ، وإن قلنا: يَتَعلَّقُ به الفَرْضِ وَجَبَ خمسةٌ
أتساع شاة، والأول قول الجمهور کما نقله ابن المنذر، وعن مالكٍ روایة کالأول.
تنبيه: الوَقَص، بفتح الواو والقاف، ويجوز إسكانُها، وبالسِّين المهمَلة بدل الصاد: هو
ما بين الفرضَينِ عند الجمهور(١)، واستَعمَله الشافعي فيما دونَ النِّصاب الأول أيضاً،
والله أعلم.
قوله: ((فإذا بَلَغَت خمساً وعشرينَ)) فيه أنَّ في هذا القَدْرِ بنتَ مَخَاض، وهو قول
الجمهور إلَّا ما جاء عن عليٍّ أنَّ في خمس وعشرينَ خمسَ شِياه، فإذا صارت ستّاً وعشرينَ
كان فيها بنتُ مَخَاض، أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٢٢/٣) وغيرُه عنه موقوفاً ومرفوعاً،
وإسناد المرفوع ضعيف(٢).
قوله: ((إلى خمس وثلاثينَ)) استُدِلَّ به على أنَّه لا يجبُ فيما بين العددَينِ شيء غيرُ بنتِ
مَخَاض، خلافاً لمن قال كالحنفيَّة: تُستأْنَفُ الفريضة، فيجبُ في كلِّ خمسٍ من الإبلِ شاةٌ
مضافة إلى بنت المَخَاض.
قوله: ((ففيها بنتُ مَخَاض أُنثى)) زاد حَمَّد بن سَلَمَةَ في روايته(٣): فإن لم تكن بنتُ
مَخَاض فابنُ لَبُون ذَكَر، وقوله: ((أُنثى)) وكذا قوله: ((ذَكَر)) للتأكيد أو لتَنْبِيه رَبِّ المال
لِيَطِيبَ نَفْساً بالزيادة، وقيل: احتُّرِزَ بذلك من الخُنْثى، وفيه بُعدٌ.
وبنت المخاض - بفتح الميم والمعجَمة الخفيفة وآخره معجمة -: هي التي أتى عليها
(١) نحو أن تبلغ الإبل خمساً، ففيها شاة حتى تبلغ عشراً، فما بين الخمس إلى العشر وَقصٌ، وبعض العلماء
يجعل الوقص في البقر والغنم، وبعضهم يجعله في البقر خاصة، والشَّنَق في الإبل خاصة. انظر ((القاموس
الفقهي)) ١/ ٢٨٥.
(٢) أخرج المرفوع أبو داود (١٥٧٢) من وجهين، أحدهما ضعيف والآخر حسن.
(٣) عند أحمد برقم (٧٢)، وأبي داود (١٥٦٧).

١٢٢
باب ٣٨ / ح ١٤٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
حَوْلٌ ودَخَلَت في الثاني، وحَمَلت أُمُّها، والماخِضُ: الحامل، أي: دَخل وقتُ حَمْلِها وإن لم
تَّحْمِل. وابن اللَّبُون: الذي دخل في ثالثٍ سنة، فصارت أُمُّه ◌َبُوناً بَوَضْعِ الحَمْل.
قوله: ((إلى خمس وأربعينَ)) ((إلى)) للغاية، وهو يقتضي أنَّ ما قبلَ الغاية يَشتَمِلُ علیه الحُكْمُ
٣٢٠/٣ المقصودُ بيانه، بخلاف ما بعدَها فلا يَدخُلُ إلَّا بدليل،/ وقد دَخَلَت هنا بدليل قوله بعدَ
ذلك: ((فإذا بَلَغَت سّاً وأربعينَ)) فعُلِمَ أنَّ حُكمَها حكمُ ما قبلَها.
قوله: ((حِقَّة طَرُوقة الجَمَل)) حِقّة بكسر المهمَلة وتشديد القاف، والجمع حِقاق بالكسر
والتخفيف، وطَرُوقة - بفتح أوله - أي: مطروقة، وهي فَعُولٌ بمعنى مَفْعولة، كَحَلُويةٍ
بمعنى مَحَلوبة، والمراد أنَّهَا بَلَغَتِ أن يَطْرُقَها الفَحْلِ، وهي التي أتت عليها ثلاث سِنِينَ
ودَخَلَت في الرّابعة.
قوله: ((جَذَعة)) بفتح الجيمِ والمعجَمة: وهي التي أتت عليها أربعٌ ودَخَلَت في الخامسة.
قوله: ((فإذا بَلَغَت، يعني: سِتّاً وسبعينَ)) كذا في الأصلِ بزيادة ((يعني))، وكأنَّ العددَ
حُذِفَ من الأصل اكتِفاء بدلالة الكلام عليه، فذَكَره بعضُ رُواته وأتى بلفظ: ((يعني)) ليُنبِّهَ
على أنَّه مَزِيدٌ، أو شكَّ أحدُ رواته فيه. وقد ثَبَتَ بغير لفظ: ((يعني)) في رواية الإسماعيلي من
طريقٍ أُخرى عن الأنصاري شيخ البخاري فيه، فيحتملُ أن يكون الشكُّ فيه من
البخاري، وقد وقع في رواية حَمَّاد بن سَلَمةَ بإثباته أيضاً.
قوله: ((فإذا زادَت على عشرينَ ومئةٍ) أي: واحدة فصاعداً، وهذا قول الجمهور. وعن
الإصطَخري من الشافعية: تجبُ ثلاثُ بناتِ لَبُون لزيادة بعض واحدةٍ لصِدق الزيادة،
وتُتَصَوَّرُ المسألة في الشَّرِكة، ويَرُدُّه ما في كتاب عمرَ المذكور: ((إذا كان إحدى وعشرينَ
ومئة، ففيها ثلاثُ بنات لَبون، حتَّى تَبلُغَ تسعاً وعشرينَ ومئة))، ومُقتَضاه أنَّ ما زاد على
ذلك فزكاته بالإبلِ خاصَّة، وعن أبي حنيفة: إذا زادت على عشرينَ ومئة، رَجَعَت إلى
فريضة الغنم، فيكون في خمس وعشرينَ ومئة ثلاثُ بنات لَبونٍ وشاءٌ.
قوله: ((فإذا بَلَغَت خمساً من الإبلِ ففيها شاةٌ وفي صدقة الغنم ... )) إلى آخره. تنبيه: اقتَطَعَ

١٢٣
باب ٣٨ / ح ١٤٥٤
كتاب الزكاة
البخاري من بين هاتين الجملتَينِ قوله: ((ومَن بَلَغَت عنده من الإبلِ صدقةُ الجَذَعة)) إلى
آخر ما ذكره في الباب الذي قبلَه، وقد ذُكِرَ آخره في «باب (٣٣) العَرْض في الزكاة» وزاد
بعدَ قوله فيه: ((يُقبَلُ منه بنتُ مَخَاض ويُعطي معها عشرين درهماً أو شاتَين)): ((فإن لم
يكن عنده بنتُ مَخَاض على وَجِهِها وعنده ابنُ لَبُون، فإنَّه يُقبَلُ منه وليس معه شيء))
وهذا الحُكْم مُتَفَق عليه، فلو لم يَجِدْ واحداً منهما، فله أن يشتريَ أيَهما شاءَ، على الأصحِّ
عند الشافعية.
وقيل: يَتعيَّنُ شراءُ بنتِ مَخَاض، وهو قول مالك وأحمد، وقوله فيه: ((ويُعطي معها
عشرينَ درهماً أو شاتَين)) هو قول الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. وعن الثَّوري: عشرة،
وهي روايةٌ عن إسحاق، وعن مالكِ: يُلزَمُ ربُّ المال بشراء ذلك السِّنِّ بغير جُبْران.
قال الخطَّبي: يُشبِهِ أن يكون الشارع جعل الشائَينِ أو العشرينَ درهماً تقديراً في
الجُبْران، لئلّا يَكِلَ الأمرَ إلى اجتهاد الساعي؛ لأنَّه يأخُذُها على المياه حيثُ لا حاكمَ ولا
مُقَوِّمَ غالباً، فضَبَطَه بشيءٍ يَرفَعُ التَّنَازُعَ كالصاع في المُصَرّة، والغُرّة في الجنينِ(١)، والله
أعلم. ويَلِي(٢) هاتَين الجملتَينِ قوله: ((وفي صدقة الغنم)) وسيأتي التنبيه على ما حَذَفَه منه
أيضاً في موضعٍ آخرَ قريباً.
قوله: ((إذا كانت)) في رواية الكُشْمِيهني: ((إذا بَلَغَت)).
قوله: ((فإذا زادَت على عشرينَ ومئٍ)) في كتاب عمر: فإذا كانت إحدى وعشرينَ، حتَّى
تَبلُغَ مئتينٍ ففيها شاتان. وقد تقدَّم قول الإصطَخْري في ذلك والتعقيب عليه.
قوله: ((فإذا زادَت على ثلاث مئة ففي كلِّ مئةٍ شاةٌ)) مُقتَضاه أنَّه لا تجبُ الشاة الرّابعة حتَّى
(١) المُصَرّاة: الناقة أو البقرة أو الشاة يُصرَّى اللبن في ضَرْعها؛ أي: يُجمَع ويُحبَس. والغُرَّة في الأصل:
البياض الذي يكون في وجه الفرس، والمراد هنا: العبد الأبيض أو الأَمة البيضاء، فلا يُقبل في الدِّية عبد
أسود أو أَمة سوداء. انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (صرر) و(غرر).
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: وبین.

