Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
باب ٣٢ / ح ١٢٨٤
كتاب الجنائز
قوله: ((إنَّ ابناً لي)) قيل: هو عليٌّ بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب، كذا كَتَبَ
الدِّمياطِيّ بخَطِّه في الحاشية، وفيه نظرٌ لأنَّه لم يقع مُسمَّى في شيء من طرق هذا الحديث،
وأيضاً فقد ذكر الزُّبَير بن بكّار وغيره من أهل العلم بالأخبار: أنَّ عليّاً المذكور عاشَ حتَّى
ناهَزَ الْحُلُم، وأنَّ النبيّ ◌َّهِ أردَفَه على راحلته يوم فتح مكَّة، ومثل هذا لا يقال في حقّه:
صبيٍّ، عُرفاً، وإن جازَ من حيثُ اللُّغة.
ووجدتُ في ((الأنساب)) للبَلاذُريّ: أنَّ عبد الله بن عثمان بن عَفّان من رُقيّة بنت النبيّ
ونَ﴿ لَمَّا مات وَضَعَه النبيُّ نَّه في حِجْره وقال: ((إنَّما يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء))، وفي
((مسند البَزّار)) (٩٨٠٢) من حديث أبي هريرة قال: ثَقُلَ ابن لفاطمةَ فبَعَثَت إلى النبيّ ◌ََّ،
فذكر نحو حديث الباب، وفيه مُراجَعة سعد بن عُبادة في البكاء، فعلى هذا فالابن المذكور
مُحسِن بن عليّ بن أبي طالب، وقد اتَّفَقَ أهل العلم بالأخبار أنَّه مات صغيراً في حياة النبيّ
وَلّ، فهذا أَولى أن يُفسَّر به الابن إن ثَبَتَ أنَّ القصَّة كانت لصبيٍّ ولم يَثبُت أنَّ المرسِلة
زينب، لكنَّ الصواب في حديث الباب أنَّ المرسِلة زينب، وأنَّ الولد صبيّة كما ثَبَتَ في
((مسند أحمد)) (٢١٧٧٩) عن أبي معاوية بالسَّند المذكور ولفظه: أُتيَ النبيّ وَِّ بِأُمامةَ بنت
زينب، زاد سَعْدان بن نصر في الثاني من حديثه عن أبي معاوية بهذا الإسناد: وهي لأبي
العاص بن الربيع ونفسُها تَقعقَعُ كأنَّها في شَنّ ... فذكر حديث الباب، وفيه مُراجَعة سعد
بن عُبادة، وهكذا أخرجه أبو سعيد بن الأعرابيّ في ((معجمه)) (٦٢٢) عن سعدان (١)، ووقع
في رواية بعضهم أُمَيمة بالتصغير (٢)، وهي أُمامةُ المذكورة، فقد اتَّفَقَ أهل العلم بالنَّسَب أنَّ
زينب لم تَلِد لأبي العاص إلَّا عليّاً وأُمامة فقط.
وقد استُشكِلَ ذلك من حيثُ إنَّ أهل العلم بالأخبار اتَّفَقوا على أنَّ أُمامةَ بنت أبي
العاص من زينب بنت النبيِّ وَِّ عاشت بعد النبيِّ وََّ حتَّى تزوَّجها عليٌّ بن أبي طالب
(١) هو في المطبوع منه: عن محمد بن يزيد بن طيفور عن أبي معاوية، لا عن سعدان بن نصر عنه.
(٢) وهي كذلك في «مسند أحمد)».

٦٠٢
باب ٣٢ / ح ١٢٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
بعد وفاة فاطمة، ثمَّ عاشت عند عليٍّ حتَّى قُتِلَ عنها.
ويُجاب بأنَّ المراد بقوله في حديث الباب: ((إنَّ ابناً لي قُبِضَ)) أي: قارَبَ أن يُقْبَض،
ويدلّ على ذلك أنَّ في رواية حَمَّد (٧٣٧٧): أرسَلَت تدعوه إلى ابنها في الموت، وفي رواية
شُعْبة (٥٦٥٥): أنَّ ابنتي قد حُضِرَت، وهو عند أبي داود (٣١٢٥) من طريقه: أنَّ ابني أو
ابنتي. وقد قَدَّمنا أنَّ الصواب قول مَن قال: ابنتي لا ابني، ويؤيِّده ما رواه الطَّبَرانيُّ في
ترجمة عبد الرحمن بن عَوْف في ((المعجم الكبير)) (٢٨٤) من طريق الوليد بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عَوْف، عن أبيه، عن جَدّه قال: استُعِزَّ بأُمامةَ بنت أبي العاص فبَعَثَت زينب
بنت رسول الله وَ﴿ إليه تقول له؛ فذكر نحو حديث أُسامة، وفيه مُراجَعة سعد في البكاء
وغير ذلك، وقوله في هذه الرواية: ((استُعِزَّ)) بضم المثنَّة وكسر المهمَلة وتشديد الزّاي، أي:
اشتَدَّ بها المرض وأشرفَتْ على الموت.
والذي يظهر أنَّ الله تعالى أكرَمَ نبيَّهِ وَِّ لمَّا سَلَّمَ لأمر ربِّه وصَبَّرَ ابنته ولم يَملِك مع
ذلك عَينَيَه من الرَّحمة والشَّفَقة، بأن عائَى الله ابنة ابنته في ذلك الوقت فخَلَصَت من تلك
الشِّدّة وعاشت تلك المدَّة، وهذا ينبغي أن يُذكَر في دلائل النُّبوّة، والله المستعان.
قوله: ((يُقرِئ السَّلام)) بضم أوله.
١٥٧/٣
قوله: ((إنَّلله ما أخذَ وله ما أعطَى)) قَدَّمَ ذِكْر الأخذ على الإعطاء - وإن كان متأخِّراً في
الواقع - لمَا يقتضيه المقام، والمعنى: أنَّ الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن
أخذَه أخذَ ما هو له، فلا ينبغي الجَزَع، لأنَّ مُستَودَع الأمانة لا ينبغي له أن يَجزَع إذا
استُعيدت منه، ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميّت، أو ثوابهم
على المصيبة، أو ما هو أعمُّ من ذلك. و((ما)) في الموضعين مصدريَّة، ويحتمل أن تكون
موصولة والعائد محذوف، فعلى الأول التقدير: لله الأخذ والإعطاء، وعلى الثاني: لله الذي
أخذَه من الأولاد وله ما أعطى منهم، أو ما هو أعمُّ من ذلك كما تقدَّم.
قوله: ((وكُلِّ)) أي: من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفُس، أو ما هو أعمُّ من ذلك، وهي

