Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
باب ٣١ / ح ٩٣٠
كتاب الجمعة
هكذا في ((مصنَّفْه)) وأحمد عنه وأبو عَوَانة والدَّارَ قُطنيّ من طريقه(١)، ونقل ابن عَديّ عن
النَّسائيِّ أنَّه قال: هذا خطأ، انتهى.
والذي يظهر لي أنَّه ما عَنَى أنَّ جابراً حمل القصّة عن سُلَيك، وإنَّما معناه أنَّ جابراً حدَّثهم
عن قصَّة سُلَيك، ولهذا نَظِير سأذكره في حديث أبي مسعود في قصَّة أبي شعيب اللَّحّام في
كتاب البيوع (٢٠٨١) إن شاء الله تعالى.
ومن المستغرَبات ما حكاه ابن بَشكُوَال في ((المبهَمات)) أنَّ الدّاخل المذكور يقال له: أبو
هُذْبةَ، فإن كان محفوظاً فلعلَّها كُنیة سُلَیك صادفَت اسم أبيه.
قوله: ((فقال: صلَّيت؟)) كذا للأكثر بحَذْف همزة الاستفهام، وثَبَتَت في رواية الأَصِيلِيّ.
قوله: ((قُمْ فاركَع)) زاد المُستَمْلي والأَصِيليّ: ((ركعتين))، وكذا في رواية سفیان في الباب
الذي بعده: ((فِصَلِّ ركعتين)).
واستدلَّ به على أنَّ الخطبة لا تَمَنَعَ الدَّاخل من صلاة تحيَّة المسجد، وتُعُقِّبَ بأنّها واقعة
عَيْن لا عموم لها فيحتمل اختصاصها بسُلَيك، ويدلّ عليه قولُه في حديث أبي سعيد الذي
أخرجه أصحاب السُّنَن وغيرهم: جاءَ رجل والنبيّ نَّهِ يَخْطُب والرجل في هيئةٍ بَذَّة، فقال
له: ((أصلَّيت؟)) قال: لا، قال: ((صَلِّ ركعتين)) وحَضَّ الناس على الصَّدَقة ... الحديث،
فأمره أن يُصلِّي ليراه بعض الناس وهو قائم فيَتَصَدَّق عليه (٢)، ويؤيِّده أنَّ في هذا الحديث
عند أحمد: أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((إنَّ هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بَذَّة، فأمَرتُه أن يُصلِّي
(١) لم نقف عليه في ((مصنف عبد الرزاق)) من حديث سُليك، وإنما جاء فيه (٥٥١٤) عن معمر والثوري،
عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: جاء رجل يقال له: سليك ... لكن أخرجه أحمد
(١٥١٨٠)، وأبو عوانة في الجمعة كما في («إتحاف المهرة)) (٦٠٤٥)، والدارقطني (١٦١٢) من طريق عبد
الرزاق، كما قال الحافظ. والظاهر أن الحافظ وهم في نسبته إلى ((مصنف عبد الرزاق))، لأنه من رواية
إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، وقد أخرجه عن الدَّبَري ابنُ المنذر في ((الأوسط)) ٩٣/٤، والطبراني في
((الکبیر)) (٦٦٩٧) فجعلاه من حديث جابر، لا من حديث سُلیك.
(٢) أخرجه أحمد (١١١٩٧)، وأبو داود (١٦٧٥)، وابن ماجه (١١١٣)، والترمذي (٥١١)، والنسائي
(١٤٠٨). وهذا اللفظ الذي ساقه الحافظ للنسائي، ورواية الباقين مختصرة.

٦٨٢
باب ٣١ / ح ٩٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
ركعتين وأنا أرجو أن يَفطَن له رجل فيَتَصَدَّق عليه)).
وعُرِفَ بهذه الرواية الردُّ على مَن طَعَنَ في هذا التأويل فقال: لو كان كذلك لقال لهم:
إذا رأيتُم ذا بَذَّة فَتَصَدَّقوا عليه، أو إذا كان أحدٌ ذا بَذَّة فليَقُم فليركع حتَّى يَتَصَدَّق الناس
عليه. والذي يظهر أنَّه وَ له كان يَعتَني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل كما كان يصنع
عند المعاتَبة. ومما يُضعِّف الاستدلالَ به أيضاً على جواز التَّحيَّة في تلك الحال أنَّهم أطلَقوا
أنَّ التحيَّة تَفُوت بالجلوس، ووَرَدَ أيضاً ما يُؤكِّد الخصوصيَّة وهو قولُه وَّهِ لِسُلَيك في آخر
الحديث: ((لا تَعودَنَّ لمثلِ هذا)) أخرجه ابن حِبَّان (٢٥٠٤). انتهى ما اعتَلَّ به مَن طَعَنَ في
الاستدلال بهذه القصّة على جواز التَّحيَّة، وكلُّه مردود، لأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة.
والتَّعليل بكَونِهِ وَلِّ قَصَدَ التصدُّق عليه لا يمنع القول بجواز التَّحيَّة، فإنَّ المانعينَ
منها لا يُجِيزون التطوُّع لِعِلَّة التصدُّق. قال ابن المنيِرِ في ((الحاشية)): لو ساغ ذلك لَساغ مثلُه
في التطوُّع عند طلوع الشمس وسائر الأوقات المكروهة ولا قائل به.
