Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ باب ٩ / ح ١٠٥٢ أبواب الكسوف قوله: ((عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عبَّاس)) كذا في ((الموطَّأ)) (١٨٦/١-١٨٧) وفي جميع مَن أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللَّؤْلُؤيّ في ((سُنَن أبي داود)) (١١٨٩): عن أبي هريرة، بدل ابن عبّاس، وهو غلط. قوله: ((ثمَّ سَجَدَ» أي: سجدتين. قوله: (ثمَّ قامَ قياماً طويلاً وهو دون القيام الأوَّل)) فيه أنَّ الرَّكعة الثانية أقصر من الأولى، وسيأتي ذلك في باب مُفْرَد (١٠٦٤). قوله: ((قالوا: يا رسول الله)) في حديث جابر عند أحمد (١٤٨٠٠) بإسنادٍ حسن: «فلمَّا قَضَى الصلاة قال له أُبيُّ بن كعب: شيئاً صنعتَه في الصلاة لم تكن تصنعُه)) فذكر نحو حديث ابن عبّاس، إلّا أنَّ في حديث جابر أنَّ ذلك كان في الظُّهر أو العصر(١)، فإن كان محفوظاً فهي قصَّة أُخرى، ولعلَّها القصّة التي حَكَاها أنس / وذكر أنَّهَا وَقَعَت في صلاة ٥٤١/٢ الظُّهر، وقد تقدَّم سياقه في ((باب وقت الظُّهر إذا زالت الشمس)) من كتاب المواقيت (٥٤٠)، لكن فيه: ((عُرِضَت عليَّ الجنَّة والنار في عُرْض هذا الحائط)) حَسْب، وأمَّا حديث جابر فهو شبيه بسياق ابن عبّاس في ذِكْرِ العُنقود وذِكْرِ النِّساء، والله أعلم. قوله: ((رأيناك تناولتَ)) كذا للأكثر بصيغة الماضي، وفي رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((تناولُ)» بصيغة المضارع بضمِّ اللّم وبحذف إحدى التّاءين وأصله: تَتَناوَل. قوله: (ثُمَّ رأيناك كَعْكَعْتَ)) في رواية الكُشمِیھَنيِّ: ((تكَعكَعت)) بزيادة تاء في أوَّله ومعناه: تأخَّرت، يقال: كَعَّ الرجل: إذا نَكَصَ على عَقِبَيْه، قال الخطّابِيُّ: أصله ((تَكَمَّعت)) فاستثقلوا اجتماع ثلاث عَيْنات فأبدَلُوا من إحداها حرفاً مُكرَّراً. ووقع في رواية مسلم (٩٠٧): ((ثمَّ رأيناك گَفَفت)) بفاءین خفيفتين. قوله: ((إِنِّ رأيت الجنَّة فتناولتُ منها عُنْقوداً)) ظاهره أنَّها رؤية عينٍ، فمنهم مَن حَمَلَه على (١) وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عَقيل، وقد تفرد بهذه السياقة، وهو ضعيف إذا تفرد، وانظر كلامنا عليه في «المسند». ٢٠٢ باب ٩ / ح ١٠٥٢ فتح الباري بشرح البخاري أنَّ الحُجُب كُشِفَت له دونها فرآها على حقيقتها، وطُوِيَت المسافة بينهما حتَّى أمكَنَه أن يتناول منها، وهذا أشبَهُ بظاهرِ هذا الخبر، ويؤيِّده حديث أسماء الماضي في أوائل صفة الصلاة (٧٤٥) بلفظ: ((دَنَت منِّي الجنَّة حتَّى لو اجتَرأْتُ عليها لجئتُكم بقِطافٍ من قِطافها)»، ومنهم مَن ◌َلَه على أنَها مُثِّلَت له في الحائط كما تَنطَبِع الصورة في المرآة فرأى جميع ما فيها، ويؤيِّده حديث أنس الآتي في التوحيد (١): ((لقد عُرِضَت عليَّ الجنَّة والنار آنِفاً في عُرْض هذا الحائط وأنا أُصلِّ))، وفي رواية: ((لقد مُثِّلت))، ولمسلم (١٣٧/٢٣٥٩): ((لقد صُوِّرَت))(٢)، ولا يَرِدُ على هذا أنَّ الانطِباع إنَّما هو في الأجسام الثَّقيلة، لأنّا نقول: هو شرط عاديّ فيجوز أن تَنخَرِق العادة خصوصاً للنبيِّ وَّ، لكن هذه قصَّة أُخرى وَقَعَت في صلاة الظُّهر، ولا مانع أن يرى الجنَّة والنار مرَّتين بل مِراراً على صور مختلفة. وأبعَدَ مَن قال: إنَّ المراد بالرُّؤية رؤية العلم، قال القُرطبيّ: لا إحالة في إبقاء هذه الأُمور على ظواهرها لا سيّما على مذهب أهل السُّنَّة في أنَّ الجنَّة والنار قد خُلِقَتا وُجِدَتا، فيَرجِعُ إلى أنَّ الله تعالى خَلَقَ لنبيِّهِ وَلّهِ إدراكاً خاصاً به أدرَكَ به الجنَّة والنار على حقيقتهما. قوله: ((ولو أصَبْته)) في رواية مسلم (٩٠٧): ((ولو أخذته)) واستُشكِلَ مع قوله: ((تناولتُ))، وأُجيبَ بحمل التَّنَاوُل على تكلُّف الأخذ لا حقيقة الأخذ، وقيل: المراد: تناولتُ لنفسي ولو أخذتُه لكم، حَكَاه الكِرْمانيُّ وليس بجيِّدٍ، وقيل: المراد بقوله: تناولتُ، أي: وضعتُ يدي عليه، بحيثُ كنت قادراً على تحويله لكن لم يُقدَّر لي قَطْفُه، ولو أصَبتُه، أي: لو تمكَّنت من قَطْفه. ويدلّ عليه قوله في حديث عُقْبة بن عامر عند ابن خُزَيمةَ (٨٩٠): ((أهوَى بيدِه ليتناول شيئاً)، وللمصنِّ في حديث أسماء في أوائل الصلاة (٧٤٥): ((حتَّى لو اجتَرأْتُ عليها)) وكأنَّه لم يُؤذَن له في ذلك فلم يَجَتَرِئ عليه، وقيل: الإرادة مُقدَّرة، أي: أردت أن أتناول ثمَّ (١) بل في الاعتصام برقم (٧٢٩٤)، وأما رواية التمثيل التي أشار إليها الشارح فقد سلفت في حديث هلال ابن علي عن أنس عند البخاري برقم (٧٤٩) بلفظ: «رأيت الجنة والنار ممثَّلتين ... )). (٢) وهي عند البخاري أيضاً برقم (٦٣٦٢) و(٧٠٨٩). ٢٠٣ باب ٩ / ح ١٠٥٢ أبواب الكسوف لم أفعل، ويؤيِّده حديث جابر عند مسلم (٩٠٤/ ١٠): ((ولقد مَدَدتُ يدي وأنا أُريد أن أتناول من ثَمَرها لتَنظُرُوا إليه، ثمَّ بَدَا لي أن لا أفعل))، ومثله للمصنّف من حديث عائشة كما سيأتي في آخر الصلاة (١٢١٢) بلفظ: ((حتَّى لقد رأيتُني أُريد أن آخذ قِطْفاً من الجنّة حين رأيتُموني جعلت أتقدَّم))، ولعبد الرزاق (٤٩٢٦) من طريق مُرسَلَة: ((أردت أن آخذ منها قِطفاً لأُرِيكُمُوه فلم يقدَّر))، ولأحمد (١٤٨٠٠) من حديث جابر: ((فحِيلَ بيني وبينه)). قال ابن بَطَّل: لم يأخذ العُنقود؛ لأنَّه من طعام الجنَّة وهو لا يَفْنَى، والدُّنيا