Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ باب ٤٤ / ح ١٣٠٤ كتاب الجنائز قوله: ((أخبَرَني عَمْرو)) هو ابن الحارث المصريّ. قوله: ((عن سعيد بن الحارث الأنصاريّ)) هو ابن أبي سعيد بن المعلَّى قاضي المدينة. ووقع في رواية مسلم (٩٢٥) من طريق عُمارة بن غَزِيَّة عن سعيد بن الحارث بن المعلَّ، فكأنَّه نَسَبَ أباه لجَدِّه. قوله: ((اشتگی) أي: ضَعُفَ و ((شکوی)) بغیر تنوین. قوله: ((فلمَّا دخل عليه)) زاد مسلم في رواية عمارة بن غَزيَّة: فاستأخرَ قومُه من حوله حتَّى دنا رسول الله ێ وأصحابه الذین معه. قوله: ((في غاشيةِ أهله)) بمعجمتين، أي: الذين يَغْشَونَه للخِدْمةِ وغيرها، وسَقَطَ لفظ ((أهله)) من أكثر الروايات، وعليه شرح الخطّابِيّ، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية الغَشْية من الكَرْب، ويؤيِّده ما وقع في رواية مسلم (٩٢٤): في غَشيَّةِ. وقال التُّورِبِشْتي: الغاشية: هي الداهية من شَرِّ أو من مرض أو من مكروه، والمراد: ما يَتَغَشاه من كَرْب الوَجَع الذي هو فيه لا الموت، لأنَّ أفاق من تلك المرضة وعاشَ بعدها زماناً. قوله: «فلمَّا رأى القوم بكاءَ رسول الله وَلّهِ بَكَوْا)) في هذا إشعار بأنَّ هذه القصّة كانت بعد قصَّة إبراهيم ابن النبيّ وَّةِ، لأنَّ عبد الرحمن بن عَوْف كان معهم في هذه ولم يَعتَرِضه بمثلِ ما اعتَرَضَ به هناك، فدَلَّ على أنَّه تَقرَّرَ عنده العلم بأنَّ مجرَّد البكاء بدمع العين من غیر زیادة على ذلك لا يضرُّ. قوله: ((فقال: ألا تَسمَعُونَ)) لا يحتاج إلى مفعول، لأنَّ جُعِلَ كالفعل اللازم، أي: ألا تُوجِدونَ السماع، وفيه إشارة إلى أنَّه فَهِمَ من بعضهم الإنكار، فبيَّن لهم الفرقَ بين الحالتين. قوله: ((إنَّ الله)) بكسر الهمزة لأنَّه ابتداء كلام. قوله: ((يُعذّب بهذا)) أي: إن قال سوءاً. ٦٤٢ باب ٤٤ / ح ١٣٠٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أو يَرحَم)) إن قال خيراً، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((أو يرحم)) أي: إن لم يُنفِذ الوعيد. قوله: ((إنَّ المِيِّت يُعذّب ببكاء أهله عليه)) أي: بخلاف الحيِّ(١)، ونَظِيره قوله في قصَّة عبد الله بن ثابت التي أخرجها مالك في ((الموطَّأ)) (٢٣٣/١-٢٣٤) من حديث جابر بن عَتِيك، ففيه: فصاحَ النِّسوة، فجعل ابنُ عَتيك يُسكِّتُهُنّ، فقال رسول الله وَّه: ((دَعهُنَّ فإذا وَجَبَت فلا تبكيَنَّ باكية)) الحديث. قوله: ((وكانَ عُمَر)) هو موصول بالإسناد المذكور إلى ابن عمر، وسَقَطَت هذه الجملة وكذا التي قبلها من رواية مسلم (٩٢٤)، ولهذا ظَنَّ بعض الناس أنَّهما مُعلَّقان. ١٧٦/٣ وفي حديث ابن عمر من الفوائد: استحباب عيادة المريض، وعيادة الفاضل للمفضول، والإمامِ أتباعَه مع أصحابه، وفيه النّهي عن المنگر وبيان الوعيد عليه. ٤٥ - باب ما ينهى من النَّوح والبكاء والزَّجْر عن ذلك ١٣٠٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَوْشَبٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أخبَرَتْني عَمْرةُ، قالت: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها تقولُ: لمَّا جاء قتلُ زيدِ بنِ حارثةَ وجعفرٍ وعبدِ الله بنِ رَوَاحة، جَلَسَ النبيُّ ◌َّهِ يُعرَفُ فيه الحُزْنُ، وأنا أطَّلِعُ من شَقِّ الباب، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ نساءَ جعفرٍ. وذَكَرَ بكاءَهُنَّ - فأمَرَه بأن يَنْهاهُنَّ، فذهب الرجلُ ثمَّ أَتَى فقال: قد نَهَيتُهنَّ، وذَكَرَ أنَّهنَّ لم يُطِعْنَه، فأمَرَه الثانيةَ أن يَنْهاهُنَّ، فذهب ثمَّ أَتى فقال: والله لقد غَلَبتَني، أو غَلَبنَنا - الشَّكُّ من محمَّدٍ بنٍ حَوْشَب - فَزَعَمَت أنَّ النبيَّ لَه قال: ((فاحْثُ في أفواهِهِنَّ التُرابَ)) فقلتُ: أرغَمَ اللهُ أَنفَكَ! فوالله ما أنتَ بفاعلٍ وما تركتَ رسولَ الله ◌ٍِّ مِن العَناءِ. ١٣٠٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا أيوبُ، عن محمَّدٍ، (١) في (س): بخلاف غيره. ٦٤٣ باب ٤٥ / ح ١٣٠٥ - ١٣٠٦ كتاب الجنائز عن أُمّ عطيّةَ رضي الله عنها، قالت: أخذَ علينا النبيُّ نَّهِ عند البيعةِ: أن لا نَنُوحَ، فما وَفَتْ منَّا امرأةٌ غيرَ خمسٍ نِسْوةٍ: أَمَّ سُلَيم، وأُمّ العلاء، وابنةِ أبي سَبْرةَ امرأةٍ معاذٍ، وامرأتينٍ؛ أو ابنةِ أبي سْرة وامرأةٍ معاذٍ وامراةٍ أُخرى. [طرفاه في: ٧٢١٥،٤٨٩٢] قوله: ((باب ما يُنْهَى من النَّوْح والبكاء والزَّجْر عن ذلكَ)) قال الزّين بن المنيِّر: عَطَفَ الزَّجر على النَّهي للإشارة إلى المؤاخَذَة الواقعة في الحديث بقوله: ((فاحْثُ في أفواههنَّ التُراب)). قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب)» بمُهمَلٍ وشین معجمة وزن جعفر، ثقة من أهل الطائف نزل الكوفة، ذكر الأَصِيليّ أنَّه لم يَروِ عنه غيرُ البخاريّ، وليس كذلك بل روى عنه أيضاً محمد بن مسلم بن وارَةَ الرَّازيّ كما ذكره المِزِّيّ في ((الَّهذيب»، وعبد الوهّاب شيخه: هو ابن عبد المجيد الثَّقَفيّ. وقد تقدَّم الكلام على حديث عائشة قبل أربعة أبواب (١٢٩٩). قوله: «حدّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب)) هو الحجبيّ، وهمّاد: هو ابن زيد، ومحمد: هو ابن سِيرِين، والإسناد كلُّه بصريُّون. وقد رواه عارٌ عن حمّاد فقال: ((عن أيوب عن حفصة)) بدل محمد، أخرجه الطَّبَرانيُّ (١٣٢/٢٥)، وله أصل عن حفصة كما سيأتي في الأحكام (٧٢١٥) من طريق عبد الوارث عن أيوب عنها، فكأنَّ حَمَّاداً سمعه من أيوب عن كلٍّ منهما. قوله: ((عند البَيعة)) أي: لمَّا بايعَهُنَّ على الإسلام. قوله: ((فما وَفَت)) أي: بترك النَّوح. وأُمّ سُلَيم: هي بنت مِلْحان والدة أنس، وأُمّ العلاء تقدَّم ذِكْرها في ثالث باب من كتاب الجنائز (١٢٤٣)، وابنة أبي سَبْرة بفتح المهمَلة وسكون الموحَّدة. وأمَّا قوله: ((أو ابنةِ أبي سَبْرة وامرأة معاذ)) فهو شكّ من أحد رواته هل ابنة أبي سَبْرة ٦٤٤ باب ٤٥ / ح ١٣٠٥ - ١٣٠٦ فتح الباري بشرح البخاري هي امرأة معاذ أو غيرها، وسيأتي في كتاب الأحكام (٧٢١٥) من رواية حفصة عن أمّ عطيَّة بالشَّكِّ أيضاً، والذي يظهر لي أنَّ الرواية بواو العطف أصحُ، لأنَّ امرأة معاذ - وهو ابن جَبَل ـ هي أمُّ عَمْرو بنت خَلّاد بن عَمْرو السَّلَميَّة، ذكرها ابن سعد، فعلى هذا فابنة أبي سَبْرة غيرها. ١٧٧/٣ ووقع في ((الدَّلائل)) لأبي موسى من طريق حفصة عن أمّ عطيّة: وأُمّ معاذ بدل قوله: ((وامرأة معاذ))، وكذا في رواية عارم(١)، لكن لفظه: ((أو أمّ معاذ بنت أبي سَبْرة))، وفي الطَّبَرانيّ (١١٠/٢٥) من رواية ابن عَوْن، عن ابن سِيرِين، عن أمّ عطيّة: فما وَفَتْ غير أمِّ سُلَيم وأُمّ كُلْثوم وامرأة معاذ بن أبي سَبْرة؛ كذا فيه والصواب ما في ((الصحيح)): ((امرأة معاذ وبنت أبي سَبْرة))، ولعلَّ بنت أبي سَبْرة يقال لها: أمّ كُلْثوم، وإن كانت الرواية التي فيها أمّ معاذ محفوظة، فلعلَّها أمُّ معاذ بن جبل وهي هند بنت سهل الجُهَنَّة، ذكرها ابن سعد أيضاً، وعُرِفَ بمجموع هذه النِّسوة الخمس: وهي أمُّ سُلَيم وأُمّ العلاء وأُمّ كُلْثوم وأُمّ عَمْرو وهند - إن كانت الرواية محفوظة - وإلَّا فيَختَلِج في خاطري أنَّ الخامسة هي أمُّ عطيّة راوية الحديث. ثمَّ وجدتُ ما يؤيِّده من طريق عاصم عن حفصة عن أمّ عطيَّة بلفظ: ((فما وَفَتْ غيري وغير أمّ سُلَيم)) أخرجه الطََّرانيّ أيضاً (١٣٥/٢٥). ثمَّ وجدتُ ما يَرُدّه وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه في («مسنده)) (٢٣٥٢) من طريق هشام بن حسَّان عن حفصة بنت سيرين عن أمّ عطيّة قالت: ((كان فيما أُخِذَ علينا أن لا نَنُوحَ)) الحديث، فزاد في آخره: ((وكانت لا تَعُدّ نفسها لأنَّها لمَّا كان يومُ الْحَرَّة لم تَزَلِ النِّساء بها حتَّى قامت معهنَّ، فكانت لا تَعُدُّ نفسها لذلك)) ويُجمَع بأنَها تَرَكَت عَدَّ نفسها من يوم الحرّة. قلت: يوم الحَرَّة قُتِلَ فيه من الأنصار مَن لا يُحِصَى عدده، وتُِّبَت المدينة الشَّريفة، ويُذِلَ فيها السيف ثلاثة أيام، وكان ذلك في أيام يزيد بن معاوية. وفي حديث أمّ عطيَّة مِصداقُ وَصْفِهِلّهِ للنساءِ بأنهنَّ ناقصات العقل والدِّين. وفيه فضيلة ظاهرة للنّسوة المذكورات. (١) عند الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢٥/ (١٣٢). ٦٤٥ باب ٤٦ / ح ١٣٠٧ كتاب الجنائز قال عياض: معنى الحديث: لم يَفِ مَّن بايعَ النبيَّ وَّهِ مع أمّ عطيّة في الوقت الذي بايعَتْ فيه مِن النِّسوة إلَّا المذكورات، لا أنَّه لم يَترُك النِّياحة من المسلمات غير خمسة. وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائده في تفسير سورة الممتحنة (٤٨٩٢) إن شاء الله تعالى. ٤٦ - باب القيام للچِنازة ١٣٠٧ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن سالم، عن أبيه، عن عامٍ بنِ رَبِيعة، عن النبيِّ نَّه، قال: ((إذا رأيتُمُ الجِنازةَ فَقُومُوا حتَّى تُلِّفَكُم)). قال سفيانُ: قال الزُّهْريُّ: أخبرني سالمٌ، عن أبيه، قال: أخبرنا عامرُ بنُ رَبِيعة، عن النبيِّ وَ﴾. زادَ الحُمَيديُّ: ((حتَّى تُخُلِّفَكم أو تُوضَعَ)). [طرفه في: ١٣٠٨] قوله: ((باب القيام للجنازة)) أي: إذا مَرَّت على مَن ليس معها، وأمَّا قيام مَن كان معها إلى أن تُوضَع بالأرض فسيأتي في ترجمة مُفرَدة. وسنذكر اختلاف العلماء في كلٍّ منهما فيما بعدُ. قوله: ((حتَّى تُخُلِّفَكم)) بضم أوله وفتح المعجَمة وتشديد اللَّام المكسورة بعدها فاءً، أي: تترككم وراءَها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز لأنَّ المراد حاملها. قوله: ((قال سفيان)» هذا السياق لفظ الحميدي في «مسنده)) (١٤٢)، ويحتمل أن يكون عليّ بن عبد الله حدَّث به على السياقين فقال مرَّة: ((عن سفيان، حدَّثنا الزّهْرِيُّ، عن سالم)) وقال مرَّة: «قال الزُّهْريُّ: أخبرني سالم))، والمراد من السياقين أنَّ كلَّا منهما سمعه من شيخه. قوله: ((زادَ الحميديّ)) يعني: عن سفيان بهذا الإسناد، وقد رُوِّيناه موصولاً في («مسنده)) (١٤٢)، وأخرجه أبو نُعَيم في ((مُستخرجه)) من طريقه كذلك، وكذا أخرجه مسلم (٩٥٨٪ ٧٣) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وثلاثة معه أربعَتهم عن سفيان بالزيادة، إلّا أنَّه في سياقهم بالعنعنة. وفي هذا الإسناد روايةُ تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ في نَسَقٍ، والله أعلم. ٦٤٦ باب ٤٧-٤٨ / ح ١٣٠٨ - ١٣١٠ فتح الباري بشرح البخاري ١٧٨/٣ ٤٧ - باب متى يقعد إذا قام للجنازة ١٣٠٨ - حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا الليثُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن عامِرٍ بِنِ رَبِيعَةَ ﴾، عن النبيِّ ◌ََّ قال: ((إذا رأى أحدُكم