Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
باب ٢٥ / ح ١٠٣٤
كتاب الاستسقاء
حتَّى أصابه المطر وقال: ((لأنَّه حديث عهدٍ بربِّه)) قال العلماء: معناه: قريب العهد بتكوين
ربِّه، وكأنَّ المصنّف أراد أن يُبيِّن أنَّ تَحادُر المطر على لحيته ربَّه لم يكن اتِّفاقاً، وإنَّما كان
قَصداً، فلذلك تَرجَمَ بقوله: ((مَن تَطَّر)) أي: قَصَدَ نزول المطر عليه، لأنَّه لو لم يكن
باختياره لنزل عن المنبر أوَّلَ ما وَكَفَ السَّقْفُ، لكنَّه تَمَادى في خُطبَته حتَّى كَثُرَ نزوله
بحيثُ تَحادرَ على لحيته وَلِيِّ.
وقد مضى الكلام على حديث أنس مُستَوفَّى في ((باب تحويل الرِّداء))(١).
٢٥- باب إذا هبّت الربح
١٠٣٤ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، قال: أخبرني حميدٌ، أنَّه
سَمِعَ أنساً يقول: كانتِ الرِّيحُ الشديدةُ إذا هَبَّت عُرِفَ ذلك في وجه النبيِّ يِّ.
قوله: ((باب إذا هَبَّت الرِّيح)) أي: ما يُصنَع من قول أو فعل. قيل: وجه دخول هذه
الترجمة في أبواب الاستسقاء أنَّ المطلوب بالاستسقاء نزول المطر، والرِّيح في الغالب تَعقُبه،
وقد سَبَقَ قريباً التَّنبيه على إيضاح ما يُصنَع عند هُبوبها (١٠٣٢)، ووقع في حديث عائشة
الآتي في بَدْء الخلق(٢)، ووقع عند أبي يَعْلى (٢٩٠٥) بإسناد صحيح عن قَتَادة عن أنس: أنَّ
النبيَّ ◌َِّ كان إذا هاجَت ريح شديدة، قال: «اللهمَّ إنِّ أسألك من خير ما أُمِرَت به، وأعوذ
بك من شَرّ ما أُمِرَت به)) وهذه زيادة على رواية حُميدٍ يجب قَبُولها لثقة رواتها، وفي الباب
عن عائشة عند التِّرمِذيّ (٣٤٤٩)(٣)، وعن أبي هريرة عند أبي داود (٥٠٩٧) والنَّسائيِّ
(ك١٠٦٩٩)، وعن ابن عبّاس عند الطَّبرانيِّ (١٥٣٣) وعن غيرهم(٤).
(١) بل في ((باب الاستسقاء في المسجد الجامع)) برقم (١٠١٣).
(٢) وقع في حديث عائشة في بدء الخلق (٣٢٠٦): كان النبي ◌َّ﴿ إذا رأى مَخِيلة في السماء أقبلَ وأدبرَ ودخل
وخرج وتغيَّ وجهه، فإذا أمطرت السماء سُرِّي عنه.
(٣) وأخرجه أيضاً مسلم (٨٩٩) (١٥)، وأبو داود (٥٠٩٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٧١٠).
(٤) فعن أبي بن كعب عند أحمد (٢١١٣٨)، والترمذي (٢٢٥٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٧٠٣)، وعن
عثمان بن أبي العاص عند الطبراني في ((الكبير)) (٨٣٤٦)، وفي ((الدعاء)) (٩٧٠)، وعن جابر عند أبي يعلى =

١٦٢
باب ٢٦ / ح ١٠٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
والتعبير في هذه الرواية في وصف الرِّيح بالشديدة يُخِرِج الرِّيح الخفيفة، والله أعلم. وفيه
الاستعداد بالمراقبة لله، والالتجاء إلیه عند اختلاف الأحوال وحُدوث ما يخاف بسببه.
٢٦ - باب قول النبيّ وَ له: (نُصِرِتُ بالصَّبا))
١٠٣٥- حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحكَمِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّ
النبيَّ ◌ِّم قال: «نُصِرتُ بالصَّبَا، وَأُهلِكَت عادٌ بالدَّبُور)).
[أطرافه في: ٣٢٠٥، ٣٣٤٣، ٤١٠٥]
قوله: ((باب قول النبيّ ◌َلّهِ: نُصِرت بالصَّبا)) قال الزَّين بن المنيِّر: في هذه الترجمة إشارة
إلى تخصيص حديث أنس الذي قبله بما سوى الصَّبا من جميع أنواع الرِّيح، لأنَّ قضيّة
نَصْرها له أن يكون ممَّا يُسَرّ بها دون غيرها، ويحتمل أن يكون حديث أنس على عمومه إمّا
بأن يكون نصرُها له متأخّراً عن ذلك، لأنَّ ذلك وقع في غزوة الأحزاب، وهو المراد بقوله
تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَيُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ٩] كما جَزَمَ به مجاهد وغيره، وإمَّا بأن
٥٢١/٢ يكون نصرها له بسبب إهلاك أعدائه،/ فيُخشَى من هُبوبها أن تُهلِكَ أحداً من عُصاة أُمَّتُه
وهو كان بهم رؤوفاً رحيماً وَله.
وأيضاً فالصَّبا تُؤَلِّف السَّحاب وَجَمَعه، فالمطر في الغالب يقع حينئذٍ، وقد وقع في
الخبر الماضي أنَّه كان إذا أمطَرَت سُرّيَ عنه، وذلك يقتضى أن تكون الصَّبا أيضاً ممّا يقع
التخوُّف عند هُبوبها، فيُعكّر ذلك على التخصيص المذكور، والله أعلم.
قوله: ((حدّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم.
قوله: ((بالصَّبَا)) بفتح المهمَلة بعدها مُوخَّدة مقصور، يقال لها: القَبُول بفتح القاف، لأنَّها
تُقابل باب الكعبة إذ مَهَبُّها من مَشِق الشمس، وضِدّها الدَّبُور وهي التي أُهلِكَت بها قوم
عادٍ، ومن لطيف المناسَبة كونُ القَبُول نَصَرَت أهل القَبُول، وكَونُ الدَّبُور أهلكت أهل
= (٢١٩٤).
وقوله: ((وعن غيرهم)) لم يرد في الأصلين، وهو من (س).

