Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ باب ١٧ / ح ١١٤٩ أبواب التهجد من الترجمة، وعليه اقتَصَرَ الإسماعيليّ وأكثر الشُّرّاح، والشِّقّ الأول ليس بظاهرٍ في حديث الباب، إلَّا إن ◌ُلَ على أنَّه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما سنذكره من حديث بُرَیدة. قوله: ((عن أبي حَيّان)) هو يحيى بن سعيد التَّيْمِيُّ، وصَرَّحَ به في رواية مسلم (٢٤٥٨) من هذا الوجه. وأبو زُرْعة: هو ابن عَمْرو بن جَرِير بن عبد الله البَجَليّ. قوله: ((قال لبلالٍ)) أي: ابن رَبَاح المؤذِّن. وقوله: ((عند صلاة الفجر)) فيه إشارة إلى أنَّ ذلك وقع في المنام، لأنَّ عادته وَلِّ أنَّه كان يَقُصُّ ما رآه ويُعبِّر ما رآه أصحابه كما سيأتي في كتاب التعبير (٧٠٤٧) بعد صلاة الفجر. قوله: ((بأرجَى عمل)) بلفظ أفعَلِ التفضيل المبنيِّ من المفعول، وإضافة العمل إلى الرَّجاء لأنَّه السبب الداعي إليه. قوله: ((في الإسلام)) زاد مسلم في روايته: ((مَنْفَعةً عندك)). قوله: ((أنّ)) بفتح الهمزة و((مِنْ)) مُقدَّرة قبلها صِلَة لأفعل التفضيل، وثبتت في رواية مسلم (٢٤٥٨)، ووقع في رواية الكُشمِيهَنيّ ((أنْ)) بنونٍ خفيفة بدل ((أنّ)). قوله: ((فإنِّي سمعت)) زاد مسلم (٢٤٥٨): ((الليلةَ)) وفيه إشارة إلى أنَّ ذلك وقع في المنام. قوله: ((دَفَّ نَعْلَيك)) بفتح المهمَلة، وضَبَطَها المحِبُّ الطبريُّ بالإعجام والفاء مُثقَّلة، وقد فَسَّره المصنِّف في رواية كَرِيمة بالتحريك، وقال الخليل: دَفَّ الطائرُ: إذا حَرَّك جناحَيه وهو قائم على رِجَلَيه، وقال الحُميدي: الذَّفّ: الحركة الخفيفة والسير اللَّيِّن. ووقع في رواية مسلم: ((خَشْف)) بفتح الخاء وسكون الشِّين المعجَمتَينِ وتخفيف الفاء، قال أبو عبيد وغيره: الخَشْف: الحركة الخفيفة. ويؤيِّده ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر (٣٦٧٩): ((سمعت خَشْفة))، ووقع في حديث بُرَيدةَ عند أحمد (٢٢٩٩٦) والتِّرمِذيّ (٣٦٨٩) وغيرهما: ((خَشْخَشة)) بمعجَمتَينِ مُكرَّرتَينٍ، وهو بمعنى الحركة أيضاً. قوله: ((طُهوراً) زاد مسلم: ((تامًا))، والذي يَظهَر أنَّه لا مفهوم لها، ويحتمل أن يَخَرُج ٣٦٢ باب ١٧ / ح ١١٤٩ فتح الباري بشرح البخاري بذلك الوضوء اللُّغَويّ، فقد يفعل ذلك لطرد النوم مثلاً. قوله: ((في ساعةٍ ليل أو نهار)) بتنوين ((ساعة)) وخفض ((ليل)) على البدل، وفي رواية مسلم: في ساعة من ليل أو نهار. قوله: ((إلَّا صَلَّيت)) زاد الإسماعيليّ: لرَبّ. قوله: ((ما كُتِبَ لي)) أي: قُدِّر، وهو أعمّ من الفريضة والنافلة. قال ابن التِّين: إنَّما اعتَقَدَ بلال ذلك لأنَّه عَلِمَ من النبيّ وَّ أنَّ الصلاة أفضل الأعمال، وأنَّ عملَ السرِّ أفضل من عمل الجهر، وبهذا التقرير يندفع إيرادُ مَن أورَدَ عليه غير ما ذُكِرَ من الأعمال الصالحة. والذي يَظهَر أنَّ المراد بالأعمال التي سأله عن إرجائها الأعمالُ المتطوَّع بها، وإلَّا فالمفروضة أفضل قطعاً. ويُستَفاد منه جوازُ الاجتهاد في توقيت العبادة، لأنَّ بلالاً تَوصَّلَ إلى ما ذكرنا بالاستنباط، فصَوَّبَه النبيُّ ◌َل. وقال ابن الجَوْزيّ: فيه الحثُّ على الصلاة عَقِبَ الوضوء، لئلا يَبقَى الوضوءُ خالياً عن مقصوده. وقال المهلَّب: فيه أنَّ الله يُعظِّم المجازاةَ على ما يُسِرُّه العبد من عمله. وفيه سؤال الصالحين عَّا يَهديهِم الله له من الأعمال الصالحة ليقتَديَ بها غيرهم في ذلك، وفيه أيضاً سؤالُ الشيخ عن عمل تلميذه ليَحُضَّه عليه ویُرغِّبه فیه إن كان حسناً، وإلَّا فينهاه. ٣٥/٣ واستُدلَّ به على جواز هذه الصلاة في الأوقات المكروهة لعموم قوله: ((في كلِّ ساعة)). وتُعُقِّبَ بأنَّ الأخذ بعمومِه ليس بأَولى من الأخذ بعموم النَّهي، وتعقّبه ابن التِّين بأنَّه ليس فيه ما يقتضي الفَوْريّة، فيُحمَل على تأخير الصلاة قليلاً ليخرج وقت الكراهة، أو أنَّه كان يُؤخّر الطُّهور إلى آخر وقت الكراهة لتقعَ صلاته في غير وقت الكراهة. ٣٦٣ باب ١٧ / ح ١١٤٩ أبواب التهجد لكن عند التّرمِذيّ (٣٦٨٩) وابن خُزَيمةَ (١٢٠٩) من حديث بُرَيدةَ في نحو هذه القصّة: ما أصابني حَدَثٌ قَطُّ إلَّا تَوضَّأت عندها، ولأحمد (٢٢٩٩٦) من حديثه: ما أحدثتُ إلَّا تَوضَّأت وصَلَّيت ركعتين؛ فدَلَّ على أنَّه كان يُعقِب الحَدَثَ بالوضوءِ والوضوءَ بالصلاة في أيّ وقت كان. وقال الكِرْمانيُّ: ظاهر الحديث أنَّ السماع المذكور وقع في النوم، لأنَّ الجنَّة لا يدخلها أحد إلَّا بعد الموت. ويحتمل أن يكون في اليَقَظة لأنَّ النبيَّ وَ لِّ دخلها ليلةَ الِعْراج. وأمَّا بلال فلا يَلزَم من هذه القصَّة أنَّه دخلها، لأنَّ قوله: ((في الجنَّة)) ظرفٌ للسماع ويكون الدَّفُّ بين يديه خارجاً عنها. انتهى، ولا يخفى بُعدُ هذا الاحتمال، لأنَّ السياق مُشعِر بإثبات فضيلة بلال لكَونِه جعل السببَ الذي بَلَغَه إلى ذلك ما ذكر من مُلازَمة التطهُّر والصلاة، وإنَّما ثبتت له الفضيلةُ بأن يكون رُئيَ داخلَ الجنَّة لا خارجَها. وقد وقع في حديث بُرَيدةَ المذكور: ((يا بلال بمَ سَبَقْتني إلى الجنَّة؟)) وهذا ظاهر في كَونِه رآه داخل الجنَّة. ويؤيِّد کَونَه وقع في المنام ما سيأتي في أول مناقب عمر (٣٦٧٩) من حديث جابر مرفوعاً: ((رأيتُني دخلتُ الجنَّة فسمعت خَشْفة فقيل: هذا بلال، ورأيت