جِنازةً، فإن لم يكن ماشياً معها فلْيَقُم حتَّى يُلِّفَها أو تُخُلِّفَه، أو تُوضَعَ من قبلٍ أنْ تُلِّفَه). ١٣٠٩ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن سعيدِ المقبُريِّ، عن أبيه، قال: كنَّا في جِنازةٍ، فأخذَ أبو هريرةَ ﴾ بيدِ مَرْوانَ فجَلَسا قبلَ أن تُوضَعَ، فجاء أبو سعيدٍ ﴾ فأخذَ بيدِ مَرْوانَ، فقال: قُمْ، فوالله لقد عَلِمَ هذا أنَّ النبيَّ ◌َلِّ نَهانا عن ذلكَ، فقال أبو هريرة: صَدَقَ. [طرفه في: ١٣١٠] قوله: ((باب متى يَقْعُد إذا قامَ للجِنازة)) سَقَطَ هذا الباب والترجمة من رواية المُستَمْلِي، وثبتت الترجمة دونَ الباب لرفيقَيهِ. قوله: ((حتَّى يُجُلِّفَها أو تُخُلِّفَه)) شكٌّ من البخاريّ، أو من قُتَيبة حين حدَّثه به، وقد رواه النَّسائيُّ (١٩١٥) عن قُتَية، ومسلم (٧٤/٩٥٨) عن قُتَية ومحمد بن رُمح، كلاهما عن الليث فقالا: ((حتَّى تُخُلِّفَه)) من غير شكٌّ. قوله: ((أو تُوضَع من قبل أن تُخُلِّفه)) فيه بيان للمراد من رواية سالم الماضية (١٣٠٧)، وقد أخرجه مسلم (٧٥/٩٥٨) من طريق ابن جُرَيج عن نافع بلفظ: ((إذا رأى أحدُكم الجنازة فليقُم حين يراها حتَّى تُخلِّفه إذا كان غير مُتَّبْعِها». ٤٨- باب من تبع جنازةً فلا يقعد حتَّى توضعَ عن مناكب الرجال فإن قعد أُمر بالقيام ١٣١٠ - حذَّثنا مسلمٌ - يعني ابنَ إبراهيمَ - حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا يحيى، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ ﴾، عن النبيِّ وََّ قال: ((إذا رأيتُمُ الجِنازةَ فَقُومُوا، فمَن تَبِعَها فلا يَقْعُدْ حتَّى تُوضَعَ)). ٦٤٧ باب ٤٨ / ح ١٣١٠ كتاب الجنائز قوله: ((باب مَن تَبعَ جِنازة فلا يَقعُد حتَّى تُوضَع عن مَناكِب الرِّجال)) كأنَّه أشار بهذا إلى ترجيح رواية مَن روى في حديث الباب: ((حتَّى تُوضَع بالأرض)) على رواية مَن روى: ((حتَّى تُوضَع في اللَّحْد)) وفيه اختلاف على سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه، قال أبو داود (٣١٧٣): رواه أبو معاوية عن سُهَيل فقال: ((حتَّى تُوضَع في اللَّحد))(١)، وخالَفَه الثَّوريّ وهو أحفَظُ فقال: ((بالأرض))(٢). انتهى، ورواه جَرِير عن سُهَيل فقال: ((حتَّى تُوضَع)) حَسْبُ، وزاد: قال سُهَيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتَّى تُوضَع عن مَناكِب الرجال. أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) بهذه الزيادة، وهو في مسلم (٧٦/٩٥٩) بدونها. وفي ((المحيط)) للحنفيَّة: الأفضل أن لا يَفْعُدَ حتَّى يُهالَ عليها التُّراب. وحُجَّتهم رواية أبي معاوية، ورَجَحَ الأول عند البخاري بفعلٍ أبي صالح لأنَّه راوي الخبر وهو أعرفُ بالمراد منه، ورواية أبي معاویة مرجوحة کما قال أبو داود. قوله: ((فإن فَعَدَ أُمِرَ بالقيام)) فيه إشارة إلى أنَّ القيام في هذا لا يَفُوت بالقُعود، لأنَّ المراد به تعظيم أمر الموت، وهو لا يَفُوت بذلك. وأمَّا قول المهلَّب: قُعود أبي هريرة ومروان يدلُّ على أنَّ القيام ليس بواجبٍ، وأنَّه ليس عليه العمل، فإن أراد أنَّه ليس بواجبٍ عندهما فظاهرٌ، وإن أراد في نفس الأمر فلا دلالة فيه على ذلك. ويدلّ على الأول ما رواه الحاكم (٣٥٦/١ -٣٥٧) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فساق نحو / القصَّة المذكورة وزاد: إنَّ مروان لمَّا قال ١٧٩/٣ له أبو سعيد: قُم، قام، ثمَّ قال له: لم أقمتني؟ فذكر الحديث، فقال لأبي هريرة: فما مَنَعَك أن تُخْبِرِني؟ قال: كنت إماماً فجلستَ فجلستُ(٣). فعُرفَ بهذا أنَّ أبا هريرة لم يكن يراه واجباً، وأنَّ مروان لم يكن يَعرِف حكمَ المسألة قبل ذلك، وأنَّه بادرَ إلى العمل بها بخيرٍ أبي سعيد. وروى الطَّحَاويُّ (٤٨٧/١) من طريق الشَّعبيّ عن أبي سعيد قال: مُرَّ على مروان بجنازةٍ (١) أخرجه ابن حبان برقم (٣١٠٥) و(٣١٠٦). (٢) أخرجه البيهقي في ((السنن)) ٢٦/٤. (٣) أحد اللفظين من ((فجلست)) سقط من (س). ٦٤٨ باب ٤٨ / ح ١٣١٠ فتح الباري بشرح البخاري فلم يَقُم، فقال له أبو سعيد: إنَّ رسول الله وَ لَّ مَرَّت عليه جنازة فقام، فقام مروان؛ وأظنُّ هذه الرواية مختصرة من القصّة. وقد اختَلَفَ الفقهاء في ذلك فقال أكثر الصحابة والتابعينَ باستحبابه كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعيِّ وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن. وروى البيهقيُّ (٢٧/٤) من طريق أبي حازم الأشجَعيّ عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما: أنَّ القائم مثل الحامل؛ يعني: في الأجر. وقال الشَّعبيّ والنَّخَعَيّ: يُكرَه القعود قبل أن تُوضَع. وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتُجَّ له برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: ما رأينا رسولَ الله وَّ شَهِدَ جنازة قَطُّ فجَلَسَ حتَّى تُوضَع. أخرجه النَّسائيُّ (١٩١٨). تنبيهان: الأول: قال الزَّين بن المنيِّرِ: إِنَّمَا نَوَّعَ هذه التراجمَ مع إمكان جمعها في ترجمة واحدة للإشارة إلى الاعتناء بها وما يَخْتَصّ كلُّ طريق منها بحكمةٍ، ولأنَّ بعض ذلك وقع فيما ليس على شرطه، فاکتَفَى بذكره في الترجمة لصلاحيته للاستدلال. والثاني: قال: ثَبَتَ بين حديثَي الباب ترجمة لفظها: ((باب مَن تَبِعَ جنازة» وُجِدَ ذلك في نسخة مُحُرَّرة مسموعة، فإن سَقَطَت في غيرها