٦٠٣
باب ٣٢ / ح ١٢٨٤
كتاب الجنائز
جملة ابتدائيّة معطوفة على الجملة المؤكَّدة، ويجوز في ((كلّ)) النصب عَطفاً على اسم ((إنَّ)
فيَنسَحِب التأكيد أيضاً عليه، ومعنى العِنديَّة: العلم، فهو من مَجَاز الملازمة، والأجَل يُطلَق
على الحَدِّ الأخير وعلى مجموع العُمر.
وقوله: ((مُسمَّى)) أي: معلوم مُقدَّر أو نحو ذلك.
قوله: ((ولتحتَسِبْ)) أي: تنوي بصبرها طلبَ الثَّواب من ربِّها، ليُحسَبَ لها ذلك من
عملها الصالح.
قوله: ((فأرسَلَت إليه تُقْسِم)) وقع في حديث عبد الرحمن بن عَوْف(١): أنَّها راجَعَته
مرَّتين، وأنَّه إنَّما قام في ثالث مرَّة، وكأنَّهَا أَخَّت عليه في ذلك دفعاً لمَا يَظُنّه بعض أهل
الجهل أنَّها ناقصة المكانة عنده، أو أهَمَها الله تعالى أنَّ حضور نبيّه عندها يَدفَع عنها ما هي
فيه من الألم ببَرَكةِ دعائه وحضوره، فحَقَّقَ الله ظنَّها. والظاهر أنَّه امتَنَعَ أولاً مُبالَغة في
إظهار التَّسليم لربِّه، أو ليُبيِّن الجواز في أنَّ مَن دُعيَ لمثل ذلك لم تَجِبْ عليه الإجابةُ بخلاف
الوليمة مثلاً.
قوله: «فقام ومعه)) في رواية حمّاد (٧٣٧٧): «فقام وقام معه رجال)) وقد سُمّيَ منهم غير
مَن ذُكِرَ في هذه الرواية عبادة بن الصامت، وهو في رواية عبد الواحد في أوائل التوحيد
(٧٤٤٨)، وفي رواية شُعْبة أنَّ أُسامة راوي الحدیث کان معهم، و كذا في رواية عبد الرحمن
ابن عَوْف أنَّه كان معهم، ووقع في رواية شُعْبة في الأيمان والنُّذور (٦٦٥٥): ((وأَبي أو أُبِّ)
كذا فيه بالشَّكِّ هل قالها بفتح الهمزة وكسر الموخَّدة وتخفيف الياء أو بضم الهمزة وفتح
الموحّدة والتشديد، فعلى الأول يكون معهم زيد بن حارثة أيضاً، لكنَّ الثاني أرجح، لأنَّه
ثَبَتَ في رواية هذا الباب بلفظ: ((وأُبيّ بن كعب)) والظاهر أنَّ الشَّكّ فيه من شُعْبة لأنَّ ذلك
لم يقع في رواية غیره، والله أعلم.
قوله: ((فُرُفعَ)) كذا هنا بالراء، وفي رواية حمّاد (٧٣٧٧): ((فدُفعَ)) بالدال، وبيَّن في رواية
(١) عند الطبراني في ((الكبير)) (٢٨٤).

٦٠٤
باب ٣٢ / ح ١٢٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
شُعْبة (٥٦٥٥) أنَّه وُضِعَ فِي حِجرِهِوََّ. وفي هذا السياق حذف والتقدير: فمَشَوْا إلى أن
وَصَلوا إلى بيتها فاستأذَنوا فأَذِنَ لهم فدخلوا فرُفِع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية
عبد الواحد (٧٤٤٨) ولفظه: فلمَّا دَخَلْنا ناوَلوا رسول الله وَ له الصبيَّ.
قوله: ((ونفسُه تتقعقعُ قال: حَسِبتُ أنَّه قال: كأنَّهَا شَرٍّ)) كذا في هذه الرواية، وجَزَمَ
بذلك في رواية حمَّد (٧٣٧٧) ولفظه: ونفسه تقَعقَعُ كأنَّها في شَنّ؛ والقَعقَعة: حكاية
صوت الشيء اليابس إذا حُرِّك، والشَّنّ بفتح المعجَمة وتشديد النون: القِربة الخَلَقة
اليابسة، وعلى الرواية الثانية شَبََّ البَدَن بالجلد اليابس الخَلَق وحَرَكةَ الرُّوح فيه بما يُطَرَح
في الجلد من حَصَاة ونحوها. وأمَّا الرواية الأولى فكأنَّه شَبَّهَ النَّفْس بنفس الجلد، وهو أبلغُ
في الإشارة إلى شِدَّة الضَّعف، وذلك أظهرُ في التّشبيه.
قوله: «ففاضتْ عَيْناه)) أي: النبيُّ ێ، و صرَّحَ به في روایة شُعْبة (٥٦٥٥).
قوله: ((فقال سعد)) أي: ابن عُبادة المذكور، وصَرَّحَ به في رواية عبد الواحد (٧٤٤٨)،
ووقع في رواية ابن ماجَة (١٥٨٨) من طريق عبد الواحد: ((فقال عُبادة بن الصامت))
والصواب ما في ((الصحيح)).
قوله: ((ما هذا)) في رواية عبد الواحد: فقال سعد بن عُبادة: أتبكي، زاد أبو نُعَيم في
((المستخرَج): وتَنهَى عن البكاء!
١٥٨/٣
قوله: («فقال: هذه» أي: الدَّمعة أثرُ رحمة، أي: إنَّ الذي يَفِيض من الدَّمع من حزن القلب
بغير تَعَمُّد من صاحبه ولا استدعاءٍ لا مُؤاخذة عليه، وإنَّما المنهيّ عنه الجَزَع وعَدَمِ الصَّبر.
قوله: ((وإِنَّا يَرحَم الله من عباده الرُّحماءَ)) في رواية شُعْبة في أواخر الطِّبّ(١): ((ولا يرحم
الله من عباده إلَّ الُّحَماء)) و(مِنْ)) في قوله: ((من عباده)) بيانيَّة، وهي حال من المفعول قُدِّمت
لتكون أوقعَ، والرُّحَماء: جمع رحيم، وهو من صِيَغ المبالَغة، ومُقتَضاه: أنَّ رحمة الله تَخْتَصّ
بمَن أَّصَفَ بالرَّحمةِ ونَحقَّقَ بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لکن ثَبَتَ في حديث عبد الله بن
(١) بل في أول كتاب المرضى برقم (٥٦٥٥).

٦٠٥
باب ٣٢ / ح ١٢٨٤
كتاب الجنائز
عَمْرو عند أبي داود (٤٩٤١) وغيره (١): ((الرّاحمونَ يرحمهم الرحمن))، والرَّاحمونَ: جمع راحمٍ،
فيدخل كلُّ مَن فيه أدنى رحمة.
وقد ذكر الحَرْبيّ مُناسَبة الإتيان بلفظ الرُّحماء في حديث الباب بما حاصله: أنَّ لفظ
الجلالة دالٌّ على العَظَمة، وقد عُرِفَ بالاستقراء أنَّه حيثُ وَرَدَ يكون الكلام مَسُوقاً
للتعظيم، فلمَّا ذُكِرَ هنا ناسَبَ ذِكْر مَن كَثُرَت رحمته وعَظَمَته ليكون الكلام جارياً على
نَسَق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر فإنَّ لفظ الرحمن دالٌّ على العفو، فناسَبٌ أن يُذكّر
معه كلُّ ذي رحمة وإن قَلَّت، والله أعلم.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: جواز استحضار ذوي الفضل للمُحتَضَر
الرجاء بَرَكَّتهم ودُعائهم وجواز القَسَم عليهم لذلك، وجواز المشي إلى التعزية والعيادة
بغير إذنٍ بخلاف الوليمة، وجواز إطلاق اللفظ الموهِم لمَا لم يقع بأنَّه يقع مُبالَغةً في ذلك
ليَنْبَعِثّ خاطر المسؤولِ في المجيء للإجابة إلى ذلك.
وفيه استحباب إبرار القَسَم، وأمرُ صاحب المصيبة بالصَّيرِ قبل وقوع الموت ليقعَ وهو
مُستشعِرٌ بالرِّضا مُقاوِماً للحُزنِ بالصَّبر، وإخبارُ مَن يُستَدعى بالأمر الذي يُستَدعَى من
أجله، وتقديم السلام على الكلام، وعيادة المريض ولو كان مفضولاً أو صبيّاً صغيراً.
وفيه أنَّ أهل الفضل لا ينبغي أن يُقْطَع الناس عن فضلهم ولو ردُّوا أول مرَّة،
واستفهام التابع من إمامه عَّ يُشكِل عليه ممّا يَتَعارَض ظاهرُه، وحسن الأدب في السُّؤال
لتقديمه قوله: ((يا رسول الله)) على الاستفهام.
وفيه الترغيب في الشَّفّقة على خلق الله والرَّحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب وجمود
العين، وجواز البكاء من غير نّوحٍ ونحوه.
الثاني: حديث أنس.
١٢٨٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عامٍ، حدَّثنا فُلَّيحُ بنُ سليمانٌ، عن هلال بنِ
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٦٤٩٤)، والترمذي (١٩٢٤) وقال: حديث حسن صحيح.

