Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ باب ١٢ / ح ١١٤٢ أبواب التهجد فيجوز أن يقرأ قوله: ((عقد)) بلفظ الفِعل وبلفظ الجمع، ثمَّ رأيت الإيراد بعَینِه للازَرِيّ، ثمَّ قال: وقد يُعتَذَر عنه بأنَّه إنَّما قَصَدَ مَن يُستَدام العَقْد على رأسه بترك الصلاة، وكأنَّه قَدَّرَ: مَن انحلَّت عُقَدہ کان لم تُعقَد علیه، انتهى. ويحتمل أن تكون الصلاة المنفيّة في الترجمة صلاة العشاء، فيكون التقدير: إذا لم يُصلِّ العِشاء، فكأنَّه يرى أنَّ الشيطان إنَّما يفعل ذلك بمَن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف مَن صلَّها ولا سيَّما في الجماعة، وكأنَّ هذا هو السِّرّ في إيراده لحديث سَمُرة عَقِب هذا الحديث لأنَّه قال فيه: ((وينام عن الصلاة المكتوبة))، ولا يُعكِّر على هذا كَونُه أورَدَ هذه الترجمة في تضاعيف صلاة الليل، لأنَّه يُمكِن أن يُجابَ عنه بأنَّه أراد دفع تَوهُّم مَن يَحمِلُ الحديثين على صلاة الليل، لأنَّه وَرَدَ في بعض طرق حديث سَمُرة مُطلَقاً غيرَ مُقيَّد بالمكتوبة، والوعيد علامة الوجوب، وكأنَّه أشار إلى خطأ مَن احتجَّ به على وجوب صلاة الليل حملاً للمُطلَقِ على المقيَّد. ثمَّ وجدت معنى هذا الاحتمال للشيخ وليِّ الدِّين المَلَويّ وقوَّاه بما ذكرته من حديث سَمُرة، فحمدتُ الله على التوفيق لذلك. ويُقوِّيه ما ثَبَتَ عنه ◌َِّ: ((أَنَّ مَن صلَّى العِشاءَ في جماعة كان كمَن قام نصفَ ليلة))(١) لأنَّ مُسمَّى قيام الليل يَحصُل للمؤمن بقيام بعضه، فحينئذٍ يَصدُق على مَن صلَّى العشاءَ في جماعة أنَّه قام الليل، والعُقَد المذكورة تَنحَلَّ بقيام الليل، فصار مَن صلَّى العشاء في جماعة كمَن قام الليل في حَلِّ عُقَد الشيطان. وخَفِيَت المناسَبة على الإسماعيليّ فقال: ورفضُ القرآن ليس هو تركَ الصلاة بالليل. ويُتْعَجَّب من إغفاله آخرَ الحديث حيثُ قال فيه: ((وينام عن الصلاة المكتوبة))، والله أعلم. قوله: ((الشيطان)) كأنَّ المراد به الجنس، وفاعل ذلك هو القَرِين أو غيره، ويحتمل أن يُرادَ به رأس الشَّياطين وهو إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه لكَونِه الآمرَ به الداعيَ إليه، ولذلك أورَدَه المصنِّف في ((باب صفة إبليس)) من بَدْء الخلق (٣٢٦٩). (١) أخرجه مسلم (٦٥٦) من حديث عثمان بن عفان. ٣٤٢ باب ١٢ / ح ١١٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قافيّة رأس أحدِكُم)) أي: مُؤخَّر عُنُقُه، وقافية كلِّ شيء: مُؤخَّره، ومنه: قافية ٢٥/٣ القصيدة، وفي ((النِّهاية)): القافية: القَفَا، وقيل: مُؤخَّر الرأس، وقيل: وَسَطه. وظاهر / قوله: ((أحدكم)) التعميم في المخاطَبين ومَن في معناهم، ويُمكِن أن يخصَّ منه مَن تقدَّم ذِكْره، ومَن وَرَدَ في حَقِّ أَنَّه يُحِفَظ من الشيطان كالأنبياء، ومَن تناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]، وكمَن قرأ آية الكرسيّ عند نومه فقد ثَبَتَ أنَّه يُحِفَظ من الشيطان حتَّى يُصبح، وفيه بحث سأذكرُه في آخر شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى. قوله: ((إذا هو نامَ)) كذا للأكثر، وللحَمُّوِيِّ والمُستَمْلي: ((إذا هو نائم)) بوزنِ فاعلِ، والأول أصوَب، وهو الذي في ((الموطَّا)) (١/ ١٧٦). قوله: ((يَضرِب على مكان كلّ عُقْدة)) كذا للمُستَمْلي، ولبعضهم بحذف ((على))، وللكُشمِيهَنيِّ بلفظ: ((عند مكان)). وقوله: ((يضرب)) أي: بيدِه على العُقدة تأكيداً وإحكاماً لها قائلاً ذلك، وقيل: معنى يضرب: يَحِجُب الحِسَّ عن النائم حتَّى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] أي: حَجَبنا الِحِسَّ أن يَلِجَ في آذانهم فيَنْتَبِهوا، وفي حديث أبي سعيد: ((ما أحدٌ ينام إلَّا ضُرِبَ على سِماخِه بجَريرٍ معقود)) أخرجه المخلِّص في ((فوائده))(١)، والسِّماخ بكسر المهمَلة وآخره معجمة ويقال بالصاد المهملة بدل السّين، وعند سعيد بن منصور بسندٍ جيِّد عن ابن عمر: ما أصبح رجل على غير وِتْر إلَّا أصبح على رأسه جَرِير قَدْر سبعينَ ذِراعاً. قوله: ((علیك ليلٌ طويلٌ)) كذا في جميع الطُرق عن البخاري بالرَّفع، ووقع في رواية أبي مُصعَب في ((الموطَّأ)) عن مالك: ((عليك ليلاً طويلاً)(٢)، وهي رواية ابن عُيَينةَ عن أبي الزِّناد عند مسلم (٧٧٦)، قال عياض: رواية الأكثر عن مسلم بالنصب على الإغراء، ومَن رَفَعَ فعلى الابتداء، أي: باقٍ عليك، أو بإضمار فِعْل، أي: بقيَ عليك. (١) وأخرجه الشجري في ((أماليه)) ١/ ٢٢١، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٢/ ٢٣٠، وسنده ضعيف. والسِّماخ: تجويف الأُذن، والجَرِير: الحبل. (٢) كذا نسبه إلى رواية أبي مصعب منصوباً، والذي في المطبوع منه برقم (٥٣٢): ((عليك ليل طويل)) بالرفع! ٣٤٣ باب ١٢ / ح ١١٤٢ أبواب التهجد وقال القُرطبيّ: الرَّفع أولى من جهة المعنى، لأنَّه الأمكَن في الغُرور من حيثُ إنَّه يُبِه عن طول الليل ثمَّ يأمرُه بالرُّقاد بقوله: ((فارقُد))، وإذا نُصِبَ على الإغراء لم يكن فيه إلَّا الأمر بمُلازَمةِ طول الرُّقاد، وحينئذٍ يكون قوله: ((فارقُد)) ضائعاً، ومقصود الشيطان بذلك تسويفُه بالقيام والإلباسُ عليه. وقد اختُلِفَ في هذه العُقَد فقيل: هو على الحقيقة، وأنَّه كما يَعِقِدُ الساحر مَن يسحره، وأكثر مَن يفعله النِّساء، تأخذ إحداهُنَّ الخيط فتَعقِد منه عُقْدة وتتكلَّم عليه بالسِّحرِ فيتأثّر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، وعلى هذا فالمعقودُ شيء عند قافية الرأس، لا قافية الرأس نفسها، وهل العُقَد في شعر الرأس أو في غيره؟ الأقرَب الثاني، إذ ليس لكلِّ أحد شَعرٌ، ويؤيِّد كَوْنَه على الحقيقة (١) ما وَرَدَ في بعض طرقه أنَّ على رأس كلّ آدميٍّ حَبلاً، ففي رواية ابن ماجَهْ (١٣٢٩) ومحمد بن نصر (٢) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: ((على قافية رأس أحدِكم حبلٌ فيه ثلاث عُقَد))، ولأحمد (١٠٤٥٧) من طريق الحسن عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا نام أحدكم عُقِدَ على رأسه بجَريرٍ))، ولابن خُزَيمةَ (١١٣٣) وابن حِبّان (٢٥٥٤) من حديث جابر مرفوعاً: ((ما من ذَكَر ولا أُنثَى إلَّا على رأسه جريرٌ معقود حين يَرِقُد)) الحديث، وفي ((الثَّواب)) لآدم بن أبي إياس من مُرسَل الحسن نحوه. والجَرِير بفتح الجيم: هو الحبل، وفَهِمَ بعضهم من هذا أنَّ العُقَد لازمة، ويَرُدّه التصريح بأَها تَنْحَلّ بالصلاة، فيَلزَم إعادة عَقْدها فأُبِهِمَ فاعله في حديث جابر، وفُسِّرَ في حديث غيره. وقيل: هو على المجاز، كأنَّه شَبَّهَ فعلَ الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلمَّا كان الساحر يمنع بعَقدِه ذلك تَصَرُّفَ مَن يُحاوِل عقدَه، كان هذا مثله من الشيطان للنائم. وقيل: المراد به عَقْد القلب وتصميمه على الشيء كأنَّه يُوَسوس له بأنَّه بَقيَ من الليلة قِطعةٌ (١) في (س): ويؤيده ما ورد ... إلخ. (٢) في ((قيام الليل)) له (٩٣ - مختصره). ٣٤٤ باب ١٢ / ح ١١٤٢ فتح الباري بشرح البخاري طويلة، فيتأخّر عن القيام، وانحلال العُقَد كناية عن علمه بكذِبِهِ فيما وَسَوَسَ به. وقيل: العُقَد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه: عَقَدتُ فلاناً عن امرأته، أي: مَنَعتُه عنها، أو عن تثقيله عليه النومَ كأنَّه قد شَدَّ عليه شِداداً. وقال بعضهم: المراد بالعُقَد الثلاث: الأكل والشُّرب والنوم، لأنَّ مَن أكثرَ الأكل والشُّرب كَثُرَ نومه. واستَبعَدَه المحِبّ الطبريُّ، لأنَّ الحديث يقتضي أنَّ العُقَد تقع عند النوم فهي غيره. ٢٦/٣ قال القُرطبيّ: الحِكْمة في الاقتصار على الثلاث أنَّ أغلبَ ما يكون انتباهُ الإنسان في السحَر، فإن اتَّفَقَ له أن يَرجِعَ إلى النوم ثلاث مرَّات، لم تَنقَضِ النومة الثالثة إلَّا وقد ذهب الليل. وقال البيضاويّ: التقييد بالثلاثِ إمَّا للتأكيد، أو لأنَّه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء: الذِّكر والوضوء والصلاة، فكأنَّه مَنَعَ من كلّ واحدة منها بعُقدةٍ عَقَدَها على رأسه، وكأنَّ تخصيص القَفَا بذلك لكَونِه محلّ الوَهْم ومَجَال تَصَرُّفه، وهو أطوع القُوَى للشيطان وأسرعُها إجابة لدعوتِهِ. وفي كلام الشيخ الملَويّ: أنَّ العَقْد يقع على خِزانة الإلهيّات من الحافظة، وهي الكنز المحصَّل من القُوَى، ومنها يتناول القلب ما يريد التذكُّر به. قوله: (انحَلَّتْ عُقَده)) بلفظ الجَمْع بغير اختلاف في البخاريّ، ووقع لبعض رواة ((الموطَّأ)) (١٧٦/١) بالإفراد، ويؤيِّده رواية أحمد (١٠٤٥٧) المشار إليها قبلُ فإنَّ فيها: ((فإن ذكر الله انحَلَّت عُقدة واحدة، وإن قام فتَوضَّأ أُطلِقَت الثانية، فإن صلَّى أُطلِقَت الثالثة))، وكأنَّه محمول على الغالب، وهو مَن ينام مُضطَجِعاً فيحتاج إلى الوضوء إذا انتَبَهَ، فيكون لكلِّ فعل عُقدة يِحُلّها، ويؤيِّد الأول ما سيأتي في بَدْء الخلق (٣٢٦٩) من وجه آخر بلفظ: ((عُقَده كلّها)، ولمسلم (٧٧٦) من رواية ابن عُبَينَةَ عن أبي الزّناد: ((انحَلَّت العُقَد))، وظاهره أنَّ العُقَد تَنحَلّ كلُّها بالصلاة خاصَّةً، وهو كذلك في حَقِّ مَن لم يَحَتَجْ إلى الطَّهارة كمَن نام مُتمكِّناً مثلاً ثمَّ انتَبَهَ فصَلَّى من قبل أن يَذْكُر أو يَتَطَهَّر، فإنَّ الصلاة تُجِزِئه في حَلِّ العُقَد كلّها، ٣٤٥ باب ١٢ / ح ١١٤٢ أبواب التهجد لأنَّهَا تَستَلزِم الطَّهارة وتَتضمَّن الذِّكر، وعلى هذا فيكون معنى قوله: ((فإذا صلَّ انحَلَّت عُقَده كلّها)) إن كان المراد به مَن لا يحتاجُ إلى الوضوء، فظاهر على ما قَرَّرناه، وإن كان مَن يحتاج إليه، فالمعنى: انحَلَّت بكلِّ عُقدة، أو انحَلَّت عُقَده كلّها بانحلال الأخيرة التي بها يَتِمّ انحلال العُقَد، وفي رواية أحمد المذكورة قبلُ: ((فإن قام فذكر الله انحَلَّت واحدة، فإن قام فتَوضَّأ أُطلِقَت الثانية، فإن صلَّى أُطلِقَت الثالثة)) وهذا محمول على الغالب، وهو مَن ینام مُضطَجِعاً فيحتاج إلى تجديد الطَّهارة عند استيقاظه، فيكون لكلِّ فعلِ عُقدة يحلُّها. قوله: ((طَيِّب النَّفْس)) أي: لسُروره بما وَقَّقَه الله له من الطاعة، وبما وَعَدَه من الثَّواب، وبما زال عنه من عُقَد الشيطان. كذا قيل، والذي يَظهَر أنَّ في صلاة الليل سِرّاً في طِيب النَّفْس وإن لم يَستَحِضِر المصلِّي شيئاً ممّا ذُكِرٍ، وكذا عكسه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّلِ هِىَ أَشَدُ وَطْنَا وَأَقْوُ قِيلًا﴾، وقد استَنْبَطَ بعضهم منه أنَّ مَن فعل ذلك مرَّةً ثمّ عاد إلى النوم، لا يعود إليه الشيطان بالعُقَد المذكورة ثانياً، واستثنى بعضهم ممَّن يقوم ويذكُر ويتوضَّأ ويُصلِّ مَن لم يَنهَه ذلك عن الفَحْشاء، بل يفعل ذلك من غير أن يُقلِع، والذي يَظهَر فيه التفصيلُ بين مَن يفعل ذلك مع النَّدَم والتوبة والعَزم على الإقلاع، وبين المُصِرِّ. قوله: ((وإلَّا أصبَحَ خبيثَ النَّفْس)) أي: بتركِه ما كان اعتاده أو أراده من فِعْل الخير، كذا قیل، وقد تقدَّم ما فيه. وقوله: (كَسْلانَ)) غير مصروف للوَصفِ ولزيادة الألف والنون. ومُقتَضى قوله: ((وإلَّا أصبح)) أنَّه إن لم يجمع الأُمور الثلاثة دَخَلَ تحت مَن يُصبحُ خبيثاً كَسْلان، وإن أتى ببعضها وهو كذلك، لكن يختلف ذلك بالقوّةِ والخِفّة، فمَن ذكر الله مثلاً كان في ذلك أخفَّ مَمَّن لم يَذْكُر أصلاً. ورُوِّينا في الجزء الثالث من الأول من ((حديث المخلِّص)) في حديث أبي سعيد