ومما يدلّ على أنَّ أمره بالصلاة لم يَنحَصِر في قَصد التصدُّق مُعاوَدَتُه ◌َِّ بِأمرِه بالصلاة
أيضاً في الجمعة الثانية بعد أن حَصَلَ له في الجمعة الأولى ثوبينٍ، فدخل بهما في الثانية
فَتَصَدَّقَ بأحدهما، فنهاه النبيّ وَّر عن ذلك، أخرجه النَّسائيُّ (١٤٠٨) وابن خُزيمة
(١٧٩٩) من حديث أبي سعيد أيضاً، ولأحمد (١١١٩٧) وابن حِبَّان (٢٥٠٣) أنَّه كَرَّرَ أمره
بالصلاة ثلاث مرَّات في ثلاث جُمَع، فدلَّ على أنَّ قَصد التصدُّق عليه جزء عِلَّة لا عِلَّة
كاملة.
وأمَّا إطلاق مَن أطلَقَ أنَّ الشَّحيَّة تَفُوت بالجلوسِ، فقد حكى النَّوَويّ في ((شرح مسلم))
عن المحقّقين أنَّ ذلك في حقِّ العامد العالم، أمَّا الجاهل أو الناسي فلا. وحال هذا الدّاخل
محمولة في الأولى على أحدهما وفي المرّتَينِ الأُخريَينِ على النِّسيان، والحامل للمانعينَ على
التأويل المذكور أنَّهم زَعَموا أنَّ ظاهره مُعارِض للأمرِ بالإنصات والاستماع للخُطبة.
٤٠٩/٢ قال ابن العربيّ: عارَضَ قصَّةَ سُلَيك ما هو أقوى منها كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ

٦٨٣
باب ٣١ / ح ٩٣٠
كتاب الجمعة
اَلْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله: وََّ ((إذا قلتُ لصاحبِك: أنصِت
والإمام يَخْطُب يوم الجمعة فقد لَغَوت)) مُتَّفَق عليه (١)، قال: فإذا امتَنَعَ الأمر بالمعروفِ وهو
أمر اللَّاغي بالإنصات مع قِصَر زَمَنه، فمنع التَّشاغُل بالتَّحيَّة مع طول زَمَنها أَولِى.
وعارَضُوا أيضاً بقوله وَ له وهو يَخْطُب للذي دخل يَتَخَطَّى رِقاب الناس: ((اجلِس فقد
آذَيت)) أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ وصحَّحه ابن خُزيمة وغيره من حديث عبد الله بن
بُشْرٍ (٢)، قالوا: فأمره بالجلوسِ ولم يأمره بالتَّحيَّة. وروى الطَّرانيُّ من حديث ابن عمر
رفعه: ((إذا دخل أحدكم والإمام على المِنْبَر فلا صلاة ولا كلام حتَّى يَفْرُغ الإمام)».
والجواب عن ذلك كلّه أنَّ المعارضة التي تَؤول إلى إسقاط أحد الدليلَينِ إنَّما يُعمَل بها
عند تَعَذُّر الجمع، والجمع هنا مُمكِن، أمَّا الآية فليست الخطبة كلّها قُرآناً، وأمَّا ما فيها من
القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث وهو تخصيص عمومه بالدّاخل، وأيضاً فمُصَلّي
التَّحيَّة يجوز أن يُطلَق عليه أنَّه مُنصِت، فقد تقدَّم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة
أنَّه قال: يا رسول الله، سُكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فأطلَقَ على القول سِرّاً
السُّكوتَ، وأمَّا حديث ابن بُشْرٍ فهو أيضاً واقعة عين لا عموم فيها، فيحتمل أن يكون
ترك أمره بالتَّحيَّة قبل مشروعيَّتها، وقد عارَضَ بعضهم في قصَّة سُلَيك بمثل ذلك،
ويحتمل أن يُجمَع بينهما بأن يكون قولُه له: ((اجلِس)) أي: بشرْطِه، وقد عُرِفَ قولُه للدّاخلِ:
((فلا تَجلِس حتَّى تُصلّى ركعتين))، فمعنى قوله: ((اجلِس)) أي: لا تَتَخَطَّ، أو تركَ أمره
بالتَّحيَّة لبيان الجواز فإنَّها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيثُ
ضاقَ الوقت عن التَّحيَّة، وقد اتَّفَقوا على استثناء هذه الصورة. ويحتمل أن يكون صلَّى
التَّحيَّة في مُؤخَّر المسجد ثمَّ تقدَّم ليقرُب من سماع الخطبة، فوقع منه التَّخَطِّي فأنكَرَ عليه.
والجواب عن حديث ابن عمر بأنَّه ضعيف فيه أيوب بن نَهيك وهو مُنكَر الحديث،
(١) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٩٣٤)، وهو عند مسلم (٨٥١).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٦٩٧)، وأبو داود (١١١٨)، والنسائي (١٣٩٩)، وابن خزيمة (١٨١١)، وابن حبان
(٢٧٩٠).

٦٨٤
باب ٣١ / ح ٩٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قاله أبو زُرعة وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تُعارَض بمثلِه. وأمَّا قصَّة سُلَيك فقد
ذکر الثِّرمِذيّ أنّها أصحّ شيء رُوِيَ في هذا الباب وأقوى.
وأجاب المانعون أيضاً بأجوبةٍ غير ما تقدَّم، اجتمع لنا منها زيادة على عَشَرة أوردتها
مُلخَّصة مع الجواب عنها لتُستَفاد:
الأَوَّل: قالوا: إِنَّه ◌َّهِ لمَّا خاطَبَ سُلَيكاً سَكَتَ عن خُطبَته حتَّى فَرَغَ سُلَيك من صلاته،
فعلى هذا فقد جمع سُلَيك بين سماع الخطبة وصلاة التَّحيَّة، فليس فيه حُجَّة لمن أجاز التَّحيَّة
والخطيب يَخْطُب، والجواب: أنَّ الدَّارَقُطنيّ الذي أخرجه من حديث أنس (١٦١٨) قد
ضَعَّفَه وقال: إنَّ الصواب أنَّه من رواية سليمان التَّمِيِّ مُرسَلاً أو مُعضَلاً، وقد تعقَّبه ابن
المنيِّر في ((الحاشية)) بأنَّه لو ثَبَتَ لم يَسُغ على قاعدتهم، لأنَّه يَستَلِزِم جواز قطع الخطبة لأجل
الدّاخل، والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشُّروع فيه لا سيّما إذا كان واجباً.
الثاني: قيل: لمَّا تَشاغلَ النبيّ ◌َّ بِمُخاطَبة سُلَیك سَقَطَ فرض الاستماع عنه، إذ لم يكن
منه حينئذٍ خُطبة لأجلِ تلك المخاطَبة، قاله ابن العربيّ واذَّعَى أَنَّه أقوى الأجوبة. وتُعُقِّبَ
بأنَّه من أضعَفها، لأنَّ المخاطَبة لمَّ انقَضَت رجع رسول الله وَّهِ إلى خُطبَته، وتَشاغلَ
سُلَيك بامتثال ما أمره به من الصلاة، فصَحَّ أنَّه صلَّى في حال الخطبة.
الثالث: قيل: كانت هذه القصّة قبل شُروعه وَّ في الخطبة، ويدلُّ عليه قولُه في رواية
الليث عند مسلم (٨٧٥) (٥٨): والنبيّ وَّ قاعد على المِنبَرَ، وأُجيبَ بأنَّ القعود على المِنْبَر
لا يختصّ بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخُطبتَينِ أيضاً، فيكون كلَّمه بذلك وهو قاعد،
فلمَّا قامَ ليُصلِّيَ قامَ النبيّ ◌َّه للخُطبة لأنَّ زَمَن القعود بين الخُطبتَينِ لا يَطول، ويحتمل
أيضاً أن يكون الراوي تجوَّزَ في قوله: قاعد، لأنَّ الروايات الصحيحة كلّها مُطبقة على أنَّه
دخل والنبيّ وَّ يَخْطُب.
٤١٠/٢ الرّابع: قيل: كانت هذه القصَّة قبل تحريم الكلام في الصلاة، وتُعُقِّبَ بأنَّ سُلَيكاً مُتأخّر
الإسلام جدّاً وتحريم الكلام مُتَقدِّم جدّاً كما سيأتي في موضعه في أواخر الصلاة (١١٩٩

٦٨٥
باب ٣١ / ح ٩٣٠
كتاب الجمعة
و١٢٠٠)، فكيف يُدَّعَى نَسُ المتأخّر بالمتقدِّم مع أنَّ النَّسخ لا يَثبُت بالاحتمال، وقيل:
كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدَّم الجواب عنه، وعورِضَ هذا الاحتمال بمثلِه في
الحديث الذي استَدلّوا به، وهو ما أخرجه الطَّرانيُّ عن ابن عمر: ((إذا خرج الإمام فلا
صلاة ولا كلام)) لاحتمال أن يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التَّحيَّة. والأولى في هذا أن يقال
على تقدير تسليم ثبوت رفعه: يُخُصّ عمومه بحديث الأمر بالتَّحيَّة خاصَّة كما تقدَّم.
الخامس: قيل: اتَّفَقوا على أنَّ منع الصلاة في الأوقات المكروهة يَستَوي فيه مَن كان
داخل المسجد أو خارجه، وقد اتَّفَقوا على أنَّ مَن كان داخل المسجد يَمتَنِع عليه التنفّل
حال الخطبة فليَكُن الآتي كذلك، قاله الطَّحاويُّ، وتُعُقِّبَ بأنَّه قياس في مُقابَلة النصّ فهو
فاسد، وما نَقَلَه من الاتّفاق وافَقَه عليه الماورديُّ وغيره، وقد شَذَّ بعض الشافعيَّة فقال(١).
ينبني على وجوب الإنصات، فإن قلنا به امتَنَعَ التنقّل وإلَّا فلا.
السّادِس: قيل: أنَّفَقوا على أنَّ الدّاخل والإمامُ في الصلاة تَسقُط عنه التَّحيَّة، ولا شكّ
أنَّ الخطبة صلاة فتَسقُط عنه فيها أيضاً، وتُعُقِّبَ بأنَّ الخطبة ليست صلاةً من كلّ وجه
والفَرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والدّاخل في حال الخطبة مأمور بشَغل البُقعة
بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الدّاخل في حال الصلاة فإنَّ إتيانَه بالصلاة التي أُقيمَت
يُحصِّل المقصودَ، هذا مع تفريق الشارع بينهما فقال: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا
المكتوبة))(٢)، وقد وقع في بعض طرقه: ((فلا صلاة إلَّا التي أُقيمت))(٣)، ولم يقل ذلك في
حال الخطبة بل أمرهم فيها بالصلاة.