٦٠٦
باب ٣٢ / ح ١٢٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
عليٍّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ﴾ قال: شَهِدْنا بنتاً لرسولِ اللهِوَلِ، قال: ورسولُ اللهِوَِّ جالسُّ
على القبرِ، قال: فرأيتُ عَينَه تَدْمَعانٍ، قال: فقال: ((هل منكم رجلٌ لم يُقارِفِ الليلةَ؟» فقال أبو
طَلْحة: أنا، قال: ((فانزِلْ)) قال: فنزلَ في قَبِها.
[طرفه في: ١٣٤٢]
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو المُسنِديّ، وأبو عامر: هو العَقَديّ.
قوله: ((عن هلال)) في رواية محمد بن سِنان الآتية بعد أبواب (١٣٤٢): حدَّثنا هلال.
قوله: ((شَهِدْنا بنتاً للنبيِّ وََّ)) هي أمّ كُلْثوم زوج عثمان، رواه الواقديّ عن فُلَيح بن
سليمان بهذا الإسناد، وأخرجه ابن سعد في ((الطَّبقات)) (٨/ ٣٨) في ترجمة أمّ كُلْثوم، وكذا
الدُّولابيّ في ((الذُّرِّية الطاهرة)) (٨٢)، وكذلك رواه الطبريُّ والطَّحَاويّ(١) من هذا الوجه،
ورواه حمّاد بن سَلَمةَ عن ثابت عن أنس فسمَّها رُقيَّة، أخرجه البخاري في ((التاريخ
الأوسط)) (٤٤/١) والحاكم في ((المستدرَك)) (٤٧/٤)، قال البخاريّ: ما أدري ما هذا، فإنَّ
رُقِيَّة ماتت والنبيُّ وَّ ببدرٍ لم يشهدها.
قلت: وَهِمَ حَمَّاد في تسميتها فقط، ويؤيِّد الأول ما رواه ابن سعد أيضاً في ترجمة أمّ
كُلْثوم (٣٨/٨) من طريق عَمْرة بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حُفرَتها أبو طلحة.
وأغرَبَ الخطَّبيُّ فقال: هذه البنت كانت لبعض بنات رسول الله وَّرَ فِنُسِبَت إليه. انتهى
مُلخَّصاً، وكأنَّه ظَنَّ أنَّ الميّتة في حديث أنس هي المحتَضَرة في حديث أُسامة، وليس كذلك
كما بيَّتُه.
قوله: (لم يُقارِف)) بقافٍ وفاء، زاد ابن المبارَك عن فُلَيح: ((أُراه يعني الذَّنْب)) ذكره
المصنِّف في ((باب مَن يدخل قبر المرأة)) (١٣٤٢) تعليقاً، ووَصَله الإسماعيليّ، وكذا قال
سُرَيج بن النُّعمان عن فُلَيح أخرجه أحمد (١٣٣٨٣) عنه. وقيل: معناه: لم يُجامِع تلك
الليلة، وبه جَزَمَ ابن حَزْم وقال: مَعاذَ الله أن يَتَبَّح أبو طلحة عند رسول الله وَ لَه بأنَّه لم
(١) في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٥١٤)، لكنه لم يسمِّها.

٦٠٧
باب ٣٢ / ح ١٢٨٥
كتاب الجنائز
يُذْنِبْ تلك الليلة. انتهى، ويُقوِّيه أنَّ في رواية ثابت المذكورة بلفظ: ((لا يدخل القبر أحد
قارَفَ أهله البارحةَ))، فتَنَخَّى عثمان(١).
وحُكَيَ عن الطَّحَاويّ أنَّه قال: ((لم يُقارِف)) تصحيف، والصواب: (لم يُقاوِل)) أي: لم
ينازع غيره الكلام، لأنَّهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء. وتُعُقِّبَ بأنَّه تغليط للثّقةِ
بغير مُستنَد،/ وكأنَّه استَبعَدَ أن يقعَ لعثمان ذلك لحِرْصه على مُراعاة الخاطر الشَّريف. ١٥٩/٣
ويُجاب عنه باحتمال أن يكون مرض المرأة طال واحتاجَ عثمان إلى الوِقَاعِ، ولم يَظُنَّ عثمان
أنَّهَا تموت تلك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنَّه واقعَ بعد موتها بل ولا حين
احتضارها، والعلم عند الله تعالى.
وفي هذا الحديث جواز البكاء كما ترجم له، وإدخال الرجال المرأةَ قبرَها لكونهم أقوى
على ذلك من النِّساء، وإيثار البعيد العهد عن الملاذِّ في مواراة الميّت - ولو كان امرأة - على
الأب والَّوج، وقيل: إنَّما آثَرَه بذلك لأنَّها كانت صَنْعتَه، وفيه نظرٌّ، فإنَّ ظاهر السياق أنَّه
وَ* اختاره لذلك لكَونِه لم يقع منه في تلك الليلة جِماعٌ، وعَلَّلَ ذلك بعضهم بأنَّه حينئذٍ
یأمن من أن يُذكِّره الشيطان بما كان منه تلك الليلة.
وحُكيَ عن ابن حبيب: أنَّ السِّ في إيثار أبي طلحة على عثمان أنَّ عثمان كان قد جامع
بعض جواريه في تلك الليلة، فتَلَطَّفَ وَّهِ في منعه من التُّزول في قبر زوجته بغير تصريح،
ووقع في رواية حمَّد(٢) المذكورة: فلم يدخل عثمان القبر.
وفيه جواز الجلوس على شَفِير القبر عند الدَّفن، واستدلَّ به على جواز البكاء بعد
الموت، وحكى ابن قُدامةَ في ((المغني)) عن الشافعيّ: أنَّه يُكرَه لحديث جَبْر بن عَتِيك في
((الموطَّأ)) (١/ ٢٣٣ -٢٣٤) فإنَّ فيه: ((فإذا وَجَبَ فلا تبكيَنَّ باكيةٌ)) يعني: إذا مات، وهو
محمول على الأولَويَّة، والمراد: لا تَرفَعْ صوتها بالبكاء، ويُمكِّن أن يُفرَّق بين الرجال
(١) رواية ثابت هذه عند البخاري في ((التاريخ الأوسط)) ٤٤/١، والحاكم ٤٧/٤، وفيها: فلم يدخل عثمانُ
القبرَ.
(٢) عند البخاري في ((التاريخ الأوسط)) ٤٤/١، والحاكم ٤/ ٤٧.

