Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦ أبواب التطوع الطَّهارة (٧١/٣٣٦) من طريق أبي مُرّةَ عن أُمّ هانئ في قصَّة اغتساله وَ لِّ يومَ الفتح: ثمَّ صلَّى ثمان رَكَعات سُبْحَةَ الضُّحَى، وروى ابن عبد البَرِّ في ((التَّمهيد)) (١٣٦/٨) من طريق عِكْرمة بن خالد عن أُمّ هانئ قالت: قَدِمَ رسول الله وَِّ مِكَّةَ فصَلَّى ثمان رَكَعات، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: ((هذه صلاة الضُّحَى))(١). واستُدلَّ به على أنَّ أكثرَ صلاة الضُّحَى ثمان ركعات، واستَبَعَدَه السُّبْكيّ، ووُجِّهَ بأنَّ الأصلَ في العبادة التوقُّف، وهذا أكثرُ ما وَرَدَ في ذلك من فعله ◌َِّ، وقد وَرَدَ من فعله دونَ ذلك كحديث ابن أبي أوفَى: أَنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى الضُّحَى ركعتين، أخرجه ابن عَديّ (١١٧٨/٣)(٢)، وسيأتي من حديث عتْبان قريباً مثله، وحديث عائشة عند مسلم (٧١٩/ ٧٩): كان يُصلِّي الضُّحَى أربعاً، وحديث جابر عند الطَّبَرانيّ في ((الأوسط)) (٤٤١١): أنَّه وَلِّ صلَّى الضُّحَى ستَّ رَكَعات(٣). وأمَّا ما وَرَدَ من قوله ◌َّهَ، ففيه زيادةٌ على ذلك كحديث أنس مرفوعاً: ((مَن صلَّى الضُّحَى ثِنتَي عشرةَ ركعةً بنى الله له قصراً في الجنَّة)) أخرجه التِّرمِذيُّ (٤٧٣) واستَغْرَبَه، وليس في إسناده مَن أُطلِقَ عليه الضَّعف(٤)، وعند الطَّبَرانيّ(٥) من حديث أبي الدَّرداء مرفوعاً: ((مَن صلَّى الضُّحَى ركعتين لم يُكتَب من الغافلين، ومَن صلَّى أربعاً كُتِبَ من التّائبين، ومَن صلَّى ستّاً كُفيَ ذلك اليوم، ومَن صلَّى ثمانياً كُتِبَ من العابدين، ومَن صلَّى (١) وأخرجه أبو الشيخ في ((أحاديث أبي الزبير)) (٤٩)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٨١٦)، وتمّام في («فوائده)) (٧٠٢)، كلهم من طريق أبي الزبيرعن عكرمة بن خالد، وأبو الزبير تفرَّد به عن عكرمة، وهو مدلِّس ولم يصرّح بسماعه منه، كما أن في القلب من سماع عكرمة من أم هانئ شيئاً. وعلى فرض ثبوت هذه الرواية فهي شاذَّة، لأن أحداً ممن روى هذا الحديث عن أم هانئ لم يأتُر فيه عن النبي ◌َّل قوله: («هذه صلاة الضحى)». (٢) وقد سلف قريباً قبل أسطر تخريجه من الطبراني والتعليق عليه، وهو بالإسناد نفسه. (٣) في سنده ومتنه اضطراب. (٤) لكن في إسناده موسى بن فلان بن أنس، جهَّله الحافظ نفسه في ((التقريب))، فالإسناد ضعيف. والحديث عند ابن ماجه أيضاً (١٣٨٠). (٥) لم نقف عليه من المطبوع للطبراني، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢/ ٢٣٧ وعزاه إلى الطبراني في ((الكبير)). ٤٠٢ باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦ فتح الباري بشرح البخاري ثِنَتَي عشرة بنى الله له بيتاً في الجنَّة))، وفي إسناده ضعفٌ أيضاً، وله شاهدٌ من حديث أبي ذرِّ رواه البَزّار (٣٨٩٠) وفي إسناده ضعفٌ أيضاً، ومن ثَمَّ قال الرُّويَانيّ ومَن تَبِعَه: أكثرُها ثِنتا عشرة. وقال النّوَويّ في ((شرح المهذَّب)): فيه حديث ضعيف؛ کأنّه یشیر إلى حديث أنس، لكن إذا ضُمَّ إليه حديث أبي ذرِّ وأبي الدَّرداء قويَ وصَلُحَ للاحتجاج به. ونقل الثِّرمِذيّ عن أحمد: أنَّ أصحَّ شيءٍ وَرَدَ في الباب حديث أُمّ هانئ. وهو كما قال، ولهذا قال النَّوَويّ في ((الرَّوضة)»: أفضلُها ثمان، وأكثرُها ثِنتا عشرة؛ ففَرَّقَ بين الأكثر والأفضل، ولا يُتصوَّرُ ذلك إلَّا فيمَن صلَّى الاثنتَي عشرةَ بتسليمةٍ واحدة، فإنَّها تقعُ نَفلاً مُطلَقاً عند مَن يقول: إنَّ أكثرَ سُنّة الضُّحَى ثمان رَكَعات، فأمَّا مَن فَصَلَ فإنَّه يكون صلَّى الضُّحَى، وما زاد على الثَّان يكون له نَفلاً مُطلَقاً، فتكون صلاته اثنتَي عشرةَ في حَقِّه أفضل من ثمانٍ لگونه أتی بالأفضل وزادَ. وقد ذهب قوم منهم أبو جعفر الطبريّ، وبه جَزَمَ الحَلِيمِيُّ والرُّويانيّ من الشافعيَّة إلى أنَّه لا حَدَّ لأكثرها. ورُوِيَ من طريق إبراهيم النَّخَعَيّ قال: سألَ رجلٌ الأسوَدَ بن يزيد: كم أُصلِّي الضُّحَى؟ قال: كم شئتَ(١). وفي حديث عائشة عند مسلم (٧٩/٧١٩): ((كان يُصلِّي الضُّحَى أربعاً ويزيدُ ما شاءَ الله)) وهذا الإطلاق قد يُحمَلُ على التقييدِ فِيُؤكِّدُ أنَّ أكثرَها اثنَتَا عشرةَ ركعة، والله أعلم. وذهب آخرون إلى أنَّ أفضلها أربع ركعاتٍ، فحكى الحاكم في كتابه المفرَدِ في صلاة الضُّحَى عن جماعةٍ من أئمّة الحديث أنَّهم كانوا يختارونَ أن تُصلَّى الضُّحَى أربعاً لكَثْرة الأحاديث الواردة في ذلك كحديث أبي الدَّرداء وأبي ذرِّ عند التِّرمِذيّ (٤٧٥) مرفوعاً عن الله تعالى: ((ابنَ آدمَ، اركَعْ لي أربعَ رَكَعاتٍ من أول النهار أكفِكَ آخرَه)»، وحديث نُعَيم بن هَمَّار(٢) (١) عزاه السيوطي في ((الحاوي للفتاوي)) ١ / ٤٩ إلى سعيد بن منصور في ((سننه)). (٢) تحرف في (س) إلى: نعيم بن حماد. ٤٠٣ باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦ أبواب التطوع عند النَّسَائِيِّ (ك ٤٦٦-٤٦٨)(١)، وحديث أبي أُمامةَ/ وعبد الله بن عَمْرو والنَّاس بن سِمْعان ٥٥/٣ كلّهم بنحوه عند الطَّبَرانيّ(٢)، وحديث عُقْبة بن عامر وأبي مُرّةَ الطائفيّ كلاهما عند أحمد بنحوه (٣)، وحديث عائشة عند مسلم كما تقدَّم، وحديث أبي موسى رَفَعَه: «مَن صلَّى الضُّحَى أربعاً بنى الله له بيتاً في الجنَّة)) أخرجه الطَّبَرانيّ في ((الأوسط)) (٤٧٥٠)، وحديث أبي أُمامةَ مرفوعاً: ((أتدرُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَ﴾ [النجم: ٣٧]؟ قال: وَفَّى عملَ يومِه بأربع ركعاتٍ الضُّحَى)) أخرجه الحاكمُ(٤). وجمع ابنُ القَيِّم في ((الهَدْي)) الأقوالَ في صلاة الضُّحَى فِبَلَغَت ستَّةً: الأول: مُستَحَبّة، واختُلِفَ في عَدَدِها فقيل: أقلُّها ركعتان وأكثرها اثنتا عشرة، وقيل: أكثرها ثمانٍ، وقيل كالأول لكن لا تُشرَعُ ستّاً ولا عشرة، وقيل كالثاني لكن لا تُشرَعُ سّاً، وقيل: ركعتان فقط، وقيل: أربعاً فقط، وقيل: لا حَدَّ لأكثرها. القول الثاني: لا تُشرَعُ إِلَّا لسببٍ، واحتجّوا بأنَّه ◌ِلم يفعلها إِلَّ لسبب، واتَّفَقَ وقوعُها وقتَ الضُّحَى، وتَعدَّدَت الأسبابُ: فحديث أُمّ هاني في صلاته يومَ الفتح كان بسبب الفتح، وأنَّ سُنّةَ الفتح أن يُصلَِّّ ثمان رَكَعات، ونقله الطبريّ من فعل خالد بن الوليد لمَّا فتح الحِيرة، وفي حديث عبد الله بن أبي أوفَى: أَنَّه ◌َِّ صلَّى الضُّحَى حين بُشِّرَ برأسِ أبي جَهْل(٥)، وهذه صلاة شُكرِ كصلاته يومَ الفتح، وصلاته في بيت عِتْبان إجابة لسؤاله أن يُصلِّيَّ في بيته مكاناً يَتَّخِذُهُ مُصلَّى، فاتَّفَقَ أنَّه جاءه وقتَ الضُّحَى فاختصره الرّاوي فقال: (١) وأخرجه أيضاً أحمد (٢٢٤٧٠)، وأبو داود (١٢٨٩). (٢) حديث أبي أمامة عنده برقم (٧٧٤٦)، وأما حديثا عبد الله بن عمرو والنواس فليسا في المطبوع منه. (٣) حديث عقبة عنده برقم (١٧٣٩٠)، وحديث أبي مرة الطائفي برقم (٢٢٤٧٣). (٤) وأخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١/ ٥٢٨ وضعَّفه، ووافقه ابن كثير في ((تفسيره)) ١ /٤٠٩، وهو كما قالا. (٥) أخرج هذه الرواية الدارمي في («سننه)) (١٤٦٢)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ١٥٠/٢، وابن عدي في «الكامل)) ٣/ ١١٧٨، وسنده ضعيف. ٤٠٤ باب ٣ / ح ١١٧٥ - ١١٧٦ فتح الباري بشرح البخاري صَلَّى في بيته الضُّحَى(١)، وكذلك حديث بنحو قصَّة ◌ِتْبان مختصرة، قال أنس: ما رأيته صلَّى الضُّحَى إِلَّا يومئذٍ(٢)، وحديث عائشة: لم يكن يُصلِّ الضُّحَى إلّا أن يجيءَ من مَغْيِهِ(٣)؛ لأنَّه كان ينهى عن الطُّروقِ ليلاً، فيقدَمُ في أول النهار، فيَبدَأُ بالمسجد فيُصلِّ وقتَ الضُّحَى. القول الثالث: لا تُستَحَبُّ أصلاً، وصَحَّ عن عبد الرحمن بن عَوْف أنَّه لم يُصلِّها، و کذلك ابن مسعود. القول الرابع: يُستَحَبُّ فعلُها تارةً وتركُها تارةً، بحيثُ لا يواظِبُ عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد. والحُجّةٌ فيه حديث أبي سعيد: كان النبيُّ ◌َهِ يُصلِّ الضُّحَى حَتَّى نقولَ: لا يَدَعُها، ويَدَعُها حتَّى نقولَ: لا يُصلِيها، أخرجه الحاكم(٤)، وعن عِكْرمةَ: كان ابن عبَّاس يُصلِّيها عشراً ويَدَعُها عشراً، وقال الثَّوريّ عن منصور: كانوا يَكرَهونَ أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، وعن سعيد بن جُبَير: إِنِّي لَأَدَعُها وأنا أُحِبُّها مخافةَ أن أراها حَتْماً عليَّ. الخامس: تُستَحَبُّ صلاتها والمواظَبة عليها في البيوت، أي: للأمنِ من الخَشْية المذكورة. السادس: أنَّهَا بِدعةٌ، صَحَّ ذلك من رواية عُرْوة عن ابن عمر(٥)، وسُئِلَ أنس عن صلاة الضُّحَى فقال: الصلوات خمسٌ، وعن أبي بَكْرة: أنَّه رأى ناساً يُصلُّونَ الضُّحَى فقال: ما صلَّاها رسول اللهِوَّ﴿ ولا عامَّةُ أصحابه(٦). وقد جمع الحاكم الأحاديثَ الواردةَ في صلاة الضُّحَى في جُزءٍ مُفرَدٍ وذكر لغالبٍ هذه الأقوال مُستَنَداً، وبَلَغَ عددُ رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفساً من الصحابة. (١) هو بهذا الاختصار عند أحمد برقم (١٦٤٧٩). (٢) سيأتي ضمن حديث برقم (١١٧٩). (٣) أخرجه مسلم (٧١٧)، وسلف قريباً. (٤) وأخرجه أحمد في «مسنده)) (١١١٥٥)، والترمذي (٤٧٧)، وإسناده ضعيف. (٥) بل من رواية مجاهد عن ابن عمر، وقد سلفت عند البخاري برقم (١٧٧٥)، ومن رواية الحكم بن الأعرج عنه عند ابن أبي شيبة ٢/ ٤٠٦. (٦) أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٢٠٤٦٠)، وإسناده قوي. ٤٠٥ باب ٤ / ح ١١٧٧ أبواب التطوع لطيفة: روى الحاكم من طريق أبي الخيرِ عن عُقْبة بن عامر قال: أمَرَنا رسول الله وَل ◌ّ أن نُصلّيَ الضُّحَى بسورٍ منها: ﴿وَالشَّمْسِ وَشُحَهَا﴾، والضُّحَى(١). انتهى، ومُناسَبةُ ذلك ظاهرة جدّاً. ٤- باب من لم يصلِّ الضُّحى ورآه واسعاً ١١٧٧ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ◌َّ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحى، وإِنِّ لَأُسبِّحُها. قوله: ((باب مَن لم يُصلِّ الضُّحى ورآه)) أي: التَّركَ ((واسعاً)) أي: مُباحاً. قوله: ((ما رأيتُ رسول الله وَّهِ سَبَّحَ سُبْحة الضُّحى)) تقدَّم أنَّ المراد بقوله: السُّبحة: النافلة، وأصلها من التسبيح، وخُصَّت النافلة بذلك لأنَّ التسبيحَ الذي / في الفريضة نافلةٌ، ٥٦/٣ فقيل لصلاة النافلةِ: سُبْحة، لأنَّها كالتسبيحِ في الفريضة. قوله: ((وإنّ لَأُسَبِّحها)) كذا هنا من السُّبحة، وتقدَّم (١١٢٨) في ((باب التحريض على قيام الليل)) بلفظ: ((وإنِّي لَأستَحِبّها)) من الاستحباب(٢)، وهو من رواية مالك عن ابن شِهاب، ولِكلٍّ منهما وجه، لكنَّ الأولَ يقتضى الفعلَ والثاني لا يستلزمُه. وجاء عن عائشة في ذلك أشياء مختلفة أورَدَها مسلم، فعندَه (٧١٧) من طريق عبد الله بن شَقِيق: قلت لعائشة: أكان النبيُّ ◌َّهِ يُصلِّيّ الضُّحَى؟ قالت: لا، إلَّا أن يجيءَ من مَغِيبِهِ، وعندَه (٧١٩) من طريق مُعاذةً عنها: كان رسول الله وَلّهِ يُصلِّ الضُّحَى أربعاً ويزيدُ ما شاءَ الله؛ ففي الأول نفيُ رُؤْيتها لذلك مُطلَقاً، وفي الثاني تقييد النَّفي بغير المجيءِ من مَغِيبِهِ، وفي الثالث الإثبات مُطلَقاً. وقد اختَلَفَ العلماء في ذلك: فذهب ابن عبد البَرِّ وجماعة إلى ترجيح ما اتَّفَقَ الشيخان عليه دونَ ما انفرد به مسلم، وقالوا: إنَّ عَدَمَ رُؤْيتها لذلك لا يستلزمُ عَدَمَ الوقوع، فيُقَدَّمُ مَن رُوِيَ عنه من الصحابة الإثباتُ. (١) وأخرجه أيضاً الروياني في («مسنده)) (٢٤٣) بسنده إلى أبي الخير، وسنده واهٍ. (٢) هكذا هي هناك في رواية الكشميهني والأَصيلي من رواة ((الصحيح))، وفي رواية غيرهما: ((وإني لأسبِّحها)) من السُّبْحة. وانظر ((ارشاد الساري)) للقسطلّاني ٣١٣/٢. ٤٠٦ باب ٤ / ح ١١٧٧ فتح الباري بشرح البخاري وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، قال البيهقيّ: عندي أنَّ المراد بقولها: ((ما رأيته سَبَّحَها)) أي: داوَمَ عليها، وقولها: ((وإنِّي لَأُسبِّحها)) أي: أُدَاوِمُ عليها، وكذا قولها: ((وما أحدَثَ الناسُ شيئاً)) تعني: المداومةَ عليها. قال: وفي بقيّة الحديث - أي: الذي تقدَّم من رواية مالك (١١٢٨) - إشارة إلى ذلك حيثُ قالت: وإن كان لَيَدَعُ العمل وهو يُحِبُّ أن یعمله، خشيةَ أن یعملَ به الناسُ فیُفرَض علیھم، انتھی. وحكى المحِبُّ الطبريّ أنَّه ◌ُعَ بين قولها: ((ما كان يُصلِّ إلّا أن يجيءَ من مَغيِه)) وقولها: ((كان يُصلِّيّ أربعاً ويزيدُ ما شاءَ الله))، بأنَّ الأول محمول على صلاته إيّاها في المسجد، والثاني على البيت. قال: ويُعكِّرُ عليه حديثُها الثالث - يعني حديث الباب - ويُجابُ عنه بأنَّ المنفيَّ صفة مخصوصة، وأُخِذَ الجمع المذكور من كلام ابن حِبَّان. وقال عياض وغيره: قولُه: ((ما صلاها)) معناه: ما رأيته يُصلِّيها، والجمع بينه وبين قولها: ((كان يُصلِّيها)) أنَّها أخبرَت في الإنكار عن مُشاهَدَتها، وفي الإثبات عن غيرها. وقيل في الجمع أيضاً: يحتملُ أن تكون نَفَت صلاةَ الضُّحَى المعهودةَ حينئذٍ من هيئةٍ مخصوصةٍ بعددٍ مخصوصٍ في وقتٍ مخصوصٍ، وأنَّهَوََّ إِنَّمَا كان يُصلِيها إذا قَدِمَ من سفرٍ لا بعددٍ مخصوصٍ ولا بغيره كما قالت: يُصلِّ أربعاً ويزيدُ ما شاءَ الله. تنبيه: حديث عائشة يدلُّ على ضِعْف ما رُوِيَ عن النبيِّ وَلِّ: أنَّ صلاةَ الضُّحَى كانت واجبةً عليه، وعَدَّها لذلك جماعةٌ من العلماء من خصائصِه، ولم يَثبُت ذلك في خبرٍ صحيحٍ، وقول الماوَرْديّ في ((الحاوي)): إنَّهَ بَّهِ واظَبَ عليها بعد يوم الفتح إلى أن ماتَ، يُعكِّرُ عليه ما رواه مسلم (٧١٩/ ٨١) من حديث أُمّ هاني: أنَّه لم يُصلِّها قبلُ ولا بعد. ولا يقالُ: إنَّ نفي أُمّ هانئ لذلك يَلزَمُ منه العَدَمُ، لأنَّا نقول: يحتاجُ مَن أثبَتَه إلى دليل، ولو وُجِدَ لم يكن حُجّة، لأنَّ عائشة ذكرت أنَّه كان إذا عَمِلَ عملاً أثبَتَه (١)، فلا تَستَلِمُ المواظَبةُ على هذا الوجوب عليه. (١) أخرجه مسلم (٧٤٦). ٤٠٧ باب ٥ / ح ١١٧٨ أبواب التطوع ٥ - باب صلاة الضّحى في الحضر قاله عِثْبانُ بنُ مالكِ عن النبيِّ ◌َلّ. ١١٧٨ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا شُعْبةُ، حدَّثنا عبَّاسِ الجُرَيرِيُّ - هو ابنُ فَرُّوخَ - عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: أَوصاني خَلِيلي بثلاثٍ لا أدَعُهُنَّ حتَّى أموتَ: صومِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهٍ، وصلاةِ الضُّحَى، ونومٍ على ◌ِثْرِ. [طرفه في: ١٩٨١] قوله: ((باب صلاة الضُّحَى في الحضرِ، قاله عِثْبان بن مالك عن النبيِّ وَلِ)) كأنَّه يشير إلى ٥٧/٣ ما رواه أحمد (٢٣٧٧٣) من طريق الزُّهْريّ عن محمود بن الربيع عن عِثْبان بن مالك: أنَّ رسول الله آل﴾ صلَّى في بيته سُبْحة الضُّحَى، فقاموا وراءَه فصَلَّوْا بصلاته، أخرجه عن عثمان بن عمر عن يونسَ عنه، وقد أخرجه مسلم (٦٥٧/ ٢٦٣) من رواية ابن وَهْب عن يونسَ مطوَّلاً لكن ليس فيه ذِكْرِ السُّبحة، وكذلك أخرجه المصنِّفُ مطوَّلاً ومختصراً في مواضعَ وسيأتي بعد بابين (١١٨٦). قوله: ((حدَّثْنَا عِبَّاس)) بالموخَّدة والمهمَلة، والجُرَیريُّ بضم الجيم. قوله: ((أوصاني خَلِيلي)) الخَلِيل: الصَّديق الخالص الذي تَخْلَّلَت مَحَبَّتُه القلبَ فصارت في خِلاله، أي: في باطنِهِ، واختُلِفَ هل الخُلّةُ أرفعُ من المحبَّة أو العكس، وقول أبي هريرة هذا لا يعارضُه ما تقدَّم (٤٦٦) من قوله ◌َّ: ((لو كنت مُتَّخِذاً خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر))، لأنَّ الممتَنِعَ أن يَتَّخِذَ هو ◌َِّ غيرَه خليلاً، لا العكسُ، ولا يقالُ: إنَّ المخالَلَةَ لا تَتِمُّ حتَّى تكون من الجانبين، لأنَّا نقول: إنَّما نَظَرَ الصحابيُّ إلى أحد الجانبينِ فأطلقَ ذلك، أو لعلَّه أراد مجرَّدَ الصُّحبة أو المحبَّة. قوله: ((بثلاثٍ لا أدَعُهُنَّ حتَّى أموتَ)) يحتملُ أن يكون قوله: ((لا أدَعُهُنَّ ... )) إلى آخره، من جملة الوصيّة، أي: أوصاني أن لا أدعَهُنّ، ويحتملُ أن يكون