قُدِّمَ مَن أثبَتَ على مَن نَفَى، قال: وإنَّما لم يَستَغنِ عنها بما قبلها لتصريحِه في الخبر بأنَّهما جَلَسا قبل أن تُوضَع. وأطالَ في تقرير ذلك وأنَّ ذِكْرِها أَولى من حذفها، وهو عجيب منه، فإنَّ الذي تضمَّنَه الحديث الثاني من الزيادة قد اشتملت عليه الترجمة الأولى، وليس في الترجمة زيادة على ما في الحديثين إلَّا قوله: ((عن مناکب الرجال» وقد ذكرتُ مَن وقعت في روايته. قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، وهشام: هو الدَّستُوائيّ، ويحيى: هو ابن أبي كثير، وحديث أبي سعيد هذا أبيَنُ سياقاً من حديث عامر بن ربيعة، وهو يوضح أنَّ المراد بالغاية المذكورة مَن كان معها أو مُشاهِداً لها، وأمَّا مَن مَرَّت به فليس عليه من القيام إلَّا ! ٦٤٩ باب ٤٩ / ح ١٣١١ - ١٣١٣ كتاب الجنائز قَدْرَ ما تَمُرُّ عليه أو تُوضَع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلاً. وروى أحمد (٧٥٩٣) من طريق سعيد بن مَرْجانةَ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن صلَّى على جنازة ولم يمشِ معها فليَقُم حتَّى تَغِيبَ عنه، وإن مشى معها فلا يَقعُد حتَّى تُوضَع»، وفي هذا السياق بيان لغاية القيام، وأنَّه لا يختصُّ بمَن مَرَّت به، ولفظ القيام يتناول مَن كان قاعداً، فأمَّا مَن كان راكباً فيحتمل أن يقال: ينبغي له أن يَقِفَ ويكون الوقوف في حقِّه كالقيام في حقِّ القاعد، واستدلَّ بقوله: ((فإن لم يكن معها)» (١) على أنَّ شهود الجنازة لا يجب على الأعيان. ٤٩- باب من قام جنازة يهوديِّ ١٣١١ - حدَّثْنا معاذُ بنُ فَضَالة، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن عُبيدِ الله بنِ مِقْسَم، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: مُرَّ بنا بجِنازةٍ، فقامَ لها النبيُّ ◌َِّ وقُّمْنا به، فقلنا: يا رسولَ الله، إنَّهَا جِنازةٌ يهوديٍّ! قال: ((إذا رأيتُمُ الجِنازَ فَقُومُوا)). ١٣١٢ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثْنَا عَمرُو بنُ مُرّة، قال: سمعتُ عبد الرحمن بنَ أبي ليلى، قال: كانَ سهلُ بنُ مُنَيفٍ وقيسُ بنُ سعدٍ قاعدَينِ بالقادسِيَّة، فمَرُّوا عليهما بجِنازةٍ فقاما فقيلَ لهما: إنَّها من أهلِ الأرضِ - أي: من أهلِ الذِّمَّة - فقالا: إنَّ النبيَّ ◌َ مَرَّت به چِنازةٌ فقامَ، فِقِيلَ له: إنَّهَا جِنازةٌ يهوديٍّ! فقال: ((أليسَتْ نَفْساً)). ١٣١٣ - وقال أبو حمزة، عن الأعمشِ، عن عَمرو، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كنتُ مع قيسٍ ١٨٠/٣ وسهلٍ رضي الله عنهما، فقالا: كنَّا مع النبيِّ ◌َلّ. وقال زكريًّا، عن الشَّعْبِيِّ، عن ابنِ أبي ليلى: كانَ أبو مسعودٍ وقيسُ يقومانِ للجِنازةِ. قوله: ((باب مَن قامَ لجنازةِ يهوديّ)) أي: أو نحوه من أهل الذِّمّة. قوله: ((حدَّثنا هشام)) هو الدَّستُوائيّ، ويحيى: هو ابن أبي كثير. (١) وهو ما سلف برقم (١٣٠٨)، وفيه: (( ... فإن لم يكن ماشياً معها)). ٦٥٠ باب ٤٩ / ح ١٣١١- ١٣١٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((مُرَّ بنا)) بضم الميم على البناء للمجهول، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مَرَّت)) بفتح الميم. قوله: «فقام) زاد غیر کَرِيمة: ها. قوله: ((فقُمْنا)) في رواية أبي ذرٍّ: ((وقُمنا» بالواو، وزاد الأَصِيليّ وكَرِيمة: ((له))، والضَّمیر للقيام، أي: لأجلٍ قيامه، وزاد أبو داود (٣١٧٤) من طريق الأوزاعيِّ عن يحيى: «فلمَّا ذهبنا لنَحمِل قيل: إنَّها جنازة يهوديّ)) زاد البيهقيُّ (٢٦/٤) من طريق أبي قِلابةَ الرَّقَاشِيّ عن معاذ بن فضالة شيخ البخاري فيه: ((فقال: إنَّ الموت فَزَعٌ))، وكذا لمسلم (٧٨/٩٦٠) من وجه آخر عن هشام. قال القُرطبيّ: معناه: أنَّ الموت يُفزَع منه، إشارة إلى استعظامه، ومقصود الحديث: أن لا يَستمِرَّ الإنسان على الغَفْلة بعد رؤية الموت، لمَا يُشعِر ذلك من التَّساهُل بأمر الموت، فمن ثَمَّ استَوَى فيه كونُ الميِّت مسلماً أو غير مسلم. وقال غيره: جعل نفس الموت فَزَعاً مُبالَغة كما يقال: رجلٌ عَدْل. قال البيضاويّ: هو مصدرٌ جرى مَجَرَى الوصف للمُبالَغة، وفيه تقدير، أي: الموت ذو فزعٍ. انتھی. ويؤيِّد الثاني رواية أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ للموتِ فَزَعاً)) أخرجه ابن ماجَهْ (١٥٤٣)، وعن ابن عبّاس مثله عند البَزّار(١)، قال: وفيه تنبيه على أنَّ تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويَضطَرِب، ولا يظهرَ منه عدمُ الاحتفال والمبالاة. قوله: ((فمَرُّوا عليهما)) في رواية المُستَمْلي والحَمُّوِيّ: ((عليهم)) أي: على قيس: وهو ابن سعد بن عبادة، وسهل: وهو ابن ◌ُنيف، ومن كان حينئذٍ معهما. قوله: ((من أهل الأرض، أي: من أهل الذِّمَّة)) كذا فيه بلفظ ((أي)) التي يُفسَّر بها، وهي (١) وهكذا عزاه إليه بهذا اللفظ الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٧/٣، وفي المطبوع من ((مسند البزار)) (٥١١١): ((إن الموت فزعٌ)). ٦٥١ باب ٤٩ / ح ١٣١١ - ١٣١٣ كتاب الجنائز رواية ((الصحيحين)) وغيرهما (١)، وحكى ابن التِّين عن الداووديّ أنَّه شَرَحَه بلفظ ((أو)) التي للشَّكّ، وقال: لم أرَه لغيره، وقيل لأهل الذِّمّة: أهل الأرض، لأنَّ المسلمين لمَّا فتحوا البلاد أقرُّوهم على عمل الأرض وحَمْل الخَرَاجِ. قوله: ((أليسَت