السّابع: قيل: اتَّفَقوا على سقوط التَّحَيَّة عن الإمام مع كَوْنه يجلس على المِنِبَرَ مع أنَّ له
ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التَّحيَّة بطريق الأولى، وتُعُقِّبَ
(١) في (أ): وأما بعض الشافعية فقال.
(٢) أخرجه مسلم (٧١٠)، وقد سلف تمام تخريجه في كتاب الأذان، عند الكلام على الباب (٣٨): ((إذا
أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
(٣) أخرجه أحمد (٨٦٢٣)، وإسناده ضعيف.

٦٨٦
باب ٣١ / ح ٩٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
بأنَّه أيضاً قياس في مُقابلة النصّ فهو فاسد، ولأنَّ الأمر وقع مُقيَّداً بحال الخطبة فلم
يتناول الخطيب.
وقال الزَّين بن المنيِّر: منْع الكلام إنَّما هو لمن شَهِدَ الخطبة لا لمن خَطَب، فكذلك الأمر
بالإنصات واستماع الخطبة.
الثامن: قيل: لا نُسلِّم أنَّ المراد بالرَّكعتين المأمور بهما تحيَّة المسجد، بل يحتمل أن تكون
صلاة فائتة كالصبح مثلاً، قاله بعض الحنفيَّة وقوّاه ابن المنيِّر في ((الحاشية))، وقال: لعلّه
وَ لِّ كان كُشِفَ له عن ذلك، وإنَّما استفهَمَه مُلاطَفة له في الخطاب، قال: ولو كان المراد
بالصلاة التَّحيَّة لم يَحَتَجْ إلى استفهامه لأنَّه قد رآه لمَّا دخل. وقد تَوَلَّ رَدّه ابن حِبَّان في
((صحيحه)) فقال: لو كان كذلك لم يتكرَّر أمره له بذلك مرَّة بعد أُخرى.
ومن هذه المادّة قولهم: إنَّما أمره بسُنَّة الجمعة التي قبلها، ومُستندهم قولُه في قصَّة
سُلَيك عند ابن ماجَهْ (١١١٤): ((أصلَّت ركعتين(١) قبل أن تَّجيء))، لأنَّ ظاهره قبل أن
تَجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيُّ: إن كان صلَّى في البيت قبل أن يجيء فلا يُصلِّي إذا
دخل المسجد. وتُعُقِّبَ بأنَّ المانع من صلاة التَّحيَّة لا يُجيز التنفُّل حال الخطبة مُطلَقاً،
ويحتمل أن يكون معنى ((قبل أن ◌َّجيء)) أي: إلى الموضع الذي أنتَ به الآن، وفائدة
الاستفهام احتمال أن يكون صلَّاها في مُؤخَّر المسجد ثمَّ تقدَّم ليقرُب من سماع الخطبة كما
تقدَّم في قصَّة الذي تَخطَّى، ويُؤكِّده أنَّ في رواية لمسلم (٨٧٥/ ٥٦): ((أصلَّيت الرَّكعتين؟))
بالألف واللَّام وهو للعهدِ ولا عهد هناك أقرب من تحيّة المسجد. وأمَّا سُنَّة الجمعة التي
قبلها فلم يثبت فيها شيء كما سيأتي في بابه (٩٣٧)(٢).
التاسع: قيل: لا نُسلِّم أنَّ الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلُّ على أنَّها كانت لغيرها
(١) لفظة: ((ركعتين)) سقطت من (س).
(٢) ويجاب أيضاً عن الزيادة التي في رواية ابن ماجه المذكورة بأنها شاذَّة تفرَّد بها داود بن رُشَيد، انظر تفصيل
ذلك عند تخريج الحديث في ((سنن ابن ماجه)) بتحقيقنا.

٦٨٧
باب ٣١ / ح ٩٣٠
كتاب الجمعة
قولُه للدّاخلِ: ((أصلَّيت)) لأنَّ وقت الصلاة لم يكن دخل. انتهى، وهذا ينبني على أنَّ
الاستفهام وقع عن صلاة الفرض فیحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب وفي
الذي بعده أنَّ ذلك كان يوم الجمعة فهو ظاهر في أنَّ الخطبة كانت لصلاة الجمعة.
العاشر: قال جماعة منهم القُرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكيَّة في هذه المسألة عمل أهل ٤١١/٢
المدينة خَلَفاً عن سَلَف من لَدُن الصحابة إلى عهد مالك: أنَّ التنقّل في حال الخطبة ممنوع
مُطلَقاً. وتُعُقِّبَ بمنع اتِّفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثَبَتَ فعل التَّحيَّة عن أبي سعيد
الخُدريِّ وهو من فُقَهاء الصحابة من أهل المدينة وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضاً،
فروى التِّرمِذيّ (٥١٠) وابن خُزيمة (١٧٩٩) وصَخَّحاه عن عياض بن أبي سَرْح: أنَّ أبا
سعيد الخُّدريَّ دخل ومروان يَخْطُب فصلَّى الرَّكعتين، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه، فأبى
حتَّى صلَّاهما، ثمّ قال: ما كنت لأدَعهما بعد أن سمعت رسول الله وَّ يأمر بهما. انتهى، ولم
يَثْبُت عن أحد من الصحابة صريحاً ما يخالف ذلك. وأمَّا ما نَقَلَه ابن بَطَّال عن عمر وعثمان
وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقاً فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال،
كقول ثَعلَبة بن أبي مالك: أدرَكت عمر وعثمان فكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة (١).