٦٠٨
باب ٣٢ / ح ١٢٨٦ - ١٢٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
والنِّساء في ذلك لأنَّ النِّساء قد يُفضي بهنَّ البكاء إلى ما يُذَر من النوح لقِلّةٍ صبرهنَّ.
واستدلَّ به بعضهم على جواز الجلوس عليه مُطلَقاً، وفيه نظرٌ، وسيأتي البحث فيه في باب
مُفرَد إن شاء الله تعالى.
وفيه فضيلة لعثمان الإيثاره الصِّدقَ وإن كان عليه فيه غَضَاضة.
الحديث الثالث:
١٢٨٦ - حدَّثْنَا عَبْدانُ، حدَّثنا عبدُ الله، أخبرنا ابنُ جُرَيج قال: أخبرني عبدُ الله بنُ عُبيدِ الله
ابنِ أبي مُلَيكةَ قال: تُوقِيَّتِ ابنةٌ لِعثمانَ ﴾ بمكَّة، وجِئْنا لَشْهَدَها وحَضَرَها ابنُ عمَرَ وابنُ
عَّاسٍ رضي الله عنهم وإنِّي لَجالس بينهما - أو قال: جلستُ إلى أحدِهما، ثمَّ جاء الآخَرُ
فجَلَسَ إلى جَنْبي - فقال عبدُ الله بنُ عمرَ رضي الله عنهما لعَمرِو بنِ عثمان: ألا تَنْهَى عن
البكاءِ؟ فإنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((إِنَّ المِّتَ لَيُعذّبُ ببكاءِ أهلِه علیه».
١٢٨٧ - فقال ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما: قد كانَ عمرُ ﴾ يقول بعضَ ذلكَ، ثمَّ حدَّث
قال: صَدَرتُ مع عمرَ ﴾ من مكَّةَ حتَّى إذا كنَّا بالبَيداءِ، إذا هو برَكْبِ تحتَ ظِلِّ سَمُرٍ فقال:
اذهَبْ فانظُرْ مَن هؤلاءِ الرَّكْبُ، قال: فنظرتُ فإذا صهيبٌ، فأخبرتُه فقال: ادْعُه لي فرجعتُ
إلى صهيبٍ فقلتُ: ارَحِلْ فالحَقْ أميرَ المؤمنين، فلمَّا أُصِيبَ عمرُ دخل صهيبٌ يبكي يقول:
واأخاه! واصاحباه! فقال عمرُ﴾: يا صهيبُ، أتبكي عليَّ وقد قال رسولُ الله وَّةِ: ((إِنَّ المَيِّتَ
يُعذّبُ ببعضٍ بکاءِ أهلِە علیه»!
[طرفاه في: ١٢٩٢،١٢٩٠]
١٢٨٨ - قال ابنُ عيَّاسٍ رضي الله عنهما: فلمَّا ماتَ عمرُ ﴾ ذكرتُ ذلكَ لعائشةَ رضي الله
عنها فقالت: رَحِمَ الله عمرَ، والله ما حدَّث رسولُ اللهِ وَّهِ أَنَّ اللهَ لَيُعذِّبُ المؤمنَ ببكاءِ أهلِهِ
عليه، ولكنْ رسولُ اللهِوَّةِ قال: ((إنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكافرَ عذاباً ببكاءِ أهلِهِ عليه)) وقالت: حَسْبُكم
القرآنُ ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عند ذلكَ: واللهُ ﴿هُوَ
أَضْحَكَ وَبَّكَى﴾ [النجم:٤٣].

٦٠٩
باب ٣٢ / ح ١٢٨٦ -١٢٨٨
كتاب الجنائز
قال ابنُ أبي مُلَيكة: والله ما قال ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما شيئاً.
[طرفاه في: ٣٩٧٨،١٢٨٩]
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((بنت لعثمان)) هي أمّ أبان كما سيأتي من رواية أيوب.
قوله: ((وإِنِّي لَجالس بينهما، أو قال: جلستُ إلى أحدهما)) هذا شكٌّ من ابن جُرَيج،
ولمسلم (٩٢٨) من طريق أيوب عن ابن أبي مُلَيكة قال: كنت جالساً إلى جَنْب ابن عمر
ونحنُ ننتظر جِنازةَ أمّ أبان بنت عثمان وعنده عَمْرو بن عثمان، فجاء ابن عبّاس يقوده قائده
فأراه أخبرَه بمكان ابن عمر، فجاء حتَّى جَلَسَ إلى جنبي فكنت بينهما، فإذا صوت من
الدار. وفي رواية عَمْرو بن دينار عن ابن أبي مُلَيكة عند الحميدي (٢٢٠): «فَكَى النِّساء)»
فظَهَرَ السبب في قول ابن عمر لعَمرِو بن عثمان ما قال، والظاهر أنَّ المكان الذي جَلَسَ فيه
ابن عبّاس كان أوفقَ له من الجلوس بجَنْب ابن عمر، أو اختار أن لا يقيم ابنَ أبي مُلَيكة
من مكانه ويجلس فيه للنَّهي عن ذلك(١).
قوله: ((فلمَّا أُصيبَ عُمَر)) يعني: بالقتل، وأفاد أيوب في روايته: أنَّ ذلك كان عَقِب
الحَجَّة المذكورة ولفظه: فلمَّا قَدِمنا لم يَلْبَث عمر أن أُصيبَ، وفي رواية عَمْرو بن دينار (٢): لم
يَلْبَث أن طُعِنَ.
قوله: «قال ابن عبّاس: فلمَّا ماتَ عُمَر» هذا صریح في أنَّ حديث عائشة من رواية ابن
عبَّاس عنها، ورواية مسلم تُوهِم أنَّه من رواية ابن أبي مُلَيكة عنها، والقصَّة كانت بعد
موت عائشة لقوله فيها: ((فجاء ابن عبّاس يقوده قائده)) فإنَّه إنَّما عَمِيَ في أواخر عُمره،
ويؤيِّد كون ابن أبي مُلَيكة لم يَحمِلْه عنها أنَّ عند مسلم (٩٢٩) في أواخر القصّة: قال ابن أبي
مُلَيكة: وحدَّثني القاسم بن محمد قال: لمَّا بَلَغَ عائشةَ قولُ ابن عمر قالت: إنَّكم
(١) في الحديث الذي رواه ابن عمر نفسه فيما سيأتي عند البخاري برقم (٦٢٦٩).
(٢) عند الحميدي في «مسنده)) (٢٢٠).

٦١٠
باب ٣٢ / ح ١٢٨٦ - ١٢٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
لتُحَدِّثونَني عن غير كاذبَين ولا مُكذّبَين، ولكنَّ السمع يُخْطِئ. وهذا يدلُّ على أنَّ ابن عمر
كان قد حدَّث به مِراراً. وسيأتي في الحديث الذي بعده أنَّه حدَّث بذلك أيضاً لمَّا مات
رافع بن خَدِیج.
قوله: (ولکنْ رسول الله پێ)) بسکون نون (لكن) ويجوز تشديدها.
قوله: ((حَسبُكم)) بسكون السِّين المهمَلة، أي: كافيكم ((القرآنُ)) أي: في تأييد ما ذهبت
إليه من ردِّ الخبر.
قوله: ((قال ابن عبّاس عند ذلكَ)) أي: عند انتهاء حديثه عن عائشة: ((واللهُ هو أضحَكَ
وأبكَى)) أي: أنَّ العَبْرة لا يَملِكها ابن آدم ولا تسبُّب له فيها، فكيف يُعاقَب عليها فضلاً
عن الميِّت!
وقال الداووديّ: معناه: أنَّ الله تعالى أذِنَ في الجميل من البكاء فلا يُعذِّب على ما أذِنَ فيه.
وقال الطِّبيُّ: غَرَضُه تقرير قول عائشة، أي: أنَّ بكاء الإنسان وضَحِكَه من الله يُظهِره
فيه، فلا أثر له في ذلك.
١٦٠/٣
قوله: ((ما قال ابن عمر شيئاً) قال الطِّبيُّ وغيره: ظَهَرَت لابن عمر الحُجّة فسَكَتَ مُذْعِناً.
وقال الزَّين بن المنيِر: سكوته لا يدلُّ على الإذعان، فلعلَّه كره المجادلة في ذلك المقام.
وقال القُرطبيّ: ليس سكوته لشكٌّ طَرَأَ له بعدَما صَرَّحَ برفع الحديث، ولكن احتَمَلَ عنده
أن يكون الحديث قابلاً للتأويل، ولم يَتَعَّن له مَحمَل يَجمِله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا
يَقبَل المماراة ولم تَتَعيَّن الحاجة إلى ذلك حينئذٍ. ويحتمل أن يكون ابن عمر فَهِمَ من استشهاد
ابن عبّاس بالآية قَبُول روايته، لأنَّها يُمكِن أن يُتَمسَّك بها في أنَّ لله أن يُعذّب بلا ذنب،
فيكون بكاء الحيّ علامةً لذلك، أشار إلى ذلك الکِرْمانيّ.
الحديث الرابع:
١٢٨٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ یوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بن أبي بکرِ، عن أبيه، عن

