Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ باب ٢٩ / ح ١٢٧٨ كتاب الجنائز قوله: ((حدّثنا سفيان)) هو الثّورِيّ، وأُمّ اهُذَیل: هي حفصة بنت سِیرِین. قوله: ((نُهينا)) تقدَّم في الحيض (٣١٣) من رواية هشام بن حسَّان عن حفصة عنها بلفظ: کنَّا نُهینا عن اتباع الجنائز، ورواه یزید بن أبي حکیم عن الثّورقيّ بإسناد هذا الباب بلفظ: نهانا رسول الله وَ﴾، أخرجه الإسماعيليّ، وفيه ردٌّ على مَن قال: لا حُجّة في هذا الحديث لأنَّه لم يُسمَّ الناهي فيه، وقوةٌ(١) لمَا رواه الشيخان وغيرهما أنَّ كلّ ما وَرَدَ بهذه الصِّيغة كان مرفوعاً، وهو الأصحّ عند غيرهما من المحدِّثين، ويؤيِّد رواية الإسماعيليّ ما رواه الطَّبَرانيُّ (٢٨٥/٢٥) من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطيَّة عن جَدَّته أمّ عليّة قالت: لمَّا دخل رسول الله وَ ﴿ المدينة جمع النِّساء في بيت ثمَّ بَعَثَ إلينا عمر فقال: إِنِّي رسولُ رسول الله وَ﴾ إليكُنْ، بَعَثَني إليكُنَّ لأُبَايِعَكُنَّ على أن لا تُشِرِكِنَ بالله شيئاً ... الحديث، وفي آخره: ((وأمَرَنا أن نُخرِجَ في العيد العَوَاتقِ، وَهانا أن نَّخرُج في جنازة))، وهذا يدلُّ على أنَّ رواية أمّ عطيّة الأولى من مُرسَل الصحابة. قوله: ((ولم يُعْزّم علينا)) أي: ولم يُؤَّد علينا في المنع كما أُكِّدَ علينا في غيره من المنهيَّات، فكأنَّها قالت: کره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. وقال القُرطبيّ: ظاهر سياق أمّ عليَّ أنَّ النَّهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم، ومالَ مالك إلى الجواز، وهو قول أهل المدينة. ويدلّ على الجواز ما رواه ابن أبي شَيْبة (٣/ ٢٨٥) من طريق محمد بن عَمْرو بن عطاء عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ڑ کان في جنازة فرأی عمر امرأة فصاح بها فقال: «دَعْها یا عمر)) الحديث، وأخرجه ابن ماجَهْ (١٥٨٧) والنَّسائيُّ (٢) من هذا الوجه، ومن طريق أُخرى عن محمد بن عَمْرو بن عطاء عن سَلَمَةً بن الأزرق عن أبي هريرة، ورجاله ثقات(٣). (١) لفظة ((وقوة)) سقطت من (س). (٢) لم يخرجه النسائي من هذا الوجه: محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة، بل أخرجه برقم (١٨٥٩) فقط من الوجه الذي سیذکره لاحقاً بذکر سلمة بن الأزرق بينهما. (٣) كذا قال هنا، وقال في ترجمة سلمة من ((التقريب)): مقبول. وانظر («مسند أحمد)» (٥٨٨٩) و(٩٧٣١). ٥٨٢ باب ٣٠ / ح ١٢٧٩ فتح الباري بشرح البخاري وقال المهلَّب: في حديث أمّ عطيّة دلالة على أنَّ النَّهي من الشارع على دَرَجات. وقال الداووديّ: قولها: ((ثُهينا عن اتِّباع الجنائز)) أي: إلى أن نَصِلَ إلى القبور، وقوله: ((ولم يُعَزَم علينا)) أي: أن لا نأتيَ أهل المِيِّت فنُعزِّيَهم ونَترجَّم على ميِّتهم من غير أن نَتَّبَعَ جِنازتَه. انتهى. وفي أخذ هذا التفصيل من هذا السياق نظرٌ، نعم هو في حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص: أنَّ النبيّ ◌َّه رأى فاطمة مُقبِلة فقال: ((من أينَ جئت؟)) فقالت: رَحَتُ على أهل هذا المَيِّت ميِّتَهم، فقال: ((لعلَّكِ بَلَغتِ معهم الكُدَى؟)) قالت: لا ... الحديث. أخرجه أحمد (٦٥٧٤) والحاكم (٣٧٤/١) وغيرهما (١)، فأنكَرَ عليها بلوغ الكُدَى، وهو بالضمِّ وتخفيف الدال المقصورة: وهي المقابر، ولم يُنكِرِ عليها التعزية. وقال المحِبُّ الطبريّ: يحتمل أن يكون المراد بقولها: ((ولم يُعزَم علينا)) أي: كما عُزمَ على الرجال بترغيبهم في اتِّباعها بحصول القيراط ونحو ذلك، والأول أظهَر، والله أعلم. ٣٠- باب إحداد المرأة على غير زوجها ١٢٧٩- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشْرُ بنُ المفضَّل، حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ عَلْقمة، عن محمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قال: تُولَّ ابنٌّ لأمّ عطيَّةَ رضي الله عنها، فلمَّا كانَ يومُ الثالثِ دَعَت بصُفْرةٍ، فَتَمسَّحَت به وقالت: ◌ُِّينا أن نُحِدَّ أكثرَ من ثلاثٍ إلا بزوجِ. ١٤٦/٣ قوله: ((باب إحداد المرأة على غير زوجها)) قال: ابن بَطَّال: الإحداد بالمهمَلة: امتناع المرأة المتوفّى عنها زوجها من الزِّينة كلِّها من لباس وطيب وغيرهما، وكلّ ما كان من دواعي الجِماع، وأباحَ الشارع للمرأةِ أن تُحِدّ على غير زوجها ثلاثة أيام لمَا يَغْلِب من لَوْعة الحزن ويَهْجُم من ألم الوَجْد، وليس ذلك واجباً لاتِّفاقهم على أنَّ الَّوج لو طالَبَها بالجِماع لم يَحِلَّ لها منعه من تلك الحال. وسيأتي في كتاب الطَّلاق (٥٣٤٠) بقيّة الكلام على مباحث الإحداد. (١) وإسناده ضعيف، فيه ربيعة بن سيف المعافري ضعفه غير واحدٍ، وقال البخاري وابن يونس: عنده مناکیر. ٥٨٣ باب ٣٠ / ح ١٢٧٩ كتاب الجنائز وقوله في الترجمة: ((على غير زوجها)) يَعُمّ كلَّ ميِّت غير الزَّوج، سواء كان قريباً أو أجنبيّاً، ودلالة الحديث له ظاهرة، ولم يُقيِّده في الترجمة بالموتِ لأَّ يختصُّ به عُرفاً، ولم يُبيِّن حكمه لأنَّ الخبر دلَّ على عَدَم التحريم في الثلاث وأقلّ ما يقتضيه إثبات المشروعيَّة. قوله: ((فلمَّا كانَ يومُ الثالثِ)) كذا للأكثر وهو من إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وللمُستَمْلي: اليوم الثالث. قوله: ((دَعَت بصُفْرةٍ)) سيأتي الكلام عليها قريباً. قوله: ((نُهينا)) رواه أيوب عن ابن سِيرِينَ بلفظ: أُمِرنا بأن لا نُحِدَّ على هالك فوق ثلاث ... الحديث، أخرجه عبد الرزاق (١٢١٢٨)، وللطَّبَرانيّ (١١٦/٢٥) من طريق قَتَادة عن ابن سِيرِين عن أمّ عطيَّة قالت: سمعت رسول الله ◌َ لايقول؛ فذكر معناه. قوله: ((أن نُحِدّ)) بضم أوله من الرُّباعيّ، ولم يَعرِف الأصمعيُّ غيره، وحکی غیره فتح أوله وضمَّ ثانيه من الثَّلاثيّ يقال: حَدَّت المرأة