Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ باب ٢ / ح ١٢٢٦ أبواب السهو قال: صَلَّيْتَ خمساً. فسَجَدَ سَجْدتَينِ بعدَما سَلَّمَ. قوله: ((باب إذا صلَّى خمساً)) قيل: أراد البخاري التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنُّقْصان ٩٤/٣ أو الزيادة، ففي الأول يَسجُدُ قبلَ السلام كما في الترجمة الماضية، وفي الزيادة يَسِجُدُ بعدَه، وبالتفرِقة هكذا قال مالك والمُزَنِيّ وأبو ثورٍ من الشافعيَّة، وزَعَمَ ابن عبد البَرِّ أنَّه أَولى من قول غيره للجَمْع بين الخبرَينِ، قال: وهو موافقٌ للنَّظَرِ، لأنَّه في النَّقْصِ جَبْر فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيمٌ للشيطان فيكون خارجها. وقال ابن دَقِيق العيد: لا شكَّ أنَّ الجمعَ أَولى من الترجيح وادِّعاء النَّسخ، ويُترجَُّ الجمع المذكور بالمناسَبة المذكورة، وإذا كانت المناسَبةُ ظاهرةً وكان الحكم على وَفْقِها كانت عِلَّةَ، فَيَعُمُّ الْحُكْم جميع مَحَالِّها فلا تُخصَّصُ إلَّ بنصٍّ. وتُعُقِّبَ بأنَّ كونَ السجود في الزيادة ترغياً للشيطان فقط ممنوع، بل هو جَبرٌّ أيضاً لما وقع من الخَلَل، فإنَّه وإن كان زیادً فهو نقصٌّ في المعنى، وإنَّما سمَّى النبيُّ ◌َ لّ سجود السهو ترغيماً للشيطان في حالة الشَّكِّ كما في حديث أبي سعيد عند مسلم (٥٧١). وقال الخطَّبيّ: لم يَرجِعْ مَن فَرَّقَ بين الزيادة والنُّقصان إلى فرقٍ صحيح. وأيضاً فقصَّة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام وهي عن نقصان. وأمَّا قول النَّوَويّ: أقوى المذاهب فيها قول مالك ثمَّ أحمد، فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى لأنَّه قال: يُستَعمَلُ كلُّ حديث فيما وَرَدَ فيه، وما لم يَرِدْ فيه شيءٌ يَسجُدُ قبلَ السلام، قال: ولولا ما رُوِيَ عن النبيِّيوَ لَ في ذلك لَرأيتُه كلَّه قبل السلام، لأنَّه من شأن الصلاة فيفعلُه قبلَ السلام. وقال إسحاق مثله، إلّا أنَّه قال: ما لم يَرِدْ فيه شيءٌ يُفرَّقُ فيه بين الزيادة والنُّقصان، فحَرَّرَ مذهبه من قولي أحمد ومالك، وهو أعدَلُ المذاهب فيما يَظهَر. وأمَّا داود فجَرَى على ظاهريَّتِه فقال: لا يُشرَعُ سجود السهو إلَّا في المواضع التي سَجَدَ النبيُّ ◌َّةِ فيها فقط. ٤٨٢ باب ٢ / ح ١٢٢٦ فتح الباري بشرح البخاري وعند الشافعيِّ سجود السهو كلُّه(١) قبلَ السلام، وعند الحنفيّة كلَّه بعد السلام، واعتَمَدَ الحنفيّة على حديث الباب. وتُعُقِّبَ بأنَّه لم يَعلَم بزيادة الركعة إلَّا بعد السلام حين سألوه: هل زِيدَ في الصلاة؟ وقد اتَّفَقَ العلماءُ في هذه الصورة على أنَّ سجود السهو بعد السلام لتَعذّره قبله لعَدَم علمِه بالسهو، وإنَّما تابَعَه الصحابة لتجويزِهم الزيادةَ في الصلاة، لأنَّه كان زمان تَوقُّع النَّسخ. وأجاب بعضهم بما وقع في حديث ابن مسعود من الزيادة وهي: ((إذا شكَّ أحدكم في صلاته فليَتَحرَّ الصواب فليُتِّمَّ عليه، ثمَّ لُيُسلِّم ثمَّ يَسجُد سجدتين))، وقد تقدَّم في أبواب القِبلة (٤٠١). وأُجيبَ بأنَّه مُعارَضٌ بحديث أبي سعيد عند مسلم (٥٧١) ولفظه: ((إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يَدرِ كم صَلَّى، فليَطَرَحِ الشَّكَّ وليَيْنِ على ما استَقَنَ ثمَّ يَسجُد سجدتين قبلَ أن يُسلِّمَ)) وبه تَمَسَّك الشافعيَّة. وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورَجَّحَ البيهقيُّ طريقة التخييرِ في سجود السهو قبلَ السلام أو بعده. ونقل الماوَزْديّ وغيره الإجماع على الجواز، وإنَّما الخلافُ في الأفضل. وكذا أطلقَ النَّوَويّ، وتُعُقِّبَ بأنَّ إمام الحرمين نقل في ((النِّهاية)) الخلاف في الإجزاء عن المذهبٍ واستَبعَدَ القولَ بالجواز، وكذا نقل القُرطُبيّ الخلاف في مذهبهم، وهو مخالفٌ لما قاله ابن عبد البَرِّ: إنَّه لا خلافَ عن مالكِ أنَّه لو سَجَدَ للسهوِ كلُّه قبلَ السلام أو بعدَه أن لا شيءَ عليه، فيُجمَعُ بأنَّ الخلافَ بين أصحابه والخلاف عند الحنفيّة، قال القُدوريّ: لو سَجَدَ للسهوِ قبلَ السلام رُوِيَ عن بعض أصحابنا: لا يجوز، لأَنَّه أداءٌ قبلَ وقته. وصَرَّحَ صاحب ((الهداية)) بأنَّ الخلافَ عندَهم في الأولَويّة، وقال ابن قدامة في ((المقنِعِ)): مَن تَرَك سجود السهو الذي قبلَ السلام بَطَلَت صلاتُه إن تَعَمَّد، وإلَّ فِيَتَدَارَكُه ما لم يَطُل الفصل. (١) لفظ ((كله)) من (س)، ولم يرد في الأصلين. ٤٨٣ باب ٢ / ح ١٢٢٦ أبواب السهو ويُمكِنُ أن يقال: الإجماعُ الذي نقله الماوَرْديّ وغيره قبلَ هذه الآراء في المذاهب ٩٥/٣ المذكورة. وقال ابن خُزيمة: لا حُجّةً للعِراقّينَ في حديث ابن مسعود لأنَّهم خالَفوه فقالوا: إن جَلَسَ المصلِّي في الرابعة مقدارَ التشهُّدِ أضافَ إلى الخامسةِ سادسة ثمَّ سَلَّمَ وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تَصِحَّ صلاتُه. ولم يُنقَل في حديث ابن مسعود إضافة سادسة ولا إعادة، ولا بدَّ من أحدِهما عندهم، قال: ويَحَرُمُ على العالم أن يخالفَ السُّنّةَ بعد علمِه بها. قوله: ((عن الحَكَم)) هو ابنُ عُتَيبة الفقيه الكوفيّ. قوله: ((عن إبراهيمَ)) هو ابن يزيد النَّخَعيّ. قوله: ((صَلَّى الظُّهر خمساً)) كذا جَزَمَ به الحَكَم، وقد تقدَّم في أبواب القِبلة (٤٠١) من رواية منصور عن إبراهيم أتمَّ من هذا السياق، وفيه قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نَّقَص. قوله: ((فقيل له: أزِيدَ في الصلاةِ؟ فقال: وما ذاكَ؟)) أخرجه مسلم (٥٧٢/ ٩٢) وأبو داود (١٠٢٢) من طريق إبراهيم بن سُوَيد النَّخَعَيّ [عن علقمة](١) عن ابن مسعود بلفظ: فلمَّا انفَتَلَ تَوَشَوَشَ القومُ بينهم فقال: «ما شأنُكم؟» قالوا: يا رسول الله، هل زِيدَ في الصلاة؟ قال: ((لا)) فَتَبيَّن أنَّ سؤالهم لذلك كان بعد استفساره لهم عن مُسارَرَتِهِم، وهو دالٌّ على عظيم أدبِهِم معه رَّةِ، وقولهم: هل زِيدَ في الصلاة؟ يُفسِّر الرواية الماضية في أبواب القِبْلة (٤٠١) بلفظ: هل حَدَثَ في الصلاة شيء؟ تنبيه: روى الأعمَشُ عن إبراهيم هذا الحديثَ مختصراً ولفظه: إنَّ النبيّ وَّ سَجَدَ سجدتَ السهو بعد السلام والكلام، أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن خُزَيمة وغيرُهم(٢)، قال ابن خُزيمة: إن كان المراد بالكلام قوله: ((وما ذاكَ)) في جواب قولهم: أزِيدَ (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، واستدركناه من عند مسلم وأبي داود، وأخرجه أيضاً من هذا الطريق النسائي برقم (١٢٥٦). (٢) اللفظ المذكور مخرَّج عند مسلم (٥٧٢) (٩٥)، وابن خزيمة (١٠٥٨)، وأما أحمد فلم يذكر في روايته = ٤٨٤ باب ٢ / ح ١٢٢٦ فتح الباري بشرح البخاري في الصلاة؟ فهذا نَظِيرُ ما وقع في قصَّةِ ذي اليدين، وسيأتي البحث فيه (١٢٢٨ و١٢٣٠)، وإن كان المراد به قوله: ((إنَّما أنا بَشَرٌ أَنسَى كما تَنسَونَ)) فقد اختَلَفَ الرُّواةُ في الموضع الذي قالها فيه، ففي رواية منصور(١) أنَّ ذلك كان بعد سلامه من سجدتي السهو، وفي رواية غيره أنَّ ذلك كان قبلُ، ورواية منصور أرجحُ، والله أعلم. قوله: ((فسَجَدَ سَجْدتَينٍ بعدَما سَلَّمَ)) يأتي في خبر الواحدِ (٧٢٤٩) من طريق شُعْبة أيضاً بلفظ: فَثَنَى رِجَلَيه وسجد سجدتين(٢)، وتقدَّم في رواية منصور (٤٠١): واستَقبَلَ القِبْلةَ، وفيه الزيادةُ المشار إليها وهي: ((إذا شكَّ أحدكم في صلاةٍ فليَتَحرَّ الصواب فليُثُمَّ عليه))، ولمسلم (٩٠/٥٧٢) من طريق مِسعَر عن منصور: ((فأيكم شكَّ في صلاةٍ فلينظُرْ أحرَى ذلك إلى الصواب)»، وله من طريق شُعْبة عن منصور: «فليَتَحرَّ أقرَب ذلك إلى الصواب))، وله من طريق فُضَيل بن عياضٍ عن منصور: ((فليَتَحرَّ الذي يرى أنَّه الصواب)»، زاد ابن حِبَّان (٢٦٦٠) من طريق مِسعَر: ((فليُتِّمَّ عليه)). واختُلِفَ في المراد بالتحرِّي، فقال الشافعيّة: هو البناءُ على اليقين لا على الأغلب، لأنَّ الصلاة في الذِّمّة بيقينٍ فلا تَسقُطُ إلَّ بيقين. وقال ابن حَزْمٍ: التحرِّي في حديث ابن مسعود يُفسِّرِه حديث أبي سعيد، يعني الذي أخرجه مسلم (٥٧٢) بلفظ: ((وإذا لم يَدرِ أصَلَّى ثلاثاً أو أربعاً، فليَطَرَحِ الشَّكّ وليَينٍ على ما اسْتَيقَنَ))، وروى سفيان في ((جامعه)) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: إذا شكَّ أحدكم في صلاته فليَتَوخَّ حتَّى يعلمَ أنَّه قد أتمَّ. انتهى، وفي كلام الشافعيِّ نحوه ولفظه: قولُه: ((فليَتَحرَّ)) أي: في الذي يَظُنُّ أنَّه نَقَصَه فليُتِمَّه. فيكون التحرِّي أن يُعيدَ ما شكَّ فيه = برقم (٤٣٥٨) السلامَ، وكذلك هو عند الترمذي (٣٩٣)، وأما أبو داود فإنه لم يخرجه بهذا اللفظ وإنما هو عنده برقم (١٠٢١) بمعناه، وأخرجه أيضاً بنحوه النسائي (١٣٢٩). (١) سلفت برقم (٤٠١). (٢) هذا الموضع ليس فيه قوله: ((فثنى رجليه))، وقد سلف هذا اللفظ من طريق شعبة في أوائل الصلاة برقم (٤٠٤). ٤٨٥ باب ٢ / ح ١٢٢٦ أبواب السهو ويبنيَ على ما استَيقَن، وهو كلامٌ عربيٌّ مطابقٌ لحديث أبي سعيد، إلَّا أنَّ الألفاظَ تختلف. وقيل: التحرِّي الأخذ بغالب الظنّ، وهو ظاهرُ الروايات التي عند مسلم. وقال ابن حِبَّان في «صحيحه)) (٢٦٦٩): البناءُ غير التحرِّي، فالبناءُ أن يَشُكَّ في الثلاثِ أو الأربع مثلاً فعليه أن يُلغَيَ الشَّكَّ، والتحِّي أن یَشُكَّ في صلاته فلا يدري ما صلَّى فعليه أن يبنيَ على الأغلب عندَه. وقال غيره: التحرِّي لمن اعتراه الشَّكُّ مرَّةً بعد أُخرى، فيبني على غَلَبة ظنِّه، وبه قال مالك وأحمد، وعن أحمد في المشهور: التحرِّي يَتعلَّقُ بالإمام، فهو الذي يبني على ما غَلَبَ على ظنِّه، وأمَّا المنفَرِدُ فيبني على اليقين دائماً، وعن أحمد رواية أُخرى كالشافعيَّة، وأُخرى كالحنفيَّة. وقال أبو حنيفة: إن طَرأَ الشَّكُّ أولاً استأنَف، وإن كَثُرَ بنى على غالبٍ ظنِّه، وإلَّا ٩٦/٣ فعلی الیقین. ونقل النَّوَويّ أنَّ الجمهورَ مع الشافعيّ، وأنَّ التحرِّي هو القصدُ، قال الله تعالى: ﴿فَأُؤْلَِّكَ تَزَّوْاْرَشَدًا﴾ [الجن:١٤]. وحكى الأثرَمُ عن أحمد في معنى قوله وَّهِ: ((لا غِرارَ في صلاة)) قال: أن لا يَخْرُجَ منها إلَّا على يقين(١)، فهذا يُقوِّي قول الشافعيِّ. وأبعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ لفظ التحرِّي في الخبر مُدرَج من كلام ابن مسعود أو ممَّن دونَه لتفرّد منصور بذلك عن إبراهيم دونَ رُفْقتِهِ، لأنَّ الإدراجَ لا يَثْبُتُّ بالاحتمال. واستدلَّ به على أنَّ مَن صلَّى خمساً ساهياً ولم يجلس في الرابعة أنَّ صلاتَه لا تَفسُدُ خلافاً للكُوفّين، وقولهم: يُحِمَلُ على أنَّه قَعَدَ في الرابعة، يحتاجُ إلى دليلٍ، بل السِّياق يُرِشِدُ إلى خلافِهِ، وعلى أنَّ الزّيادةَ في الصلاة على سبيل السَّهْو لا تُبطِلُها خلافاً لبعض المالكيَّة إذا (١) وحكاه عنه أيضاً ابنه عبد الله بإثر روايته الحديث عنه في («المسند» (٩٩٣٦)، والحديث أخرجه أيضاً أبو داود في «سننه)» (٩٢٨) ونقل عن الإمام أحمد معنى كلامه هذا. والغِرار: النقصان. ٤٨٦ باب ٣ / ح ١٢٢٧ فتح الباري بشرح البخاري كَثُرَت، وقَيَّدَ بعضهم الزِّيادةَ بما يزيدُ على نصفِ الصلاة، وعلى أنَّ مَن لم يعلم بسَهْوِه إلَّا بعد السلام يَسجُدُ للَّهْو، فإن طالَ الفصلُ، فالأصحُّ عند الشافعيَّة أنَّه يَفُوتُ محلُّه، واحتجَّ له بعضهم من هذا الحديث بتعقيبٍ إعلامهم لذلك بالفاء، وتعقيبه