Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين باب ١ / ح ١١٨٨-١١٨٩
لاختصاصها بما اختَصَّت به، والرِّحال بالمهمَلةِ: جمع رَحْلٍ، وهو للبعيرِ كالسَّرج للفرس،
وكَنَّى بشَدّ الرِّحال عن السفر لأنَّه لازمُه، وخَرَجَ ذِكرُها تَخَرَجَ الغالبِ في ركوب المسافر،
وإلَّا فلا فرقَ بين ركوب الرّواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور،
ويدلُّ عليه قولُه في بعض طرقِهِ: ((إنَّما يُسافَر)) أخرجه مسلم (٥١٣/١٣٩٧) من طريق
عِمْران بن أبي أنس عن سَلْمان الأغرِّ عن أبي هريرة.
قوله: ((إلَّا)) الاستثناء مُفرَّغ والتقدير: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى موضع، ولازمُه منعُ السفر
إلى كلِّ موضعٍ غيرِها، لأنَّ المستثنى منه في المفرَّغ مُقدَّر بأعمِّ العامّ، لكن يُمكِنُ أن يكون
المراد بالعموم هنا الموضعَ المخصوص وهو المسجدُ کما سيأتي.
قوله: ((المسجدِ الحرام)) أي: المحَرَّم، وهو كقولهم: الكتاب بمعنى المكتوب، والمسجد
بالخفض على البدليَّة، ويجوز الرَّفعُ على الاستئناف، والمراد به جميع الحَرَم، وقيل: يَخْتَصُ
بالموضع الذي يُصلَّى فيه دونَ البيوتِ وغيرها من أجزاء الحَرَم، قال الطبريُّ: ويتأيَّدُ بقوله:
((مسجدي هذا)) لأنَّ الإشارةَ فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك.
وقيل: المراد به الكعبة، حكاه المحِبُّ الطبريّ، وذكر أنَّه يتأيَّدُ بما رواه النَّسائيّ
بلفظ: ((إلَّا الكعبة))، وفيه نظرٌ، لأنَّ الذي عند النَّسائيّ: ((إلَّا مسجد الكعبة))(١)، حتَّى
ولو سَقَطَت لفظة (مسجد)) لكانت مرادةً، ويؤيِّدُ الأول ما رواه الطَّيالسيّ (١٤٦٤) من
طريق عطاءٍ أنَّه قيل له: هذا الفضلُ في المسجد وحدَه أو في الحَرَمِ؟ قال: بل في الحَرَم
لأنَّه كلَّه مسجد.
قوله: ((ومسجد الرسول)) أي: محمد بَّ، وفي العُدولِ عن ((مسجدي)) إشارة إلى
التعظيم، ويحتملُ أن يكون ذلك من تَصَرُّف الزُّواة، ويؤِّدُه قولُه في حديث أبي سعيد الآتي
قريباً (١١٩٧): «ومسجدي)).
(١) وهمَ الحافظ ابن حجر رحمه الله في نفي كون الرواية الأولى عند النسائي، فهي عنده من حديث أبي هريرة
في كتاب مناسك الحج برقم (٢٨٩٩) كما ذكر المحبُّ الطبري، وأما الرواية الثانية التي ذكرها الحافظ
فهي عنده في كتاب المساجد برقم (٦٩١) من حديث ميمونة زوج النبي ◌َّ.

٤٢٢
باب ١ / ح ١١٨٨ - ١١٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ومسجد الأقصَى)) أي: بيت المقدس، وهو من إضافة الموصوفِ إلى الصِّفة،
وقد جَوَّزَه الكوفيُّونَ واستشهدوا له بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الْغَرْبِ﴾ [القصص: ٤٤]،
والبصرِيُّونَ يُؤَوِّلونَه بإضمار المكان، أي: الذي بجانب المكان الغَربِّ، ومسجد المكان
الأقصَى، ونحوِ ذلك، وسُمّيَ الأقصَى لبُعدِه عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل: في
الزمان، وفيه نظرٌ، لأنَّه ثَبَتَ في ((الصحيح)) أنَّ بينهما أربعينَ سنة، وسيأتي في ترجمة إبراهيم
الخليلِ من أحاديث الأنبياء (٣٣٦٦) وبيانُ ما فيه من الإشكال والجواب عنه.
وقال الزَّتَشَريّ: سُمَّ الأقصَى لأنَّه لم يكن حينئذٍ وراءَه مسجد، وقيل: لبُعدِه عن
الأقذار والخَبَث، وقيل: هو أقصى بالنِّسبة إلى مسجد المدينة، لأنَّه بعيدٌ من مكَّةَ، وبيتُ
المقدِس أبعدُ منه.
ولبيت المقدس عِدّة أسماء تَقرُبُ من العشرين، منها: إيلياءُ، بالمدِّ والقصر وبحذف
الياء الأولى، وعن ابن عبّاس إدخال الألف واللَّام على هذا الثالث، وبيت المقْدِس
بسكون القاف، وبفتحِها مع التشديد، والقُدْس بغير ميم مع ضم القاف وسكون الدال
وبضمها أيضاً، وشَلَّم بالمعجَمة وتشديد اللَّام، وبالمهمَلة، وشَلَام بمعجمةٍ، وسَلِم بفتح
المهملة وكسر اللَّام الخفيفة، وأُورِي سَلِم بسكون الواو وكسر الراء بعدَها تحتانيَّة ساكنة،
قال الأعشى:
وقد طُفْتُ للمالِ آفاقَهُ دِمَشقَ فحِمِصَ فَأُورِي سَلِمْ(١)
٦٥/٣
ومن أسمائه: كورة، وبيت إیل، وصهيون، ومصروث آخره مُعلَّثة، وکورشیلا، وبابوش
بموحَّدتَينِ ومعجمة، وقد تَتَبَّعَ أكثر هذه الأسماء الحسينُ بن خالويه اللُّغَويّ في كتاب
(ليس)). وسيأتي ما يَتعلَّقُ بمكَّة والمدينة في كتاب الحج.
وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومَزِيَّتها على غيرها لكونها مساجدَ الأنبياء،
(١) ويروى هذا البيت: ((عُمانَ فحمصَ فأوري شَلِمْ)) بالشين المعجمة، انظر ((معجم البلدان)) لياقوت
٢٧٩/١.