وأحدَّت، بمعنَى. قوله: ((إلَّا بزوج))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((إلَّا لزوج)) باللَّام، ووقع في العِدَد (٥٣٤١) من طريقه بلفظ: ((إلَّا على زوج) والكلّ بمعنى السبيّة. ١٢٨٠ - حدَّثنا الحُميديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا أيوبُ بنُ موسى، قال: أخبرني مُمیدُ بنُ نافعٍ، عن زينبَ ابنةِ أبي سَلَمَةَ قالت: لمَّا جاء نَعْيُ أبي سفيانَ مِن الشَّامِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبةَ رضي الله عنها بصُفْرةٍ في اليوم الثالثِ، فمَسَحَت عارِضَيها وذِراعَيها وقالت: إنِّي كنتُ عن هذا لَغَنَّةً لولا أنّ سمعتُ النبيَّ وَ﴿ يقول: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخرِ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زوجٍ، فإنَّها تُحِدُّ عليه أربعة أشهرٍ وعَشْراً». [أطرافه في: ١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥] ١٢٨١ - حذَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرِ بنِ محمَّدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ، عن مُميدِ بنِ نافعٍ، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ أخبَرَتْه قالت: دخلتُ على أُمّ حَبِبةَ زوجٍ النبيِّ وَّهِ فقالت: سمعتُ رسولَ الله وَ لَه يقول: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ بالله واليوم الآخر تُحِدّ ٥٨٤ باب ٣٠ / ح ١٢٨٠ - ١٢٨٢ فتح الباري بشرح البخاري على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً». ١٢٨٢ - ثمَّ دخلتُ على زينبَ بنتِ جَحْشٍ حينَ تُوِّيَ أخوها، فدَعَت بطِيبٍ فمَسَّت به، ثمَّ قالت: ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، غيرَ أنّ سمعتُ رسول الله وََّ على المنبرِ يقول: ((لا تَحِلُّ لا مرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر تُحِدُّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعةً أشهرٍ وعَشْراً). [طرفه في: ٥٣٣٥] قوله: ((عن زينب بنت أبي سَلَمَةَ)) هي رَبيبة النبيّ ◌َّهِ، وصَرَّحَ في العِدَد بالإخبار بينها وبين حُميد بن نافع. ١٤٧/٣ قوله: (نَعْي)) بفتح النون وسكون المهمَلة وتخفيف الياء، وبكسر المهملة وتشديد الياء: هو الخبر بموت الشّخص، وأبو سفيان: هو ابن حَرْب بن أُميَّة والد معاوية. قوله: ((دَعَت أُمّ حبيبة» هي بنت أبي سفيان المذكور. وفي قوله: ((من الشام)) نظر، لأنَّ أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار، والجمهور على أنَّه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث، ولم أرَ في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلَّ في رواية سفيان بن عُيَينةَ هذه، وأظنُّها وهماً، وكنت أظنّ أنَّه حُذِفَ منه لفظ ((ابن)) لأنَّ الذي جاء نَعيُه من الشام وأُّ حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميراً على الشام، لكن رواه المصنّف في العِدَد من طريق مالك (٥٣٣٤) ومن طريق سفيان الثَّوريّ (٥٣٤٥) كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم عن حُميدٍ بن نافع بلفظ: ((حين تُوفِّيَ عنها أبوها أبو سفيان بن حَرْب)) فظَهَرَ أنَّه لم يَسقُط منه شيء، ولم يقل فيه واحد منهما: من الشام، وكذا أخرجه ابن سعد (٨/ ١٠٠) في ترجمة أمّ حبيبة من طريق صفيّة بنت أبي عُبيد عنها. ثمَّ وجدت الحديث في ((مسند ابن أبي شَيْبة)) قال: حدَّثنا وكيع، حدَّثنا شُعْبة، عن محُميدٍ بن نافع، ولفظه: جاء نَعَيٌّ لأخي أُمِّ حبيبة أو حميمٍ لها، فدَعَت بصُفرةٍ فَلَطَّخَت به ذِراعَيها. وكذا رواه الدارميُّ (٢٢٨٤) عن هاشم بن القاسم عن شُعْبة لكن بلفظ: إنَّ أخاً لأُمِّ حبيبة مات أو حميماً لها، ورواه أحمد (٢٦٧٦٦) عن حَجّاج ٥٨٥ باب ٣٠ / ح ١٢٨٠ -١٢٨٢ كتاب الجنائز ومحمد بن جعفر جميعاً عن شُعْبة بلفظ: أنَّ حميماً لها ماتَ؛ من غير تَردُّد، وإطلاق الحميم على الأخ أقربُ من إطلاقه على الأب، فقويَ الظنُّ عند هذا أن تكون القصّة تَعدَّدَت لزينب مع أمّ حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثمَّ عند وفاة أبيها أبي سفيان، لا مانع من ذلك، والله أعلم. قوله: ((بصُفْرةٍ)) في رواية مالك المذكورة (٥٣٣٤): بطيبٍ فيه صُفرة خَلُوق، وزاد فيه: فَدَهَنَت منه جارية ثمَّ مَسَّت بعارضَيها؛ أي: بعارضَي نفسها. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس ابن أُخت مالك. وساق الحديث هنا من طريق مالك مختصراً، وأورَدَه مطوَّلاً من طريقه في العِدَد كما سيأتي (٥٣٣٤- ٥٣٣٧). قوله: ((ثمَّ دخلت)» هو مَقُول زينب بنت أمّ سَلَمة، وهو مُصرَّح به في الرواية التي في العِدَد (٥٣٣٥)، وظاهره أنَّ هذه القصَّة وقعت بعد قصَّة أمّ حبيبة، ولا يَصِحّ ذلك إلَّا إن قلنا بالتعدُّد، ويكون ذلك عَقِبَ وفاة يزيد بن أبي سفيان، لأنَّ وفاته سنة ثمان عشرةَ أو تسعَ عشرةً، ولا يَصِحّ أن یکون ذلك عند وفاة أبيه لأنَّ زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنينَ على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيُحمَل على أنَّها لم تُرِدْ ترتیب الوقائع وإنّما أرادت ترتیب الأخبار. وقد وقع في رواية أبي داود (٢٢٩٩) بلفظ: ((ودخلت)) وذلك لا يقتضي الترتيب، والله أعلم. قوله: ((حين تُولِّي أخوها)) لم أتحقَّق من المراد به، لأنَّ لزينبَ ثلاثة إخوة: عبد الله وعبد بغیر إضافة وعبيد الله بالتصغير. فأمّا الكبير فاستُشهِدَ بأُحُدٍ وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدّاً، لأنَّ أباها أبا سَلَمةَ مات بعد بدر وتزوَّج النبيُّ وَ ◌ّلِ أَمَّها أمَّ سلمةَ وهي صغيرة تَرضَع كما سيأتي في الرَّضاع أنَّ أُمّها حَلَّت من عِدَّتها من أبي سلمةَ بوَضْع زينب هذه(١)، فانتفى أن يكون هو المراد