١٢٤
باب ٣٨ / ح ١٤٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
تُونِيَ أربعَ مئة، وهو قول الجمهور، قالوا: فائدة ذِكر الثلاث مئة لبيان النِّصاب الذي بعده،
لكَونِ ما قبله مُخْتِلِفاً، وعن بعض الكوفيين كالحسنِ بن صالح وروايةٌ عن أحمدَ: إذا زادت
على الثَّلاث مئة واحدةً، وَجَبَ الأربعُ.
قوله: ((ففي كلِّ مئةٍ شاةٍ شاةٌ، فإذا كانت سائمةُ الرَّجل)) تنبيه: اقتَطَعَ البخاري أيضاً من
بينِ هاتين الجملتَينِ قوله: ((ولا يُخْرَجُ في الصَّدَقة هَرِمَةٌ)) إلى آخر ما ذكره في الباب الذي
يَلِيه، واقتَطَعَ منه أيضاً قوله: ((ولا يُجمَعُ بين مُتَفرِّق)) إلى آخر ما ذكره في بابه (٣٤)، وكذا
قوله: ((وما كان من خَليطَين)) إلى آخر ما ذكره في بابه (٣٥)، ويَلِي هذا قوله هنا: ((فإذا
كانت سائمة الرجل ... )) إلى آخِرِه.
وهذا حديث واحد يَشتَمِلُ على هذه الأحكام التي فرَّقَها/ المصنِّفُ في هذه الأبواب،
٣٢١/٣
غيرَ مُراعٍ للتَّرتيبِ فيها، بل بحَسَبٍ ما ظَهَرَ له من مُناسَبة إيراد التراجم المذكورة.
قوله: ((وفي الرِّقَة)) بكسر الراء وتخفيف القاف: الفضَّة الخالصة سواء كانت مَضْروبة أو
غير مَضْروبة، قيل: أصلُها الوَرِق، فحُذِفَت الواوُ وعُوِّضَت الهاء، وقيل: يُطلَق على
الذَّهب والفضَّة بخلاف الوَرِق، فعلى هذا فقيل: إنَّ الأصلَ في زكاة النَّقْدَينِ نِصاب
الفضَّة، فإذا بَلَغَ الذَّهب ما قيمتُهُ متَنا درهم فضَّةً خالصةً وَجَبَت فيه الزكاة، وهو رُبعُ
العُشر، وهذا قول الزُّهْري وخالَفَه الجمهور.
قوله: ((فإن لم تكن)) أي: الفضَّةُ ((إلّا تسعينَ ومئة)) يُوهِمُ أنَّها إذا زادت على التِّسعينَ ومئةٍ
قبلَ بلوغ المئتين، أنَّ فيها صدقةً، وليس كذلك، وإنَّما ذَكَر التِّسعينَ، لأنَّه آخرُ عَقْدٍ قبلَ
المئة، والحِسابُ إذا جاوَزَ الآحادَ كان تركيبه بالعُقودِ كالعَشَرات والِئِينِ والأُلوفِ، فذكر
التِّسعينَ لَيَدلَّ على أن لا صدقةَ فيما نَقَصَ عن المئتين، ويدلُّ عليه قولُه الماضي (١٤٤٧):
((ليس فيما دونَ خمس أواقٍ صدقةٌ)).
قوله: ((إلّا أن يَشاءَ رَبُّها» في المواضع الثَّلاثة، أي: إلَّا أن يَتَبَرَّعَ مُتطوِّعاً.

١٢٥
باب ٣٩ / ح ١٤٥٥
كتاب الزكاة
٣٩- باب لا تؤخذ في الصدقة هَرِمةٌ ولا ذاتُ عَوارٍ ولا تَیَسُ
إلا ما شاءَ المصَّدِّق
١٤٥٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أَبي، قال: حدَّثني ثُمَامةُ، أنَّ أنساً ﴾ حدَّثه:
أنَّ أبا بكرٍ ﴾ كَتَبَ له التي أمُرَ الله رسولَه ◌َّه ولا يُخْرَجُ في الصَّدَقةِ هَرِمٌ، ولا ذاتُ عَوارٍ،
ولا تَيَسُ إلا ما شاءَ المصَّدِّق.
قوله: ((باب لا يُؤْخَذُ في الصَّدَقةِ هَرِمة - إلى قوله - ما شاءَ المصَّدِّق)) اختُلِفَ في ضبطِهِ،
فالأكثر على أنَّه بالتشديد والمرادُ المالك، وهذا اختيار أبي عُبيد، وتقدير الحديث: لا
تُؤْخَذُ هَرِمة ولا ذاتُ عَيبٍ أصلاً، ولا يُؤخَذُ التَّيس - وهو فَحْل الغنم - إلَّا بِرِضا المالكِ
لكَونِه يحتاجُ إليه، ففي أخذِه بغير اختياره إضرار به، والله أعلم. وعلى هذا فالاستثناء
مُختَصّ بالثالث.
ومنهم مَن ضَبَطَه بتخفيف الصاد: وهو الساعي، وكأنَّه يشير بذلك إلى التَّقْويضِ إليه
في اجتهاده، لكَونِهِ يجري مجرى الوكيل، فلا يَتصرَّفُ بغير المصلحة، فيَتَقيَّدُ بما تقتضيه
القواعدُ، وهذا قول الشافعي في ((الْبُوَيطي)) ولفظه: ولا تُؤْخَذُ ذات عَوَارٍ ولا تَيس ولا
هَرِمة، إلّا أن يَرى المصَدِّقُ أنَّ ذلك أفضلُ للمساكينِ فيأخُذَه على النَّظَر، انتهى.
وهذا أشبَهُ بقاعدة الشافعي في تَناوُل الاستثناء جميعَ ما ذُكِرَ قبلَه، فلو كانت الغنمُ كلُّها
مَعِيبةً مثلاً أو تُيوساً، أجزأه أن يُخِرِجَ منها، وعن المالكية: يَلزَمُ المالك أن يشتريَ شاة مُجْزِئَةً،
تمسُّكاً بظاهرِ هذا الحديث، وفي روايةٍ أُخرى عندهم كالأول.
قوله: ((هَرِمة)) بفتح الهاء وكسر الراء: الكبيرةُ التي سَقَطَت أسنانُها.
قوله: ((ذات عَوارٍ)) بفتح العَين المهمَلة وبضمِّها، أي: مَعِيبة، وقيل: بالفتح: العَيبُ،
وبالضمّ: العَوَر، واختُلِفَ في ضبطها، فالأكثر على أنَّه ما يَئْبُتُ به الردُّ في البيع، وقيل: ما
يمنعُ الإجزاءَ في الأُضحيَّة، ويَدخُلُ في المَعِيب المريضُ والذُّكورةُ بالنّسبة إلى الأُنوثة،
والصَّغيرُ سِنّاً بالنّسبة إلى سِنِّ أكبَرَ منه.

١٢٦
باب ٤٠- ٤١ / ح ١٤٥٦ - ١٤٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
٤٠ - باب أخذِ العَناق في الصدقة
١٤٥٦ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ. وقال الليثُ: حدَّثني عبدُ الرَّحمن
ابنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾، قال:
قال أبو بكرٍ﴾: والله لو مَنَعُوني عَناقاً كانوا يُؤدُّونَها إلى رسولِ الله وَّه لَقَاتَلْتُهم على مَنْعِها.
١٤٥٧- قال عمرُ : فما هو إلا أن رأيتُ أنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أبي بكرٍ ﴾ بالقتال،
فعَرَفتُ أَنَّه الحقُّ.
٣٢٢/٣
قوله: ((باب أخذِ العَنَاق)) بفتح المهمَلة، أورَدَ فيه طرفاً من قصَّة عمرَ مع أبي بكر في قتال
مانِعِي الزكاة (١)، وفيه قوله: (لو مَنَعوني عَناقاً))، وكأنَّ البخاري أشارَ بهذه الترجمة السابقة
إلى جواز أخذ الصَّغيرة من الغنمِ في الصَّدَقة؛ لأنَّ الصَّغيرةَ لا عَيبَ فيها سوى صِغَر
السِّنّ، فهي أولى أن تُؤْخَذَ من الهَرِمة إذا رأى الساعي ذلك، وهذا هو السِّرُّ في اختيار لفظ
الأخذ في الترجمة دونَ الإعطاء، وخالَفَ في ذلك المالكيةُ، فقالوا: معناه: كانوا يُؤدّونَ عنها
ما يَلِزَمُ أداؤُه.
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: لا يُؤدَّى عنها إلَّا من غيرها، وقيل: المراد بالعَناق
في هذا الحديث الجَذَعة من الغنمِ، وهو خلافُ الظاهر، والله أعلم.
قوله في أثناء الإسناد: ((وقال الليث: حدَّثني عبد الرحمن بن خالد ... )) إلى آخِرِه، وَصَلَه
الذُّهلي في ((الزُّهْریات)) عن أبي صالح عن اللیث، وللیثِ فیه إسناد من طريقٍ أُخرى ستأتي
في كتاب المرتدِّين (٦٩٢٤ و٦٩٢٥) عن عُقَيل عن ابن شِهاب.
٤١ - بابٌ لا تؤخذ كَرائمُ أموال الناس في الصدقة
١٤٥٨ - حدَّثنا أُميَّةُ بنُ بِسْطام، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا رَوْحُ بنُ القاسمِ، عن
إسماعيلَ بنِ أُميَّة، عن يحيى بنِ عبدِ الله بنِ صَيفِيٍّ، عن أبي مَعْبَدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ لمَّا بَعَثَ معاذاً ﴾ه على اليمنِ قال: ((إِنَّكَ تَقْدَمُ على قَوْمِ أهلِ كتابٍ،
(١) سلف برقم (١٤٠٠).

١٢٧
باب ٤٢ / ح ١٤٥٩
كتاب الزكاة
فَلْيَكنْ أَوَّلَ ما تَدْعُوهم إليه عبادةُ الله، فإذا عَرَفُوا اللهَ؛ فأخبِرْهم أنَّ اللهَ قد فَرَضَ عليهم خمسَ
صَلَواتٍ في يومِهِم وليلَتِهِم، فإذا فعَلُوا الصَّلاةَ فأخبِرْهم أنَّ اللهَ فَرَضَ عليهم زكاةً من أموالهم
وتُرَدُّ على فقرائهم، فإذا أطاعُوا بها فخُذ منهم، وتَوقَّ كرائمَ أموالِ الناس)).
قوله: ((لا تُؤْخَذُ كرائم أموال الناس في الصَّدَقة)) هذه الترجمة مُقيِّدة لمُطلَق الحديث،
لأنَّ فيه: ((وتَوقَّ كرائم أموال الناس» بغير تقييدٍ بالصَّدَقة، وأموالُ الناس يستوي التَّوقّي
لها بين الكرائم وغيرها فقَيَّدَها في الترجمة بالصَّدَقة، وهو بيِّنٌّ من سياق الحديث، لأنَّه وَرَدَ
في شأن الصَّدَقة، والكرائم: جمع كَرِيمة، يقال: ناقة كَرِيمة، أي: غزيرة اللَّبَن، والمراد:
نفائس الأموال من أيِّ صِنفٍ كان، وقيل له: نفيس؛ لأنَّ نَفْسَ صاحبِه تَتعلَّقُ به، وأصل
الكريمة كثيرةُ الخير، وقيل للمال النَّفيسِ: كريم لكَثْرة مَنفَعَتِه. وسيأتي الكلام على بقيَّة
الحديث قُبَيل أبواب زكاة الفِطْر (١٤٩٦) إن شاء الله تعالى.
٤٢- باب ليس فيما دُون ◌َمْسِ ذَوْدٍ صَدقٌ
١٤٥٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن محمَّدٍ بنِ عبدِ الرحمن بنِ أبي
صَعْصَعةَ المازِنِيِّ، عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ هِ، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَلَ قال: ((ليس فيما دُونَ
خمسةِ أوسُقٍ من الثَّمرِ صدقةٌ، وليس فيما دُونَ خمسٍٍ أواقٍ من الوَرِقِ صدقةٌ، وليس فيما دُونَ
خمسٍ ذَوْدٍ من الإبلِ صدقٌ)).
قوله: ((باب ليس فيما دُونَ خمس ذَوْدٍ صدقة)» الذَّوْد: بفتح المعجمة وسكون الواو بعدَها ٣٢٣/٣
مُهمَلة.
قال الزَّين بن المنيِّر: أضافَ ((خمس)) إلى ((ذَودٍ)) وهو مُذكَّرٌ، لأنَّه يقعُ على المذكَّرِ والمؤنَّث،
وأضافَه إلى الجمع لأَنَّه يقعُ على المفرَدِ والجمع. وأمَّا قول ابن قُتَيبة: إنَّه يقعُ على الواحد
فقط، فلا يَدفَعُ ما نقله غیرُه أنَّه یقعُ على الجمع. انتهى.
والأكثرُ على أنَّ الدَّوْدَ من الثلاثة إلى العشرة، وأنَّه لا واحدَ له من لفظه، وقال أبو عبيد:
من الثِّتَينِ إلى العشرة، قال: وهو يَخْتَصُّ بالإناث. وقال سِيبويه: تقول: ثلاثُ ذَوْدٍ، لأنَّ

