Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ باب ٤ / ح ٩٥٣ كتاب العيدين زياداته في ((الصحيح)) عن أبي حامد بن نُعَيم عن الحسين بن محمد بن مُصعَب عن أبي داود السِّنْجِيِّ عن أبي النَّضر، وأخرجه الإمامُ أحمد (١٢٢٦٨) عن حَرَميٍّ بن عُمارةَ عن مُرجَّى بلفظ: ((ويَأْكُلهنَّ أفراداً))، ومن هذا الوجه أخرجه البخاريُّ في ((تاريخه)) (٥٢٦/٦)، وله راوٍ ثالثٌ عن عبيد الله بن أبي بكر أخرجه الإسماعيليُّ أيضاً وابن حِبَّان (٢٨١٤) والحاكم (٢٩٤/١) من رواية عُتبةَ بن حُميدٍ عنه بلفظ: ((ما خرج يومَ فِطرِ حتَّى يَأْكُلَ تَمَراتٍ ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أقلّ من ذلك أو أكثر وِتراً)) وهي أصرحُ في المداومة على ذلك. قال المهلَّبُ: الحِكْمةُ في الأكل قبل الصلاة أن لا يَظُنَّ ظانٌّ لُزومَ الصوم حتَّى يُصلّيَ العيد، فكأنَّه أراد سَدَّ هذه الذَّريعة. وقال غيرُه: لمَّا وقع وجوبُ الفِطْر عَقِبَ وجوب الصوم، استُحِبَّ تعجيلُ الفِطْرِ مُبادرةً إلى امتثال أمر الله تعالى، ويُشعِرُ بذلك اقتصارُه على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لَأكَلَ قَدْرَ الشِّبَع، وأشار إلى ذلك ابن أبي جَمْرة. وقال بعضُ المالكيَّة: لمَّا كان المعتكِفُ لا يَتِمُّ اعتكافُه حتَّى يَغْدُوَ إلى المصلَّى قبل انصرافه إلى بيته، خُشيَ أن يُعتَمَدَ في هذا الجزءِ من النهار باعتبار استصحاب الصائم ما يُعتَمَدُ من استصحاب الاعتكاف، ففُرِّقَ بينهما بمشروعيَّة الأكل قبل الغُدوّ. وقيل: لأنَّ الشيطانَ الذي يُحِبَسُ في رمضانَ لا يُطلَقُ إلَّا بعد صلاة العيد، فاستُحِبَّ تعجيلُ الفِطْرِ بِدَاراً إلى السلامة من وَسَوَسِتِهِ، وسيأتي توجيهٌ آخرُ لابن المنيِّر في الباب الذي بعده. وقال ابن قُدَامَةَ: لا نَعلَمُ في استحباب تعجيل الأكل يومَ الفِطْر اختلافاً. انتهى، وقد روى ابن أبي شَيْبة عن ابن مسعودٍ التَّخييرَ فيه، وعن النَّخَعيِّ أيضاً مِثلُه. والحِكْمةُ في استحباب الثَّمرِ لمَا في الحُلِ من تقوية البصر الذي يُضعِفُه الصومُ، ولأنَّ الحُلوَ مَّا يوافقُ الإيمانَ ويُعبَّرُ به المنامُ، ويَرِقُّ به القلبُ، وهو أيسَرُ من غيره، ومن ثَمَّ استَحَبَّ بعضُ التابعينَ أنْ يُفطِرَ على الحُلِ مُطلَقاً كالعَسَل، رواه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٦١ و ١٦٢) عن معاويةً ابن قُرَّةَ وابن سِيرِين وغيرهما، ورُوِيَ فيه معنّى آخر عن ابن عَوْنٍ أنَّه سُئِلَ عن ذلك ٢٢ باب ٥/ ح ٩٥٤-٩٥٥ فتح الباري بشرح البخاري فقال: إنَّه يَجِبِسُ البول. هذا كلُّه في حَقِّ مَن يَقدِرُ على ذلك، وإلَّا فينبغي أن يُفطِرَ ولو على الماء ليَحصُلَ له شَبَهُ ما من الاتِّباع، أشار إليه ابن أبي جَمْرةَ. وأمَّا جعلُهنَّ وتراً فقال المهلَّبُ: فللإشارة إلى وَحْدانيَّة الله تعالى، وكذلك كان ◌َ له يفعلُه في جميع أُموره تبرُّكاً بذلك. تنبيه: مُرجَّى بوزن مُعلَّى، وأبوه بلفظ رجاءٍ ضِدُّ الخوف، بصريٌّ مُختَلَفٌ في الاحتجاج به، وليس له في البخاريِّ غیرُ هذا الموضع الواحد. ٥- باب الأکل یوم النَّحْر ٩٥٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أنسٍ قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ فليُعِد)) فقامَ رجلٌ فقال: هذا يومٌ يُشتَهى فيه اللَّحْمُ؛ وذَكَرَ من جِيرانه، فكأنَّ النبيَّ ◌َ ◌ِّ صَدَّقَه قال: وعندي جَذَعةٌ أحبُّ إليَّ من شاتَيْ لحمٍ. فَرَخَّصَ له النبيُّ ◌ََّ، فلا أدري أبَلَغَتِ الرُّخْصةُ مَن سواه أم لا؟ [أطرافه في: ٩٨٤، ٥٥٤٦، ٥٥٤٩، ٥٥٦١] ٩٥٥ - حدّثنا عثمانُ، قال: حدّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن البَراءِ بنِ عازِبٍ ٤٤٨/٢ رضي الله عنهما قال: / خَطَبَنَا النبيُّ نَّهَ يومَ الأضحَى بعدَ الصلاة فقال: ((مَن صلَّى صلاتنا، ونَسَكَ نُسُكَنا، فقد أصابَ النُّسُكَ، ومَن نَسَكَ قبلَ الصلاةِ، فإنَّه قبلَ الصلاةِ ولا نُسُكَ له)) فقال أبو بُرْدةَ بنُ نِيَارٍ خالُ البَراءِ: يا رسولَ الله، فإنِّ نَسَكْتُ شاتي قبلَ الصلاةِ، وعَرَفْتُ أنَّ اليومَ يومُ أكلٍ وشُرْبٍ وأحبَبتُ أن تكونَ شاتي أوَّلَ ما يُذْبَحُ في بيتي، فَذَبَحْتُ شاتيٍ وتَغَدَّيتُ قبلَ أن آتيَ الصلاةَ؟ قال: ((شاتُكَ شاءُ لحم)) قال: يا رسولَ الله، فإنَّ عندَنا عَناقاً لنا جَذَعةً هي أحبُّ إليَّ من شاتَينٍ، أفتَجْزي عنِّي؟ قال: ((نَعَم، ولن تَجِزِيَ عن أحدٍ بعدَكَ)). قوله: ((بابُ الأكل يومَ النَّحْر)) قال الزَّينُ بن المنيِر ما مُحصَّلُه: لم يُقَيِّد المصنِّفُ الأكلَ يومَ النَّحْرِ بوقتٍ مُعيَّنٍ كما قَّدَه في الفِطْرِ، ووجه ذلك من حديث أنسٍ قولُ الرجل: ((هذا يومٌ يُشْتَهى فيه اللَّحم))، وقوله في حديث البراء: ((أنَّ اليومَ يومُ أكلِ وشرب)) ولم يُقيِّد ذلك ٢٣ باب ٥ / ح ٩٥٤ -٩٥٥ كتاب العيدين بوقت. انتهى، ولعلَّ المصنّف أراد الإشارةَ إلى تضعيف ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث الذي قبلَه من مُغايرة يوم الفِطْر ليوم النَّحرِ من استحباب البِداءة بالصلاة يومَ النَّحر قبل الأكل، لأنَّ في حديث البراء: أنَّ أبا بُردةَ أكَلَ قبل الصلاة يومَ النَّحر، فبيَّن له وَّ أَنَّ التي ذَبَحَها لا تُجِزِئُّ عن الأُضحيَّة وأقَّه على الأكل منها، وأمَّا ما وَرَدَ في التِّرمِذيِّ (٥٤٢) والحاكم (٢٩٤/١) من حديث بُرَيدةَ قال: كان النبيُّ ◌ٍَّ لا يَخْرُجُ يومَ الفِطْرِ حتَّى يَطعَمَ، ولا يَطعَمُ يومَ الأضحى حتَّى يُصلّى، ونحوُه عند البَزَّار (٤٢٧٣) عن جابر بن سَمُرة، وروى الطَّرانيّ (١١٢٩٦) والدَّارَقُطنيُّ (٢١٣٦) من حديث ابن عبّاسٍ قال: من السُّنَّة أن لا يَخْرُجَ يومَ الفِطْرِ حَتَّى يُخْرِجَ الصَّدَقَ ويَطعَمَ شيئاً قبل أن يَخرُج. وفي كلٍّ من الأسانيد الثلاثة