الذي تقدَّمت الإشارة إليه (١): ((فإن قام فصَلَّى انحَلَّت العُقَد كلُّهنّ، وإن استَيقَظَ ولم يتوضَّأ ولم يُصلِّ أصبحت العُقَد کلّها کھیئتِها». (١) عند شرح قوله: ((يضرب على مكان كل عقدة)). ٣٤٦ باب ١٢ / ح ١١٤٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن عبد البَرِّ: هذا الذَّمَّ يَخْتَصّ بمَن لم يَقُم إلى صلاته وضَيَّعَها، أمَّا مَن كانت ٢٧/٣ عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة أو إلى النافلة بالليل، فغَلَبَته عينُه فنام، فقد ثَبَتَ أنَّ/ الله يَكتُب له أجرَ صلاته ونومُه عليه صَدَقة. وقال أيضاً: زَعَمَ قوم أنَّ هذا الحدیث یعارض قوله ◌َّ: ((لا يقولَنَّ أحدُكم: خَبُثَت نفسي))(١)، وليس كذلك، لأنَّ النَّهي إِنَّا وَرَدَ عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهةً لتلك الكلمة، وهذا الحديث وقع ذَمّاً لِفِعلِه، ولِكلِّ من الحديثين وجه. وقال الباجيّ: ليس بين الحديثين اختلاف، لأنَّ نَهَى عن إضافة ذلك إلى النَّفس، لگونِ الخُبث بمعنى فساد الدِّين، ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيراً منها وتنفيراً. قلت: تقرير الإشكال أنَّه وَ لِّ نَهَى عن إضافة ذلك إلى النَّفْس، فكلّ ما نُهيَ المؤمن أن يُضيفَه إلى نفسه ثُهيَ أن يُضيفَه إلى أخيه المؤمن، وقد وَصَفَ وَّل هذا المرء بهذه الصِّفة فيَلَزَم جوازُ وصفنا له بذلك لمحلِّ التأسِّي، ويَحصُل الانفصال فيما يظهرُ بأنَّ النَّهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك كالتنفيرِ والتحذير. تنبيهات: الأول: ذِكْر الليل في قوله: ((عليك ليلٌ)) ظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل، وهو كذلك، لكن لا يَبعُد أن يجيء مثله في نوم النهار كالنوم حالةَ الإبراد مثلاً، ولا سيَّما على تفسير البخاري من أنَّ المراد بالحديث الصلاة المفروضة. ثانيها: اذَّعَى ابن العربيّ أنَّ البخاري أوماً هنا إلى وجوب صلاة الليل لقوله: ((يَعقِد الشيطان))، وفيه نظر، فقد صَرَّحَ البخاري في خامس ترجمة من أبواب التهجُّد بخلافه حيثُ قال: ((من غير إيجاب))، وأيضاً فما تقدَّم تقريره من أنَّه حمل الصلاة هنا على المكتوبة يَدَفَع ما قاله ابن العربيّ أيضاً، ولم أرَ النَّقل في القول بإيجابه إلَّ عن بعض التّابعين. (١) سيأتي عند البخاري من حديث عائشة برقم (٦١٧٩)، ومن حديث سهل بن سعد برقم (٦١٨٠)، وكلاهما عند مسلم أيضاً برقم (٢٢٥٠) و(٢٢٥١). ٣٤٧ باب ١٢ / ح ١١٤٢ أبواب التهجد قال ابن عبد البَرّ: شَذَّ بعضُ التّابعينَ فأوجَبَ قيام الليل ولو قَدْر حَلْب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنَّه مندوب إليه، ونقله غيرُه عن الحسن وابن سيرين، والذي وَجَدْناه عن الحسن ما أخرجه محمد بن نصر وغيره عنه أنَّه قيل له: ما تقول في رجل استظهرَ القرآن كلَّه لا يقوم به إنَّما يُصلِّ المكتوبة؟ فقال: لَعَنَ الله هذا، إنَّما يَتَوَسَّد القرآن. فقيل له: قال الله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، قال: نَعَم، ولو قَدْر خمسينَ آية. وكأنَّ هذا هو مُستنَد مَن نقل عن الحسن الوجوب. ونقل التِّرمِذيّ عن إسحاق بن راهويه أنَّه قال: إنَّما قيام الليل على أصحاب القرآن. وهذا يُخْصِّص ما نُقِلَ عن الحسن من الوجوبِ، وهو أقربُ، وليس فيه تصريحٌ بالوجوب أيضاً. ثالثها: وقد يُظَنّ أنَّ بین هذا الحديث والحديث الآتي في الوكالة (٢٣١١) من حديث أبي هريرة الذي فيه: ((أنَّ قارئ آية الكرسيّ عند نومه لا يقربه الشيطان)) مُعارضة، ولیس كذلك، لأنَّ العَقْد إنَّما ◌ُلَ على الأمر المعنويّ، والقُرْب على الأمر الحِسِّيّ، وكذا العكس، فلا إشكال، إذ لا يَلْزَم من سِحْرِه إيّاه مثلاً أن يَاسَّه، كما لا يَلزَم من مُماسَّته أن يَقرَبَه بِسَرِقٍ أو أذَّى في جسده ونحو ذلك، وإن ◌ُملا على المعنويَّينِ أو العكس، فيُجاب بادِّعاء الخصوص في عموم أحدهما. والأقرَب أنَّ المخصوص حديث الباب، كما تقدَّم تخصيصه عن ابن عبد البَرِّ بمَن لم يَنوِ القيام، فكذا يُمكِن أن يقال: يَخْتَصّ بمَن لم يقرأ آية الكرسيّ لطرد الشيطان، والله أعلم. رابعها: ذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في ((شرح الثِّرمِذي)): أنَّ السّ في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين المبادرةُ إلى حَلِّ عُقَد الشيطان، وبناه على أنَّ الحَلّ لا يَتِمُّ إلَّا بتمام الصلاة، وهو واضح، لأنَّ لو شَرَعَ في صلاة ثمَّ أفسَدَها لم يُساوِ مَن أتَمَّها، وكذا الوضوء. وكأنَّ الشُّروع في حَلِّ العُقَد تَحَصُل بالشُّروع في العبادة وينتهي بانتهائها. وقد وَرَدَ الأمر بصلاة الركعتين الخفيفتين عند مسلم (٧٦٨) من حديث أبي هريرة، فاندَفَعَ ٣٤٨ باب ١٢ / ح ١١٤٣ فتح الباري بشرح البخاري إيراد مَن أورَدَ أنَّ الركعتين الخفيفتين إنَّما وَرَدَتا من فعله ◌َّهِ كما تقدَّم من حديث عائشة (١)، وهو مُنَّه عن عُقَد الشيطان، حتَّى ولو لم يَرِدِ الأمر بذلك لَأمكَنَ أن يقال: يُحِمَل فعلُه ذلك على تعليم ◌ُمَّته وإرشادهم إلى ما يَحَفَظهم من الشيطان، وقد وقع عند ابن خُزَيمةَ (١١٣٢) من وجه آخر عن أبي هريرة في آخر الحديث: ((فحُلُّوا عُقَد الشيطان ولو بركعتين)). ٢٨/٣ خامسها: إنَّما خَصَّ الوضوء بالذِّكر لأنَّه الغالب، وإلَّ فالجُنُب لا يَحُلّ عُقدتَه إلَّا الاغتسال، وهل يقوم التيقُّم مقامَ الوضوء أو الغُسل لمن ساغَ له ذلك؟ محلٌّ بحث، والذي يَظهَر إجزاؤُه، ولا شكَّ أنَّ في مُعاناة الوضوء عَوناً كبيراً على طَرْد النوم لا يَظهَر مثله في التیمُّم. سادسها: لا يَتَعيَّن للذِّكرِ شيءٍ مخصوص لا يجزئُ غيره، بل كلُّ ما صَدَقَ عليه ذِكرُ الله أجزأ، ويدخل فيه تلاوة القرآن وقراءة الحديث النّبويّ والاشتغال بالعلم الشَّرعيّ، وأَولى ما يُذكَر به ما سيأتي بعد ثمانية أبواب في ((باب فضل مَن تَعارَّ من الليل)) (١١٥٤)، ويؤيِّده ما عند ابن خُزَيمةَ (١١٣٢) من الطَّريق المذكورة: ((فإن تَعارَّ من الليل فذكر الله)). ١١٤٣ - حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ هشام، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثْنَا عَوْفٌ، قال: حدّثنا أبو رجاءٍ، قال: حدَّثنا سَمُرَةُ بنُ مُنْدُبِ ه، عن النبيِّ وَّه في الرُّؤْيا قال: ((أمَّا الذي يُئِلَغُ رأسُه بالحجرِ، فإنَّه يأخذُ القرآنَ فيَرَفِضُه، وينامُ عن الصلاةِ المكتوبةِ)). قوله: ((حدَّثنا عَوْف)) هو الأعرابيّ، وأبو رجاء: هو العُطارديّ، والإسناد كلُّه بصريُّون. وسيأتي حديث سَمُرة مطوّلاً في أواخر كتاب الجنائز (١٣٨٦). وقوله هنا: ((عن الصلاة المكتوبة)) الظاهر أنَّ المراد بها العِشاء الآخرة، وهو اللَّائق بما تقدَّم من مُناسَبة الحديث الذي قبله. وقوله: ((يُثلَغ)) بمُثلَّثة ساكنة ولام مفتوحة بعدها معجمة، أي: يُشَقّ أو يُحْدَش. وقوله: ((فیرفِضه)) بكسر الفاء وضمِّها. (١) تقدم ذلك عند شرح حديث عائشة السالف برقم (١١٤٠). ٣٤٩ باب ١٣ / ح ١١٤٤ أبواب التهجد ١٣ - باب إذا نام ولم يصلِّ بالَ الشيطان في أُذنه ١١٤٤ - حدَّثنا مُسدّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحوَصِ، قال: حدَّثنا منصورٌ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله﴾ قال: ذُكِرَ عند النبيِّ وَِّ رجلٌ فقيل: ما زال نائماً حتَّى أصبَحَ، ما قامَ إلى الصلاةِ، فقال: ((بالَ الشيطانُ في أُذُنِهِ)). [طرفه في: ٣٢٧٠] قوله: ((باب إذا نامَ ولم يُصلِّ بالَ الشيطان في أُذُنه)) هذه الترجمة للمُستَمْلي وحده، وللباقينَ ((باب)) فقط، وهو بمنزلة الفصل من الباب، وتعلَّقه بالذي قبله ظاهر لمَا سنوضحه. قوله: ((ذُكِرَ عند النبيّ وَّهِ رجل)) لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن يزيد النَّخَعيِّ عن ابن مسعود ما يُؤخَذ منه أنَّه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: ((وايم الله لقد بالَ في أُذُن صاحبكم ليلةً)) يعني نفسه. قوله: ((فقيلَ: ما زال نائماً حتَّى أصبَحَ)) في رواية جَرِير عن منصور في بَدْء الخلق (٣٢٧٠): رجل نام ليلة حتَّى أصبح. قوله: ((ما قامَ إلى الصلاة)) المراد: الجنس، ويحتمل العهد، ويُراد به صلاة الليل أو المكتوبة. ويؤيِّده قولُ(١) سفيان هذا عندنا: ((نام عن الفريضة)) أخرجه ابن حِبَّان في ((صحيحه)) (٢٥٦٢)، وبهذا يَتبيَّن مُناسَبة الحديث لما قبله. وفي حديث أبي سعيد الذي قَدَّمتُ ذِكْره(٢) من ((فوائد المخلّص)): ((أصبحت العُقَد كلّها كهيئتها وبالَ الشيطان في أُذُنه)» فيُستَفاد منه وقت بول الشيطان، ومُناسَبة هذا الحديث للَّذي قبله. قوله: ((في أُذُنه)) في رواية جَرِير: ((فِي أُذْنَيه)) بالَّنية. (١) هكذا في الأصلين، وفي (س): رواية، والصواب ما في الأصلين، لأن هذا المذكور عند ابن حبان من قول سفیان لا من روایته. (٢) عند شرح قوله: ((يضرب على مكان ... )) من الحديث السالف برقم (١١٤٢). ٣٥٠ باب ١٣ / ح ١١٤٤ فتح الباري بشرح البخاري واختُلِفَ في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته، قال القُرطبيّ وغيره: لا مانع من ذلك، إذ لا إحالة فيه، لأنَّه ثَبَتَ أنَّ الشيطان يأكل ويشرب ويَنكِح، فلا مانع من أن يبول. وقيل: هو كناية عن سَدّ الشيطان أُذُنَ الذي ينام عن الصلاة حتَّى لا يسمع الذِّكر. وقيل: معناه: أنَّ الشيطان مَلَأَ سمعه بالأباطيلِ فحَجَبَ سمعه عن الذِّكر. وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به. وقيل: معناه: أنَّ الشيطان استولى عليه واستَخَفَّ به حتَّى اَّخَذَه كالكَنِيف المعَدِّ للبول، إذ من عادة المستَخِفّ بالشيءٍ أن يبول عليه. وقيل: هو مَثَلٌ مضروب للغافل عن القيام بثِقَل النوم كمَن وقع البول في أُذنه فَقَّلَ أُذْنَه وأفسَدَ حِسَّه، ٢٩/٣ والعرب تُكنِّي عن / الفساد بالبول. قال الراجز: بالَ سُهَيلٌ في الفَضِيخِ فَفَسَدْ وكَنَّى بذلك عن طلوعه لأنَّه وقت إفساد الفَضِيخ، فعَبَّرَ عنه بالبول. ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة في هذا الحديث عند أحمد (٩٥١٦): قال الحسن: إنَّ بوله والله لثقيلٌ، وروى محمد بن نَصْر من طريق قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود: حَسْبُ الرجل من الخَيبة والشَّ أن ينام حتَّى يُصبح وقد بالَ الشيطان في أُذُنه؛ وهو موقوف صحيح الإسناد. وقال الطِّييُّ: خَصَّ الأُذُن بالذِّكرِ وإن كانت العين أنسبَ بالنوم، إشارةً إلى ثِقَل النوم، فإنَّ المسامع هي مواردُ الانتباه، وخَصَّ البول لأنَّه أسهل مَدخَلاً في التَّجاويف، وأسرع نُفوذاً في العُروق، فيُورِث الكَسَل في جميع الأعضاء. ١٤ - باب الدُّعاء والصلاة من آخر الليل وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿كَانُوْ قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] أي: ما يَنامُونَ. ١١٤٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ وأبي عبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي هريرةَ﴾، أنَّ رسول الله وَّه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدُّنْيا حينَ يَبْقَى ثُلُثُ الليلِ الآخِرُ يقول: مَن يَدْعُوني فأستَجِيبَ له؟ مَن يسألُني ٣٥١ باب ١٤ / ح ١١٤٥ أبواب التهجد فَأُعطِيَه؟ مَن يَسْتَغْفِرُني فأغفِرَ له؟». [طرفاه في: ٦٣٢١، ٧٤٩٤] قوله: ((باب الدُّعاء والصلاة من آخر الليل)) في رواية أبي ذرٍّ: الدُّعاء في الصلاة. قوله: ((وقال الله عزَّ وجلَّ» في رواية الأَصِیليّ: وقول الله. قوله: ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ زاد الأَصِيليُّ: ((أي: ينامونَ))(١)، وقد ذكر الطبريُّ (١٩٦/٢٦ - ٢٠٠) وغيره الخلافَ عن أهل التفسير في ذلك، فنقل ذلك عن الحسن والأحنَف وإبراهيم النَّخَعيِّ وغيرهم، ونقل عن قَتَادة ومجاهد وغيرهما أنَّ معناه: كانوا لا ينامونَ ليلة حتَّى الصَّباح لا يَتَهجَّدون. ومن طريق المِنهال عن سعيد عن ابن عبّاس قال: معناه: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلَّا يأخذونَ منها ولو شيئاً. ثمَّ ذكر أقوالاً أُخَر وَرَجَّحَ الأول، لأنَّ الله تعالى وَصَفَهم بذلك مادحاً لهم بكَثْرة العمل. قال ابن التِّين: وعلى هذا تكون ((ما)) زائدة أو مصدريّة، وهو أبيَنُ الأقوال وأقعَدُها بكلام أهل اللُّغة، وعلى الآخر تكون ((ما)) نافية، وقال الخليل: هَجَعَ يَهَجَع هُجوعاً: وهو النوم بالليل دون النهار. ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث أبي هريرة في التُّزول من طريق الأغَرّ أبي عبد الله وأبي سَلَمَةَ جميعاً عن أبي هريرة. وقد اختُلِفَ فيه على الزُّهْريِّ، فرواه عنه مالك وحُفّاظ أصحابه كما هنا، واقتَصَرَ بعضهم عنه على أحد الرجلين، وقال بعض أصحاب مالك عنه: عن سعيد ابن المسيِّب بَدَلهما. ورواه أبو داود الطَّالسُّ عن إبراهيم بن سعد عن الزُّهْريِّ فقال: الأعرج بدل: الأغَرّ، فصَخَّفَه. وقيل: عن الزُّهْريِّ عن عطاء بن يزيد بدل أبي سَلَمة، قال الدارَ قُطْنيُّ: وهو وهم(٢). (١) هكذا وقع عند الحافظ ابن حجر والعيني في ((عمدة القاري)) ١٩٦/٧، والذي في اليونينية وفروعها - كما في ((إرشاد الساري)) ٣٢٣/٢ - أن ما بعد ((يهجعون)) سقط في رواية الأصيلي، وما أثبتناه في متن البخاري هو رواية أبي ذر الهروي وأبي الوقت على ما في ((الإرشاد)». (٢) انظر ((العلل)) ٢٣٤/٩-٢٣٧، و((النزول)) (٢٣ -٣٧)، كلاهما للدار قطني. ٣٥٢ باب ١٤ / ح ١١٤٥ فتح الباري بشرح البخاري والأغَرّ المذكور لقبٌ واسمه سلْمان، ويُكْنى أبا عبد الله، وهو مدنيّ. ولهم راوٍ آخر يقال له: الأغَرّ أيضاً، لكنَّه اسمه وكُنيته أبو مسلم، وهو كوفيّ، وقد جاء هذا الحديث من طريقه أيضاً أخرجه مسلم (٧٥٨/ ١٧٢) من رواية أبي إسحاق السَّبيعيّ عنه عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً مرفوعاً، وغَلِطَ مَن جعلهما واحداً. ورواه عن أبي هريرة أيضاً سعيد ابن مَرْجانة وأبو صالح عند مسلم (٧٥٨/ ١٧١)، وسعيد المقبريُّ وعطاء مولى أُمّ صُبيّة - بالمهمَلة مصغَّراً - وأبو جعفر المدنيّ ونافع بن جُبير ابن مُطعِم، كلّهم عند النَّسائيِّ (ك١٠٢٤٤، ١٠٢٤٦، ١٠٢٣٧، ١٠٢٤٧). وفي الباب عن عليّ وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وعَمْرو بن عَبَسةً عند أحمد ٣٠/٣ (٩٨٦، ٣٦٧٣، ١٦٢٨٠، ١٩٤٣٣)،/ وعن جُبَير بن مُطعِم ورِفاعة الْجُهَنيّ عند النَّسائيِّ (ك١٠٢٤٨، ١٠٢٣٦)، وعن أبي الدَّرداء وعُبادة بن الصامت وأبي الخَطَّاب غير منسوب عند الطَّبَرانيّ(١)، وعن عُقْبة بن عامر وجابر وجَدِّ عبد الحميد بن سَلَمةَ عند الدارَ قُطنيِّ في کتاب «السُّنّة)»، وسأذكرُ ما في رواياتهم من فائدة زائدة. قوله: ((عن أبي سَلَمَةَ وأبي عبد الله الأغَرّ عن أبي هريرة)) في رواية عبد الرزاق (١٩٦٥٣) عن مَعمَر عن الزُّهْريّ: أخبرني أبو سَلَمةَ بن عبد الرحمن وأبو عبد الله الأغَرّ صاحب أبي هريرة أنَّ أبا هريرة أخبرَهما. قوله: ((يَنْزِل رَبّنا إلى السماء الدُّنْيا)) استدلَّ به مَن أثبَتَ الجهةَ وقال: هي جهة العُلوّ، وأنكَرَ ذلك الجمهور (٢)، لأنَّ القول بذلك يُفْضي إلى التحُّز، تعالى الله عن ذلك. وقد اختُلِفَ في معنى التُّول على أقوال: (١) في ((الأوسط))، فحديث أبي الدرداء برقم (٨٦٣٥)، وحديث عبادة بن الصامت برقم (٦٠٧٩)، وأما حديث أبي الخطاب فهو عنده في ((الكبير)) ٢٢/ (٩٢٧). (٢) مرادُه بالجمهور جمهورُ أهل الكلام، وأما أهل السنة - وهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان - فإنهم يثبتون لله الجهة، وهي جهة العلوِّ، ويؤمنون بأنه سبحانه فوق العرش بلا تمثيل ولا تكييف، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تُحصَر، فتنبّه واحذر، والله أعلم. (س). ٣٥٣ باب ١٤ / ح ١١٤٥ أبواب التهجد فمنهم مَن حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبِّهة، تعالى الله عن قولهم. ومنهم مَن أنكَرَ صِحَّة الأحاديث الواردة في ذلك جملةً وهم الخوارج والمعتَزِلة، وهو مُكابرة، والعَجَب أنَّهم أوَّلوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث، إمَّا جَهلاً وإمَّا عِناداً. ومنهم مَن أَجْراه على ما وَرَدَ مُؤمِناً به على طريق الإجمال، مُنزِّهاً لله تعالى عن الكيفيّة والتَّشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقيُّ وغيره عن الأئمّة الأربعة والسُّفيانَينِ والحَّادينِ والأوزاعيِّ واللیث وغيرهم. ومنهم مَن أوَّله على وجه يليق مُستعمَلٍ في كلام العرب، ومنهم مَن أفرَطَ في التأويل حتَّى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف، ومنهم مَن فَصَلَ بين ما يكون تأويله قريباً مُستعمَلاً في كلام العرب، وبين ما يكون بعيداً مهجوراً، فأوَّلَ في بعضٍ وفَوَّضَ في بعضٍ، وهو منقول عن مالك، وجَزَمَ به من المتأخِّرينَ ابن دقيق العيد. قال البيهقيُّ: وأسلمُها الإيمان بلا كيف، والسُّكوتُ عن المراد إلَّا أن يَرِدَ ذلك عن الصادق فيُصار إليه، ومن الدليل على ذلك اتِّفاقهم على أنَّ التأويل المعيَّن غير واجب، فحينئذٍ التفويضُ أسلم. وسيأتي مزيد بَسطٍ في ذلك في كتاب التوحيد (٧٤٩٤) إن شاء الله تعالى. وقال ابن العربيّ: حُكيَ عن المبتَدِعة ردُّ هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارُها، وعن قوم تأويلُها، وبه أقول، فأمَّا قوله: ((یَنزِل)) فهو راجع إلى أفعاله لا إلی ذاته، بل ذلك عبارةٌ عن مُلْكه الذي يَنزِل بأمره ونهيه، والنُّزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني، فإن حملتَه في الحديث على الحِسِّ فتلك صفة الملَك المبعوث بذلك، وإن حملتَه على المعنويّ بمعنى أنَّه لم يفعل ثمَّ فَعَلَ، فيُسمَّى ذلك نزولاً عن مَرتَبة إلى مَرتَبة، فهي عربيَّة صحيحة(١)، انتھی. (١) هذا خطأ ظاهر مصادم لصريح النصوص الواردة بإثبات النزول، وهكذا ما قاله البيضاوي بعده باطل، = ٣٥٤ باب ١٤ / ح ١١٤٥ فتح الباري بشرح البخاري والحاصل أنَّه تأوله بوجهين: إمَّا بأنَّ المعنى: يَنزِل أمرُه أو الملَك بأمره، وإمَّا بأنَّه استعارة بمعنى التَّطُّف بالداعِينَ والإجابة لهم ونحوه. وقد حكى أبو بكر بن فُورَك أنَّ بعض المشايخ ضَبَطَه بضم أوله على حذف المفعول، أي: يُنزِلِ مَلكاً، ويُقوِّيه ما رواه النَّسائيُّ (ك١٠٢٤٣) من طريق الأغَرّ عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: ((إنَّ الله يُمهِلُ حتَّى يمضيَ شَطْر الليل، ثمَّ يأمر مُنادياً يقول: هل من داع فُيُستَجاب له)) الحديث(١)، وفي حديث عثمان بن أبي العاص: ((يُنادي مُناد: هل من داعٍ يُستَجاب له)) الحديث(٢). قال القُرطبيّ: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يُعكِّر عليه ما في رواية رِفاعة الجُهَنيّ(٣): ٣١/٣ (يَنزِلُ الله إلى السماء الدنيا فيقول: / لا أَسألُ عن عبادي غيري))، لأنَّه ليس في ذلك ما يَدِفَع التأويل المذكور. وقال البيضاويّ: ولمَّا ثَبَتَ بالقواطع أنَّه سبحانه مُنَزَّه عن الجِسميّة والتحيُّز، امتَنَعَ = والصواب ما قاله السلف الصالح من الإيمان بالنزول وإمرار النصوص كما وردت من إثبات النزول لله سبحانه على الوجه الذي يليق به من غير تكييف ولا تمثيل كسائر صفاته. وهذا هو الطريق الأسلم والأقوم والأعلم والأحكم، فتمسَّك به، وعضَّ عليه بالنواجذ، واحذر ما خالفه تَفُزْ بالسلامة، والله أعلم. (س). ٠ (١) لكن هذه الرواية شاذَّة، رواها الأعمش عن أبي إسحاق السَّبيعي عن الأغر، فتفرد بهذا اللفظ الأعمشُ، وخالفه جمهور أصحاب أبي إسحاق إذ روَوْه ونسبوا هذا النداءَ والقولَ إلى الله تعالى، أخرجه مسلم (٧٥٨) (١٧٢) والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٢٤٢) من طريق منصور بن المعتمر، وأحمد (١١٢٩٥) ومسلم (٧٥٨) (١٧٢) من طريق شعبة، وأحمد (١١٨٩٢) من طريق معمر، وأحمد أيضاً (٨٩٧٤) و(١١٣٨٧) من طريق أبي عوانة، كلهم عن أبي إسحاق على خلاف ما رواه الأعمش، وخالف الأعمشَ أيضاً الزهريُّ فرواه عن أبي سلمة والأغر عن أبي هريرة كما رواه جمهور أصحاب أبي إسحاق عنه، أخرجه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) (١٦٨)، وهو في ((مسند أحمد)) (١٠٣١٣). (٢) روي عن عثمان من طريقين: إحداهما عند أحمد (١٦٢٨٠) وغيره، وفيها علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف، والأخرى عند الطبراني في ((الكبير)) (٨٣٩١) و((الأوسط)) (٢٧٦٩)، وفيها عبد الرحمن بن سلَّام، وهو صدوقٌ كما قال الحافظ في ((التقريب))، وقد تفرد به كما قال الطبراني في «الأوسط)). (٣) أخرجه أحمد (١٦٢١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٢٣٦)، وسنده صحيح. ٣٥٥ باب ١٤ / ح ١١٤٥ أبواب التهجد عليه التُّزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفضَ منه، فالمراد: نورُ رحمته، أي: يَنْتَقِل من مُقتَضى صفة الجلال التي تقتضي الغَضَب والانتقام، إلى مُقتَضى صفة الإكرام التي تقتضي الرَّأفة والرَّحمة. قوله: ((حين يَبْقَى ثلثُ الليلِ الآخِرُ)) برفع ((الآخر)) لأنَّه صفة الثُّلث، ولم تختلف الروايات عن الزّهْريِّ في تعيين الوقت، واختَلَفَت الروايات عن أبي هريرة وغيره، قال التِّرمِذيّ: رواية أبي هريرة أصحُّ الروايات في ذلك. ويُقوِّي ذلك أنَّ الروايات المخالفة له اختُلِفَ فيها على رواتها، وسَلَك بعضهم طريق الجَمْع، وذلك أنَّ الروايات انحَصَرَت في ستّة أشياء: أولها: هذه، ثانيها: إذا مضى الثُّلث الأول، ثالثها: الثُلث الأول أو النِّصف، رابعها: النِّصف، خامسها: النِّصف أو الثُّلث الأخير، سادسها: الإطلاق. فأمَّا الروايات المطلَقة فهي محمولة على المقيَّدة، وأمَّا التي بـ((أو)) فإن كانت ((أو)) للشَّكِّ فالمجزوم به مُقدَّم على المشكوك فيه، وإن كانت للتَّردُّدِ بين حالين، فيُجمَع بذلك بين الروايات بأنَّ ذلك يقع بحَسَب اختلاف الأحوال، لکَونِ أوقات الليل تختلف في الزمان وفي الآفاق باختلاف تقدُّم دخول الليل عند قوم وتأخّره عند قوم. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون التُّزول يقع في الثُّلث الأول، والقول يقع في النِّصف وفي الثُّلث الثاني، وقيل: يُحمَل على أنَّ ذلك يقع في جميع الأوقات التي وَرَدَت بها الأخبار، ويُحمَل على أنَّ النبيّ وَّ أُعلِمَ بأحد الأُمور في وقتٍ فأخبر به، ثمَّ أُعلِمَ به في وقتٍ آخر فأخبر به، فنقل الصحابة ذلك عنه، والله أعلم. قوله: (مَن يَدْعُوني ... )) إلى آخره، لم تختلف الروايات على الزّهْريِّ في الاقتصار على الثلاثة المذكورة: وهي الدُّعاء والسُّؤال والاستغفار، والفَرْق بين الثلاثة أنَّ المطلوب إمّا الدفع المضارِّ أو جَلْب المسارِّ، وذلك إمَّا دِينيّ وإمَّا دُنيَويّ أو كلَّ منهما، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، والسُّؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدُّعاء إشارة إلى الثالث. وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يقال: الدُّعاء: ما لا طلبَ فيه نحو: يا الله، والسُّؤال: الطَّلَب، وأن يقال: المقصود واحد وإن اختَلَفَ اللفظ، انتھی. ٣٥٦ باب ١٤ / ح ١١٤٥ فتح الباري بشرح البخاري وزاد سعيد عن أبي هريرة (١): ((هل من تائب فأتوبَ عليه))، وزاد أبو جعفر عنه(٢): ((مَن ذا الذي يَستَرزِقني فأرزُقَه، مَن ذا الذي يَستكشِف الضُّرّ فأكشِفَ عنه)»، وزاد عطاء مولى أُمّ صُبيَّة عنه(٣): ((ألا سَقيمٌ يَستَشفي فيُشفَى))، ومعانيها داخلة فيما تقدَّم. وزاد سعيد ابن مَرْجانة عنه (٤): ((مَن يُقْرِضُ غير عَديمٍ ولا ظَلومٍ))، وفيه تحريض على عمل الطاعة، وإشارة إلى جزيل الثَّواب عليها. وزاد حَجّاجِ بن أبي مَنِيع عن جدِّه عن الزُّهْريِّ عند الدارَقُطنيِّ(٥) في آخر الحديث: ((حتَّى الفجر))، وفي رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ عند مسلم (٧٥٨/ ١٧٠): ((حتَّی ینفَجِر الفجر))، وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سَلَمَةَ(١): ((حتَّى يَطلُع الفجر))، وكذا اتَّفَقَ مُعظَم الرّواة على ذلك، إلَّا أنَّ في رواية نافع ابن جُبَير عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ (ك١٠٢٤٧): ((حتَّى تَرجَّل الشمس)) وهي شاذّة، وزاد يونس في روايته عن الزُّهْريِّ في آخره أيضاً: ((ولذلك كانوا يُفضِّلونَ صلاة آخر الليل على أوله)) أخرجها الدارَ قُطنيُّ أيضاً(٧)، وله من رواية ابن سِمْعان عن الزُّهْرِيِّ(٨) ما يشير إلى أنَّ قائل ذلك هو الزّهْريّ. وبهذه الزيادة تظهر مُناسَبة ذِكْر الصلاة في الترجمة ومُناسَبة الترجمة التي بعد هذه لهذه. قوله: ((فأستَجيبَ)) بالنصب على جواب الاستفهام، وبالرَّفع على الاستئناف، وكذا قوله: ((فأُعْطِيَه، وأغفِرَ له))، وقد قُرِئَ بهما في قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (١) عند أحمد (٩٥٩١)، والنسائي (١٠٢٤٥). (٢) عند أحمد في ((مسنده) برقم (٧٥٠٩)، وهو عند النسائي مفرقاً (١٠٢٣٦) و(١٠٢٣٧). (٣) عند النسائي (١٠٢٤٦). (٤) عند مسلم برقم (٧٥٨) (١٧١). (٥) في ((النزول)) (٣٣). (٦) عند الدار قطني في ((النزول)) أيضاً (١٣ -٢١). (٧) في ((النزول)) (٣٠-٣١)، ولكن دون هذه الزيادة، وهي في رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري عنده (٢٣-٢٥) وعند ابن ماجه (١٣٦٦). (٨) ((النزول)» (٣٥)، وابن سمعان - وهو عبد الله بن زياد بن سليمان - متهم بالكذب، فكان ينبغي على الحافظ ابن حجر رحمه الله تركُ الاستشهاد بمثله. ٣٥٧ باب ١٥ / ح ١١٤٦ أبواب التهجد فَيُضَحِفَهُ لَهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]. وليست السِّين في قوله تعالى: ((فأستجيبَ)) للطََّب بل أستجيب بمعنى: أُجيب. وفي حديث الباب من الفوائد: تفضيلُ صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير الوتر لكن ذلك في حَقّ مَن طَمِعَ أن يَنتَبِهِ، وأنَّ آخر الليل أفضل للدُّعاء/ والاستغفار، ٣٢/٣ ويشهد له قوله تعالى: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وأنَّ الدُّعاء في ذلك الوقت ◌ُجاب، ولا يُعترَض على ذلك بتَخَلُّفِه عن بعض الداعينَ، لأنَّ سبب التخلُّف وقوعُ الخلل في شرط من شروط الدُّعاء كالاحتراز في المطعَم والمَشَرَب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو بأن يكون الدُّعاء بإثم أو قطيعة رَحِم، أو تَحصُل الإجابة ويتأخّر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمرٍ يريده الله تعالی. ١٥ - باب من نام أوّلَ اللیل وأحيا آخره وقال سَلْمَانُ لأبي الدَّرْداء رضي الله عنهما: نَمْ، فلمَّا كانَ من آخِرِ الليلِ قال: قُمْ. قال النبيُّ وَّ : ((صَدَقَ سَلْمانُ)). ١١٤٦ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ. وحدَّثني سليمانُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ قال: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها: كيفَ كانت صلاةُ النبيِّ وَّهِ بِالليلِ؟ قالت: كانَ ينامُ أوَّلَه، ويقومُ آخِرَه فيُصلِي ثمَّ يَرجِعُ إلى فِراشِهِ، فإذا أَّنَ المؤذِّنُ وَثَبَ، فإن كانَ به حاجةٌ اغتَسَلَ، وإلا تَوضَّأَ وخَرَجَ. قوله: ((باب مَن نامَ أوَّل الليل وأحْيا آخرَه)) تقدَّم في الذي قبله ذِكْرِ مُناسَبَته. قوله: ((وقال سَلْمان)) أي: الفارسيّ ((لأبي الدَّرْداء: نَم ... )) إلى آخره، هو مختصر من حديث طويل أورَدَه المصنّف في كتاب الأدب (٦١٣٩) من حديث أبي جُحَيفةَ قال: ((آخَى رسول الله وَ﴿ بين سلمان وبين أبي الدَّرداء، فزارَ سلمان أبا الدَّرداء)» فذكر القصَّة وفي آخرها فقال: ((إنَّ لنفسِك عليك حَقّاً)) الحديث. وقوله وَّةِ: ((صَدَقَ سلمانُ)) أي: في جميع ما ذَكَر، وفيه منقبة ظاهرة لسلمان. ٣٥٨ باب ١٥ / ح ١١٤٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدّثنا أبو الوليد)) في رواية أبي ذرّ: ((قال أبو الوليد)»، وقد وَصَلَه الإسماعيليّ عن أبي خَلِيفة عن أبي الوليد، وتَبيَّن من سياقه أنَّ البخاري ساق الحديث على لفظ سلیمان: وهو ابن حَرْب، وفي رواية أبي خليفة: ((فإذا كان من السحَر أوتَرَ)) وزاد فيه: «فإن كانت له حاجةٌ إلى أهله)) وقال فيه: ((فإن كان جُنُباً أفاضَ عليه من الماء وإلَّا تَوضَّأ))، وبمعناه أخرجه مسلم (١٢٩/٧٣٩) من طريق زهير عن أبي إسحاق. قال الإسماعيليّ: هذا الحديث يُغلَّط في معناه الأسود، والأخبار الحِيَاد فيها: ((كان إذا أراد أن ينام وهو جُنُّب تَوضَّا))(١). قلت: لم يُرِد الإسماعيليّ بهذا أنَّ حديث الباب غلط، وإنَّما أشار إلى أنَّ أبا إسحاق حدَّث به عن الأسود بلفظٍ آخر غَلِطَ فيه، والذي