قصراً بفِنائه جاريةٌ فقيل: هذا لعمر)) الحديث، وبعده من حديث أبي هريرة (٣٦٨٠) مرفوعاً: ((بينا أنا نائم رأيتُني في الجنَّة، فإذا امرأة تتوضَّأ إلى جانب قصر فقيل: هذا لعمر)) الحديث، فعُرِفَ أنَّ ذلك وقع في المنام، وثبتت الفضيلة بذلك لبلالٍ لأنَّ رُؤيا الأنبياء وحيٌّ، ولذلك جَزَمَ النبيُّ وَلِّ له بذلك. ومَشْيه بين يَدَي النبيّ ◌َ ◌ّ كان من عادته في اليَقَظة، فاتَّفَقَ مثلُه في المنام، ولا يَلزَمُ من ذلك دخولُ بلال الجنَّة قبلَ النبيّ ◌َِّ لأنَّه في مَقام التّابع، وكأنَّه أشار وَيّه إلى بقاء بلال على ما كان عليه في حال حياته واستمراره على قُرْب منزلَته، وفيه مَنقَبة عظيمة لبلالٍ. وفي الحديث: استحبابُ إدامة الطَّهارة ومُناسَبة المجازاة على ذلك بدخول الجنَّة، لأنَّ من لازمِ الدَّوام على الطَّهارة أن يَبِيتَ المرء طاهراً، ومَن باتَ طاهراً عَرَجَت روحه ٣٦٤ باب ١٨ / ح ١١٥٠ فتح الباري بشرح البخاري فَسَجَدَت تحت العَرْش، كما رواه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص(١)، والعرش سقف الجنَّة كما سيأتي في هذا الكتاب(٢). وزاد بُرَيدةَ في آخر حديثه(٣): ((فقال النبيّ ◌َِّ: بهذا))، وظاهره أنَّ هذا الثَّواب وقع بسبب ذلك العمل، ولا مُعارَضة بينه وبين قوله وَلّ: ((لا يُدخِل أحدَكم الجنَّةَ عملُه))(٤)، لأنَّ أحد الأجوبة المشهورة بالجَمْع بينه وبين قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: ٣٢] أنَّ أصل الدُّخول إنَّما يقع برحمة الله، واقتسام الدَّرَجات بحَسَب الأعمال، فيأتي مثله في هذا. وفيه أنَّ الجنَّة موجودة الآن خلافاً لمن أنكَرَ ذلك من المعتزلة. تنبيه: قول الكِرْمانيُّ: لا يدخل أحد الجنَّة إلَّا بعد موته، مع قوله: إنَّ النبيَّ وَّر دخلها ليلةَ الِعْراج وكان المعراج في اليَقَظة على الصحيح، ظاهر هما التَّناقُض، ويُمكِن حملُ النَّفي إن كان ثابتاً على غير الأنبياء، أو يُحْصّ في الدنيا بمَن خَرَجَ عن عالم الدنيا ودَخَلَ في عالم الملَكُوت، وهو قريب ممّاً أجاب به السُّهَيليّ عن استعمال طَسْت الذَّهَب ليلة المعراج. ١٨ - باب ما يُكرَه من التشديد في العبادة ٣٦/٣ ١١٥٠ - حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، عن أنسٍ ابنِ مالكِ﴾ قال: دَخَلَ النبيُّ ◌َهِ فإذا حبلٌ ممدودٌ بين السَّارِيتَينِ، فقال: ((ما هذا الحبلُ؟» قالوا: هذا حبلٌ لزينبَ، فإذا فَتَرَت تَعَلَّقَت، فقال النبيُّ وَّةِ: ((لا، خُلُّوه، ليُصلِّ أحدُكم نَشاطَه، فإذا فَتَرَ فَلْيَقعُد)). قوله: ((باب ما يُكرَه من التشديد في العبادة)) قال ابن بَطَّال: إنَّما يُكرَه ذلك خَشْية المَلاَل المفضي إلى ترك العبادة. (١) موقوفاً علیہ برقم (٢٧٨١)، وسنده ضعيف لا یصُ. (٢) انظر: كتاب التوحيد: ٢٢ - باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. (٣) عند أحمد (٢٢٩٩٦)، والترمذي (٣٦٨٩)، وابن خزيمة (١٢٠٩). (٤) سيأتي ضمن حديث برقم (٥٦٧٣) و(٦٤٦٣)، وهو عند مسلم أيضاً (٢٨١٦). ٣٦٥ باب ١٨ / ح ١١٥٠ أبواب التهجد قوله: ((حدَّثنا عبد الوارث)) هو ابن سعيد، والإسناد كلّه بصريُّون. قوله: ((دَخَلَ النبيُّ وَّ) زاد مسلم (٧٨٤) في روايته: المسجدَ. قوله: ((بين السَّاريتين)) أي: اللَّتَينِ في جانب المسجد، وكأنَّهما كانتا معهودتَينِ للمُخاطَب، لكن في رواية مسلم (٧٨٤): ((بين ساريتين)) بالتنكير. قوله: ((قالوا: هذا حبل لِزينب)) جَزَمَ كثير من الشُّرّاح تَبَعاً للخطيب في ((مُبهَماته)) بأنَّها بنت جَحْش أُتُّ المؤمنين، ولم أرَ ذلك في شيء من الطُرق صريحاً. ووقع في شرح الشيخ سِراج الدّين بن الملقِّن أنَّ ابن أبي شَيْبة رواه كذلك، لكنِّي لم أرَ في ((مسنده)) و ((مُصنَّفَه)) زيادة على قوله: ((قالوا: لزينب))، أخرجه عن إسماعيل ابن عُليَّة عن عبد العزيز، وكذا أخرجه مسلم (٧٨٤) عنه وأبو نُعَيم في ((المستخرَج)) (١) من طريقه، وكذلك رواه أحمد في ((مسنده)) (١١٩٨٦) عن إسماعيل، وأخرجه أبو داود (١٣١٢) عن شيخين له عن إسماعيل فقال عن أحدهما: ((زينب)) ولم يَنسُبها، وقال عن آخر: ((حَمْنة بنت جحش)) فهذه قَرِينة في گوْن زینب هي بنت جحش. وروى أحمد (١٢٩١٦) من طريق حَمَّاد عن حُميدٍ عن أنس: أنَّهَا حَمْنة بنت جَحْش أيضاً، فلعلَّ نسبة الحبل إليهما باعتبار أنَّه مِلكٌ لإحداهما والأُخرى المتعلِّقة به، وقد تقدَّم في كتاب الحيض(٢) أنَّ بنات جَحْش كانت كلُّ واحدة منهُنَّ تُدعَى زينب فيما قيل، فعلى هذا فالحبلُ لحَمْنة وأُطلِقَ عليها زينب باعتبار اسمها الآخر. ووقع في ((صحيح ابن خُزَيمَ)) (١١٨١) من طريق شُعْبة عن عبد العزيز: ((فقالوا: لميمونةَ بنت الحارث)) وهي رواية شاذّة، وقيل: يحتمل تعدُّد القصَّة، ووَهِمَ مَن فسَّرِها بِجُوَيريَة بنت الحارث، فإنَّ لتلك قصَّة أُخرى تقدَّمت في أوائل الكتاب، والله أعلم. وزاد مسلم (٧٨٤): فقالوا: لزينبَ تُصلِّي. (١) يعني ((المستخرَج على صحيح مسلم)) وهو فيه برقم (١٧٨٠). (٢) ينظر شرح حديث رقم (٣٠٩) و(٣٢٧). ٣٦٦ باب ١٨ / ح ١١٥٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فإذا فَتَرَت)) بفتح المثنَّاة، أي: كَسِلَت عن القيام في الصلاة، ووقع عند مسلم (٧٨٤) بالشّكّ: فإذا فَتَرَت أو كَسِلَت. قوله: ((فقال: لا)) يحتمل