٤٢٣
أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين باب ١ / ح ١١٨٨-١١٨٩
ولأنَّ الأول قِبْلة الناس وإليه حَجُّهم، والثاني كان قِبلةَ الأُمَم السالفة، والثالث أُسِّسَ
على التقوى.
واختُلِفَ في شدِّ الرِّحال إلى غيرها كالذَّهاب إلى زيارة الصالحين أحياءً وأمواتاً، وإلى
المواضع الفاضلةِ لقصْد التبرُّك بها والصلاة فيها.
فقال الشيخُ أبو محمد الجُوَينيّ: يَجِرُمُ شدُّ الرِّحَال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث،
وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة، ويدلَّ عليه ما رواه أصحابُ
السُّنَن(١) من إنكار بَصْرة الغِفاريّ على أبي هريرة خروجه إلى الطُّور وقال له: «لو أدرَكَتُك
قبلَ أن تَخْرُجَ ما خرجتَ))، واستَدلَّ بهذا الحديث، فدَلَّ على أنَّه يرى حملَ الحديث على
عمومِه، ووافقه أبو هريرة.
والصحيحُ عند إمام الحرمين وغيره من الشافعيّة: أنَّه لا يَجِرُمُ، وأجابوا عن الحديث
بأجوبةٍ:
منها: أنَّ المراد أنَّ الفضيلةَ التامَّةَ إنَّما هي في شَدِّ الرِّحال إلى هذه المساجد بخلاف
غيرها فإنَّه جائز، وقد وقع في روايةٍ لأحمدَ سيأتي ذِكْرها بلفظ: ((لا ينبغي للمَطيِّ أن
تُعمَلَ))، وهو لفظٌ ظاهرٌ في غیر التحریم.
ومنها: أنَّ النَّهيَ مخصوص بمَن نَذَرَ على نفسه الصلاةَ في مسجدٍ من سائر المساجد غير
الثلاثة، فإنَّه لا يجبُ الوفاء به، قاله ابن بَطَّل، وقال الخطَّبيّ: اللفظُ لفظ الخبر ومعناه
الإيجاب فيما يَنذِرُه الإنسانُ من الصلاة في البِقاع التي يُتَبِرَّكُ بها، أي: لا يَلزَمُ الوفاء بشيءٍ
من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة.
ومنها: أنَّ المراد حكمُ المساجد فقط، وأنَّه لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ من المساجد
للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأمَّا قَصدُ غير المساجد لزيارةِ صالح أو قريبٍ أو صاحبٍ،
(١) هو عند النسائي فقط من أصحاب السنن في ((المجتبى)) (١٤٣٠)، وقوله فيه: ((بصرة الغفاري)) وهمٍّ من
بعض رواته، والصواب أن الذي أنكر هو أبو بَصْرة الغفاري كما هو مبيَّن في تعليقنا على ((مسند أحمد)»
برقم (٢٣٨٤٨).

٤٢٤
باب ١ / ح ١١٨٨ - ١١٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
أو طلب علمٍ أو تجارةٍ أو نُزهةٍ، فلا يدخلُ في النَّهي، ويؤيِّدُه ما روى أحمد (١١٦٠٩)
من طريق شهر بن حَوشَب قال: سمعتُ أبا سعيد وذُكِرَت عندَه الصلاةُ في الطّورِ
فقال: قال رسول الله وَله: ((لا ينبغي للمَطِيِّ(١) أن تُشدَّ رِ حالُه إلى مسجدٍ تُبتَغَى فيه
الصلاة غيرَ المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)) وشَهرٌ حسنُ الحديث وإن كان
فيه بعض الضَّعف.
ومنها: أنَّ المراد قَصْدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطَّابي عن بعض السلفِ أنَّه قال: لا
يُعتكَفُ في غيرها، وهو أخصُّ من الذي قبله، ولم أرَ علیه دليلاً.
واستُدلَّ به على أنَّ مَن نَذَرَ إتيانَ أحدٍ هذه المساجد لَزِمَه ذلك، وبه قال مالك وأحمد
والشافعيّ في البُوَيطيّ(٢)، واختاره أبو إسحاق المروزيّ، وقال أبو حنيفة: لا يجبُ مُطلَقاً،
وقال الشافعيُّ في ((الأُمّ): يجبُ في المسجد الحرام لتعلُّق النُّسُك به بخلاف المسجدَين
الأخيرَين، وهذا هو المنصورُ لأصحاب الشافعيّ، وقال ابن المنذر: يجبُ إلى الحرمين، وأمَّا
الأقصَى فلا، واستأنسَ بحديث جابر (٣): أنَّ رجلاً قال للنبيِّ وَّهِ: إِنِّيْ نَذَرتُ إِنْ فتح الله
عليك مكَّة أن أُصلِّيَّ في بيت المقدس، قال: ((صَلِّ هاهنا))، وقال ابن التِّين: الحُجَّةُ على
الشافعيِّ أنَّ إعمال المَطِيِّ إلى مسجد المدينة والمسجد الأقصَى والصلاة فيهما قُرْبة، فوَجَبَ
أن يَلْزَمَ بالنَّذْرِ كالمسجد الحرام. انتهى، وفيما يَلزَمُ مَن نَذَرَ إتيانَ هذه المساجد تفصيلٌ
وخلاف يَطُولُ ذِكرُه محلّه كتب الفُروع.
٦٦/٣
واستدلَّ به على أنَّ مَن نَذَرَ إتيان غير هذه المساجد/ الثلاثةِ لصلاةٍ أو غيرها، لم يَلْزَمه
غيرُها، لأنَّها لا فضلَ لبعضها على بعضٍ، فتكفي صلاتُه في أيِّ مسجدٍ كان، قال النَّوَويّ:
لا اختلافَ في ذلك إلَّا ما رُوِيَ عن الليثِ أنَّه قال: يجبُ الوفاءُ به، وعن الحنابلة روايةٌ:
يَلْزَمُه كفَّارة يمين ولا ينعقدُ نذرُه، وعن المالكيَّة رواية: إن تَعَلَّقَت به عبادةٌ تَخْتَصُّ به
(١) تحرف في (س) إلى: للمصلي.
(٢) في (س): والشافعي والبويطي، وهو خطأ.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٤٩١٩)، وأبو داود (٣٣٠٥)، وإسناده قوي.