١٢٨
باب ٤٢ / ح ١٤٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
الذَّوْدَ مؤنَّث وليس باسم كُسِّر عليه مُذكَّر (١). وقال القُرطُبي: أصلُه: ذاد يَذودُ: إذا دَفَعَ
شيئاً، فهو مصدر، وكأنَّ مَن كان عنده دَفَعَ عن نفسِه مَعرَّة الفقر وشِدّةَ الفاقة والحاجة.
وقوله: ((من الإبل)) بيان للذَّوْد، وأنكَرَ ابن قُتَيبة أن يُراد بالذَّوْد الجمع، وقال: لا يَصِحُّ
أن يقال: خمسُ ذَودٍ، كما لا يَصِحُّ أن يقال: ◌َمسُ ثوبٍ. وغَلَّطَه العلماء في ذلك، لكن قال
أبو حاتم السِّجِستاني: تَرَكوا القياسَ في الجمع، فقالوا: خمسَ ذَودٍ لخمسٍ من الإبل، كما
قالوا: ثلاث مئة، على غیر قياس.
قال القُرطُبي: وهذا صَريحُ في أنَّ الذَّودَ واحدٌ في لفظِهِ، والأشهَرُ ما قاله المتقدِّمونَ:
إنَّه لا يُقصَرُ على الواحد.
قال الزَّين بن المنيِّر أيضاً: هذه الترجمةُ تَتَعلَّقُ بزكاة الإبل، وإنَّما اقتَطَعَها من ثَمَّ، لأنَّ
الترجمةَ المتقدِّمةَ مَسُوقة للإيجاب، وهذه للنَّفي، فلذلك فَصَلَ بينهما بزكاة الغنمِ وتَوابِعِهِ.
كذا قال، ولا يخفى تكلُّفه، والذي يظهرُ لي أنَّ لها تعلُّقاً بالغنم التي تُعطى في الزكاة من جهة
أنَّ الواجبَ في الخمسِ شاة، وتعلَّقها بزكاة الإبلِ ظاهر، فلها تعلَّقٌّ بهما كالتي قبلها.
قوله: ((عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة المازِني)) كذا وقع في رواية مالك(٢)،
والمعروف أنَّه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَعصَعة، نُسِبَ إلى جَدِّه
ونُسِبَ جَدُّه إلی جَدِّه.
قوله: ((عن أبيه)) كذا رواه مالك. وروى إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن أبي أُسامة،
عن الوليد بن كثير، عن محمدٍ هذا، عن عَمْرو بن يحيى وعبَّاد بن تميم كلاهما، عن أبي سعيد.
ونَقَلَ البيهقيُّ عن محمد بن يحيى الذُّهْلي: أنَّ محمداً سمعه من ثلاثة أنفُسٍ، وأنَّ الطَّريقَينِ
محفوظان(٣). وقد سَبَقَ باقي الكلام على حديث الباب في ((باب زكاة الوَرِق)) (١٤٤٧).
(١) أي: أنه ليس من باب جمع التكسير، كونه لا واحد له من لفظه، فهو اسمٌ للجمع ومؤنث بمنزلة: نسوة، وإبل.
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢٤٤/١-٢٤٥، وفيه: عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة.
ولیس کما قال الحافظ ابن حجر!
(٣) فقال: وصار الحديث عنه - أي: عن محمد بن عبد الرحمن - عن ثلاثة، عن أبيه ويحيى بن عمارة وعبّاد بن
تميم. انظر ((السنن الكبرى)) ٤ / ١٣٤.

١٢٩
باب ٤٣ / ح ١٤٦٠
كتاب الزكاة
٤٣ - باب زكاة البقر
وقال أبو مُميدٍ: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لأَعْرِفَنَّ ما جاء اللهَ رجلٌ ببقرةٍ لها خُوَارٌ)).
ويقال: جُؤْارٌ؛ ﴿تَجَْرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]: تَرْفَعُونَ أصواتكم كما تَجْرُ البقرةُ.
١٤٦٠ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن المعْرُورِ بنِ
سُوَيدٍ، عن أبي ذرّ ﴾ قال: انتَهَيتُ إليه قال: ((والَّذي نفسي بيدِه - أو والَّذي لا إلهَ غيرُه، أو كما
خَلَفَ - ما من رجلٍ تكونُ له إبلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ لا يُؤدّي حَقَّها، إلا أُتيَ بها يومَ القِيامةِ أعظَمَ ما
تكونُ وأسمَنَه، تَطَؤُّه بأخفافها وتَنْطَحُه بقُرونِها، كلَّما جازَت أُخراها رُدَّت عليه أُولاها، حتَّى
يُقْضَی بین الناس)).
رواه بُكَيرٌ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َِّ.
[طرفه في: ٦٦٣٨]
قوله: ((باب زكاةِ البقر)) البقر: اسم جنسٍ يكون للمُذكَّرِ والمؤنَّث، اشتُقَّ من: بَقَرتُ
الشيءَ: إذا شَقَقته، لأنَّها تَبقُرُ الأرض بالحِراثة.
قال الزَّين بن المنيِر: أَخَّرَ زكاة البقر، لأنَّها أقلُّ النَّعَم وجوداً ونُصُباً (١)، ولم يَذكُر في ٣٢٤/٣
الباب شيئاً مما يَتعلَّقُ بنصابها لكَونِ ذلك لم يقع على شرطِهِ، فتقدير الترجمة: إيجاب زكاة
البقر، لأنَّ جملةَ ما ذكره في الباب يدلُّ على ذلك من جهة الوعيد على تَركِها، إذ لا يُتَوَعَّدُ
على تَركِ غير الواجب.
قال ابن رُشَيْد: وهذا الدليلُ يحتاجُ إلى مُقدِّمة، وهو أنَّه ليس في البقرِ حَقٌّ واجبٌ سوى
الزكاة، وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الزكاة حيثُ قال: ((باب إثم مانع الزكاة) وذكر
فيه حديث أبي هريرة (١٤٠٢) لكن ليس فيه ذِكرُ البقر، ومن ثَمَّ أورَدَ في هذا الباب حديثَ
أبي ذرٍّ، وأشارَ إلى أنَّ ذِكرَ البقرِ وقع أيضاً في طريقٍ أُخرى في حديث أبي هريرة(٣)، والله أعلم.
(١) جمع نِصاب: وهو القَدْر الذي تجب فيه الزكاة.
(٢) عند مسلم برقم (٩٨٧) (٢٤).

١٣٠
باب ٤٣ / ح ١٤٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وزَعَمَ ابن بَطَّال أنَّ حديثَ معاذ المرفوع: ((إنَّ في كلِّ ثلاثين بقرةً تَبيعاً، وفي كلِّ أربعينَ
مُسِنّةً)) متَّصل صحيح، وأنَّ مثلَه في كتاب الصَّدَقات لأبي بكر وعمر، وفي كلامه نظر: أمَّا
حديثُ معاذ فأخرجه أصحابُ ((السُّنَن))(١)، وقال التِّرمِذي: حسن، وأخرجه الحاكم في
((المستدرَك)) (٣٩٨/١)، وفي الحُكْمِ بصِخَّتِه نظر؛ لأنَّ مسروقاً لم يَلْقَ معاذاً، وإنَّما حَسَّنَه
التِّرمِذي لشَواهدِهِ، ففي («الموطَّأ)) (٢٥٩/١) من طريق طاووسٍ عن معاذٍ نحوُه،
وطاووس عن معاذ مُنقَطِعٌ أيضاً، وفي الباب عن عليّ عند أبي داود (١٥٧٢)، وأمَّا قوله:
إنَّ مثلَه في كتاب الصَّدَقة لأبي بكر فوَهْمٌ منه؛ لأنَّ ذِكر البقر لم يقع في شيءٍ من طرق
حديث أبي بكر، نعم هو في كتاب عمرَ، والله أعلم.
قوله: ((وقال أبو مُميد)) هو الساعدي، وهذا طرف من حديثٍ أورَدَه المصنّفُ موصولاً
من طرق (٢)، وهذا القَدْر وقع عنده موصولاً في كتاب تَرْك الحِيَل (٦٩٧٩) في أثناء الحديث
المذكور.
قوله: (لَأَعْرِفنَّ)) أي: لَأَعْرِ فَنَّكم غَداً هذه الحالة، وفي رواية: الكُشْمِيهني: ((لا أعرِفَنَّ))
بحرف النَّفي، أي: ما ينبغي أن تكونوا على هذه الحال، فأعرِفَكم بها.
قوله: ((ما جاء اللهَ رجلٌ)) ما مصدرية، أي: مَجَيُ رجلٍ إلى الله.
قوله: ((لها خُوار)) بضمِّ المعجَمة وتخفيف الواو: صَوْت البقر.
قوله: ((ويقال: جُؤار)) هذا كلام البخاري، يريدُ بذلك أنَّ هذا الحَرفَ جاء بالخاء
المعجَمة وتخفيف الواو وبالجيم والواو المهموزة، ثمَّ فسَّره فقال: ((تَجأرونَ: تَرِفَعونَ
أصواتكم))، وهذه عادة البخاري: إذا مرَّت به لفظةٌ غريبةٌ تُوافقُ كلمةً في القرآنِ، نَقَلَ
تفسيرَ تلك الكلمة التي من القرآن، والتفسير المذكور رواه ابنُ أبي حاتم عن السُّدّي،
وروى من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿يَجْثَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]
(١) أخرجه أبو داود (١٥٧٦) و(١٥٧٧) و(١٥٧٨)، وابن ماجه (١٨٠٣)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي
(٢٤٥٠-٢٤٥٣).
(٢) سيأتي (٢٥٩٧) و(٦٦٣٦) و(٧١٧٤) و(٧١٩٧).