١٦٣
باب ٢٧ / ح ١٠٣٦- ١٠٣٧
كتاب الاستسقاء
الإدبار، وأنَّ الدَّبور أشدّ من الصَّبالمَا سنذكره في قصَّة عادٍ (٣٣٤٣)، وأنَّها لم يَخْرُج منها إلَّا
قَدْر يسير ومع ذلك استأصَلَتهم، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنُ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨].
ولمَّا عَلِمَ الله رأفة نبيّه وَّه بقومِه رجاءَ أن يُسلموا، سَلَّطَ عليهم الصَّبا فكانت سبب
رحيلهم عن المسلمين لمَا أصابهم بسببها من الشِّدَّة، ومع ذلك فلم تُهلِك منهم أحداً ولم
تَستأصِلهم.
ومن الرّياح أيضاً الجَنُوب والشَّمال، فهذه الأربع تَهُبّ من الجهات الأربع، وأيّ ريح
هَبَّت من بين جهتَينِ منها، يقال لها: النَّكْباء، بفتح النون وسكون الكاف بعدها مُوحَّدة
ومَدِّ. وسيأتي الكلام على بقيّة فوائد هذا الحديث في بَدْء الخلق (٣٢٠٥) إن شاء الله تعالى.
٢٧ - باب ما قيل في الزّلازل والآيات
١٠٣٦ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، قال: أخبرنا أبو الزِّنادِ، عن عبد الرحمن
الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يُقْبَضَ العِلمُ، وتَكثُرُ
الزَّلازلُ، ويتقارَبَ الزمانُ، وتظهر الفتنُ، ويَكثُرَ الهَرْجُ - وهو القتلُ القتلُ - حتَّى يَكثُرَ فيكم
المالُ فِيَفِيضُ».
١٠٣٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمر، قال: «اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا وفي يَمَنِنا» قال: قالوا: وفي نَجْدِنا؟ قال:
قال: ((هناكَ الزَّلازلُ والفتنُ، وبها يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيطانٍ)».
[طرفه في: ٧٠٩٤]
قوله: ((باب ما قيلَ في الزَّلازل والآيات)) قيل: لمَّا كان هُبوب الرِّيح الشديدة يُوجِب
التخوُّف المُفْضي إلى الخشوع والإنابة، كانت الَّلزَلة ونحوها من الآيات أولى بذلك، لا
سيَّما وقد نَصَّ في الخبر على أنَّ كثرة الزَّلازل من أشراط الساعة.
وقال الزَّين بن المنيِر: وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء: أنَّ وجود الزَّلْزَلة

١٦٤
باب ٢٧ / ح ١٠٣٦ - ١٠٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
ونحوها يقع غالباً مع نزول المطر، وقد تقدَّم لنزول المطر دعاء يخصُّه، فأراد المصنّف أن
يُبيِّ أنَّه لم يَثْبُت على شرطه في القول عند الَّلازل ونحوها شيء، وهل يُصلِّ عند
وجودها؟ حكى ابن المنذر فيه الاختلاف، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، وعَلَّقَ الشافعيّ
القول به على صِحَّة الحديث عن عليّ(١)، وصَحَّ ذلك عن ابن عبّاس أخرجه عبد الرزاق
وغيره (٢)، وروى ابن حِبَّان في «صحيحه)) (٢٨٣٠) من طريق عُبيد بن عُمَير، عن عائشة
مرفوعاً: ((صلاة الآيات ستّ رَكَعات وأربع سَجَدات)).
ثمَّ أورَدَ المصنِّف في هذا الباب حديثَين:
أحدهما: حديث أبي هريرة من طريق أبي الزِّناد عن عبد الرحمن - وهو ابن هُرمُز
الأعرج - عنه مرفوعاً: ((لا تقوم الساعة حتَّى يُقبَض العلم وتَكثُر الزَّلازل)) الحديث،
٥٢٢/٢ وسيأتي الكلام عليه مُستَوَى/ في كتاب الفتن (٧١٢١) فإنَّه أخرج هذا الحديث هناك
مُطوَّلاً، وذكر منه قِطعاً هنا وفي الزّكاة (١٤١٢) وفي الرِّقاق (٦٥٠٦).
واختُلِفَ في قوله: ((يتقارب الزمان)) فقيل: على ظاهره، فلا يَظهَر التَّفاوتُ في الليل
والنهار بالقِصَرِ والطّول، وقيل: المراد: قُرْب يوم القيامة، وقيل: تذهب البركة فيذهب
اليوم والليلة بسُرْعة، وقيل: المراد: يتقارب أهل ذلك الزمان في الشّ وعَدَم الخير، وقيل:
تتقارب صُدور الدُّوَل و[لا] تَطُول مُدَّة أحدٍ لكثرة الفتن(٣).
وقال النَّوَويّ في شرح قوله: ((حتَّى يَقتَرِب الزمان): معناه: حتَّى تَقرُب القيامة؛
(١) أخرجه البيهقي ٣/ ٣٤٣ من طريق الشافعي بلاغاً عن عباد، عن عاصم الأحول، عن قزعة، عن علي
﴾: أنه صلَّى في زلزلةٍ ست ركعات في أربع سجدات ... إلخ، قال الشافعي: لو ثبت هذا الحديث عندنا
عن علي لقلنا به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٢٩) و(٤٩٣١) و(٤٩٣٢) و(٤٩٣٣)، والطحاوي ٣٢٨/١، ومن طريق
عبد الرزاق أخرجه البيهقي ٣٤٣/٣.
(٣) قوله: ((وقيل: تتقارب صدور ... إلخ)) لم يرد في الأصلين، وهو ثابت في أصول طبعة بولاق كما في هامش
(س)، ولفظة ((لا)) التي بين المعقوفين زيادة لا بدَّ منها.

١٦٥
باب ٢٧ / ح ١٠٣٦ - ١٠٣٧
كتاب الاستسقاء
ووَّاه الكِرْمانيُّ وقال: هو من تحصيل الحاصل. وليس كما قال، بل معناه: قربُ الزمان
العامّ من الزمان الخاصّ وهو يوم القيامة، وعند قُربه يقع ما ذُكِرَ من الأُمور المنكَرَةِ(١).
الحديث الثاني: حديث ابن عمر: «اللهمَّ بارك لنا في شامنا)) الحديث، وفيه: ((قالوا: وفي
نَجْدنا. قال: هناك الَّلازل والفتن)» هكذا وقع في هذه الروايات التي اتَّصَلَت لنا بصورة
الموقوف عن ابن عمر: قال: ((اللهمَّ بارك)) لم يَذْكُر النبيَّ ◌َّهِ. وقال القابِسِيّ: سَقَطَ ذِكْر
النبيّ وَّه من النُّسْخَة، ولا بدَّ منه، لأنَّ مثله لا يقال بالرّأي. انتهى.
وهو من رواية الحسين بن الحسن البصريِّ من آل مالك بن يَسَار، عن عبد الله بن
عَوْن، عن نافع، ورواه أزهَرُ السَّان عن ابن عَوْن مُصرِّحاً فيه بذِكْر النبيّ وَّ كما سيأتي في
كتاب الفتن (٧٠٩٤)، ويأتي الكلام عليه أيضاً هناك، ونذكر فيه مَن وافَقَ أزهرَ على
التصريح برفعِه إن شاء الله تعالى.
وقوله فيه: ((قالوا: وفي نَجْدنا)) قائل ذلك بعض مَن حَضَرَ من الصحابة كما في الحديث
الآخر عند الدُّعاء للمُحَلِّقين: قالوا: والمقصِّرين(٢).
٢٨ - باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]
قال ابنُ عبَّاسٍ: شُكرَكم.
١٠٣٨ - حدَّثنا إسماعيلُ، حذَّثني مالكٌ، عن صالح بنِ كَيْسان، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله
ابنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجُهَنِيِّ أنَّه قال: صلَّى لنا رسولُ اللهِنَ ◌ّه صلاةَ الصبح
بالحُدَيبيةِ على إِثْرِ سَماءٍ كانت مِن الليل، فلمَّ انصَرَفَ النبيُّ ◌َّ أقبلَ على النَّاس فقال: ((هل
تَدْرُونَ ماذا قال رَبُّكم؟» قالوا: الله ورسولُه أعلمُ، قال: «أصبَحَ من عِبادي مُؤمِنٌ بي وكافرٌ،
فأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بفَضْلِ الله وَرَحْمِهِ، فذلك مُؤمِنٌ بي وكافرٌ بالكوكبِ، وأمَّا مَن قال: بنَّوْءِ
(١) الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم
وقصر زمن المسافة بينهما بسبب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك، والله أعلم. (س).
(٢) سيأتي برقم (١٧٢٧) و(١٧٢٨).