٤٢٥
أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين باب ١ / ح ١١٨٨-١١٨٩
كرِباطٍ لَزِمَ، وإلَّا فلا، وذُكِرَ عن محمد بن مَسلَمَةَ المالكيِّ: أنَّه يَلزَمُ في مسجد قُباء، لأنَّ
النبيَّ ◌َ﴿ كان يأتيه كلَّ سبت كما سيأتي (١١٩١).
قال الكِرْمانيّ: وقع في هذه المسألةِ في عَصرِنا في البلاد الشاميّةِ مُناظَرات كثيرة،
وصُنِّفَ فيها رسائلُ من الطَّرَفين.
قلت: يشير إلى ما رَدَّ به الشيخ تَقيُّ الدِّين السُّبْكيّ وغيره على الشيخ تَقيّ الدِّين ابن
تَيَميَّةَ، وما انتَصَرَ به الحافظُ شمس الدِّين بن عبد الهادي وغيره لابن تَيميَّة، وهي مشهورةٌ
في بلادنا، والحاصلُ أَّهم ألزَمُوا ابن تَيميَّةَ بتحريم شدِّ الرَّحلِ إلى زيارة قبر سيِّدنا
رسول الله وَّةَ(١)، وأنكَرْنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطَّرفين طول، وهي من أبشع
المسائل المنقولةِ عن ابن تَيميَّة، ومن جملةِ ما استدلَّ به على دفع ما اذَّعاه غيرُه من الإجماع
على مشروعيَّة زيارة قبر النبيِّ وَِّ ما نُقِلَ عن مالكِ أنَّه كره أن يقولَ: زرتُ قبَرَ النبيِّيََّ،
وقد أجاب عنه المحقّقونَ من أصحابه بأنَّه كره اللفظَ أدباً لا أصلَ الزيارة، فإنّها من أفضل
الأعمال وأجلِّ القُرُبات الموصِلَة إلى ذي الجلال، وأنَّ مشروعيَّتَها محلّ إجماع بلا نزاع،
والله الهادي إلى الصواب.
قال بعض المحقّقين: قولُه: ((إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ)) المستثنى منه محذوف، فإمَّا أن يُقدِّرَ
عامّاً فيصير: لا تُشَدّ الرِّحال إلى مكانٍ في أيِّ أمرٍ كان إلَّا إلى الثلاثة، أو أخصَ من ذلك، لا
سبيلَ إلى الأول لإفضائه إلى سَدِّ باب السفر للتِّجارةِ وصِلَة الرَّحِم وطلب العلم وغيرها،
فَتَعيَّنَ الثاني، والأَولى أن يُقدَّرَ ما هو أكثرُ مُناسَبة وهو: لا تُشدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ للصلاة
(١) هذا اللازم لا بأس به، وقد التزمه الشيخ، وليس في ذلك بشاعةٌ بحمد الله عند مَن عرف السُّنة مواردها
ومصادرها، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي ◌َّ كلها ضعيفة بل موضوعة كما حقَّق ذلك أبو
العباس في ((منسكه)) وغيره، ولو صحَّت لم يكن فيها حجّة على جواز شدِّ الرحال إلى زيارة قبره عليه
الصلاة والسلام من دون قصد المسجد بل تكون عامَّة مطلقة، وأحاديث النهي عن شدِّ الرحال إلى غير
المساجد الثلاثة يخصُّها ويقيِّدها، والشيخ لم ينكر زيارة قبر النبي وَلاه من دون شدِّ الرحال، وإنما أنكر شدّ
الرَّحْل من أجلها مجرَّداً عن قصد المسجد، فتنبّه وافهم، والله أعلم. (س).

٤٢٦
باب ١ / ح ١١٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
فيه إلَّا إلى الثلاثة، فيَبطُلُ بذلك قول مَن مَنَعَ شَدَّ الرِّحال إلى زيارة القبر الشَّريفِ وغيره
من قبور الصالحين، والله أعلم.
وقال السُّبْكيّ الكبير: ليس في الأرض بُقعةٌ لها فضل لذاتها حتَّى تُشدَّ الرِّحال إليها
غير البلاد الثلاثة، ومرادي بالفضلِ ما شَهِدَ الشَّرع باعتباره ورَتَّبَ عليه حُكماً شرعيّاً، وأمَّا
غيرُها من البلاد فلا تُشَدُّ إليها لذاتها بل لزيارةٍ أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من
المندوبات أو المباحات، قال: وقد التَبَسَ ذلك على بعضهم فَزَعَمَ أنَّ شَدَّ الرِّحال إلى
الزيارةِ لمن في غير الثلاثة داخل في المنع، وهو خطأً، لأنَّ الاستثناءَ إنَّما يكون من جنس
المستثنى منه، فمعنى الحديث: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ من المساجد أو إلى مكانٍ من
الأمكِنِةِ لأجلِ ذلك المكان إلَّا إلى الثلاثة المذكورة، وشَدُّ الرِّحال إلى زيارةٍ أو طلبٍ علمٍ
ليس إلى المكان، بل إلى مَن في ذلك المكان، والله أعلم.
١١٩٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ رَبَاحِ وعُبيدِ الله بنِ
أبي عبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي عبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي هريرةَ﴾، أنَّ رسول الله وَ لَ قال: ((صلاةٌ
في مَسجِدي هذا خيرٌ من ألْفِ صلاةٍ فيما سِواهُ، إلا المسجد الحرامَ)).
قوله: ((زيد بن رَبَاح)) بالموخَّدة، وعُبيد الله بالتصغير، والأغَرّ: هو سلمانُ شيخ الزّهْريّ
لمتقدِّم.
قوله: ((صلاةٌ في مسجدي هذا)) قال النَّوَويّ: ينبغي أن يَحِرِصَ المصلِّي على الصلاة في
الموضع الذي كان في زمانه بَّ﴿ دونَ ما زِيدَ فيه بعدَه. لأنَّ التَّضعيف إنَّمَا وَرَدَ في مسجده،
وقد أكَّدَه بقوله: ((هذا))، بخلاف مسجد مكَّةً فإنَّه يَشْمَلُ جميعَ مَّة، بل صَحَّحَ النَّوَويّ أنَّه
يَعُمُّ جميعَ الحَرَمِ.
٦٧/٣
قوله: ((إلَّا المسجدَ الحرام)) قال ابن بَطَّال: يجوز في هذا الاستثناء أن يكون المراد: فإنَّه
مُساوٍ لمسجد المدينة، أو فاضلاً أو مفضولاً، والأولُ أرجح لأنَّه لو كان فاضلاً أو مفضولاً
لم يُعلَم مِقدار ذلك إلَّا بدليلٍ، بخلاف المساواة. انتهى، وكأنَّه لم يَقِفْ على دليل الثاني، وقد

٤٢٧
باب ١ / ح ١١٩٠
أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين
أخرجه الإمامُ أحمد (١٦١١٧) وصحَّحه ابن حِبَّان (١٦٢٠) من طريق عطاءٍ عن عبد الله
ابن الزُّبَير قال: قال رسول الله وَّهِ: ((صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألفِ صلاةٍ فيما
سواه من المساجد إلَّا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مئةٍ صلاةٍ في
هذا)، وفي رواية ابن حِبَّان: ((وصلاةٌ في ذلك أفضل من مئة صلاةٍ في مسجد المدينة))، قال
ابن عبد البَرّ(١): اختُلِفَ على ابن الزُّبَير في رفعِه ووقِهِ، ومَن رَفَعَه أحفَظُ وأثبَتُ، ومثلُه لا
يقال بالرّأي.
وفي ابن ماجَهْ (١٤٠٦) من حديث جابر مرفوعاً: ((صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألفٍ
صلاةٍ فيما سواه إلَّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألفٍ صلاةٍ فيما
سواه))، وفي بعض النَّسَخ: ((من مئةٍ صلاةٍ فيما سواه))، فعلى الأول معناه: فيما سواه إلَّا
مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه: من مئه صلاة في مسجد المدينة، ورجال إسناده ثقات،
لكنّه من رواية عطاء في ذلك عنه.
قال ابن عبد البَرّ: جائٌ أن يكون عند عطاءٍ في ذلك عنهما، وعلى ذلك يَحمِلُه أهلُ
العلم بالحديث، ويؤيِّدُه أنَّ عطاءً إمامٌ واسعُ الرواية، معروفٌ بالرواية عن جابر وابن
الزُّبیر.
وروى البَزّار (٤١٤٢) والطَّبَرانيّ من حديث أبي الدَّرداء رَفَعَه: ((الصلاة في المسجد
الحرام بمئة ألفِ صلاةٍ، والصلاة في مسجدي بألفٍ صلاة، والصلاة في بيت المقدس
بخمس مئة صلاة)) قال البَزّار: إسناده حسن(٢). فوَضَحَ بذلك أنَّ المراد بالاستثناء تفضیل
المسجد الحرام، وهو يَرُدُّ على تأويلٍ عبد الله بن نافع وغيره.
وروى ابن عبد البَرِّ (١٨/٦) من طريق يحيى بن يحيى الليثيّ: أنَّه سألَ عبد الله بن
(١) في «التمهيد)) ٦/ ٢٣.
(٢) في تحسينه نظرٌ، فإن في سنده سعيد بن بشير الشامي، وقد اختلفت الأقاويل فيه، فقوَّى أمرَه جماعة،
وضعَّفه آخرون، وممن ضعَّفه من المتأخرين الحافظُ ابن حجر نفسه في ((التقريب))، والرأي فيه عندنا أنه
يُعتبَرَ به في المتابعات والشواهد، ويُتوقّف فيما انفرد به، وهذا الحديث من أفراده، والله تعالى أعلم.