فانيةٌ لا يجوز أن يُؤكَل فيها ما لا يَفْنَى. وقيل: لأنَّه لو رآه الناس لكان من إيمانهم بالشَّهادة لا بالغيبِ، فُيُخشَى أن يقع رفع التَّوبة فلا ينفعُ نفساً إيمانُها. وقيل: لأنَّ الجنَّة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إلَّا في الآخرة. وحكى ابن العربيّ في ((قانون التأويل)) عن بعض شيوخه أنَّه قال: معنى قوله: ((لَأكَلتُم منه ... )) إلى آخره، أن يَخْلُّق في نفس الآكِل مثل الذي أكَلَ دائماً، بحيثُ لا يغيب عن ذَوْقِه. وتُعُقِّبَ بأَنَّه رأي فلسفيّ مبنيّ على أنَّ دارَ الآخرة لا حقائق لها وإنَّما هي أمثال، والحقّ أنَّ ثمار الجنَّة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وإذا قُطِعَت خُلِقَت في الحال، فلا مانع أن يَخْلُق الله مثل ذلك في الدُّنيا إذا شاء، والفرق / بين الدّارَينِ في وجوب الدَّوام وجوازه. ٥٤٢/٢ فائدة: بَيَّن سعيد بن منصور في روايته من وجه آخر عن زيد بن أسلمَ: أنَّ التَّنَاوُل المذكور كان حالَ قيامه الثاني من الرَّكعة الثانية. قوله: ((وأُرِيتُ النّارَ)) في رواية غير أبي ذَرّ: ((ورأيت))، ووقع في رواية عبد الرزاق (٤٩٢٦) المذكورة أنَّ رُؤْيته النار كانت قبل رُؤْيته الجنَّة، وذلك أنَّه قال فيه: ((عُرِضَت على النبيِّ وَّهِ النار فتأخّرَ عن مُصلَّاه حتَّى إِنَّ الناسِ لَيَركَب بعضهم بعضاً، وإذا رَجَعَ عُرِضَت عليه الجنَّة فذهب يمشي حتَّى وَقَفَ في مُصلَّاه))، ولمسلم (٩٠٤/ ١٠) من حديث جابر: ((لقد جيءَ بالنار حين رأيتُموني تأخّرت مخافةَ أن يُصيبني من لَفْحها)) وفيه: ((ثُمَّ جيءَ بالجنَّة وذلك حين رأيتُموني تَقَدَّمت حتَّى قمتُ في مَقامي)) وزاد فيه: ((ما من شيء ٢٠٤ باب ٩ / ح ١٠٥٢ فتح الباري بشرح البخاري تُوعَدونه إلَّا قد رأيته في صلاتي هذه))، وفي حديث سَمُرة عند ابن خُزَيمةَ (١٣٩٧): ((لقد رأيت منذُ قمت أُصلِّ ما أنتُم لاقون في دُنياكم وآخِرَتِكم)). قوله: ((فلم أرَ مَنْظَراً كاليوم قَطَّ أفظَعَ)) المراد باليوم: الوقت الذي هو فيه، أي: لم أرَ مَنظَراً مثل مَنظَر رأيته اليوم، فحَذَفَ المرئيَّ وأدخَلَ التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه ويُعْده عن المنظَر المألوف، وقيل: الكاف اسم والتقدير: ما رأيت مثلَ منظر هذا اليوم مَنْظَراً. ووقع في رواية المُسْتَمْلِي والحَقُّوِيِّ: ((فلم أنظُرُ كاليومٍ قَطُّ أفظعَ)). قوله: ((ورأيت أكثر أهلها النِّساء)» هذا يُفسِّر وقت الرُّؤية في قوله لهنَّ في خطبة العيد: (تَصَدَّقنَ، فإنِّي رأيتُكُنَّ أكثر أهل النار)) وقد مضى ذلك في حديث أبي سعيد في كتاب الحيض (٣٠٤)، وقد تقدَّم في العيد (٩٧٩) الإلمامُ بتسمية القائل «أيكفُرنَ)). قوله: ((يَكْفُرنَ بالله؟ قال: يَكْفُرنَ العَشِير)) كذا للجُمهور عن مالك، وكذا أخرجه مسلم (٩٠٧) من رواية حفص بن مَيسَرة عن زيد بن أسلم، ووقع في ((موطَّأ)) يحيى بن يحيى الأندَلُسيّ عن مالك(١) (١٨٦/١ - ١٨٧) قال: ((ويَكْفُرنَ العَشير)) بزيادة واو، واتَّفَقوا على أنَّ زيادة الواو غلط منه، فإن كان المراد من تغليطه كونَه خالَفَ غيره من الرُّواة، فهو كذلك، وأُطلقَ على الشُّذوذ غلطاً، وإن كان المراد من تغليطه فسادَ المعنى، فليس كذلك، لأَنَّ الجواب طابَقَ السُّؤال وزاد، وذلك أنَّه أطلقَ لفظ النِّساء فعَمَّ المؤمنةَ منهُنَّ والكافرة، فلمَّا قيل: ((يَكفُرنَ بالله؟)) فأجاب: ((ويَكفُرنَ العَشير .. )) إلى آخره، كأنَّه قال: نعم يقع مِنْهُنَّ الكفرُ بالله وغيره، لأنَّ منهُنَّ مَن يَكفُر بالله ومنهُنَّ مَن يَكفُر الإحسان. وقال ابن عبد البَرِّ: وجه رواية يحيى أن يكون الجواب لم يقع على وَفْق سؤال السائل، لإحاطة العلم بأنَّ من النِّساء مَن يَكفُر بالله، فلم يُحْتَج إلى جوابه، لأنَّ المقصود في الحديث خلافه. قوله: ((يَكفُرنَ العَشِيرِ)) قال الكِرْمانيُّ: لم يُعَدَّ كفرُ العشير بالباءِ كما عُدّيَ الكفر بالله، (١) قوله: ((عن مالك)) سقط من (س). ٢٠٥ باب ٩ / ح ١٠٥٢ أبواب الكسوف لأنَّ كفر العشير لا يَتضمَّن معنى الاعتراف. قوله: ((ويَكفُرنَ الإحسان)) كأنَّه بيان لقوله: ((يَكفُرنَ العَشِير)) لأنَّ المقصود كفرُ إحسان العشير لا كفر ذاته، وتقدّم تفسير العَشِير في كتاب الإيمان (٢٩)، والمراد بكفر الإحسان تغطیته أو جحده، ويدلّ علیه آخر الحديث. قوله: ((لو أحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهرَ كلَّه)) بيان للتَّغطية المذكورة، و((لو)) هنا شرطيَّة لا امتناعيَّة، قال الكِرْمانيُّ: ويحتمل أن تكون امتناعيَّة، بأن يكون الحُكُم ثابتاً على النَّقْيضَينِ والطَّرَف المسكوت عنه أَولى من المذكور، والدَّهر منصوب على الظَّرفيَّة، والمراد منه: مُدَّة عُمر الرجل، أو الزمان كلّه مُبالَغَةً في كفرانهن، وليس المراد بقوله: ((أحسنتَ» مُخاطَبة رجل بِعَينِهِ، بل كلّ مَن يتأتَّى منه أن يكون مُخاطَباً، فهو خاصٌّ لفظاً عامٌّ معنّى. قوله: ((شيئاً)) التنوين فيه للتَّقليل، أي: شيئاً قليلاً لا يوافق غَرَضَها من أيّ نوع كان، ووقع في حديث جابر ما يدلّ على أنَّ المرئيَّ في النار من النِّساء مَن اتَّصَفَ بصِفاتٍ ذميمة ذُكِرَت، ولفظه: «وأكثرُ مَن رأيت فيها من النِّساء اللّاتي إن اؤْتُنَّ أفشَيْنَ، وإن سُئِلنَ بَخِلنَ، وإن سألنَ الحَفْنَ، وإن أُعطِينَ لم يَشكُونَ)) الحديث(١). وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدَّم: المبادرةُ إلى الطاعة عند رؤية ما ◌ُحذّر منه، واستدفاع البَلاء بذِكْر الله وأنواع طاعته، / ومُعجِزَة ظاهرة للنبيِّ وَّه وما كان عليه من ٥٤٣/٢ نُصح أُمَّته، وتعليمهم ما ينفعهم وتحذيرهم ممّا يَضُرّهم، ومُراجَعة المتعلِّم للعالم فيما لا يُدرِكه فهمُه، وجواز الاستفهام عن عِلَّة الحُكْم، وبيان العالم ما يحتاج إليه تلميذه، وتحريم كُفْران الحقوق، ووجوب شُكْرِ المُنعِم. وفيه أنَّ الجنَّة والنار مخلوقتان موجودتان اليومَ، وجواز إطلاق الكفر على ما لا يُخْرِج من الِلَّة، وجوازُ تعذيب أهل التوحيد على المعاصي، وجواز العمل في الصلاة إذا لم يَكثُر. (١) أخرجه أحمد (١٤٨٠٠)، وقد سلف التعليق عليه قريباً في أول شرح هذا الحديث. ٢٠٦ باب ١٠ / ح ١٠٥٣ فتح الباري بشرح البخاري ١٠ - باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف ١٠٥٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوة، عن امرأتِه فاطمةَ بنتِ المنذِر، عن أسماء بنتٍ أبي بكرٍ رضي الله عنهما أنَّها قالت: أتيتُ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ نَّهِ حِينَ خَسَفَتِ الشمسُ، فإذا الناسُ قيامٌ يُصلُّونَ وإذا هي قائمةٌ تُصلّي، فقلتُ: ما للنّاسِ؟ فأشارَتْ بيدِها إلى السماءِ، وقالت: سبحانَ الله! فقلتُ: آيةٌ؟ فأشارَت أي: نَعَم، قالت: فَقُمْتُ حتَّى تَجَلَّاني الغَشْيُ، فجعلتُ أصُبُّ فوقَ رأسي الماءَ. فلمَّ انصَرَفَ رسول اللهِ ◌َّ حَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثمَّ قال: ((ما من شيءٍ كنتُ لم أرَه إلا قد رأيتُهُ في مَقَامي هذا، حتَّى الجنَّةَ والنّارَ، ولقد أُوحِيَ إليَّ أنَّكُمْ تُقْتَنُونَ فِي القُبورِ مِثلَ - أو قريباً من - فِتْنِةِ الدَّجَال - لا أدري أيَّتَهما قالت أسماءُ - يُؤْتَى أحدُكُم فيقال له: ما عِلمُكَ بهذا الرجلِ؟ فأمَّا المؤمن أو المُوقِنُ، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقول: محمَّدٌ رسول الله وِّه جاءنا بالبيِّئات والهدَى فأجَبْنا وَآمَنّا واتَّبَعْنا، فيقال له: نَمْ صالحاً، فقد عَلِمْنا إن كنتَ لَمُوقِناً، وأمَّا المنافق - أو المُرْتابُ، لا أدري أيَّتَهما قالت أسماءُ - فيقول: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئاً فقلتُه)). قوله: ((باب صلاة النِّساء مع الرِّجال في الكُسوف)) أشار بهذه الترجمة إلى ردّ قول مَن مَنَعَ ذلك وقال: يُصلِّينَ فُرادَى، وهو منقول عن الثَّوريّ وبعض الكوفّينَ، وفي «المدوَّنة)): تُصلِي المرأة في بيتها وتَّخْرُج المُتَجالَّة، وعن الشافعيّ: يَخْرُج الجميع إلَّا مَن كانت بارعة الجمال، وقال القُرطبيّ: رُوِيَ عن مالك: أنَّ الكسوف إنَّما يُخاطَب به مَن يُخَاطَب بالجمعة، والمشهور عنه خلاف ذلك وهو إلحاق المصلَّى في حقُّهنَّ بحُكْم المسجد. قوله: ((عن أسماء بنت أبي بكر)) هي جَدَّة فاطمة وهشام لأبويهما. قوله: ((فأشارَت أي: نَعَم)» وفي رواية الكُشمِيهَنِيِّ: ((أن نَعَم)) بنونٍ بدل النَّحتانيَّة، وقد تقدَّمت فوائده في «باب مَن أجاب الفُتيا بالإشارة)) من كتاب العلم (٨٦)، وفي ((باب مَن لم يتوضَّأ إلَّا من الغَشْيِ المُثِقِل)) من كتاب الطَّهارة (١٨٤)، ويأتي الكلام على ما يتعلَّق بالقبر في كتاب الجنائز (١٣٧٣) إن شاء الله تعالى. ٢٠٧ باب ١١-١٢ / ح ١٠٥٤ - ١٠٥٦ أبواب الكسوف قال الزَّين بن المنيِّر: استدلَّ به ابن بَطَّال على جواز خروج النِّساء إلى المسجد لصلاة الكسوف، وفيه نظرٌ، لأنَّ أسماء إنَّما صَلَّت في حُجْرة عائشة، لكن يُمكِنه أن یَتمسَّك بما وَرَدَ في بعض طُرُقِهِ: أنَّ نساءً غيرَ أسماء كُنَّ بعيداتٍ عنها، فعلى هذا فقد كُنَّ في مُؤخَّر المسجد كما جَرَت عادتُهُنَّ في سائر الصَّلَوات. ١١ - باب من أحبَّ العَتَاقَةَ في كسوف الشمس ١٠٥٤- حدَّثنا رَبِيعُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن هشام، عن فاطمةَ، عن أسماءَ، قالت: لقد أمَرَ النبيُّ وَّ بِالعَتَاقِ في كُسوفِ الشمسِ. قوله: ((باب مَن أحبَّ العَتاقة)) بفتح العين المهمَلة ((في كسوف الشمس)) قَيَّدَه اتِباعاً ٥٤٤/٢ للسبب الذي وَرَدَ فيه، لأنَّ أسماء إنَّما رَوَت قصَّة كسوف الشمس - وهذا طرفٌ منه - إمَّا أن يكون هشام حدَّث به هكذا فسمعه منه زائدة، أو يكون زائدةُ اختَصَرَه، والأوَّل أرجحُ فسيأتي في كتاب العِتق (٢٥٢٠) من طريق عَّام بن عليّ عن هشام بلفظ: كنَّا نُؤْمَر عند الخُسوف بالعَتاقة. قوله: ((لقد أمَرَ)) في رواية معاوية بن عَمْرو عن زائدة عند الإسماعيليّ: كان النبيّ : یأمرهم. صَلى اللّهـ ١٢ - باب صلاة الكسوف في المسجد ١٠٥٥- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمْرةَ بنتٍ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ يهوديّةً جاءت تسألها، فقالت: أعاذَكِ الله من عذابِ القيرِ، فسألَت عائشةُ رسول الله وَّةِ: أَيُعذّبُ الناسُ في قُبُورِهم؟ فقال رسول الله وَّ ((عائذاً بالله من ذلكَ)). ١٠٥٦ - ثمَّ رَكِبَ رسول الله ◌ِّل ذاتَ غداةٍ مَركَباً، فكَسَفَتِ الشمسُ، فَرَجَعَ ضُخَّى فمَرَّ رسول الله وَلّ بين ظَهْرانَي الحُجَرِ، ثمَّ قامَ فصَلَّى وقامَ الناسُ وراءَه فقامَ قياماً طويلاً، ثمَّ رَكَعَ ٢٠٨ باب ١٣ / ح ١٠٥٧ - ١٠٥٨ فتح الباري بشرح البخاري رُكوعاً طويلاً، ثمَّ رَفَعَ فقامَ قياماً طويلاً وهو دونَ القيامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ رَفَعَ فسَجَدَ سجوداً طويلاً، ثمَّ قامَ فقامَ قياماً طويلاً وهو دونَ القيام الأَوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ قامَ قياماً طويلاً وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ سَجَدَ وهو دونَ السُّجودِ الأوَّلِ، ثمَّ انصَرَفَ، فقال رسول الله وَّهما شاءَ اللهُ أن يقول، ثمَّ أمَرَهم أن يَتعوَّذُوا من عذاب القبرِ. قوله: ((باب صلاة الكُسوف في المسجد)) أورَدَ فيه حديث عائشة من رواية عَمْرة عنها وقد تقدَّم قبل أربعة أبواب (١٠٤٩) من هذا الوجه، ولم يقع فيه التصريح بكونها في المسجد، لكنَّه يُؤخَذ من قولها فيه: ((فمَرَّ بين ظَهْراني الحُجَر)) لأنَّ الحُجَر بيوت أزواج النبيّ څال﴾، و کانت لاصقةً بالمسجد، وقد وقع التصریح بذلك في روایة سلیمان بن بلال عن یحیی ابن سعيد عن عَمْرة عند مسلم (٩٠٣) ولفظه: ((فخرجتُ في نِسوَة بين ظَهْرانَي الحُجَر في المسجد فأتى النبيّ وَّه من مَركَبه حتَّى أتى إلى مُصلَّاه الذي كان يُصلِّي فيه)) الحديث، والمركَب الذي كان النبيّ ◌َِّ فيه بسبب موت ابنه إبراهيم كما تقدَّم في الباب الأوَّل، فلمَّا رَجَعَ النبيُّ ◌َّهِ أتى المسجد ولم يُصلِّها ظاهراً، وصَحَّ أنَّ السُّنَّة في صلاة الكسوف أن تُصلَّى في المسجد، ولولا ذلك لكانت صلاتُها في الصحراء أجدَرَ برؤية الانجِلاء، والله أعلم. ١٣ - باب لا تنكسف الشمس لموت أحدٍ ولا لحياته رواه أبو بَكْرةَ والمغيرةُ وأبو موسى وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمرَ رضي الله عنهم. ٥٤٥/٢ ١٠٥٧ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسُ، عن أبي مسعودٍ، قال: قال رسول الله وَّله: ((الشمسُ والقمرُ لا يَنكَسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، ولكنَّهما آيتانِ من آياتِ الله، فإذا رأيتُمُوهما فصَلُّوا)). ١٠٥٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ وهشام ابنِ عُرْوة، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كَسَفَتِ الشمسُ على عَهْدِ رسول الله ٢٠٩ باب ١٣ / ح ١٠٥٧ -١٠٥٨ أبواب الكسوف وَّه، فقامَ النبيُّ وَلِ فِصَلَّى بالناسِ فأطالَ القراءةَ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكوع، ثمَّ رَفَعَ رأسَه فأطالَ القراءةَ وهي دون قراءتِه الأولى، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكوعَ دونَ رُكوعِه الأوَّلِ، ثمَّ رَفَعَ رأسَه فسَجَدَ سَجْدَتَينٍ، ثمَّ قامَ فصَنَعَ في الرَّكْعَةِ الثّانيةِ مِثْلَ ذلك، ثمَّ قامَ فقال: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَخْسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، ولكنَّهما آيتانِ من آياتِ الله يُرِيهما عِبادَه، فإذا رأيتُم ذلك فافزَعُوا إلى الصلاةِ)). قوله: ((باب لا تَنكَسِف الشمس لموتٍ أحد ولا لحياته)) تقدَّم الكلام على ذلك مبسوطاً في الباب الأوَّل. قوله: ((رواه أبو بَكْرة والمغيرة)) تقدَّم حديثهما فيه (١٠٤٠ و١٠٤٣). قوله: ((وأبو موسى) سيأتي حديثُه في الباب الذي يليه. قوله: ((وابن عبّاس)) تقدَّم حديثه قبل ثلاثة أبواب (١٠٥٢). قوله: ((وابن عمر)) تقدَّم حديثه في الباب الأوَّل (١٠٤٢). وقد ذكر المصنِّف في الباب أيضاً حديث أبي مسعود وفيه ذلك، وقد تقدَّم في الباب الأوَّل أيضاً من وجه آخر (١٠٤١)، وكذا حديث عائشة. وفي الباب ممَّا لم يَذكُره عن جابر عند مسلم (٩٠٤)، وعن عبد الله بن عَمْرو والنُّعمان بن بَشِير وقَبِيصة وأبي هريرة كلّها عند النَّسائيِّ وغيره، وعن ابن مسعود وسَمُرة بن جُندُب ومحمود بن لَبِيدٍ كلّها عند أحمد وغيره، وعن عُقْبة بن عامر وبلال عند الطَّبرانيِّ وغيره(١)، فهذه عِدَّة طرق غالبُها على شرط الصِّحَّة، وهي تُفيد القطعَ (١) حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (٦٤٨٣)، والنسائي (١٤٦١)، والطحاوي ٣٣١/١، وابن حبان (٢٨٢٩)، وحديث النعمان بن بشير عند أحمد (١٨٣٥١)، والنسائي (١٤٨٥) و(١٤٩٠)، وحديث قبيصة عند أحمد (٢٠٦٠٧)، والنسائي (١٤٨٧)، وأبي داود (١١٨٥)، وابن خزيمة (١٤٠٢)، وحديث أبي هريرة عند النسائي (١٤٨٣)، وحديث ابن مسعود عند ابن خزيمة (١٣٧٢) و(١٣٩٢)، والطبراني (١٠٦٥)، وحديث سمرة عند أحمد (٢٠١٧٨)، وابن خزيمة (١٣٩٧)، والطبراني (٧٠٦٣)، وحديث محمود بن لبيد عند أحمد (٢٣٦٢٩)، وحديث عقبة بن عامر عند الطبراني ١٧/ (٨٠٦)، وحديث بلال عند الطبراني (١٠٩٤). ٢١٠ باب ١٤ / ح ١٠٥٩ فتح الباري بشرح البخاري عند مَن اطَّلَعَ عليها من أهل الحديث بأنَّ النبيّ وَّهِ قاله، فيجب تكذيبُ مَن زَعَمَ أنَّ الكسوف علامةٌ على موت أحد أو حياة أحد. قوله: ((مَعمَر عن الزُّهْريِّ وهشام)) ساقه على لفظ الزُّهري، وقد تقدَّمت رواية هشام مُفْرَدة في الباب الثاني (١٠٤٤)، وتقدَّم الكلام عليه هناك. وبيَّن عبد الرزاق (٤٩٢٢) عن مَعمَر أنَّ في رواية هشام من الزّيادة ((فَتَصَدَّقوا))، وقد تقدَّم ذلك أيضاً. ١٤ - باب الذِّکر في الکسوف رواه ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. ١٠٥٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن بُرَیدِ بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، قال: خَسَفَتِ الشمسُ، فقامَ النبيُّ نَّهِ فَزِعاً يَخْشَى أن تكونَ السَّاعةُ، فأتى المسجدَ فصَلَّى بأطولٍ قيامِ ورُكوعٍ وسجودٍ رأيتُهُ قَطُّ يفعلُه، وقال: «هذه الآياتُ التي يُرسِلُ اللهُ لا تكونُ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، ولكنْ يُوِّفُ اللهُ بها عبادَه، فإذا رأيتُم شيئاً من ذلكَ فافزَعُوا إلى ذِكْر الله ودُعائه واستِغْفارِه)). قوله: ((باب الذِّكْر في الُسوف. رواه ابن عبّاس)) أي: عن النبيِّ وَّ، وقد تقدَّم حديثه قريباً (١٠٥٢) بلفظ: ((فاذكروا الله)). قوله: ((فقامَ النبيّ وَّهِ فَزِعاً)) بكسر الزّاي، صفة مُشبَّهة، ويجوز الفتح على أنَّه مصدر بمعنى الصِّفة. ٥٤٦/٢ قوله: ((يَخْشَى أن تكون السّاعةُ)) بالضَّمِّ على أنَّ ((كان)) تامَّة، أي: يَخْشَى أن تَحَضُر الساعة، أو ناقصة والساعة اسمها والخبر محذوف، أو العكس. قيل: وفيه جواز الإخبار بما يُوجِبه الظنُّ من شاهد الحال، لأنَّ سبب الفَزَع يخفى عن المشاهِد لصورة الفَزَع، فيحتمل أن يكون الفَزَع لغير ما ذُكِر، فعلى هذا فيُشكِل هذا الحديث من حيثُ إنَّ للساعة مُقدِّمات كثيرة لم تكن وَقَعَت كفتح البلاد واستخلاف الخُلَفاء وخروج الخَوَارج، ثمَّ الأشراط كطلوع الشمس من مغربها والدابَّة والدَّجّال والدُّخان وغير ذلك. ٢١١ باب ١٤ / ح ١٠٥٩ أبواب الكسوف ويُجاب عن هذا باحتمال أن تكون قصَّة الكسوف وَقَعَت قبل إعلام النبيّ وَّ بهذه العلامات. أو لعلَّه خَشِيَ أن يكون ذلك بعضَ المقدِّمات. أو أنَّ الراوي ظَنَّ أنَّ الخَشْية لذلك وكانت لغيره كعقوبةٍ تَحدُث كما كان يخشى عند هُبوب الرِّيح، هذا حاصل ما ذكره النَّوَويّ تَبَعاً لغيره. وزاد بعضهم: أنَّ المراد بالساعة غيرُ يوم القيامة، أي: الساعة التي جُعِلَت علامةً على أمر من الأُمور، كموتِه ◌َليل أو غير ذلك. وفي الأوَّل نظرٌ، لأنَّ قصَّة الكسوف متأخِّرة جدّاً، فقد تقدَّم أنَّ موت إبراهيم كان في العاشرة كما اتَّفَقَ عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبيُّ وَله بكثيرٍ من الأشراط والحوادث قبل ذلك، وأمَّا الثالث فتحسينُ الظنِّ بالصحابيِّ يقتضي أنَّه لا يَجِزِمِ بذلك إلَّا بتوقيفٍ، وأمَّا الرابع فلا يخفى بُعْدُه. وأقربها الثاني فلعلَّه خَشِيَ أن يكون الكسوف مُقدِّمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يَتَخلَّل بين الكسوف والُّلوع المذكور أشياءُ ممَّا ذُكِرَ وتقع مُتَتالية بعضها إثرَ بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ الشَاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:٧٧]. ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه يحتمل أن يُخرَّج على مسألة دخول النَّسخ في الأخبار، فإذا قيل بجواز ذلك زال الإشکال. وقيل: لعلَّ قَدَّرَ وقوع المُمكِن لولا ما أعلمَه الله تعالى بأنَّه لا يقع قبل الأشراط، تعظيماً منه لأمر الكسوف ليَتَبَيَّن لمن يقع له من أُمَّته ذلك كيف يخشى ويَفزَع، لا سيّما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط أو أكثرها. وقيل: لعلَّ حالة استحضار إمكان القُدرة غَلَبَت على استحضار ما تقدَّم من الشُّروط، لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرطٍ لم يتقدَّم ذِكْرُه فيقع المَخُوف بغير أشراط لفَقْدِ الشَّرط، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: «هذه الآيات التي يُرسِل اللهُ)) ثمَّ قال: ((ولكن يُخُوِّف الله بها عباده)) موافقٌ لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلَأَيَتِ إِلَّا تَخِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وموافق لما تقدَّم تقريرُه في الباب ٢١٢ باب ١٥ / ح ١٠٦٠ فتح الباري بشرح البخاري الأوَّل، واستُدلَّ بذلك على أنَّ الأمر بالمبادرة إلى الذِّكر والدُّعاء والاستغفار وغير ذلك لا يَخْتَصُّ بالكسوفين، لأنَّ الآيات أعمُّ من ذلك، وقد تقدَّم القولُ في ذلك في أواخر الاستسقاء. ولم يقع في هذه الرواية ذِكْر الصلاة، فلا حُجَّة فيه لمن استَحَبَّها عند كلِّ آية. قوله: ((إلى ذِكْر الله)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((إلى ذِكْره)) والضَّمير يعود على الله في قوله: ((يُحُوِّف الله بها عباده)). وفيه النَّبُ إلى الاستغفار عند الكسوف وغيره، لأنَّه ممّا يُدفَع به البَلاء. ١٥ - باب الدّعاء في الكسوف قاله أبو موسى وعائشةُ رضي الله عنهما، عن النبيِّ آلّ. ١٠٦٠ - حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا زائدةُ، قال: حدَّثْنا زيادُ بنُ عِلَاقة، قال: سمعتُ المغيرةَ بنَ شُعْبة يقول: انكَسَفَتِ الشمسُ يومَ ماتَ إبراهيمُ، فقال الناسُ: انكَسَفَتِ لموتٍ إبراهيمَ، فقال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ الشمسَ والقمر آيتانِ من آياتِ الله، لا يَنكَسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُمُوهما فادْعُوا اللهَ وصَلُّوا حتَّى يَنجَليَ)). قوله: ((باب الدُّعاء في الكُسوف)» في رواية كَرِيمة وأبي الوَقْت: في الخُسوف. ٥٤٧/٢ قوله: ((قاله أبو موسى وعائشة)) يشير إلى حديث أبي موسى الذي قبلَه، وأمَّا حديث عائشة فوقع الأمرُ فيه بالدُّعاءِ من طريق