هنا، وإن كان وقع في كثير من ((الموطَّت))(٢) بلفظ: ((حين تُوقِّيَ أخوها عبد الله))، كما أخرجه الدارَ قُطنيُّ (١) سيأتي ذلك في شرح الحافظ على معلَّقات الباب رقم (٢٥) من كتاب النكاح. (٢) انظر رواية ((الموطأ) برواية أبي مصعب الزهري (١٧١٩). ٥٨٦ باب ٣٠ / ح ١٢٨٠ - ١٢٨٢ فتح الباري بشرح البخاري من طريق ابن وَهْب وغيره عن مالك. وأمَّا عبدٌ بغير إضافة فيُعرَف بأبي أحمد، وكان شاعراً أعمَى وعاشَ إلى خلافة عمر، وقد جَزَمَ ابن إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنَّه مات بعد أُخته زينب بسنةٍ، وروى ابن سعد في ترجمتها في ((الطَّقات)) (١١٣/٨) من وجهين أنَّ أبا أحمد(١) المذكور حَضَرَ جنازة زينب مع عمر، وحُكيَ عنه مُراجَعة له بسببها، وإن كان في إسنادهما الواقديّ لكن يُستَشهَد به في مثل هذا، فانتفى أنَّ كَوْن هذا الأخير المراد. وأمَّا عبيد الله المصغّر، فأسلمَ قديماً وهاجَرَ بزوجتِه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان إلى ١٤٨/٣ الحبشة، ثمَّ تَنَصَّرَ هناك ومات، / فتزوَّج النبيُّ وَله بعده أمَّ حبيبة، فهذا يحتمل أن يكون هو المراد، لأنَّ زينب بنت أبي سَلَمَةَ عندَما جاء الخبر بوفاةٍ عبيد الله كانت في ◌ِنّ مَن يَضِبِطِ، ولا مانع أن يَجَزَن المرء على قريبه الكافر ولا سيَّما إذا تَذَكَّر سوء مصيره. ولعلَّ الرواية التي في ((الموطَّأ)): ((حين تُوقِّيَ أخوها عبد الله)) كانت ((عبيد الله)) بالتصغير فلم يَضِبِطْها الكاتب، والله أعلم. ويُعكِّر على هذا قول من قال: إن عبيد الله مات بأرض الحبشة فتزوَّج النبيُّ وَّ أم حبيبة، فإنَّ ظاهره أنَّ تزويجها كان بعد موت عبيد الله، وتزويجها وقع وهي بأرض الحبشة من قبلٍ أن تسمع النَّهي، وأيضاً ففي السياق: ((ثمَّ دخلتُ على زينب)) بعد قولها: ((دخلتُ على أمّ حبيبة))، وهو ظاهر في أنَّ ذلك كان بعد موت قريب زينب بنت جَحْش المذكور وهو بعد مجيء أمّ حبيبة من الحبشة بمُدّةٍ طويلة، فإن لم يكن هذا الظنُّ هو الواقع، احتُمِلَ أن يكون أخاً لزينب بنت جَحْش من أُمّها أو من الرَّضاعة، أو يُرجَّح ما حكاه ابن عبد البَرِّ وغيره من أنَّ زينب بنت أبي سلمةَ وُلِدَت بأرض الحبشة، فإنَّ مُقتَضى ذلك أن يكون لها عند وفاة عبد الله بن جحش أربع سنين، وما مثلها يَضبِط في مثلها، والله أعلم. قوله: ((فمَسَّت به)) أي: شيئاً من جسدها، وسيأتي في الطَّريق التي في العِدَد (٥٣٣٥) (١) تحرف في الموضعين في (س) إلى: أبي حميد. ٥٨٧ باب ٣١ / ح ١٢٨٣ كتاب الجنائز بلفظ: ((فمَسَّتِ منه))، وسيأتي فيه (٥٣٣٨) لزينب حديث آخر عن أُمّها أمّ سَلَمةَ في الإحداد أيضاً، وسيأتي الكلام فيه على الأحاديث الثلاثة مُستوفّى إن شاء الله تعالى. ٣١ - باب زيارة القبور ١٢٨٣ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا ثابتٌ، عن أنسِ بنِ مالك قال: مَرَّ النبيُّ ◌َلـ بامرأةٍ تبكي عند قبرٍ فقال: ((اتَّقي اللهَ واصْبِرِي)) قالت: إليكَ عَنّي، فإنَّكَ لم تُصَبْ بمُصِيبَتَي، ولم تَعرِفْه، فقيلَ لها: إِنَّه النبيُّ وَ ﴿ِ، فَأَتَتْ بَابَ النبيِّ وَِّ، فلم تَجِدْ عندَه بَوَّابينَ فقالت: لم أعرِفْكَ، فقال: ((إنَّا الصَّبْرُ عند الصَّدْمَةِ الأُولى)». قوله: ((باب زيارة القبور)) أي: مشروعيَّتها، وكأنَّه لم يُصرِّح بالحُكْم لما فيه من الخلاف كما سيأتي، وكأنَّ المصنّف لم يَئُبُت على شرطه الأحاديث المصرِّحة بالجواز، وقد أخرج مسلم منها حديث بُرَيدةَ (٩٧٧) وفيه نسخ النَّهي عن ذلك ولفظه: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها)»، وزاد فيه أبو داود والنَّسائيُّ من حديث أنس: «فإنَّها تُذكِّر الآخرة))(١)، وللحاكم (٣٧٦/١) من حديثه فيه: ((وتُرِقّ القلب وتُدمع العين، فلا تقولوا مُجْراً)» أي: كلاماً فاحشاً، وهو بضم الهاء وسكون الجیم، وله (١/ ٣٧٥) من حديث ابن مسعود: ((فإنَّها تُزهِّد في الدنيا))، ولمسلم (١٠٨/٩٧٦) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((زوروا القبور فإنّها تُذكِّر الموت)). قال النَّوَويّ تَبَعاً للعبدَريِّ والحازميّ وغيرهما: اتَّفَقوا على أنَّ زيارة القبور للرجال جائزة. كذا أطلقوا، وفيه نظر، لأنَّ ابن أبي شَيْبة (٣٤٥/٣) وغيره روى عن ابن سِيرِينَ وإبراهيم النَّخَعَيّ والشَّعبيّ الكراهة مُطلَقاً، حتَّى قال الشَّعبيّ: لولا نهيُ النبيّ ◌َّهِ لزرتُ قبر ابنتي. فلعلَّ مَن أطلقَ أراد بالاتّفاق ما استَقَرَّ عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأنَّ هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، والله أعلم. (١) هذه الزيادة لم ترد في حديث أنس عند أبي داود والنسائي، وهي فيه عند أحمد في ((المسند)) (١٣٤٨٧)، وفات الحافظ رحمه الله أن هذه الزيادة موجودة في حديث بريدة أيضاً عند الترمذي (١٠٥٤)، والنسائي (٤٤٣٠) و(٥٦٥١)، وأحمد (٢٣٠٠٥). ٥٨٨ باب ٣١ / ح ١٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ومُقابل هذا قول ابن حَزْم: إنَّ زيارة القبور واجبة ولو مرَّة واحدة في العُمر لورود الأمر به. واختُلِفَ في النِّساء فقيل: دَخَلنَ في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحلُّه ما إذا أُمِنَت الفتنة، ويؤيِّد الجواز حديث الباب، وموضع الدّلالة منه أنَّه ◌َ له لم يُنكِرِ على المرأة قُعودَها ١٤٩/٣ عند القبر، وتقريره حُجّة. / وثمَّن حمل الإذن على عمومه للرجال والنِّساء عائشة، فروى الحاكم (١/ ٣٧٦) من طريق ابن أبي مُلَيكة: أنَّه رآها زارَت قبر أخيها عبد الرحمن، فقال لها: أليس قد نَهَى النبيُّونَ ﴿ عن ذلك؟ قالت: نَعَم، كان نَهَى ثمَّ أَمَرَ بزيارتها. وقيل: الإذن خاصٌّ بالرجال ولا يجوز للنِّساء زيارة القبور، وبه جَزَمَ الشيخ أبو إسحاق في ((المهذَّب))، واستُدلَّ له بحديث عبد الله بن عَمْرو(١) الذي تقدَّمت الإشارة إليه في ((باب اتِّباع النِّساء الجنائز)) وبحديث: ((لَعَنَ الله زَوّاراتِ القبور)) أخرجه التِّرمِذيّ (١٠٥٦) وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عبّاس، ومن حديث حسان بن ثابت(٢). واختَلَفَ مَن قال بالكراهةِ في حقِّهنَّ، هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ قال القُرطبيّ: هذا اللَّعن إنَّما هو للمُكثِرات من الزيارة لما تقتضيه الصِّفة من المبالَغة، ولعلَّ السبب ما يُفضي إليه ذلك من تضييع حقّ الَّوج والتبرُّج وما يَنشَأ منهُنَّ من الصّياح ونحو ذلك، فقد يقال: إذا أُمِنَ جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهنَّ، لأنَّ تَذَكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنِّساء. قوله: ((بامرأةٍ)) لم أقف على اسمها ولا اسم صاحب القبر، وفي رواية لمسلم (٩٢٦/ ١٥) (١) وهو في ((مسند أحمد)) برقم (٦٥٧٤)، وسنده ضعيف. (٢) حديث ابن عباس أخرجه أحمد (٢٠٣٠)، وأبو داود (٣٢٣٦)، وابن ماجه (١٥٧٥)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣)، وحديث حسان بن ثابت أخرجه أحمد (١٥٦٥٧)، وابن ماجه (١٥٧٤)، وفي سنديهما ضعف، لكنَّ أحدهما يتقوَّى بالآخر، ويشهد لهما حديث أبي هريرة المذكور، وهو عند أحمد أيضاً (٨٤٤٩)، وابن ماجه (١٥٧٦)، فالحديث بمجموع طرقه حسنٌ. ٥٨٩ باب ٣١ / ح ١٢٨٣ كتاب الجنائز ما يُشعِر بأنَّه ولدها ولفظه: ((تبكي على صبيّ لها))، وصُرِّحَ به في مُرسَل يحيى بن أبي كثير عند عبد الرزاق (٦٦٦٨) ولفظه: قد أُصيبَت بوَلَدِها. وسيأتي في أوائل كتاب الأحكام (٧١٥٤) من طريق أُخرى عن شُعْبة عن ثابت: أنَّ أنساً قال لامرأةٍ من أهله: تَعرِفِينَ فلانةَ؟ قالت: نعم. قال: كان النبيُّ ◌ََّ مَرَّ بها ... فذكر هذا الحديث. قوله: ((فقال: اتَّقي الله)) في رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج)): ((فقال: يا أَمةَ الله اتَّقي الله) قال القُرطبيّ: الظاهر أنَّه كان في بُكائها قدرٌ زائد من نَوْح أو غيره، ولهذا أمَرَها بالتقوى. قلت: يؤيِّده أنَّ في مُرسَل يحيى بن أبي كثير المذكور: فسمع منها ما يكره فوَقَفَ عليها. وقال الطِّييّ: قوله: ((اتَّقي الله)) تَوطِئة لقوله: ((واصبِرِي)) كأنَّه قيل لها: خافي غَضَب الله إن لم تَصبِرِي، ولا تَجِزَعي ليَحصُل لك الثَّواب. قوله: ((إليك عنِّي)) هي من أسماء الأفعال، ومعناها: تَنَحَّ وابعَدْ. قوله: ((لم تُصَب بمُصيبَتي)) سيأتي في الأحكام (٧١٥٤) من وجه آخر عن شُعْبة بلفظ: فإنَّك خِلوٌ من مُصيبَتي، وهو بكسر المعجَمة وسكون اللَّام، ولمسلم (٩٢٦/ ١٥): ما تُبالي بِمُصيبَتَي، ولأبي يَعْلى (٦٠٦٧) من حديث أبي هريرة أنَّها قالت: يا عبد الله، إنّ أنا الحرَّى النَّكْلى، ولو كنتَ مُصاباً عَذَرْتني. قوله: ((ولم تَعرِفه)) جملة حاليّة، أي: خاطبته بذلك ولم تَعرِفْ أنَّه رسول الله. قوله: ((فقيلَ لها» في رواية الأحكام (٧١٥٤): فمَرَّ بها رجل فقال لها: إنَّه رسول الله، فقالت: ما عرفته، وفي رواية أبي يَعْلى المذكورة: قال: فهل تَعرِفِينَه؟ قالت: لا، وللطَّبَرانيّ في ((الأوسط)) (٦٢٤٤) من طريق عطيّة عن أنس(١) أنَّ الذي سألها هو الفضل بن العبّاس، وزاد مسلم في رواية له (١٥/٩٢٦): ((فأخذَها مثلُ الموت)) أي: من شِدَّة الكَرْب الذي أصابها لمَّا عَرَفَت أَنَّه رسول الله وَّ خَجَلَاً منه ومَهابةً. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو ذهولٌ منه، فإنما هو عند الطبراني من طريق يوسف بن عطية السعدي عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس، ويوسف بن عطية هذا متروك الحديث. ٥٩٠ باب ٣١ / ح ١٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلم تَجِدْ عنده بوَّابينَ)) في رواية الأحكام (٧١٥٤): «بوَّابا)) بالإفراد. قال الزَّين بن المنيِّر: فائدة هذه الجملة من هذا الخبر بيان عُذر هذه المرأة في كونها لم تَعرِفه، وذلك أنَّه كان من شأنه أن لا يَتَّخِذ بوَّاباً مع قُدرته على ذلك تواضعاً، وكان من شأنه أنَّه لا يَستتبِعُ الناسَ وراءَه إذا مشى كما جَرَت عادة الملوك والأكابر، فلذلك اشتَبَه على المرأة فلم تعرفه مع ما كانت فيه من شاغِل الوَجْد والبكاء. وقال الطِّيّ: فائدة هذه الجملة أنَّه لمَّا قيل لها: إنَّه النبيّ وَّهِ، استشعَرَت خوفاً وهيبةً في نفسها، فَتَصَوَّرَت أنَّه مثل الملوك له حاجب وبوَّاب يمنع الناس من الوصول إليه، فَوَجَدَت الأمر بخلاف ما تَصَوَّرَته. قوله: ((فقالت: لم أعرِفك)) في حديث أبي هريرة: فقالت: والله ما عرفتُك(١). قوله: ((إنَّما الصَّبْر عند الصَّدْمة الأُولى)» في رواية الأحكام (٧١٥٤): ((عند أول صَدْمة» ونحوه لمسلم (١٥/٩٢٦)، والمعنى: إذا وقع الثَّبات أولُ شيء يَهجُم على القلب من مُقْتَضَيات الجَزَع فذلك هو الصَّبر الكامل الذي يَتَرَب عليه الأجر، وأصل الصَّدم: ضربُ الشيء الصُّلبِ بمثلِه، فاستُغيرَ للمصيبة الواردة على القلب. ١٥٠/٣ قال الخطّبيُّ: المعنى: أنَّ الصَّبر الذي يُحمَد عليه صاحبه ما كان عند مُفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنَّه على الأیام یَسلُو. وحُكي (٢) عن غيره: أنَّ المرء لا يُؤجَر على المصيبة لأنَّها ليست من صُنْعه، وإنَّما يُؤجَر علی ◌ُسن تَنُته وجمیل صبره. وقال ابن بَطَّال: أراد أن لا يجتمعَ عليها مصيبة الهلاك وفَقْد الأجر. وقال الطِّيبيّ: صَدَرَ هذا الجواب منه ◌َّر عن قولها: لم أعرِفْك، على أسلوب الحكيم كأنَّه قال لها: دَعِي الاعتذار فإنّ لا أغضَبُ لغير الله، وانظُري لنفسك. (١) لم نقف عليه في حديث أبي هريرة، وقد ذَهَلَ الحافظُ عن تخريج هذا اللفظ من حديث أنس نفسه، فهو فيه فيما سيأتي عند البخاري في الأحكام برقم (٧١٥٤). (٢) هكذا في الأصلين، وفي (س): وحكى الخطابي. ٥٩١ باب ٣١ / ح ١٢٨٣ كتاب الجنائز وقال الزَّين بن المنيِر: فائدة جواب المرأة بذلك أنَّها لمَّا جاءت طائعةً لمَا أمَرَها به من التقوى والصَّبر، مُعتذِرةً عن قولها الصادر عن الحزن، بيَّن لها أنَّ حقّ هذا الصَّبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يَتَرتَّب عليه الثَّواب. انتهى، ويؤيِّده أنَّ في رواية أبي هريرة المذكورة(١): فقالت: أنا أصبِرِ، أنا أصبِرِ، وفي مُرسَل يحيى بن أبي كثير المذكور(٢): فقال: ((اذهبي إليكِ، فإنَّ الصَّبر عند الصَّدمة الأولى))، وزاد عبد الرزاق (٦٦٦٧) فيه من مُرسَل الحسن: ((والعَبْرة لا يَملِكها ابن آدم)). وذكر هذا الحديث في زيارة القبور مع احتمال أن تكون المرأة المذكورة تأخّرَت بعد الدَّفن عند القبر، والزيارة إنَّما تُطلَق على مَن أنشَأ إلى القبر قَصداً؛ من جهة استواء الحُكْم في حقِّها، حيثُ أمَرَها بالتقوى والصَّبر لمَا رأى من جَزَعها، ولم يُنكِرْ عليها الخروج من بيتها، فدَلَّ على أنَّه جائز، وهو أعمُّ من أن يكون خروجها لتشييع ميِّتها فأقامت عند القبر بعد الدَّفن، أو أنشَأت قصدَ زيارته بالخروج بسبب المَيِّت. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: ما كان فيه وَّهِ من التواضُع والرِّفق بالجاهل، ومسامحة المصاب وقَبُول اعتذاره، ومُلازَمة الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر. وفيه أنَّ القاضي لا ينبغي له أن يَتَّخِذَ مَن يَحِجُبه عن حوائج الناس، وأنَّ مَن أُمِرَ بمعروفٍ ينبغي له أن يقبل ولو لم يَعرِف الآمِرِ. وفيه أنَّ الجَزَع من المنهيَّات لأمره لها بالتقوى مقروناً بالصَّبر. وفيه الترغيب في احتمال الأذى عند بَذْل النَّصيحة ونشر الموعظة، وأنَّ المواجَهَة بالخطاب إذا لم تُصادِف المَنْويَّ لا أثر لها. وبَنَى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هندُ أنتِ طالق، فصادفَ عَمْرَةَ أَنَّ عَمْرة لا تَطلُق. واستدلَّ به على جواز زيارة القبور سواء كان الزّائر رجلاً أو امرأة كما تقدَّم، وسواء (١) عند أبي يعلى برقم (٦٠٦٧). (٢) عند عبد الرزاق برقم (٦٦٦٨). ٥٩٢ باب ٣٢ فتح الباري بشرح البخاري كان المَزُور مسلماً أو كافراً، لعَدَم الاستفصال في ذلك. قال النَّوَويّ: وبالجواز قَطَعَ الجمهور، وقال صاحب ((الحاوي)): لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط. انتهى، وحُجّة الماوَرْديّ قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى. تنبيه: قال الزَّين بن المنيِر: قَدَّمَ المصنّف ترجمة زيارة القبور على غيرها من أحكام تشييع الجنازة وما بعد ذلك ممَّا يتقدَّم الزيارة، لأنَّ الزيارة يتكرّر وقوعُها فجعلها أصلاً ومِفتاحاً لتلك الأحكام. انتهى مُلخَّصاً. وأشار أيضاً إلى أنَّ مُناسَبة ترجمة زيارة القبور تناسب اتباع النِّساءِ الجنائزَ، فكأنَّه أراد حصر الأحكام المتعلّقة بخروج النِّساء متواليةً، والله أعلم. ٣٢- باب قول النبي ◌َله: ((يعذَّب الميّت ببعض بكاء أهله عليه)) إذا كان النَّوحُ من سُنَّتَه لقولِ الله تعالى: ﴿قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وقال النبيُّ ◌َِّ: ((كُلَّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ)) فإذا لم يكن من سُنَّتِهِ فهو كما قالت عائشةٌ رضي الله عنها: ﴿ وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وهو كقوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ذُنُوباً ﴿إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ ﴾ [فاطر: ١٨]، وما يُرخَّصُ مِن البكاء من غيرِ نَوْحٍ. وقال النبيُّ وَّ: ((لا تُقْتَلُ نفسٌ ظُلماً إلَّا كانَ على ابنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ من دَمِها، وذلكَ لأنَّه أوَّلُ مَن سَنَّ القتلَ)). ١٥٢/٣ قوله: ((باب قول النبي ◌َّه: يُعذَّب الميّت ببعض بكاء أهله عليه؛ إذا كانَ النَّوْح من سُنَّته)) هذا تقييد من المصنِّف لمُطلَق الحديث وحملٌ منه لرواية ابن عبّاس المقيَّدة بالبعضيَّة على رواية ابن عمر المطلَقة كما ساقه في الباب عنهما، وتفسيرٌ منه للبعض المبهم في رواية ابن عبَّاس بأنَّه النَّوح، ويؤيِّده أنَّ المحذور بعضُ البكاء لا جمیعه كما سيأتي بيانه. ٥٩٣ باب ٣٢ كتاب الجنائز قوله: ((إذا كانَ النَّوحُ من سُنَّه» ◌ُوهِم أنَّه بقيّة الحديث المرفوع، وليس كذلك، بل هو كلام المصنِّف قاله تَفَقُّهاً، وبقيّة السياق يُرشِد إلى ذلك، وهذا الذي جَزَمَ به هو أحد الأقوال في تأويل الحديث المذكور كما سيأتي بيانه. واختُلِفَ في ضبط قوله: ((من سُنَّته)) فللأكثر في الموضعين بضم المهمَلة وتشديد النون، أي: طريقته وعادته، وضبطه بعضهم بفتح المهمَلة بعدها موحَّدتان الأولى مفتوحة، أي: من أجله. قال صاحب ((المطالع)): حُكيَ عن أبي الفضل بن ناصر أنَّه رَجَّحَ هذا وأنكَرَ الأول فقال: وأيُّ سُنّة للميِّتِ؟ انتهى، وقال الزَّين بن المنيِّر: بل الأول أَولى، لإشعاره بالعِنايةِ بذلك، إذ لا يقال: من سُنَّه إلَّا عند غَلَبة ذلك عليه واشتهاره به. قلت: وكأنَّ البخاري أُلهِمَ هذا الخلاف فأشار إلى ترجيح الأول حيثُ استشهد بالحديث الذي فيه: ((لأنَّه أول مَن سَنَّ القتل)»، فإنَّه يُثبِتُ ما استَبعَدَه ابن ناصر بقوله: وأيّ سُنّة للميِّت؟ وأمَّا تعبير المصنِّف بالنوح، فمراده ما كان من البكاء بصياحٍ وعَوِيل، وما يَلْتَحِقِ بذلك من لَطْم خدٍّ وشَقٌّ جَيبٍ وغير ذلك من المنهيَّات. قوله: «لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَگُ« وَأَهْلِیگُـ نَارًا ﴾)) وجه الاستدلال لما ذهب إليه من هذه الآية: أنَّ هذا الأمر عامّ في جهات الوِقَاية، ومن ◌ُلَتها أن لا يكون الأصل مُولَعاً بأمرٍ مُنكَر لئلا يجريَ أهله عليه بعده، أو يكون قد عَرَفَ أنَّ لأهلِه عادةً بفعلِ أمر مُنكَر وأهمَلَ نهيهم عنه، فيكون لم يَقِ نفسَه ولا أهله. قوله: ((وقال النبيُّ بَير: كلّكم راعٍ ... الحديث)) هو طرف من حديث لابن عمر تقدَّم موصولاً في الجمعة (٨٩٣)، ووجه الاستدلال منه ما تقدَّم، لأنَّ من جملة رِعايته لهم أن لا يكون (١) الشرُّ من طريقته، فيجري أهلُه عليه، أو يراهم يفعلونَ الشَّ فلا ينهاهم عنه، فيُسأل عن ذلك ويُؤاخذ به. وقد تُعُقِّبَ استدلال البخاري بهذه الآية والحديث على ما ذهب إليه من حمل حديث ١٥٣/٣ (١) في (س): أن يكون، بإسقاط ((لا))، وهو خطأ. ٥٩٤ باب ٣٢ فتح الباري بشرح البخاري الباب عليه، لأنَّ الحديث ناطق بأنَّ الميِّت يُعذّب ببكاء أهله، والآية والحديث يقتضيان أنَّه يُعذّب بسُنَتِهِ، فلم يَتَّحِد المَورِدان. والجواب: أنَّه لا مانع في سُلوك طريق الجمع من تخصيص بعض العمومات وتقييد بعض المطلَقات، فالحديث وإن كان دالًّا على تعذيب كلّ مَيِّت بكلِّ بكاء، لكن دَلَّت أدلَّة أُخرى على تخصيص ذلك ببعض البكاء كما سيأتي توجيهه وتقييد ذلك بمَن كانت تلك سُنَّته أو أهمَلَ النَّهي عن ذلك، فالمعنى على هذا: أنَّ الذي يُعذّب ببعض بكاء أهله مَن كان راضياً بذلك بأن تكون تلك طريقته ... إلى آخره، ولذلك قال المصنّف: ((فإذا لم يكن من سُنَّتَه)) أي: كمَن كان لا شُعورَ عنده بأنَّهم يفعلونَ شيئاً من ذلك، أو أدَّى ما عليه بأن نهاهم، فهذا لا مُؤاخَذة عليه بفعلٍ غيره، ومن ثَمَّ قال ابن المبارك: إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئاً من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شيء. قوله: ((فهو كما قالت عائشةُ)) أي: كما استَدلَّت عائشة بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: ولا تَحمِلُ حاملةٌ ذنباً ذنبَ أُخرى عنها، وهذا حملٌ منه لإنكار عائشة على أنَّها أنكَرَت عموم التعذيب لكلِّ مَيِّت بُكيَ عليه. وأمَّا قوله: ((وهو كقوله: ﴿وَإِن تَّدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ ﴾)) فوقع في رواية أبي ذرِّ وحده: ((﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ﴾ ذُنُوباً ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾)) وليست (ذُنوباً)) في التِّلاوة وإنَّما هو في تفسير مجاهد فنقله المصنّف عنه، وموقع التَّشبيه في قوله أنَّ الجملة الأولى دَلَّت على أنَّ النَّفس المذنبة لا يُؤاخَذ غيرها بذنبها، فكذلك الثانية دَلَّت على أنَّ النَّفْس المذنبة لا يَحمِل عنها غيرها شيئاً من ذُنوبها ولو طَلَبَت ذلك ودَعَت إليه، ومحلُّ ذلك كلِّه إنَّما هو في حقّ مَن لم يكن له في شيء من ذلك تَسَبُّب، وإلا فهو يشاركه كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُكَ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله نَّه: «فإن تَوَلَّيتَ فإنَّما عليك إثمُ الأَرِيسَيِّينَ))(١). قوله: ((وما يُرشَّص من البكاء في غير نَوْح)) هذا معطوف على أول الترجمة، وكأنَّه أشار بذلك إلى حديث عامر بن سعد عن أبي مسعود الأنصاريِّ وقَرَظة بن كعب قالا: رُخِّصَ (١) سلف عند البخاري ضمن حديث هرقل الطويل في أول كتاب بَدْء الوحي برقم (٧). ٥٩٥ باب ٣٢ كتاب الجنائز لنا في البكاء عند المصيبة في غير نَوْح، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٩٥/٣) والطَّبَرانيُّ (٦٩٠/١٧و٦٩١ و٨٢/١٩) وصحَّحه الحاكم (١٠٢/١)، لكن ليس إسناده على شرط البخاري، فاكتَفَى بالإشارةِ إليه واستَغنَى عنه بأحاديث الباب الدالّة على مُقتَضاه. قوله: ((وقال النبيّ ◌َله: لا تُقتل نفس ظُلْماً ... )) الحديث، هو طرف من حديث لابن مسعود، وَصَلَه المصنِّف في الدِّيات (٦٨٦٧) وغيرها. ووجه الاستدلال به: أنَّ القاتل المذكور يُشارِك مَن صَنَعَ صنيعه لكَونِه فتح له الباب ونَهَجَ له الطَّريق، فكذلك مَن كانت طريقته النَّوح على الميِّت يكون قد نَهَجَ لأهلِه تلك الطَّريقة فيُؤاخذ على فعله الأول. وحاصل ما بَحَثَه المصنّف في هذه الترجمة: أنَّ الشَّخص لا يُعذَّب بفعلٍ غيره إلَّا إذا كان له فيه تَسَبُّب، فمَن أثبَتَ تعذيبَ شخص بفعل غيره فمرادُه هذا، ومَن نَفَاه فمرادُه ما إذا لم يكن له فيه تَسبُّب أصلاً، والله أعلم. وقد اعتَرَضَ بعضهم على استدلال البخاري بهذا الحديث، لأنَّ ظاهره أنَّ الوِزْر يَخْتَصُّ بالبادئِ دون مَن أتى بعده، فعلى هذا يَخْتَصّ التعذيب بأول مَن سَنَّ النوح على الموتى. والجواب: أنَّه ليس في الحديث ما ينفي الإثم عن غير البادئ، فيُستدلّ على ذلك بدليل آخر، وإنَّما أراد المصنّف بهذا الحديث الردّ على مَن يقول: إنَّ الإنسان لا يُعذَّب إلَّا بذنبٍ باشَرَه بقوله أو فعله، فأراد أن يُبيِّن أنَّه قد يُعذَّب بفعلٍ غيره إذا كان له فيه تَسَبُّب. وقد اختَلَفَ العلماء في مسألة تعذيب الميِّت بالبكاء عليه، فمنهم من حمله على ظاهره، وهو بيِّن من قصَّة عمر مع صهيب كما سيأتي في ثالث أحاديث هذا الباب، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أنَّ المؤاخذة تقع على الميّت إذا كان قادراً على النَّهي ولم يقع منه، فلذلك بادرَ إلی نهي صهيب، وكذلك نهي حفصة كما رواه مسلم (١٦/٩٢٧) من طريق نافع عن ابن عمر عنه، وثمَّن أخذَ بظاهره أيضاً / عبد الله بن عمر، فروى عبد الرزاق ١٥٤/٣ (٦٦٧٨) من طريقه: أنَّه شَهِدَ جنازة رافع بن خَدِيج فقال لأهلِه: إنَّ رافعاً شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب، وإنَّ الميِّت يُعذّب ببكاء أهله عليه. ٥٩٦ باب ٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ويقابل قولَ هؤلاء قولُ مَن رَدَّ هذا الحديث وعارَضَه بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ومَمَّن رُوِيَ عنه الإنكار مطلقاً أبو هريرة كما رواه أبو يعلى (١٥٩٢) من طريق