١٣١
باب ٤٣ / ح ١٤٦٠
كتاب الزكاة
قال: يستغيثونَ(١). وقال القَزّاز: الخُوارُ بالمعجَمة، والجُؤَارُ بالجيم بمعنَّى واحدٍ في البقر.
وقال ابن سِيدَهْ: خارَ الرجلُ: رفع صوتَه بتَضَُّعٍ.
قوله: ((عن المَعُرُورِ بن سُوَيد)) هو بالعَين المهمَلة.
قوله: ((قال: انتَهَيت إليه)) هو مَقُول المعرور، والضَّمير يعودُ على أبي ذرٍّ وهو الحالف(٢).
وقوله: ((أو كما حَلَفَ)) يشير بذلك إلى أنَّه لم يَضْبِطِ اللفظَ الذي حَلَفَ به.
وقوله: ((أعظَمَ)) بالنصب على الحال، ((وأسمَنَه)) عَطَفَه عليه.
وقوله: ((جازَت)) أي: مَرَّت، وَارُدَّت)) أي: أُعيدَت.
قوله: ((لا يُؤدّي حَقَّها)» في رواية مسلمٍ (٩٩٠) من طريق وكيعٍ وأبي معاوية كلاهما عن
الأعمَشِ: ((لا يُؤدّي زكاتَها))، وهو أصرَحُ في مقصود الترجمة. وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة
المتنِ في أوائل الزكاة (١٤٠٢).
واستُدِلَّ بقوله: ((يكون له إبلٌ أو بقر)) على استواء زكاة البقرِ والإبلِ في النِّصاب، ولا
دلالةَ فيه، لأنَّه قُرِنَ معه الغنمُ وليس نِصابُها مثلَ نِصاب الإبل اتِّفاقاً.
تنبيه: أخرج مسلم (٩٩٠) في أولِ هذا الحديث قصَّةً فيها: ((هم الأكثرونَ أموالاً إِلَّا
مَن قال هكذا وهكذا)) وقد أفرَدَ البخاري هذه القطعة، فأخرجها في كتاب الأيمان والنُّدور
(٦٩٣٨) بهذا الإسناد ولم يَذكُّر هناك القَدْرَ الذي ذكره هنا.
قوله: ((رواه بُكَير)) يعني: ابن عبد الله بن الأشَجّ، ومراد البخاري بذلك موافقة هذه
الرواية لحديث أبي ذرِّ في ذِكر البقرِ؛ لأنَّ الحديثَينِ مُستَويان في جميع ما ورَدا فيه، وقد
أخرجه مسلم موصولاً (٢٦/٩٨٧) من طريق بُكَيرٍ بهذا الإسناد مطوَّلاً.
(١) أخرجه الطبري في (التفسير)) ٣٧/١٨.
(٢) وهذا يردُّه ما جاء عند مسلم (٩٩٠)، وأحمد (٢١٣٥١)، والترمذي (٦١٧) وغيرهم، فقد وقع في
روايتهم: أن أبا ذر قال: انتهيت إلى النبيِّ يَّه وهو جالس في ظل الكعبة، فقال: «هم الأخسرون ورب
الكعبة ... ))، وفي هذا دليل على أن قوله: ((انتهيت)) إنما هو من مَقُول أبي ذر وليس من مقول المعرور، وأن
الضمير في ((إليه)) يعود على النبي ◌َّو، وهو الحالف لا أبو ذر.

١٣٢
باب ٤٤ / ح ١٤٦١- ١٤٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
٣٢٥/٣
٤٤ - باب الزكاة على الأقارب
وقال النبيُّ ◌َّ: ((له أجْران: أجْرُ القَرابةِ والصَّدَقةِ)).
١٤٦١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ،
أَنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ ﴾ يقول: كان أبو طَلْحةَ أكثرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالاً من نَخْلٍ، وكان
أَحَبُّ أمواله إليه بَيرَحاءَ، وكانت مُستَقِبِلةَ المسجدِ، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ يَدخُلُها ويَشْرَبُ من
ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
[آل عمران: ٩٢] قامَ أبو طَلْحةً إلى رسولِ اللهِ وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى
يقول: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإِنَّ أحَبَّ أموالي إليَّ بَيرَحاءُ، وإنَّها صدقةٌ لله
أرجُو بِرَّها وذُخْرَها عندَ الله، فضَعْها يا رسولَ الله حيثُ أراكَ الله، قال: فقال رسولُ اللهِ وَّةٍ:
(َخ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإنّ أرَى أن تَجْعَلها في الأقربِينَ))
فقال أبو طَلْحة: أفعَلُ يا رسولَ الله. فقَسَمَها أبو طَلْحةَ في أقاربِهِ وبني عَمِّهِ.
تابَعَه رَوٌْ. وقال یحیی بنُ یحیی وإسماعيلُ، عن مالكِ: ((رایحٌ)).
[أطرافه في: ٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٢٧٦٩، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١]
١٤٦٢ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني زيدٌ، عن عِیاضٍ بنِ
عبدِ الله، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ ه: خَرَجَ رسولُ الله ◌ِّهِ في أضْحَى أو فِطْرِ إلى المصَلَّى، ثمَّ
انصَرَفَ فَوَعَظَ الناسَ وأمَرَهم بالصَّدَقةِ فقال: ((أيُّها الناسُ تَصدَّقُوا)) فمَرَّ على النِّساء، فقال: ((يا
مَعْشَرَ النِّساء تَصدَّقْنَ، فإنّي رأيتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النَّار)) فقُلْنَ: وبِمَ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: ((تُكثِرْنَ
اللَّعْنَ، وتَكفُرْنَ العَشِيرَ، ما رأيتُ من ناقصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذهَبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازمِ من
إحداكُنَّ يا مَعشَرَ النِّساء)».
ثُمَّ انصَرَفَ، فلمَّا صار إلى مَنزِلِه جاءت زينبُ امرأةُ ابنِ مسعودٍ تَسْتَاِنُ علیه، فقيل: يا
رسولَ الله، هذه زينبُ، فقال: ((أيُّ الزَّيانِبِ؟)) فقيلَ: امرأةُ ابنِ مسعودٍ. قال: ((نَعَم، اتذَنُوا لها»
فَأُذِينَ لها، قالت: يا نبيَّ الله، إنَّكَ أُمَرْتَ اليومَ بالصَّدَقةِ، وكان عندي خُلِيٌّ لِي فَأرَدْتُ أن أتصَدَّقَ

١٣٣
باب ٤٤ / ح ١٤٦١ - ١٤٦٢
كتاب الزكاة
بها، فَزَعَمَ ابنُ مسعودٍ أَنَّه ووَلَدَه أحَقُّ مَن تَصدَّقْتُ به عليهم، فقال النبيُّ نَّهِ: ((صَدَقَ ابنُ
مسعودٍ، زوجُكِ ووَلَدُكِ أحَثُ مَن تَصدَّقْتِ به عليهم)).
قوله: ((باب الزكاةِ على الأقارِب)) قال الزَّين بن المنيِّرُ: وَجْهُ استدلالِه لذلك بأحاديث
الباب: أنَّ صدقةَ التطوُّع على الأقاربِ لمَّا لم يَنقُص أجرُها بوقوعِها مَوقِعَ الصَّدَقة والصِّلة
معاً، كانت صدقةُ الواجب كذلك، لكن لا يَلزَمُ من جواز صدقة التطوُّع على مَن يَلزَمُ المرءَ
نفقتُهُ أن تكون الصَّدَقة الواجبة كذلك.
وقد اعتَرَضَه الإسماعيليُّ بأنَّ الذي في الأحاديث التي ذكرها مُطلَق الصَّدَقة لا الصَّدَقَةُ
الواجبةُ، فلا يَتِمُّ استدلالُه إلَّا إن أراد الاستدلالَ على أنَّ الأقاربَ في الزكاة أحَقُّ بها، إذ
رأى النبيُّ ◌َّهِ صَرْفَ الصَّدَقة المتَطَوَّع بها إلى الأقاربِ أفضلَ، فذلك حينئذٍ له وَجهٌ.
قال ابن رُشَيد: قد يُؤخَذُ ما اختارَه المصنِّفُ من حديث أبي طلحة فيما فَهمَه من الآية، ٣٢٦/٣
وذلك أنَّ النَّفقةَ في قوله: ﴿حَتَّى تُنفِقُواْ﴾ أعمُّ من أن يكون واجباً أو مَندُوباً، فعَمِلَ بها أبو
طَلْحة في فَرْدٍ من أفراده، فيجوزُ أن يُعْمَلَ بها في بقيَّةِ مُفْرَداته، ولا يُعارِضُها قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، لأنَّها تَدُلُّ على حَصْرِ الصَّدَقة الواجبة في
المذكورينَ. وأمَّا صَنِيعُ أبي طلحة فيدلُّ على تقديم ذوي القُربى إذا اتَّصَفوا بصفةٍ من
صِفات أهل الصَّدَقة على غيرهم، وسيأتي ذِكرُ مَن يُستَثنى من الأقاربِ في الصَّدَقة الواجبة
بعدَ بابین.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: له أجْرانٍ: أجْر القَرابة وأَجْرُ الصَّدَقة)» هذا طرف من حديثٍ فيه
قصَّة لامرأة ابن مسعود، وسيأتي موصولاً بعدَ ثلاثة أبواب (١٤٦٦).
ثمَّ ذکر المصنِّف في الباب حدیثین: حدیثُ أنس في تَصدُّق أبي طلحة بأرضِه، وحديث
أبي سعيد في قصَّة امرأة ابن مسعودٍ وغير ذلك.
فأمَّا حديثُ أنس فسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في كتاب الوقف (٢٧٥٢).