٤٢٨
باب ١ / ح ١١٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
نافع عن تأويلِ هذا الحديث فقال: معناه فإنَّ الصلاةَ في مسجدي أفضل من الصلاة فيه
بدون ألفٍ صلاة. قال ابن عبد البَرّ: لفظ ((دون)) يَشْمَلُ الواحد، فيَلزَمُ أن تكون الصلاة
في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجدٍ مكَّةً بتسع مئةٍ وتسع وتسعينَ صلاة،
وحَسبُك بقولٍ يَؤُول إلى هذا ضعفاً.
قال: وزَعَمَ بعض أصحابنا أنَّ الصلاةَ في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجدٍ
مكَّةَ بمئةِ صلاة، واحتجَّ برواية سليمان بن عَتِيق عن ابن الزُّبَير عن عمر قال: صلاة في
المسجد الحرام خير من مئةٍ صلاةٍ فيما سواه. وتُعُقِّبَ بأنَّ المحفوظ بهذا الإسناد بلفظ:
((صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألفِ صلاةٍ فيما سواه إلا مسجد الرسولِ فإنّما فضله
عليه بمئةٍ صلاة))، وروى عبد الرزاق (٩١٣٣-٩١٣٤) عن ابن جُرَيج قال: أخبرني
سليمان بن عَتِيق وعطاء، عن ابن الزُّبَير أَّهما سَمِعاه يقول: صلاة في المسجد الحرام خير من
مئةٍ صلاة فيه؛ ويشير إلى مسجد المدينة. وللنَّسائيِّ(١) من رواية موسى الجُهَنيّ عن نافعٍ عن
ابن عمر ما يؤيِّدُ هذا ولفظه كَلفظ أبي هريرة وفي آخره: ((إلَّا المسجد الحرام فإنَّه أفضلُ منه
بمئةِ صلاة».
واستُدلَّ بهذا الحديث على تفضيل مكَّةَ على المدينة، لأنَّ الأمكِنَةَ تَشْرُفُ بفضل العبادةِ
فيها على غيرها ممَّا تكون العبادة فيه مرجوحةً، وهو قولُ الجمهور، وحُكيَ عن مالك، وبه
قال ابن وَهْب ومُطرِّف وابن حَبيب من أصحابه، لكنَّ المشهورَ عن مالك وأكثر أصحابه
تفضيل المدينة، واستَدلّوا بقوله وَ الَ: ((ما بين قبري ومِنبَرَي رَوْضة من رياض الجنَّة))(٢) مع
قوله: ((موضع سَوْط في الجنَّةِ خير من الدنيا وما فيها))(٣).
(١) برقم (٢٨٩٧)، ولفظه: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد
الحرام)»، وهكذا هو عند مسلم (١٣٩٥)، وابن ماجه (١٤٠٥)، لكن من طريق عبيد الله بن عمر عن
نافع.
(٢) سيأتي عند البخاري برقم (١١٩٥) بلفظ: ((ما بين بيتي ومنبري))، وانظر ((مسند أحمد)) (١١٦١٠).
(٣) سيأتي برقم (٢٨٢٩) و(٣٢٥٠) و(٦٤١٥).

٤٢٩
باب ١ / ح ١١٩٠
أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين
قال ابن عبد البَرَ (٢٨٧/٢-٢٨٨): هذا استدلالٌ بالخبر في غير ما وَرَدَ فيه ولا يُقاوِمُ
النصَّ الوارد في فضلِ مَّة، ثمَّ ساق حديثَ أبي سَلَمةَ عن عبد الله بن عَديّ بن الحمراء
قال: رأيتُ رسول الله وَيهِ واقفاً على الحَزْوَرةِ فقال: والله إنَّكِ لخيرُ أرض الله وأحبُّ
أرض الله إلى الله، ولولا أنّ أُخرِجتُ منك ما خرجت)) وهو حديثٌ صحيحٌ أخرجه
أصحابُ السُّنَن، وصحَّحه/ التِّرمِذيُّ وابن خُزيمة وابن حِبَّان وغيرهم(١)، قال ابن عبد ٦٨/٣
البَرّ: هذا نصٌّ في محلِّ الخلاف فلا ينبغي العُدولُ عنه، والله أعلم.
وقد رَجَعَ عن هذا القول كثير من المصنِّفينَ من المالكيَّة، لكن استثنى عياض البُقعةَ التي
دُفِنَ فيها النبيُّ ◌َّهِ، فحكى الاتّفاق على أنّها أفضلُ البِقاع، وتُعُقِّبَ بأنَّ هذا لا يَتَعلَّقُ
بالبحث المذكور، لأنَّ محلّ ما يَتَرتَّبُ عليه الفضلُ للعابد. وأجاب القَرافيّ بأنَّ سببَ
التفضيل لا يَنحَصِرُ في كَثْرة الثَّواب على العمل، بل قد يكون لغيرها کتفضیل چِلْد
المصحف على سائر الجلود، وقال النَّوَويّ في ((شرح المهذَّب)): لم أرَ لأصحابنا نقلاً في ذلك.
وقال ابن عبد البَرّ: إنَّما يُحْتَجُّ بقبر رسول الله وَ ◌ّهِ على مَن أنكَرَ فضلها، أمَّا مَن أقرَّ به
وأنَّه ليس أفضل بعد مكَّةَ منها، فقد أنزلها منزلتَها.
وقال غيره: سببُ تفضيل البقعة التي ضَمَّت أعضاءَه الشَّريفة أنَّه رُوِيَ أنَّ المرءَ يُدفَنُ في
البقعة التي أُخِذَ منها ترابُه عندَما يُخْلَقُّ، رواه ابن عبد البَرِّ في أواخرِ «تمهيده)) (٤٠٠/٢٤)
من طريق عطاء الخُّراسانيِّ موقوفاً، وعلى هذا فقد روى الزُّبَير بن بَكّارٍ: أنَّ جبريلَ أخذَ
التُرابَ الذي خُلِقَ منه النبيُّ ◌َلِّ من تراب الكعبة، فعلى هذا فالبقعة التي ضَمَّت أعضاءَه
من تراب الكعبة، فيَرَجِعُ الفضلُ المذكورُ إلى مكَّةَ إِن صَحَّ ذلك، والله أعلم.
واستدلَّ به على تضعيف الصلاة مُطلَقاً في المسجدَين، وقد تقدَّم النَّقْلُ عن الطَّحَاويّ
(١) أخرجه ابن ماجه (٣١٠٨)، والترمذي (٣٩٢٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٢٣٨) و(٤٢٣٩)
و(٤٢٤٠)، وابن حبان (٣٧٠٨)، وعبد بن حميد (٤٩١)، وأحمد في «مسنده)) (١٨٧١٥)، والدارمي
(٢٥١٠)، والحاكم ٧/٣ و٢٨٠ و٤٣١، وأما ابن خزيمة فأخرجه في الحج من ((صحيحه)) كما في («إتحاف
المهرة)» للحافظ ابن حجر ٨/ ٢٥٥.