٦١١
باب ٣٢ / ح ١٢٨٩ - ١٢٩٠
كتاب الجنائز
عَمْرَةَ بنتٍ عبدِ الرحمن، أنَّها أخبَرَتْه: أنَّهَا سَمِعَت عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ وَّ قالت:
إنَّمَا مَرَّ رسولُ الله ◌ِِّ على يهوديّةٍ يبكي عليها أهلُها فقال: ((إِنَّهِم لَيَكُونَ عليها، وإِنَّهَا لَتُعذّبُ
في قبرها».
قوله: ((عن عبد الله بن أبي بكر)) أي: ابن محمد بن عَمْرو بن حَزْم.
قوله: ((إنَّا مَرَّ)) كذا أخرجه من طريق مالك مختصراً، وهو في ((الموطَّأ)) (١/ ٢٣٤) بلفظ:
ذُكِرَ لها أنَّ عبد الله بن عمر يقول: إنَّ المَيِّت يُعذَّب ببكاء الحيّ عليه، فقالت عائشة: يَغْفِرُ
الله لأبي عبد الرحمن، أما إنَّه لم يَكذِب ولكنَّه نَسِيَ أو أخطأ، إنَّمَا مَرَّ. وكذا أخرجه مسلم
(٢٧/٩٣٢)، وأخرجه أبو عَوَانة من رواية سفيان عن عبد الله بن أبي بكر كذلك وزاد: أنَّ
ابن عمر لمَّا مات رافع قال لهم: لا تَبكُوا عليه، فإنَّ بكاء الحيِّ على الميِّت عذاب على
الميّت. قالت عَمْرة: فسألت عائشةَ عن ذلك فقالت: يرحمه الله إنَّما مَرَّ ... فذكر الحديث،
ورافعٌ المذكور: هو رافع بن خَدِيج كما تقدَّمت الإشارة إليه في الحديث الأول.
الحديث الخامس:
١٢٩٠- حذَّثنا إسماعيلُ بنُ خليلٍ، حدَّثنا عليٌّ بنُ مُسهِرٍ، حدَّثنا أبو إسحاق، وهو
الشَّيبانيُّ، عن أبي بُرْدة، عن أبيه قال: لمَّا أُصِيبَ عمرُ ﴾ جَعَلَ صهيبٌ يقول: واأخاه! فقال
عمرُ: أما علمتَ أنَّ النبيَّ ◌َّم قال: ((إِنَّ المَيِّتَ لَيُعذَّبُ ببكاءِ الحِيِّ)).
قوله: ((عن أبي بُرْدَة)» هو ابن أبي موسى الأشعريّ.
قوله: «لمَّا أُصيبَ عُمَر جَعَلَ صهيب يقول: واأخاه)) أخرجه مسلم (٢١/٩٢٧) من
طريق عبد الملك بن عُمَير عن أبي بُردة أتمَّ من هذا السياق وفيه قول عمر: علامَ تبكي.
قوله: ((إنَّ المَيِّت لَيُعَذَّب ببكاء الحيِّ)) الظاهر أنَّ الحيَّ مَن يقابل الميِّت، ويحتمل أن يكون
المراد به القبيلة، وتكون اللَّام فيه بدل الضَّمير والتقدير: يُعذَّب ببكاء حيّه، أي: قبيلتِه،
فيوافق قولَه في الرواية الأُخرى: ((ببكاء أهله))، وفي رواية مسلم المذكورة: ((مَن يُبكَى عليه
يُعَذَّب)) ولفظها أعمُّ. وفيه دلالة على أنَّ الحُكْم ليس خاصاً بالكافر، وعلى أنَّ صهيباً أحد

٦١٢
باب ٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
مَن سمع هذا الحديث من النبيّ وََّ، وكأنَّه نَسِيَه حتَّى ذَكَّرَه به عمر، وزاد فيه عبد الملِك
ابن عُمَير عن أبي بُردة: فذكرتُ ذلك لموسى بن طَلْحة فقال: كانت عائشة تقول: إنَّما كان
أولئك اليهود، أخرجه مسلم (٢٠/٩٢٧).
قال الزَّين بن المنيِّر: أنكَرَ عمر على صهيب بكاءَه لرفع صوته بقوله: واأخاه، ففَهِمَ منه
أنَّ إظهاره لذلك قبل موت عمر يُشعِر باستصحابه ذلك بعد وفاته أو زيادته عليه، فابتَدَرَه
بالإنكار لذلك، والله أعلم.
وقال ابن بَطَّال: إن قيل: كيف نَهَى صهيباً عن البكاء وأقرَّ نساءَ بني المغيرة على البكاء
على خالد كما سيأتي في الباب الذي يليه؟ فالجواب: أنَّه خَشِيَ أن يكون رفعُه لصوته من
باب ما نُهيَ عنه، ولهذا قال في قصَّة خالد: ما لم يكن نَقْع أو لَقَلَقة، والله وأعلم.
٣٣- باب ما يكره من النِّياحة على الميّت
وقال عمرُ ﴾: دَعْهنَّ يَبكِينَ على أبي سليمانَ، ما لم يكن نَفْعٌ أو لَقْلَقةٌ. والنَّقْعُ: التُرابُ على
الرأسِ، واللَّقْلَقَةُ: الصَّوت.
١٦١/٣
قوله: ((باب ما يُكرَه من النِّياحة على الميّت)) قال الزّين بن المنيِر: ((ما)) موصولة و((مِن))
لبيان الجنس، فالتقدير: الذي يُكرَه من جنس البكاء هو النّياحة، والمراد بالكراهةِ كراهة
التحريم لما تقدَّم من الوعید علیه. انتھی.
ويحتمل أن تكون ((ما)) مصدريَّة و((من)) تبعيضيَّة، والتقدير: كراهية بعض النِّياحة،
أشار إلى ذلك ابن المُرابِط وغيره.
ونقل ابن قُدامةَ عن أحمد روايةً: أنَّ بعض النِّياحة لا تَحِرُم، وفيه نظرٌ، وكأنَّه أخذَه
من كونه وَ له لم يَنْهَ عمَّة جابر لمَّا ناحت(١)، فدَلَّ على أنَّ النِّياحة إنَّما تَحُرُم إذا انضاف إليها
فعلٌ من ضربٍ خَدٍّ أو شَقِّ جَيبٍ، وفيه نظرٍّ، لأنَّه وَّهِ إِنَّمَا نَهَى عن النِّياحة بعد هذه
(١) في (س): ناحت عليه، بزيادة لفظ ((عليه)) وهو خطأ، فإنها إنما ناحت على أبيه، وسيأتي برقم (١٢٩٣).