من إخبار الصحابيِّ بذلك عن نفسِه. ٤٠٨ باب ٥ / ح ١١٧٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((صوم ثلاثةِ أيام)) بالخفض بدلٌ من قوله: ((بثلاث))، ويجوز الرَّفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ. قوله: ((من كلِّ شهرٍ)) الذي يَظهَرُ أنَّ المراد بها البِيضُ، وسيأتي تفسيرها في كتاب الصوم (١٩٨١). قوله: ((وصلاة الضُّحَى)) زاد أحمد (٨١٠٦) في روايته: ((كلَّ يوم))، وسيأتي في الصيام (١٩٨١) من طريق أبي التَّح عن أبي عثمان بلفظ: وركعتَي الضُّحَى. قال ابن دَقِيق العيد: لعلَّه ذكر الأقلّ الذي يُوجَدُ التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضُّحَى وأنَّ أقلَّها ركعتان، وعَدَم مُواظَبة النبيِّ وَِّ على فعلها لا يُنافي استحبابها، لأنَّه حاصلٌ بدلالة القول، وليس من شرط الحُكْم أن تَتَضافَرَ عليه أدلَّة القول والفعل، لكن ما واظَبَ النبيُّ ◌َّه على فعله مُرجَّح على ما لم يُواظِب عليه. قوله: ((ونومٍ على وِتْر)) في رواية أبي التَّاح (١٩٨١): ((وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنام))، وفيه استحباب تقديم الوتر على النوم، وذلك في حَقِّ مَن لم يَثْ بالاستيقاظ، ويتناولُ مَن يُصلِّي بين النومَين. وهذه الوصيَّةُ لأبي هريرة وَرَدَ مِثْلُها لأبي الدَّرداء فيما رواه مسلم (٧٢٢)، ولأبي ذرِّ فيما رواه النَّسائيّ (٢٤٠٤). والحِكْمةُ في الوصيّةِ على المحافظةِ على ذلك تمرينُ النَّفْسِ على جنس الصلاة والصيام ليدخل في الواجب منهما بانشِراح، ولیَنجَبِرَ ما لعلّه یقعُ فیه من نقص. ومن فوائد ركعتَي الضُّحَى أنَّها تُجْزِئُ عن الصَّدَقة التي تُصبِحُ على مفاصل الإنسان في كلِّ يومٍ وهي ثلاثُ مئةٍ وستّونَ مَفصلاً كما أخرجه مسلم (٧٢٠) من حديث أبي ذرِّ وقال فيه: ((ويُجْزِئُ من ذلك ركعتا الضُّحَى))(١). وحكى شيخُنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في ((شرح التِّرمِذيّ)): أنَّه اشتَهَرَ بين العَوَامِّ أَنَّ مَن صلَّى الضُّحَى ثمَّ قَطَعَها يَعْمَى، فصار كثير من الناس يَترُكونها أصلاً لذلك، (١) ذكرُ عدد المفاصل ليس في حديث أبي ذر، وإنما ورد في حديث بريدة الأسلمي عند أحمد (٢٣٠٣٧)، وأبي داود (٥٢٤٢). ٤٠٩ باب ٥ / ح ١١٧٩ أبواب التطوع وليس لمَا قالوه أصلٌ، بل الظاهر أنَّه ممَّا ألقاه الشيطانُ على ألسِنَة العَوَامِّ لَيَحْرِمَهم الخيرَ الکثیر لا سيّما ما وقع في حديث أبي ذرِّ. تنبيهان: الأول: اقتَصَرَ في الوصيّة للثلاثة المذكورينَ على الثلاثة المذكورة، لأنَّ الصلاةَ والصيام ٥٨/٣ أشرفُ العبادات البدنيّة، ولم يكن المذكورونَ من أصحاب الأموال، وخُصَّت الصلاةُ بشیئینِ لأنَّها تقعُ ليلاً ونهاراً بخلاف الصيام. الثاني: ليس في حديث أبي هريرة تقييدٌ بسفرٍ ولا حَضَر، والترجمةُ مُختصَّة بالْحَضَر، لكنَّ الحديثَ يَتضمَّنُ الحَضَر لأنَّ إرادة الحَضَر فيه ظاهرة، وحملُه على الحَضَرِ والسفر مُمكِن، وأمَّا حمله على السفر دونَ الحَضَرِ فبعيد، لأنَّ السفرَ مَظِنَّة التخفيف. ١١٧٩ - حذَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، أخبرنا شُعْبةُ، عن أنسِ بنِ سِيرِينَ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ الأنصاريَّ قال: قال رجلٌ مِن الأنصارِ - وكانَ ضَخْماً - للنبيِّ وَّهَ: إِنِّي لا أستطيعُ الصلاةَ معك، فصَنَعَ للنبيِّ وَِّ طعاماً فَدَعَاه إلى بيتِهِ، ونَضَحَ له طَرَفَ خَصِيرٍ بماءٍ فصَلَّی علیه رَکْعتَينِ. وقال فُلانُ بنُ فُلان بنِ الجارودِ لأنسِ﴾: أكانَ النبيُّ ◌َ شَهِ يُّصِلِّ الضُّحَى؟ فقال: ما رأيتُه صلَّى غيرَ ذلكَ اليومِ. قوله: ((قال رجلٌ من الأنصار)) قيل: هو عِثْبان بن مالك، لأنَّ في قِصَّتِهِ شَبَهاً بقِصَّتِهِ، وقد تقدَّم هذا الحديث (٦٧٠) عن آدم عن شُعْبة بهذا الإسناد والمتن في ((باب هل يُصلِي الإمام بمَن حَضَرَ)) من أبواب الإمامةِ مع الكلام عليه. قوله: ((يُصلِّى الضُّحَى)) قال ابن رُشَيد: هذا يدلُّ على أنَّ ذلك كان كالمتعارَفِ عندَهم وإلَّا فصلاته نَّه في بيت الأنصاريّ - وإن كانت في وقتٍ صلاة الضُّحَى - لا يَلَزَمُ نِسبتُها لصلاة الضُّحى. قلت: إِلَّ أنَّا قَدَّمْنا أنَّ القصَّةَ لِعِثْبانَ بن مالك، وقد تقدَّم في صَدْر الباب أنَّ عِتْبان سمّاها ٤١٠ باب ٦ / ح ١١٨٠- ١١٨٢ فتح الباري بشرح البخاري صلاة الضُّحَى، فاستقام مرادُ المصنّف، وتقييده ذلك بالحضَرِ ظاهرٌ لگونِه صلَّى في بيته. قوله: ((ما رأيته صَلَّى)) في الرواية الماضية: يُصلِّ الضُّحَى(١). قوله: «إلّا ذلك اليوم» یأتي فیه ما تقدّم ذِكْره في حديث ابن عمر وعائشة من الجمع(٢)، والله أعلم. ٦ - باب الركعتين قبل الظّهر ١١٨٠ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حذَّثنا حَمَّادُ بنُّ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: حَفِظْتُ مِن النبيِّ وََّ عَشْرَ رَكَعاتٍ: رَكْعتَينِ قبلَ الظَّهرِ، وَرَكْعتَينِ بعدَها، ورَكْعتَينِ بعدَ المغربِ في بيتِهِ، وَرَكْعتَينِ بعدَ العِشاء في بيتِهِ، وَرَكْعتَينِ قبلَ صلاةٍ الصُّبْحِ، وكانت ساعةً لا يُدخَلُ على النبيِّ وَّ فيها. ١١٨١ - حدَّثتني حَفْصةُ: أنَّه كانَ إذا أذَّنَ المؤذِّنُ وطَلَعَ الفجرُ، صلَّى