٤٣٠
باب ٢ / ح ١١٩١ - ١١٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
وغيره أنَّ ذلك مُخْتَصُّ بالفرائض، لقوله وَّ: ((أفضل صلاة المرءِ في بيته إلَّ المكتوبةَ))(١)،
ويُمكِنُ أن يقال: لا مانعَ من إبقاء الحديث على عمومِه، فتكون صلاة النافلةِ في بيتٍ
بالمدينة أو مكَّةَ تُضاعَفُ على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدَينِ وإن كانت في
البيوتِ أفضل مُطلَقاً. ثمَّ إنَّ التَّضعيف المذكورَ يَرجِعُ إلى الثَّواب ولا يَتَعدَّى إلى الإجزاء
باتِّفاق العلماء كما نقله النَّوَويّ وغيره، فلو كان عليه صلاتان فصَلَّى في أحد المسجدَينِ
صلاةً لم تُجِزِه إلَّا عن واحدة، والله أعلم.
وقد أوهَمَ كلامُ المقرئ أبي بكر النَّقّاش في ((تفسيره)) خلاف ذلك، فإنَّه قال فيه:
حَسَبتُ الصلاة بالمسجد الحرام فبَلَغَت صلاةٌ واحدة بالمسجد الحرام عمرَ خمس وخمسينَ
سنة وستَّةَ أشهر وعشرين ليلةً. انتهى، وهذا مع قَطْع النَّظَرِ عن التَّضعيفِ بالجماعة فإِنَّهَا
تزيدُ سبعاً وعشرين درجةً كما تقدَّم في أبواب الجماعة (٦٤٥)، لكن هل يجتمعُ التَّضعيفان
أو لا؟ محلُّ بحث.
٢ - باب مسجد قُباءٍ
١١٩١- حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، أخبرنا أيوبُ، عن نافعٍ: أنَّ ابنَ
عمرَ رضي الله عنهما كانَ لا يُصلِّ الضُّحَى إلا في يومين: يومَ يَقْدَمُ مَّة، فإنَّه كانَ يَقْدَمُها
ضُحَّى فَيَطُوفُ بالبيتِ، ثمَّ يُصلِّ رَكْعتَنِ خَلْفَ المَقامِ، ويومَ يأتي مسجدَ قُباءٍ فإنَّه كانَ يأتيِهِ
كلَّ سَبْتٍ، فإذا دخل المسجدَ كَرِهَ أن يَخْرُجَ منه حتَّى يُصلِيَّ فيه، قال: وكانَ يُحدِّثُ أنَّ
رسولَ الله ◌َّهِ كَانَ يَزُورُه راكباً وماشياً.
[أطرافه في: ١١٩٣، ١١٩٤، ٧٣٢٦]
١١٩٢- قال: وكانَ يقول: إنَّما أصنَعُ كما رأيتُ أصحابي يَصْنَعونَ، ولا أمنَعُ أحداً أن
يُصلِّيَّ في أيِّ ساعةٍ شاءَ من ليلٍ أو نهارٍ، غيرَ أن لا تَتَحَرَّوا طُلُوعَ الشمسِ ولا غُرُوبَها.
قوله: ((باب مسجد قُباء)) أي: فضلِه، وقُباء بضم القاف ثمَّ موخَّدة ممدودة عند أكثر
(١) سلف عند البخاري ضمن حديث رقم (٧٣١) من حديث زيد بن ثابت.

٤٣١
باب ٣ / ح ١١٩٣
أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين
أهل اللُّغة، وأنكَرَ السُّكَّريّ قصره، لكن حكاه صاحبُ ((العَيْن))، قال البَكْريّ: من العربِ
مَن يُذكِّرُه فيَصرِفُه، ومنهم مَن يُؤنِّئه فلا يَصِفُه. / وفي (المطالع)): هو على ثلاثة أميالٍ من ٦٩/٣
المدينة. وقال ياقوت: على ميلين على يسار قاصد مكَّة، وهو من عَوَالي المدينة، وسُمّيَ
باسم بئر هناك.
والمسجدُ المذكورُ هو مسجد بني عَمْرو بن عَوْف، وهو أولُ مسجدٍ أسَّسَه رسول الله
وَلّ، وسيأتي ذِكْر الخلاف في كَونِه المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوى في ((باب الهجرة))
(٣٩٠٦) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم)) في رواية أبي ذرٍّ: هو الدَّورَقيّ.
قولُهُ: ((كانَ لا يُصلِّ الضُّحَى)) تقدَّم الكلام عليه قريباً (١١٧٧).
قوله: ((وكانَ)) أي: ابن عمر.
قوله: «یَزُورُه)) أي: يزورُ مسجد قُباء.
قوله: ((وكانَ يقول)) أي: ابن عمر، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في أواخر المواقيت
(٥٨٢).
وفي الحديث دلالة على فضل قُباء وفضل المسجد الذي بها، وفضل الصلاة فيه، لكن لم
يَتْبُت في ذلك تضعيفٌ بخلاف المساجد الثلاثة.
٣- باب من أتی مسجد قباءٍ کلَّ سبتٍ
١١٩٣- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلم، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ،
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: كانَ النبيُّ وَّهِ يأتي مسجدَ قُباءٍ كلَّ سَبْتٍ ماشياً وراكباً،
وكانَ عبدُ الله ﴾ يفعلُه.
قوله: ((باب مَن أتى مسجد قُباء كلَّ سبت)) أراد بهذه الترجمة بيان تقييد ما أُطلِقَ في التي
قبلها، لأنَّه فَيَّدَ فيها في الموقوفِ بخلاف المرفوع فأطلق.