١٣٤
باب ٤٤ / ح ١٤٦١ - ١٤٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله فيه: ((بَيْرَحاء)) بفتح الموحّدة وسكون التحتانية وفتح الراء وبالمهملة والمدّ، وجاء
في ضبطِهِ أوجُهُ كثيرة جمعها ابنُ الأثير في ((النِّهاية)) فقال: يُروَى بفتح الباء وبكسرها،
ويفتح الراء وضمها، وبالمدِّ والقَصْر، فهذه ثمان لُغاتٍ. وفي رواية حَمَّد بن سَلَمة(١): ((بَرِيحًا))
بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، وفي ((سُنَنِ أبي داود)) (١٦٨٩): ((بارِيها))
مثلُه لكن بزيادة ألف، وقال الباجيُّ: أفصَحُها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء
مقصور، وكذا جَزَمَ به الصَّغَاني، وقال: إنَّه فَيَعُلَى من البَراح، قال: ومَن ذَكَره بكَسْر
الموخَّدة وظَنَّ أَّها بئرٌ من آبار المدينة فقد صَحَّف.
قوله: ((تابَعَه رَوْحٌ)) يعني: عن مالكٍ في قوله: ((رابح)) بالموخَّدة، وسيأتي من طريقه
موصولاً في البيوعِ(٢).
قوله: ((وقال يحيى بن يحيى وإسماعيل، عن مالك: رايح)) يعني: بالتَّحتانية، أمَّا روايةٌ
يحيى فستأتي موصولة في الوكالة (٢٣١٨) وعزاها مُغَلْطاي لتخريج الدارَقُطني فأبعَدَ،
وأمَّا روايةُ إسماعيلَ: وهو ابن أبي أُوَيس، فَوَصَلها المصنِّف في التفسير (٤٥٥٤)، وقد وَهَمَ
صاحب ((المطالع)) فقال: روايةٌ يحيى بن يحيى بالموحّدة، وكأنَّه اشتَبَهَ عليه الأندلسيُّ
بالنَّيسابُوري، فالذي عَناه هو الأندلسي، والذي عَناه البخاريُّ النَّيسابوري، قال الدَّاني في
((أطرافه)): رواه يحيى بن يحيى الأندلسي بالموحّدة وتابَعَه جماعة، ورواه يحيى بن يحيى
النَّيسابوري بالمثنَّة وتابَعَه إسماعيل وابن وَهْب، ورواه القَعنَبي بالشكّ. انتهى، ورواية
القَعنَبي وصلها البخاري في الأشربة (٥٦١١) بالشكِّ كما قال.
والرواية الأولى واضحة من الرِّبح، أي: ذو رِبح، وقيل: هو فاعل بمعنى مفعول، أي:
هو مالٌ مربوحٌ فيه، وأمَّا الثانية فمعناها: رائحٌ عليه أجرُه، قال ابن بَطَّال: والمعنى: أنَّ
مسافته قريبة وذلك أنفَسُ الأموال، وقيل: معناه: يَروحُ بالأجرِ ويَغدو به، واكتَفی
بالزَّواح عن الغُدوّ. واذَّعى الإسماعيلي أنَّ مَن رواها بالتحتانية فقد صَحَّفَ، والله أعلم.
(١) أخرجها مسلم برقم (٩٩٨) (٤٢).
(٢) انظر ما سيأتي (٢٣١٨)، وانظر ((مسند أحمد)) (١٢٤٣٨).

١٣٥
باب ٤٥-٤٦ / ح ١٤٦٣- ١٤٦٤
كتاب الزكاة
وأما حديث أبي سعيد فقد تقدَّم الكلام على صَدره مُستوفَّى في كتاب الحيض (٣٠٤)، وبقيَّة
ما فيه من قصَّة امرأة ابن مسعودٍ يأتي الكلام عليه بعدَ بابينِ مُستوفَّى (١٤٦٦) إن شاء الله تعالى.
وقوله فيه: ((فقيل: يا رسول الله، هذه زينب)) القائل: هو بلال كما سيأتي (١٤٦٦).
وقوله: ((ائذَّنُّوا لها فأذِنَ لها فقالت: يا رسول الله ... )) إلى آخره، لم يُبيِّن أبو سعيد مَمَّن سمع
ذلك، فإن يكن حاضراً عند النبي ◌َّ حالَ المراجعة المذكورة فهو من مسنده، وإلَّا
فيُحتمَلُ أن يكون حَلَه عن زينبَ صاحبةِ القصَّة، والله أعلم.
٤٥ - بابٌ ليس على المسلم في فَرَسِه صدقةٌ
١٤٦٣ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دينارٍ، قال: سمعتُ سليمانَ بنَ يَسارٍ،
عن عِراكِ بنِ مالكٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((ليس على المسلمِ فِي فَرْسِه
وغُلامِه صَدقٌ)).
[طرفه في: ١٤٦٤]
٤٦- باب ليس على المسلم في عبده صدقةٌ
١٤٦٤ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن خُثَيِم بِن عِراكٍ، قال: حدَّثني أَبي، عن
أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النَّبِّ وَلَد.
حذَّثنا سُلَيمَانُ بنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا وُهَيبُ بن خالدٍ، حدَّثنا خُثَيِمُ بنُ عِراكِ بنِ مالكِ، عن
أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وََّ، قال: ((ليس على المسلمِ صَدقةٌ في عبدِه ولا في فَرْسِه)».
قوله: ((باب ليس على المسلم في فَرِسِه صَدقةٌ)) وقال في الذي يليه: ((ليس على المسلم في ٣٢٧/٣
عبدِه صدقة))، ثمَّ أورَدَ حديث أبي هريرة بلفظ الترجمتين مجموعاً من طريقَين، لكن في
الأُولى بلفظ: ((غُلامه)) بدلَ: عَبْده.
قال ابن رُشَيد: أرادَ بذلك الجنسَ في الفَرَسِ والعبدِ لا الفَردَ الواحدَ، إذ لا خِلافَ في
ذلك في العبدِ المتصرِّفِ والفَرَسِ المُعَدِّ للُّكُوب، ولا خِلافَ أيضاً أنَّها لا تُؤْخَذُ من
الرِّقاب، وإنَّما قال بعض الكُوفيين: يُؤْخَذُ منها بالقيمة.