النَّفيَ، أي: لا يكون هذا الحبل أو لا يُحمَد، ويحتمل النَّهي، أي: لا تفعلوه، وسَقَطَت هذه الكلمة في رواية مسلم (٧٨٤). قوله: ((نَشاطَه)) بفتح النون، أي: مُدّة نشاطه. قوله: ((فليَقْعُد)) يحتمل أن يكون أمراً بالقُعودِ عن القيام، فيُستدَلّ به على جواز افتتاح الصلاة قائماً والقُعود في أثنائها، وقد تقدَّم نقلُ الخلاف فيه (١). ويحتمل أن يكون أمراً بالقُعودِ عن الصلاة، أي: بتركِ ما كان عَزَمَ عليه من التنفُّل، ويُمكِن أن يُستدَلّ به على جواز قَطْع النافلة بعد الدُّخول فيها، وقد تقدَّم (٢١٣) في ((باب الوضوء من النوم)) في كتاب الطَّهارة حديث: ((إذا نَعَسَ أحدُكم في الصلاة فليَنَم حتَّى يعلم ما يقرأ)) وهو من حديث أنس أيضاً، ولعلَّه طرف من هذه القصّة. ٣٧/٣ وفيه (٢١٢) حديث عائشة أيضاً: ((إذا نَعَسَ أحدكم وهو يُصلِّ/ فليَرَقُد حتَّى يذهبَ عنه النوم))، وفيه: (لئلّا يَسْتَغْفِرَ فِيَسُبَّ نفسَه وهو لا يَشعُرُ)) هذا أو معناه، ويجيء من الاحتمال ما تقدَّم في حديث الباب. وفيه الحثُّ على الاقتصاد في العبادة، والنَّهي عن التَّعَمُّق فيها، والأمر بالإقبال عليها بنشاطٍ. وفيه إزالة المنكَر باليد واللِّسان، وجواز تَنَفُّل النِّساء في المسجد. واستدلَّ به على كراهة التعلُّق في الحبل في الصلاة، وسيأتي (١١٩٨) ما فيه في ((باب استعانة اليد في الصلاة)) بعد الفراغ من أبواب التطوُّع. ١١٥١ - قال: وقال عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانت عندي امرأةٌ من بني أسَدٍ، فَدَخَلَ عليَّ رسولُ الله وَّ فقال: ((مَن هذه؟)) قلتُ: فُلانةُ، لا تَنامُ الليلَ - تَذكُر من صلاتها - فقال: ((مَهْ، عليكم ما تُطِيقُونَ مِن (١) تحت رقم (١١١٩)، وينظر رقم (١١٤٨). ٣٦٧ باب ١٨ / ح ١١٥١ أبواب التهجد الأعمالِ، فإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا)). قوله: ((وقال عبد الله بن مَسْلَمَةَ)) يعني: القَعْنبيّ، كذا للأكثر، وفي رواية الحَمُّوِيّ والمُستَمْلي: ((حدَّثنا عبد الله))، وكذا رُوّيناه في ((الموطَّأ)) رواية القَعنبيّ، قال ابن عبد البَرّ: تَفَرَّدَ القعنبيّ بروايته عن مالك في ((الموطأ)) دون بقيَّة رواته، فإنَّهم اقتَصَروا منه على طرف مختصر(١). قوله: ((تَذْكُرُ)) للمُستَمْلِي بفتح أوله بلفظ المضارع المؤَنَّث، وللحَمُّوِيِّ بضمه على البناء للمفعول بالتَّذكير، وللكُشمِيهَنيّ: ((فذُكِرَ)) بفاءٍ وضم المعجَمة وكسر الكاف، ولِكلِّ وجه، وعلى الأول يكون ذلك قول عُرْوة أو مَن دونه، وعلى الثاني والثالث يحتمل أن يكون من كلام عائشة، وهو على كلّ حال تفسيرٌ لقولها: ((لا تَنام الليل»، ووصفُها بذلك خَرَجَ تَخَرَج الغالب، وسُئِلَ الشافعيُّ عن قيام جميع الليل فقال: لا أكرهه إلَّا لمن خَشِيَ أن يَضُرّ بصلاة الصبح. وفي قوله ◌َّه في جواب ذلك: ((مَهْ)) إشارة إلى كراهة ذلك خَشْيَةَ الفُتور والمَلَال على فاعله لئلا ينقطعَ عن عبادة التَزَمَها فيكون رجوعاً عمَّا بَذَلَ لربِّه من نفسه. وقوله: ((عليكم ما تُطيقونَ من الأعمال)» هو عامٌّ في الصلاة وفي غيرها. ووقع في الرواية المتقدِّمة في الإيمان (٤٣) بدون قوله: ((من الأعمال))، فحمله الباجيُّ وغيره على الصلاة خاصَّة، لأنَّ الحديث وَرَدَ فيها، وحملُه على جميع العبادات أولى. وقد تقدَّمت بقيَّة فوائد حديث عائشة والكلام على قوله: ((إنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلّوا)) في ((باب أحبّ الدِّين إلى الله أدوَمه)) من كتاب الإيمان (٤٣). وممّا يَلحَق هنا أنّ وجدتُ بعض ما ذُكِرَ هناك من تأويل الحديث احتمالاً في بعض طرق الحديث وهو قوله: ((إنَّ الله (١) يشير إلى ما في ((الموطأ)) برواية يحيى الليثي ١١٨/١ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه بلغه: أن رسول الله وله سمع امرأة من الليل تصلي فقال: ((من هذه؟)) فقيل له: هذه الحولاء بنت تويت لا تنام الليل، فكره ذلك رسولُ الله وَّه حتى عُرفت الكراهية في وجهه ثم قال: ((إن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، اكلَفُوا من العمل ما لكم به طاقة)). وانظر ((التمهيد)) لابن عبد البر ١/ ١٩١-١٩٢. ٣٦٨ باب ١٩ / ح ١١٥٢ فتح الباري بشرح البخاري لا يَمَلّ من الثَّواب حتَّى تَمَلّوا من العمل)) أخرجه الطبريُّ في تفسير سورة المَّمِّل (١٢٥/٢٩)، وفي بعض طرقه ما يدلّ على أنَّ ذلك مُدرَج من قول بعض رواة الحديث، والله أعلم. ١٩ - باب ما يُكرَه من ترك قيام الليل لمن كان يقومه ١١٥٢ - حدَّثْنَا عبَّاسُ بنُ الحسينِ، حدَّثنا مُبِّرٌ، عن الأوزاعيِّ. وحذَّثني محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحسنِ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ عَمْرو بنِ العاصِ رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله وَله: ((يا عبدَ الله، لا تكن مِثلَ فُلانٍ كانَ يقومُ من الليلِ فَتَرَكَ قيامَ اللیلِ». وقال هشامٌ: حدَّثنا ابنُ أبي العِشْرِينَ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى، عن عمرَ بنِ الحَكّم بنِ ثَوْبانَ، قال: حدَّثني أبو سَلَمةَ بهذا مِثْلَه. وتابَعَه عَمُرُو بنُ أبي سَلَمَةَ عن الأوزاعيِّ. قوله: ((باب ما يُكرَه من تَرْك قيام الليل لمن كان يقومه)) أي: إذا