١٦٦
باب ٢٨ / ح ١٠٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
كذا و كذا، فذلك كافرٌ بي مُؤمِنٌ بالکو کب)).
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن عبّاس: شُكرَكم))
يحتمل أن يكون مراده أنَّ ابن عبّاس قرأها كذلك، ويشهد له ما رواه سعيد بن منصور عن
هُشَيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس: أنَّه كان يقرأ ((وتجعلون شُكرَكم
أنَّكم تُكذِّبون)) وهذا إسناد صحيح، ومن هذا الوجه أخرجه ابن مَرْدويه في ((التفسير))
المسنَد، وروى مسلم (٧٣) من طريق أبي زُمَيل عن ابن عبّاس قال: مُطِرَ الناسُ على عهد
رسول الله وَ﴾ ... فذكر نحو حديث زيد بن خالد في الباب وفي آخره: «فأُنزِلَت هذه الآية:
٥٢٣/٢ ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾))،/ وعُرِفَ بهذا مُناسَبة الترجمة وأثر
ابن عبّاس لحدیث زید بن خالد.
وقد رُوِيَ نحو أثر ابن عبّاس المعلَّق مرفوعاً من حديث عليّ، لكن سياقه يدلّ على
التفسير لا على القراءة، أخرجه عبد بن حُميدٍ من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ عن عليّ
مرفوعاً: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾، قال: ((تجعلون شُكرَكم، تقولون: مُطِرنا بنَوءِ كذا))(١).
وقد قيل: في القراءة المشهورة حَذْفٌ تقديره: وتجعلون شكرَ رزقكم، وقال الطََّرِيُّ:
المعنى: وتجعلون الرِّزق الذي وَجَبَ عليكم به الشُّكر تكذيبكم به، وقيل: بل الرِّزق
بمعنى: الشُّكر في لغة أزد شَنُوءة، نقله الطََّرِيُّ عن الهيثم بن عَديّ.
قوله: ((عن زيد بن خالد الجُهَنيّ)) هكذا يقول صالح بن كَيْسانَ لم يُخْتلَف عليه في ذلك،
وخالَفَه الزُّهْريُّ فرواه عن شيخهما عبيد الله فقال: عن أبي هريرة، أخرجه مسلم (٧٢)
عَقِبَ رواية صالح فصَخَّحَ الطريقين، لأنَّ عبيد الله سمع من زيد بن خالد وأبي هريرة
جميعاً عِدَّة أحاديث، منها: حديث العَسِيف، وحديث الأَمَة إذا زَنَت(٢)، فلعلَّه سمع هذا
منهما فحدَّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، وإنَّما لم يجمعهما لاختلاف لفظهما كما سنشيرُ
(١) وأخرجه أيضاً أحمد (٨٤٩)، والترمذي (٣٢٩٥)، وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي الراوي عن
أبي عبد الرحمن السُّلَمي وهو ضعيف.
(٢) حديث العَسِيف، وهو الأجير، سيأتي برقم (٢٦٩٥)، وحديث الأَمَة سيأتي برقم (٢١٥٤).

١٦٧
باب ٢٨ / ح ١٠٣٨
كتاب الاستسقاء
إليه. وقد صَرَّحَ صالح بسماعه له من عبيد الله عن أبي عَوَانة (٦٧)، وروى صالح عن
عبيد الله بواسطة الزُّهْريِّ عِدَّة أحاديث، منها: حديث ابن عبّاس في شاة ميمونة كما تقدَّم
في الطَّهارة (١)، وحديثه عنه في قصَّة هِرَقل كما تقدَّم في بَدْء الوحي (٥١).
قوله: ((صَلَّى لنا)) أي: لأجلِنا، أو اللّام بمعنى: الباء، أي: صلَّى بنا، وفيه جواز إطلاق
ذلك مجازاً وإنَّما الصلاة لله تعالى.
قوله: ((بالحُدَيبية)) بالمهمَلة والتصغير، وتُحُفَّف ياؤُها وتُثقَّل، يقال: سُمِّيَت بشجرة
حَدْباءَ هناك.
قوله: ((على إِثْر)) بكسر الهمزة وسكون المثلَّثة على المشهور: وهو ما يَعقُب الشيء.
قوله: ((سَماء)) أي: مطر، وأُطلِقَ عليه سَماء لكَوْنه يَنزِل من جهة السماء، وكلَّ جهة عُلوٍّ
تُسمَّى سَماءً.
قوله: ((كانت من الليل)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي والحَمُّوِيِّ: ((من الليلة)) بالإفراد.
قوله: (فلما انصرف» أي: من صلاته أو من مكانه.
قوله: ((هل تَذْرُونَ)) لفظ استفهام معناه التَّنبيه، ووقع في رواية سفيان عن صالح عند
النَّسائيِّ (١٥٢٥): ((ألم تسمعوا ما قال ربّكم الليلةَ))، وهذا من الأحاديث الإلهيّة، وهي
تحتمل أن يكون النبيُّ وَّل أخذها عن الله بلا واسطة أو بواسطة.
قوله: ((أصبَحَ من عِبادي)) هذه إضافة عموم بدليل التَّقسيم إلى مؤمن وكافر، بخلافٍ
مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] فإنَّهَا إضافة تشريف.
قوله: (مُؤمِن بي وكافر)) يحتمل أن يكون المراد بالكفر هنا كفر الشّرك بقَرِينة مُقابَلَته
بالإيمان، ولأحمد (١٥٥٣٧) من رواية نصر بن عاصم الليثيّ عن معاوية الليثيّ مرفوعاً:
((يكون الناس مُجدِبين، فيُنزِل الله عليهم رِزْقاً(٢) من رزقه فيُصبِحون مُشِرِكينَ يقولون:
(١) بل سيأتي في البيوع برقم (٢٢٢١)، وفي الذبائح (٥٥٣١).
(٢) زاد في (س): من السماء، وليس بشيء، لأنها ليست في الرواية أيضاً.