ووجه الاحتمال أن يكون تَعلَبة عَنَى بذلك مَن كان داخل المسجد خاصَّة.
قال شيخنا الحافظ أبو الفضل في ((شرح التِّرمِذيّ)): كلّ مَن نُقِلَ عنه - يعني من
الصحابة - مَّنَعَ الصلاة والإمام يَخْطُب محمولٌ على مَن كان داخل المسجد، لأنَّه لم يقع عن
أحد منهم التصريح بمنع التَّحيَّة، وقد وَرَدَ فيها حديث يُخُصّها فلا تُترَك بالاحتمال.
انتهى، ولم أقِفْ على ذلك صريحاً عن أحد من الصحابة.
وأمَّا ما رواه الطَّحاويُّ (١/ ٣٧٠) عن عبد الله بن صفوان أنَّه دخل المسجد وابن
الزُّبَيرِ يَخْطُب، فاستَلَمَ الرُّكن ثمَّ سَلَّمَ عليه ثمَّ جَلَسَ ولم يركع. وعبد الله بن صفوان
وعبد الله بن الزُّبَير صحابيّان صغيران، فقد استدلَّ به الطَّحاويُّ فقال: لمَّا لم يُنكِر ابن
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١١١.

٦٨٨
باب ٣١ / ح ٩٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
الزُّبَير على ابن صفوان ولا مَن حَضَرَهما من الصحابة ترْك التَّحيَّة دلَّ على صِحَّة ما
قلناه. وتُعُقِّبَ بأنَّ تركهم النَّكير لا يدلّ على تحريمها بل يدلّ على عدم وجوبها، ولم يقل
به مخالفوهم.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر الكلام على هذا الحديث البحث في أنَّ صلاة التَّحيَّة
هل تَعُمّ كلّ مسجد، أو يُستَئنى المسجدُ الحرام لأنَّ تحيَّتَه الطَّواف؟ فلعلَّ ابن صفوان كان
يَرَى أنَّ تحيَّته استلامُ الرُّكن فقط. وهذه الأجوبة التي قد قدَّمناها تَندَفِع من أصلها بعموم
قولِهِ وَّه في حديث أبي قتادةَ: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتَّى يُصلِّ ركعتين))
مُتَّفَق عليه، وقد تقدَّم الكلام عليه (٤٤٤). ووَرَدَ أخصُّ منه في حال الخطبة، ففي رواية
شُعْبة عن عَمْرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله وَل وهو
يَخْطُب: ((إذا جاءَ أحدكم والإمام يَخْطُب - أو قد خرج - فليُصلِّ ركعتين)) مُتَّفَق عليه
أيضاً (١)، ولمسلم (٥٩/٨٧٥) من طريق أبي سفيان عن جابر أنَّه قال ذلك في قصَّة سُلَيك
ولفظه بعد قولِه: ((فاركَعهما وتجوّز فيهما))، ثمَّ قال: ((إذا جاءَ أحدكم يوم الجمعة والإمام
يَخْطُب، فليركع ركعتين وليَتجوَّز فيهما)) قال النَّوَويّ: هذا نَصّ لا يَتَطَرَّق إليه التأويل ولا
أظنّ عالماً يَبلُغه هذا اللَّفظ ويَعتَقِده صحيحاً فيخالفَه.
وقال أبو محمد بن أبي ◌َمْرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصٌّ في الباب لا يحتمل التأويل.
وحكى ابن دقيق العيد أنَّ بعضهم تأوَّلَ هذا العموم بتأويلِ مُستكرَه، وكانَّه یشیر إلى بعض ما
تقدَّم من ادِّعاء النَّسخ أو التَّخصيص. وقد عارَضَ بعضُ الحنفيَّة الشافعيَّةَ بأنَهم لا حُجَّة لهم
في قصَّة سُلَيك، لأنَّ التَّحيَّة عندهم تَسقُط بالجلوس، وقد تقدَّم جوابه. وعارَضَ بعضُهم
بحديث أبي سعيد(٢) رفعه: ((لا تُصلُّوا والإمام يَخْطُب))، وتعقَّبَه(١) بأنَّه لا يَثْبُت. وعلى تقدير
(١) سيأتي برقم (١١١٦)، وهو عند مسلم (٨٧٥) (٥٧).
(٢) هذا تحريف طريف نشأ عن نقلٍ وَهِمَ فيه عبد الحق الإشبيلي أصلاً، صوابه ما جاء في ((بيان الوهم
والإيهام)) لابن القطان ٢٢٤/٢ متعقِّباً فيه على عبد الحق في ((أحكامه الوسطى)) ٢/ ١١٢ حيث ذكر أنه
وقع في كتاب أبي سعيد الماليني (كذا قال) ... ثم ذكر هذا الحديث بإسناده عن علي بن أبي طالب رفعه ... =

٦٨٩
باب ٣١ / ح ٩٣٠
كتاب الجمعة
ثبوته فيُخصّ عمومه بالأمرِ بصلاة التَّحيَّة. وبعضُهم بأنَّ عمر لم يأمر عثمان بصلاة التَّحيَّة
مع أنَّه أنكَرَ عليه الاقتصار على الوضوء (٢)، وأُجيبَ باحتمال أن يكون صلَّاهما.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: جواز صلاة التَّحيَّة في الأوقات المكروهة، ٤١٢/٢
لأنَّها إذا لم تَسقُط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها فغيرها أولى.