٤٣٢
باب ٤ / ح ١١٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
ومن فضائلِ مسجد قُباء ما رواه عمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) (٤٢/١) بإسناد
صحيحٍ عن سعد بن أبي وَقَّاصٍ قال: لَأن أُصلِّيَّ في مسجد قُباء ركعتين، أحبُّ إليَّ من أن
آتيَ بيت المقدس مرَّتين، لو يعلمونَ ما في قُباء لَضَرَبوا إليه أكباد الإبل.
قوله: ((ماشياً وراكباً) أي: بحَسَبٍ ما تَيسَّر، والواو بمعنى: أو.
قوله: ((وكانَ عبد الله)) أي: ابن عمر كما ثَبَتَ في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلِيّ.
٤ - باب إتيان مسجد قباءٍ ماشياً وراكباً
١١٩٤ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي
الله عنهما قال: كانَ النبيُّ وَِّ يأْتِي قُباءً راكباً وماشياً.
زادَابنُ نُمَيٍ عن عُبيدُ الله، عن نافعٍ: فيُصلِّ فيهِ رَكْعتَينِ.
قوله: ((باب إثيان مسجد قُباء ماشياً وراكباً) أفرَدَ هذه الترجمة لاشتمال الحديث على
حُكمٍ آخرَ غير ما تقدَّم.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) زاد الأَصِيلِيّ: ((ابن سعيد)) وهو القَطّان، وعبيد الله بالتصغير: هو
ابن عمر العُمَريّ.
قوله: ((زادَ ابن ثُمَيرٍ) أي: عبد الله ((عن عُبيد الله)) أي: ابن عمر. وطريقُ ابن نُمَير
وَصَلَها مسلم (٥١٦/١٣٩٩) وأبو يَعْلى قالا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن نُمَير، أخبرنا
أَبي، به. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبة في ((مسنده): حدَّثنا عبد الله بن نُمَير وأبو أُسامة عن
عبيد الله، فذكره بالزيادة(١)، وادَّعَى الطَّحَاويّ أنَّها مُدرَجة، وأنَّ أحدَ الرُّواة قاله من عندِه
العلمِه أنَّ النبيَّنَّ كان من عادتِه أن لا يجلسَ حتَّى يُصلِّي.
(١) طريق أبي أسامة لفظها: ((كان النبي (وَلير يأتي مسجد قباء ماشياً وراكباً) وهي في ((مصنفه)) ٣٧٣/٢
و١٢/ ٢١١، وأما طريق عبد الله بن نمير فهي فيه أيضاً ولفظها: ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم جاء
مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات، كان ذلك كعدل عمرة))، والحافظ إنما عزى الحديث إلى ابن أبي شيبة
في «مسنده» لا في «مصنفه)».

٤٣٣
أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين باب ٥ / ح ١١٩٥-١١٩٦
وفي هذا الحديث على اختلاف طرقِه دلالةٌ على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض
الأعمال الصالحةِ والمداوَمَةِ على ذلك.
وفيه أنَّ النَّهيَ عن شدِّ الرِّحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم،/ لگوْن النبيّ ٧٠/٣
وَ له كان يأتي مسجد قُباء راكباً، وتُعُقِّبَ بأنَّ محِيتَه مَّهِ إلى قُباء إنَّما كان لمواصلة الأنصار
وتَفَقُّدٍ حالهم وحال مَن تأخّرَ منهم عن حضور الجمعة معه، وهذا هو السِّرُّ في تخصيص
ذلك بالسبت.
٥- باب فضل ما بين القبر والمنبر
١١٩٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عبَّادِ بنِ
تَمِيم، عن عبدِ الله بنِ زيدِ المازِنيّ ﴾، أنَّ رسول الله ◌ِ ◌ّه قال: «ما بين بيتي ومِنْبري رَوْضةٌ من
◌ِیاضٍ الجنة)).
١١٩٦ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني خُبَيبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن
حَقْصٍ بنِ عاصمٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َِّ قال: «ما بين بيتي ومِنْبرِي رَوْضةٌ من
رِياضٍ الجنَّة، ومِنْبري على حَوْضِي».
[أطرافه في: ١٨٨٨، ٦٥٨٨، ٧٢٣٥]
قوله: ((باب فضل ما بين القبر والمِثْبر)) لمَّا ذكر فضلَ الصلاة في مسجد المدينة أراد أن
يُنَبِّهَ على أنَّ بعضَ بقاع المسجد أفضل من بعض، وترجم بذِكْر القبر وأورَدَ الحديثين بلفظ
البيت، لأنَّ القبرَ صار في البيت، وقد وَرَدَ في بعض طرقِهِ بلفظ القبر، قال القُرطُبيّ:
الروايةُ الصحيحةُ (بيتي)) ويُروَى ((قبري)) وكأنَّه بالمعنى، لأنَّ دُفِنَ في بيت سُكْناهُ(١).
قوله: ((عن عبد الله بن أبي بكر)) أي: ابن محمد بن عَمْرو بن حَزْم.
قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَرِيُّ، وثَبَتَ ذلك في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلِيّ.
قوله: ((ومِنْبري على حَوْضي)) سَقَطَت هذه الجملةُ من رواية أبي ذرٍّ، وسيأتي هذا
(١) وانظر التعليق على الحديث (١١٦١٠) من ((مسند أحمد)).

٤٣٤
باب ٦ / ح ١١٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
الحديثُ بسنده ومتنه كاملاً في أواخرٍ فضل المدينة من أواخر كتاب الحج (١٨٨٨)، ويأتي
الكلام على المتن هناك إن شاء الله تعالى مُستوفی.
٦ - باب مسجد بيت المقدس
١١٩٧ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِك، سمعتُ قَزَعةَ مولی زیادٍ، قال:
سمعتُ أبا سعيدِ الخُذْريَّ ﴾ يُحدِّثُ بأربعٍ عن النبيِّ ◌ََّ فأعجَبْتَنِي وَآَنَقْتَنِي قال: ((لا تُسافِ
المرأةُ يومين إلا ومعها زوجُها أو ذُو مَحرَمٍ، ولا صومَ في يومين: الفِطْرِ والأضحَى، ولا صلاةَ
بعدَ صلاتَينِ: بعدَ الصُّبحِ حتَّى تَطلُعَ الشمسُ، وبعدَ العصرِ حتَّى تَغرُبَ، ولا تُشَدُّ الرّحالُ إلَّا
إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدِ الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي)).
قوله: «باب مسجد بيت المقدس» أي: فضله.
قوله: ((وآنَقْنَتَي)) بالمدِّ ثُمَّ نون مفتوحة، ثمَّ قاف ساكنة بعدَها نونان، يقالُ: آنَقَه كذا: إذا
أعجَبَه، وشيء مُؤْنِقٍ، أي: مُعجِب، وقوله: ((وأعجَبْنَتي)) من التأكيد بغير اللفظيّ، وحكى
ابن الأثير أنَّه رُوِيَ ((أينَقْنَني)) بتحتانيَّةِ بدل الألف، قال: وليس بشيء، وضَبَطَه الأَصِيلِيّ
(أتقنَّنِي)) بمُثَنَّاة فوقائيّة من التَّوق، وإنَّما يقال منه: تَوِّقني كشَوِّقني.
قوله: ((لا تُسافرِ المرأة)) سيأتي الكلامُ عليه في الحجّ (١٨٦٤).
قوله: ((ولا صومَ)) سيأتي في الصوم (١٩٩١)، وقوله في الصلاة تقدَّم في أواخر المواقيت
(٥٨٦).
وقوله: ((ولا تُشَدُّ الرِّحال)) تقدَّم قريباً (١١٨٨).
٧١/٣
خاتمة: اشتملت أبواب التطوُّع وما معها من الأحاديث المرفوعة على أربعة وثلاثينَ
حديثاً، المعلَّق منها عشرة أحاديثَ وسائرها موصولة، المكرَّر منها فيها وفيما مضى اثنان
وعشرون حديثاً، والخالص اثنا عشر حديثاً، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن
عمر في صلاة الضُّحَى، وحديث عبد الله بن مُغفَّل في الركعتين قبلَ المغرب، وحديث
عُقْبة بن عامر فيه.