١٦٨
باب ٢٨ / ح ١٠٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
مُطِرِنا بنَوءِ كذا)).
ويحتمل أن يكون المراد به كفر النِّعمة، ويُرشِد إليه قوله في رواية مَعمَر، عن صالح(١):
((فأمَّا مَن ◌َدَني على سُقيايَ وأثنَى عليَّ، فذلك آمَنَ بي))، وفي رواية سفيان عند النَّسائيِّ
(١٥٢٥) والإسماعيليّ نحوه، وقال في آخره: ((وكَفَرَ بي)) أو قال: ((كَفَرَ نِعمَتي))، وفي رواية
أبي هريرة عند مسلم (٧٢): ((قال الله: ما أنعَمتُ على عِبادي من نِعمة إلَّا أصبَحَ فريق
منهم کافرین بها)»، وله(٧٣) في حديث ابن عباس: ((أصبحَ من الناس شاکرٌ ومنهم كافرٌ))،
وعلى الأوَّل حَمَلَه كثير من أهل العلم، وأعلى ما وقفتُ عليه من ذلك كلام الشافعي، قال
في ((الأُمّ)): مَن قال: مُطِرنا بنَوءِ كذا وكذا، على ما كان بعض أهل الشِّرك يَعنُون من إضافة
المطر إلى أنَّه مطر نَوْء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله وَّةِ، لأنَّ النَّوء وقتٌ والوقت
مخلوق لا يَملِك لنفسه ولا لغيره شيئاً، ومَن قال: مُطِرنا بنَوءِ كذا، على معنى: مُطِرنا في
وقت كذا، فلا يكون كفراً، وغيره من الكلام أحبّ إليَّ منه، يعني: حَسماً للمادَّة، وعلى ذلك
مُحمَل إطلاق الحديث.
وحكى ابن قُتَية في ((كتاب الأنواء)»: أنَّ العرب كانت في ذلك على مذهبَينِ على نحو
ما ذكر الشافعي، قال: ومعنى النَّوء: سقوط نجم في المغرب من النُّجوم الثَّمانية والعشرين
٥٢٤/٢ التي هي منازل القمر،/ قال: وهو مأخوذ من ناءً: إذا سَقَط، وقال آخرون: بل النَّوء طلوع
نجم منها، وهو مأخوذ من ناءً: إذا نَهَض، ولا تَخالُف بين القولين في الوقت، لأنَّ كلّ نجم
منها إذا طَلَعَ في المشرق وقع حالَ طلوعه آخرُ في المغرب لا يزال ذلك مُستمِرّاً إلى أن تنتهيَ
الثَّمانية والعشرون بانتهاء السَّنة، فإنَّ لكلِّ واحد منها ثلاثة عشر يوماً تقريباً، قال: وكانوا
في الجاهليّة يَظُنّون أنَّ نزول الغيث بواسطة النَّوء إمَّا بصُنعِه على زعمهم، وإمَّا بعلامَتِهِ،
(١) في (س): صالح بن سفيان، بزيادة ((بن سفيان))، وصوِّبت في الاستدراكات في آخر الجزء الثاني منها إلى:
صالح عن سفيان، وكلاهما خطأ، فصالح هذا: هو ابن كيسان، وهو يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة كما عند البخاري هنا، ورواية معمر هذه أخرجها عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢١٠٠٣)، وعنه أحمد
في «المسند» (١٧٠٣٥).

١٦٩
باب ٢٨ / ح ١٠٣٨
كتاب الاستسقاء
فأبطَلَى الشَرع قولهم وجعله كفراً، فإن اعتَقَدَ قائل ذلك أنَّ للنَّوءِ صُنعاً في ذلك، فكُفْرِه كفرٌ
شِرْك(١)، وإن اعتَقَدَ أنَّ ذلك من قَبِيل التَّجرِبة، فليس بشِركٍ، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه
وإرادة كفر النِّعمة، لأنَّه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشِّرك واسطة،
فيُحمَل الكفر فيه على المعنيَينِ لتَناوُل الأمرَين، والله أعلم.
ولا يَرِدُ الساكتُ، لأنَّ المعتقِد قد يَشكُر بقلبِهِ أو يَكفُر، وعلى هذا فالقول في قوله:
((فأمَّا مَن قال)) لمَا هو أعمّ من النُّطْق والاعتقاد، كما أنَّ الكفر فيه لمَا هو أعمّ من كفر
الشّرك وكفر النِّعمة، والله أعلم بالصواب.
قوله: ((مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا)) في حديث أبي سعيد عند النَّسائيِّ (١٥٢٦): «مُطِرنا بنَوءِ
المِجِدَح)) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدّال بعدها مُهمَلة، ويقال بضمٌ أوَّله: هو
الدَّبَران، بفتح المهمَلة والموخَّدة بعدها راء، وقيل: سُمِّيَ بذلك لاستدباره الثَّرَیّا، وهو نجم
أحمر مُنِير (٢).
قال ابن قُتَية: كلٌّ من النُّجوم المذكورة له نَوْء غير أنَّ بعضها أحمر وأغزر من بعض،
ونَوء الدَّبَران غير محمود عندهم. انتهى، وكأنَّ ذلك وَرَدَ في الحديث تنبيهاً على مُبالَغَتهم في
نسبة المطر إلى النَّوء ولو لم يكن محموداً، أو اتَّفَقَ وقوعُ ذلك المطر في ذلك الوقت إن كانت
القصَّة واحدة. وفي («مغازي الواقديِّ)) أنَّ الذي قال في ذلك الوقت: ((مُطِرِنا بنَوءِ
الشِّعرَى)) هو عبد الله بن أُبي المعروف بابن سَلُول، أخرجه من حديث أبي قَتَادة.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: طَرْحُ الإمام المسألةَ على أصحابه وإن كانت
لا تُدرَك إلَّا بدِقَّة النظر. ويُستَنَبَط منه أنَّ للوَلِيِّ المتمكِّن من النظر في الإشارة أن يأخذ منها
عِباراتٍ يَنسُبُها إلى الله تعالى، كذا قرأت بخَطِّ بعض شيوخنا، وكأنَّه أخذه من استنطاق
النبيّ ◌َّ أصحابه عمَّ قال ربُّهم، وحمل الاستفهام فيه على الحقيقة، لكنَّهم رضي الله عنهم
فهموا خلاف ذلك، ولهذا لم يُجيبوا إلَّا بتفويض الأمر إلى الله ورسوله.
(١) في (س): تشريك.
(٢) في (س): أحمر صغير منير، بزيادة ((صغير))!

١٧٠
باب ٢٩ / ح ١٠٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
٢٩ - بابٌ لا يدري متى يجيء المطرُ إلَّا الله
وقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ وَّهِ: ((خمسٌ لا يَعلمُهنَّ إلا الله)).
١٠٣٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ
عمرَ، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مِفْتَاحُ الغيبِ خمسٌ لا يعلمُها إلا الله: لا يعلمُ أحدٌ ما يكون
فِي غَدٍ، ولا يعلمُ أحدٌ ما يكون في الأرحامِ، ولا تَعلَمُ نفسٌ ماذا تكسِبُ غداً، وما تدري نفسٌ
بأيِّ أرضٍ تموتُ، وما يدري أحدٌ متى يجي ءُ المطرُ)).
[أطرافه في: ٤٦٢٧، ٤٦٩٧، ٤٧٧٨، ٧٣٧٩]
قوله: ((باب لا يدري متى يجيء المطر إلَّ الله تعالى)) عَقَّبَ الترجمة الماضية بهذه، لأنَّ تلك
٥٢٥/٢
تضمَّنَت أنَّ المطر إنَّما يَنزِل بقضاء الله، وأنَّه لا تأثير للكواكبِ في نزوله، وقضيَّة ذلك أنَّه لا
يعلم أحد متى يجيء إلَّا هو.
قوله: ((وقال أبو هريرة عن النبيِّ ◌َّ: خمس لا يعلمُهنَّ إلَّا الله)) هذا طرف من حديث
وَصَلَه المؤلِّف في الإيمان (٥٠) وفي تفسير لُقمان (٤٧٧٧) من طريق أبي زُرْعة عن أبي هريرة
في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام، لكن لفظه: ((في خمس لا يعلمهنَّ إلَّا الله))، ووقع في
بعض الروايات في التفسير بلفظ: ((وخمس))، وروى ابن مَرْدويه في ((التفسير)) من طريق
يحيى بن أيوب البَجَليّ، عن جَدّه، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة رفعه: ((خمسٌ من الغيب لا
يعلمهنَّ إِلَّ الله ﴿ إِنَّاللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤])).
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن يوسف)) هو الفريابيُّ، وسفيان: هو الثَّوريّ.
قوله: ((مِفْتاح)) في رواية الگُشمِیھنيِّ: ((مَفاتح)).
قوله: ((وما يدري أحدٌ متى يجيء المطر)) زاد الإسماعيليّ: ((إلَّا الله)) أخرجه من طريق
عبد الرحمن بن مَهْديّ عن الثَّوري، وفيه ردٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ لنزول المطر وقتاً مُعيَّناً لا
يَتَخلَّف عنه. وسيأتي الكلام على فوائد هذا الحديث في تفسير لُقمان إن شاء الله تعالى.

١٧١
كتاب الاستسقاء
خاتمة: اشتملت أبواب الاستسقاء من الأحاديث المرفوعة على أربعين حديثاً، المعلَّق
منها تسعة والبقيّة موصولة، المكرَّر فيها وفيما مضى سبعة وعشرون حديثاً، والخالص ثلاثة
عشر، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر الذي فيه شِعر أبي طالب، وحديث
أنس عن عمر في الاستسقاء بالعبّاس، وحديث عبد الله بن زيد في الاستسقاء على رِجليه،
وحديث عبد الله بن زيد في صفة تحويل الرِّداء، وإن كان أخرج أصله، وحديث عائشة في
قوله: ((صَيِّباً نافعاً)) وأصله أيضاً فيه، وحديث أنس: ((كان إذاهَبَّت الرِّيح الشديدة))،
وسيأتي بيان ما انفرد به من حديث أبي هريرة في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى.
وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم أَثران، والله أعلم.

:

١٧٣
باب ١ / ح ١٠٤٠
أبواب الكسوف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب الكُسُوف
٥٢٦/٢
((أبواب الكُسوف)) ثبتت البسملة في رواية كَرِيمة، والترجمة في رواية المُستَمْلي، وفي
بعض النُّسَخ ((كتاب)) بدل: أبواب، والكسوف لغةً: التغيُّر إلى سَوَاد، ومنه: كَسَفَ وجهُه
وحالُه، وكَسَفَت الشمسُ: اسوَدَّت وذهب شُعاعها. واختُلِفَ في الكسوف والخُسوف هل
هما مُتَرادفان أو لا، كما سيأتي قريباً.
١ - باب الصلاة في كسوف الشمس
١٠٤٠ - حدَّثْنَا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرة،
قال: كُنا عند رسول الله وَلِّ فانكَسَفَتِ الشمسُ، فقامَ النبيُّ ◌َّه يجرُّ رِداءَه حتَّى دخلَ المسجدَ،
فدَخَلْنَا فصَلَّى بنا رَكْعتَيْنِ حَتَّى انجَلَتِ الشمسُ، فقال ◌َّهِ: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَنكَسِفان
لموتِ أحَدٍ، فإذا رأيتُموها فصَلُّوا وادْعُوا حتَّى يُكشَفَ ما بكم)).
[أطرافه في: ١٠٤٨، ١٠٦٢، ١٠٦٣، ٥٧٨٥]
قوله: ((باب الصلاة في كُسوف الشمس)) أي: مشروعيَّتها، وهو أمر مُتَّفَق عليه، لكن ٥٢٧/٢
اختُلِفَ في الحُكْم وفي الصِّفة، فالجمهور على أنَّها سُنَّة مُؤكَّدة، وصَرَّحَ أبو عَوَانة في
(صحيحه)) (٩٢/٢) بوجوبها، ولم أرَه لغيره إلَّا ما حُكيَ عن مالك أنَّه أجراها مَجَرَى
الجمعة، ونقل الزَّين بن المنيِّر عن أبي حنيفة أنَّه أوجَبَها، وكذا نقل بعض مصنِّفي الحنفيّة
أنَّها واجبة، وسيأتي الكلام على الصِّفة قريباً.
قوله: ((حدَّثنا خالد)) هو ابن عبد الله الطَّحّان، ويونس: هو ابن عُبيد، والإسناد كلّه
بصريُّون، وترجمة الحسن عن أبي بَكْرة متَّصلة عند البخاري، مُنقطِعة عند أبي حاتم

١٧٤
باب ١ / ح ١٠٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
والدّارَ قُطني، وسيأتي التصريح بالإخبار فيه بعد أربعة أبواب (١٠٤٨)، وهو يؤيِّد صنيع
البخاري.
قوله: ((فانكَسَفَت)) يقال: كَسَفَت الشمسُ - بفتح الكاف - وانكَسَفَت بمعنَّى، وأنكَرَ
القَزّاز انكَسَفَت، وكذا الجوهريُّ حيثُ نَسَبَه للعامَّةِ، والحديث يَرُدّ عليه، وحُكِيَ: كُسِفَت
بضمِّ الکاف، وهو نادر.
قوله: ((فقام رسول الله ◌ُالژ یجر رِداءه» زاد في اللباس (٥٧٨٥) من وجه آخر عن يونس:
مُستَعجِلاً، وللنَّسائيِّ (١٥٠٢) من رواية يزيد بن زُرَيع عن يونس: من العَجَلَة، ولمسلم
(١٤/٩٠٦) من حديث أسماء: كَسَفَت الشمس على عهد رسول الله وَيهِ فَفَزِعَ فأخطأ
فَأَخَذَ(١) بدِرع حتَّى أدرَكَ برِدائه؛ يعني: أنَّه أراد لُبس رِدائه فَلَبِسَ الدِّرع من شُغْل خاطره
بذلك، واستُدُلَّ به على أنَّ جَرّ الثوب لا يُذَمّ إِلَّ مَمَّن قَصَدَ به الخُيَلاء، ووقع في حديث أبي
موسى بيان السبب في الفَزَع كما سيأتي (١٠٥٩).
قوله: ((فصَلَّى بنا رَكْعَتَين)) زاد النَّسائيُّ: ((كما تُصلُّونَ))، واستدلَّ به مَن قال: إنَّ صلاة
الكسوف كصلاة النافلة، وحَمَلَه ابن حِبَّان والبيهقيُّ على أنَّ المعنى: كما تُصلُّون في
الكسوف، لأنَّ أبا بَكْرة خاطَبَ بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عبّاس عَلَّمَهم أنَّها
ركعتان في كلّ ركعة رُكوعان كما روى ذلك الشافعيّ (٢٧٧/١) وابن أبي شَيْبة وغيرهما،
ويؤيِّد ذلك أنَّ في رواية عبد الوارث عن يونس الآتية في أواخر الكسوف (١٠٦٣) أنَّ
ذلك وقع يوم ماتَ إبراهيم ابن النبيّ وَّهِ، وقد ثَبَتَ في حديث جابر عند مسلم
(٩٠٤/ ١٠) مثله وقال فيه: ((إنَّ في كلّ ركعة رُكوعَين))، فدَلَّ ذلك على اتّحاد القصّة، وظَهَرَ
أنَّ رواية أبي بَكْرة مُطلَقة، وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع، والأخذ بها أولى.
ووقع في أكثر الطّرق عن عائشة أيضاً: أنَّ في كلّ ركعة رُكوعَينِ(٢)، وعند ابن خُزَيمةً
(١) لفظ ((فأخذ)) من (ع) وحدها، وليس في (أ) و(س)، ورواية مسلم في ((الصحيح)): ((فأخذ درعاً)) وليس
فيها «فأخطأ)».
(٢) انظر ما سيأتي برقم (١٠٤٤).