وفيه أنَّ التَّحيَّة لا تَفُوت بالقعود، لكن قَيَّدَه بعضهم بالجاهلِ أو الناسي كما تقدَّم، وأنَّ
للخطيبِ أن يأمر في خُطْبته ويَنْهَى ويُبيِّ الأحكام المحتاج إليها، ولا يقطع ذلك التَّوالي
المشتَرَط فيها، بل لقائل أن يقول: كلّ ذلك يُعَدّ من الخطبة.
واستُدلَّ به على أنَّ المسجد شرط للجمعة، للاتِّفاق على أنَّه لا تُشرَع التَّحيَّة لغير
المسجد، وفيه نظرٌ. واستُدلَّ به على جواز رَدّ السلام وتشميتُ العاطس في حال الخطبة لأنَّ
أمرهما أخفُّ، وَزَمَنهما أقصَرُ، ولا سيَّما رَدّ السلام فإنَّه واجب، وسيأتي البحث في ذلك بعد
ثلاثة أبواب (٩٣٤).
فائدة: قيل: يُخُصّ عموم حديث الباب بالدّاخلِ في آخر الخطبة كما تقدَّم، قال الشافعيّ:
أَرَى للإمام أن يأمر الآتي بالرَّكعتين ويزيد في كلامه ما يُمكِنِه الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة،
فإن لم يفعل کرهت ذلك.
وحكى النَّوَويّ عن المحقّقين أنَّ المختار إن لم يفعل أن يقف حتَّى تُقام الصلاة لئلّا
يكون جالساً بغير تحيَّة أو مُتنفِّلاً حالَ إقامة الصلاة. واستثنى المحامليّ المسجد الحرام لأنَّ
تحيَّه الطَّواف، وفيه نظر لطول زَمَن الطَّواف بالنّسبة إلى الرَّكعتين. والذي يظهر من قولهم
= فتعقبه ابن القطان بأنه أخطأ في كنية الماليني، وأن الصواب: أبو سعد، يعني بسكون العين المهملة. فلعل
الحافظ اختصره أو نقله عمن اختصره فنَسَبَ الحديث إلى مخرِّجه الماليني نقلاً عن عبد الحق الإشبيلي
الذي أخطأ في كنيته، ويُرجح احتمال أن يكون الحافظ نقله عن غيره أنه لم يُرِّجه عن أحدٍ، والله أعلم.
وقد ضعَّف عبدُ الحق إسناده.
(١) الضمير يعود إلى الذي عارض، وهو عبد الحق الإشبيلي، حیث عارض حدیث سلیك بهذا الحديث، ثم
تعقبه فضعفه.
(٢) سلف برقم (٨٧٨).

٦٩٠
باب ٣٢ / ح ٩٣١
فتح الباري بشرح البخاري
إِنَّ تحيَّة المسجد الحرام الطَّواف إنَّما هو في حقِّ القادم ليكون أوَّلَ شيء يفعله الطَّوافُ، وأمَّا
المقيم فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعلَّ قول مَن أطلَقَ أنَّه يَبدَأ في المسجد
الحرام بالطَّواف لكون الطَّواف يَعقُبه صلاة الرَّكعتين فيَحصُل شَغْل البُقعة بالصلاة غالباً
وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطَّواف، والله أعلم.
٣٢ - باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين
٩٣١ - حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو، سَمِعَ جابراً قال: دخل رجلٌ
يومَ الجمعةِ والنبيُّ ◌َّهِ يَخْطُبُ فقال: ((صلَّيْتَ؟)) قال: لا، قال: ((فصَلِّ رَكْعَتَين)).
قوله: ((باب مَن جاءَ والإمام يَخْطُب صَلَّى رَكْعتَينِ خفيفتين)) قال الإسماعيليّ: لم يقع في
الحديث الذي ذكره التقييدُ بكونهما خفيفتين. قلت: هو كما قال، إلَّا أنَّ المصنِّ جَرَى على
عادته في الإشارة إلى ما في بعض طرق الحديث وهو كذلك، وقد أخرجه أبو قُرَّةٍ(١) في
((السُّنَن)) عن الثَّوريّ عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بلفظ: ((قُم فاركَع ركعتين
خفيفتين))، وقد تقدَّم أنَّه عند مسلم (٥٩/٨٧٥) بلفظ: ((وتجوَّز فيهما))(٢).
وقال الزَّين بن المنيِر ما مُلخَّصه: في الترجمة الأولى أنَّ الأمر بالرَّكعتين يتقيَّد برؤية الإمام
الدّاخل في حال الخطبة بعد أن يَستَفسِره هل صلَّى أو لا؟ وذلك كلّه خاصّ بالخطيب، وأمَّا
حكم الدّاخل فلا يتقيَّد بشيءٍ من ذلك، بل يُستَحبّ له أن يُصلِّي تحيَّة المسجد، فأشارَ
المصنّف إلى ذلك كلّه بالترجمة الثانية بعد الأولى، مع أنَّ الحدیث فيهما واحد.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، ووقع التصريح بسماع سفيان منه في هذا الحديث في
((مُسنَد الحميديِّ)) (١٢٢٣)، وهو عند أبي نُعيمٍ في ((المستخرَج)).