مَقَالٌّ، وقد أخذَ أكثرُ الفقهاء بما دَلَّت عليه، قال الزّينُ بن المنيِر: وقع أكلُه ◌َّر في كلٍّ من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صَدَقَتِهما الخاصَّة بهما، فإخراجُ صدقة الفِطْر قبل الغُدوِّ إلى المصلَّى، وإخراجُ صدقة الأضحيّة بعد ذبحها، فاجتمعا من جهةٍ وافترقا من جهةٍ أُخرى. واختار بعضُهم تفصيلاً آخرَ فقال: مَن كان له ذِبحٌ استُحِبَّ له أن يَبدَأ بالأكل يومَ النَّحرِ منه، ومَن لم يكن له ذِحٌ تَخْيَر. وسيأتي الكلامُ على حديثَي أنسٍ والبَراء المذكورين في هذا الباب في كتاب الأضاحي (٥٥٤٥و ٥٥٤٦) إن شاء الله تعالى. قوله في حديثِ البَرَاءِ: ((ومَن نَسَكَ قبلَ الصلاة فإنَّه قبلَ الصلاة ولا نُسُكَ له)) كذا في الأُصول بإثبات الواو، وحَذَفَها النَّسائيُّ (٤٣٩٥) وهو أوجه، وُمكِنُ توجیه إثباتها بتقدير: لا يُحِزِئُ ولا نُسُكَ له، وهو قريبٌ من حديث: «فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله))(١)، وقد أخرجه مسلم (٧/١٩٦١) عن عثمانَ بن أبي شَيْبة هذا وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن جَرِير بلفظه، وأخرجه الإسماعيليُّ من طريق أبي خَيْئمةَ ويوسفَ بن موسى وعثمانَ هذا ثلاثتُهم عن جَرِير بلفظ: ((ومَن نَسَكَ قبل الصلاة فشاتُه شاةُ لحم)) وذكر أنَّ معناهم واحد، وقد أخرجه أبو يَعْلى (١٦٦٢) عن أبي خَيْئمةَ بهذا (١) سيأتي عند البخاري برقم (٢٥٢٩). ٢٤ باب ٦ / ح ٩٥٦ فتح الباري بشرح البخاري اللَّفظ، وأظنُّ التصرُّفَ فيه من عثمانَ رواه بالمعنى، والله أعلم. وفي حديثَي أنسٍ والبَراء من الفوائد تأكيدُ أمر الأُضحيَّة، وأنَّ المقصودَ منها طَيِّبُ اللَّحم وإيثارُ الجار على غيره، وأنَّ الُفتيَ إذا ظَهَرَت له من المستفتي أمارةُ الصِّدق، كان له أن يُسهّلَ علیه، حتَّى لو استفتاه اثنان في قضيّةٍ واحدةٍ، جاز أن يُفتيَ كلَّ منهما بما يناسبُ حالَه، وجوازُ إخبار المرءِ عن نفسه بما يَسْتَحِقُّ الثَّنَاءَ به عليه بقَدْرِ الحاجة. ٦ - باب الخروج إلى المصلَّى بغير مِنبَرَ ٩٥٦- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، قال: أخبرني زيدٌ، عن ٤٤٩/٢ عِيَاضِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي سَرْحٍ، / عن أبي سعيدِ الخُذريِّ قال: كان النبيُّ وَّهِ يَخْرُجُ يومَ الفِطْرِ والأضحَى إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يَبدَأُ به الصلاةُ، ثمّ ينصرفُ فيقومُ مُقابلَ النَّاس والنَّاسُ جلوسٌ على صُفوفِهم، فَيَعِظُهم ويُوصِيهم ويأمرُهم، فإن كان يريدُ أن يَقْطَعَ بَعْئاً قَطَعَه، أو يأمرَ بشيءٍ أُمَرَ به، ثمَّ ينصرفُ. قال أبو سعيدٍ: فلم يَزَل النَّاسُ على ذلك حتَّى خَرَجْتُ مع مروانَ وهو أميرُ المدينةِ في أضحّى أو فِطْرِ، فلمَّا أتَينا المصلَّى إذا مِنْبرٌ بناه كَثِيرُ بنُ الصَّلْت، فإذا مروانُ يريدُ أن يَرِتَقِيَه قبلَ أن يُصلِّيَ، فَجَبَذْتُه بثوبه فجَبَذَني، فارتَفَعَ فخَطَبَ قبلَ الصلاة، فقلتُ له: غَيَّتُم والله! فقال: أبا سعيدٍ، قد ذهبَ ما تَعلَمُ، فقلتُ: ما أعلمُ والله خيرٌ مَّ لا أعلمُ، فقال: إنَّ النَّاسَ لم يكونوا يَجْلِسونَ لنا بعدَ الصلاة، فجَعَلتُها قبلَ الصلاةِ. قوله: «باب الخروج إلى المصلّی بغیر مِنبر» یشیرُ إلی ما وَرَدَ في بعض طرق حديث أبي سعيدٍ الذي ساقه في هذا الباب، وهو ما أخرجه أحمد (١١٠٧٣/ أ) وأبو داود (١١٤٠) وابن ماجَهْ (٤٠١٣) من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاءٍ، عن أبيه قال: أخرج مروانُ المنبرَ يومَ عيدٍ وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجلٌ فقال: يا مروانُ، خالفتَ السُّنَّة ... الحديث. قوله: ((حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ)) أي: ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ، وعياضُ بن عبد الله، أي: ابن . ٢٥ باب ٦ / ح ٩٥٦ كتاب العيدين سعد بن أبي سَرْحِ القُرَشُّ المدنيُّ، ورجالُه كلُّهم مدنيّون. قوله: ((عن أبي سعيدٍ)) في رواية عبد الرزاق (٥٦٣٤ ٥٦٤٨) عن داود بن قيسٍ عن عياضٍ، قال: سمعت أبا سعيد، وكذا أخرجه أبو عَوَانةَ من طريق ابن وَهْب عن داود. قوله: ((إلى المصلَّ)) هو موضعٌ بالمدينة معروفٌ بينه وبين باب المسجد ألفُ ذِراعٍ، قاله عمرُ بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)) عن أبي غسَّانَ الكِنانيّ صاحبٍ مالك. قوله: ((ثمَّ ينصرفُ فيقومُ مُقابِلَ النَّاس)» في رواية ابن حِبَّانَ (٣٣٢١) من طريق داود بن قيسٍ عن عياضٍ: فينصرفُ إلى الناس قائماً في مُصلَّاه، ولابن خُزَيمةَ في روايةٍ مختصرةٍ : خَطَبَ يومَ عيدٍ على رِجِلَيه(١)، وهذا مُشعِرٌ بأنَّه لم يكن بالمصلَّى في زمانه ◌َّهِ مِنْبرِ، ويدُّ على ذلك قولُ أبي سعيدٍ: فلم يَزَل الناسُ على ذلك حتَّى خرجت مع مروان، ومُقتَضى ذلك أنَّ أوَّلَ مَن اَّخَذَه مروانُ، وقد وقع في ((المدوَّنة)) لمالكِ ورواه عمرُ بن شَبَّة عن أبي غسّانَ عنه، قال: أوَّلُ مَن خَطَبَ الناسَ في المصلَّى على المنيرِ عثمانُ بن عَفّانَ، كَلَّمَهم على مِنْرٍ من طينٍ بناه كثيرُ بن الصَّلت، وهذا مُعضَل، وما في ((الصحيحين)) أصحُّ، فقد رواه مسلم (٨٨٩) من طريق داود بن قيسٍ عن عياضٍ نحوَ رواية البخاري، ويحتملُ أن يكون عثمانُ فعل ذلك مَرَّةً ثمَّ تركه حتَّى أعاده مروانُ ولم يَطَّلِع على ذلك أبو سعيد. وإنَّما اختَصَّ كثيرُ بن الصَّلْت بِناء المنيرِ بالمصلَّى؛ لأنَّ داره كانت مُجَاوِرةً للمُصلَّى، كما سیأتي (٩٧٧) في حديث ابن عبّاسٍ: أنَّه پڼ آتی في يوم العيد إلى العلم الذي عند دار کثیر ابن الصَّلت، قال ابن سعدٍ: كانت دارُ كثير بن الصَّلت قِبلةَ المصلَّى في العيدين، وهي تُطِلُّ على بُطْحانَ(٢)، الوادي الذي في وَسَطِ المدينة. انتهى، وإنَّما بنى