٦١٣
باب ٣٣
كتاب الجنائز
القصَّة لأنَّها كانت بأُحُدٍ، وقد قال في أُحُدٍ: ((لكن حمزة لا بَواكيَ له)) ثمَّ نَهَى عن ذلك
وتَوَعَّدَ عليه، وذلك بيِّ فيما أخرجه أحمد (٤٩٨٤) وابن ماجَهْ (١٥٩١) وصحَّحه الحاكم
(١٩٤/١ - ١٩٥،١٩٧) من طريق أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله
وَ﴿ مَرَّ بنساء بني عبد الأشهل يبكينَ هَلْكاهُنَّ يوم أُحُد فقال: ((لكنَّ حمزة لا بواكي له))
فجاء نساء الأنصار يبكينَ حمزة، فاستَيقَظَ رسول الله وَ ل﴿ فقال: ((ويحهنَّ، ما انقَلَبنَ بعدُ،
مُروهُنَّ فليَنقَلِنَ، ولا يبكينَ على هالكِ بعد اليوم))(١)، وله شاهد أخرجه عبد الرزاق
(٦٦٩٤) من طريق عِكْرمة مُرسَلاً، ورجاله ثقات.
قوله: ((وقال عُمَر: دَعْهُنَّ يبكينَ على أبي سليمان ... )) إلى آخره، هذا الأثر وَصَلَه المصنّف
في ((التاريخ الأوسط)) من طريق الأعمش عن شَقِيق قال: لمَّا مات خالد بن الوليد اجتمع
نِسْوة بني المغيرة - أي: ابن عبد الله بن عَمْرو بن مخزوم، وهُنَّ بنات عمِّ خالد بن الوليد بن
المغيرة - يبكينَ عليه، فقيل لعمر: أرسِلْ إليهنَّ فانهَهُنّ، فذكره(٢). وأخرجه ابن سعد عن
وكيع وغير واحد عن الأعمش.
قوله: ((ما لم يكن نَفْع أو لَقْلَقة)) بقافين الأولى ساكنة، وقد فسَّرَه المصنّف بأنَّ النَّقع
التُّراب، أي: وضعه على الرأس، واللَّقلَقة: الصَّوت، أي: المرتَفِع، وهذا قول الفَرّاء، فأمَّا
تفسير اللَّقْلَقة فمُتَّفَق عليه كما قال أبو عُبيد في («غريب الحديث)) (٢٧٦/٣)، وأمَّا النَّقْع
فروى سعيد بن منصور عن هُشَيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: النَّقع: الشَّقّ، أي: شَقّ
الجُيوب. وكذا قال وكيع فيما رواه ابن سعد عنه، وقال الكسائيّ: هو صَنْعة الطَّعام
للمأتم، كأنَّ ظَنَّه من النَّقيعة: وهي طعام المأتم، والمشهور أنَّ النَّقيعة طعام القادم من
السفر كما سيأتي في آخر الجهاد (٣)، وقد أنكَرَه أبو عُبيد عليه (٢٧٤/٣ -٢٧٥) وقال: الذي
(١) وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد: وهو الليثي.
(٢) صنيع الحافظ ابن حجر يُوهِم أن هذا اللفظ للبخاري في ((الأوسط»، وليس كذلك، فإن هذا اللفظ أخرجه
البيهقي في «السنن الكبرى)» ٧١/٤ من هذا الطريق، وهو بنحوه عند البخاري في ((الأوسط)) (المطبوع
خطأً باسم الصغير) ٤٦/١-٤٧ من هذا الطريق، وتحرف في المطبوع منه ((الأعمش)) إلى: الأعشى.
(٣) عند الباب (١٩٩) وهو: باب الطعام عند القدوم.

٦١٤
باب ٣٣ / ح ١٢٩١
فتح الباري بشرح البخاري
رأيت عليه أكثر أهل العلم أنَّه رفع الصَّوت، يعني: بالبكاء. وقال بعضهم: هو وضع
التُراب على الرأس، لأنَّ النَّفع هو الغُبار. وقيل: هو شَقُّ الجيوب، وهو قول شَمِر، وقيل:
هو صوت لَطْم الحُدود، حكاه الأزهَريّ.
وقال الإسماعيليّ مُعتَرِضاً على البخاريّ: النََّع لَعَمري: هو الغُبار، ولكن ليس هذا
موضعه، وإنَّما هو هنا الصَّوت العالي، واللَّقلَقة: ترديد صوت النّوَّاحة. انتهى، ولا مانع
من حمله على المعنيَينِ بعد أن فُسِّرَ المراد بكَونِه وضع التُراب على الرأس، لأنَّ ذلك من
صنيع أهل المصائب.
وقال ابن الأثير: المرجّح أنَّه وضعُ التُراب على الرأس، وأمَّا مَن فسَّرَه بالصَّوتِ فيَلزَم
موافقته للَّقلَقة، فحمل اللفظَينِ على مَعنيَينِ أَولى من حملهما على معنَى واحد، وأُجيبَ بأنَّ
بینھما مُغايرة من وجه کما تقدَّم، فلا مانع من إرادة ذلك.
تنبيه: کانت وفاة خالد بن الوليد بالشام سنة إحدى وعشرين.
١٢٩١ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سعيدُ بنُ عُبيدٍ، عن عليٍّ بنِ رَبِيعة، عن المغيرةِ ﴾، قال:
سمعتُ النبيَّ وََّ يقول: ((إنَّ كَذِباً عليَّ ليس ككَذِبٍ على أحدٍ، مَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ
مَقْعدَهِمِن النارِ))، سمعتُ النبيَّ څ﴿ يقول: ((مَن يُنَخْ علیه يُعذّبْ بما نِیجَ علیه)).
قوله: ((حدَّثنا سعيد بن عُبيد)) هو الطائيّ.
١٦٣/٣
قوله: ((عن عليّ بن ربيعة)) هو الأسَديُّ، وليس له في البخاري غير هذا الحديث،
والإسناد كلّه كوفيُّون، وصَرَّحَ في رواية مسلم (٤) بسماع سعيد من عليّ ولفظه: ((حدَّثنا))،
والمغيرة: هو ابن شُعْبة، وقد أخرجه مسلم (٤) من وجه آخر عن سعيد بن عُبيد وفيه عليّ
ابن ربيعة قال: أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة فقال: سمعت ... فذكره، ورواه أيضاً
(٩٣٣) من طريق وكيع عن سعيد بن عُبيد ومحمد بن قيس الأسَديِّ كلاهما عن عليّ بن
ربيعة قال: أول مَن نِيحَ عليه بالكوفة قَرَظة بن كعب، وفي رواية التِّرمِذيّ (١٠٠٠): مات
رجل من الأنصار يقال له: قَرَظة بن كعب فنِيحَ عليه، فجاء المغيرة فصَعِدَ المنبر فحَمِدَ الله

٦١٥
باب ٣٣ / ح ١٢٩١
كتاب الجنائز
وأثنَى عليه وقال: ما بالُ النَّوح في الإسلام. انتهى، وقَرَظة المذكور: بفتح القاف والراء
والظاء المُشَالة أنصاريٌّ خَزْرَجيٍّ، كان أحد من وَجَّهَه عمر إلى الكوفة ليُفقِّه الناس،
وكان على يده فتح الرَّيّ، واستَخلَفَه عليٌّ على الكوفة، وجَزَمَ ابن سعد (١٧/٦) وغيره بأنَّه
مات في خلافته، وهو قول مرجوح لمَا ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٤): أنَّ وفاته حيثُ كان
المغيرة بن شُعْبة أميراً على الكوفة، وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قِبَل معاوية من سنة
إحدى وأربعينَ إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين.
قوله: ((إنَّ كذِباً عليَّ ليس ككَذِبٍ على أحد)) أي: غيري، ومعناه: أنَّ الكذب على الغير
قد أُلِفَ واستُسِهِلَ خَطْبُه، وليس الكذب عليَّ بالغاً مَبلَغ ذاك في السُّهولة، وإن كان دونه في
السُّهولة فهو أشدُّ منه في الإثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض مَن أورَدَ أنَّ الذي تَدخُل
عليه الكاف أعلى، والله أعلم.
وكذا لا يَلْزَمُ من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أن يكون الكذب على غيره
مُباحاً، بل يُستدَلّ على تحريم الكذب على غيره بدليلٍ آخر، والفرقُ بينهما أنَّ الكذب عليه
تُوعِّدَ فاعله بجعل النار له مَسكَناً بخلاف الكذب على غيره. وقد تقدَّمت بقيَّة مباحث
الحديث في كتاب العلم(١)، ويأتي كثير منها في شرح حديث وائِلةً في أوائل مناقب قريش
(٣٥٠٩) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((مَن يُنَحْ عليه يُعذّبْ)) ضَبَطَه الأكثر بضم أوله وفتح النون وجزم المهمَلة على أنَّ
((مَن)) شرطيَّة وَّجْزِم الجواب، ويجوز رفعه على تقدير فإنَّه يُعذّبُ، ورُوِيَ بكسر النون
وسكون التحتانيَّ وفتح المهمَلة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مَن يُناح)) على أنَّ ((مَن))
موصولة، وقد أخرجه الطَّبَرانيّ (٩٧٤/٢٠ ٩٧٥) عن عليّ بن عبد العزيز عن أبي نُعَيم
بلفظ: ((إذا نِيحَ على المِّت عُذِّبَ بالنِّياحةِ عليه)) وهو يؤيِّد الرواية الثانية.
قوله: ((بما نِيحَ عليه)) كذا للجميع بكسر النُّون، ولبعضهم ((ما نِيحَ)) بغير موحَّدة على
أنَّ ((ما)) ظرفيَّة.
(١) يشير إلى ما سلف في كتاب العلم: ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي ◌َّه.