(١) فات الحافظ أن يخرجه من عبد الرزاق (٥٥١٤)، وأحمد (١٥١٨٠)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٩٣/٤،
والطحاوي في ((شرح المعاني)) ٣٦٥/١، وابن حبان (٢٥٠١)، والدار قطني (١٦١١)، فقد ذكروه جميعاً
بهذا اللفظ.
(٢) وهو أيضاً عند أحمد (١٤١٧١)، وأبي داود (١١١٦) و(١١١٧)، وابن ماجه (١١١٤).

٦٩١
باب ٣٣ / ح ٩٣٢
كتاب الجمعة
قوله: ((صلَّيت)) كذا للأكثر أيضاً بحَذْف الهمزة، وثبتت لكَرِيمة وللمُستَملي.
قوله: ((قال: فصَلّ)) زاد في رواية أبي ذرٍّ: قال: ((قُمْ فصَلِّ)».
٣٣- باب رفع اليدين في الخطبة
٩٣٢ - حدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عبدِ العزيزِ بن صُهيب، عن أنسٍ.
وعن يونسَ، عن ثابتٍ، عن أنس قال: بينما النبيُّ وَّهِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، إِذْ قامَ رجلٌ
فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَ الكُرَاعُ، هَلَكَ الشاءُ، فَادْعُ الله أنْ يَسْقِيَنا، فمَدَّ يَدَيْه ودَعا.
[أطرافه في: ٩٣٣، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣،
٣٥٨٣، ٦٣٤٢،٦٠٩٣]
قوله: (باب رَفْع اليدينِ في الخطبة)) أورَدَ فيه طرفاً من حديث أنس في قصَّة الاستسقاء، ٤١٣/٢
وقد ساقه المصنّف بتمامه في علامات النُّبوَّة (٣٥٨٢) من هذا الوجه، وهو مطابق للترجمة،
وفيه إشارة إلى أنَّ حديث عُمارة بن رُوَيبةَ الذي أخرجه مسلم (٨٧٤) (١) في إنكار ذلك
ليس على إطلاقه، لكن قَيَّدَ مالكٌ الجواز بدعاء الاستسقاء كما في هذا الحديث.
قوله: ((وعن يونس عن ثابت)) يونس: هو ابن عبيد، وهو معطوف على الإسناد المذكور،
والتقدير: وحدَّثنا مُسدَّد أيضاً عن حمّاد بن زيد عن يونس. وقد أخرجه أبو داود (١١٧٤)
عن مُسدَّد أيضاً بالإسنادينِ معاً، وأخرجه البَزّار أيضاً من طريق مُسدَّد، وقال: تَفرَّدَ به
حَمَّاد بن زيد عن يونس بن عبيد. والرجال من الطريقَينِ كلهم بصريُّون.
قوله: ((فمَذَّ يَدَيْه ودَعا)) في الحديث الذي بعده: فرفع يديه، كَلفظ الترجمة، وكأنَّه أراد
أن يُبيِّن أنَّ المراد بالرَّفع هنا المد، لا كالرَّفعِ الذي في الصلاة. وسيأتي في كتاب الدَّعَوات
(٦٣٤١) صفة رفع اليدينِ في الدُّعاء، فإنَّ في رفعهما في دعاء الاستسقاء صفة زائدة على
رفعهما في غيره، وعلى ذلك يُحمَل حديث أنس: لم يكن يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في
(١) ولفظه: أن عمارة بن رُويبة رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: قبّح الله هاتين اليدين، لقد
رأيت رسول الله ﴿ ﴿ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبِّحة.

٦٩٢
باب ٣٤ -٣٥ / ح ٩٣٣ -٩٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
الاستسقاء(١)، وأنَّه أراد الصِّفة الخاصَّة بالاستسقاء، ويأتي شيءٌ من ذلك في الاستسقاء
أيضاً إن شاء الله تعالى.
٣٤- باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة
٩٣٣- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسْلم، قال: حدَّثنا أبو عَمْرِو
الأوزاعيُّ، قال: حذَّثني إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: أصابَتِ
النَّاسَ سنةٌ على عَهْدِ النبيِّ وَّةِ، فبينا النبيُّ ◌َّهِ يَخْطُبُ في يومٍ جمعةٍ، قامَ أعرابُّ فقال: يا
رسولَ الله، هَلَكَ المالُ وجاعَ العِيالُ فادعُ الله لنا، فرفع يَدَيْه وما نَرَى في السَّماءِ قَزَعَةً، فوالذي
نَفْسِي بيدِه ما وَضَعَها حتَّى ثارَ السَّحابُ أمثالَ الجِبال، ثمَّ لم ينزل عن مِنْبِرِهِ حَتَّى رأيتُ المطَرَ
يَتَحَادَرُ على لحِيتِهِ وَِّ، فمُطِرْنا يومَنا ذلك، ومِنَ الغَدِ ومِن بعدِ الغَدِ والذي يَلِيه حتَّى الجمعةِ
الأُخرَى، فقام ذلك الأعرابُّ - أو قال: غيرُه - فقال: يا رسولَ الله، تَهَدَّمَ البِناءُ وغَرِقَ المالُ، فادْعُ
اللهَ لنا، فرفع يَدَيْه: ((اللهمَّ حَوالَينا ولا علينا)) فما يُشِيرُ بيدِه إلى ناحيةٍ من السَّحاب إلا انفَرَجَتْ،
وصارتِ المدينةُ مثلَ الجَوْبةِ، وسالَ الوادي قَناةُ شَهْراً، ولم يَجِئْ أحدٌ من ناحيةٍ إلا حدَّث بالجَوْدِ.