نفساً)) هذا لا يعارض التعليل المتقدِّم حيثُ قال: ((إنَّ للموتِ فزعاً)) على ما تقدَّم، وكذا ما أخرجه الحاكم (١ / ٣٥٧) من طريق قَتَادة عن أنس مرفوعاً فقال: ((إنَّما قُمْنا للملائكة»، ونحوه لأحمد (١٩٤٩١) من حديث أبي موسى، ولأحمد (٦٥٧٣) وابن حِبَّان (٣٠٥٣) والحاكم (٣٥٧/١) من حديث عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً: ((إنَّما تقومونَ إعظاماً للَّذي يَقبِضُ النُّفُوس)) ولفظ ابن حِبَّان: ((إعظاماً لله الذي يَقبِض الأرواح))، فإنَّ ذلك أيضاً لا يُنافي التعليل السابق، لأنَّ القيام للفَزَع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمينَ بأمره في ذلك وهم الملائكة. وأمَّا ما أخرجه أحمد (١٧٢٢) من حديث الحسن بن عليّ قال: إنَّما قام رسول الله وَله تأذّياً بريح اليهوديّ، زاد الطَّبَرانيُّ من حديث عبد الله بن عيَّش بالتحتانيَّة والمعجَمة: فَآذاه ريح بَخُورها (٢)، وللطََّرانيِّ والبيهقيّ من وجه آخر عن الحسن: كراهية أن تَعلُوَ رأسه(٣)، فإنَّ ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، أمَّا أولاً فلأنَّ أسانيدها لا تُقاوِمُ تلك في الصِّحّة، وأمَّا ثانياً فلأنَّ التعليل بذلك راجعٌ إلى ما فَهِمَه الرَّاوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبيِّ بَّةِ، فكأنّ الرَّاوي لم يسمع التصريح بالتعليلِ منه فعَلَّلَ باجتهاده. وقد روى ابن أبي شَيْبة (٣٥٧/٣) من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمِّه يزيد بن ١٨١/٣ ثابت قال: كنَّ مع رسول الله وَّ فِطَلَعَت جنازة، فلمَّا رآها قام وقام أصحابه حتَّى بَعُدَت، والله ما أدري من شأنها (٤) أو من تَضايق المكان، وما سألناه عن قيامه. (١) وهي في ((صحيح مسلم)) برقم (٩٦١). (٢) وأخرجه عن الطبراني أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٤٠٨). (٣) لم نقف عليه في المطبوع من الطبراني أو البيهقي، وهو عند ابن أبي شيبة ٣٥٨/٣، والنسائي (١٩٢٧)، والحسن: هو ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. (٤) كذا وقع في الأصلين و(س)، وفي بعض الطبعات من ((المصنَّف)): ((من تأذُّ بها))، وفي بعضها: ((من = ٦٥٢ باب ٤٩ / ح ١٣١١ - ١٣١٣ فتح الباري بشرح البخاري ومُقتَضى التعليل بقوله: ((أليست نفساً)) أنَّ ذلك يُستَحبُّ لكلِّ جنازة، وإنَّما اقتَصَرَ في الترجمة على اليهوديّ وقوفاً مع لفظ الحديث. وقد اختَلَفَ أهل العلم في أصل المسألة، فذهب الشافعيّ إلى أنَّه غير واجب فقال: هذا إمَّا أن يكون منسوخاً، أو يكون قام لعِلَّةٍ، وأيُّهما كان فقد ثَبَتَ أنَّه تَرَكَه بعد فعله، والحُجّة في الآخِر من أمره، والقعود أحبُّ إليّ. انتهى، وأشار بالتركِ إلى حديث عليّ: أنَّه وَِّ قام للجنازةِ ثمَّ قَعَدَ، أخرجه مسلم (٩٦٢). قال البَيْضاويّ: يحتمل قول عليّ: ((ثمَّ قَعَدَ)) أي: بعد أن جاوَزَته وبَعُدَت عنه، ويحتمل أن يريد: كان يقوم في وقت ثمَّ تَرَك القيام أصلاً، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينةً في أنَّ المراد بالأمر الوارد في ذلك النَّدب، ويحتمل أن يكون نسخاً للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح، لأنَّ احتمال المجاز - يعني في الأمر - أولى من دعوى النَّسخ. انتهى، والاحتمال الأول يَدفَعُه ما رواه البيهقيُّ (٢٨/٤) من حديث عليٍّ: أنَّه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا ثمَّ حدَّثهم الحديث، ومن ثَمَّ قال بكراهة القيام جماعة منهم سُلَيم الرَّازيّ وغيره من الشافعيَّة. وقال ابن حَزْمٍ: قعودُهُ وَّه بعد أمره بالقيام يدلُّ على أنَّ الأمر للنّدب، ولا يجوز أن يكون نسخاً، لأنَّ النَّسخ لا يكون إلّ بنهي أو بتركٍ معه نهي. انتهى، وقد وَرَدَ معنى النَّهي من حديث عُبادةَ قال: كان النبيّ وَّهِ يقوم للجنازة، فمَرَّ به حَبْر من اليهود فقال: هكذا نفعل، فقال: ((اجلِسوا وخالفوهم)) أخرجه أحمد وأصحاب ((السُّنَن)) إلَّا النَّسائيّ(١)، فلو لم يكن إسناده ضعيفاً لكان حُجّةً في النَّسخ. وقال عياض: ذهب جمعٌ من السلف إلى أنَّ الأمر بالقيام منسوخ بحديث عليٍّ. وتعقّبه = تأذِّيها))، ومعنى قوله: ((من شأنها)) أي: من شأن ما يُتأذَّى بها، والله أعلم. (١) أخرجه أبو داود (٣١٧٦)، وابن ماجه (١٥٤٥)، والترمذي (١٠٢٠)، ولم يخرجه أحمد في («مسنده»، والحافظ نفسه لم يذكره في كتابه ((أطراف المسند)). ٦٥٣ باب ٤٩ / ح ١٣١١ - ١٣١٣ كتاب الجنائز النَّوَويّ بأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه إلَّا إذا تَعذَّرَ الجمع وهو هنا تُمكِن، قال: والمختار أنَّه مُستحَبّ، وبه قال المتولِّ. انتھی. وقول صاحب ((المهذَّب)): هو على التخيير، كأنَّه مأخوذ من قول الشافعيِّ المتقدِّم لمَا تقتضيه صيغةُ ((أفعل)) من الاشتراك، ولكنَّ القعود عنده أولى. وعكسُه قولُ ابن حبيب وابن الماحِشونِ من المالكيَّة: كان قعوده وَّ لبيان الجواز، فمَن جَلَسَ فهو في سَعَة، ومَن قام فله أجر. واستُدلَّ بحديث الباب على جواز إخراج جنائز أهل الذِّمّة نهاراً غيرَ مُتميِّزة عن جنائز المسلمين، أشار إلى ذلك الزَّين بن المنيِّرِ، قال: وإلزامهم بمُخالَفةِ رُسُوم المسلمين وقع اجتهاداً من الأئمّة. ويُمكِن أن يقال: إذا ثَبَتَ النَّسخ للقيام تَبِعَه ما عَدَاه، فيُحمَل على أنَّ ذلك كان عند