١٣٦
باب ٤٧ / ح ١٤٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
ولَعَلَّ البخاريَّ أشارَ إلى حديث عليّ مرفوعاً: «قد عَفَوتُ عن الخيلِ والرَّقيق فهاتُوا
صدقةَ الرِّقَةِ)) الحديث، أخرجه أبو داود (١٥٧٤) وغيرُه(١) وإسناده حسن، والخِلاف في
ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذُكراناً وإناثاً نظراً إلى النَّسْل، فإذا انفَرَدَت فعَنْهُ
روايتان، ثمَّ عنده أنَّ المالكَ يَتخيَّرُ بين أن يُخْرِجَ عن كلِّ فَرَسٍ ديناراً، أو يُقَوَّمَ ويُخْرِجَ رُبعَ
العُشر، واستَدَلَّ عليه بهذا الحديث. وأُجيبَ بحَملِ النَّفي فيه على الرَّقَبة لا على القيمة.
واستَدَلَّ به مَن قال من أهلِ الظّاهر بعَدَمِ وُجُوب الزكاة فيهما مُطلَقاً ولو كانا للتِّجارة،
وُجِيبُوا بأنَّ زكاةَ التِّجارة ثابتةٌ بالإجماع كما نَقَلَه ابن المنذِر وغيرُه، فيُخَصُّ به عُمُوم هذا
الحديث، والله أعلم.
٤٧ - باب الصدقة على اليتامى
١٤٦٥ - حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن هلال بنِ أبي مَيْمونةَ، حدَّثنا
عطاءُ بنُ يَسارٍ، أنَّه سمعَ أبا سعيدِ الخُذْريَّ ﴾ يُحدِّثُ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ جَلَسَ ذاتَ يومٍ على
الِيَرِ وجَلَسْنا حَوْلَه، فقال: ((إنَّ ممّاً أخافُ عليكم مِنْ بَعْدي ما يُفتَحُ عليكم من زَهْرةِ الدُّنْيا
وزِينَتِها)) فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، أوَيأتي الخيرُ بالشَّرِّ؟ فسَكَتَ النبيُّ وَّهِ، فقيلَ له: ما شَأْتُكَ
تُكَلِّمُ النبيَّ ◌َّهِ ولا يُكلِّمُكَ؟ فُرُئِينا أنَّه يُنزَلُ عليه، قال: فَمَسَحَ عنه الرُّحَضاءَ فقال: ((أينَ
السائلُ؟)) وكأنَّه حَمِدَه، فقال: ((إنَّه لا يأتي الخيرُ بِالشَّرِّ، وإنَّ ممّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أو يُلِمُّ، إلا
آكِلَةَ الَخَضِرِ، أكَلَت حتَّى إذا امتَدَّت خاصِرَتاها استَقْبَلَت عَينَ الشَّمسِ، فَثَلَطَتْ، وبالَتْ
ورَتَعَتْ، وإنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوةٌ، فنِعْمَ صاحبُ المسلمِ ما أعطَى منه المِسِكِينَ والبَئِيمَ وابنَ
السَّبِيلِ - أو كما قال النبيُّ نَّهِ - وإِنَّه مَن يأخُذُه بغيرِ حَقِّ كالَّذِي يأكلُ ولا يَشْبَعُ، ويكونُ
شَهِيداً عليه يومَ القِيامةِ».
قوله: ((باب الصَّدَقةِ على اليتامى)) قال الزّين بن المنيِرِ: عَبَّرَ بالصَّدَقة دونَ الزكاة لتَرَدُّد
الخيرِ بَين صدقِةِ الفَرْضِ والتطوُّع، لكونِ ذِكر اليتيمِ جاء مُتوسّطاً بين المسكين وابن السبيلِ
وهما من مصارف الزكاة.
(١) وأخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٧١١)، وانظر تمام تخريجه فيه.

١٣٧
باب ٤٨ / ح ١٤٦٦
كتاب الزكاة
وقال ابن رُشَيد: لمَّا قال: ((باب ليس على المسلم في فرسه صدقة)) عُلِمَ أنَّه يريدُ ٣٢٨/٣
الواجبة إذ لا خلافَ في التطوُّع، فلمَّا قال: ((الصَّدَقة على اليتامى)) أحالَ على معهود ..
قوله: ((حدَّثنا هشام)) هو الدَّستُوائي ((عن يحيى)) هو ابن أبي كثير، وسيأتي الكلام على
المتنِ مُستوقَى في الرِّقاق (٦٤٢٧).
وقوله في هذه الطَّريق: ((إنَّ مَّ أخاف)) في رواية الحَمُّوِيّ: ((إنّي ممّا أخاف)).
وقوله: ((فُرُئِينا(١) أنَّه يُنزَلُ عليه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فأُرينا)) بتقديم الهمزة.
وقوله: ((إلّا آكِلَة الخَضِر)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((الخَضِراء)) بزيادة ألف.
وقوله: ((أو كما قال النبيُّ ◌َّ)) شكٌّ من يحيى. وسيأتي في الجهاد (٢٨٤٢) من طريق
فُلَيح عن هلالٍ بلفظ: ((فجَعلَه في سبيل الله واليتامى والمساكين وابنِ السَّبيل)).
٤٨- باب الزكاة على الزَّوج والأيتام في الحِجْر
قاله أبو سعيدٍ عن النبيِّ وَلّ.
١٤٦٦ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني شَقِيقٌ، عن
عَمِرِو بنِ الحارثِ، عن زينبَ امرأةِ عبدِ الله رضي الله عنهما.
قال: فَذَكَرْتُه لإبراهيمَ، فحدَّثني إبراهيمُ، عن أبي عُبيدةَ، عن عَمِرٍو بنِ الحارثِ، عن زينبَ
امرأةِ عبدِ الله، بمِثلِهِ سواءً، قالت: كنتُ في المسجدِ فرأيتُ النبيَّ ◌َِّ، فقال: «تَصدَّقْنَ ولو من
خُلِيِّكُنَّ). وكانت زينبُ تُنفِقُ على عبدِ الله وأيتام في حِجْرِها، فقالت لعبدِ الله: سَلْ رسولَ الله
وَّهِ: أَخْزِي عَنّي أن أُنفِقَ عليكَ وعلى أيتام في حَجْري من الصَّدَقةِ؟ فقال: سَلي أنتِ رسولَ الله
وَيُّه، فانطلقْتُ إلى النبيِّوَّهِ، فَجَدْتُ امرأةً من الأنصار على الباب حاجَتُها مِثلُ حاجَتِي، فَمَرَّ
علينا بلالٌ فقلنا: سَلِ النبيَّ وَّهِ: أَيَخْزِي عنِّي أن أَنْفِقَ على زوجي وأيتام لي في حَجْري؟ وقلنا:
(١) في (س): فرأينا، وهي رواية الأكثرين من رواة ((الصحيح))، والمثبت من الأصلين الخطيّين، وهو الظاهر
من شرح الحافظ، وهي رواية أبي ذر الهروي عن الحقُّوي والمستملي.