١٧٥
باب ١ / ح ١٠٤٠
أبواب الكسوف
(١٣٨٩) من حديثها أيضاً أنَّ ذلك كان يوم ماتَ إبراهيم عليه السلام.
قوله: ((حتَّى انجَلَت)) استُدلَّ به على إطالة الصلاة حتَّى يقع الانجِلاء، وأجاب
الطَّحَاويُّ بأنَّه قال فيه: ((فصَلُّوا وادعوا)) فدَلَّ على أنَّه إن سَلَّمَ من الصلاة قبل الانجِلاء
يتشاغل بالدُّعاءِ حتَّى تنجلي، وقَرَّرَه ابن دَقِيق العيد بأنَّه جعل الغايةَ لمجموع الأمرَين، ولا
يلزم من ذلك أن يكون غايةً لكُلِّ منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدُّعاء مُمْتَدّاً إلى غاية
الانجِلاء بعد الصلاة، فيصير غاية للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة ولا تكريرها.
وأمَّا ما وقع عند النَّسائيِّ من حديث النُّعمان بن بشير قال: كَسَفَت الشمس على عهد
رسول الله وَّله فجعلَ يُصلِّ ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتَّى انجَلَت(١)، فإن كان محفوظاً
احتُمِلَ أن يكون معنى قوله: ركعتين، أي: رُكوعَين، وقد وقع التعبير عن الركوع بالرَّكعة
في حديث الحسن: خَسَفَ القمر وابن عبَّاس بالبصرة فصلَّى ركعتين في كلّ ركعة
ركعتان ... الحديث أخرجه الشافعيّ (١/ ٢٧٧)، وأن يكون السُّؤال وقع بالإشارة فلا
يلزم التَّكرار، وقد أخرج عبد الرزاق (٤٩٤٤) بإسنادٍ صحيح عن أبي قِلابةَ: أَنَّه ◌َلّ كان
كلَّما رَكَعَ ركعة أرسَلَ رجلاً يَنظُرُ هل انجَلَت؛ فتَعيَّنَ الاحتمال المذكور، وإن ثَبَتَ تعدُّد
القصَّة زال الإشكال أصلاً.
قوله: ((فقال النبيُّ ◌َله: إنَّ الشمس)) زاد في رواية ابن خُزَيمةَ (١٣٧٤): «فلمَّا كُشِفَ عنَّا
خَطَبَنا فقال))،/ واستدلَّ به على أنَّ الانجلاءَ لا يُسقِط الخطبة كما سيأتي.
٥٢٨/٢
قوله: ((لموتِ أحدٍ)) في رواية عبد الوارث الآتية (١٠٦٣) بيان سبب هذا القول ولفظه:
وذلك أنَّ ابناً للنبيِّ وَ ◌ّه يقال له: إبراهيم ماتَ، فقال الناس في ذلك، وفي رواية مُبارَك بن
فَضَالة عند ابن حِبَّان (٢٨٣٤): فقال الناس: إنَّمَا كَسَفَت الشمسُ لموتِ إبراهيم، ولأحمد
(١٨٣٦٥) والنَّسائيِّ (١٤٨٥) وابن ماجَهْ (١٢٦٢) وصحَّحه ابن خُزَيمةَ (١٤٠٣ و١٤٠٤)
(١) هذا لفظ أبي داود (١١٩٣)، وهو عند ابن ماجه (١١٦٢)، والنسائي (١٤٨٥) و(١٤٩٠) بنحوه بلفظ:
فلم يزل يصلي حتى انجلت، وهو عند أحمد (١٨٣٦٥) بلفظ: فكان يصلي ركعتين ويسأل، ويصلي
رکعتین ویسال، حتى انجلت.

١٧٦
باب ١ / ح ١٠٤١
فتح الباري بشرح البخاري
وابن حِبَّان(١) من رواية أبي قلابةَ عن النُّعمان بن بشير، قال: انكَسَفَت الشمس على عهد
رسول الله وَّ﴾، فخرج فزِعاً يجرّ ثوبه حتَّى أتى المسجد، فلم يَزَل يُصلِّ حتَّى انجَلَت، فلمَّا
انجَلَت قال: ((إنَّ الناس يَزِعُمون أنَّ الشمس والقمر لا يَنكَسِفان إلَّا لموتِ عظيم من
العُظَماء، وليس كذلك)) الحديث.
وفي هذا الحديث إبطالُ ما كان أهل الجاهليّة يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض،
وهو نحو قوله في الحديث الماضي في الاستسقاء (١٠٣٨): ((يقولون: مُطِرنا بنَوءِ كذا))، قال
الخطَّبيُّ: كانوا في الجاهليَّة يعتقدون أنَّ الكسوف يُوجِب حدوثَ تَغَيُّر في الأرض من
موت أو ضَرَر، فأعلمَ النبيُّ وَّهِ أَنَّه اعتقاد باطل، وأنَّ الشمس والقمر خَلْقان مُسخَّران
لله، ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قُدْرةٌ على الدَّفع عن أنفُسهما. وفيه ما كان النبيّ وَّه
عليه من الشَّفَقة على أُمَّته وشِدَّة الخوف من ربّه، وسيأتي لذلك مَزِید بیان.
قوله: «فإذا رأيتُمُوها)» في رواية كَرِيمة: «رأيتُموهما)» بالَّنية، وسيأتي القول فيه إن شاء
الله تعالى.
١٠٤١ - حدَّثنا شِهابُ بنُ عبَّدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مُميدٍ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ،
قال: سمعتُ أبا مسعودٍ يقول: قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَنكَسِفان لموتِ أحَدٍ مِن
الناسِ، ولكنَّهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتُموها فقُومُوا فصَلُّوا)).
[طرفاه في: ١٠٥٧، ٣٢٠٤]
قوله: ((حدَّثنا شِهاب بن عبَّاد)) هو العَبْديّ الكوفيّ من شيوخ البخاري ومسلم، ولهم
شيخ آخر يقال له: شهاب بن عبَّاد العَبديّ لكنَّه بصريّ، وهو أقدم من الكوفيِّ يكون في
طبقة شيوخ شيوخه، أخرج له البخاري وحده في ((الأدب المفرد))، وإبراهيم بن حُميدٍ
شيخه: هو ابن عبد الرحمن الرُّؤَاسِيّ، بضمِّ الرّاء بعدها همزة خفيفة، وفي طَبَقَته إبراهيم
ابن حُميد بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهْرِيُّ، ولم يُخْرِّجواله.
(١) لم نقف عليه في ابن حبان، ولم يعزه إليه الشارح نفسه في كتابه («إتحاف المهرة)) ٥٢٦/١٣.