مشروعيَّة القيام، فلمَّا تُرِك القيام مُنِعَ من الإظهار. قوله: ((وقال أبو حمزة)) هو السُّكَّريّ، وعَمْرو: هو ابن مُرّة المذكور في الإسناد الذي قبله، وقد وَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستخرج)) من طريق عَبْدان عن أبي حمزة ولفظه نحو حديث شُعْبة، إلَّا أَنَّه قال في روايته: فمَرَّت عليهما جنازة فقاما، ولم يقل فيه: بالقادسيَّة. وأراد المصنّف بهذا التعليق بیانَ سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحدیث من سهل وقیس. قوله: «وقال زکریًّا» هو ابن أبي زائدة، وطريقه هذه موصولة عند سعید بن منصور عن سفيان بن عُيَينةَ عنه، وأبو مسعود المذكور فيها: هو البَدْريّ، ويُجمَع بين ما وقع فيه من الاختلاف بأنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى ذكر قيساً وسهلاً مُفرَدَينِ لكَونِما رَفَعا له الحديث، وذكره مرَّة أُخرى عن قيس وأبي مسعود لكَونِ أبي مسعود لم يرفعه، والله أعلم. ٥٠ - باب حمل الرجال الجنازةَ دون النِّساء ١٣١٤ - حدّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الله، حدَّثنا الليثُ، عن سعيدِ المقبريِّ، عن أبيه، أنَّه ١٨٢/٣ سَمِعَ أبا سعيدِ الخُذْريَّ ، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((إذا وُضِعَتِ الجِنازةُ واحتَمَلها الرِّجالُ ٦٥٤ باب ٥٠ / ح ١٣١٤ فتح الباري بشرح البخاري على أَعناقِهم، فإن كانت صالحةً قالت: قَدِّمُوني، وإن كانت غيرَ صالحةٍ قالت: يا وَيْلَها، أينَ يذهبونَ بها؟ يَسمَعُ صوتَها كلَّ شيءٍ إلا الإنسانَ، ولو سَمِعَه صَعِقَ)). [طرفاه في: ١٣١٦، ١٣٨٠] قوله: ((باب حَمْل الرجال الجِنازةَ دون النِّساء)) قال ابن رُشَيد: ليست الحُجّة من حديث الباب بظاهرةٍ في منع النِّساء، لأنَّه من الحُكْم المعلَّق على شرط، وليس فيه أن لا يكون الواقع إلَّا ذلك، ولو سُلِّمَ فهو من مفهوم اللَّقَب. ثمَّ أجاب بأنَّ كلام الشارع مهما أمكنَ حملُه على التَّشريع لا يُحمَل على مجرَّد الإخبار عن الواقع، ويؤيِّده العُدولُ عن المشاكلة في الكلام حيثُ قال: إذا وُضِعَت فاحتَمَلها الرجال، ولم يقل: فاحتُمِلت، فلمَّا قَطَعَ ((احتملت)) عن مُشاكَلة ((وُضِعَت)) دلَّ على قَصْد تخصيص الرجال بذلك، وأيضاً فجواز ذلك للنِّساء وإن كان يُؤْخَذ بالبراءة الأصليَّة، لكنَّ مُعارض بأنَّ في الحمل على الأعناق والأمر بالإسراع مَظِنَّة الانكِشاف غالباً، وهو مُباين للمطلوب منهُنَّ من التَّسَتُّر مع ضعف نُفوسهنَّ عن مُشاهَدة الموتى غالباً فكيف بالحمل، مع ما يُتَوقَّع من صُراخهنَّ عند حمله ووَضْعه وغير ذلك من وجوه المفاسد. انتهى مُلخَّصاً. وقد وَرَدَ ما هو أصرح من هذا في منعهنّ، ولكنَّه على غير شرط المصنّف، ولعلَّه أشار إليه، وهو ما أخرجه أبو يعلى (٤٠٥٦ و٤٢٨٤) من حديث أنس قال: خرجنا مع رسول الله وَلّ في جنازة، فرأى نِسوةً فقال: ((أتحمِلنَه؟)) قُلن: لا، قال: ((أتدفِنَّه؟)) قُلن: لا، قال: ((فارجِعنَ مأزوراتٍ غير مأجورات))(١). ونقل النَّوَويّ في ((شرح المهذَّب)): أنَّه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه ما تقدَّم، ولأنَّ الجنازة لا بدَّ أن يُشيِّعها الرجال، فلو حملها النِّساء لكان ذلك ذريعةً إلى اختلاطهنَّ بالرجال فيُفضي إلى الفتنة. (١) إِسناده ضعيف، فيه الحارث بن زياد وهو مجهول. ويُغْني عنه ما سلف من حديث أم عطية عند البخاري برقم (١٢٧٨)، وفيه: نُهينا عن اتباع الجنائز. ٦٥٥ باب ٥١ كتاب الجنائز وقال ابن بَطَّال: قد عَذَرَ الله النِّساء لضعِفِهِنَّ حيثُ قال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ﴾ الآية [النساء: ٩٨]، وتعقَّبه الزَّين بن المنيِّر بأنَّ الآية لا تَدُلّ على اختصاصهنَّ بالضَّعفِ بل على المساواة. انتهى، والأَولى أنَّ ضعف النِّساء بالنّسبة إلى الرجال من الأُمور المحسوسة التي لا تحتاج إلی دلیل خاصّ. قوله: ((عن أبيه أنَّ سَمِعَ أبا سعيد)) لسعيدِ المقبُريِّ فيه إسناد آخر رواه ابن أبي ذِئْب عنه عن عبد الرحمن بن مِهرانَ عن أبي هريرة، أخرجه النَّسائيُّ (١٩٠٨) وابن حِبَّان (٣١١١) وقال: الطَّريقان جميعاً محفوظان. قوله: ((إذا وُضِعَت الجِنازة)) في رواية ابن أبي ذِئْب المذكورة: ((إذا وُضِعَ المَيِّت على السرير))(١)، فدَلَّ على أنَّ المراد بالجنازة الميِّت، وقد تقدَّم أنَّ هذا اللفظ يُطلَق على الميّت وعلى السرير الذي يُحمَل عليه أيضاً، وسيأتي بقيَّة الكلام عليه بعد بابٍ (١٣١٦). ٥١ - باب السُّرعة بالجنازة وقال أنسٌُّ ﴾: أنتم مُشيِّعُونَ، فامشِ بين يديها وخلفَها، وعن يمينها وعن شمالها. وقال غیرُه: قريباً منها. قوله: ((باب الشُّرْعة بالجِنازة)) أي: بعد أن تُحمَل. ١٨٣/٣ قوله: ((وقال أنس: أنتُم مُشيّعونَ، فامْش))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فامشوا)) وأثر أنس هذا وَصَلَه عبد الوهّاب بن عطاء الخَفَّف في كتاب ((الجنائز)) له عن حُميدٍ عن أنس بن مالك: أنَّه سُئِلَ عن المشي في الجنازة فقال: أمامها وخلفها، وعن يمينها وشمالها، إنَّما أنتُم مُشَيِّعونَ)). ورُويناه عالياً في ((رباعيّات)) أبي بكر الشافعيّ من طريق يزيد بن هارون عن حُميدٍ كذلك، وبنحوه أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣/ ٢٧٨) عن أبي بكر بن عيَّاش عن حُميدٍ، وأخرجه عبد الرزاق (٦٢٦١) عن أبي جعفر الرَّازيِّ عن حُميدٍ: سمعت العَيْزار - يعني ابن (١) لفظه عند النسائي: ((إذا وُضع الرجل الصالح على سريره))، وعند ابن حبان: ((إن العبد إذا وُضع على سریره)». ٦٥٦ باب ٥١ فتح الباري بشرح البخاري حُرَيث - سُئِلَ أنس بن مالك - يعني عن المشي مع الجنازة - فقال: إنَّما أنت مُشِّع؛ فذكر نحوه، فاشتمل على فائدتين: تسمية السائل، والتصريح بسماع حُميدٍ. قال الزّين بن المنيِّر: مطابقة هذا الأثر للترجمة أنَّ الأثر يَتضمَّن التوسِعةَ على المشيِّعينَ وعَدَم التزامهم جهةً مُعيَّنَة، وذلك لمَا عُلِمَ من تَفاوت أحوالهم في المشي، وقَضِيَّة الإسراع بالجنازةِ أن لا يُلزَموا بمكانٍ واحد يمشونَ فيه، لئلّا يَشُقَّ على بعضهم ممَّن يَضعُف في المشي عمَّن یقوی علیه. ومُحصَّله: أنَّ السُّرعة لا تَّفْقُ غالباً إلَّا مع عَدَم التزام المشي في جهة مُعيَّنَة فَتَنَاسَبا، وقد سَبَقَ إلى نحو ذلك أبو عبد الله بن المُرابِط فقال: قول أنس ليس من معنى الترجمة إلَّا من وجه أنَّ الناس في مشيهم مُتفاوتون. وقال ابن رُشَيد: ويُمكِن أن يقال: لفظ المشي والتّشييع في أثر أنس أعمُّ من الإسراع والبُطء، فلعلَّه أراد أن يُفسِّر أثر أنس بالحديث، قال: ويُمكِن أن يكون أراد أن يُبيِّن بقول أنس: أنَّ المراد بالإسراع ما لا يخرج عن الوقار لمتَّبِعها بالمقدار الذي يَصدُق عليه به المصاحَبة. قوله: ((وقال غيره: قريباً منها)) أي: قال غيرُ أنس مثل قول أنس، وقَيَّدَ ذلك بالقُربِ من الجنازة، لأنَّ مَن بَعُدَ عنها يَصدُق عليه أيضاً أنَّه مشى أمامها وخلفها مثلاً، والغير المذكور أظنّه عبد الرحمن بن قُرْط، بضم القاف وسكون الراء بعدها مُهمَلة، قال سعيد بن منصور: حدَّثنا مِسْكين بن ميمون، حدَّثني عُرْوة بن رُوَيم، قال: شَهِدَ عبد الرحمن بن قُرط جِنازةً، فرأى ناساً تقدَّموا وآخرينَ استأخروا، فأمَرَ بالجنازةِ فُوُضِعَت، ثمَّ رماهم بالحِجارةِ حتَّى اجْتَمَعوا إليه، ثمَّ أمَرَ بها فحُمِلَت ثمَّ قال: بين يديها وخلفها، وعن يمينها وعن شِمالها. وعبد الرحمن المذكور صحابيُّ ذكر البخاري ويحيى بن مَعِين: أنَّه كان من أهل الصُّفّة، وكان والياً على حمص في زمن عمر. ودَلَّ إيرادُ البخاري لأثرٍ أنس المذكور على اختيار هذا المذهب، وهو التخيير في المشي ٦٥٧ باب ٥١ / ح ١٣١٥ كتاب الجنائز مع الجنازة، وهو قول الثَّوريّ، وبه قال ابن حَزْم لكن قيَّده بالماشي اتِّباعاً لمَا أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم من حديث المغيرة بن شُعْبة مرفوعاً: (الرّاكب خلفَ الجنازة، والماشي حيثُ شاءَ منها))(١). وعن النَّخَعيِّ: أنَّه إن كان في الجنازة نساءٌ مشى أمامها وإلَّا فخلفها. وفي المسألة مذهبان آخران مشهوران: فالجمهور على أنَّ المشي أمامها أفضل، وفيه حديث لابن عمر أخرجه أصحاب ((السُّنَن))(٢) ورجاله رجال الصحيح إلَّا أنَّه اختُلِفَ في وصله وإرساله. ويعارضه ما رواه سعيد بن منصور وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبزَى عن عليّ قال: المشي خلفها أفضلُ من المشي أمامها، كفَضلِ صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ. إسناده حسن، وهو موقوف له حُكْم المرفوع، لكن حكى الأثرَم عن أحمد أنَّ تكلَّمَ في إسناده(٣)، وهو قول الأوزاعيِّ وأبي حنيفة ومَن تَبِعَهما. ١٣١٥ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: حَفِظْناه مِن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيّب، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((أسرِعُوا بالجِنازةِ، فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقدِّمُونَها إليه، وإن یَكُ سوی ذلكَ فشَرُّ تَضَعُونَه عن رِقائِگُم». قوله: ((حَفِظْناه من الزُّهْريّ)) في رواية المُستَمْلي ((عن)) بدل ((من))، والأول أولى لأنَّه يقتضي سماعه منه بخلاف رواية المُستَمْلي، وقد صَرَّحَ الحميدي في («مسنده)) (١٠٢٢) بسماع سفیان له من الزُّهْريّ. قوله: ((عن سعيد بن المسيّب)) كذا قال سفيان، وتابَعَه مَعمَر وابن أبي حفصة عند مسلم ١٨٤/٣ (١) أخرجه أبو داود برقم (٣١٨٠)، وابن ماجه (١٤٨١)، والترمذي (١٠٣١)، والنسائي (١٩٤٢)، وابن حبان (٣٠٤٩)، والحاكم ١/ ٣٥٥و٣٦٣، وإسناده صحيح. (٢) أخرجه أبو داود (٣١٧٩)، وابن ماجه (١٤٨٢)، والترمذي (١٠٠٧) و(١٠٠٨) و(١٠٠٩)، والنسائي (١٩٤٤). ولتمام الفائدة انظر تخريجه في ((مسند أحمد)) برقم (٤٥٣٩). (٣) وانظر ((علل الدار قطني)) ١١/٤ (٤٠٩)، والإسناد فيه مقال. ٦٥٨ باب ٥١ / ح ١٣١٥ فتح الباري بشرح البخاري (٩٤٤/ ٥٠)، وخالَفَهم يونس فقال: عن الزُّهْريِّ: حدَّثني أبو أُمامةَ بن سهل عن أبي هريرة، وهو محمول على أنَّ للزُّهريِّ فیه شیخین. قوله: ((أسرِعُوا)) نقل ابن قُدامةَ أنَّ الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشَذَّ ابن حَزْم فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع: شِدَّة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف، وهو قول الحنفيَّة. قال صاحب ((الهداية)): ويمشونَ بها مُسرِعينَ دون الخَبَب، وفي ((المبسوط)): ليس فيه شيء مُؤقَّت، غير أنَّ العَجَلة أحبُّ إلى أبي حنيفة. وعن الشافعيّ والجمهور: المراد بالإسراع: ما فوق سَجَيَّة المشي المعتاد، ويُكرَه الإسراع الشَّديد، ومالَ عياض إلى