أشعَرَ ذلك بالإعراض عن العبادة. قوله: ((حدَّثْنا عبَّاس بن الحسين)) هو بموخَّدة ومُهمَلة، بغداديٌّ، يقال له: القَنطَريّ، أخرجه عنه البخاري هنا وفي الجهاد(١) فقط. ومُبِشِّر بوزنٍ مُؤَذِّن من البِشارة، وعبد الله المذکور في الإسناد الثاني: هو ابن المبارك، وقد صرَّحَ في سياقه بالتحديث في جمیع الإسناد فَأُمِنَ تدليسُ الأوزاعيِّ وشيخه. ٣٨/٣ قوله: ((مثل فُلان)) لم أقف على تسميته في شيء من الطّرق، وكأنَّ إبهام مثل هذا لقَصْد السُّترة عليه كالذي تقدَّم قريباً (١١٤٤) في الذي نام حتَّى أصبَح، ويحتمل أن يكون النبيّ وَّه لم يَقصِد شخصاً مُعيَّناً، وإنَّما أراد تنفير عبد الله بن عَمْرو من الصَّنيع المذكور. (١) بل في المغازي برقم (٤٣٨٠). ٣٦٩ باب ١٩ / ح ١١٥٢ أبواب التهجد قوله: ((مِن الليل)) أي: بعض الليل، وسَقَطَ لفظ ((من)) من رواية الأكثر وهي مُرادَةٍ. قال ابن العربيّ: في هذا الحديث دليل على أنَّ قيام الليل ليس بواجبٍ، إذ لو كان واجباً لم يُكتفَ لتاركِه بهذا القَدْر، بل كان يَذُمّه أبلغَ الذَّمّ. وقال ابن حِبَّان: فيه جواز ذِكْرِ الشَّخص بما فيه من عَيبٍ إذا قَصَدَ بذلك التحذير من صنیعه. وفيه استحباب الدَّوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويُستَنَبَط منه كراهةٌ قَطعْ العبادة وإن لم تكن واجبة، وما أحسَنَ ما عَقَّبَ المصنّف هذه الترجمة بالتي قبلها، لأنَّ الحاصل منهما الترغيب في مُلازَمة العبادة والطَّريق الموصِل إلى ذلك الاقتصادُ فيها، لأنَّ التشدید فيها قد يُؤدّي إلی ترکها وهو مذموم. قوله(١): ((وقال هشام)) هو ابن عمَّار، وابن أبي العشرين بلفظ العَدَد: وهو عبد الحميد ابن حَبِيب كاتب الأوزاعيّ. وأراد المصنّف بإيراد هذا التعليق التنبيه على أنَّ زيادة عمر بن الحَكَم، أي: ابن ثَوْبان بين يحيى وأبي سَلَمَةَ، من المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد، لأنَّ يحيى قد صَرَّحَ بسماعه من أبي سَلَمة، ولو كان بينهما واسطة لم يُصرِّح بالتحديث، ورواية هشام المذكورة وَصَلَها الإسماعيليُّ وغيره. قوله: ((بهذا)) في رواية كَرِيمة والأُصِيليّ: مثلَه. قوله: ((وتابَعَه عَمُرُو بن أبي سَلَمَةَ)) أي: تابَعَ ابنَ أبي العِشرين على زيادة عمر بن الحكم، ورواية عمرو المذكورة وَصَلها مسلم (١٨٥/١١٥٩) عن أحمد بن يوسف(٢) عنه، وظاهر (١) من هنا إلى أول الباب التالي ليس في (أ) و(ع)، وأثبتناه من (س). (٢) تحرف في (س) إلى: يونس. وعمرو بن أبي سلمة ليس له في ((صحيح مسلم)) سوى هذا الحديث ولم يروه عنه سوی أحمد بن یوسف الأزدي، أما أحمد بن یونس ۔ وهو أحمد بن عبد الله بن یونس ۔ فلا تُعرف له رواية عن عمرو لا عند مسلم ولا عند غيره، والله تعالى أعلم. ٣٧٠ باب ٢٠ / ح ١١٥٣ فتح الباري بشرح البخاري صنيعُ البخاري ترجيح رواية يحيى عن أبي سَلَمَةَ بغير واسطة، وظاهر صنيع مسلم يخالفه لأنَّه اقتَصَرَ على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارَقُطنيّ وغيرهما صنیعُ البخاريّ، وقد تابَعَ كلًّا من الروايتين جماعة من أصحاب الأوزاعيِّ فالاختلاف منه، وكأنَّه كان يُحدِّث به على الوجهين، فيُحمَل على أنَّ يحيى حمله عن أبي سَلَمَةَ بواسطةٍ ثمَّ لَقِیَه فحدَّثه به، فكان يرويه عنه على الوجهين، والله أعلم. ٢٠- بابٌ ١١٥٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن أبي العبَّاسِ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عَمرِو رضي الله عنهما قال: قال ليَ النبيُّ ◌َّ: ((ألم أُخْبَرْ أنَّكَ تقومُ الليلَ وتصومُ النَّهارَ؟)) قلتُ: إنِّي أَفعلُ ذلك. قال: ((فإِنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلكَ هَجَمَتْ عَينُكَ، وَنَفِهَتْ نَفسُكَ، وإِنَّ لِنفسِكَ حَقًّ، ولأهلِكَ حَقًّ، فصُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ)). قوله: ((بابٌ)) كذا في الأصل بغير ترجمة، وهو كالفصل من الذي قبله وتعلَّقه به ظاهر، وكأنَّه أوماً إلى أنَّ المتن الذي قبله طَرَفٌ من قصَّة عبد الله بن عَمْرو في مُراجَعة النبيِّ ◌َّ له في قیام اللیل وصیام النهار. قوله: ((عن عَمْرو عن أبي العبّاس)» في رواية الحميدي في («مسنده)) (٥٩٠) عن سفيان: حدَّثنا عَمْرو سمعت أبا العبّاس. وعمرو: هو ابن دينار، وأبو العبّاس: هو السائب بن فَرُّوخَ، ويُعرَف بالشاعر. قوله: ((ألم أُخبَرْ)) فيه أنَّ الحُكْم لا ينبغي إلَّا بعد التثبّت، لأنَّه ◌َّه لم يَكْتَفِ بما نُقِلَ له عن عبد الله حتَّى لَقِيَه واستَئِبَته فيه، لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عَزْم، أو علَّقه بشرطٍ لم يَطَّلِعِ عليه الناقلُ ونحو ذلك. قوله: ((هَجَمَت عَينُك)) بفتح الجيم، أي: غارَت أو ضَعُفَت لكثرة السهر. قوله: (نَفِهَت)) بنونٍ ثمَّ فاء مكسورة، أي: كَلَّت، وحكى الإسماعيليُّ أنَّ أبا یعلی رواه له ٣٧١ باب ٢٠ / ح ١١٥٣ أبواب التهجد (تَفِهَت)) بالتّاء بدل النون، واستَضعَفَه. قوله: (وإنَّ لِنفسِك عليك حَقّاً) أي: تُعطِيها ما تحتاج إليه ضَرُورةُ البَشَريّة ممَّا أباحَه الله للإنسان من الأكل والشُّرب والرَّاحة التي يقوم بها بَدَنُه، ليكون أعوَنَ على عبادة ربِّه، ومن حقوق النَّفس قَطعُها عمّا سوى الله تعالى، لكنَّ ذلك يَخْتَصُّ بالتعلُّقات القَلْبِيَّة. قوله: ((ولأهلِك عليك حقّا)) أي: تَنظُر لهم فيما لا بدَّ لهم منه من أمور الدنيا والآخرة، ٣٩/٣ والمراد بالأهل الزَّوجةُ، أو أعمُّ من ذلك ممَّن تَلزمه نفقته. وسيأتي بیان سبب ذِكْر ذلك له في الصيام (١٩٧٧). تنبيه: قوله: ((حَقّاً)) في الموضعين للأكثر بالنصب على أنَّه اسم ((إنَّ))، وفي رواية كَرِيمة بالرَّفعِ فيهما على أنَّه الخبر، والاسم ضمير الشَّأن. قوله: ((فصُمْ)) أي: فإذا عَرَفتَ ذلك فصُم تارةً ((وأقْطِرٍ)) تارةً لتَجمَع بين المصلحتين. وفيه إيماءٌ إلى ما تقدَّم في أوائل أبواب التهجُّد (١١٣١) أنَّه ذُكر له صومُ داود، وقد تقدَّم الكلام على قوله: ((قُمْ ونَمْ)). وسيأتي في الصيام فيه زيادة من وجه آخر (١٩٧٥) نحو قوله: ((وإنَّ لعَينِك عليك حَقّاً)، وفي رواية (١٩٧٤ و١٩٧٥): «فإنَّ لزَوْرِك عليك حَقّاً) أي: للضَّيف. وفي الحديث جوازُ تحدَّث المرء بما عَزَمَ عليه من فعل الخير، وتَفَقُّد الإمام لأُمُورٍ رَعيَّتَه كلِّاتها وجُزئيّاتها، وتعليمهم ما يُصلِحهم. وفيه تعليل الحُكْم لمن فيه أهليَّة ذلك، وأنَّ الأَولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات، وأنَّ مَن تَكَلَّفَ الزيادة على ما طُبِعَ عليه يقع له الخللُ في الغالب. وفيه الحضُّ على مُلازَمة العبادة، لأنَّه ◌ِّهِ مع كراهتِه له التشديدَ علی نفسه حَضَّه علی الاقتصاد، كأنَّه قال له: ولا يمنعك اشتغالُك بحقوق مَن ذُكِرَ أن تُضيِّح حَقَّ العبادة وتترك المندوب جملةً، ولكن اجَمَعْ بينهما. ٣٧٢ باب ٢١ / ح ١١٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ٢١ - باب فضل مَن تَعارَّ من الليل فصلَّی ١١٥٤- حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْل، أخبرنا الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، قال: حدَّثني عُمَيرُ بنُ هانيٍ، قال: حدَّثني جُنَادةُ بنُ أبي أُميَّةَ، حدَّثَنِي عُبَادةُ بنُ الصَّامتِ، عن النبيِّ وَّةِ قال: ((مَن تَعارَّ مِن الليلِ فقال: لا إلهَ إلا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، الحمدُ لله، وسبحانَ الله، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلا بالله، ثمَّ قال: اللهمَّ اغفِرْ لي، أو دَعَا، استُجِيبَ، فإن تَوضَّأ قُبِلَت صلاُه)). ٤٠/٣ قوله: ((باب فَضْل مَن تَعارَّ من الليل فصَلَّى)» تَعارَّ بمُهمَلةٍ وراء مُشدَّدة، قال صاحب ((المحكم)): تَعارَّ الظَّليمُ(١) مُعارَّةً: صاحَ، والتَّعارُّ أيضاً: السهر والتَّمَطّي والتقلُّب على الفِراش ليلاً مع كلام. وقال ثَعلَبُّ: اختُلِفَ في تَعارَّ، فقيل: انتَبَه، وقيل: تكلّم، وقيل: عَلِمَ، وقيل: تَطَّى وأَنَّ. انتهى، وقال الأكثر: التَّعارُّ: اليَقَظة مع صوت. وقال ابن التِّين: ظاهر الحديث أنَّ معنى تَعارَّ: استَقَظَ، لأنَّه قال: ((مَن تَعارَّ فقال)) فعَطَفَ القول على التَّعَارّ، انتهى. ويحتمل أن تكون الفاء تفسيريّة لمَا صَوَّتَ به المستيقظ، لأنَّه قد يُصوِّت بغیر ذِكْر، فخَصَّ الفضلَ المذكور بمَن صَوَّتَ بما ذُكِرَ من ذِكْر الله تعالى، وهذا هو السِّ في اختيار لفظ (تَعارَ) دون استَيقَظَ، أو انتَبه، وإنَّما يَتَّفِقِ ذلك لمن تَعَوَّدَ الذِّكر واستأنسَ به وغَلَبَ عليه حتَّى صار حديثَ نفسه في نومه ويَقَظَته، فأكرَمَ مَن اتَّصَفَ بذلك بإجابة دعوته، وقَبُول صلاته. قوله: ((حدَّثنا صَدَقة)) هو ابن الفضل المروَزيُّ، وجميع الإسناد كلَّه شاميّون، وجُنادة: بضم الجيم وتخفيف النون، مُختلف في صُحبته. قوله: ((عن الأوزاعيِّ قال: حدَّثنا عُمَير بن هانئ)) كذا لمُعظَم الرُّواة عن الوليد بن مسلم، وأخرجه الطَّبَرانيُّ في («الدُّعاء)) (٧٦٣) من رواية صفوان بن صالح عن الوليد عن (١) الظَّليم: ذَكَرُ النَّعام. ٣٧٣ باب ٢١ / ح ١١٥٤ أبواب التهجد عبد الرحمن بن ثابت بن ثَوْبان عن عُمَير بن هانئ، وأخرجه الطَّبَرانيُّ فيه أيضاً عن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن إبراهيم الدِّمَشقيّ - وهو الحافظ الذي يقال له: دُخَيم - عن أبيه عن الوليد مقروناً برواية صفوان بن صالح، وما أظنُّه إلَّا وهماً، فإنَّه أخرجه في ((المعجم الكبير)) عن إبراهيم عن أبيه عن الوليد عن الأوزاعيِّ كالجادّة، وكذا أخرجه أبو داود (٥٠٦٠) وابن ماجَهْ (٣٨٧٨) وجعفر الفِريابيّ في ((الذِّكر)» عن دُحَيم، وكذا أخرجه ابن حِبَّان (٢٥٩٦) عن عبد الله بن سَلْم (١) عن دُحَيم. ورواية صفوان شاذَّة، فإن كان حَفِظَها عن الوليد احتُمِلَ أن يكون عند الوليد فيه شيخان، ويؤيِّده ما في آخر الحديث من اختلاف اللفظ حيثُ جاء في جميع الروايات عن الأوزاعيِّ: ((فإنْ قال: اللهمَّ اغفر لي ... )) إلى آخره، ووقع في هذه الرواية: ((كان من خَطَاياه كيومَ وَلَدَته أُمّه)) ولم يَذكُر: رَبِّ اغْفِر لي ولا دعاءً، وقال في أوله: ((ما من عبد يَتعارُّ من الليل)) بدل قوله: ((مَن تَعارَّ))، لكن تَخالُف اللفظ في هذه أخفّ من التي قبلها. قوله: ((له الملك وله الحمد)) زاد عليّ بن المَدِينيّ عن الوليد: ((يُحبي ويُميت)) أخرجه أبو نُعَيم في ترجمة عُمَير بن هانئ من ((الحِلية)) (١٥٩/٥) من وجهين عنه. قوله: ((الحمد لله وسبحان الله)) زاد في رواية كَرِيمة: ((ولا إله إلَّا الله))، وكذا