٤٣٥
باب ١ / ح ١١٩٧
أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين
وفيها من الآثار الموقوفةِ على الصحابة ومَن بعدَهم أحدَ عشرَ أثراً، وهي السِّةُ
المذكورةُ في الباب الأول، وأثر ابن عمر عن أبيه وأبي بكر ونفسِه في تركِ صلاة الضُّحَى،
وأثر أبي تميم في الركعتين قبلَ المغرب، وأثر محمود بن الربيع عن أبي أيوب، وكلَّها
موصولة، والله أعلم.

٤٣٧
باب ١ / ح ١١٩٨
أبواب العمل في الصلاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب العَمَل فى الصَّلاة
١ - باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: يستعينُ الرجلُ في صلاتِه من جسدِه بما شاءَ.
ووَضَعَ أبو إسحاقَ قَلَنْسُوَتَه في الصلاةِ ورَفَعَها.
ووَضَعَ عليٌّ ﴾ كَفَّه على رُصْغِهِ الأيسَرِ، إلا أن يَحُكَّ جِلْداً أو يُصلِحَ ثوباً.
١١٩٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن تَخْرَمةَ بنِ سليمانَ، عن كُرَيبٍ مولى
ابنِ عبّاسٍ، أنَّ أخبَرَه عن عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّه باتَ عند ميمونةَ أُمّ المؤمنين
رضي الله عنها، وهي خالتُه، قال: فاضطَجَعْتُ على عَرْضِ الوِسادَة، واضطَجَعَ رسولُ اللهِ وَلِّ
وأهلُه في طُولِها، فنامَ رسول الله وََّ حتَّى انْتَصَفَ الليلُ، أو قبلَه بقليلٍ أو بعده بقليلٍ، ثمَّ
اسْتَقَظَ رسولُ الله ﴿ فِجَلَسَ فَمَسَحَ النومَ عن وجهِهِ بِيَدَيهِ، ثمَّ قرأْ العَشْرَ الآياتِ خَواتِمَ
سورةٍ آلِ عِمْرَانَ، ثمَّ قامَ إلى شَنَّ مُعلَّقٍ فَتَوضَّأ منها فأحسَنَ وضوءَه، ثمَّ قامَ يُصلِّ.
قال عبدُ الله بنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما: فقُمْتُ فصَنَعتُ مِثلَ ما صَنَعَ، ثمَّ ذهبتُ فقُمْتُ إلى
جَنْبِهِ فَوَضَعَ رسولُ اللهِ وَهِ يدَه اليُمنَى على رأسي، وأخذَ بأُذُني اليُمنَى يَفْتِلُها بيدِهِ، فصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَكْعتَينِ، ثمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَكْعتَينِ، ثمَّ رَكْعَتَینٍ، ثمَّ رَكْعتَينِ، ثمَّ أُوتَر، ثمَّ اضطَجَعَ
حتَّى جاءَه المؤذِّنُ، فقامَ فصَلَّى رَكْعَتَينِ خفيفتينٍ، ثمَّ خَرَجَ فصَلَّى الصُّبحَ.
((أبواب العمل في الصلاة))
ثبتت في نسخة الصغاني هنا بسملة.
قوله: ((باب)) في نسخة الصَّغَانيّ: أبواب ((استعانة اليد في الصلاةِ إذا كانَ من أمرِ الصلاة.

٤٣٨
باب ١ / ح ١١٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن عبّاس: يستعينُ الرجلُ في صلاتِه من جسدِه بما شاءَ. ووَضَعَ أبو إسحاق - يعني
السَّبيعيَّ - فَلَنْسُوَتَه في الصلاةِ وَرَفَعَها. ووَضَعَ عليٌّ كَفَّ على رُصْغِهِ الأيسرِ، إلّا أن يَحُكَّ جِلْداً
أو يُصلِحَ ثوباً)) هذا الاستثناء من بقيّة أثرٍ عليٍّ على ما سأوضحُه، وظَنَّ قومٌ أنَّه من تتمَّة
الترجمة.
فقال ابن رُشَيد: قولُه: ((إلَّا أن يَحُكَّ جِدداً أو يُصلِحَ ثوباً)) هو مُستَئِنَّى من قوله: ((إذا
كان من أمر الصلاة)) فاستثنى من ذلك جوازَ ما تدعو الضَّرورةُ إليه من حال المرء مع ما في
٧٢/٣ ذلك من / دفع التَّشويش عن النَّفس، قال: وكان الأولى في هذا الاستثناء أن يكون مُقدَّماً
قبلَ قوله: (وقال ابن عبّاس))، انتهى.
وسَبَقَه إلى دَعْواه أنَّ الاستثناءَ من الترجمة الإسماعيليُّ في ((مُستخرَجِه)) فقال: قولُه: ((إلَّا
أن يَحُكَّ جدداً) ينبغي أن يكون من صِلَة الباب عند قوله: ((إذا كان من أمر الصلاة)).
وصَرَّحَ بكَونِه من كلام البخاري لا من كلام عليٌّ العلامةُ علاء الدِّين مُغَلْطاي في
((شرحه)، وتَبِعَه مَن أخذَ ذلك عنه ممَّن أدرَكْناه، وهو وهمٌّ، وذلك أنَّ الاستثناءَ بقيَّة أثرٍ
علي، كذلك رواه مسلم بن إبراهيم - أحد مشايخ البخاري - عن عبد السلام بن أبي حازم
عن غزوان بن جَرِير الضَّبِّيّ عن أبيه - وكان شديد اللُّزوم لعليّ بن أبي طالب ﴾ - قال:
كان عليّ إذا قام إلى الصلاة فكَبَّرَ ضَرَبَ بيدِه اليمنى على رُصغِه الأيسَر، فلا يزالُ كذلك
حتَّى يركع، إلّا أن يَحُكَ جِلداً أو يُصلِحَ ثوباً. هكذا رُوّيناه في ((السَّفينة الجَرائديّة)) من
طريق السِّلَفيِّ بسنده إلى مسلم بن إبراهيم، وكذلك أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٩٠/١
و٥١٩/٢ -٥٢٠) من هذا الوجه بلفظ: «إلَّا أن يُصلِحَ ثوبه أو يَحُكَّ جسدَه)) وهذا هو
الموافقُ للترجمة، ولو كان أثر عليٍّ انتهى عند قوله: ((الأيسَر)) لمَا كان فيه تعلُّقُ بالترجمة إلَّا
بُبُعْد، وهذا من فوائد تخريج التعليقات.
والرُّصغ بسكون الصاد المهملة بعدَها معجمة، قال صاحب ((العَيْن)): هو لغة في
الرُّسغ، وهو مَفصِلُ ما بين الكَفِّ والساعد. وقال صاحب ((المحكم)): الرُّصغ مُجتمَع
الساقين والقدمين.