كثيرُ بن الصَّلْت داره بعد النبيِّ وَّهِ بِمُدَّة، لكنَّها لمَّا صارت شَهيرةً في تلك البُقعة، وُصِفَ المصلَّى بِمُجاوَرَتها. (١) هو عند ابن خزيمة برقم (١٤٤٥)، وقد تحرفت كلمة ((رجليه)) في المطبوع منه إلى: راحلته، وهو خطأ يبيّه اسم الباب عنده: باب الخطبة قائماً على الأرض إذا لم يكن بالمصلى منبر، وشرح ابن خزيمة عليه. (٢) في (س): على بطن بطحان. ٢٦ باب ٦ / ح ٩٥٦ فتح الباري بشرح البخاري وكثيرٌ المذكورُ: هو ابن الصَّلت بن معاويةَ الكِنديُّ، تابعيُّ كبير، وُلِدَ في عهدِ النبيِّ وَّه، وقدمَ المدينةَ هو وإخوتُه بعده فسَكَنَها وحالَفَ بني جُمَح، وروى ابن سعدٍ (١٤/٥) بإسنادٍ صحيحٍ إلى نافعٍ، قال: كان اسم كثير بن الصَّلت قليلاً فسَمّاه عمرُ كثيراً. ورواه أبو عَوَانَةَ فوَصَلَه بذِكْر ابن عمر ورفعه بذِكْر النبيِّ وَِّ، والأوَّلُ اصُ، وقد صَحَّ سماعُ کثیر من عمر فمَن بعده، وكان له شرفٌ وذِكْر، وهو ابن أخي جَمْدٍ بفتح الجيم وسكون الميم ٤٥٠/٢ أو فتحها / أحدٍ ملوك كِندةَ الذين قُتِلوا في الرِّدَّة، وقد ذُكِرَ أبوه في «الصحابة)» لابن مَندَهْ، وفي صِحَّة ذلك نظرٌ. قوله: ((فإن كان يريدُ أن يَقطَعَ بَعْئاً)) أي: يُخْرِجَ طائفةً من الجيش إلى جهةٍ من الجهات. قوله: ((خرجتُ مع مروانَ)) زاد عبدُ الرزاق (٥٦٤٨) عن داود بن قيسٍ: وهو بيني وبين أبي مسعود؛ يعني: عُقْبَةَ بن عَمرٍو الأنصاريَّ. قوله: ((فجَبَذْتُه بثوبه)) أي: ليَبدَأ بالصلاة قبل الخطبة على العادة، وقوله: ((فقلت له: غَرتُم والله)) صريحٌ في أنَّ أبا سعيدٍ هو الذي أنكر، ووقع عند مسلم (٤٩) من طريق طارق ابن شهابٍ قال: أوَّلُ مَن بدأ بالخطبة يومَ العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاةُ قبل الخطبة، فقال: قد تُرِكَ ما هنالكَ، فقال أبو سعيدٍ: أمَّا هذا فقد قَضَى ما عليه. وهذا ظاهرٌ في أنَّه غيرُ أبي سعيد، وكذا في رواية رجاءٍ عن أبي سعيدِ التي تقدَّمت في أوَّل الباب، فيحتملُ أن يكون هو أبا مسعودٍ الذي وقع في رواية عبد الرزاق أنَّه كان معهما، ويحتملُ أن تكون القصَّةُ تَعدَّدَت، ويدلُّ على ذلك المغايرةُ الواقعةُ بين روايتَي عِياضٍ ورجاء، ففي رواية عياضٍ: أنَّ المنبر بُنيَ بالمصلَّى، وفي رواية رجاءٍ: أنَّ مروانَ أخرج المنبرَ معه، فلعلَّ مروانَ لمَّا أنكروا عليه إخراجَ المنبرِ، ترك إخراجَه بعدُ وأمر ببنائه من لَبِنٍ وطينٍ بالمصلَّى، ولا بُعدَ في أن يُنكَرَ عليه تقديمُ الخطبة على الصلاة مَرَّةً بعد أُخرى، ويدلُّ على التَّغايُر أيضاً أنَّ إنكار أبي سعيدٍ وقع بينه وبينه، وإنکار الآخِرِ وقع على رؤوس الناس. قوله: ((إنَّ النَّاسَ لم يكونوا يَجلِسونَ لنا بعدَ الصلاة فجَعَلتُها» أي: الخطبةَ «قبلَ الصلاة)» ٢٧ باب ٦ / ح ٩٥٦ كتاب العيدين وهذا يُشعِرُ بأنَّ مروانَ فعل ذلك باجتهادٍ منه، وسيأتي في الباب الذي بعده: أنَّ عثمانَ فعل ذلك أيضاً لكن لعِلَّةٍ أُخرى. وفي هذا الحديث من الفوائد بُنيانُ المنبر، قال الزَّينُ بن المنِر: وإنَّما اختاروا أن يكون باللَّبِنِ لا من الَشَبِ لكَوْنه يُترَكُ في الصحراء في غيرِ حِرْزٍ فِيُؤْمَنُ عليه النَّقُلُ، بخلاف مِنْبر الجامع. وفيه أنَّ الخطبةَ على الأرض عن قيامٍ في المصلَّى أَولى من القيام على المنبر، والفرقُ بينه وبين المسجد أنَّ المصلَّى يكون بمكانٍ فيه فضاءٌ فيتمكَّنُ من رُؤْيتِه كلُّ مَن حَضَر، بخلاف المسجد فإنَّه يكون في مكانٍ محصورٍ فقد لا يراه بعضُهم. وفيه الخروجُ إلى المصلَّى في العيد، وأنَّ صلاتها في المسجد لا تكون إلَّا عن ضرورة. وفيه إنكارُ العلماء على الأُمراء إذا صَنَعوا ما يخالفُ السُّنَّة. وفيه حَلِفُ العالم على صِدْق ما يُحْبِرُ به، والمباحثةُ في الأحكام، وجوازُ عمل العالم بخلاف الأولى إذا لم يوافقه الحاكم على الأَولى؛ لأنَّ أبا سعيدٍ حَضَرَ الخطبةَ ولم ينصرف، فيُستَدَلُّ به على أنَّ المبادأةَ بالصلاة فيها ليس بشرطٍ في صِحَّتِها، والله أعلم. قال ابن المنيِّرِ في ((الحاشية)): حمل أبو سعيدٍ فِعلَ النبيِّ وَّه في ذلك على التَّعيين، وحَمَلَه مروانُ على الأَولَوِيَّةِ، واعتَذَرَ عن تركِ الأَولى بما ذكره من تغيُّر حال الناس، فرأى أنَّ المحافظة على أصل السُّنَّة - وهو إسماعُ الخطبة - أَولى من المحافَظَة على هيئةٍ فيها ليست من شرطها، والله أعلم. واستُدلَّ به على استحباب الخروج إلى الصحراء لصلاة العيد، وأنَّ ذلك أفضلُ من صلاتها في المسجد، لمواظَبة النبيِّ وٍَّ على ذلك مع فضل مسجدِه. وقال الشافعيُّ في ((الأُمّ)): بَلَغَنا أنَّ رسول الله وَّه كان يَخْرُجُ في العيدين إلى المصلَّ بالمدينة، وكذا مَن بعده، إلَّا من عُذرِ مطرٍ ونحوه، وكذلك عامَّةُ أهل البلدان إلَّا أهلَ مكَّةَ. ثمَّ أشار إلى أنَّ سببَ ذلك سَعةُ المسجد وضِيقُ أطراف مكَّة، قال: فلو عُمِّرَ بلدٌ فكان مسجدُ أهلِه يَسَعُهم في الأعياد، لم أرَ أن يَخْرُجوا منه، فإن كان لا يَسَعُهم كُرهَت ٢٨ باب ٧ / ح ٩٥٧ - ٩٦١ فتح الباري بشرح البخاري الصلاةُ فيه ولا إعادةَ. ومُقتَضى هذا أنَّ العِلَّةَ تدورُ على الضِّيق والسَّعة، لا لذات الخروج إلى الصحراء، لأنَّ المطلوبَ حصولُ عموم الاجتماع، فإذا حَصَلَ في المسجد مع أفضليَّتِهِ کان أولی. ٤٥١/٢ ٧- باب المشي والرُّكوب إلى العيد والصلاةِ قبل الخطبة بغير أذانٍ ولا إقامةٍ ٩٥٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ المنذِر، قال: حدَّثنا أنسُ بن عِيَاضٍ، عن عُبيد الله، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ: أنَّ رسول الله بَيِ كان يُصلِّي في الأضحَى والفِطْر، ثمَّ يَخْطُبُ بعدَ الصلاةِ. [طرفه في: ٩٦٣] ٩٥٨- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: أخبرنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيجِ أخبَرَهُم، قال: أخبرني عطاءٌ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: سمعتُهُ يقول: إنَّ النبيَّ وَلِ خرج يومَ الفِطْرِ فَبَدَأ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبةِ. [طرفاه في: ٩٦١، ٩٧٨] ٩٥٩- قال: وأخبر ني عطاءٌ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أرسَلَ إلى ابنِ الزُّبَيرِ في أوَّلِ ما بُويعَ له: إنَّه لم يكن يُؤذَّنُ بالصلاةِ يومَ الفِطْرِ، وإنَّما الخُطْبةُ بعدَ الصلاةِ. ٩٦٠- وأخبرني عطاءٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ وعن جابرِ بنِ عبدِ الله قالا: لم يكن يُؤْذَّنُ يومَ الفِطْرِ ولا یومَ الأضخَی. ٩٦١- وعن جابرٍ بنِ عبدِ الله، قال: سمعتُه يقول: إنَّ النبيَّ ◌َِّ قامَ فبَدَأَ بالصلاةِ، ثمَّ خَطَبَ النَّاسَ بعدُ، فلمَّا فَرَغَ نِبِيُّ الله ◌ََّ نَزَلَ فأتى النساءَ فَذَكَّرَهنَّ وهو يَتَوَكَّأُ على يدِ بلاٍ، وبلالٌ باسطٌ ثوبَه يُلْقي فيه النِّساءُ صدقةً. قلتُ لعطاءٍ: أترى حقّاً على الإمام الآنَ أن يأتيَ النِّساءَ فيُذكِّرَهنَّ حينَ يَفرُغُ؟ قال: إنَّ ذلك لحُّ عليهم، وما لهم أن لا يَفعَلُوا! ٢٩ باب ٧ / ح ٩٥٧ - ٩٦١ كتاب العيدين قوله: ((بابُ المشي والُّكوبِ إلى العيد، والصلاةِ قبلَ الخُطْبة بغير أذانٍ ولا إقامةٍ)» في هذه الترجمة ثلاثةُ أحكام: صفةُ التوجُّه، وتأخيرُ الخُطْبة عن الصلاة، وتركُ النِّداء فيها: فأمَّا الأوَّلُ، فقد اعتَرَضَ عليه ابن التِّين، فقال: ليس فيما ذكره من الأحاديث ما يدلُّ على مشي ولا ركوب. وأجاب الزّينُ بن المنيِر بأنَّ عَدَمَ ذلك مُشعِرٌ بتسويغ كلٍّ منهما وأن لا مَزِيَّةَ لأحدهما على الآخر، ولعلَّه أشار بذلك إلى تضعيف ما وَرَدَ في النَّبِ إلى المشي، ففي التِّرمِذيِّ (٥٣٠) عن عليٍّ قال: من السُّنَّة أن يَخْرُجَ إلى العيد ماشياً، وفي ابن ماجَهْ (١٢٩٤) عن سعدِ القَرَظِ: أنَّ النبيَّ نَّهِ كان يأتي العيدَ ماشياً، وفيه (١٢٩٧) عن أبي رافعٍ نحوُه، وأسانيدُ الثلاثة ضِعافٌ. وقال الشافعيُّ في ((الأُمّ) (٢٦٧/١): بَلَغَنا عن الزُّهْرِيّ قال: ما رَكِبَ رسول الله وَّه في عيدٍ ولا جنازةٍ قَطُّ. ويحتملُ أن يكون البخاريُّ اسْتَنَبَطَ من قوله في حديث جابر: ((وهو يَتَوَّأُ على يد بلال)) مشروعيَّةَ الرُّكوبِ لمن احتاجَ إليه، وكأنَّه يقول: الأَولى المشيُ حتَّى يحتاجَ إلى الرُّكوب، كما خَطَبَ النبيُّ ◌َّهِ قائماً على رِجلَيه فلمَّا تَعِبَ من الوقوف تَوَّأ على بلال، والجامعُ بين الرُّكوب والتَّوكُؤْ الارتفاقُ بكُلِّ منهما، أشار إلى ذلك ابن المُرابِط. وأمَّا الحكم الثاني، فظاهرٌ من أحاديث الباب، وسيأتي الكلامُ عليه في الباب الذي بعده. واختُلِفَ في أوَّل مَن غَيَّر ذلك، فروايةُ طارق بن شهابٍ عن أبي سعيدٍ عند مسلم (٤٩) صريحةٌ في أنَّه مروانُ، کما تقدَّم في الباب قبله، وقيل: بل سبقه إلى ذلك عثمانُ، وروى ابن المنذر (٢٧٢/٤ -٢٧٣) بإسنادٍ صحيح إلى الحسن البصريِّ/ قال: أوَّلُ مَن خَطَبَ قبل ٤٥٢/٢ الصلاة عثمانُ، صلَّى بالناس ثمَّ خَطَبَهم - يعني: على العادة - فرأى ناساً لم يُدرِكوا الصلاة، ففعلَ ذلك؛ أي: صار يَخْطُبُ قبل الصلاة. وهذه العِلَّةُ غيرُ التي اعتَلَّ بها مروان، لأنَّ عثمانَ رأى مصلحةَ الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأمَّا مروانُ فراعَى مَصلَحتَهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنَهم كانوا في زمن مروانَ يَتعمَّدون تَرْكَ سماع خُطبَتِه لما فيها ٣٠ باب ٧ / ح ٩٥٧ - ٩٦١ فتح الباري بشرح البخاري من سَبِّ مَن لا يَستَحِقُّ السَّبّ، والإفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنَّما راعى مصلحةَ نفسه، ويحتملُ أن يكون عثمانُ فعل ذلك أحياناً، بخلاف مروانَ فواظَبَ عليه، فلذلك نُسِبَ إلیه. وقد رُوِيَ عن عمر مِثلُ فعل عثمان، قال عياضٌ ومَن نَبِعَه: لا يَصِحُّ عنه، وفيما قالوه نظر، لأنَّ عبد الرزاق وابن أبي شَيْبة روياه جميعاً عن ابن عُيَينة (١)، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ، عن يوسفَ بن عبد الله بن سَلَام، وهذا إسنادٌ صحيح، لكن يعارضُه حديثُ ابن عبَّاسِ المذكورُ في الباب الذي بعده، وكذا حديثُ ابن عمر، فإن جُمِعَ بوقوع ذلك منه نادراً وإلَّا فما في ((الصحيحين)) أصحُ، وقد أخرج الشافعيُّ (٢٦٩/١) عن عبد الله بن يزيد نحوَ حديث ابن عبّاسٍ وزاد: ((حتَّى قَدِمَ معاويةُ فقَدَّمَ الخطبةَ)) فهذا يشيرُ إلى أنَّ مروانَ إِنَّما فعل ذلك تَبَعاً لمعاويةَ؛ لأنَّه كان أمير المدينة من جهته، وروی عبد الرزاق (٥٦٤٦) عن ابن جُرَيج عن الزُّهْرِيِّ قال: أوَّلُ مَن أحدَثَ الخطبةَ قبل الصلاة في العيد معاوية، وروى ابن المنذر عن ابن سيرين: أنَّ أوَّلَ مَن فعل ذلك زيادٌ بالبصرة. قال عياضٌ: ولا مخالَفة بين هذينِ الأثرَينِ وأثرٍ مروان، لأنَّ كلَّا من مروانَ وزيادٍ كان عاملاً لمعاوية، فيُحمَلُ على أنَّه ابْتَدَأ ذلك وتَبِعَه عُمَالُه، والله أعلم. وأمَّا الحكم الثالثُ، فليس في أحاديث الباب ما يدلُّ عليه إلَّ حديث ابن عبّاسٍ في تركِ الأذان، وكذا أحدُ طريقي جابر، وقد وجَّهَه بعضُهم بأنَّه يُؤْخَذُ من كَوْن الصلاة قبل الخطبة بخلاف الجمعة فتخالفُها أيضاً في الأذان والإقامة، ولا يخفى بُعدُه، والذي يَظهَرُ أنَّه أشار إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الأحاديث التي ذكرها، أمَّا حديثُ ابن عمر ففي رواية النَّسائيِّ (ك١٧٧٥): خرج رسول الله وَّ في يوم عيدٍ فصلَّى بغير أذانٍ ولا إقامة ... الحديث(٢)، وأمَّا حديثُ ابن عبّاسٍ وجابر ففي رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاءٍ (١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فعبد الرزاق إنما أخرجه في «مصنفه)) (٥٦٤٤) عن ابن جريج، وابن أبي شيبة أخرجه في ((مصنفه)) ٢/ ١٧١ عن عبدة بن سليمان، كلاهما عن يحيى بن سعيد. (٢) وهو في ((مسند أحمد)) برقم (٥٨٧١). ز ٣١ باب ٧ / ح ٩٥٧ -٩٦١ كتاب العيدين عن جابر عند مسلم (٤/٨٨٥): فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذانٍ ولا إقامة، وعنده (٥/٨٨٦) من طريق عبد الرزاق عن ابن جُرَيج عن عطاء عن جابر قال: لا أذانَ للصلاة يوم العيد ولا إقامةَ ولا شيء، وفي رواية يحيى القَطّان عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ: أنَّ ابن عبَّاسٍ قال لابن الزُّبَيرِ: لا تُؤْذِّن لها ولا تُقِم، أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٦٩/٢) عنه، ولأبي داود (١١٤٧) من طريق طاووسٍ عن ابن عبّاسٍ: أنَّ رسول الله وَّهِ صلَّى العيدَ بلا أذانٍ ولا إقامة، إسنادُه صحيح، وفي الباب عن جابر بن سَمُرةَ عند مسلم (٨٨٧)، وعن سعد ابن أبي وَقَّاصٍ عند البَزَّار (١١١٦)، وعن البَرَاء عند الطَّبرانيّ في ((الأوسط)) (١٢٩٥). وقال مالكٌ في ((الموطَّأ)) (١/ ١٧٧): سمعتُ غيرَ واحدٍ من علمائنا يقول: لم يكن في الفِطْر ولا في الأضحى نداءٌ ولا إقامةٌ منذُ زمن رسول الله وَّه إلى اليوم، وتلك السُّنةُ التي لا اختلافَ فيها عندنا. وعُرِفَ بهذا توجيه أحاديث الباب ومُطابَقَتُها للترجمة. واستُدلَّ بقول جابر: ((ولا إقامةَ ولا شيء)) على أنَّه لا يقال أمامَ صلاتها شيءٌ من الكلام، لكن روى الشافعيُّ (٢٦٩/١) عن الثِّقة عن الزُّهْريِّ قال: كان رسول اللهِ وَلهم يأمرُ المؤذِّنَ في العيدين أن يقول: الصلاةَ جامعةً، وهذا مُرسَلٌ يَعضُدُه القياسُ على صلاة الكسوف لنُبوتِ ذلك فيها كما سيأتي (١٠٤٥)، قال الشافعيُّ: أُحِبُّ أن يقول: الصلاةَ، أو الصلاةَ جامعة، فإن قال: هَلُمّوا إلى الصلاة، لم أكرهه، فإن قال: حيَّ على الصلاة أو غيرَها من ألفاظِ الأذان(١)، / گَرِهتُ له ذلك. ٤٥٣/٢ واختُلِفَ في أوَّل مَن أحدَثَ الأذانَ فيها أيضاً، فروى ابن أبي شَيْبة (١٦٩/٢) بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن المسيّب أنَّه معاوية، وروى الشافعيُّ عن الثِّقة عن الزُّهْرِيِّ مِثلَه وزاد: فأخذَ به الحجّاجُ حين أُمِّرَ على المدينة، وروى ابن المنذر عن حُصَين بن عبد الرحمن قال: أوَّلُ مَن أحدَثَه زيادٌ بالبصرة، وقال الدَّاووديُّ: أوَّلُ مَن أحدَثَه مروان. وكلُّ هذا لا يُنافي أنَّ معاويةَ أحدَثَه كما تقدَّم في البِداءة بالخطبة، وقال ابن حبيبٍ: أوَّلُ مَن أحدثَه (١) جاء بعده في (س): ((أو غيرها))، وهي زيادة لا معنى لها. ٣٢ باب ٨ / ح ٩٦٢-٩٦٥ فتح الباري بشرح البخاري هشامٌ. وروى ابن المنذر عن أبي قلابةَ قال: أوَّلُ مَن أحدَثَه عبدُ الله بن الزُّبَير. وقد وقع في حديث الباب أنَّ ابن عبّاسٍ أخبره أنَّه لم يكن يُؤذَّنُ لها، لكن في رواية يحيى القَطّان: أنَّه لمَّا ساءَ ما بينهما أذَّنَ - يعني: ابن الزُّبَير - وأقامَ (١). وقوله: ((يُؤذَّنُ) بفتح الذّال على البناء للمجهول والضَّميرُ ضميرُ الشَّأن، وهشامٌ المذكورُ في الإسناد الثاني: هو ابن يوسفَ الصَّنعانيّ. قوله: ((قال: وأخبرني عطاءٌ)) القائل: هو ابن جُرَيج في الموضعَينِ، وهو معطوفٌ على الإسناد المذكور، وكذا قوله: ((وعن جابر بن عبد الله)) معطوفٌ أيضاً. والمراد بقوله: (لم يكن يُؤذّنُ)) أي: في زمن النبيِّ وَّه وهو مَصِيرٌ من البخاريِّ إلى أنَّ لهذه الصِّيغةَ حكمَ الرَّفْع. قوله: ((أوَّلُ ما بُويعَ له)) أي: لابن الزُّبَير بالخلافة، وكان ذلك في سنة أربع وستّينَ عَقِبَ موتٍ یزید بن معاوية. وقوله: ((وإنَّما الخطبةُ بعد الصلاة)) كذا للأكثر وهو الصوابُ، وفي رواية المُستَمْلي: ((وأمَّا)»، بدلَ: وإنَّما، وهو تصحيفٌ. وسيأتي الكلامُ على بقيّة فوائد حديث جابر بعد عشرة أبواب (٩٧٨) إن شاء الله تعالى. ٨- باب الخطبة بعد العيد ٩٦٢- حذَّثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيجِ، قال: أخبرني الحسنُ بنُ مسلمٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: شَهِدتُ العيدَ مع رسول الله وَّلِ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ رضي الله عنهم، فكلُّهم كانوا يُصلُّونَ قبلَ الخُطْبةِ. ٩٦٣ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا عُبيد الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: كان رسول الله ◌َّ وأبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما يُصلُّونَ العيدينِ قبلَ الخُطْبة. (١) عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٦٩/٢. ٣٣ باب ٨/ ح ٩٦٢ -٩٦٥ كتاب العيدين ٩٦٤- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٌّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ مُجُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسِ: أنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى يومَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لم يُصلِّ قبلَها ولا بعدَها، ثمَّ أَتَى النِّساءَ ومعه بلالٌ فأمَرَهُنَّ بِالصَّدَقةِ، فجَعَلْنَ بُلْقِينَ تُلْقي المرأةُ خُرْصَها وسِخابها. ٩٦٥ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا زُبِيدٌ، قال: سمعتُ الشَّعْبي، عن البَرَاءِ ابنِ عازبٍ قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((إِنَّ أَوَّلَ ما نَبْدَأُ في يومِنا هذا أن نُصلِّ، ثمَّ نَرجِعَ فَنْحَرَ، فمَن فَعَلَ ذلك، فقد أصابَ سُنَّتَنا، ومَن نَحَرَ قبلَ الصلاةِ، فإنّما هو لحمٌّ قَدَّمَه لأهلِه ليس مِن النُّسُكِ في شيءٍ)) فقال رجلٌ مِن الأنصار يقال له: أبو بُرْدةَ بنُ نیارٍ: يا رسول الله، ذَبَحْتُ وعندي جَذَعةٌ خيرٌ من مُسِنّةٍ، فقال: ((اجعَلْه مكانه، ولن تُوفِيَ - أو تَجِزِيّ - عن