١٧٧
باب ١ / ح ١٠٤١
أبواب الكسوف
وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم، وهذا الإسناد كلُّه کوفیُّون.
قوله: ((آيتان)) أي: علامَتان ((من آيات الله)) أي: الدّالَّة على وَحْدانيَّة الله وعظيم قُدرَته،
أو على تخويف العباد من بأس الله وسَطْوته، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَمَا تُرْسِلُ بِآلْأَيَتِ إِلَّا
تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وسيأتي قوله ◌َّ: ((يُخُوِّف الله بهما عباده)) في باب مُفْرَد (١٠٤٨).
قوله: ((فإذا رأيتُمُوها)) أي: الآية، وللكُشمِيهَنيِّ: ((رأيتُموهما)) بالَّئنية، وكذا في رواية
الإسماعيليّ، والمعنى: إذا رأيتُم كسوفَ كلٍّ منهما، لاستحالة وقوع ذلك فيهما معاً في حالة
واحدة عادة، وإن كان ذلك جائزاً في القُدْرة الإلهيّة.
واستدلَّ به على مشروعيّة الصلاة في كسوف القمر، وسيأتي الكلام عليه في باب مُفرَد
(١٠٤٨) إن شاء الله تعالى. ووقع في رواية ابن المنذر (٢٩٤/٥): ((حتَّى يَنجَليَ کسوف أيّهما
انكَسَفَ))(١)، وهو أصرح في المراد، وأفاد أبو عَوَانة: أنَّ في بعض الطُّرق أنَّ ذلك كان يوم ماتَ
إبراهيم، وهو كذلك في «مُسنَد الشافعيّ)) (١٦٦/١)، وهو يؤيِّد ما قَدَّمناه من اتّحاد القصّة.
قوله: ((فقُومُوا فصَلُّوا)) استُدلَّ به على أنَّه لا وقت لصلاة الكسوف مُعيَّن، لأنَّ الصلاة
عُلِّقت بُرُؤْيتِهِ، وهي تُمكِنة في كلّ وقت من النهار، وبهذا قال الشافعيّ ومَن تَبِعَه، واستثنى
الحنفيّة أوقات الكراهة، وهو مشهور مذهب أحمد، وعن المالكيَّة: وقتُها من وقت حِلّ النافلة
إلى الزّوال، وفي رواية: إلى صلاة العصر، ورُجِّحَ الأوَّل بأنَّ المقصود إيقاع هذه العبادة قبل
الانجِلاء، وقد اتَّفَقوا على أنَّها لا تُقضَى بعد الانجِلاء، فلو انحَصَرَت في وقت لأمكَنَ
الانجِلاءُ قبله، فيَقوتُ المقصود، ولم أقِف في شيء من الطُّرق مع كثرتها على أنَّهَ وَِّ صلََّّها إلَّا
ضُحَّى(٢)، لكنَّ ذلك وقع اتِّفاقاً ولا يدلّ على منع ما عَداه، واتَّفَقَت الطُّرق على أنَّه بادَرَ إليها.
(١) وهو من حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود، ولیس کما يُوهِم إيراد الشارح له هنا من أنه من حديث
أبي مسعود البدري، وهو أيضاً عند ابن خزيمة في ((صحيحه)) برقم (١٣٧٢). وأورده الشارح في كتابه
((إتحاف المهرة)) ١٠/ ٣٦٦ في ترجمة علقمة عن عبد الله بن مسعود.
(٢) في (س): صلّاها الأضحى، وهو تحريف، وسيأتي في حديث عائشة عند البخاري (١٠٥٠): أن النبي وَليه
صلاها ضُحى.

١٧٨
باب ١ / ح ١٠٤٢ - ١٠٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
١٠٤٢ - حدَّثنا أصبَغُ، قال: أخبرني ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمْرٌو، عن عبدِ الرحمن بنِ
القاسمِ حدَّثه، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّه كان يُخْبِرُ عن النبيِّ وَّ: ((إنَّ الشمسَ
والقمرَ لا يَخْسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّهما آيتان من آياتِ الله، فإذا رَأَيْتُمُوهما فصَلُّوا)).
[طرفه في: ٣٢٠١]
١٠٤٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ أبو
معاويةً، عن زيادِ بنِ عِلَاقة، عن المغيرةِ بنِ شُعْبة، قال: كَسَفَتِ الشمسُ على عَهْدِ رسول الله
وَله يومَ ماتَ إبراهيمُ، فقال الناسُ: كَسَفَتِ الشمسُ لموتِ إبراهيم، فقال رسول الله وَ الَ: ((إنَّ
الشمسَ والقمرَ لا يَنكَسِفان لموتِ أحَدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم فصَلُّوا وادْعُوا الله)).
[طرفاه في: ١٠٦٠، ٦١٩٩]
قوله: ((أخبَرَني عَمْرو)) هو ابن الحارث المصري، وعبد الرحمن بن القاسم: هو ابن أبي
بكر الصِّدّيق، ونصف رجال هذا الإسناد الأعلى مدنيُّون، ونصفه الأدنى مِصريُّون.
٥٢٩/٢ قوله: ((لا يخسفان)» بفتح أوَّله ويجوز الضم، وحكى ابن الصَّلاح منعه،/ وروی ابن
خُزَيمةَ (١٤٠٠) والبَزّار (٥٩١١) من طريق نافع عن ابن عمر قال: خَسَفَت الشمس يوم
ماتَ إبراهيم ... الحديث، وفيه: ((فافزَعُوا إلى الصلاة وإلى ذِكْر الله، وادْعُوا وتَصَدَّقوا)).
قوله: (ولا لحياته)) استُشكِلَت هذه الزّيادة؛ لأنَّ السياق إِنَّما وَرَدَ في حَقّ مَن ظَنَّ أنَّ ذلك
لموتٍ إبراهيم، ولم يَذْكُرُوا الحياة. والجواب: أنَّ فائدة ذِكْر الحياة دفعُ تَوهُم مَن يقول: لا يلزم
من نفي كَوْنه سباً للفَقْدِ أن لا يكون سبباً للإيجاد، فعَمَّمَ الشَّارعِ النَّفَيَ لدفع هذا التوهُّم.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو المُسنَدي، وهاشم: هو أبو النَّضر، وشَيْبانُ: هو
النَّحْويّ.
قوله: ((يوم ماتَ إبراهيم)) يعني: ابن النبيِّ وَّةِ، وقد ذكر جمهور أهل السّيَرَ أنَّه ماتَ في
السَّنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأوَّل، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحِجَّة،
والأكثر على أنَّهَا وَقَعَت في عاشر الشَّهر، وقيل في رابعه، وقيل: في رابع عَشْرِه، ولا يَصِحُ