٤٣٩
باب ٢ / ح ١١٩٩
أبواب العمل في الصلاة
ثمَّ إنَّ ظاهر هذه الآثار يخالفُ الترجمةَ لأنَّهَا مُقيَّدة بما إذا كان العملُ من أمر الصلاةُ،
وهي مُطلَقة، وكأنَّ المصنّفَ أشار إلى أنَّ إطلاقها مُقَيَّد بما ذُكِرَ ليخرج العَبَث، ويُمكِن أن
يقال: لها تعلُّق بالصلاة، لأنَّ دفعَ ما يُؤْذي المصلِّ، يُعِينُ على دوام خشوعِه المطلوب في
الصلاة، ويدخلُ في الاستعانة التعلُّقُ بالحبلِ عند التَّعَبِ، والاعتمادُ على العصا ونحوِ هما،
وقد رَخَّصَ فيه بعض السلف، وتقدَّم الأمرُ بحَلّ الحبل في أبواب قيام الليل (١١٥٠)،
وسيأتي ذِكْر الاختصار بعد أبواب (١٢١٩).
قوله: ((وأخذَ بأُذُني اليُمْنى يَفِلُها)) هو شاهد الترجمة، لأَنَّه أخذَ بأُذُنِهِ أولاً لإدارَتِه من
الجانب الأيسَرِ إلى الجانب الأيمَن، وذلك من مصلحة الصلاة، ثمَّ أخذَ بها أيضاً لتأنيسِه
لكَونِ ذلك ليلاً كما تقدَّم تقريره في أبواب الصُّفوف (٧٢٦-٧٢٨).
قال ابن بَطَّل: استَنْبَطَ البخاري منه أنَّه لمَّا جازَ للمُصلّي أن يستعينَ بيدِه في صلاته فيما
يَخْتَصُ بغيره، كانت استعانته في أمر نفسه ليتقوَّى بذلك على صلاته ويَنشَطَ لها إذا احتاجَ
إليه أَولى. وقد تقدَّم الكلام على بقيّة فوائد حديث ابن عبّاس في أبواب الوتر (٩٩٢).
٢ - باب ما يُنهَى من الكلام في الصلاة
١١٩٩- حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ، عن
عَلْقمة، عن عبدِ الله ﴾ه قال: كنّا نُسلِّمُ على النبيِّ وَِّ وهو في الصلاةِ فَيَرُدُّ علينا، فلمَّا رَجَعْنا
من عندِ النَّجاشيِّ سَلَّمْنا عليه فلم يَرُدَّ علينا، وقال: ((إنَّ في الصلاةِ شُغْلاً).
[طرفاه في: ١٢١٦، ٣٨٧٥]
١١٩٩ م- حدَّثنا ابنُ نُمَيٍ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا هُرَيمُ بنُ سفيانَ السَّلُولِيُّ،
عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمة، عن عبدِ الله ، عن النبيِّ يَّ﴿ نحوَه.
قوله: ((باب ما يُنْهَى من الكلام في الصلاة)) في رواية الأَصِيليّ والكُشمِيهَنيّ: ((ما يُنْهَى ٧٣/٣
عنه))، وفي الترجمة إشارة إلى أنَّ بعضَ الكلام لا يُنھی عنه كما سيأتي حكاية الخلاف فيه.

٤٤٠
باب ٢ / ح ١١٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا ابنُ نُمَير)) هو محمد بن عبد الله بن ثُمَير، نُسِبَ إلى جَدِّه، ولم يُدرِك
البخاريُّ عبدَ الله.
قوله: ((كنّا نُسلِّمُ على النبيِّ وَّ وهو في الصلاة)) في رواية أبي وائل: كنَّا نُسلِّمُ في الصلاة
ونأمرُ بحاجتنا(١)، وفي رواية أبي الأحوص(٢): خرجتُ في حاجةٍ ونحنُ يُسلِّمُ بعضنا على
بعضٍ في الصلاة، وسيأتي للمصنِّ بعد باب نحوُه في حديث التشهُّد (١٢٠٢).
قوله: ((النَّجاشيّ) بفتح النون وحُكيَ كسرُها، وسيأتي تسميته والإشارة إلى شيءٍ من
أمره في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى(٣).
فائدة: روى ابن أبي شَيْبة (٢/ ٧٤) من مُرسَل ابن سِيرِينَ: أنَّ النبيَّ وَ لَ وَ رَدَّ على ابن
مسعود في هذه القصَّة السلامَ بالإشارة، وقد بَوَّبَ المصنِّف لمسألة الإشارةِ في الصلاة
بترجمةٍ مُفرَدةٍ وستأتي في أواخر سجود السهو قريباً (١٢٣٤).
قوله: «فلم يَرُدَّ علينا» زاد مسلم (٣٤/٥٣٨) في رواية ابن فُضَيل: ((قلنا: يا رسول الله،
كنَّا نُسلِّمُ عليك في الصلاة فَتَرُدُّ علينا)) وكذا في رواية أبي عَوَانة التي في الهجرة (٣٨٧٥).
قوله: ((إنَّ في الصلاةِ شُغْلاً)) في رواية أحمد (٣٥٦٣) عن ابن فُضَيل: (لَشُغْلاً) بزيادة
اللَّام للتأكيد، والتنكيرُ فيه للتنويع، أي: بقراءة القرآنِ والذِّكرِ والدُّعاء، أو للتعظيم، أي:
شُغلاً وأيُّ شُغلِ، لأنَّها مُناجاةٌ مع الله تستدعي الاستغراقَ بخِدمَتِهِ فلا يَصلُحُ فيها
الاشتغالُ بغيره.
وقال النَّوَويّ: معناه أنَّ وظيفةَ المصلِّ الاشتغال بصلاته وتَدَبُّر ما يقوله، فلا ينبغي أن
يُعرِّجَ على غيرها من ردِّ السلام ونحوِه، زاد في رواية أبي وائل(٤): ((إنَّ اللهَ يُحدِثُ من أمره
(١) عند أحمد في ((مسنده) (٤١٤٥)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) ١/ ٤٥٥.
(٢) عند الطحاوي ١ / ٤٥٥.
(٣) سيأتي أول موضع في الجنائز برقم (١٢٤٥) وانظر بقية أطرافه فيه، وضبط اسمه تحت حديث رقم
(١٣١٨).
(٤) عند أحمد (٤١٤٥).