السجود أيضاً بالفاء، وفيه نظرٌ لا يخفى. وعلى أنَّ الكلام العَمْد فيما يُصلِحُ به الصلاةَ لا يُفسِدُها، وسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعدَه. وأنَّ مَن تَحوَّلَ عن القِبْلة ساهياً لا إعادةَ عليه. وفيه إقبالُ الإمام على الجماعة بعد الصلاة. واستدلَّ به البيهقيُّ على أنَّ عُزُوب النيّة بعد الإحرام بالصلاة لا يُبطِلُها. وقد تقدَّمَت بقيَّةُ مباحثه في أبواب القِبْلة(١). ٣- باب إذا سلّم في ر کعتين أو في ثلاثٍ سجد سجدتين مثلَ سجود الصلاة أو أطولَ ١٢٢٧ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبة، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرةَ ﴿﴾ قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَِّ الظُّهرَ أو العصرَ فسَلَّمَ، فقال له ذُو اليدَينِ: الصلاةُ يا رسولَ الله أَنْقَصَتْ؟ فقال النبيُّ نَّهِ لأصحابِهِ: ((أحقّ ما يقولُ؟)) قالوا: نَعَم، فصَلَّ رَكْعتَیْنِ أُخرَیَينِ، ثمَّ سَجَدَ سَجْدتَينِ. قال سعدٌ: ورأيتُ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ صلَّى مِن المغربِ رَكْعَتَينِ فسَلَّمَ وتكلَّمَ، ثمَّ صلَّى ما بَقِيَ وسَجَدَ سَجْدتَينٍ، وقال: هكذا فعلَ النبيُّ ◌َله. قوله: ((باب إذا سَلَّمَ في ركعتَينِ أو في ثلاث سجد سجدتَينِ مثلَ سجودِ الصلاة أو أطولَ» في رواية لغير أبي ذرٍّ: ((فسَجَدَ)) والأول أوجَهُ، وعلى الثاني يكون الجواب محذوفاً تقديره: ما یکون المُكم في نظائره. أورَدَ فيه حديث أبي هريرة في قصَّة ذي اليدين، وليس في شيءٍ من طرقِهِ إلَّا التَّسليم في (١) عند الحديث (٤٠١): ٣١ - باب التوجه نحو القبلة حيث كان. لكنه هناك لم يستوفِ مباحثه بل أحال إلى هذا الموضع هنا. ٤٨٧ باب ٣ / ح ١٢٢٧ أبواب السهو ثِنْتَين، نعم وَرَدَ التَّسليمُ في ثلاثٍ في حديث عِمْران بن حُصَين عند مسلم (٥٧٤)، وسيأتي البحث في كَونِما قِصَّتَينِ أو لا في الكلام على تسميةِ ذي اليدين، وأمَّا قوله: ((مثلَ سجود الصلاة أو أطول)) فهو في بعض طرق حديث أبي هريرة كما في الباب الذي بعدَه (١٢٢٨). قوله: ((صَلَى بنا رسولُ اللهِ وَّةٍ)) ظاهر في أنَّ أبا هريرة حَضَرَ القصّة، وحمله الطَّحَاوِيّ على المجاز فقال: إنَّ المراد به: صلَّى بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزُّهْريّ: إنَّ صاحب القصَّة استُشهِدَ بيدٍ، فإنَّ مُقتَضاه أن تكون القصّةُ وقعت قبلَ بدرٍ وهي قبلَ إسلام أبي هريرة بأكثرَ من خمس سنين، لكن اتَّفَقَ أئمّةُ الحديث - كما نقله ابن عبد البَرِّ وغيره - على أنَّ الزُّهْرِيّ وَهِمَ في ذلك،/ وسببه أنَّه جعل القصَّةَ لذي الشِّمَالَين، وذو الشِّمالَينِ هو الذي ٩٧/٣ قُتِلَ بيدٍ وهو خُزاعيّ واسمُه عُمَير بن عبد عَمْرو بن نَضْلة، وأمَّا ذو اليدين فتأخّرَ بعد النبيِّ وَّهِ بِمُدّةٍ، لأنَّ حدَّث بهذا الحديث بعد النبيِّ ◌َلِّ كما أخرجه الطََّرانيّ (٤٢٢٤) وغيره(١)، وهو سُلَمَيّ واسمُه الخِرْباقُ على ما سيأتي البحث فيه، وقد وقع عند مسلم (٩٩/٥٧٣) من طريق أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة: ((فقام رجلٌ من بني سُلَيم)). فلمَّا وقع عند الزّهْرِيِّ (٢) بلفظ: ((فقام ذو الشِّمالَين)) وهو يَعرِفُ أنَّه قُتِلَ ببدرٍ، قال لأجلِ ذلك: إنَّ القصَّةَ وقعت قبلَ بدر. وقد جَوَّزَ بعض الأئمّةِ أن تكون القصَّةُ وقعت لكلِّ من ذي الشِّالَينِ وذي اليدين، وأنَّ أبا هريرة روى الحديثين فأرسَلَ أحدهما، وهو قصَّةُ ذي الشِّمالین، وشاهَدَ الآخر وهو قصَّةُ ذي اليدين، وهذا مُحْتَمَل من طريق الجمع، وقيل: يُحِمَلُ على أنَّ ذا الشِّمَالَينِ كان يقال له أيضاً: ذو اليدين، وبالعكس، فكان ذلك سبباً للاشتباه. ويَدَفَعُ المجاز الذي ارتَكَبَه الطَّحَاويّ ما رواه مسلم (١٠٠/٥٧٣) وأحمد (٩٤٤٤) وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: ((بينما (١) وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند)) (١٦٧٠٧)، وإسناده وإسناد الطبراني واحد، وهو ضعيف. (٢) عند أحمد برقم (٧٦٦٦)، وانظر تتمة تخريجه فيه. ٤٨٨ باب ٣ / ح ١٢٢٧ فتح الباري بشرح البخاري أنا أُصلِّي مع رسول الله ◌ِ))، وقد اتَّفَقَ مُعظَمُ أهل الحديث من المصنِّفِينَ وغيرهم على أنَّ ذا الشِّمالَيْنِ غير ذي اليدين، ونَصَّ على ذلك الشافعيُّ رحمه الله في ((اختلاف الحديث)). قوله: ((الظُّهر أو العَصْر)) كذا في هذه الطَّريقِ عن آدم عن شُعْبة بالشَّكّ، وتقدَّم في أبواب الإمامة (٧١٥) عن أبي الوليدِ عن شُعْبة بلفظ: ((الظُّهر)) بغير الشَّكّ، ولمسلم (٥٧٣) من طريق أبي سَلَمةَ المذكور: ((صلاة الظُّهر))، وله (٩٩/٥٧٣) من طريق أبي سفيانَ مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة: ((العصر)) بغير شكّ، وسيأتي بعد باب للمصنّف (١٢٢٩) من طريق ابن سِيرِينَ أنَّه قال: وأكثرُ ظنِّي أنَّها العصرُ، وقد تقدَّم (٤٨٢) في ((باب تشبيك الأصابعِ في المسجد)) من طريق محمد بن سيرينَ عن أبي هريرة بلفظ: إحدى صلاتَي العَشِيّ؛ قال ابن سِيرِين: سمّاها أبو هريرة ولكن نسيتُ أنا، ولمسلم (٩٧/٥٧٣): إحدى صلاتَ العَشِيّ، إمّا الظُّهر وإمَّا العصر. والظاهر أنَّ الاختلافَ فيه من الرُّواة، وأبعَدَ مَن قال: يُحُمَلُ على أنَّ القصَّةَ وقعت مرَّتين، بل روى النَّسائيّ (١٢٢٤) من طريق ابن عَوْنٍ عن ابن سِيرِينَ أنَّ الشَّكَّ فيه من أبي هريرة ولفظه: (صَلَّى ◌ََّإحدى صلاتَ العَشِيّ، قال أبو هريرة: ولكنِّي نسيتُ)) فالظاهر أنَّ أبا هريرة رواه كثيراً على الشَّكّ، وكان ربَّما غَلَبَ على ظنِّه أنَّها الظُّهرُ فجَزَمَ بها، وتارةً غَلَبَ على ظنِّه أنَّها العصرُ فجَزَمَ بها، وطَرأ الشَّكُّ في تعيينِها أيضاً على ابن سِيرِينَ، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصَّة من الأحكام الشَّرعيّة، ولم تختلف الزُّواة في حديث عِمْرانَ(١) في قصَّة الخِرْباق أنَّها العصرُ، فإن قلنا: إنَّما قصَّةٌ واحدةٌ، فيترجَّحُ رواية مَن عَيَّنَ العصر في حديث أبي هريرة. قوله: ((فسَلَّمَ)) زاد أبو داود من طريق معاذ عن شُعْبة: ((في الركعتين))، وسيأتي في الباب الذي بعده (١٢٢٨) من طريق أيوب عن ابن سِيرِينَ، وفي الذي يليه (١٢٢٩) من طريق أُخرى عن ابن سيرينَ، بأتمَّ من هذا السياق، ونستوفي الكلام عليه ثَمَّ. (١) أخرجه مسلم برقم (٥٧٤) (١٠١). ٤٨٩ باب ٤ / ح ١٢٢٨ أبواب السهو قوله: ((قال سعدٌ)) يعني: ابن إبراهيم راوي الحديث، وهو بالإسناد المصَدَّر به الحديث، وقد أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٣٨-٣٩) عن غُندَرٍ عن شُعْبة مُفرَداً. وهذا الأثرُ يُقوِّي قولَ مَن قال: إنَّ الكلام لمصلحة الصلاة لا يُبطِلُها، لكن يحتملُ أن يكون عُرْوةُ تكلَّمَ ساهياً أو ظانّاً أنَّ الصلاةَ تَمَّت، ومُرسَل عُرْوة هذا ممَّا يُقوِّي طريق أبي سَلَمَةَ الموصولة، ويحتملُ أن يكون عُزْوة حمله عن أبي هريرة، فقد رواه عن أبي هريرة جماعة من رُفْقة عُرْوة من أهل المدينة كابن المسيِّب وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة وأبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث وغيرهم من الفقهاء. ٤- باب من لم يتشهَّد في سجدتي السَّھو وسَلَّمَ أنسِّ والحسنُ ولم يَتشَهَّدا. وقال قَتَادةُ: لا يَتشَهَّد. ١٢٢٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن أيوبَ بنِ أبي تَمِيمةَ ٩٨/٣ السَّخْتِيانيِّ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِين، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رسولَ اللهَِّ انصَرَفَ مِن اثنتَيْنِ، فقال له ذُو اليدَينِ: أَقَصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيتَ يا رسولَ الله؟ فقال رسولُ الله ◌َّةَ: «أَصَدَقَ ذُو اليدَينِ؟)) فقال الناسُ: نَعَم، فقامَ رسولُ اللهِ وَلّهِ فِصَلَّى اثنتَيْنِ أُخرَيَيْنٍ، ثمَّ سَلَّمَ، ثمَّ كَبََّ فسَجَدَ مثلَ سجودِه أو أطولَ، ثمَّ رَفَعَ. حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن سَلَمَةَ بنِ عَلْقمةَ قال: قلتُ لمحمَّدٍ: في سَجْدتَي السَّهْو تشهُّدٌ؟ قال: ليس في حديث أبي هريرةَ. قوله: ((باب مَن لم يَتَشَهَّد في سَجْدَتَي السَّهْو)) أي: إذا سجدَهما بعد السلام من الصلاة، وأمَّا قبلَ السلام فالجمهور على أنَّه لا يعيدُ التشهُّد، وحكى ابن عبد البَرِّ عن الليث: أنَّه يعيدُه، وعن البُوَيطيّ عن الشافعيِّ مثله، وخَطَّؤْوه في هذا النَّقَلِ فإِنَّه لا يُعرَفُ، وعن عطاءٍ: يَتخيَّرُ، واختُلِفَ فيه عند المالكِيَّة. ٤٩٠ باب ٤ / ح ١٢٢٨ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا مَن سَجَدَ بعد السلام فحكى التِّرمِذيّ عن أحمد وإسحاق أنَّه يتشهَّدُ، وهو قول بعض المالكيَّة والشافعيَّة، ونقله أبو حامد الإسفرايينيّ عن القديم، لكن وقع في ((مختصر المُزَنِيّ)): سمعتُ الشافعيَّ يقول: إذا سَجَدَ بعد السلام تَشَهَّد، أو قبلَ السلام أجزأه التشهُّد الأول، وتأولَ بعضهم هذا النصَّ على أنَّه تفريعٌ على القول القديم، وفيه ما لا يخفى. قوله: ((وسَلَّمَ أنس والحسن ولم يَتَشَهَّدا)) وَصَله ابن أبي شَيْبة (٣١/٢) وغيره من طريق قَتَادة عنھما. قوله: ((وقال قتادة: لا يَتَشَهَّد)) كذا في الأُصول التي وقفتُ عليها من البخاريّ، وفيه نظرٌ، فقد رواه عبد الرزاق (٣٥٠١) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: يتشهَّدُ في سجدتي السهو ويُسلِّمُ. فلعلَّ ((لا)) في الترجمة زائدة، ويكون قَتَادة اختُلِفَ عليه في ذلك. قوله: ((فقامَ رسول الله وَّرِ فِصَلَّى اثنتَينِ)) لم يقع في غير هذه الرواية لفظ القيام، وقد استُشكِّلَ لأَنَّهِوَ ﴿ كان قائماً، وأُجيبَ بأنَّ المراد بقوله ((فقام)) أي: اعتَدَل، لأنَّه كان مُستَنِداً إلى الخشبة كما سيأتي (١٢٢٩)، أو هو كناية عن الدُّخولِ في الصلاة. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): فيه إيماءٌ إلى أنَّه أحرَمَ ثمَّ جَلَسَ ثمَّ قام. كذا قال، وهو بعيدٌ جدّاً. قوله في آخره: ((ثُمَّ رَفَعَ)) زاد في ((باب خبر الواحد)) (٧٢٥٠) من هذا الوجه: ثمَّ كَبَّرَ ثمّ رَفَعَ ثمَّ كَبَّرَ فسجد مثلَ سجودِه ثمَّ رَفَعَ. وسيأتي الكلام علی التکبیر في الباب الذي یلیہ (١٢٢٩). قوله: ((حدَّثنا حَمَّاد)) هو ابن زيد، وكذا ثَبَتَ في رواية الإسماعيليّ من طريق سليمان بن حَرْب. قوله: ((عن سَلَمَةَ بن عَلْقمةَ)) هو التَّميميّ أبو بِشْر، وربَّما اشتَبَهَ بِمَسلمة بن عَلْقمة المُزَنِيّ وكُنيَتَه أبو محمد، لكونهما بصريَّينِ مُتَقَاربي الطَّبقة، لكنَّ الثاني بزيادة ميم في أولِه ولم يُرِّج له البخاري شيئاً. ٤٩١ باب ٤ / ح ١٢٢٨ أبواب السهو قوله: ((قلت لمحمَّد)) هو ابنُ سِيرِين، وفي رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج)): سألتُ محمد ابن سِیرینَ. قوله: ((قال: ليس في حديث أبي هريرة)) في رواية أبي نُعَيم: فقال: لم أحفَظْ فيه عن أبي هريرة شيئاً وأحبُّ إليَّ أن يتشهَّدَ. وقد يُفهَمُ من قوله: ((ليس في حديث أبي هريرة)) أَنَّه وَرَدَ في حديث غيره، وهو كذلك، فقد رواه أبو داود (١٠٣٩) والتِّرمِذيّ (٣٩٥) وابن حِبَّان (٢٦٧٠ و٢٦٧٢) والحاكم (١/ ٣٢٣) من طريق أشعَثَ بن عبد الملك، عن محمد بن سِيرِينَ، عن خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عِمْران بن حُصَين: أنَّ النبيَّ ◌َِّ صلَّى بهم فسَهَا، فسجد سجدتين ثمَّ تَشَهَّدَ ثمَّ سَلَّمَ؛ قال التِّرمِذيّ: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخين، وقال ابن حِبَّان: ما روى ابنُ سيرينَ عن خالٍ غير هذا الحديث. انتهى، وهو من رواية الأكابرِ عن الأصاغِرِ، وضَعَّفَه البيهقيّ (٣٥٤/٢-٣٥٥) وابن عبد البَرِّ / وغيرهما، ووَهَّموا رواية أشعثَ لمخالَفتِهِ غيرَه ٩٩/٣ من الحُفَّاظ عن ابن سِيرِين، فإنَّ المحفوظ عن ابن سِيرِينَ في حديث عِمْران ليس فيه ذِكْر التشُّد. وروى السرّاج من طريق سَلَمةَ بن عَلْقمة أيضاً في هذه القصّة: قلت لابن سِيرِين: فالتشهُّد؟ قال: لم أسمعْ في التشهُّدِ شيئاً. وقد تقدَّم (٤٨٢) في ((باب تشبيك الأصابع)) من طريق ابن عَوْنٍ عن ابن سِيرِينَ قال: نُبِّئْت أنَّ عِمْران بن حُصَين قال: ثمَّ سَلَّمَ، وكذا المحفوظ عن خالدِ الحَذَّاء بهذا الإسناد في حديث عِمْرانَ لیس فيه ذِكْر التشهُّد كما أخرجه مسلم (٥٧٤)، فصارت زيادة أشعَث شاذّة، ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسَبُ التشهُّد في سجود السهو يَثْبُت. : لكن قد وَرَدَ في التشهُّد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود (١٠٢٨) والنَّسائيّ (ك٦٠٨)، وعن المغيرةِ عند البيهقيّ (٣٥٥/٢)، وفي إسنادهما ضعف، فقد يقالُ: إِنَّ الأحاديثَ الثلاثةَ في التشهُّدِ باجتماعها تَرتَقي إلى درجة الحسن، قال العَلائيّ: وليس ذلك ببعيدٍ، وقد صَحَّ ذلك عن ابن مسعود من قوله، أخرجه ابن أبي شَيْبةٍ (٢/ ٣١). ٤٩٢ باب ٥ / ح ١٢٢٩ فتح الباري بشرح البخاري ٥- باب من یکېّ في سجدتي السَّھو ١٢٢٩ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: صلَّى النبيُّ وَِّ إحدى صلاتَي العَشِيِّ - قال محمَّدٌ: وأكثرُ ظنِّي أنَّها العصرُ - رَكْعَتَينِ، ثمَّ سَلَّمَ، ثمَّ قامَ إلى خَشَبَةٍ في مُقدَّمِ المسجدِ فَوَضَعَ يدَه عليها، وفيهم أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما فهابَا أن يُكلِّماه، وخرج سَرَعانُ الناسِ فقالوا: أَقَصُرَتِ الصلاةُ؟ ورجلٌ يَدْعُوه رسولُ اللهِ وَّهَ ذُو اليدَينِ فقال: أنسِيتَ أم قَصُرَتْ؟ فقال: ((لم أنسَ ولم تُقْصَر)) قال: بلى قد نَسِيتَ، فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ سَلَّمَ، ثمَّ كَبَّرَ فسَجَدَ مثلَ سجودِه أو أطولَ، ثمَّ رَفَعَ رأسَه فکَبََّ، ثمّ وَضَعَ رأسَه فَكَبَّرَ فسَجَدَ مِثلَ سجودِه أو أطولَ، ثمَّرَفَعَ رأسَه و کَبََّ. قوله: ((باب يُكبِّ في سَجْدتَي السَّهْو)» اختُلِفَ في سجود السهو بعد السلام: هل يُشتَرطُ له تكبيرة إحرام، أو يُكتفَى بتكبير السجود؟ فالجمهورُ على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القُرطُبيّ أنَّ قول مالك لم يَخْتَلِف في وجوب السلام بعد سجدتَ السهو، قال: وما يُتحَلَّلُ منه بسلام لا بدَّ له من تكبيرة إحرام، ويؤيِّدُه ما رواه أبو داود (١٠١١) من طريق حمَّد بن زيد عن هشام بن حَسَّان عن ابن سِيرِينَ في هذا الحديث قال: ((فكَبَّرَ ثمَّ كَبَّرَ وسجد للسهو)) قال أبو داود: لم يقل أحد: فكَبَّرَ ثمَّ كَبَّرَ إلَّا حَمَّاد بن زيد؛ فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة. وقال القُرطُبيّ أيضاً: قوله - يعني في رواية مالك الماضية (١٢٢٨) -: ((فصَلَّى ركعتين ثُمَّ سَلَّمَ ثمَّ كَبَّرَ ثَّ سَجَدَ» يدلُّ على أنَّ التكبيرةَ للإحرام، لأنَّه أتى بثمَّ التي تقتضي التَّراخي، فلو كان التكبير للسجودِ لكان معه. وتُعُقِّبَ بأنَّ ذلك من تَصَرُّف الرُّواة، فقد تقدَّم (٤٨٢) من طريق ابن عَوْنٍ عن ابن سِيرِينَ بلفظ: ((فصَلَّى ما تَرَك ثمَّ سَلَّمَ ثمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ)) فأتى بواو المصاحَبة التي تقتضي المعيّة، والله أعلم. ١٠٠/٣ قوله: ((حدَّثنا يزيد بن إبراهيم)) هو التُّستَريّ، ومحمد: هو ابنُ سيرين، والإسناد كلّه بصریُّون. : ٤٩٣ باب ٥ / ح ١٢٢٩ أبواب السهو قوله: ((وأكثَر ظنِّي أنَّها العصر)) هو قول ابن سِيرينَ بالإسناد المذكور، وإنَّمَا رَجَحَ ذلك عندَه لأنَّ في حديث عِمْرانَ الجزمَ بأنَها العصرُ كما تقدَّمت الإشارة إليه قبل(١). قوله: ((ثمَّ قامَ إلى خَشَبةٍ في مُقدَّم المسجد)) أي: في جهة القِبْلة. قوله: ((فَوَضَعَ يدَه عليها)) تقدَّم (٤٨٢) في رواية ابن عَوْنٍ عن ابن سِيرِين بلفظ: ((فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد)) أي: موضوعةٍ بالعَرْض، ولمسلم (٩٧/٥٧٣) من طريق ابن عُيَينةَ عن أيوب: ((ثمَّ أتى ◌ِذعاً في قِبْلة المسجد فاستَنَدَ إليها مُغْضَباً))، ولا تَنافيَ بين هذه الروايات، لأنَّها تُحمَلُ على أنَّ الجِذعَ قبلَ اتّخاذ المنبر كان مُمْتَدّاً بالعَرض، وكأنَّه الجِدعُ الذي كان ◌َ لّهِ يَستَنِدُ إليه قبلَ المُّخاذ المنبر، وبذلك جَزَمَ بعضُ الشُّرّاح. قوله: ((فهابا أن يُكلِّماه)) في رواية ابن عَوْن: ((فهاباه)) بزيادة الضَّمير(٢)، والمعنى أنَّهما غَلَبَ عليهما احترامُه وتعظيمُه عن الاعتراض عليه، وأمَّا ذو اليدين فغَلَبَ علیه حِرصُه على تعلُّم العلم. قوله: ((وخرج سَرَعانُ)) بفتح المهمَلات، ومنهم مَن سَكَّنَ الراء، وحكى عياض أنَّ الأَصِيلِيّ ضَبَطَه بضمٌّ ثمَّ إسكان كأنَّه جمعُ سريع: ككَثِيب وكُثْبان، والمراد بهم: أوائل الناس خروجاً من المسجد، وهم أصحابُ الحاجات غالباً. قوله: ((فقالوا: أقصُّرَت الصلاة؟)) كذا هنا بهمزة الاستفهام، وتقدَّم في رواية ابن عَوْنٍ بحذفِها فتُحمَّلُ تلك على هذه، وفيه دليلٌ على وَرَعِهم إذ لم يَجِزِموا بوقوع شيءٍ بغير علمٍ وهابوا النبيَّ ◌َ﴿ أن