رَكْعتَيْنِ. ١١٨٢- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعْبَةَ، عن إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ المُنتَشِرِ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَِّ كانَ لا يَدَعُ أربعاً قبلَ الظّهرِ، وَرَكْعتَيْنِ قبلَ الغَدَاةِ. تابَعَه ابنُ أبي عَدِيٍّ وعَمْرٌو عن شُعْبَةَ. قوله: ((باب الرَّكْعتين قبلَ الظَّهر)) ترجم أولاً بالرَّواتب التي بعد المكتوبات، ثمَّ أورَدَ ما يَتعلَّقُ بما قبلها، وقد تقدَّم الكلام على ركعتي الفجر (١١٥٩)، والكلامُ على حديث ابن عمر (١١٧٢- ١١٧٣) وهو ظاهرٌ فیما ترجم له. وأمَّا حديثُ عائشة، فقوله فيه: ((إِنَّه كان لا يَدَعُ أربعاً قبلَ الظُّهر)) لا يطابقُ الترجمةَ، ويحتملُ أن يقال: مرادُه بيان أنَّ الركعتين قبلَ الظُّهرِ ليستا حَتْماً بحيثُ يَمتِعُ الزيادةُ عليهما. (١) الذي في الرواية الماضية عند البخاري برقم (٦٧٠): ما رأيته صلَّاها إلا يومئذ. (٢) حديث ابن عمر سلف برقم (١١٧٥)، وحديث عائشة برقم (١١٧٧). ٤١١ باب ٦ / ح ١١٨٠ - ١١٨٢ أبواب التطوع قال الداووديُّ: وقع في حديث ابن عمر: ((أنَّ قبلَ الظُّهرِ ركعتين))، وفي حديث عائشة: ((أربعاً))، وهو محمولٌ على أنَّ كلّ واحد منهما وَصَفَ ما رأى. قال: ويحتملُ أن يكون نَسِيَ ابنُ عمر ركعتين من الأربع. قلت: هذا الاحتمالُ بعيد، والأَولى أن يُحمَلَ على حالين: فكان تارةً يُصلِّ ثِنْتَينِ، وتارةً يُصلِّيّ أربعاً، وقيل: هو محمولٌ على أنَّه كان في المسجد يَقتصِرُ على ركعتين، وفي بيته يُصلِّ أربعاً، ويحتملُ أن يكون يُصلِّ إذا كان في بيته ركعتين، ثمَّ يخرج إلى المسجد فيُصلِّ ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دونَ ما في بيته، واطَّلَعَت عائشة على الأمرین. ويُقوِّي الأولَ ما رواه أحمد (٢٤٠١٩) وأبو داود (١٢٥١) في حديث عائشة: كان يُصلِّي في بيته قبلَ الظُّهرِ أربعاً ثمَّ يخرج (١)،/ قال أبو جعفر الطبريّ: الأربعُ كانت في كثيرٍ ٥٩/٣ من أحواله، والركعتان في قليلها. قوله: ((عن إبراهيم بن محمَّد بن المُنْتَشِر)) بميم مضمومةٍ ونونٍ ساكنةٍ ومُثنَّةٍ مفتوحةٍ بعدها شین معجمة مکسوره ثمَّ راء. قوله: ((عن أبيه عن عائشة)) في رواية وكيع عن شُعْبة عن إبراهيم عن أبيه: ((سمعتُ عائشة)) أخرجه الإسماعيليّ، وحكى عن شيخِه أبي القاسم البَغَويّ أنَّه حدَّثه به من طريق عثمان بن عمر عن شُعْبة، فأدخَلَ بين محمد بن المنتَشِرِ وعائشة مسروقاً، وأخبرَه أنَّ حديث وكيع وهمٌّ، ورَدَّ ذلك الإسماعيليّ بأنَّ محمد بن جعفر قد وافق وكيعاً على التصريح بسماع محمد من عائشة، ثمَّ ساقه بسنده إلى شُعْبة عن إبراهيم بن محمد، أنَّه سمع أباه، أنَّه سمع عائشةَ، قال الإسماعيليّ: ولم يكن يحيى بن سعيد - يعني القَطّان الذي أخرجه البخاري من طریقه - لیَحمِلَه مُدلَّساً، قال: والوهمُ عندي فیه من عثمان بن عمر، انتهى. وبذلك جَزَمَ الدارَقُطْنيّ في ((العِلَلِ))، وأوضَحَ أنَّ روايةَ عثمان بن عمر من المَزِيدِ في مُتَصِل الأسانيد، لکن أخرجه الدارميّ (١٤٣٩) عن عثمان بن عمر بهذا الإسناد فلم يذكُر (١) وحديث عائشة هذا أخرجه أيضاً مسلم في «صحيحه)) (٧٣٠) (١٠٥). ٤١٢ باب ٧ / ح ١١٨٣ - ١١٨٤ فتح الباري بشرح البخاري فيه مسروقاً، فإمَّا أن يكون سَقَطَ عليه أو على مَن بعده، أو يكون الوَهمُ في زيادتِهِ مَّن دونَ عثمان بن عمر. قوله: ((تابَعَه ابن أبي عَديّ)) زاد الإسماعيليُّ: وابنُ المبارَك ومعاذ بن معاذ ووَهْب بن جرِیر؛ کلُّھم عن شُعْبة بسنده ولیس فيه مسروق. قوله: ((وعَمْرو عن شُعْبةَ)) يعني: عَمْرو بن مرزوق، وقد وَصَلَ حديثَه البَرْقانيّ في ((المصافحة)). ٧- باب الصلاة قبل المغرب ١١٨٣ - حدَّثنا أبو مَعمٍَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن الحسينِ، عن عبد الله بنِ بُرَيدةَ، قال: حدَّثني عبدُ الله المُزَنيُّ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((صَلُّوا قبلَ صلاةِ المغربِ)) قال في الثّالثةِ: ((لمن شاءَ)) كراهيةَ أن يَتَّخِذَها الناسُ سُنّةً. [طرفه في: ٧٣٦٨] ١١٨٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حَبِيبٍ، قال: سمعتُ مَرِثَدَ بنَ عبدِ اللهِ الْيَزَنَّ قال: أتيتُ عُقْبَةَ بنَ عامرِ الجُهَنيَّ فقلتُ: أَلَّا أُعجِّبُكَ من أبي تَمِيم يركعُ رَكْعتَينِ قبلَ صلاةِ المغربِ؟! فقال عُقْبةُ: إِنَّا كنّا نَفْعَلُه على عَهْدِ رسول الله وَله، قلتُ: فما يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قال: الشُّغْلُ. قوله: ((باب الصلاة قبلَ المغرب)) لم يَذكُر المصنِّفُ الصلاةَ قبلَ العصر، وقد وَرَدَ فيها حديثٌ لأبي هريرة مرفوع لفظه: ((رَحِمَ الله امرأَ صلَّى قبلَ العصرِ أربعاً) أخرجه أحمد وأبو داود والتِّرمِذيّ وصحَّحه ابن حِبَّن(١)، ووَرَدَ من فعله أيضاً من حديث عليّ بن أبي طالب، أخرجه التِّرمِذيُّ (٤٢٩) والنَّسائيّ (٨٧٤) وفيه: أنَّه كان يُصلِّ قبلَ العصرِ أربعاً. وليسا على شرط البخاريِّ(٢). (١) ذَهَلَ الحافظ ابن حجر فعَزَاه لأبي هريرة، والصواب أنه عن ابن عمر، وهو عند أحمد (٥٩٨٠)، وأبي داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠)، وابن حبان (٢٤٥٣). (٢) وإسناداهما جيدان. ٤١٣ باب ٧ / ح ١١٨٣ - ١١٨٤ أبواب التطوع قوله: ((عن الحسين)) هو ابن