عند الإسماعيليّ والنَّسائيِّ (ك١٠٦٣١) والتِّرمِذيّ (٣٤١٤) وابن ماجَهْ (٣٨٧٨) وأبي نُعَيم في ((الحِلية)) (١٥٩/٥)، ولم تختلف الروايات في البخاري على تقديم الحمد على التسبيح، لكن عند الإسماعيليّ بالعكس، والظاهر أنَّه من تَصَرُّف الرُّواة، لأنَّ الواو لا تَستَلِزِم الترتيب. قوله: ((ولا حَوْل ولا قُوَّةٍ إِلَّا بالله)) زاد النَّسائيُّ وابن ماجَهْ وابن السُّنِّي: ((العليِّ ٤١/٣ العظيم))(٢). (١) تحرف في (أ) و(ع) إلى: مسلم، وفي (س) إلى: سليم. وعبد الله هذا: هو عبد الله بن محمد بن سَلْم المقدسي، له ترجمة في «سير أعلام النبلاء)) ١٤/ ٣٠٦. (٢) لم ترد هذه الزيادة في النسخ التي بين أيدينا من النسائي، وهي عند ابن ماجه (٣٨٧٨) وابن السنِّي في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٥١). ٣٧٤ باب ٢١ / ح ١١٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ قال: اللهمَّ اغفِرْ لي، أو دَعَا)) كذا فيه بالشَّكِّ، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويؤيِّد الأول ما عند الإسماعيليّ بلفظ: (ثمَّ قال: ربِّ اغفر لي، غُفِرَ له، أو قال: فدَعَا، استُجيبَ له. شكَّ الوليد)) وكذا عند أبي داود (٥٠٦٠) وابن ماجَهْ (٣٨٧٨) بلفظ: ((غُفِرَ له، قال الوليد: أو قال: دعا، استُجيبَ له))، وفي رواية عليّ بن المَدِينِيّ(١): ((ثمَّ قال: ربِّ اغْفِرْ لي، أو قال: ثمَّ دعا))، واقتَصَرَ في رواية النَّسائيِّ على الشِّقّ الأول. قوله: (استُجيبَ)) زاد الأَصِيليُّ: ((له)) وكذا في الروايات الأُخرى. قوله: ((فإن تَوضَّأ قُبِلَت صلاتُه)) أي: إن صَلَّى. وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوَقْت: ((فإن تَوضَّأ وصَلَّى))، وكذا عند الإسماعيليّ وزاد في أوله: ((فإن هو عَزَمَ فقام وتَوضَّأ وصَلَّى))، وكذا في رواية عليّ بن المَدِينيّ. قال ابن بَطَّل: وَعَدَ الله على لسان نبيِّهِ أنَّ مَن استَقَظَ من نومه لَهِجاً لسانُه بتوحيد ربِّه، والإذعانِ له بالملك والاعتراف بنِعَمِه يَحمَدُه عليها، ويُنزِّهه عمّا لا يليقُ به بتسبيحه، والخضوعِ له بالتكبير، والتَّسليم له بالعجزِ عن القُدْرة إلَّا بعَونِه، أنَّه إذا دَعَاه أجابه، وإذا صلَّى قُبِلَت صلاته، فينبغي لمن بَلَغَه هذا الحديث أن يَغتنِمَ العملَ به، ويُخْلِصَ نِيَّتَه لربِّه سبحانه وتعالى. قوله: (قُبِلَت صلاته)) قال ابن المنيِر في ((الحاشية)): وجه ترجمة البخاري بفَضْل الصلاة، وليس في الحديث إلَّا القَبُول، وهو من لوازم الصِّحّة، سواء كانت فاضلة أم مفضولة، لأنَّ القَبُول في هذا الموطن أرجَى منه في غيره، ولولا ذلك لم يكن في الكلام فائدة، فلأجلِ قُرْب الرَّجاء فيه من اليقين تَيَّزَ على غيره وثَبَتَ له الفضل. انتهى، والذي يَظهَر أنَّ المراد بالقَبولِ هنا قَدْرٌ زائد على الصِّحّة، ومن ثَمَّ قال الداووديُّ ما مُحُصَّله: مَن قَبِلَ الله له حسنة لم يُعذِّبه(٢)، لأَنَّه يعلم عواقبَ الأُمور فلا يَقبَل شيئاً ثمَّ يُحِبِطه، وإذا أُمِنَ الإحباط أُمِنَ (١) عند أبي نعيم في ((الحلية)) ١٥٩/٥. (٢) فيما قاله الداوودي نظرٌ، وظاهر النصوص يخالفه، ولا يلزم من قَبُول بعض الأعمال عدم التعذيب على = ٣٧٥ باب ٢١ / ح ١١٥٥ أبواب التهجد التعذيب، ولهذا قال الحسن: وَدِدتُ أنّي أعلم أنَّ الله قَبِلَ لي سجدة واحدة. فائدة: قال أبو عبد الله الفِرَبريّ الرَّاوي عن البخاريّ: أجرَيتُ هذا الذِّكر على لساني عند انتباهي ثمَّ نِمتُ، فأتاني آتٍ فقرأ ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيْبِ مِنَ الْقَوَّلِ﴾ الآية [الحج: ٢٤]. ١١٥٥- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهَاب، أخبرني الهيثمُ بنُ أبي سِناٍ، أَنَّه سَمِعَ أبا هريرةَ ﴾ وهو يَقُصُّ في قَصَصِه وهو يَذْكُرُ رسولَ الله وَلّ. إنَّ أخاً لكم لا يقولُ الرَّفَثَ؛ يعني بذلك عبدَ الله بنَ رَواحة: وفِينَا رسولُ الله يَتْلُو كتابَهُ إِذا انشَقَّ معروفٌ من الفجرِ ساطِعُ به مُوقِناتٌ أنَّ ما قال واقعُ أرَانا الهُدَى بعدَ العَمَی فقلوبُنا إذا استثقلَتْ بالمشركينَ المضاجعُ يَبِيتُ يُجافي جَنْبَه عن فِراشِهِ تابَعَه عُقَيْلٌ. وقال الزُّبَيدِيُّ: أخبرني الزُّهْرِيُّ، عن سعيدٍ والأعرج، عن أبي هريرةَ، [طرفه في: ٦١٥١] قوله: (الهيثم)) بفتح الهاء وسكون التحتانيَّة بعدها مُثَلَّثة مفتوحة، وسِنَان: بكسر المهمَلة ونونَينِ الأولى خفيفة. قوله: ((أنَّه سَمِعَ أبا هريرة وهو يَقُصّ في قَصَصِه)) أي: مواعظه التي كان أبو هريرة يُذكِّر أصحابه بها. قوله: ((وهو يَذْكُرُ رسولَ الله وَله: إنَّ أخاً لكم)) معناه أنَّ أبا هريرة ذكر رسولَ اللهوَل فاستَطَرَدَ إلى حكاية ما قيل في وصفه، فذكر كلامَ عبد الله بن رواحة بما وَصَفَه به من هذه الأبيات. قوله: ((إنَّ أخاً لكم)) هو المسموع للهيثم، والرَّفَت: الباطل أو الفُحْش من القول، والقائل ((يعني)) هو الهيثم، ويحتمل أن يكون الزُّهْريَّ. = أعمال أخرى من السيئات مات العبدُ مصرّاً عليها، فتنبه، والله أعلم. (س). ٣٧٦ باب ٢١ / ح ١١٥٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إذا انشَقَّ)) كذا للأكثر، وفي رواية أبي الوَقْت: ((كما انشَقَّ)»، والمعنى مُخْتَلِف وكلاهما واضح. قوله: ((من