يسألوه، وإنَّما استفهَموه لأنَّ الزمانَ زمان النَّسخ. وقُصِرَت بضم القاف وكسر المهمَلة على البناء للمفعول، أي: أنَّ اللهَ قَصَرَها، وبفتح ثمَّ ضَمٍّ على البناء للفاعل، أي: صارت قصيرة، قال النَّوَويّ: هذا أكثر وأرجح. (١) أخرجه مسلم (٥٧٤)، وتقدمت الإشارة إليه عند حديث رقم (١٢٢٧). (٢) رواية ابن عون السالفة عند البخاري برقم (٤٨٢) رواية العامَّة فيها «فهابا)) دون ضمیر کروایة یزید بن إبراهيم هنا، لكن وقع هناك عند بعض من روى الصحيح: ((فهاباه)» بالضمير كما أشار إلى ذلك الحافظ اليُونِيني في أصله، وهي هكذا في رواية ابن عون عند النسائي (١٢٢٤). ٤٩٤ باب ٥ / ح ١٢٢٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ورجل يَدْعُوه النبيُّ ◌َليّ)) أي: يُسمّيه ((ذا اليدين)) والتقديرُ: وهناك رجل، وفي رواية ابن عَوْن: ((وفي القومِ رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين)) وهو محمولٌ على الحقيقة، ويحتملُ أن يكون كنايةً عن طولها بالعمل أو بالبَذْل، قاله القُرطُبيّ، وجَزَمَ ابن قُتَيْبةَ بأنَّه كان يعملُ بيدَيه جميعاً، وحكى عن بعض شُرّاح ((التنبيه)) أنَّه قال: كان قصيرَ اليدين؛ فكأنَّه ظَنَّ أنَّه حُميد الطَّويل، فهو الذي فيه الخلاف، وقد تقدَّم (١٢٢٧) أنَّ الصواب التفرقةُ بين ذي اليدين وذي الشِّمالَين. وذهب الأكثر إلى أنَّ اسمَ ذي اليدين الخِرْباق، بكسر المعجمة وسكون الراء بعدَها موحّدة وآخره قاف، اعتماداً على ما وقع في حديث عِمْران بن حُصَين عند مسلم (٥٧٤) ولفظه: ((فقام إليه رجلٌ يقال له: الخِرْباق وكان في يديه طول))، وهذا صنيع مَن يوحِّدُ حديث أبي هريرة بحديث عِمْران، وهو الراجحُ في نظري، وإن كان ابن خُزَيمة ومَن تَّبِعَه جَنَحوا إلى التعدُّد، والحامل لهم على ذلك الاختلافُ الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة: أنَّ السلام وقع من اثنتَينِ وأنَّه وَِّ قام إلى خشبةٍ في المسجد، وفي حديث عِمْرانَ: أنَّه سَلَّمَ من ثلاثِ رَكَعاتٍ وأنَّه دخل منزلَه لمَّا فَرَغَ من الصلاة. فأمَّا الأولُ: فقد حكى العَلائيّ أنَّ بعضَ شيوخِه حمله على أنَّ المراد به: أنَّه سَلَّمَ في ابتداء الركعة الثالثةِ، واستَبعَدَه، ولكنَّ طريقَ الجمع يُكتفَى فيها بأدنى مُناسَبة، وليس بأبعَدَ من دعوى تعدُّد القصَّة، فإنَّه يَلزَمُ منه كَونُ ذي اليدين في كلِّ مَرَّةٍ استفهَمَ النبيَّ وَّ عن ذلك، واستفهَمَ النبيُّ وَّ الصحابة عن صِحَّة قوله. وأمَّا الثاني: فلعلَّ الرّاويَ لمَّا رآه تقدَّم من مكانه إلى جهة الخشبة ظَنَّ أَنَّه دخل منزله، الكَونِ الخشبة كانت في جهةِ منزلِه، فإن كان كذلك وإلَّا فرواية أبي هريرة أرجحُ لموافقة ابن عمر له على سياقه كما أخرجه الشافعيّ (١٩٤/٧)(١) وأبو دواد (١٠١٧) وابن ماجَهْ (١٢١٣) وابن خُزيمة (١٠٣٤)، ولموافقةِ ذي اليدين نفسه له على سياقه كما أخرجه أبو بكر (١) ومن طريقه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٤٦٦٥). ٤٩٥ باب ٥ / ح ١٢٢٩ أبواب السهو الأثرَمُ وعبد الله بن أحمد في زيادات ((المسند)) (١٦٧٠٧ و١٦٧٠٨) وأبو بكر بن أبي خَيْئمةَ وغيرهم، وقد تقدَّم في ((باب تشبيك الأصابع)) (٤٨٢) ما يدلُّ على أنَّ محمد بن سِيرِينَ راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنَّه قال في آخر حديث أبي هريرة: نُبِّئْت أنَّ عِمْران بن حُصَين قال: ثمَّ سَلَّمَ. قوله: ((فقال: لم أنسَ ولم تُقصَر)) كذا في أكثر الطُّرق، وهو صريحٌ في نفي النِّسيان ونفي ١٠١/٣ القصر، وفيه تفسيرٌ للمراد بقوله في رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم (٩٩/٥٧٣): ((كلُّ ذلك لم يكن))، وتأييدٌ لما قاله أصحابُ المعاني: إنَّ لفظ ((كلّ)) إذا تقدَّم وعَقِبَها النَّفيُ كان نفياً لكلٍّ فردٍ لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخّرَت، كأن يقولَ: لم يكن كلُّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: ((قد كان بعضُ ذلكَ)) وأجابه في هذه الرواية بقوله: ((بلى قد نسيتَ)) لأنَّه لمَّا نَفَى الأمرينِ، وكان مُقرَّراً عند الصحابيِّ أنَّ السهوَ غير جائزٍ عليه في الأُمور البلاغيَّة، جَزَمَ بوقوع النِّسيان لا بالقصر، وهو حُجّةٌ لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقُه التَّشريع، وإن كان عياضٌ نقل الإجماع على عَدَمِ جواز دخول السهو في الأقوال التَّليغيّة وخَصَّ الخلافَ بالأفعال، لكنَّهم تعقَّبوه، نعم اتَّفَقَ مَن جَوَّزَ ذلك على أنَّه لا يُقَرُّ عليه، بل يقعُ له بيانُ ذلك إمَّا مُتَّصِلاً بالفعل أو بعدَه، كما وقع في هذا الحديث من قوله: ((لم أنسَ ولم تُقصَر» ثمَّ تَبيَّن أنَّه نسيَ. ومعنى قوله: ((لم أنسَ)) أي: في اعتقادي لا في نفس الأمر، ويُستَفادُ منه أنَّ الاعتقاد عند فَقْد اليقين يقومُ مقامَ اليقين، وفائدة جواز السهو في مثلِ ذلك بيان الحُكْم الشَّرعيِّ إذا وقع مثله لغيره. وأمَّا مَن مَنَعَ السهو مُطلَقاً، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبةٍ : فقيل: قوله: (لم أنسَ)) نفيٌ للنِّسيان، ولا يَلزَمُ منه نفي السهو. وهذا قول مَن فَرَّقَ بينهما، وقد تقدَّم رَدُّه، ويكفي فيه قولُه في هذه الرواية: ((بلى قد نسيتَ)) وأقرَّه على ذلك. وقيل: قوله: ((لم أنسَ)) على ظاهره وحقيقته، وكان يَتعمَّدُ ما يقعُ منه من ذلك ليقعَ ٤٩٦ باب ٥ / ح ١٢٢٩ فتح الباري بشرح البخاري التَّشريعُ منه بالفعل لكَونِهِ أبلَغَ من القول. وتُعُقِّبَ بحديث ابن مسعود الماضي في («باب التوجُّه نحوَ القِبْلة)) (٤٠١) ففيه: ((إنَّما أنا بشرٌ أنسى كما تَنسَونَ)) فأثبَتَ العِلَّة قبلَ الْحُكْم