ذَكْوانَ المعلِّم. قوله: ((حدَّثني عبد الله المُزَنِيّ» هو ابن مُغفَّل بالمعجَمة والفاء المشدَّدة. قوله: ((صَلُّوا قبلَ صلاةِ المغرب)) زاد أبو داود (١٢٨١) في روايته عن القَوَاريريِّ(١) عن عبد الوارث بهذا الإسناد: ((صَلّوا قبلَ المغربِ ركعتين)) ثمَّ قال: ((صَلُّوا قبلَ المغربِ ركعتين))، وأعادها الإسماعيليّ من هذا الوجه/ ثلاث مرَّات، وهو موافقٌ لقوله في رواية ٦٠/٣ المصنّف: ((قال في الثالثة: لمن شاء))، وفي رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج)): ((صَلُّوا قبلَ المغربِ ركعتين، قالها ثلاثاً، ثمّ قال: لمن شاءَ)). قوله: ((كراهيةَ أن يَتَّخِذَها الناسُ سُنَّةً)) قال المحِبُّ الطبريّ: لم يُرِدْ نفيَ استحبابها، لأنَّه لا يُمكِنُ أن يأمرَ بما لا يُستَحَبُّ، بل هذا الحديث من أقوى الأدلّة على استحبابها، ومعنى قوله: ((سُنّة)) أي: شَرِيعة وطريقة لازمة، وكأنَّ المراد انحطاط مَرتَبَتها عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يَعُدَّها أكثر الشافعيّة في الرَّواتبِ، واستَدرَكَها بعضهم، وتُعُقِّبُ بأنَّه لم يَثْبُت أنَّ النبيَّ وَّهِ وَاظَبَ عليها. وتقدَّم الكلام على ذلك مبسوطاً في ((باب كم بين الأذان والإقامة)) من أبواب الأذان (٦٢٥/٦٢٤). قوله: ((اليَزَنيّ)) بفتح التحتانيَّة والزّاي بعدَها نون، وهو مِصريّ، وكذا بقيّة رجال الإسناد سوی شیخ البخاري وقد دخلها. قولها: ((ألا أُعجِّك)) بضم أوله وتشديد الجيم من التَّعَجُّب. قوله: ((من أبي تَمِيم)) هو عبد الله بن مالك الجَيْشانيّ - بفتح الجيم وسكون التحتانيَّة بعدَها معجمة - تابعيٍّ كبير مُضرَم، أسلمَ في عهد النبيِّ وَله وقرأ القرآنَ على معاذ بن جَبَل، ثمَّ قَدِمَ في زمنٍ عمرَ فشَهِدَ فتحَ مصرَ وسَكَنَها، قال ابن يونس: وقد عَدَّه جماعة في الصحابة لهذا الإدراك. ولم يَذْكُر المِزِّيّ في ((التَّهذيب)) أنَّ البخاريَّ أخرج له، وهو على شرطِهِ، فیُرَدُّ علیه بهذا الحديث(٢). (١) تحرف في (س) إلى: الفربري. (٢) ليس الردُّ عليه بظاهر، لأن البخاري رحمه الله لم يخرج عن أبي تميم هنا خبراً مرفوعاً ولا موقوفاً، وإنما = ٤١٤ باب ٨ / ح ١١٨٥ - ١١٨٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((يركعُ رَكْعتَين)) زاد الإسماعيليّ: ((حين يسمعُ أذان المغرب)) وفيه: ((فقلت لعُقْبَةَ وأنا أُريدُ أن أغمِصَه)) وهو بمعجمةٍ ثُمَّ مُهمَلة، أي: أَعِيبه. قوله: ((فقال عُقْبة ... )) إلى آخره، استُدلَّ به على امتداد وقت المغربِ، ولا حُجّة فيه كما بَيَّاه في الباب السابق، وقال قوم: إنَّما تُستَحَبُّ الركعتان المذكورتان لمن كان مُتأهِّباً بالطَّهرِ وسَتْر العَورةِ لئلّا يُؤخّرَ المغرب عن أول وقتها، ولا شكَّ أنَّ إيقاعَها في أول الوقتِ أَولى، ولا يخفى أنَّ محلّ استحبابهما ما لم تُقَم الصلاةُ، وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة فوائده في الباب السابق. وفيه رَدٌّ على قول القاضي أبي بكر بن العربيّ: لم يفعلهما أحد بعد الصحابة، لأنَّ أبا تميم تابعيٌّ وقد فَعَلهما. وذكر الأثرَمُ عن أحمد أنَّه قال: ما فعلتُهما إِلَّ مَرَّة واحدة حين سمعتُ الحديث. وفيه أحاديثُ حِيادٌ عن النبيِّ وَّهِ والصحابة والتّابعين، إلَّا أنَّه قال: ((لمن شاءَ)) فمَن شاءَ صَلَّى. ٨- باب صلاة النَّوافل جماعةً ذَكَرَه أنسُّ وعائشةُ رضي الله عنهما عن النبيِّ ◌َِّ. ١١٨٥ - حذَّثني إسحاقُ، حدَّثْنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أَبي، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني محمودُ بنُّ الرَّبيع الأنصاريُّ: أنَّه عَقَلَ رسولَ الله ◌َِّ وعَقَلَ تَجَةً مَجَّها في وجهِه من بئرٍ کانت في دارِهِم. ١١٨٦ - فَزَعَمَ محمودٌ: أنَّ سَمِعَ عِْبانَ بنَ مالكِ الأنصاريَّ هِ، وكانَ ثَمَّنْ شَهِدَ بَدْراً مع رسول الله وَلّه يقول: كنتُ أُصلِّي لِقَوْمي ببني سالمٍ، وكانَ يَحُولُ بيني وبينهم وادٍ إذا جاءتٍ الأمطارُ، فيَشُقُّ عليَّ اجتيازُهُ قِبَلَ مسجدِهم، فجئتُ رسولَ الله ◌َّه فقلتُ له: إنّ أنكَرْتُ بَصَري، وإنَّ الواديَ الَّذي بيني وبين قومي يَسِيلُ إذا جاءتِ الأمطارُ، فيَشُقُّ عليَّ اجتيازُه، = وقع ذكرُه في أثناء الرواية من غير احتجاج به، والله أعلم. (س). ٤١٥ باب ٨ / ح ١١٨٥ - ١١٨٦ أبواب التطوع فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فتُصلِّي من بيتي مكاناً / أَّخِذُهُ مُصلَّى، فقال رسول الله وَّيِ: ((سأفْعَلُ)) فغَدًا علىَّ ٦١/٣ رسولُ الله وَّهِ وأبو بكرٍ رضي الله عنه بعدما اشتَدَّ النَّهارُ، فاستَأَذَنَ رسولُ الله ◌َِّ فَأَذِنْتُ له، فلم يَجلِسْ حَتَّى قال: ((أينَ تُحِبُّ أن نُصَلِّيَّ من بيتِكَ؟)) فأشَرْتُ له إلى المكان الَّذي أُحِبُّ أن يُصلِّيَ فيه، فقامَ رسول الله وََّ فِكَبََّ وصَفَفْنا وراءَه فصَلَّى رَكْعتَينٍ، ثمَّ سَلَّمَ وسَلَّمْنا حينَ سَلَّمَ. فحَبَسْتُهُ على خَزِيرٍ يُصنَعُ له، فسَمِعَ أهلُ الدَّارِ أنَّ رسولَ الله ◌ِوَّهِ في بيتي، فئابَ رجالٌ منهم حتَّى كَثُرَ الرجالُ في البيتِ، فقال رجلٌ منهم: ما فَعَلَ مالكٌ، لا أَراه؟ فقال رجلٌ منهم: ذاكَ مُنافقٌ لا يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، فقال رسول الله وَّةَ: ((لا تَقُلْ ذاكَ، أَلَّا تَرَاهُ قال: لا إلهَ إلا الله، يَبْتَغي بذلكَ وجهَ الله؟)) فقال: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، أمَّا نحنُ فوالله لا نَرَى وُدَّه ولا حديثَه إلا إلى المنافقينَ، قال رسولُ الله وَّ: «فإنَّ اللهَ قد حَرَّمَ على النارِ مَن قال: لا إلهَ إلا الله، يَبتَغي بذلكَ وجه الله)). قال محمودُ بن الربيع: فحَدَّثْتُها قوماً فيهم أبو أيوبَ صاحبُ رسول الله وَّ فِي غَزْوَتِه التي تُوفِّيَ فيها ويزيدُ بنُ معاويةَ عليهم بأرضِ الرُّومِ، فأنكَرَها عليَّ أبو أيوبَ، قال: والله ما أظُنُّ رسولَ اللهِوَّ﴿ قال ما قلتَ قَطُّ، فكَبُّرَ ذلكَ عليَّ، فجعلتُ لله عليَّ إن سَلَّمَني حتَّى أقِفِلَ من غَزْوتي أن أسألَ عنها عِثْبانَ بنَ مالكٍ ﴾ إن وَجَدْتُه حَيّاً في مسجدٍ قومِه، فقَفَلتُ فأهلَلْتُ بِحَجّةٍ أو بعُمْرةٍ، ثمَّ ◌ِرْتُ حتَّى قَدِمتُ المدينةَ، فأتيتُ بني سالمٍ، فإذا عِتْبانُ شيخٌ أعمَى يُصلِّي لِقومِه، فلمَّا سَلَّمَ مِن الصلاةِ سَلَّمتُ عليه، وأخبرتُه مَن أنا، ثمَّ سألتُه عن ذلكَ الحديثِ، فحدَّثَنِيه كما حدَّثَنِيه أوَّلَ مرّةٍ. قوله: ((باب صلاة النَّوافل جماعة)) قيل: مراده النَّفْلُ المطلَق، ويحتملُ ما هو أعمُّ من ذلك. قوله: ((ذَكَرَه أنس وعائشة عن النبيِّ وَلّ)) أمَّا حديث أنس فأشار به إلى حديثه في صلاة النبيِّي ◌َّه في بيت أُمّ سُلَيم، وفيه: فصَفَفتُ أنا واليتيم وراءَه ... الحديث، وقد تقدَّم في الصُّفوف (٧٢٧) وغيرها. ٤١٦ باب ٨ / ح ١١٨٥ -١١٨٦ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا حديثُ عائشة فأشار به إلى حديثها في صلاة النبيِّ وَّ بهم في المسجد بالليل، وقد تقدَّم الكلام عليه في ((باب التحريض على قيام الليل)) (١١٢٩). قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) قيل: هو ابن راهويه، فإنَّ هذا الحديثَ وقع في ((مسنده)) بهذا الإسناد، لكن في لفظه مُالَفة يسيرة، فيحتملُ أن يكون إسحاقُ شيخُ البخاري فيه هو ابنَ منصور. قوله: ((أخبَرَنا يعقوب)) التعبير بالإخبار قَرِينة في كَوْن إسحاقَ هو ابنَ راهويه، لأنَّه لا يُعبِّرُ عن شيوخِه إلَّا بذلك، لكن وقع في رواية كَرِيمةً وأبي الوَقْت وغيرهما بلفظ التحديث، ويعقوب بن إبراهيم المذكور: هو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهْريّ. قوله: ((وعَقَلَ بَجَةً)) تقدَّم الكلام عليه في كتاب العلم (٧٧). قوله: ((كانَ في دارِهم)) أي: الدَّلُو، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: ((كانت)) أي: البئر. قوله: ((فَزَعَمَ محمود)) أي: أخبر، وهو من إطلاق الَّعْم على القول. قوله: ((فِيَشُقُّ عليّ)) في رواية الكُشِمِيهَنيّ: ((فَشَقَّ)) بصيغة الماضي. قولُهُ: ((أينَ تُحِبُّ أن نُصلِّ)» بصيغة الجمع، كذا للأكثر، وفي رواية الگُشميهنيّ بالإفراد. قوله: ((ما فعل مالكٌ؟)) هو ابن الدُّخشُن. قوله: ((لا أَراه)) بفتح الهمزة من الرُّؤية. قوله: ((قال محمود بن الرّبيع)) أي: بالإسناد الماضي. ((فحَدَّثُها قوماً)) أي: رجالاً ((فيهم أبو أيوبَ)) هو خالد بن زيد الأنصاريّ الذي نزل عليه رسول الله ◌َّ لمَّا قَدِمَ المدينة. قوله: ((التي تُوقّيَ فيها)» ذكر ابن سعد (٤٨٤/٣ -٤٨٥) وغيرُه: أنَّ أبا أيوب أوصى أن ٦٢/٣ يُدفَنَ تحتَ أقدام الخيلِ ويُغَيَّبَ موضعُ قبره، فدُفِنَ إلى جانب جِدار القُسطَنطينيّة. ٤١٧ باب ٨ / ح ١١٨٥ - ١١٨٦ أبواب التطوع قوله: «ویزیدُ بن معاوية» أي: ابن أبي سفيان. قوله: ((عليهم)) أي: كان أميراً، وذلك في سنة خمسينَ، وقيل: بعدَها في خلافةِ معاوية، ووَصَلوا في تلك الغزوةِ حتَّى حاصَرُوا القُسْطَنطينيّة. قوله: ((فأنكَرَها عليَّ) قد بيَّن أبو أيوب وجه الإنكار، وهو ما غَلَبَ على ظنِّه من نفي القول المذكور، وأمَّا الباعثُ له على ذلك فقيل: إنَّه استَشكَلَ قوله: ((إنَّ اللهَ قد حَرَّمَ النارَ على مَن قال: لا إلهَ إلَّ الله)) لأنَّ ظاهرَه لا يدخلُ أحد من عُصاة الموحِّدينَ النارَ، وهو مخالفٌ لآياتٍ كثيرةٍ وأحاديثَ شَهيرةٍ منها أحاديث الشَّفاعة، لكنَّ الجمعَ تُمكِّنٌ بأن يُحمَلَ التحريم على الخُلود. وقد وافق محموداً على رواية هذا الحديث عن عِتْبان أنس بن مالك كما أخرجه مسلم (٥٥/٣٣) من طريقِه، وهو مُتابعٌ قويٌّ جدّاً، وكأنَّ الحاملَ لمحمودٍ على الرُّجوع إلى عِتْبانَ ليسمع الحديث منه ثاني مرَّةٍ: أنَّ أبا أيوب لمَّا أنكَرَ عليه اتََّمَ نفسه بأن يكون ما ضَبَطَ القَدْر الذي أنكَرَه عليه، ولهذا قَنِعَ بسماعه من عِثْبان ثاني مرَّة. قوله: ((حتَّى أَقِغِلَ» بقافٍ وفاءٍ، أي: أَرجِعَ، وزناً ومعنَى. وفي هذا الحديث فوائدُ كثيرة تقدَّمت مبسوطة في ((باب المساجد في البيوت)) (٤٢٥) وفيه ما ترجم له هنا وهو صلاةُ النَّوافلِ جماعةً، وروى ابن وَهْب عن مالكِ: أنَّه لا بأسَ بأن يَؤُمَّ النَّفَرَ في النافلة، فأمَّا أن يكون مُشتَهِراً ويُجمَع له الناس فلا، وهذا بناه على قاعدتِه فِي سَدّ الذَّرائع لمَا يُخشى من أن يَظُنَّ مَن لا علم له أنَّ ذلك فریضة، واستثنی ابن حبيب من أصحابه قيامَ رمضان لاشتهار ذلك من فعل الصحابة ومَن بعدَهم رضي الله عنهم. وفي الحديث من الفوائد ممّا تقدَّم بعضه مبسوطاً: مُلاطَفة النبيّ ◌َّ بالأطفال، وذكر المرء ما فيه من