٦١٦
باب ٣٣ / ح ١٢٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
١٢٩٢ - حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبرني أبي، عن شُعْبة، عن قَتَادة، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن
ابنِ عمرَ، عن أبيه رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّه قال: ((المِيِّتُ يُعذّبُ في قَبْرِه بما نِيحَ عليه)).
تابَعَه عبدُ الأعلى، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، حدَّثنا قَتَادة.
وقال آدمُ عن شُعْبة: ((المِيِّتُ يُعذّبُ ببكاء الحيِّ عليه)).
قوله: ((عن سعيد بن المسيّب)) في رواية: حدَّثنا سعيد.
قوله: ((تابَعَه عبد الأعلى)) هو ابن حمّاد، وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة.
قوله: ((حدَّثنا قَتَادة) يعني: عن سعيد بن المسيّب ... إلى آخره، وقد وَصَلَه أبو يعلى في
(مسنده)) (١٥٦) عن عبد الأعلى بن حمّاد كذلك.
قوله: ((وقال آدم عن شُعْبة)) يعني بإسناد حديث الباب لكن بغير لفظ المتن وهو قوله:
(يُعذّب ببكاء الحميّ عليه)) تَفَرَّدَ آدم بهذا اللفظ، وقد رواه أحمد (١٨٠ و ٢٤٧ و٣٥٤ و ٣٦٦)
عن محمد بن جعفر غُندَر ويحيى بن سعيد القَطّنُ وحَجّاج بن محمد، كلّهم عن شُعْبة
كالأول، وكذا أخرجه مسلم (٩٢٧/ ١٧) عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر، وأخرجه
أبو عَوَانة من طريق أبي النَّضر وعبد الصَّمَد بن عبد الوارث وأبي زيد الهَرَويِّ وأسوَد بن
عامر، كلّهم عن شعبة (١) كذلك.
وفي الحديث تقديم مَن يُحدِّث كلاماً يقتضي تصديقه فيما يُحدِّث به، فإنَّ المغيرة قَدَّمَ قبل
تحديثه بتحريم النَّوح أنَّ الكذب على رسول الله وَّهِ أشدُّ من الكذب على غيره، وأشار إلى
أنَّ الوعيد على ذلك يمنعه أن يُخْبِرِ عنه بما لم يَقُلْ.
٣٤ - باب
١٦٣/٣
١٢٩٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا ابنُ المُنكَدِرِ، قال: سمعتُ جابرَ
ابنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: جِيءَ بأَبي يومَ أُحُدٍ قد مُثِّلَ به حتَّى وُضِعَ بين يَدَي
(١) تحرف في (س) إلى: سعید.

٦١٧
باب ٣٤ / ح ١٢٩٣
كتاب الجنائز
رسولِ اللهِوَ﴿ وقد سُجِّيَ ثوباً، فذهبتُ أُرِيدُ أن أكشِفَ عنه فنهاني قَوْمي، ثمَّ ذهبتُ أكشِفُ
عنه فنهاني قَوْمي، فأمَرَ رسولُ الله ◌َّهِ فُرُفِعَ، فسَمِعَ صوتَ صائحةٍ، فقال: ((مَن هذه؟))
فقالوا: ابنةُ عَمرٍو - أو أُختُ عَمٍو - قال: ((فِلِمَ تَبْكي؟ - أو لا تبكي - فما زالَتِ الملائكةُ تُظِلُّه
بأجنِحَتِھا حتَی رُفِعَ)».
قوله: ((باب)) كذا في رواية الأَصِيليّ، وسَقَطَ من رواية أبي ذرٍّ وكَرِيمة، وعلى ثُبوته فهو
بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله كما تقدَّم تقريره غير مرَّة، وعلى التقديرَينِ فلا بدَّ له من
تعلُّق بالذي قبله، وقد تقدَّم توجيهه في أول الترجمة.
قوله: ((قد مُثِّلَ به)) بضم الميم وتشديد المثلَّثة يقال: مُثِّلَ بالقتيل: إذا جُدِعَ أنفُه أو أُذُنُه
أو مذاكيرُه أو شيءٌ من أجزائه. والاسم: المُثْلة، بضم الميم وسكون المثلَّثة.
قوله: ((سُجّيَ ثوباً)) بضم المهمَلة وتشديد الجيم الثَّقيلة، أي: غُطّيَ بثوبٍ.
قوله: ((ابنة عَمْرو أو أُخت عَمْرو)) هذا شٌّ من سفيان، والصواب: بنت عَمْرو، وهي
فاطمة بنت عَمْرو، وقد تقدَّم على الصواب من رواية شُعْبة عن ابن المنكَدِر في أوائل
الجنائز (١٢٤٤) بلفظ: فذهبت (١) عَمَّتي فاطمة، ووقع في ((الإكليل)) للحاكم تسميتُها هند
بنت عَمْرو، فلعلَّ لها اسمَين، أو أحدهما اسمها والآخر لَقَبها، أو كانتا جميعاً حاضرتين.
قوله: ((قال: فلِمَ تَبْكي؟ أو: لا تَبْكي)» هكذا في هذه الرواية بكسر اللَّام وفتح الميم على
أنَّه استفهام عن غائبة، وأمَّا قوله: ((أو لا تبكي)) فالظاهر أنَّه شكٌّ من الرَّاوي هل استفهَمَ
أو نَهَى، لكن تقدَّم في أوائل الجنائز (١٢٤٤) من رواية شُعْبة: ((تبكي أو لا تبكي))(٢) وتقدَّم
شرحه على التخيير، ومُحصَّله: أنَّ هذا الجليلَ القَدْرِ الذي تُظِلّه الملائكة بأجنحتها لا ينبغي
أن يُیگی علیه، بل ◌ُفرَح له بما صار إليه.
(١) في الرواية: فجعلت.
(٢) لفظه هناك: ((تبكين أو لا تبكين)).

٦١٨
باب ٣٥ / ح ١٢٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
٣٥- باب: ليس منّا من شقَّ الجيوب
١٢٩٤ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا زُبَيدٌ الياميُّ، عن إبراهيمَ، عن مسروقٍ،
عن عبدِ الله﴾ قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((ليس منَّا مَن لَطَمَ الخُدُودَ وشَقَّ الجُيُوب، ودَعَا بدَغْوَى
الجاهليّةِ)).
[أطرافه في: ١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩]
قوله: ((باب ليس منَّا مَن شَقَّ الجيوب)) قال الزَّين بن المنيِّر: أفرَدَ هذا القَدْر بترجمة ليُشعِرَ
بأنَّ النَّفي الذي حاصله التَّبرِّي يقع بكلٍّ واحد من المذكورات لا بمجموعها. قلت:
ويؤيِّده رواية لمسلم (١٠٣) بلفظ: ((أو شَقَّ الجيوب، أو دَعَا ... )) إلى آخره.
قوله: ((حدَّثْنَا زُبَيد)» بزايٍ وموخَّدة مصغّر.
قوله: ((الياميّ)) بالتحتانيَّةِ والميم الخفيفة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((الإياميّ)) بزيادة همزة
في أوله. والإسناد كلّه كوفيُّون، ولسفيان - وهو الثَّوريّ - فيه إسناد آخر سيُذكَر بعد بابين
(١٢٩٧).
قوله: ((ليسَ منَّ)) أي: من أهل سُنَّنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدِّين،
ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالَغة في الرَّدع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل
لوَلَدِه عند مُعاَبته: لستُ منك ولستَ منِّي، أي: ما أنت على طريقتي.
وقال الزّين بن المنيِر ما مُلخَّصه: التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنَّما وَرَدَ عن أمر
ثُبوتيٍّ وجوديّ، وهذا يُصان كلام الشارع عن الحمل عليه، والأَولى أن يقال: المراد أنَّ
١٦٤/٣ الواقع في ذلك يكون قد تَعرَّضَ لأن/ يُهجَر ويُعرَض عنه، فلا يختلِط بجماعة السُّنّة تأديباً
له على استصحابه حالةَ الجاهليَّة التي قبَّحها الإسلام، فهذا أولى من الحمل على ما لا
يُستَفاد منه قَدْر زائد على الفعل الموجود. وحُكيَ عن سفيان: أنَّه كان يكره الخوضَ في
تأويله ويقول: ينبغي أن يُمسَك عن ذلك، ليكون أوقعَ في النُّفُوس وأبلغَ في الزَّجر.
وقيل: المعنى: ليس على ديننا الكامل، أي: أنَّه خرج من فرع من فروع الدِّين وإن كان