الفجر)) بيانٌ للمعروف الساطع، يقال: الساطع، إذا ارتَفَع. قوله: ((العَمَى)) أي: الضَّلالة. قوله: ((يُجافي جنبه)) أي: يَرفَعُه عن الفِراش، وهو كناية عن صلاته بالليل، وفي هذا البيت الأخير معنى الترجمة لأنَّ التَّعارَّ هو السهر والتقلُّب على الفراش كما تقدَّم، وكأنَّ الشاعر أشار إلى قوله تعالى في صِفَة المؤمنين: ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ الآية [السجدة: ١٦]. فائدة: وقعت لعبد الله بن رَوَاحة في هذه الأبيات قصَّة أخرجها الدارَقُطنيُّ من طريق سَلَمةَ بن وَهْران عن عِكْرمة قال: كان عبد الله بن رواحة مُضطَجِعاً إلى جَنْب امرأته، فقام إلى جاريته، فذكر القصَّة في رُؤْيتها إيّاه على الجارية وجَحْدِه ذلك والتِماسِها منه القراءة، ٤٢/٣ لأنَّ الجُنُب لا يقرأ،/ فقال هذه الأبيات، فقالت: آمنتُ بالله وكذَّبتُ بصري، فأَعلمَ النبيَّ وَلَّ فِضحك حتَّى بَدَتْ نواجذُه(١). قال ابن بَطَّال: إنَّ قوله مَّهِ: ((إنَّ أخاً لكم لا يقول الرَّفَث)) فيه أنَّ حَسَنَ الشِّعر محمود کحَسَن الكلام. انتھی، وليس في سياق الحديث ما يُفصح بأنَّ ذلك من قوله پێ، بل هو ظاهر في أنَّه من كلام أبي هريرة، وبيان ذلك سيأتي في سياق رواية الزُّبَيديّ المعلّقة(٢). وسيأتي بقيّة ما يَتعلَّق بالشِّعرِ في كتاب الأدب (٦١٥١) إن شاء الله تعالى. قوله: ((تابَعَه عُقَيل)) أي: عن ابن شِهاب، فالضَّمير ليونس، ورواية عُقَيل هذه أخرجها الطَّبَرَانيُّ في ((الكبير)) (١٥٠١٩) من طريق سَلَامة بن رَوْح عن عمِّه عُقَيل بن خالد عن ابن شهاب، فذكر مثلً روایة یونس. (١) أخرجها الدارقطني في ((سننه)) (٤٣٢) و(٤٣٣) بإسناد ضعيف. وقد رُوِيَت هذه القصة من وجوه مُرسَلة كما قال الذهبي في كتابه «العلوّ للعليِّ الغفار)) ص٤٩، وقد اضطُرب في ألفاظها اضطراباً شديداً. (٢) بإثر حديث رقم (١١٥٥). ٣٧٧ باب ٢١ / ح ١١٥٦- ١١٥٨ أبواب التهجد قوله: ((وقال الزُّبَيديّ ... )) إلى آخره، فيه إشارة إلى أنَّه اختُلِفَ على الزُّهْريِّ في هذا الإسناد، فاتَّفَقَ يونس وعُقَيل على أنَّ شيخه فيه الهيثم، وخالَفَهما الزُّبَيديّ فأبدَله بسعيد - أي: ابن المسيِّب ـ والأعرج - أي: عبد الرحمن بن هُرمُز - ولا يَبعُد أن يكون الطَّريقان صحيحين فإنَّهم حُفّاظ أثَبات، والزُّهْريّ صاحب حديث مُكثِر، ولكن ظاهر صنيع البخاري ترجيح رواية يونس لمتابعة عُقَيل له، بخلاف الزُّبَيديّ. ورواية الزُّبَيديّ هذه المعلَّقَة وَصَلَها البخاري في ((التّاريخ الصغير))(١)، والطَّبَرانيُّ في ((الكبير)) (١٥٠١٧) أيضاً من طريق عبد الله بن سالم الحِمصيّ عنه ولفظه: أنَّ أبا هريرة كان يقول في قَصَصه: إنَّ أخاً لكم كان يقول شِعراً ليس بالرَّفَث، وهو عبد الله بن رواحة؛ فذكر الأبيات، وهو يُبيِّن أنَّ قوله في الرواية الأولى من كلام أبي هريرة موقوفاً بخلاف ما جَزَمَ به ابن بَطَّال، والله أعلم. ١١٥٦- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: رأيتُ على عَهْدِ النبيِّ وَ﴿ كأنَّ بيدي قِطْعةَ إستَبَرَقٍ، فكأنِّ لا أُرِيدُ مكاناً مِن الجنَّةِ إلا طارَتْ إليه، ورأيتُ كأنَّ اثنَيْنِ أَتَياني أرادا أن يَذْهَبا بي إلى النارِ، فتَلَقّاهما مَلَكٌ فقال: لم تُرَغْ، خَلِیًا عنه. ١١٥٧- فقَصَّت حَفْصةُ على النبيِّ وَّهَ إحدى رُؤْياي، فقال النبيُّ وَّ: ((نِعْمَ الرجلُ عبدُ الله لو كانَ يُصلِّي مِن الليلِ))، فكانَ عبدُ الله ﴾ يُصلِّي من الليلِ. ١١٥٨ - وكانوا لا يَزالُونَ يَقُصُّونَ على النبيِّ ◌َّهِ الرُّؤْيا أنَّها في الليلةِ السابعةِ مِن العَشْرِ الأواخِرِ، فقال النبيُّ وََّ: «أَرَى رُؤْياكم قد تَواطَأَت في العَشْرِ الأواخِرِ، فمَن كانَ مُتَحَرِّياً فلْيَتَحَرَّها في العَشْرِ الأواخِر)). [طرفه في: ٢٠١٥، ٦٩٩١] قوله: ((حدَّثنا أبو النُّعْمان)) هو السَّدُوسيّ. (١) وهي في ((التاريخ الأوسط)) أيضاً ١/ ٢٤. ٠ ٣٧٨ باب ٢٢ / ح ١١٥٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إلَّا طارَتْ إليه)) سيأتي في التعبير (٧٠١٥) بلفظ: ((إِلَّا طارَت بي إليه))، ويأتي بقيّة فوائده هناك إن شاء الله تعالى. وقد تقدَّم في أوائل أبواب التهجُّد من وجه آخر عن ابن عمر (١١٢١) دون القصّة الأولى. قوله: ((وكانَ عبد الله)) أي: ابن عمر ((يُصلِّي من الليل)) هو كلام نافع، وقد تقدَّم نحوه عن سالم. قوله: ((وكانوا)) أي: الصحابة. وقوله: ((أنّها)) أي: ليلة القَدْر. قوله: ((فَلْيَتَحَرَّها في العَشْرِ الأواخِر)) كذا للكُشمِيهَنيّ، ولغيره: ((من العشر الأواخر)). وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في أواخر الصيام (٢٠١٥). تنبيه: أغفلَ المِزِّيّ في ((الأطراف)) هذا الحديث المتعلِّق بليلة القَدْر فلم يَذكره في ترجمة أيوب عن نافع عن ابن عمر، وهو واردٌ عليه، وبالله التوفيق. ٢٢ - باب المداوَمَة على ركعتي الفجر ١١٥٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، حدَّثنا سعيدٌ - هو ابنُ أبي أيوبَ - قال: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةَ، عن عِرَاك بنِ مالكٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: صلَّى النبيُّ ◌َيه العِشاءَ، وصلَّى ثمانِ رَكَعاتٍ وَرَكْعتَينِ جالساً، وَرَكْعتَينِ بين