أحدٍ بَعدَكَ)). قوله: ((باب الخطبة بعدَ العيد)) أي: بعد صلاة العيد، وهذا ممَّا يُرجِّحُ روايةَ الذين ٤٥٤/٢ أسقَطُوا قوله: ((والصلاة قبل الخطبة)) من الترجمة التي قبل هذه وهم الأكثرُ، وقال ابن رُشَيد: أعاد هذه الترجمةَ؛ لأنَّه أراد أن يُخُصَّ هذا الحكمَ بترجمةٍ اعتناءً به، لكَوْنه وقع في التي قبلها بطريق التُّبع. انتهى. وحديثُ ابن عبّاسٍ صريحٌ فيما تَرجَمَ له، وسيأتي في أواخر العيدين (٩٧٩) أتمَّ مَّاً هنا، وحديثُ ابن عمر أيضاً صريحٌ فيه. أمَّا حديثُ ابن عبّاسٍ فمن جهة أنَّ أمرَه للنِّساء بالصَّدَقة كان من تَتِمَّة الخطبة كما يُرِشِدُ إلى ذلك حديثُ جابر الذي في الباب قبلَه، ويحتملُ أن يكون ذكره لتعلُّقِه بصلاة العيدين في الجملة، فهو كالَّتِمَّة للفائدة. وقوله فيه: ((خُرْصُها)) بضمِّ المعجَمة وحُكيَ كسرُها وسكون الرَّاء بعدها صادٌ مُهمَلة: هو الحلقةُ من الذَّهب أو الفِضَّة، وقيل: هو القُرْطُ إذا كان بحَبَّةٍ واحدة. وقوله: ((وسِخابُها)) بكسر المهمَلة ثمَّ مُعجَمةٍ ثمَّ مُوخَّدةٍ: هو قِلادةٌ من عَنبَرٍ أو قَرَنفُلِ أو غيره ولا يكون فيه خَرَز، وقيل: هو خيطٌ فيه خَرَز، وسُمِّيَ سِخاباً لصوت خَرَزِه عند الحركة، مأخوذٌ من السَّخَب: وهو اختلاطُ الأصوات، يقال بالصَّاد والسِّين. وسيأتي ٣٤ باب ٨ / ح ٩٦٢-٩٦٥ فتح الباري بشرح البخاري الكلامُ على بقيَّة فوائده عند الكلام على حديث جابر بعد عشرة أبواب (٩٧٨)، ويأتي الكلامُ على التنقّل يومَ العيد بعد ذلك بستَّة أبواب (٩٨٩). وأمَّا حديثُ البَراء فظاهرُه يخالفُ الترجمة، لأنَّ قوله: ((أوَّل ما نبدأُ به في يومِنا هذا أن نُصلِّيَ ثمَّ نَرجِعَ فنَنحَر)) مُشعِرٌ بأنَّ هذا الكلامَ وقع قبل إيقاع الصلاة، فيستلزمُ تقديمَ الخطبة على الصلاة بناءً على أنَّ هذا الكلامَ من الخطبة، ولأنَّه عَقَّبَ الصلاة بالنَّحر، والجوابُ: أنَّ المراد أنَّه ◌َله صلَّى العيدَ ثمَّ خَطَبَ فقال هذا الكلام، وأراد بقوله: ((إنَّ أوَّلَ ما نبدأُ به)) أي: في يوم العيد تقديمَ الصلاة في أيِّ عيدٍ كان، والتَّعقيبُ بثمَّ لا يستلزمُ عَدَمَ تخلُّل أمرٍ آخرَ بين الأمرين. قال ابن بَطَّالٍ: غَلِطَ النَّسائيُّ فَتَرجَمَ بحديث البراء فقال: ((بابُ الخطبة قبل الصلاة))(١) قال: وَخَفِيَ عليه أنَّ العرب قد تضعُ الفعلَ المستقبِلَ مكان الماضي، فكأنَّه قال عليه الصلاة والسلام: أوَّلُ ما يكون به الابتداءُ في هذا اليوم الصلاةُ التي قَدَّمْنا فعلَها. قال: وهو مِثلُ قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلََّ أَنْ يُؤْمِنُواْ ﴾ [البروج: ٨] أي: الإيمانَ المتقدِّمَ منهم. انتهى. والمعتمَدُ في صِحَّة ما تأوَّلناه روايةُ محمد بن طَلْحَةَ عن زُبَيدِ الآتيةُ بعد ثمانية أبواب (٩٧٦) في هذا الحديث بعَينِه بلفظ: خرج النبيُّ ◌َّهِ يومَ أضحَى إلى البقيع فصلَّى ركعتين، ثُمَّ أقبلَ علينا بوجهِه وقال: إنَّ أوَّلَ نُسُكِنا في يومنا هذا أن نبدأَ بالصلاة ثمَّ نَرجِعَ فَنَنَحَر ... الحديث، فتَبيَّنَ أنَّ ذلك الكلام وقع منه بعد الصلاة. وقال الكِرْمانيُّ: المستفادُ من حديث البراء أنَّ الخطبةَ مُقدَّمةٌ على الصلاة، ثمَّ قال في موضعٍ آخرَ: فإن قلتَ: فما دلالتُه على الترجمة؟ قلتُ: لو قَدَّمَ الخطبةَ على الصلاة لم تكن الصلاةُ أوَّلَ ما بُدِىَ به، ولا يلزمُ من كَوْن هذا الكلام وقع قبل الصلاة أن تكون الخطبةُ وَقَعَت قبلها. انتهى، وحاصلُه أنَّه يجعلَ الكلامَ المذكور سابقاً على الصلاة، ويَمنَعُ كَونَه من الخطبة، لكن قد بَيَّنَت روايةُ محمد بن طلحةَ عن زُبَيدِ المذكورةُ أنَّ الصلاة لم يتقدَّمها (١) عند النسائي في ((الكبرى)) (١٧٧٦). ٣٥ باب ٩/ ح ٩٦٦-٩٦٧ كتاب العيدين شيء، لأنَّه عَقَّبَ الخروجَ إليها بالفاء، وصَرَّحَ منصورٌ في روايته عن الشَّعْبِيِّ في هذا الحديث بأنَّ الكلام المذكور وقع في الخطبة، ولفظُه: عن البراء بن عازبٍ قال: خَطَبَنا النبيُّ وَل* يوم الأضحى بعد الصلاة فقال ... فذكر الحديث، وقد تقدَّم قبل بابین (٩٥٥)، ويأتي أيضاً في أواخر العيد (٩٨٣)، فيَتَعيَّنُ التأويلُ الذي قَدَّمناه، والله أعلم. ٩ - باب ما يكره من حمل السّلاح في العيد والحرم وقال الحسنُ: ◌ُهُوا أن يَحمِلُوا السِّلاحَ يومَ عيدٍ، إلا أن يَخافُوا عَدُوّاً. ٩٦٦- حدَّثنا زكريًّا بنُ يحيى أبو السُّكَين، قال: حدّثنا المُحارِبُّ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ ٤٥٥/٢ سُوقَة، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ قال: كنتُ مع ابنِ عمرَ حينَ أصابه سِنانُ الرُّمْحِ فِي أَخمَصِ قَدَمِه، فَلَزِقَتِ قَدَمُه بالرِّكاب فنزلتُ فَزَعتُها وذلك بمِنَّى، فَبَلَغَ الحَجّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُه، فقال الحجّاجُ: لو نَعلَمُ مَن أصابَكَ، فقال ابنُ عمرَ: أنتَ أَصَبْتَني، قال: وكيفَ؟ قال: حَمَلْتَ السِّلاحَ في يومٍ لم يكن يُحمَلُ فيه، وأدخَلْتَ السِّلاحَ الحَرَمَ ولم يكنِ السِّلاحُ يُدخَلُ الحَرَمَ. [طرفه في: ٩٦٧] ٩٦٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ يعقوبَ، قال: حدَّثني إسحاقُ بنُ سعيدِ بنِ عَمْرِو بنِ سعيدِ بنِ العاص، عن أبيه قال: دخلَ الحَجَّاجُ على ابنِ عمرَ وأنا عندَه، فقال: كيفَ هو؟ فقال: صالحٌ، فقال: مَن أصابَكَ؟ قال: أصابَنِي مَن أمُرَ بحَمْل السِّلاح في يومٍ لا يَحِلَّ فيه ◌َمْلُه؛ يعني: الحجّاجَ. قوله: ((باب ما يُكرَه من حمل السِّلاح في العيد والحرم)» هذه الترجمةُ تخالفُ في الظاهر الترجمةَ المتقدِّمةَ وهي ((بابُ الحِرَاب والدَّرَق يومَ العيد)) لأنَّ تلك دائرةٌ بين الإباحة والنَّدبِ على ما دَلَّ عليه حديثُها، وهذه دائرةٌ بين الكراهة والتَّحريم لقول ابن عمرَ: ((في يوم لا يَحِلُّ فيه حملُ السلاح))، ويُجمَعُ بينهما بحمْل الحالة الأولى على وقوعِها ممَّن حملها بالدُّربة، وعُهِدَت منه السلامةُ من إيذاء أحدٍ من الناس بها، وحمل الحالة الثانية على وقوعِها مَمَّن حملها بَطَراً وأشَراً، أو لم يتحقَّظ حالَ حملِها وتجريدها من إصابتها أحداً من ٣٦ باب ٩ / ح ٩٦٦-٩٦٧ فتح الباري بشرح البخاري الناس، ولا سيّما عند المُزاخَمة وفي المسالكِ الضَّيِّقة. قوله: ((وقال الحسن)) أي: البصريُّ ((ثُهُوا أن يَحمِلُوا السِّلاحَ يومَ عيدٍ إلَّا أن يَخافُوا عَدُوّاً)) لم أقف عليه موصولاً، إلّا أنَّ ابن المنذر قد ذكر نحوَه عن الحسن، وفيه تقييدٌ لإطلاق قول ابن عمر: إنَّه لا يَحِلُّ، وقد وَرَدَ مِثْلُه مرفوعاً مُقيَّداً وغيرَ مُقيَّد، فروى عبدُ الرزاق (٥٦٦٨) بإسنادٍ مُرسَلٍ قال: نَهَى رسول الله وََّ أن يُخْرَجَ بالسلاحِ يومَ العيد، وروى ابن ماجَهْ (١٣١٤) بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َهِ نَهَى أن يُلبَسَ السلامحُ في بلاد الإسلام في العيدين، إلّا أن يكونوا بحَضْرة العدوّ، وهذا كلُّه في العيد، وأمَّا في الحَرَم فروى مسلم (١٣٥٦) من طريق مَعقِل بن عبيد الله، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: نهى رسولُ الله وَّ أَن يُحِمَلَ السلاحُ بمَّة. قوله: ((أبو السُّكَين)) بالمهمَلة والكاف مُصغَّراً، والمُحاربيُّ: هو عبدُ الرحمن بن محمدٍ لا ابنُه عبدُ الرحيم، ومحمد بن سُوقَةَ - بضمٌّ السِّين المهمَلة وبالقاف - تابعيُّ صغيرٌ من أجِلّاء الناس. قوله: ((أخَصِ قَدَمِه)) الأخْمَصُ بإسكان الخاء المعجمة وفتح الميم بعدها مُهمَلةٌ: باطنُ القَدَم وما رَقَّ من أسفَلِها، وقيل: هو خَصْرُ باطنِها الذي لا يصيبُ الأرضَ عند المشي. قوله: «بالژ کاب» أي: وهي في راحلته. قوله: ((فَتَزَعْتها)) ذكر الضَّميرَ مؤنَّئاً مع أنَّه أعاده على السِّنان وهو مُذكَّر، لأنَّه أراد الحديدة، ويحتملُ أنَّه أراد القَدَم. قوله: ((فَبَلَغَ الحجّاجَ)) أي: ابن يوسفَ الثَّقَفيَّ، وكان إذ ذاكَ أميراً على الحجاز، وذلك بعد قتل عبد الله بن الزُّبَير. قوله: ((فَجَعَلَ يَعُودُه)» في رواية المُستَمْلي: فجاء، ويؤيِّده روايةُ الإسماعيليِّ؛ فأتاه. قوله: ((لو نَعلَمُ مَن أصابَك)» في رواية أبي ذرِّ عن الحَقُّوِيِّ والمُستَمْلي: ((ما أصابَك)» وحَذَفَ الجوابَ لدلالة السياق عليه، أو هي للتمنِّي فلا محذوفَ، ويُرجِّحُ الأوَّلَ أنَّ ابن ٣٧ باب ٩ / ح ٩٦٦ -٩٦٧ كتاب العيدين سعدٍ (٤ / ١٨٦) أخرجه عن أبي نُعَيم عن إسحاق بن سعيدٍ، فقال فيه: لو نَعلَمُ مَن أصابَك عاقَبْناه، وهو يُرجِّحُ روايةَ / الأكثر أيضاً، وله (٤/ ١٨٥) من وجهٍ آخرَ قال: لو أعلمُ الذي ٤٥٦/٢ أصابَك لَضَرَبتُ عُنُقَه. قوله: ((أنتَ أصَبْتني)) فيه نسبةُ الفعل إلى الآمِر بشيءٍ يتسبَّبُ منه ذلك الفعلُ وإن لم يَعْنِ الآمرَ ذلك، لكن حكى الزُّبَيرُ في ((الأنساب)): أنَّ عبد الملك لمَّا كَتَبَ إلى الحجّاج أن لا يخالفَ ابنَ عمر، شَقَّ عليه فأمر رجلاً معه حَرْبة، يقال: إنَّها كانت مسمومةً، فَلَصِقَ ذلك الرجلُ به فأمَرَّ الحربةَ على قَدَمِه، فمَرِضَ منها أياماً ثمَّ مات، وذلك في سنة أربعٍ وسبعينَ، فعلى هذا ففيه نسبةُ الفعل إلى الآمر به فقط، وهو كثيرٌ. وفي هذه القصَّة تعقُّبٌ على المهلَّبِ حيثُ استدلَّ به على سَدِّ الذَّرائع، لأنَّ ذلك مبنيٌّ على أنَّ الحجّاجَ لم يَقصِد ذلك. قوله: ((حَملتَ السِّلاحَ)) أي: فَتَبِعَك أصحابُك في حملِه، أو المراد بقوله: حملتَ، أي: أمرتَ بحمله. قوله: ((في يومٍ لم يكن يُحمَلُ فيه)» هذا موضعُ الترجمة، وهو مَصِيرٌ من البخاريِّ إلى أنَّ قولَ الصحابيّ: كان يُفْعَلُ كذا، على البناء لمَا لم يُسمَّ فاعلُه، يُحكَمُ برفعِه. قوله: ((أصابَنِي مَن أُمَرَ) هذا فيه تعريضٌ بالحجّاج، وروايةٌ سعيد بن جُبَيرِ التي قبلها مُصرِّحةٌ بأنَّه الذي فعل ذلك، وُجُمَعُ بينهما بتعدُّدِ الواقعة أو السُّؤال، فلعلَّه عَرَّضَ به أوَّلاً، فلمَّا أعاد علیه السُّؤالَ صَرَّح. وقد روى ابن سعدٍ (١٨٥/٤-١٨٦) من وجهٍ آخرَ رجالُه لا بأسَ بهم: أنَّ الحجّاجَ دخل على ابن عمر يَعُودُه لمَّا أُصيبَت رِجُه، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، هل تدري مَن أصاب رِجَلَك؟ قال: لا، قال: أما والله لو عَلِمتَ مَن أصابَك لَقَتَلتُه. قال: فأطرَقَ ابن عمر فجعلَ لا يُكلِّمُه ولا يَلتَفِتُ إليه، فوَنَبَ كالمُغضَب. وهذا محمولٌ على أمرٍ ثالثٍ كأنَّه عَرَّضَ به، ثمَّ عاوَدَه فصََّح، ثمَّ عاوَدَه فأعرَضَ عنه. قوله: ((يعني الحجّاجَ)) بالنصب على المفعولِيَّة وفاعلُه القائلُ، وهو ابن عمر، زاد الإسماعيليُّ في هذه الطريق: ((قال: لو عَرَفناه لَعاقَبْناه)» قال: وذلك لأنَّ الناسَ نَفَروا عَشِيَّةً ٣٨ باب ١٠ / ح ٩٦٨ فتح الباري بشرح البخاري ورجلٌ من أصحاب الحجّاج عارضٌ حَرْبتَه، فضَرَبَ ظَهْرَ قدم ابن عمر، فأصبَحَ وَهِناً منها حتَّى ماتَ. تنبيه: وقع في ((الأطراف)» للمِزِّيِّ في ترجمة سعيد بن جُبَيرٍ عن ابن عمر في هذا الحديث: البخاريُّ عن أحمد بن يعقوب عن إسحاق بن سعيد، وعن أبي السُّكَين عن المُحارِبِّ، كلاهما عن محمد بن سُوقَةَ عنه به. ووَهِمَ في ذلك، فإنَّ إسحاق بن سعيدٍ إنما رواه عن أبيه عن ابن عمر لا عن محمد بن سوقةً، وقد ذكره هو بعد ذلك في ترجمة سعيدٍ عن ابن عمر على الصواب. ١٠ - باب التبکیر إلى العید وقال عبدُ الله بنُ بُسٍْ: إن كنّا فَرَغْنا في هذه السَّاعةِ وذلك حينَ التَّسِح. ٩٦٨ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، عن زُبَيْدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن البَرَاءِ قال: خَطَّبَنَا النبيُّ ◌َّهِ يومَ النَّحْرِ قال: ((إنَّ أوَّلَ ما نَبْدَأُ به في يومِنا هذا أن نُصلِّيَ، ثمَّ نَرجِعَ فَنْحَرَ، فمَن فَعَلَ ذلك فقد أصابَ سُنََّنا، ومَن ذَبَحَ قبلَ أن يُصلِّ، فإنَّما هو لحمٌّ عَجَّلَه لأهلِه، ليس مِن النُّسُكِ في شيءٍ)) فقامَ خالي أبو بُرْدةَ بنُ نيارٍ فقال: يا رسول الله، إني ذبحتُ قبلَ أن أُصلَِّّ، وعندي جَذَعةٌ خيرٌ من مُسِنَّةٍ، قال: ((اجعَلْها مكانَها - أو قال: اذبَحْها - ولن تَجِزِيَ جَذَعةٌ عن أحدٍ بعدَكَ)). قوله: ((بابُ التَّبكير للعيد)) كذا للأكثر بتقديم الموحّدة من البُكور، وعلى ذلك جَرَی شارحوه ومَن استَخَرَجَ عليه. ووقع للمُستَمْلي: التكبير، بتقديم الكاف وهو تحريفٌ. قوله: ((وقال عبدُ الله بنُ بُشْرٍ)) يعني: المازنيَّ الصحابيَّ ابن الصحابي، وأبوه بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة. ٤٥٧/٢ قوله: ((إنْ كَّا فَرَغْنا في هذه الساعة)) ((إن)) هي المخفَّفةُ من الثقيلة،/ وهذا التَّعليقُ وَصَلَه أحمد(١) وصَرَّحَ برفعِه وسياقه، ثمَّ أخرجه من طريق يزيد بن حُخَيرٍ - وهو بالمعجَمة مُصغَّرٌ - (١) وأخرجه من طريقه الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣٧٥/٢-٣٧٦، وذكره في «أطراف المسند)) (٣٠٧٥)، = ٣٩ باب ١١ / ح ٩٦٩ كتاب العيدين قال: خرج عبدُ الله بن بُسرٍ صاحبُ النبيِّ وَ ﴿ مع الناس يومَ عيدٍ فِطرِ أو أضحَى، فأنكَرَ إبطاءَ الإمام وقال: إن كنَّا مع النبيِّ وَّهِ وقد فَرَغْنا ساعتَنا هذه، وكذا رواه أبو داود (١١٣٥) عن أحمد، والحاكم (١/ ٤٣٤) من طريق أحمد أيضاً وصحَّحه. قوله: ((وذلك حين التَّسْبيح)) أي: وقتَ صلاة السُّبحة وهي النافلةُ، وذلك إذا مضى وقتُ الكراهة. وفي روايةٍ صحيحةٍ للطَّرانيِّ: وذلك حين تسبيح الضُّحَى، قال ابن بَطَّالٍ: أجمع الفقهاءُ على أنَّ العيدَ لا تُصلَّى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعِها، وإنَّما تجوزُ عند جواز النافلة. ويُعكِّرُ عليه إطلاقُ مَن أطلقَ أنَّ أوَّلَ وقتها عند طلوع الشمس، واختلفوا هل يَمْتَدُّ وقتُها إلى الزَّوال أو لا، واستدلَّ ابن بَطَّالٍ على المنع بحديث عبد الله بن بُسرٍ هذا، وليس دلالته على ذلك بظاهرة. ثَّ أورَدَ المصنِّفُ حديثَ البَرَاءِ: ((إنَّ أوَّلَ ما نبدأُ به في يومِنا هذا أن نُصلِّ)) وهو دالّ على أنَّه لا ينبغي الاشتغالُ في يوم العيد بشيءٍ غيرِ التَّاهُّب للصلاة والخروج إليها، ومن لازمِه أن لا يُفْعَلَ قبلها شيءٌ غيرُها، فاقتَضَى ذلك التَّبكيرَ إليها. ١١ - باب فضل العمل في أيام التَّشريق وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿وَيَذْكُرُوْ اُسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]: أيامُ العَشْرِ، والأيامُ المعدُوداتُ: أيامُ التَّشْرِيقِ. وكان ابنُ عمَرَ وأبو هريرةَ يَخْرُجان إلى السُّوق في أيام العَشْرِ يُكبِّان، ويُكبِّ النَّاسُ بتکبیر هما. وكَبَّرَ محمَّدُ بنُ عليٍّ خلفَ النَّافِلةِ. ٩٦٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَة، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، عن مسلمِ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جُّبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَلِّ أَنَّه قال: «ما العملُ في أيامٍ أفضَلَ منها في هذه)) = ولم نقف عليه في نسخ («المسند» التي بين أيدينا! ٤٠ باب ١١ / ح ٩٦٩ فتح الباري بشرح البخاري قالوا: ولا الجهادُ؟ قال: ((ولا الجهادُ، إلا رجلٌ خرج يُخاطرُ بنفسِه ومالِه فلم يَرجِعْ بشيءٍ)». قوله: ((بابُ فضل العمل في أيام التَّشريق)) مُقتَضى كلام أهل اللُّغة والفقه أنَّ أيامَ التَّشريق ما بعد يوم النَّحر، على اختلافهم هل هي ثلاثةٌ أو يومان، لكن ما ذكروه من سبب تسميتها بذلك يقتضي دخولَ يوم العيد فيها، وقد حكى أبو عُبيدٍ أنَّ فيه قولين: أحدهما: لأنَّهم كانوا يُشرِّقون فيها لحومَ الأضاحي، أي: يُقدِّدونها ويُيِزونها للشمس. ثانيهما: لأنَّها كلَّها أيامُ تشريقٍ لصلاة يوم النَّحرِ فصارت تَبَعاً ليوم النَّحر، قال: وهذا أعجَبُ القولين إليَّ. وأظنُّه أراد ما حَكَاه غيرُه أنَّ أيامَ التَّشريقِ سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ صلاة العيد إنَّما تُصلَّى بعد أن تُشِرِقَ الشمس، وعن ابن الأعرابيِّ قال: سُمِّيَت بذلك، لأنَّ الهدايا والضَّحايا لا تُنحَرُ حتَّى تُشِرِقَ الشمسُ. وعن يعقوبَ بن السِّكّيتِ قال: هو من قول أهل الجاهليَّةُ: أَشِقْ شَبِير كيما نُغِير، أي: نَدفَعُ لنَنحَر. انتهى. وأظنُّهم أخرجوا يومَ العيد منها لشُهرَتِهِ بَلَقَبٍ يَخُصُّه وهو يومُ العيد، وإلّا فهي في الحقيقة تبعٌ له في التَّسمية كما تَبيَّنَ من كلامهم، ومن ذلك حديثُ عليٍّ: لا جمعةَ ولا تشرِيقَ إلَّا في مِصرِ جامع، أخرجه أبو عُبيدٍ (١) بإسنادٍ صحيح إليه موقوفاً، ومعناه: لا صلاة جمعة ولا صلاة عيد، قال: وكان أبو حنيفةَ يذهبُ بالتَّشريق في هذا إلى التكبير في دُبُرِ الصلاة يقول: لا تكبيرَ إلَّا على أهل الأمصار. قال: وهذا لم نَجِدْ أحداً يَعرِفُه، ولا وافَقَه عليه صاحباه ولا غيرُهما. انتهى. ومن ذلك حديثُ: ((مَن ذَبَحَ قبل التَّشريق - أي: قبل صلاة العيد - فليُعِدْ)) رواه أبو عُبيدٍ من مُرسَل الشَّعبيِّ، ورجاله ثقات، وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ ٤٥٨/٢ يومَ العيد من أيام / التَّشريق، والله أعلم. قوله: ((وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ﴾)) كذا لأبي ذرِّ عن الكُشمِيهَنِيّ، وفي رواية كَرِيمةَ وابن شَبّويه: وقال ابن عبّاسٍ: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ ﴾ إلى آخره، وللحَمُّوِيِّ والمُستَمْلي: ويَذكُرُوا اللهَ في أيام معدودات، واعتُرِضَ عليه بأنَّ التِّلاوةَ: (١) في ((غريب الحديث)) ٣/ ٤٥٢، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً ٢/ ١٠١.