١٣٨
باب ٤٨ / ح ١٤٦٦ - ١٤٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
لا تُخْبِرْ بنا، فدخل فسألَه، فقال: ((مَن هُما؟)) قال: زينبُ. قال: ((أيُّ الزَّيانبِ؟)) قال: امرأةٌ
عبدِ الله، قال: «نَعَمْ ولها أجْرانٍ: أَجْرُ القَرابةِ وأجْرُ الصَّدَقةِ)).
١٤٦٧ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا عَبْدةُ، عن هشام، عن أبيه، عن زينبَ بنتٍ أُمّ
سَلَمَةَ قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، ألي أجْرٌ أن أُنْفِقَ على بَنِي أبي سَلَمَةَ؟ إنَّما هم بَنِيَّ. فقال:
((أَنْفِقي عليهم، فَلَكِ أجْرُ ما أنفَقْتِ عليهم)).
[طرفه في: ٥٣٦٩]
قوله: ((باب الزكاةِ على الزَّوْج والأيتام في الحِجْر. قاله أبو سعيد عن النبي ◌ِّ)) يشير إلى
حديثه السابق موصولاً في (باب الزكاة على الأقارب)) (١٤٦٢) وسنذكر ما فيه في هذا الحديث.
قال ابن رُشَيْد: أعاد الأيتامَ في هذه الترجمة لعُموم الأُولى وخُصوص الثانية، ومَحْمَل
الحديثَينِ في وجه الاستدلال بهما على العُمومِ؛ لأنَّ الإعطاءَ أعمُّ من كَونِه واجباً أو مندوباً.
قوله: ((عن عَمْرو بن الحارِث)) هو ابن أبي ضِرار - بكسر المعجَمة - الخُزَاعي، ثمَّ
المُصطَلِقِي أخو جُوَيريَة بنت الحارث زوج النبي ◌َِّ، له صحبة، وروى هنا عن صحابيَّة،
ففي الإسناد تابعيٌّ عن تابعيٍّ: الأعمَشُ عن شَقيق، وصحابيٌّ عن صحابيٍّ: عَمْروٌ عن
زينبَ: وهي بنت معاوية - ويقال: بنت عبد الله بن معاوية - بن عَتّاب الثَّقَفية، ويقال لها
أيضاً: رائطة، وقع ذلك في ((صحيح ابن حِبَّان)) (٤٢٤٨) في نحوِ هذه القصَّة، ويقال: هما
ثنتان عند الأكثر، وممّن جَزَمَ به ابن سعد، وقال الكَلَاباذي: رائطة هي المعروفةُ بزينب،
٣٢٩/٣ وبهذا جَزَمَ الطَّحاوي (٢/ ٢٤) فقال: رائطة هي زينب، لا يُعلَمُ/ أنَّ لعبد الله امرأةً في زَمَنِ
رسول الله وَ﴾ غيرها.
ووقع عند التِّرمِذي (٦٣٥) عن مَنّاد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي وائل عن
عَمْرو بن الحارث بن المُصْطَلِقِ عن ابن أخي زينب امرأةٍ عبد الله، عن امرأة عبد الله،
فزاد في الإسناد رجلاً، والموصوف بكَونِه ابن أخي زينب: هو عَمْرو بن الحارث نفسُه،
وكَأَنَّ أباه كان أخا زينب لأُمِّها؛ لأنَّهَا ثَقَفيةٌ وهو خُزاعي.

١٣٩
باب ٤٨ / ح ١٤٦٦ - ١٤٦٧
كتاب الزكاة
ووقع عند التِّرمِذي أيضاً (٦٣٦) من طريق شُعْبةَ عن الأعمَش عن أبي وائل عن
عبد الله بن عَمْرو بن الحارث ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن زينب، فجَعلَه عبدَ الله بنَ
عَمْرو، هكذا جَزَمَ به الِزّي، وعَقَدَ لعبد الله بن عَمْرو في ((الأطراف)) ترجمة لم يَزِد فيها على
ما في هذا الحديث، ولم أقف على ذلك في التِّرمِذي، بل وقفتُ على عِدّة نُسَخ منه ليس فيها
إلَّا عَمْرو بن الحارث.
وقد حكى ابن القَطّان الخلاف فيه على أبي معاوية وشُعْبة، وخالَفَ التِّرمِذي في
ترجيحِ رواية شُعْبةَ في قوله: ((عن عَمْرو بن الحارث عن ابن أخي زينب)) لانفراد أبي
معاوية بذلك. قال ابن القَطّان: لا يَضُرُّه الانفراد لأنَّه حافظ، وقد وافَقَه حَفصُ بن غِیائٍ
في رواية عنه، وقد زاد في الإسناد رجلاً، لكن يَلزَمُ من ذلك أن يُتوقَّف في صِحَّة الإسناد؛
لأنَّ ابن أخي زينبَ حينئذٍ لا يُعرَفُ حالُه. وقد حكى الثِّرمِذي في ((العِلَل المفرَدات)) أنَّه
سألَ البخاريَّ عنه فحَكَمَ على رواية أبي معاوية بالوَهْم، وأنَّ الصوابَ روايةُ الجماعة عن
الأعمش عن شقيق عن عَمْرو بن الحارث ابن أخي زينب.
قلت: ووافقه منصورٌ عن شَقيقِ، أخرجه أحمد(١)، فإن كان محفوظاً فلعلَّ أبا وائل حمله
عن الأب والابن، وإلَّا فالمحفوظ عن عَمْرو بن الحارث، وقد أخرجه النَّسائي (٢٥٨٣)
من طريق شُعْبةَ على الصواب، فقال: عَمْرو بن الحارث.
قوله: ((قال: فَذَكَرْتُه لإبراهيم)) القائل هو الأعمَش، وإبراهيم: هو ابن يزيد النَّخَعي،
وأبو عبيدة: هو ابن عبد الله بن مسعود، ففي هذه الطّريق ثلاثة من التابعين، ورجال
الطَّریقینِ کلُّھم کوفیون.
قوله: ((كنت في المسجدِ فرأيت ... )) إلى آخره، في هذا زيادةٌ على ما في حديث أبي سعيدٍ المتقدِّم
(١٤٦٢)، وبيان السبب في سؤالها ذلك. ولم أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حَجْرها.
(١) هكذا قال الحافظ، وفي نسخ ((المسند)) (١٦٠٨٣) التي بين أيدينا: منصور عن عمرو بن الحارث، بإسقاط
شقيق، والله أعلم.

١٤٠
باب ٤٨ / ح ١٤٦٦ - ١٤٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «فوَجَدْتُ امرأة من الأنصار)) في رواية الطَّيالسي (١٧٥٨) المذكورة(١): ((فإذا امرأةٌ
من الأنصار يقال لها: زينب))، وكذا أخرجه النَّسائي (ك٩١٥٦) من طريق أبي معاوية عن
الأعمَش، وزاد من وجهٍ آخرَ (ك٩١٥٩) عن عَلقَمةَ، عن عبد الله قال: انطلقَتْ امرأةٌ
عبد الله - يعني: ابن مسعود - وامرأة أبي مسعود، يعني: عُقْبةَ بن عَمْرو الأنصاري.
قلت: لم يَذْكُر ابنُ سعدٍ لأبي مسعود - امرأةً أنصارية: سوى هُزَيلة بنت ثابت بن
ثَعْلبة الخَزْرَجية فلعلَّ لها اسمَين، أو وَهَمَ مَن سمّاها زينبَ انتقالاً من اسم امرأة عبد الله
إلى اسمها.
قوله: ((وأيتام لي في حَجْري)) في رواية النَّسائي المذكورة (ك٩١٥٦): على أزواجنا وأيتامِ
في حُجورِنا، وفي رواية الطَّيالسي (١٧٥٨) المذكورة: أنَّهم بنو أخيها وبنو أُختها، وللنَّسائي
من طريق عَلَقَمة (ك٩١٥٩): لإحداهما فَضْلُ مالٍ وفي حَجْرها بنو أخ لها أيتام، وللأُخرى
فَضْلُ مالٍ وزوجٌ خفيفُ ذاتِ اليدِ. وهذا القول كِنايةٌ عن الفقر.
قوله: ((ولها أجْران: أجْر القَرابة وأجْر الصَّدَقة)) أي: أَجْر صِلَة الرَّحِمِ وأَجْر مَنفَعة
الصَّدَقة، وهذا ظاهره أنَّها لم تُشافِهْهُ بالسُّؤال ولا شافَهَها بالجواب، وحديث أبي سعيد
السابق بيابين (١٤٦٢) يدلُّ على أنَّها شافَهَته وشافَهَها لقولها فيه: ((يا نبيَّ الله إنَّك أمَرتَ))
وقوله فيه: ((صَدَقَ زوجُك)) فيحتملُ أن تكونا قِصَّتَين، ويُحتملُ في الجمع بينهما أن يقال:
تُحمَلُ هذه المراجَعة على المَجاز، وإنَّما كانت على لسان بلال، والله أعلم.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتَها إلى زوجِها، وهو قول الشافعي
والثَّوري وصاحبَي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك، وعن أحمدَ، كذا أطلقَ
بعضُهم، ورواية المَنْع عنه مُقِيَّدة بالوارث، وعبارة الجَوزَقي: ولا لمن تَلزَمُه مُؤْنَتُه،
٣٣٠/٣ فشَرَحَه ابن قُدَامةَ بما قَيَّدتُه، قال: والأظهَرُ الجواز مُطلَقاً/ إلَّا للأبوَينِ والولد، وحَلوا
الصَّدَقَةَ في الحديث على الواجبة لقولها: ((أيَجْزِي عنِّي))، وبه جَزَمَ المازريّ، وتعقَّبه عياض
(١) كذا قال، ولم يذكر الحافظ رواية الطيالسي سابقاً، لكنه سيذكرها لاحقاً.