وقَيَّدَ الْحُكْمَ بقوله: ((إنَّما أنا بشر))، ولم يَكتَفِ بإثبات وصف النِّسيان حتَّى دَفَعَ قول مَن عَسَاه يقول: ليس نِسيانُه كنِسياننا فقال: ((كما تَنسَونَ». وبهذا الحديث يُرَدُّ أيضاً قول مَن قال: معنى قوله: ((لم أنسَ)) إنكار اللفظ الذي نَفاه عن نفسه حيثُ قال: ((إنِّي لا أنسَى ولكن أُنَسَّى))، وإنكار اللفظ الذي أنكَرَه على غيره حيثُ قال: ((بئسما لأحدِكم أن يقولَ: نسيتُ آية كذا وكذا))(١)، وقد تعقّبوا هذا أيضاً بأنَّ حديث: ((إنِّي لا أنسَى)) لا أصلَ له، فإنَّه من بلاغات مالك(٢) التي لم تُوجَد موصولة بعد البحث الشَّديد، وأمَّا الآخر فلا يَلزَمُ مِن ذَمِّ إضافة نِسيان الآيةِ ذَمُّ إضافة نِسيان كلِّ شيءٍ، فإنَّ الفرقَ بينهما واضح جدّاً. وقيل: إنَّ قوله: ((لم أنسَ)) راجع إلى السلام، أي: سَلَّمت قَصداً بانياً على ما في اعتقادي أنّ صَلَّيت أربعاً، وهذا جيِّد، وكأنَّ ذا اليدين فَهِمَ العموم فقال: ((بلى قد نسيتَ))، وكأنَّ هذا القولَ أوقع شكّاً احتاج معه إلى استثبات الحاضرين. وبهذا التقرير يندفعُ إيرادُ من اسْتَشكَلَ كونَ ذي اليدين عَدْلاً ولم يقبل خبره بمُفرَدِه، فسبب التوقُّفِ فيه كونُه أخبر عن أمرٍ يَتعلَّقُ بفعل المسؤولِ مغايرٍ لمَا في اعتقاده. وبهذا يُجابُ مَن قال: إنَّ مَن أخبر بأمرٍ حِسِّيٍّ بحضرة جمع لا يخفى عليهم ولا يجوز عليهم التواطُؤْ، ولا حاملَ لهم على السُّكوتِ عنه، ثمَّ لم يُكذِّبوه، أنَّه لا يُقطَعُ بصِدْقه، فإنَّ سببَ عَدَم القَطعِ كَونُ خبره مُعارضاً باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به. (١) سيأتي عند البخاري برقم (٥٠٣٢) و(٥٠٣٩) من حديث ابن مسعود. (٢) المروي في ((موطأ مالك)) ١/ ١٠٠ بلفظ: ((إني لآنْسى أو أُنسَّى لأَسُنَّ)، قال ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٣٧٥/٢٤: هذا الحديث بهذا اللفظ لا أعلمه يروى عن النبي و *** بوجه من الوجوه مسنَداً ولا مقطوعاً من غير هذا الوجه والله أعلم، وهو أحد الأحاديث الأربعة في ((الموطأ)) التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، والله أعلم. ٤٩٧ باب ٥ / ح ١٢٢٩ أبواب السهو وفيه أنَّ الثِّقةَ إذا انفرد بزيادة خيرٍ وكان المجلس مُتَّحِداً، أو مَنَعَت العادة غفلتَهم عن ذلك، أن لا يُقبَلَ خبره. وفيه العملُ بالاستصحاب، لأنَّ ذا اليدين استصحَبَ حُكمَ الإتمام فسأل، مع كون أفعال النبيِّ وَّهَ للَّشريع، والأصلُ عَدَم السهو، والوقتُ قابل للنَّسخ، وبقيَّة الصحابة تَرَدَّدوا بين الاستصحاب وتجويز النَّخِ فسَكَتوا، والسَّرَعانُ هم الذين بَنَوْا على النَّسخ فجَزَموا بأنَّ الصلاة قُصِرَت،/ فيُؤْخَذُ منه جواز الاجتهاد في الأحكام. ١٠٢/٣ وفيه جوازُ البناء على الصلاة لمن أتى بالمُنافي سهواً، قال سَحْنون: إنَّما يبني مَن سَلَّمَ من ركعتين كما في قصَّة ذي اليدين، لأنَّ ذلك وقع على غير القياس، فيُقْتَصَرُ به على مَورِد النصّ وأُلزِمَ بقصر ذلك على إحدى صلاتَي العَشّ فيمنعُه مثلاً في الصبح، والذين قالوا: يجوز البناءُ مُطلَقاً قيَّدوه بما إذا لم يَطُل الفصلُ، واختلفوا في قَدْر الطّول: فحَدَّه الشافعيّ في ((الأُمّ» بالعُرف، وفي ((الْبُوَيطيّ)) بقَدْر ركعة، وعن أبي هريرة: قَدْر الصلاة التي يقعُ السهو فيها. وفيه: أنَّ البانيَ لا يحتاجُ إلى تكبيرة الإحرام، وأنَّ السلام ونيّة الخروج من الصلاة سهواً لا يقطعُ الصلاة، وأنَّ سجود السهو بعد السلام، وقد تقدَّم البحثُ فيه، وأنَّ الكلام سهواً لا يقطعُ الصلاةَ خلافاً للحنفيَّة. وأمَّا قول بعضهم: إنَّ قصَّةَ ذي اليدين كانت قبلَ نسخ الكلام في الصلاة، فضعيف، لأنَّه اعتَمَدَ على قول الزُّهْريّ: إنَّها كانت قبلَ بدر، وقد قَدَّمنا أنَّه إمَّا وَهِمَ في ذلك أو تَعدَّدَت القصَّةُ لذي الشِّمَالَين المقتول بیدر ولذي اليدين الذي تأخّرَت وفاته بعد النبيِّ وَّهِ، فقد ثَبَتَ شهودُ أبي هريرة للقصَّة كما تقدَّم، وشَهِدَها عِمْران بن حُصَين وإسلامه متأخّر أيضاً، وروى معاوية بن حُدَيج - بمُهمَلة وجيم مصغَّراً - قصَّة أُخرى في السهو ووقع فيها الكلامُ ثمَّ البناء، أخرجها أبو داود (١٠٢٣) وابن خُزَيمة (١٠٥٣) وغيرُهما (١)، و کان إسلامه قبلَ موت النبيِّ ټڭ بشهرين. (١) وأخرجه أحمد (٢٧٢٥٤)، والنسائي (٦٦٤). ٤٩٨ باب ٥ / ح ١٢٢٩ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن بَطَّل: يحتملُ أن يكون قول زيد بن أرقم: ((وُّهينا عن الكلام)) (١) أي: إلَّا إذا وقع سهواً أو عمداً لمصلحة الصلاة، فلا يعارضُ قصَّةَ ذي اليدين. انتهى، وسيأتي البحث في الكلام العمد لمصلحة الصلاة بعد هذا. واستُدلَّ به على أنَّ المقدَّرَ في حديث: ((رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأ والنِّسيان))(٢) أي: إثمُهما وحُكمُهما، خلافاً لمن قَصَرَه على الإثم. واستدلَّ به على أنَّ تَعَمُّدَ الكلام لمصلحة الصلاة لا يُبطِلُها، وتُعُقِّبَ بأنَّه ◌َلِّ لم يتكلَّم إلَّا ناسياً، وأمَّا قول ذي اليدين له: ((بلى قد نسيتَ)) وقول الصحابة له: ((صَدَقَ ذو اليدين)) فإنَّهم تكلَّموا مُعتقِدينَ النَّسخ في وقتٍ يُمكِنُ وقوعُه فيه، فتكلَّموا ظّاً أنَّهم ليسوا في صلاة؛ كذا قيل، وهو فاسد، لأنَّهم كَلَّموه بعد قوله ◌َّ: ((لم تُقْصَر)). وأُجيبَ بأنَهم لم يَنطِقوا وإنَّما أومَؤُوا كما عند أبي داود (١٠٠٨) في رواية ساق مسلمٌ إسنادها (٩٨/٥٧٣)، وهذا اعتَمَدَه الخطَّبي وقال: حملُ القول على الإشارةِ مجاز سائغ بخلاف عكسه، فينبغي رَدُّ الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه. وهو قويٌّ، وهو أقوى من قول غيره: يُحِمَلُ على