أنكَرَه الحُفَّاظ على أبي إسحاق في هذا الحديث هو ما رواه الثَّوريّ(٢) عنه بلفظ: كان رسول الله وَ ل ينام وهو جُنُب من غير أن يَمَسَّ ماءً. قال التِّرمِذيّ(٣): يَرَونَ هذا غلطاً من أبي إسحاق. وكذا قال مسلم في (التَّمييز)، وقال أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عنه: ليس بصحيحٍ. ثمَّ روى عن یزید بن هارون أنَّه قال: هو وهم(٤). انتهى، وأظنّ أبا إسحاق اختصره من حديث الباب هذا الذي رواه عنه شُعْبة وزهير، لكن لا يَلزَم من قولها: ((فإذا كان جُنُباً أفاضَ عليه الماء)) أن لا يكون تَوضَّأ قبل أن ينام كما دَلَّت عليه الأخبار الأُخَر، فمن ثَمَّ غَلَّطوه في ذلك، ويُستَفاد من الحديث أنَّه كان ربّما نام جُنُباً قبل أن يَغْتَسِل، والله أعلم. وقد تقدَّم باقي الكلام على حديث عائشة قريباً(٥). وقوله فيه: «فإن كانت به حاجة اغتَسَلَ» يُعكّر عليه ما في/ رواية مسلم (٧٣٩): «أفاضَ ٣٣/٣ (١) سلف عند البخاري برقم (٢٨٨)، وهو عند مسلم برقم (٣٠٥). (٢) عند أبي داود في ((السنن)) (٢٢٨)، والترمذي (١١٩)، وابن ماجه (٥٨٣). (٣) في ((سننه)) تحت حديث رقم (١١٩). (٤) قول يزيد هذا موجود أيضاً في ((سنن أبي داود)) برواية اللؤلؤي برقم (٢٢٨). (٥) انظر البابين السالفين برقم (٧) و(١٠). ٣٥٩ باب ١٦ / ح ١١٤٧ -١١٤٨ أبواب التهجد عليه الماءَ، وما قالت: اغتَسَل)) ويُجاب بأنَّ بعض الزُّواة ذكره بالمعنى، وحافَظَ بعضهم على اللفظ، والله أعلم. ١٦ - باب قيام النبيّ ◌َّ﴾ بالليل في رمضان وغيره ١١٤٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المقبُريِّ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّه أخبَرَه أنَّه سألَ عائشةَ رضي الله عنها: كيفَ كانت صلاةٌ رسول اللهِوَ ﴿ في رمضانَ؟ فقالت: ما كانَ رسول الله وَّ يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِه على إحدى عشرةَ رَكْعَةً، يُصلِّ أربعاً فلا تَسَلْ عن حُسنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصلِّي أربعاً، فلا تَسَلْ عن مُحُسِهِنَّ وطُولِهنَّ، ثمَّ يُصلِّي ثلاثاً. قالت عائشة: فقلتُ: يا رسول الله، أتنامُ قبلَ أن تُوِرَ؟ فقال: ((يا عائشةُ، إِنَّ عَينَيَّ تَنامانٍ ولا ينامُ قَلْبي)). [طرفاه في: ٢٠١٣، ٣٥٦٩] ١١٤٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما رأيتُ النبيَّ ◌َ يَقْرأُ في شيءٍ من صلاةِ الليلِ جالساً، حتَّى إذا كَبِرَ قرأَ جالساً، فإذا بَقِيَ عليه مِن السُّورةِ ثلاثونَ أو أربعونَ آيَةً، قامَ فقَرَأْهُنَّ ثَمَّ رَكَعَ. قوله: ((باب قيام النبيّ وَّ﴿ بالليل في رمضان وغيره)) سَقَطَ لفظ قوله: ((بالليل)) من نسخة الصَّغَاني. ذكر فيه حديث أبي سَلَمةَ أنَّه سألَ عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله بَّه؟ وقد تقدَّمت الإشارة إليه في ((باب كيف كان النبيّ وَ ل﴿ يُصلِّ بالليل)) (١١٣٧). وفي الحديث دلالة على أنَّ صلاته كانت متساوية في جميع السنة، وفيه كراهةُ النوم قبل الوتر لاستفهام عائشة عن ذلك، كأنَّه تَقرَّرَ عندها منعُ ذلك، فأجابها بأنَّه وَّ ليس في ذلك كغيره، وسيأتي هذا الحديث من هذه الطَّريق في أواخر الصيام أيضاً (٢٠١٣)، ونذكر فیه إن شاء الله تعالى ما بقي من فوائده. قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة. ٣٦٠ باب ١٦ / ح ١١٤٧ - ١١٤٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حتَّی إذا کَبِرَ)) بيّنت حفصة أنَّ ذلك كان قبل موته بعام، وقد تقدَّم بیان ذلك مع كثير من فوائده في آخر باب من أبواب التقصير (١). متے قوله: ((فإذا بَقِيَ عليه من السُّورَة ثلاثونَ أو أربعونَ آية قامَ فقَرَأْهُنَّ ثمَّ رَكَعَ)) فيه ردٌّ على مَن اشتَرَطَ على مَن افَتَحَ النافلة قاعداً أن يركع قاعداً، أو قائماً أن يركع قائماً، وهو تحكيٌّ عن أشهَب وبعض الحنفيّة، والحُجّة فيه ما رواه مسلم (٧٣٠) وغيره من طريق عبد الله بن شَقِيق عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة النبيّ وَّر وفيه: «كان إذا قرأ قائماً رَكَعَ قائماً، وإِذا قرأ قاعداً رَكَعَ قاعداً)، وهذا صحيح، ولكن لا يَلزَم منه منعُ ما رواه عُرْوة عنها، فيُجمَع بينهما بأنَّه كان يفعل كلّ من ذلك بحَسَب النَّشاط وعَدَمه، والله أعلم. وقد أنكَرَ هشام بن عُرْوة على عبد الله بن شقيق هذه الرواية واحتجَّ بما رواه عن أبيه، أخرج ذلك ابن خُزَيمةَ في ((صحيحه)(٢) ثمَّ قال: ولا مُخالَفة عندي بين الخبرَينِ، لأنَّ رواية عبد الله بن شقيق محمولة على ما إذا قرأ جميع القراءة قاعداً أو قائماً، ورواية هشام بن عُرْوة محمولة على ما إذا قرأ بعضها جالساً وبعضها قائماً. والله أعلم. ١٧ - باب فضل الطُّهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة عند الطُّهور بالليل والنهار ٣٤/٣ ١١٤٩ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن أبي حَيّانَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َّه قال لِيلالٍ عند صلاةِ الفجر: ((يا بلالُ، حَدِّثْني بأرجَى عملٍ عَمِلْتَه في الإسلام؟ فإنِّي سمعتُ دَفَّ نَعْلَيكَ بين يَدَيَّ في الجنَّةُ)) قال: ما عَمِلْتُ عملاً أرجَى عندي أني لم أَنْطَهَّر طُهُوراً في ساعةٍ ليلٍ أو نهارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بذلك الطُّهُورِ ما كُتِبَ لي أن أُصلَِّ. قوله: ((باب فضل الطَّهُور بالليلِ والنَّهار، وفضل الصلاة عند الطَّهور بالليلِ والنَّهار)» كذا ثَبَتَ في رواية الكُشمِيهَنيّ، ولغيره: ((بعد الوضوء»، واقتَصَرَ بعضهم على الشِّقّ الثاني (١) ورقم هذا الباب (٢٠)، وأول حديث فيه رقمه (١١١٨). (٢) بإثر الحديث (١٢٤٧).