هشام عن أبيه، وهو في الباب الثاني (١٠٤٤)، ووَرَدَ الأمر بالدُّعاءِ أيضاً من حديث أبي بَكْرةٍ(١) وغيره، ومنهم مَن حَلَ الذِّكر والدُّعاء على الصلاة لكونهما من أجزائها، والأوَّل أَولى، لأنَّه جُمعَ بينهما في حديث أبي بَكْرة حيثُ قال: ((فصَلُّوا وادعوا))، ووقع في حديث ابن عبّاس عند سعيد بن منصور: ((فاذكروا الله وكَبِّوه وسَبِّحوه وهَلِّلوه))، وهو من عَطْف الخاصِّ على العامّ، وقد تقدَّم الكلام على حديث المغيرة في الباب الأول (١٠٤٣). (١) سلف حديث أبي بكرة برقم (١٠٤٠). ٢١٣ باب ١٦-١٧ / ح ١٠٦١ - ١٠٦٣ أبواب الكسوف ١٦ - باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أمَّا بعد ١٠٦١- وقال أبو أسامةَ: حدَّثنا هشامٌ، قال أخبَرَتْني فاطمةُ بنتُ المنذِر، عن أسماءَ، قالت: فانصَرَفَ رسول الله وَّهِ وقد تَجَلَّتِ الشمسُ، فخَطَبَّ فحَمِدَ اللهَ بما هو أهلُه، ثمّ قال: ((أمَّا بعدُ)). قوله: ((باب قول الإمام في خُطْبة الكُسوف: أمَّا بعد)) ذكر فيه حديث أسماء مختصراً مُعلَّقاً فقال: ((وقال أبو أُسامة))، وقد تقدَّم مُطوَّلاً من هذا الوجه في كتاب الجمعة (٩٢٢)، ووقع فيه هنا في رواية أبي عليّ بن السَّكَن وهمّ نَبَّهَ عليه أبو عليٍّ الجَيَّنيّ، وذلك أنَّه أدخَلَ بين هشام وفاطمة بنت المنذر عُرْوةَ بنَ الزُّبَير، والصواب حذفه. قلت: لعلَّه كان عنده ((هشام بن عُرْوة بن الزُّبَير)) فَتَصَحَّفَت ((بن)) فصارت (عن)) وذلك من الناسخ، وإلَّا فابن السَّكَن من الحُفَّاظ الكِبار. وفيه تأييد لمن استَحَبَّ لصلاة الكسوف خطبة كما تقدَّم في بابه (١٠٤٦). ١٧ - باب الصلاة في كسوف القمر ١٠٦٢ - حدَّثنا محمودٌ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عامٍ، عن شُعْبة، عن يونسَ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ﴾، قال: انكَسَفَتِ الشمسُ على عَهْدِ رسولِ الله ◌َِّ، فصَلَّى رَكْعتَينِ. ١٠٦٣ - حدّثنا أبو مَعمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرة، قال: خَسَفَتِ الشمسُ على عَهْدِ رسول الله وَّةِ، فخرج يجُّ رِداءَه حتَّى انتَهى إلى المسجدِ، وثابَ الناسُ إليه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْنِ، فانجَلَتِ الشمسُ، فقال: ((إنَّ الشمس والقمرَ آيتانِ من آیاتِ الله، وإنَّما لا يَخْسِفانِ لموتِ أحدٍ، وإذا كان ذاكَ فصَلُّوا وادْعُوا حَتَّى يُكشَفَ ما بكم))؛ وذاكَ أنَّ ابناً للنبيِّ ◌ََّماتَ يقال له: إبراهيمُ، فقال الناسُ في ذاكَ. قوله: ((باب الصلاة في كُسوف القمر)) أورَدَ فيه حديث أبي بَكْرة من وجهَينِ مختصراً ومُطوَّلاً، واعتُرِضَ عليه بأنَّ المختصر ليس فيه ذِكْر القمر لا بالتَّصيصِ ولا بالاحتمال، ٢١٤ باب ١٧ / ح ١٠٦٢ - ١٠٦٣ فتح الباري بشرح البخاري والجواب: أنَّه أراد أن يُبيِّن أنَّ المختصر بعض الحديث المطوَّل، وأمَّا المطوّل فيُؤخَذ المقصود من قوله: ((وإذا كان ذلك فصَلّوا)) بعد قوله: ((إنَّ الشمس والقمر))، وقد وقع في بعض طُرُقه ما هو أصرحُ من ذلك، فعند ابن حبان (٢٨٣٣) من طريق نوح بن قيس عن يونس ٥٤٨/٢ ابن عُبيد في / هذا الحديث: ((فإذا رأيتُم شيئاً من ذلك))، وعنده (٢٨٢٩) في حديث عبد الله ابنِ عَمْرو: ((فإذا انكَسَفَ أحدهما))، وقد تقدَّم حديث أبي مسعود بلفظ: ((كسوف أيِّهما انكَسَفَ))(١)، وفي ذلك ردٌّ على مَن قال: لا تُندَب الجماعة في كسوف القمر، وفُرِّقَ بوجودِ المشَقَّة في الليل غالباً دون النهار. ووقع عند ابن حِبَّان (٢٨٣٧) من وجه آخر: أنَّه وَّ صلَّى في كسوف القمر، ولفظه من طريق النَّضر بن شُمَيلٍ عن أشعَث بإسناده في هذا الحديث: ((صلَّى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثلَ صلاتكم))، وأخرجه الدّارَ قُطنيُّ أيضاً (٢)، وفي هذا ردٌّ على مَن أطلقَ كابنِ رُشَيْد أنَّهَ وَّه لم يُصلِّ فيه، ومنهم مَن أوَّلَ قوله: ((صلَّى)) أي: أمر بالصلاة، جمعاً بين الروايتين، وقال صاحب ((الھَذْي)): لم يُنقَل أنَّه صلَّى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حِبَّان في ((السّيرة)) له: أنَّ القمر خَسَفَ في السَّنة الخامسة فصلَّى النبيُّ ◌َّل بأصحابه صلاة الكسوف وكانت أوَّل صلاة كسوف في الإسلام. وهذا إن ثَبَتَ انتَفَى التأويل المذكور، وقد جَزَمَ به مُغَلْطاي في ((سِيرَته المختصرة))، وتَبِعَه شيخنا في نَظْمها. (١) وهي رواية ابن المنذر كما سلف بيانه عند شرح الحديث رقم (١٠٤١)، ونسبة الشارح هذا الحديث إلى أبي مسعود كما صرَّح هنا وكما يُفهَم من شرحه على الحديث السالف، وهمٌّ منه، والصواب أنه من حديث عبد الله بن مسعود كما تقدم، على أنه وقع في نسخة (ع) وحدها: ((ابن مسعود)) على الصواب، ولعله تصحيفٌ من الناسخ، والله أعلم. (٢) حديث أبي بكرة عند الدارقطني في ((سننه)) (١٧٩٣) وليس فيه هذا اللفظ، وهو عند النسائي (١٤٩٢) من طريق خالد بن الحارث عن أشعث بنحو اللفظ المذكور إلا أنه لم يذكر فيه القمر، ورجال إسناده إلى أشعث ثقات، أما إسناد ابن حبان ففيه عبد الكريم بن عبد الله السكري - وهو الراوي عن النضر بن شميل - ولم نقف على حاله، فذِكْر القمر في روايته شاذٌّ، وهذا يرجِّح قول الذين ذهبوا إلى أن النبي ◌َ ◌ّ لم يصلِّ في خسوف القمر، والله تعالى أعلم. ٢١٥ باب ١٨ / ح ١٠٦٤ أبواب الكسوف تنبيه: حكى ابن