٦١٩
باب ٣٥ / ح ١٢٩٤
كتاب الجنائز
معه أصله. حكاه ابن العربيّ، ويظهر لي أنَّ هذا النَّفي يُفسِّرِه التَّبرِّي الآتي في حديث أبي
موسى (١٢٩٦) بعد باب حيثُ قال: ((بَرِئَ منه النبيُّ ◌َلَ))، وأصل البراءة: الانفصال من
الشيء، وكأنَّه تَوعَّدَه بأن لا يُدخِلَه في شفاعته مَثَلاً.
وقال المهلَّب: قوله: ((أنا بريءٌ)) أي: من فاعل ما ذُكِرَ وقتَ ذلك الفعل، ولم يُرِدْ نفيَه
عن الإسلام.
قلت: بينهما واسطة تُعرَف ممَّا تقدَّم أول الكلام، وهذا يدلّ على تحريم ما ذُكِرَ من شَقّ
الجيب وغيره، وكأنَّ السبب في ذلك ما تَضمَنَّه ذلك من عَدَم الرِّضا بالقضاء، فإن وقع
التصريحُ بالاستحلال مع العلم بالتحريم أو التسخَّطُ مثلاً بما وقع، فلا مانع من حمل
النَّفي على الإخراج من الدِّين.
قوله: (لَطَمَ الخدود)) خَصَّ الخَدَّ بذلك لكَونِه الغالب في ذلك، وإلَّا فضربُ بقيّة الوجه
داخل في ذلك.
قوله: ((وشَقَّ الجيوب)) جمع جَيْب بالجيم الموحّدة: وهو ما يُفتَح من الثوب ليدخل فيه
الرأس، والمراد بشَقِّ إكمالُ فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخّط.
قوله: ((ودعا بدَعْوى الجاهليّة)) في رواية مسلم: ((بدعوى أهل الجاهليَّة))(١)، أي: من
النِّياحة ونحوها، وكذا النُّدبة كقولهم: واجَبَلاه، وكذا الدُّعاء بالوَيْلِ والثُبور كما سيأتي بعد
ثلاثة أبواب (١٢٩٨).
٣٦- باب رثاء النبيِّ ◌َّطلال سعدَ ابن خولة
١٢٩٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ
أبي وَقَّاصٍ، عن أبيه ﴾، قال: كانَ رسولُ اللهَوٍَّ يعودُني عامَ حَجّةِ الوَدَاعِ من وَجَعِ اشتَدَّبي،
(١) الذي في ((صحيح مسلم)) مخطوطاً ومطبوعاً (١٠٣): ((بدعوى الجاهلية)) كرواية البخاري، أما الرواية
المذكورة فهي عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٢٨٩/٣، وأبي يعلى (٥٢٠١)، والطحاوي في ((مشكل
الآثار)) (١٣٣٦).

٦٢٠
باب ٣٦ / ح ١٢٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
فقلتُ: إِنِّي قد بَلَغَ بي مِن الوَجَعِ، وأنا ذُو مالٍ ولا يَرِثُّني إلا ابنةٌ، أفْتصَدَّقُ بِثُلثَي مالٍ؟ قال:
((لا)) فقلتُ: بالشَّطْرِ؟ فقال: ((لا)) ثمّ قال: ((الثُّلُثُ، والثُّلثُ كبيرٌ - أو كثيرٌ - إِنَّكَ أنْ تَذَرَ
وَرَثْتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يَتَكَفَّفُونَ الناسَ، وإِنَّكَ لن تُنفِقَ نَفَقةٌ تَبْتَغي بها وجه الله
إلا أُجِرْتَ بها، حتَّى ما تَجعَلُ في فِي امرأتِكَ)) فقلتُ: يا رسولَ الله، أُخلَّفُ بعدَ أصحابي؟ قال:
((إِنَّكَ لن تُخَلَّفَ فَتَعمَلَ عملاً صالحاً إلا ازدَدْتَ به درجةً ورِفْعَةً، ثمَّ لعلَّكَ أن تُلَّفَ حتَّى يَنْتِفِعَ
بكَ أقوامٌ ويُضَرَّ بِكَ آخرونَ، اللهمَّ أَمْضٍ لأصحابيِ هِجْرتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهِم، لكنِ
البائسُ سعدُ ابنُ خَوْلَةَ)) يَرْئي له رسولُ اللهِوَلِ أن ماتَ بمكَّة.
قوله: ((باب رِثاء النبيّ ◌ِنَّه سعد ابن خَوْلة)) سعد بالنصب على المفعوليَّة، وخَوْلة بفتح
المعجَمة وسكون الواو، والرِّثاء بكسر الراء وبالمثلَّثة بعدها مَدّة: مدح الميّت وذِكْر محاسنه،
وليس هو المراد من الحديث حيثُ قال الرَّاوي: ((يَرْثي له رسول الله وَّ) ولهذا اعتَرَضَ
الإسماعيليّ الترجمةَ فقال: ليس هذا من مَراثي الموتى، وإنَّما هو من التوجُّع، يقال: رَئَيْتُه: إذا
مَدَحته بعد موته، ورَثَیتُ له: إذا تَحَّنت علیه.
ويُمكِن أن يكون مراد البخاري هذا بعَينِه كأنَّه يقول: ما وقع من النبيّ وَّ فهو من
التحزُّن والتوجُّع وهو مُباح، وليس مُعارِضاً لنهيِهِ عن المراثي التي هي ذِكْر أوصاف الميّت
الباعثة على تهييج الحزن وتجديد اللَّوعة، وهذا هو المراد بما أخرجه أحمد (١٩١٤٠) وابن
١٦٥/٣ ماجَهْ (١٥٩٢) وصحَّحه/ الحاكم (١/ ٣٦٠ و٣٨٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفَ قال:
نَهَى رسول الله ◌َِّ عن المَرَائي(١)، وهو عند ابن أبي شَيْبة (٣٩٤/٣-٣٩٥) بلفظ: نهانا أن
نَتَرَاثَى، ولا شكَّ أنَّ الجامع بين الأمرين التوجُع والتَّحَزّن. ويُؤْخَذ من هذا التقرير مُناسَبة
إدخال هذه الترجمة في تضاعيف التراجم المتعلّقة بحال مَن تَحَضُر الميّت.
قوله: ((أن ماتَ)) بفتح الهمزة ولا يَصِحُّ كسرها، لأنَّها تكون شرطيَّة والشَّرط لمَا
يُستَقْبَل وهو قد كان مات، والمعنى: أنَّ سعد ابن خَوْلة وهو من المهاجرينَ من مكَّة إلى
(١) في إسناده إبراهيم الهَجَري، وفيه ضعف، لكن هذا الحديث من رواية سفيان بن عيينة عنه، وهي ◌ُتمَلة،
والأحاديث الواردة في النهي عن النياحة على الميت تشهد له، والله تعالى أعلم.