نفي الخلاف فقال: مَن استَحَبَّه أراد الزيادة على المشي المعتاد، ومَن كرهه أراد الإفراط فيه كالرَّمَل. والحاصل أنَّه يُستَحبّ الإسراع بها لكن بحيثُ لا ينتهي إلى شِدَّة يُجاف معها حدوثُ مَفسَدة بالميِّتِ، أو مَشَقّة على الحامل أو المشيِّع لئلّا يُنافي المقصود من النَّظافة وإدخال المشقّة على المسلم. قال القُرطبيّ: مقصود الحديث: أن لا يُتَبَاطَأ بالميِّتِ عن الدَّفن، ولأنَّ التَّباطُؤْ ربَّما أدَّى إلى التَّباهي والاختيال. قوله: ((بالجنازة)) أي: بحملها إلى قبرها، وقيل: المعنى: الإسراع(١) بتجهيزِها، فهو أعمّ من الأول، قال القُرطبيّ: والأول أظهَر، وقال النَّوَويّ: الثاني باطلٌ مردود بقوله في الحديث: ((تَضَعُونه عن ڕِقابِکم)). وتعقَّبه الفاكهيُّ بأنَّ الحمل على الرِّقاب قد يُعبَّر به عن المعاني، كما تقول: حمل فلانٌ على رَقَبَته ذنوباً، فيكون المعنى: استريحوا من نَظَرِ مَن لا خير فيه، قال: ويؤيِّده أنَّ الكلَّ لا يَحمِلونه. انتهى، ويؤيِّده حديث ابن عمر: سمعت رسول الله و لو يقول: ((إذا مات أحدكم (١) لفظ ((الإسراع)) سقط من (س). ٦٥٩ باب ٥١ / ح ١٣١٥ كتاب الجنائز فلا تَحبِسوه وأسرعوا به إلى قبره)) أخرجه الطَّبَرانيّ (١٣٦١٣) بإسناد حسن(١)، ولأبي داود (٣١٥٩) من حديث حُصَين بن وَحْوَح مرفوعاً: ((لا ينبغي لجيفةِ مسلم أن تَبقَى بين ظَهْرانَي أهله)) الحديث(٢). قوله: ((فإنْ تَكُ صالحةً)) أي: الجُثَّة المحمولة، قال الطِّيبُّ: جُعِلَت الجنازة عينَ المَيِّت، وجُعِلت الجنازة التي هي مكان الميِّت مُقدَّمة إلى الخير الذي كُنّيَ به عن عمله الصالح. قوله: ((فخيرٌ)) هو خبر مُبتَدَأ محذوف، أي: فهو خير، أو مُبتَدَأ خبره محذوف، أي: فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيِّده رواية مسلم بلفظ: ((قَرَّبتُموها إلى الخير))، ويأتي في قوله بعد ذلك: ((فشَرٌّ)) نَظِیر ذلك. قوله: ((تُقدِّمُونَها إليه)) الضَّمير راجع إلى الخير باعتبار الثَّواب، قال ابن مالك: رُوِيَ ((تقدِّمونه إليها)) فَأَنَّثَ الضَّمير على تأويل الخير بالرَّحمةِ أو الحُسنَى. قوله: ((تَضَعُونه عن رِقائِكُم)) استُدلَّ به على أنَّ حمل الجنازة يختصُّ بالرجال للإتيان فيه بضمیر المذگَّر، ولا يخفى ما فيه. وفيه استحباب المبادرة إلى دفن الميِّت، لكن بعد أن يَتَحقَّق أنَّه مات، أمَّا مثل المطعون والمفلوج والمسبوت(٣) فينبغي أن لا يُسرَعَ بدفنهم حتَّى يمضي يوم وليلة ليتحقَّق موُهم، نَبَّ على ذلك ابن بَزِيزَة، ويُؤخَذ من الحديث تركُ صُحْبة أهل البَطَالة وغير الصالحين. ٥٢- باب قول الميّت وهو على الجنازة: قدِّموني ١٣١٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا الليثُ، حدّثنا سعيدٌ، عن أبيه، أنَّه سَمِعَ أبا (١) بل إسناده ضعيف لضعف اثنين من رواته، وهما: يحيي بن عبد الله البابْلُتِّي وأيوب بن نَهِيك، وأيوب أشدُّهما ضعفاً. (٢) وإسناده ضعيف أيضاً. (٣) المطعون: هو المصاب بالطاعون، والمفلوج: المصاب بالفالج، وهو شللٌ يصيب أحد شقي الجسم طولاً، والمسبوت: المصاب بالغَشْية، أي: المغشي عليه. ٦٦٠ باب ٥٢ / ح ١٣١٦ فتح الباري بشرح البخاري سعيدِ الخُدْرِيَّ﴾ قال: كانَ النبيُّ بَه يقول: ((إذا وُضِعَتِ الجِنازةُ فاحتَمَلها الرِّجالُ على ١٨٥/٣ أعناقِهم، فإن كانت صالحةً/ قالت: قَدِّمُوني، وإن كانت غيرَ ذلكَ قالت لأهلِها: يا ويلَها، أينَ يذهبونَ بها؟ يَسمَعُ صوتَها كلَّ شيءٍ إلا الإنسانَ، ولو سَمِعَ الإنسانُ لَصَعِقَ)). قوله: ((باب قول الميِّت وهو على الجِنازة)) أي: السرير: ((قَدِّمُوني)) أي: إن كان صالحاً. ثم أورد فيه حديث أبي سعيد السابق قبل بابٍ (١٣١٤). قوله: ((إذا وُضِعَت الجِنازة)) يحتمل أن يريد بالجنازةِ نفسَ المِيِّت، وبوَضعِه جعلَه في السرير، ويحتمل أن يريد السرير والمراد وضعُها على الكَتِفٍ، والأول أَولى لقوله بعد ذلك: ((فإن كانت صالحة قالت)) فإنَّ المراد به الميّت، ويؤيِّده رواية عبد الرحمن بن مهرانَ عن أبي هريرة المذكورة(١) بلفظ: ((إذا وُضِعَ المؤمن على سريره يقول: قَدِّموني)) الحديث. وظاهره أنَّ قائل ذلك هو الجسد المحمول على الأعناق. وقال ابن بَطَّال: إنَّما يقول ذلك الرُّوح، ورَدَّه ابن المنيِّر بأنَّه لا مانع أن يَرُدَّ الله الرُّوح إلى الجسد في تلك الحال ليكون ذلك زيادةً في بُشرَى المؤمن وبُؤس الكافر. وكذا قال غيره وزاد: ويكون ذلك مجازاً باعتبار ما يَؤُول إليه الحال بعد إدخال القبر وسؤال الملكين. قلت: وهو بعيد، ولا حاجة إلى دعوى إعادة الرُّوح إلى الجسد قبل الدَّفن، لأنَّه يحتاج إلى دليل، فمن الجائز أن يُحدِثَ الله النُّطْق في الميِّت إذا شاء، وكلام ابن بَطَّال فيما يظهرُ لي أصوَبُ. وقال ابن بَزِيزَة: قوله في آخر الحديث: ((يسمع صوتها كلّ شيء)) دالٍّ على أنَّ ذلك بلِسان المقال لا بلسان الحال. قوله: ((وإن كانت غير ذلكَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((غیرَ صالحة)). قوله: ((قالت لأهلِها)) قال الطِّييُّ: أي: لأجلِ أهلها إظهاراً لوقوعِه في الهَلَكة، وكلّ (١) وهي عند أحمد (٧٩١٤)، والنسائي (١٩٠٨)، وابن حبان (٣١١١)، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ولفظ أحمد والنسائي: ((إذا وضع الرجل الصالح ... ))، ولفظ ابن حبان: ((إن العبد إذا وضع على سريره)).