التِّين أنَّه وقع في رواية الأَصِيلِيِّ في حديث أبي بَكْرة هذا: ((انكَسَفَ القمر)) بدل: الشمس، وهذا تغيير لا معنى له، وكأنَّه عَسِرَت عليه مطابقة الحديث للترجمة فظَنَّ أنَّ لفظه مُغيَّر، فغَيَّرَه هو إلى ما ظَنَّه صواباً وليس كذلك. ١٨ - بابٌّ الرَّكعةُ الأولى في الكسوف أطول ١٠٦٤ - حدَّثنا محمودٌ، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيانُ، عن يحيى، عن عَمْرة، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى بهم في كُسوفِ الشمسِ أربعَ رَكَعاتٍ في سَجْدَتَيْنِ، الأوَّلُ الأوَّلُ أطولُ. قوله: ((بابٌ الرّكْعة الأُولى في الكُسوف أطول)) كذا وقع هنا للحَمُّوِيّ وللكُشمِیھَني، ووقع بَدَله للمُستَمْلي: ((باب صَبّ المرأة على رأسها الماء إذا أطالَ الإمام القيام في الرَّكعة الأولى))، قال ابن رُشَيْد: وقع في هذا الموضع تخليط من الرُّواة، وحديث عائشة المذكور مطابق للترجمة الأولى قطعاً، وأمَّا الثانية فحَقّها أن تُذكَر في موضع آخر، وكأنَّ المصنّف تَرجَمَ لها وأخلى بياضاً ليذكُر لها حديثاً أو طريقاً كما جَرَت عادته، فلم يَحصُل غرضُه فضَمَّ بعض الكتابة إلى بعض فنَشَأ هذا، والأليق بها حديث أسماء المذكور قبل سبعة أبواب (١٠٥٣) فهو نَصِّ فیه. انتهى. ويؤيِّد ما ذكره ما وقع في رواية أبي عليّ بن شَبّويه عن الفِرَبْريِّ فإنَّه ذكر ((باب صَبّ المرأة)) أوَّلاً وقال في الحاشية: ليس فيه حديث، ثمَّ ذكر ((باب الرَّكعة الأولى أطول)) وأورَدَ فيه حديث عائشة، وكذا صَنَعَ الإسماعيليّ في ((مُستخرَجه))، فعلى هذا فالذي وقع من صنيع شيوخ أبي ذرٍّ من اقتصار بعضهم على إحدى التَّرجمتَينِ ليس بجيِّد، أمَّا مَن اقْتَصَرَ على الأولى وهو المُستَمْلي، فخطأ مَحَضّ، إذ لا تعلُّق لها بحديث عائشة، وأمَّا الآخران فمن حيثُ إنَّهما حَذَفا الترجمة أصلاً، وكأنَّهما استَشكَلاها فحَذَفاها، ولهذا حُذِفَت من رواية كَرِيمة أيضاً عن الكُشمِيهَني، وكذا من رواية الأكثر. قوله: ((حدَّثنا أبو أحمد)» هو الزُّبَيري، وسفيان: هو الثَّوري، وهذا المتن طرف من ٢١٦ باب ١٩ / ح ١٠٦٥ - ١٠٦٦ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الطَّويل الماضي في ((باب صلاة الكسوف في المسجد)) (١٠٥٦)، وكأنَّه مختصر منه بالمعنى فإنَّه قال فيه: ((ثُمَّ قامَ قياماً طويلاً وهو دون القيام الأوَّل)) وقال في هذا: ((أربع رَكَعات في سجدتين، الأولى أطول)) وقد رواه الإسماعيليّ بلفظ: ((الأُولى فالأُولى أطولُ)). وفيه دليل لمن قال: إنَّ القيام الأوَّل من الرَّكعة الثانية يكون دون القيام الثاني من الرَّكعة الأولى، وقد قال ابن بَطَّال: إنَّه لا خلاف أنَّ الرَّكعة الأولى بقيامها ورُكوعَيها تكون أطول من الرَّكعة الثانية بقيامها ورُكوعيها. ٥٤٩/٢ وقال النَّوَويّ: اتَّفَقوا على أنَّ/ القيام الثاني وركوعَه فيهما أقصَرُ من القيام الأوَّل وركوعه فيهما، واختَلَفوا في القيام الأوَّل من الثانية وركوعه: هل هما أقصرُ من القيام الثاني من الأولى ورُكوعه أو يكونان سواءً؟ قيل: وسبب هذا الخلاف فَهُمُ معنى قوله: ((وهو دون القيام الأوَّل)) هل المراد به الأوَّل من الثانية، أو يرجع إلى الجميع فیکون كلّ قيام دون الذي قبله. ورواية الإسماعيليّ تُعيِّن هذا الثاني، ويُرجِّحه أيضاً أنَّه لو كان المراد من قوله: (القيام الأوَّل)) أوَّلَ قيام من الأولى فقط، لكان القيام الثاني والثالث مسكوتاً عن مِقْدارهما، فالأوَّل أكثر فائدةً، والله أعلم. ١٩ - باب الجهر بالقراءة في الکسوف ١٠٦٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مِهْران، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: أخبرنا ابنُ نَمِرٍ، سَمِعَ ابنَ شِهابٍ، عن عُرْوة، عن عائشةَ رضي الله عنها: جَهَرَ النبيُّ ◌َلُه في صلاةِ الخسوفِ بقراءتِه، فإذا فَرَغَ من قراءتِهِ كَبَّرَ فَرَكَع، وإذا رَفَعَ مِن الرَّكْعَةِ قال: ((سَمِعَ الله لمن حَمِدَه، رَبَّنا ولكَ الحمدُ) ثمَّ يُعاوِدُ القراءةَ في صلاةِ الكُسوفِ أربعَ رَكَعاتٍ في رَكْعتَينِ وأربعَ سَجَداتٍ. ١٠٦٦ - وقال الأوزاعيُّ وغيرُه: سمعت الزُّهْريَّ، عن عُزْوة، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ الشمسَ خَسَفَت على عَهْدِ رسول الله ◌ِّهِ، فِبَعَثَ مُنادِياً بالصلاةَ جامعةً، فَتَقَدَّمَ فصَلَّى أربعَ رَكَعاتٍ فِي رَكْعتَينِ، وأربعَ سَجَداتٍ. وأخبرني عبدُ الرحمن بنُ نَمِرٍ، سَمِعَ ابنَ شِهابٍ مِثلَه. قال الزُّهْرِيُّ: فقلتُ: ما صَنَعَ أخوكَ ذلك، عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ، ما صلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثلَ ٢١٧ باب ١٩ / ح ١٠٦٥ - ١٠٦٦ أبواب الكسوف الصبح إذا صلَّى بالمدينةِ؟ قال: أجَلْ، إِنَّه أخطأ السُّنّةَ. تابَعَه سليمانُ بنُ كَثِير وسفيانُ بنُ حسينٍ عن الزُّهْريِّ في الجهرِ. قوله: ((باب الجهر بالقراءة في الكسوف)) أي: سواء كان للشمس أو القمر. قوله: ((أخبرنا ابن نَمِر)) بفتح النون وكسر الميم، اسمه عبد الرحمن، وهو دِمَشقيّ وَثَّقه دُحَيم والذُّهْلِيّ وابن البَرْقِيّ وآخرون، وضَعَّفَه ابن مَعِين، لأنَّه لم يَروِ عنه غيرُ الوليد، وليس له في ((الصحيحين)) غير هذا الحديث، وقد تابَعَه عليه الأوزاعيُّ وغيره. قوله: «جَهَرَ النبيُّ ژ في صلاة الخسوف بقراءته)) استدلَّ به على الجهر فيها بالنهار، وَمَلَه جماعة ممَّن لم يَرَ بذلك على كسوف القمر، وليس بجيِّدٍ، لأنَّ الإسماعيليّ روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ: كَسَفَت الشمس في عهد رسول الله وَّةٍ ... فذكر الحديث، وكذا رواية الأوزاعيِّ التي بعده صريحة في الشمس. قوله: ((وقال الأوزاعيُّ وغيره: سمعت الزُّهْريَّ ... )) إلى آخره، وَصَلَه مسلم (٤/٩٠١) عن محمد بن مِهْران عن الوليد بن مسلم حدَّثنا الأوزاعيُّ وغيره، فذكره(١)، وأعاد الإسناد إلى الوليد قال: أخبرنا عبد الرحمن بن نَمِر، فذكره، وزاد فيه مسلم (٩٠٢) طريقَ كثير بن عبّاس عن أخيه، ولم يَذكُر قصَّة عبد الله بن الزُّبَير، واستَدلَّ بعضهم على ضَعْف رواية عبد الرحمن بن نَمِر في الجهر بأنَّ الأوزاعيَّ لم يَذكُر في روايته الجهر، وهذا ضعيف لأنَّ مَن ذَكَر حُجَّةٌ على مَن لم يَذْكُر، لا سيّما والذي لم يَذْكُرُه لم يَتَعرَّض لنفيه، وقد ثَبَتَ الجهر في رواية الأوزاعيِّ عند أبي داود (١١٨٨) والحاكم (٣٣٤/١) من طريق الوليد بن مَزْيد عنه، ووافقه سليمان بن کثیر وغیرہ کما تری. قوله: ((قال: أجَلْ)) أي: نعم، وزناً ومعنَى، وفي رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((من أجْل)) بسكون الجيم، وعلى الأوَّل فقوله: ((إنَّه أخطأ)) بكسر همزة ((إِنَّه))، وعلى الثاني بفتحِها. (١) يُفهَم من ظاهر كلام الحافظ أن هذا الطريق عند البخاري معلّق، وليس كذلك، بل هو موصول بإسناد محمد بن مهران عن الوليد، وقد نبّه على ذلك الحافظُ نفسه في كتابه ((تغليق التعليق)) ٤٠٦/٢ وقال: والقائل ((قال الأوزاعي)) هو الوليد بن مسلم، قاله عطفاً على حديث ابن نَمِر. ٢١٨ باب ١٩ / ح ١٠٦٥ - ١٠٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ٥٥٠/٢ قوله: ((تابَعَه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزُّهْريِّ في الجهر)) يعني: بإسناده المذكور، ورواية سليمان وَصَلها أحمد (٢٤٤٧٣) عن عبد الصَّمَد بن عبد الوارث عنه بلفظ: ((خَسَفَت الشمس على عهد النبيِّ وَّةِ، فأتى النبيُّ وَّةِفَكَبَّرَ ثمَّ كَبَّرَ الناس ثمَّ قرأ فَجَهَرَ بالقراءة)) الحديث، ورُويناه في (مُسنَد أبي داود الطَّيالسيِّ)) (١٤٦٦) عن سليمان بن كثير بهذا الإسناد مختصراً: ((أنَّ النبيّ وَِّ جَهَرَ بالقراءة في صلاة الكسوف))، وأمَّا رواية سفيان بن حسين فوَصَلها التِّرمِذيّ (٥٦٣) والطَّحَاويّ (٣٣٣/١) بلفظ: ((صلَّى صلاة الكسوف وجَهَرَ بالقراءة فيها))، وقد تابَعَهم على ذِكْر الجهر عن الزُّهْريِّ عُقَيلٌ عند الطَّحَاويِّ (٣٣٣/١)، وإسحاق بنُّ راشد عند الدّارَ قُطْنِيٍّ(١). وهذه طرق يَعضُد بعضها بعضاً يُفيد مجموعُها الجَزْمَ بذلك، فلا معنى لتعليل مَن أعَلَّه بتضعيفٍ سفيان بن حسين وغيره، فلو لم يَرِدْ في ذلك إلَّا رواية الأوزاعيِّ لكانت كافية. وقد وَرَدَ الجهر فيها عن عليٍّ مرفوعاً وموقوفاً، أخرجه ابن خُزَيمةَ (١٣٨٨ و١٣٩٤) وغيره(٢)، وقال به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وابن خُزَيمةَ وابن المنذر وغيرهما من مُحُدِّثي الشافعيَّة، وابن العربيّ من المالكيَّة، وقال الطََّرِيُّ: يُخِيَّر بين الجهر والإسرار، وقال الأئمّة الثلاثة: يُسِرُّ في الشمس ويَجهَر في القمر، واحتجَّ الشافعيّ بقول ابن عبّاس: قرأ نحواً من سورة البقرة (٣)، لأنَّه لو جَهَرَ لم يَحَتَجْ إلى تقدير، وتُعُقِّبَ باحتمال أن يكون بعيداً منه، لكن ذكر الشافعيُّ تعليقاً عن ابن عبّاس: أنَّه صلَّى بجَنْب النبيّ ◌َّ في الكسوف فلم يسمع منه حرفاً، ووَصَلَه البيهقيُّ (٣٣٥/٣) من ثلاثة طرق أسانيدها واهية، وعلى تقدير (١) في ((السنن)) (١٧٩٢)، لكن ليس فيه التصريح بالجهر، قال: وقرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بایس)). ورواية كلٍّ من سليمان بن کثیر وسفيان بن حسین ضعيفة لضعفهما في الزهري، أما رواية عُقيل عند الطحاوي ففي إسنادها ابنُ لَهِيعة، وهو سِّئ الحفظ، لكن هذه الأسانيد تصلح في الشواهد والمتابعات كما أشار إليه الشارح. (٢) انظر ((مسند أحمد)) (١٢١٦). (٣) سلف برقم (١٠٥٢). ٢١٩ أبواب الكسوف صِحَّتها فمُثبِتُ الجهر معه قَدْر زائد فالأخذ به أَولِى، وإن ثَبَتَ التعدد فيكون فعلُ ذلك لبيان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سَمُرة عند ابن خُزيمةَ والِّرمِذيّ: ((لم نَسمَعْ له صَوتا)(١)، وأنَّه إن ثَبَتَ لا يدلُّ على نفي الجهر، قال ابن العربيّ: الجهر عندي أولى، لأنَّها صلاة جامعة يُنادَى لها ويُخْطَب، فأشبَهَت العيدَ والاستسقاءَ، والله أعلم. خاتمة: اشتملت أبوابُ الكسوف على أربعينَ حديثاً نصفها موصول ونصفها مُعلَّق، المكرَّر منها فيه وفيما مضى اثنان وثلاثون، والخالص ثمانية. وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديثٍ أبي بَكْرة، وحديثِ أسماء في العَتاقة، ورواية عَمْرة عن عائشة الأولى أطول لكنَّه أخرج أصله. وفيه من الآثار عن الصحابة والتّابعينَ خمسة آثار، فيها أثر عبد الله بن الزُّبَير، وفيها أثر عُزْوة في تَخطِئَته، وهما موصولان. (١) أخرجه أحمد (٢٠١٦٠)، وأبو داود (١١٨٤)، وابن ماجه (١٢٦٤)، والترمذي (٥٦٢)، والنسائي (١٤٨٤) و(١٤٩٥)، وابن خزيمة (١٣٩٧)، والروايات مطولة ومختصرة.