بكر ابن عبد الله المُزَنيّ قال: قال أبو هريرة: والله لَئِن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستُشهِدَ، فعَمَدَت امرأته سَفَهاً وجَهلاً فبَكَت عليه، ليُعذَّبَنَّ هذا الشَّهيد بذنبٍ هذه السَّفيهة. وإلى هذا جَنَحَ جماعة من الشافعيَّة منهم أبو حامد وغيره، ومنهم مَن أوَّلَ قوله: ((ببكاء أهله عليه)) على أنَّ الباء للحال، أي: أنَّ مَبدَأ عذاب الميّت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أنَّ شِدَّة بكائهم غالباً إنَّما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يُسأل ويُبتَدَأ به عذاب القبر، فكأنَّ معنى الحديث: أنَّ المِيِّت يُعذّب حالةَ بكاء أهله عليه، ولا يَلَزَم من ذلك أن يكون بكاؤُهم سبباً لتعذيبِهِ، حكاه الخطَّبيُّ، ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، ولعلَّ قائله إنَّما أخذَه من قول عائشة: إنَّما قال رسول اله وَّهِ: ((إنَّه لَيُعَذَّب بمعصيَتِه أو بذنبِهِ، وإنَّ أهله ليَيكُونَ عليه الآن)) أخرجه مسلم (٢٦/٩٣٢) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه عنها، وعلى هذا یکون خاصاً ببعض الموتى. ومنهم مَن أوَّلَه على أنَّ الرَّاوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأنَّ اللَّام في المِيِّت لمعهودٍ مُعيَّن كما جَزَمَ به القاضي أبو بكر الباقِلَّانيّ وغيره، وحُجَّتهم ما سيأتي في رواية عَمْرة عن عائشة في رابع أحاديث الباب، وقد رواه مسلم (٢٧/٩٣٢) من الوجه الذي أخرجه منه البخاري وزاد في أوله: ذُكِرَ لعائشةَ أنَّ ابن عمر يقول: إنَّ المِيِّت ليُعذّب ببكاء الحيّ، فقالت عائشة: يَغْفِرُ الله لأبي عبد الرحمن، أمَا إنَّه لم يَكذِب، ولكنَّه نَسِيَ أو أخطَأ، إنَّمَا مَرَّ رسول الله بَّه على يهوديّة ... فذكرت الحديث. ومنهم مَن أوَّلَه على أنَّ ذلك مُخْتَصّ بالكافر وأنَّ المؤمن لا يُعذَّب بذنبٍ غيره أصلاً، وهو بيِّنٌ من رواية ابن عبّاس عن عائشة، وهو ثالث أحاديث الباب. وهذه التأويلات عن عائشة مُتخالِفة، وفيه إشعار بأنَّها لم تَرُدَّ الحديث بحديثٍ آخر، بل بما استَشعَرَته من مُعارَضة القرآن. ٥٩٧ باب ٣٢ كتاب الجنائز قال الداووديّ: رواية ابن عبّاس عن عائشة أثبتت ما نَفَته عَمْرةُ وعُرْوة عنها، إلَّا أنَّها خَصَّته بالكافر، لأنَّهَا أثبَتَت أنَّ الميّتِ يزداد عذاباً ببكاء أهله، فأيُّ فرق بين أن يزدادَ بفعلٍ غيره أو يُعذَّبَ ابتداءً؟ وقال القُرطبيّ: إنكار عائشة ذلك وحكمها على الرَّاوي بالتخطِئة أو النِّسيان، أو على أنَّه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً، بعيدٌ، لأنَّ الزّواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرونَ وهم جازمونَ، فلا وجه للنَّفي مع إمكان حملِه علی مَحَمَلٍ صحيح. وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثَي عمر وعائشة بضُروبٍ من الجمع: أولها: طريقة البخاري كما تقدَّم توجيهها. ثانيها، وهو أخصُّ من الذي قبله: ما إذا أوصَى أهله بذلك، وبه قال المُزَنيّ وإبراهيم الخَرْبيّ وآخرون من الشافعيَّة وغيرهم، حتَّى قال أبو الليث السمَر قَنديّ: إنَّه قول عامَّة أهل العلم، وكذا نقله النَّوَويّ عن الجمهور قالوا: وكان معروفاً للقُدَماءِ، حتَّى قال طَرَفةُ ابن العبد: إذا مِتُّ فانعِيني بما أنا أهلُهُ وَشُقّي عليَّ الجَيْبَ يا ابنةَ مَعَبَدٍ واعتُرِضَ بأنَّ التعذيب بسبب الوصيّة يُستَحقُّ بمجرَّد صدور الوصيّة، والحديث دالٌّ على أنَّه إِنَّما يقع عند وقوع الامتثال. والجواب: أنَّه ليس في السياق حصر، فلا يَلزَم من وقوعه عند الامتثال أنَّه لا يقع إذا لم يَمتَئِلوا مثلاً. ثالثها: يقع ذلك أيضاً لمن أهمَلَ نهي أهله عن ذلك، وهو قول داود وطائفة، ولا يخفى أنَّ محلّه ما إذا لم يَتَحقَّق أنَّه ليست لهم بذلك عادة، ولا ظَنَّ أنَّهم يفعلونَ ذلك. قال ابن المرابط: إذا عَلِمَ المرء بما جاء في النَّهي عن النَّوحِ وعَرَفَ أنَّ أهله من شأنهم أن يَفْعلوا(١) ذلك ولم يُعلِمهم بتحريمه ولا زَجَرَهم عن تعاطِيه، فإذا عُذِّبَ على ذلك عُذِّبَ بفعل نفسه لا بفعل غیره بمجرَّدِه. (١) في (س): يفعلون، دون ((أن)). ٥٩٨ باب ٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ١٥٥/٣ رابعها: معنى قوله: ((يُعذّب ببكاء أهله)) أي: بنَظِير ما يبكيه أهلُه به، وذلك أنَّ الأفعال التي يُعدِّدونَ بها عليه غالباً تكون من الأُمور المنهيَّة، فهم يَمدَحُونَه بها وهو يُعذَّب بصنیعِه ذلك وهو عین ما یَمدَحُونَه به، وهذا اختیار ابن حَزْم وطائفة، واستدلَّ له بحديث ابن عمر الآتي بعد عشرة أبواب (١٣٠٤) في قصَّة موت إبراهيم ابن النبيّ وَّر وفيه: ((ولكن يُعذَّب بهذا، وأشار إلى لسانه))، قال ابن حَزْم: فصَحَّ أنَّ البكاء الذي يُعذَّب به الإنسان ما كان منه بالِّسان إذ يَندُونَه بریاسَتِه التي جارَ فيها، وشجاعته التي صَرَفَها في غیر طاعة الله، وُجُودِهِ الذي لم يَضَعه في الحقِّ، فأهله يبكونَ عليه بهذه المفاخر وهو يُعذَّب بذلك. وقال الإسماعيليّ: كَثُرَ كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلُّ مجتهد على حَسَب ما قُدِّرَ له، ومن أحسن ما حَضَرَني وجهٌ لم أرَهم ذكروه، وهو أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يُغِيرونَ ويَسْبُونَ ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بَكَتْه باكيتُه بتلك الأفعال المحرَّمة، فمعنى الخبر: أنَّ المِيِّت يُعذَّب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، لأنَّ الميِّت يُندَب بأحسن أفعاله، وكانت محاسنُ أفعالهم ما ذُكِرٍ، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يَستحِقُّ العذابَ عليها. خامسها: معنى التعذیب: توبيخ الملائكة له بما یندُبه أهله به كما روى أحمد (١٩٧١٦) من حديث أبي موسى مرفوعاً: ((الميِّت يُعذَّب ببكاء الحيِّ، إذا قالت النائحة: واعَضُداه، واناصِرَاه، واكاسِيَاه، جُبِذَ الميِّت وقيل له: أنت عَضُدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها؟)) ورواه ابن ماجَهْ (١٥٩٤) بلفظ: ((يُتعتَع به ويقال: أنت كذلكَ؟)) ورواه التِّرمِذيّ (١٠٠٣) بلفظ: ((ما من ميِّت يموت فتقوم نادبتُه فتقول: واجَبَلاه واسَنَداه، أو شِبْه ذلك من القول، إلَّا وُكِّلَ به مَلَكان يَلهَزانِهِ: أهكذا كنت؟))