النِّداءَين، ولم يكن يَدَعُهما أبداً. قوله: ((باب المداوَمَة على رَكْعتَي الفجر)) أي: سفراً وحَضَراً. قوله: ((حدَّثْنا عبد الله بن يزيد)) هو المُقرِئ. قوله: ((عن عِراك بن مالك عن أبي سَلَمَةَ)) خالَفَه الليث عن يزيد بن أبي حَبيب، فرواه عن جعفر بن ربيعة عن أبي سَلَمةَ لم يَذكُر بينهما أحداً، أخرجه أحمد (٢٥٨٥٧) والنَّسائيُّ (ك٤١٤ و٤٥١)، وكأنَّ جعفراً أخذَه عن أبي سَلَمةَ بواسطةٍ ثمَّ حمله عنه. ولیزیدَ فيه إسناد آخر رواه عن عِراك بن مالك عن عُرْوة عن عائشة، أخرجه مسلم (١٢٤/٧٣٦)، وكأنَّ لعِراكٍ فیه شیخین، والله أعلم. ٣٧٩ باب ٢٣ / ح ١١٦٠ أبواب التهجد قوله: ((وصَلَّى» في رواية الگُشمِیھَنيّ: «ثمَّ صَلَّى)) وليس فيه ذِكْر الوتر، وهو في رواية اللیث ولفظه: کان یُصلِّي بثلاث عشرة ركعة، تسعاً قائماً، ور کعتين وهو جالس. قوله: ((وَرَكْعتَينِ بين النِّداءَين)) أي: بين الأذان والإقامة، وفي رواية الليث: ثمَّ يُمهِل ٤٣/٣ حتَّى يُؤذَّن بالأولى من الصبح فيركع ركعتين، ولمسلم (١٢٦/٧٣٨) من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ: يُصلِّ ركعتين خفيفتين بين النِّداء والإقامة من صلاة الصبح. قوله: ((ولم يكن يَدَعُهما أبداً) استُدلَّ به لمن قال بالوجوب، وهو منقول عن الحسن البصريّ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٢٤١) عنه بلفظ: كان الحسن يرى الركعتين قبل الفجر واجبتَين؛ والمراد بالفجرِ هنا صلاة الصبح. ونقل المَرْغِينانيّ مثله عن أبي حنيفة، وفي ((جامع)) المحبوبيّ عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: لو صلَّاهما قاعداً من غير عُذر لم يَجُزْ، واستدلَّ به بعض الشافعيَّة للقديم في أنَّ ركعتَي الفجر أفضل التطوُّعات، وقال الشافعيّ في الجديد: أفضلها الوتر، وقال بعض أصحابه: أفضلها صلاة الليل، لما تقدَّم ذِكْره في أول أبواب التهجُّد(١) من حديث أبي هريرة عند مسلم (١١٦٣). تنبيه: قوله: ((أبداً)) تَقرَّرَ في كتب العربيَّة أنَّها تُستَعمَل للمُستَقْبَل، وأمَّا الماضي فيُؤَّد بقَطُّ، ويُجاب عن الحديث المذكور بأنَّهَا ذُكِرَت على سبيل المبالَغة إجراءً للماضي تَجَرَى المستقبَل كأنَّ ذلك دَابُه لا يَترُكه. ٢٣- باب الضِّجعة على الشِّقّ الأيمن بعد ركعتي الفجر ١١٦٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، قال: حدَّثني أبو الأسوَدِ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانَ النبيُّ ◌َّ إذا صلَّى رَكْعَتَيِ الفجرِ اضطَجَعَ على شِقُّه الأيمَنِ. قوله: ((باب الضِّجْعة)) بكسر الضّاد المعجَمة، لأنَّ المراد الهيئة، وبفتحِها على إرادة المرّة. قوله: ((أبو الأسوَد)) هو النَّوفَليّ يتيم عُرْوة. (١) عند: ٢ - باب فضل قيام الليل. ٣٨٠ باب ٢٤ / ح ١١٦١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((على شِقُّه الأيمَن)) قيل: الِحِكْمة فيه أنَّ القلب في جهة اليَسَار، فلو اضطَجَعَ عليه لاستَغْرَقَ نوماً لكَونِه أبلغَ في الرَّاحة، بخلاف اليمين فيكون القلب مُعلَّقاً فلا يَستغرِقُ. وفيه أنَّ الاضطِجاع إنَّما يَتِمّ إذا كان على الشِّقّ الأيمن، وأمَّا إنكار ابن مسعود الاضطِجاعَ، وقول إبراهيم النَّخَعيِّ: هي ضِجْعة الشيطان، كما أخرجهما ابن أبي شَيْبة (٢/ ٢٤٨)، فهو محمول على أنَّه لم يَبلُغهما الأمر بفعله، وكلام ابن مسعود يدلُّ على أنَّهِ إِنَّما أنكَرَ تحثُّمه، فإنَّه قال في آخر كلامه: إذا سَلَّمَ فقد فَصَل، وكذا ما حُكيَ عن ابن عمر أنَّه بدعة(١)، فإنَّه شَذَّ بذلك حتَّى رُوِيَ عنه أنَّه أمَرَ بحَصْب مَن اضطَجَعَ كما تقدَّم. وأخرج ابن أبي شَيْبة (٢٤٨/٢ -٢٤٩) عن الحسن: أنَّه كان لا يُعجِبه الاضطِجاع. وأرجحُ الأقوال مشروعيَّته للفصلِ لكن لا بعَينِه كما تقدَّم، والله أعلم. ٢٤ - باب من تحدَّث بعد الركعتين ولم يضطجع ١١٦١ - حدَّثنا بِشرُ بنُ الحَكَم، حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني سالمٌ أبو النَّضْرِ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ِّ كانَ إذا صلَّى سُنَّةَ الفجرِ، فإن كنتُ مُستيقِظةً حدَّثَنِي، وإلا اضطَجَعَ حتَّى يُؤْذَّنَ بالصلاةِ. قوله: ((باب مَن تحدَّث بعد الرَّكْعتَينِ ولم يَضطَجِع)) أشار بهذه الترجمة إلى أنَّه ◌َلا لم يكن يُداوِم عليها، وبذلك احتجَّ الأئمّة على عَدَم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك في حديث أبي هريرة عند أبي داود (١٢٦١) وغيره (٢) على الاستحباب، وفائدة ذلك الرَّاحة والنَّشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يُستَحَبّ ذلك إلَّ للتهجُّدِ، وبه جَزَمَ ابن العربيّ، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق (٤٧٢٢) أنَّ عائشة كانت تقول: إنَّ النبيّ وَلّ لم يَضطَجِع ٤٤/٣ لسُنّةٍ، ولكنَّه كان يَدأَبُ/ ليلتَه فيستريح، في إسناده راوٍ لم يُسمَّ. وقيل: إنَّ فائدتها الفصلُ بين ركعتَي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص، ومن ثَمَّ قال الشافعيّ: تَتأدَّى السُّنّة بكلِّ ما يَحصُل به الفصلُ من مشي وكلام وغيره، حكاه البيهقيُّ. (١) أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً في ((مصنفه)) ٢٤٩/٢. (٢) وهو عند الترمذي (٤٢٠)، وأحمد (٩٣٦٨).