العِلَّة مُعتذِراً، وطَلَب عَينِ القِبْلة، وأنَّ المكان المَتَّخَذَ مسجداً من البيت لا يخرجُ عن مِلكِ صاحبه، وأنَّ النَّهيَ عن استيطان الرجل مكاناً إنَّما هو في المسجد العامّ. وفيه عَيبُ مَن تَخَلَّفَ عن حضور مَجَلِس الكبير، وأنَّ مَن عِيبَ بما يَظهَرُ منه لا يُعَدُّ ٤١٨ باب ٩ / ح ١١٨٥-١١٨٧ فتح الباري بشرح البخاري غِيبةً، وأنَّ ذِكْرَ الإنسان بما فيه على جهة التعريفِ جائز، وأنَّ التلفَّظَ بالشَّهادتين كافٍ في إجراء أحكام المسلمين. وفيه استثبات طالب الحديث شيخَه عَّا حدَّثه به إذا خَشِيَ من نِسيانه وإعادةُ الشيخ الحديث، والرِّحلة في طلب العلم وغير ذلك. وقد ترجم المصنِّف بأكثرَ من ذلك، والله المستعان. ٩- باب التطوّع في البيت ١١٨٧ - حدَّثنا عبدُ الأعلَى بنُ حَمَّادٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ وعُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله آلے: «اجْعَلُوا في بیوتِکم من صلاِگُم، ولا تَتَّخِذُوها قُبوراً)). تابَعَه عبدُ الوهّاب عن أيوبَ. قوله: ((باب التطوّع في البيت)) أورَدَ فيه حديثَ ابن عمر: ((اجعلوا في بيوتِكم من صلاتكم))، وقد تقدَّم بلفظه من وجهٍ آخرَ عن نافع (٤٣٢) في ((باب كراهية الصلاة في المقابر)) من أبواب المساجد مع الكلام عليه. قوله: ((تابَعَه عبد الوهّاب)) يعني: الثَّقَفيّ ((عن أيوب))، وهذه المتابَعة وَصَلَها مسلم (٢٠٩/٧٧٧) عن محمد بن المثنَّى عنه بلفظ: ((صَلُّوا في بيوتكم ولا تَتَّخِذوها قُبُوراً)). ٤١٩ أبواب التطوع: فضل الصلاة في المسجدين باب ١ / ح ١١٨٨-١١٨٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ فضْل الصَّلاة فى مسْجِد مكة والمدينة ] ٦٣/٣ ١ - باب فضل الصلاة في مسجد مكَّة والمدينة ١١٨٨ - حدّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عبدُ المِلِك، عن قَزَعةَ، قال: سمعتُ أبا سعيدٍ ﴾ أربعاً قال: سمعتُ مِن النبيِّ وَ ﴿؛ وكانَ غَزَا مع النبيِّ وَّهِ ثِنْتَي عشرةَ غَزْوةً. ١١٨٩- وحدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَِّ قال: ((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجدِ الرسولِ بَّ، ومسجد الأقصى)». قوله: ((باب فضل الصلاة في مسجد مكَّةَ والمدينة)) ثَبَتَ في نسخة الصَّغَانيّ البسملة قبلَ الباب. قال ابن رُشَيد: لم يقل في الترجمة: وبيت المقدس، وإن كان مجموعاً إليهما في الحديث، الكَونِه أفرَدَه بعد ذلك بترجمة، قال: وترجم بفَضْل الصلاة وليس في الحدیث ذِكْر الصلاة، ليُبيِّ أنَّ المراد بالرِّحلةِ إلى المساجد قَصْد الصلاة فيها، لأنَّ لفظ المساجد مُشعِرٌ بالصلاة. انتهى. وظاهرُ إيراد المصنِّ لهذه الترجمة في أبواب التطوُّع يُشعِرُ بأنَّ المراد بالصلاة في الترجمة صلاة النافلة، ويحتملُ أن يُرادَ بها ما هو أعمُّ من ذلك فتَدخُلُ النافلة، وهذا أوجَهُ، وبه قال الجمهور في حديث الباب، وذهب الطَّحَاويّ إلى أنَّ التفضيلَ مُخْتَصَّ بصلاة الفريضة كما سيأتي. ٤٢٠ باب ١ / ح ١١٨٨ - ١١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أخبرني عبد الملِك)) هو ابن عُمَير كما وقع في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيليِّ. قوله: ((عن قَزَعةَ)) بفتح القاف وكذا الزّاي، وحكى ابن الأثيرِ سكونها، بعدَها مُهمَلة: وهو ابن يحيى، ويقالُ: ابنُ الأسوَد، وسيأتي بعد خمسة أبوابٍ (١١٩٧) في هذا الإسناد: ((سمعتُ قَزَعة مولى زياد) وهو هذا، وزياد مولاه: هو ابن أبي سفيان الأمير المشهور، ورواية عبد الملك بن عُمَير عنه من رواية الأقران، لأنَّهما من طَبقةٍ واحدةٍ. قوله: ((سمعتُ أبا سعيد أربعاً) أي: يذكر أربعاً، أو: سمعتُ منه أربعاً، أي: أربعَ كلمات. قوله: ((وكانَ غَزَا)) القائل ذلك هو قَزَعة، والمَقُول عنه أبو سعيد الخُدْريّ. قوله: ((ثُنْتَي عشرةَ غَزْوةً)) كذا اقتَصَرَ المؤلِّف على هذا القَدْرِ ولم يَذكُر من المتن شيئاً، وذكر بعدَه حديث أبي هريرة في شَدِّ الرِّحال، فظَنَّ الداووديُّ الشارح أنَّ البخاريَّ ساق الإسنادينِ لهذا المتن، وفيه نظرٌ، لأنَّ حديث أبي سعيد مُشتَمِل على أربعة أشياءَ كما ذكر المصنِّف، وحديث أبي هريرة مُقْتَصِر على شدّ الرِّحال فقط، لكن لا يَمنَعُ ذلك الجمعَ بينهما في سياقٍ واحدٍ بناءً على قاعدة البخاري في إجازة اختصار الحديث. وقال ابن رُشَيد: لمَّا كان أحدُ الأربع هو قولَه: ((لا تُشَدُّ الرِّحال)» ذكر صدرَ الحديث ٦٤/٣ إلى الموضع الذي / يَتَلاقى فيه افتتاحُ أبي هريرة لحديث أبي سعيد فاقتَطَفَ الحديث، وكأنَّه قَصَدَ بذلك الإغماضَ ليُنَبِّهَ غيرَ الحافظ على فائدة الحِفْظ، على أنَّه ما أخلاه عن الإيضاح عن قُربٍ، فإنَّه ساقه بتمامه (١٩٩٧) خامس ترجمة. قوله: ((وحدَّثنا عليّ)) هو ابنُ المَدِينيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينة، وسعيد: هو ابن المسيِّب، ووقع عند البيهقيّ (٨٢/١٠) من وجه آخر عن علي بن المَدِينيّ قال: حدَّثَنا به سفيان مرَّةً بهذا اللفظ، وكان أكثر ما يُحدِّثُ به بلفظ: ((تُشَدُّ الرِّحال)). قوله: ((لا تُشَدُّ الرِّحال)) بضم أوله بلفظ النَّفي، والمراد: النَّهي عن السفر إلى غيرها، قال الطِّيبِيّ: هو أبلَغُ من صريح النَّهي، كأنَّه قال: لا يستقيمُ أن يُقصَدَ بالزيارةِ إلَّا هذه البِقاع