١٧٩
باب ١ / ح ١٠٤٢ - ١٠٤٣
أبواب الكسوف
شيء من هذا على قول ذي الحِجَّة؛ لأنَّ النبيّ وَّه كان إذ ذاكَ بمكّة في الحج، وقد ثَبَتَ أنَّه
شَهِدَ وفاته وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنَّه ماتَ سنة تسع، فإن ثَبَتَ يَصِح،
وجَزَمَ النَّوَويّ بأنَّها كانت سنة الْحُدَيبية، ويُجاب بأنَّه كان يومئذٍ بالْحُدَيبية ورَجَعَ منها في
آخر ذي القَعْدة، فلعلها كانت(١) في آخر الشَّهر.
وفيه ردٌّ على أهل الهيئة، لأنَّهم يَزْعُمون أنَّه لا يقع في الأوقات المذكورة، وقد فَرَضَ
الشافعيّ وقوع العيد والكسوف معاً، واعتَرَضَه بعض مَن اعتَمَدَ على قول أهل الهيئة،
وانتَدَبَ أصحاب الشافعيّ لدفع قول المعترِض فأصابوا.
قوله: (فإذا رأيتُم)) أي: شيئاً من ذلك، وفي رواية الإسماعيليّ: ((فإذا رأيتُم ذلك))،
وسيأتي من وجه آخر بعد أبواب (١٠٦٠): «فإذا رأيتُموها)).
تنبيه: ابتَدَأ البخاري أبواب الكسوف بالأحاديث المطلّقة في الصلاة بغير تقييد بصفةٍ،
إشارةً منه إلى أنَّ ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصِّفة المخصوصة عنده
أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، ووقع لبعض الشافعيّة كالبَندَنيجيّ أنَّ صلاتها ركعتين
کالنافلة لا ◌ُجزِئ، والله أعلم.
٢- باب الصَّدَقة في الکسوف
١٠٤٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكِ، عن هشام بنِ عُرْوة، عن أبيه، عن عائشةً،
أنَّهَا قالت: خَسَفَتِ الشمسُ فِي عَهْدِ رسول الله ◌َِّ فِصَلَّى رسولُ اللهَ وَّل بالناسِ، فقامَ فأطالَ
القيامَ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكوع، ثمَّ قامَ فأطالَ القيامَ وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ
الرُّكوعَ وهو دونَ الرُّكوعِ الأَوَّلِ، ثمَّ سَجَدَ فأطالَ السُّجود، ثمَّ فعلَ في الرَّكْعَةِ الثّانيةِ مِثلَ ما فعلَ
في الأولى، ثمَّ انصَرَفَ وقد تَجَلَّتِ الشمسُ، فخَطَبَ الناسَ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمّ قال: ((إنَّ
الشمسَ والقمر آيتان من آيات الله، لا يَنخَسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُم ذلك فاذْكُرُوا
الله وكَبِروا، وصَلُّوا وتَصَدَّقُوا)) ثمّ قال: (يا أُمَّةَ محمَّدٍ، والله ما من أحدٍ أغيَرَ مِن الله أن يَزْنِيَ عبدُه
(١) قوله: ((في آخر ذي القعدة فلعلها كانت)) سقط من (س).

١٨٠
باب ٢ / ح ١٠٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
أو تَزْنِيَ أْمَتُه، يا أُمَّةَ محمَّدٍ، والله لو تعلمون ما أعلمُ لَضَحِکتُم قليلاً ولبَگیتُم کثیراً)).
[أطرافه في: ١٠٤٦، ١٠٤٧، ١٠٥٠، ١٠٥٦، ١٠٥٨، ١٠٦٤، ١٠٦٥، ١٠٦٦، ١٢١٢، ٣٢٠٣، ٤٦٢٤،
٥٢٢١، ٦٦٣١]
قوله: ((باب الصَّدَقة في الكُسوف)» أورَدَ فيه حديث عائشة من رواية هشام بن عُرْوة عن
أبيه عنها، ثمَّ أورَدَه بعد باب (١٠٤٦) من رواية ابن شهاب عن عُرْوة، ثمَّ بعد بابَينِ
(١٠٤٩) من رواية عَمْرة عن عائشة، وعند كلٌّ منهم ما ليس عند الآخر، ووَرَدَ الأمر - في
الأحاديث التي أورَدَها في الكسوف - بالصلاة والصَّدَقة والذِّكر والدُّعاء وغير ذلك، وقد
قَدَّمَ منها الأهمَّ فالأهمّ. ووقع الأمر بالصَّدَقة في رواية هشام دون غيرها، فناسَبَ أن
٥٣٠/٢ يُتَرجَم بها، ولأنَّ الصَّدَقة تالية للصلاة/ فلذلك جعلها تِلوَ ترجمة الصلاة في الكسوف.
قوله: ((خَسَفَت الشمس في عَهْد رسول الله وَّهِ فصَلَى)) استُدلَّ به على أنَّه ◌َ ل كان يحافظ
على الوضوء فلهذا لم يَحَتَجْ إلى الوضوء في تلك الحال، وفيه نظرٌ، لأنَّ في السياق حذفاً،
فسيأتي في رواية ابن شهاب: ((خَسَفَت الشمس فخرج إلى المسجد فصَفّ الناس وراءَه))، وفي
رواية عَمْرة: ((فخَسَفَت فَرَجَعَ ضُحَى فمَرَّ بين الحَجَر ثمَّ قامَ يُصلّي))، وإذا ثبتت هذه الأفعال
جاز أن يكون حُذِفَ أيضاً: فَتَوضَّأ ثمَّ قامَ يُصلِّي، فلا يكون نَصّاً في أنَّه كان على وضوء.
قوله: ((فأطالَ القيام)) في رواية ابن شهاب: فاقتَرأ قراءةً طويلة، وفي أواخر الصلاة
(١٢١٢) من وجه آخر عنه: فقرأ بسورةٍ طويلة، وفي حديث ابن عبّاس بعد أربعة أبواب
(١٠٥٢): فقرأ نحواً من سورة البقرة في الرَّكعة الأولى، ونحوه لأبي داود (١١٨٧) من
طريق سليمان بن يَسَار عن عُرْوة وزاد فيه: أنَّه قرأ في القيام الأوَّل من الرَّكعة الثانية نحواً
من آل عمران.
قوله: ((ثُمَّ قامَ فأطالَ القيام)) في رواية ابن شهاب (١٠٤٦): ثمَّ قال: ((سمع الله لمن
◌َدَه)) وزاد من وجه آخر عنه في أواخر الكسوف (١٠٦٥): ((رَبّنا ولك الحمد))، واستُدلَّ
به على استحباب الذِّكر المشروع في الاعتدال في أوَّل القيام الثاني من الرَّكعة الأولى،