أنَّ بعضهم قال بالنُّطْقِ وبعضهم بالإشارة، لكن يبقى قول ذي اليدين: ((بلى قد نسيتَ))، ويُجابُ عنه وعن البقيَّة على تقدير ترجيح أنَّهم نَطَقوا بأنَّ كلامهم كان جواباً للنبيِّ وَّهِ، وجوابه لا يقطعُ الصلاة كما سيأتي البحث فيه في تفسير سورة الأنفال(٣). وتُعُقِّبَ بأَنَّه لا يَلزَمُ من وجوب الإجابة عَدَمُ قَطْع الصلاة، وأُجيبَ بأنَّهِ ثَبَتَ مُخاطَبتُه في التشهُّدِ وهو حيٌّ بقولهم: ((السلام عليك أيُّها النبيّ)) ولم تَفسُد الصلاة، والظاهر أنَّ ذلك من خصائصه. (١) أخرجه مسلم (٥٣٩) وغيره، وسلف أصل الحديث عند البخاري برقم (١٢٠٠) دون هذا الحرف. (٢) لا يصحُّ الحديث بهذا اللفظ وليس له إسناد يُحْتَجُّ به كما قال الإمام أحمد ومحمد بن نصر وغيرهما فيما نقله الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) ١/ ٢٨٢، وروي بلفظ: ((إن الله وضع عن أمتي ... )) عند ابن ماجه (٢٠٤٥) وابن حبان (٧٢١٩) وغيرهما، ورجاله ثقات. (٣) عند الحديث رقم (٤٦٤٧)، لكنه هناك عاد فأحال إلى شرحه في تفسير سورة الفاتحة برقم (٤٤٧٤). ٤٩٩ باب ٥ / ح ١٢٢٩ أبواب السهو ويحتملُ أن يقال: ما دام النبيُّ ◌َّهِ يُراجِعُ المصلِّي، فجائز له جوابه حتَّى تنقضيَ المراجَعَة، فلا يَخْتَصُّ الجواز بالجواب لقول ذي اليدين: ((بلى قد نسيتَ)) ولم تَبطُل صلاتُه، والله أعلم. وفيه أنَّ سجود السهو لا يتكرَّرُ بتكوُّر السهو - ولو اختَلَفَ الجنس - خلافاً للأوزاعيّ، وروى ابن أبي شَيْبة (٢/ ٣٣) عن النَّخَعيِّ والشَّعبيّ: أنَّ لكلِّ سهوٍ سجدتين، ووَرَدَ على وَفْقِه حديثُ ثوبانَ عند أحمد (٢٢٤١٧) وإسناده منقطع(١)، وُلَ على أنَّ معناه: أنَّ مَن سَهَا بأيِّ سهوٍ كان شُرِعَ له السجود، أي: لا يَخْتَصُّ بما سَجَدَ فيه الشارعُ، وروى البيهقيّ (٣٤٦/٢) من حديث عائشة: ((سجدتا السهو تُجزِئان من كلِّ زيادة ونقصان)). وفيه أنَّ اليقينَ لا يُتَرَكُ إلَّا باليقين، لأنَّ ذا اليدين كان على يقينٍ أنَّ فرضَهم الأربع، فلمَّا اقتَصَرَ فيها على اثنتينِ سألَ عن ذلك، ولم يُنگزْ علیه سؤاله. وفيه أنَّ الظنَّ قد يصيرُ يقيناً بخيرٍ أهل الصِّدق، وهذا مبنيٌّ على أنَّه ◌ََّ رجِعَ لخبر الجماعة، واستدلَّ به على أنَّ الإمام / يَرجِعُ لقول المأمومينَ في أفعال الصلاة ولو لم يَتَذَكَّر، ١٠٣/٣ وبه قال مالك وأحمد وغيرهما، ومنهم مَن قَيَّدَه بما إذا كان الإمام مُجُوِّزاً لوقوع السهو منه، بخلاف ما إذا كان مُتَحَقِّقاً لخلاف ذلك، أخذاً من تَرْك رجوعه ◌َّ لذي اليدين ورجوعه للصحابة، ومن حُجَّتِهم قوله في حديث ابن مسعود الماضي (٤٠١): ((فإذا نسيتُ فَذَكِّروني))، وقال الشافعيّ: معنى قوله: ((فَذَكِّروني)) أي: لأتذكَّر، ولا يَلزَمُ منه أن يَرجِعَ لمجرَّدِ إخبارهم، واحتمال كَونِه تَذَكَّر عند إخبارهم لا يُدفَعُ، وقد تقدَّم (٧١٤) في ((باب هل يأخُذُ الإمام بقول الناس)) من أبواب الإمامة ما يُقوِّي ذلك. وفَرَّقَ بعض المالكيَّة والشافعيَّة أيضاً بين ما إذا كان المخبِرونَ مَّن يَحَصُلُ العلمُ بخبرهم، فيُقبَلُ ويُقدَّمُ على ظَنّ الإمام أنَّه قد كَمَّلَ الصلاةَ، بخلاف غيرهم. (١) إسناده عند أحمد متصل لكنه ضعيف لنكارة حديث أحدٍ رواته، وهو زهير بن سالم العَنْسي، وأما الانقطاع فوقع في الإسناد ذاته عند أبي داود (١٠٣٨)، وابن ماجه (١٢١٩). ٥٠٠ باب ٥ / ح ١٢٣٠ فتح الباري بشرح البخاري واستَنْبَطَ منه بعضُ العلماء القائلينَ بالرُّجوع اشتراطَ العدد في مثلِ هذا وألحَقُوه بالشَّهادة، وفَرَّعوا عليه: أنَّ الحاكمَ إِذا نَسِيَ حُكمَه وشَهِدَ به شاهدان أنَّه يُعتمَدُ عليهما. واستدلَّ به الحنفيَّة على أنَّ الهلالَ لا يُقبَلُ بشهادة الآحاد إذا كانت السماء مُصْحیة، بل لا بدَّ فيه من عدد الاستفاضة، وتُعُقِّبَ بأنَّ سبب الاستثبات كَونُه أخبر عن فعل النبيِّ ﴿ ﴿، بخلاف رؤية الهلال، فإنَّ الأبصار ليست متساوية في رُؤْيتِه بل مُتَفاوتة قطعاً. وعلى أنَّ مَن سَلَّمَ مُعتقِداً أنَّه أتمَّ ثمَّ طَرأَ عليه شكٌّ: هل أتمَّ أو نَقَصَ؟ أنَّه يكتفي باعتقاده الأول ولا يجب عليه الأخذ باليقين، ووجهُه أنَّ ذا اليدين لمَّا أخبر أثار خبرُه شكّاً، ومع ذلك لم يَرجِع النبيُّ ◌َلِّ حَتَّى اسْتَبَت. واستدلَّ به البخاري على جواز تشبيك الأصابعِ في المسجد، وقد تقدَّم في ((أبواب المساجد)) (٤٨٢)، وعلى أنَّ الإمام يَرجِعُ لقول المأمومينَ إذا شكَّ، وقد تقدَّم في الإمامة (٧١٤)، وعلى جواز التعريف باللَّقَبِ وسيأتي في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى (٦٠٥١)، وعلى الترجيح بكَثْرة الزُّواة، وتعقَّبه ابنُ دَقِيق العيد بأنَّ المقصودَ كان تقويةَ الأمر المسؤول عنه لا ترجيحَ خبرٍ علی خیر. ١٢٣٠ - حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ليثٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن الأعرجِ، عن عبدِ الله ابنِ بُحَينةَ الأسْدِيِّ حليفٍ بني عبدِ المطَّلِب: أنَّ رسولَ الله وَّهِ قامَ في صلاةِ الظَّهرِ وعليه جلوسٌٌ، فلمَّا أنَّ صلاتَه سَجَدَ سَجْدتَينٍ، فكَبَّرَ في كلِّ سَجْدةٍ وهو جالسٌ قبلَ أن يُسلِّمَ، وسَجَدَهما الناسُ معه مكانَ ما نَسِيَ مِن الجلوسِ. تابَعَه ابنُ ◌ُریچٍ، عن ابنِ شِهاپٍ في التكبير. قوله: ((الأسْديّ)) بسكون المهمَلة، وقد تقدَّم الكلام على حديثه في أول أبواب السهو (١٢٢٤)، وأنَّه يُشرَع التكبير لسجود السهو كتكبير الصلاة، وهو مطابق لهذه الترجمة، وقد تقدَّم (٨٢٩) في ((باب مَن لم يَرَ التشهُّد الأول واجباً)) أنَّ قول مَن قال فيه: ((حَليف بني عبد المطَّلِب)) وهمٌّ، وأنَّ الصواب: حَليف بني المطَّلِب بإسقاط ((عبد)).