، وشاهده ما روى المصنِّف في المغازي (٤٢٦٧) من حديث النُّعمان بن بشير قال: أُغميَ على عبد الله بن رَوَاحة، فجعلَتْ أُخته تبكي وتقول: واجَبَلاه واكذا واكذا، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئاً إلَّا قيل لي: أنت كذلكَ؟ سادسها: معنى التعذيب: تألُّم الميِّت بما يقع من أهله من النِّياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبريّ من المتقدِّمين، وَرَجَّحَه ابن المرابط وعياض ومَن تَبِعَه، ونَصَرَه ابن تَيميَّة ٥٩٩ باب ٣٢ كتاب الجنائز وجماعة من المتأخِّرين، واستشهدوا له بحديث قَيْلة بنت مَخْرمة - وهي بفتح القاف وسكون التحتانيَّة، وأبوها بفتح الميم وسكون المعجَمة - ففيه(١): قلت: يا رسولَ الله، قد وَلَدتُه فقاتَلَ معك يوم الرَّبَذة، ثمَّ أصابته الحُمَّى فمات ونزل عليَّ البكاء، فقال رسول الله وَله: « أَيُغلَبُ أحدكم أن يصاحبَ صُوَيحِبه في الدنيا معروفاً، وإذا مات استرجَع، فوالذي نفس محمد بيده، إنَّ أحدكم لَيَبكي فيَستَعِرُ إليه صُوَيُحِبُه، فيا عبادَ الله لا تُعذِّبوا موتاكم)) وهذا طرف من حديث طويل حسن الإسناد أخرجه ابن أبي خَيْئمةَ وابن أبي شَيْبة والطَّبَرانيّ (١/٢٥) وغيرهم، وأخرج أبو داود (٣٠٧٠) والتِّرمِذيّ (٢٨١٤) أطرافاً منه. قال الطبريّ: ويؤيِّد ما قاله أبو هريرة: أنَّ أعمال العباد تُعرَض على أقربائهم من موتاهم، ثمَّ ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النُّعمان بن بشير مرفوعاً أخرجه البخاري في (تاريخه))(٢) وصحَّحه الحاكم (٤١/٣-٤٢). قال ابن المُرابِط: حديث قَيْلة نصٌّ في المسألة فلا يُعدَل عنه. واعتَرَضَه ابن رُشَيد بأنَّه ليس نصّاً، وإنَّما هو مُتمَل، فإنَّ قوله: ((فَيَستَعبِرِ إليه صُوَيحبُه)) ليس نصّاً في أنَّ المراد به الميّت، بل يحتمل أن يُرادَ به صاحبه الحيُّ، وأنَّ المَيِّت يُعذَّب حينئذٍ ببكاء الجماعة عليه، ويحتمل أن يُجمَع بين هذه التوجيهات فيُزَّل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلاً: مَن كانت طريقته النَّوحِ فمشى أهله على طريقته أو بالَغَ فأوصاهم بذلك، عُذِّبَ بصُنعِه، ومَن كان ظالماً فنُذِبَ بأفعاله الجائرة، عُذِّبَ بما نُدِبَ به، ومَن كان يَعرِف من أهله النِّياحة فأهمَلَ نهيَهم عنها، فإن كان راضياً بذلك التَحَقَ بالأول، وإن كان غير راضٍ عُذِّبَ بالتوبيخ كيف أهمَلَ النَّهي، ومَن سَلِمَ من ذلك كلِّه واحتاطَ فنَهَى أهله عن المعصية ثمَّ خالفوه وفعلوا ذلك، كان تعذيبه تأُّه بما يراه منهم من تُخالَفة أمره وإقدامهم على معصية ربِّهم، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) قوله: ((ففيه)) تحرف في (س) وغيرها من طبعات ((الفتح)) إلى: ثقفية، والتصويب من الأصول الخطية، ثم إن قَيْلة هذه ليست ثقفية وإنما هي من بني العَنبَرَ. (٢) عزوه إلى البخاري في ((تاريخه)) ذهولٌ شديد من الحافظ رحمه الله، فقد سبق قبل أسطر أنْ عزاه للبخاري في («صحيحه)) على الصواب! وهو عنده برقم (٤٢٦٧). ٦٠٠ باب ٣٢ / ح ١٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري ١٥٦/٣ وحكى الكِرْمانيّ تفصيلاً آخر وحَسَّنَه: وهو التفرقة بين حال البَرَزَخ وحال يوم القيامة، فيُحمَل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهَه على البَرَزَخ. ويؤيِّد ذلك أنَّ مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ ﴾ [الأنفال: ٢٥] فإنَّهَا دالَّة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبُّب، فكذلك يُمكِنُ أن يكون الحال في البَرَزَخ بخلاف يوم القيامة، والله أعلم. ثمَّ أورَدَ المصنِّف في الباب خمسة أحاديث: الأوَّل: حديثُ أسامة. ١٢٨٤ - حدَّثنا عَبْدانُ ومحمَّدٌ قالا: أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عاصمُ بنُ سليمانَ، عن أبي عثمانَ، قال: حدَّثْني أُسامةُ بنُ زيدٍ رضي الله عنهما قال: أرسَلَتِ ابنةُ النبيِّ وَّل إليه: إنَّ ابناً لي قُبِضَ فَأْتِنا، فأرسَلَ يُقِرِئُ السَّلامَ ويقول: ((إنَّ لله ما أخذَ، وله ما أعطَى، وكُلِّ عنده بأجلِ مُسمَّى، فلتَصْبِرِ ولْتحَسِب)) فأرسَلَت إليه تُقْسِمُ عليه لَيأتيَنَّها، فقامَ ومعه سعدُ بنُ عُبادة ومَعاذُ بنُ جَبَلٍ وأَبُّ بنُ كَعْب وزيدُ بنُ ثابتٍ ورجالٌ، فُرُفِعَ إلى رسول الله وَلِّ الصبيُّ ونفسُه تَنْقَعقَعُ - قال: حَسِبْتُهُ أنَّه قال: كأنَّهَا شَنّ - ففاضَتْ عَيْنَاهُ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله، ما هذا؟ فقال: ((هذه رحمةٌ جَعَلَها الله في قُلوبٍ عِبادِهِ، وإنَّما يَرحَمُ اللهُ من عِبادِهِ الرُّحَماءَ)). [أطرافه في: ٥٦٥٥، ٦٦٠٢، ٦٦٥٥، ٧٣٧٧، ٧٤٤٨] قوله: ((حدَّثْنَا عَبْدان ومحمَّد)) هو ابن مُقاتِل، وعبد الله: هو ابن المبارَكِ(١). قوله: ((عن أبي عثمان)) هو النَّهْدِيّ كما صَرَّحَ به في التوحيد (٧٣٧٧) من طريق حمّاد عن عاصم، وفي رواية شُعْبة في أواخر الطِّبّ(٢): عن عاصم سمعت أبا عثمان. قوله: ((أرسَلَت بنتُ النبيّ ◌ََِّ)) هي زينبُ كما وقع في رواية أبي معاوية عن عاصم المذكور في «مُصنَّفَ ابن أبي شَيْبة)) (٣٩٢/٣). (١) وعَبْدان: لقبٌ، واسمه: عبد الله بن عثمان بن جَبَلة العَتَكي المروزي. (٢) بل أول كتاب المرضى برقم (٥٦٥٥).