قوله: ((باب الاستِسْقاء في الخطبة يوم الجمعة)) أورَدَ فيه الحديث المذكور مُطوَّلاً من وجه
آخر عن أنس، وهو مطابق للترجمة أيضاً، وفيه الاكتفاء في الاستسقاء بخُطبة الجمعة
وصلاتها، ويأتي الكلام عليه مُستَوَى في كتاب الاستسقاء (١٠١٣) إن شاء الله تعالى.
واستُدلَّ به على جواز الكلام في الخطبة كما سيأتي في الباب الذي بعده.
٣٥- باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، وإذا قال لصاحبه:
أنصِتْ، فقد لَغَا
وقال سَلْمانُ، عن النبيِّ وَلّ: (( يُنصِتُ إذا تَكلَّم الإمامُ)).
٤١٤/٢ ٩٣٤- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
سعيدُ بنُ المسَيَّبِ، أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَه، أنَّ رسولَ الله ◌ِّ قال: ((إذا قلتَ لصاحبِكَ يومَ
(١) سيأتي عند البخاري برقم (١٠٣١).

٦٩٣
باب ٣٥ / ح ٩٣٤
كتاب الجمعة
الجمعةِ: أنصِتْ، والإمامُ يَخْطُبُ، فقد لَغَوْتَ)).
قوله: ((باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يَخْطُب)) أشارَ بهذا إلى الردّ على مَن جَعَلَ
وجوب الإنصات من خروج الإمام، لأنَّ قوله في الحديث: ((والإمام يَخْطُب)) جملة حاليَّة،
يُخْرِج ما قبل خُطبَته من حين خروجه وما بعده إلى أن يَشرَع في الخطبة، نَعَم الأَولى أن
يُنصِت كما تقدَّم التَّرغيب فيه في ((باب فضل الغُسل للجمعة)) (٨٧٧-٨٧٩)، وأمَّا حال
الجلوس بين الخُطبتَينِ فحكى صاحب ((المغني)) عن العلماء فيه قولين بناء على أنَّه غير
خاطب، أو أنَّ زَمَن سُكوته قليل فأشبَهَ السُّكوت للتنفُّس.
قوله: ((وإذا قال لصاحبِهِ: أنْصِتْ فقد لَغَا)) هو كَلفظ حديث الباب في بعض طرقه، وهي
رواية النَّسائيِّ (١٤٠١) عن قُتيبة عن الليث بالإسناد المذكور، ولفظه: «مَن قال لصاحبِه
يوم الجمعة والإمام يَخْطُب: أنصِت، فقد لَغا)) والمراد بالصاحبِ مَن يُخاطبه بذلك مُطلَقاً،
وإنَّما ذكر الصاحب لكَونِه الغالب.
قوله: ((وقال سَلْمان)) هو طرف من حديثه المتقدِّم في «باب الدُّهن للجمعة)) (٨٨٣).
وقوله: ((يُنصِت)) بضمِّ الأولى على الأفصَح ويجوز الفتح. قال الأزهريّ: يقال: أنصَتَ
ونَصَتَ وانتَصَت، قال ابن خُزيمة: المراد بالإنصات السُّكوت عن مُكالمة الناس دون ذِكْر الله.
وتُعُقِّبَ بأنَّه يَلزَم منه جواز القراءة والذِّكر حال الخطبة، فالظاهر أنَّ المراد السُّكوت مُطلَقاً،
ومَن فَرَّقَ احتاجَ إلى دليل، ولا يَلزَم من تَجويز التَّحَيَّة لدليلها الخاصّ جواز الذِّكر مُطلَقاً.
قوله: ((أخبرني ابن شهاب(١)» هكذا رواه يحيى بن بُكَير عن الليث، ورواه شعيب بن
الليث عن أبيه فقال: عن عُقيل عن ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن
إبراهيم بن قارِظ عن أبي هريرة، أخرجه مسلم (١١/٨٥١) والنَّسائيُّ (١٤٠٢)، والطريقان
(١) كذا قال الحافظ، ولعله أراد ذكر سعيد بن المسيب، فسبَق قلمُه فذكر ابن شهاب، لأنه لم يُخْتلَف في
روايات البخاري أن صيغة التحمل بين عُقيل وابن شهاب هي العنعنة، ثم إن كلام الحافظ يدل على أنه
أراد أن يبين أنَّ للزهري فيه طريقاً آخر عن أبي هريرة غير طريق سعيد بن المسيب.

٦٩٤
باب ٣٥ / ح ٩٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
معاً صحيحان، وقد رواه أبو صالح عن الليث بالإسنادينِ معاً، أخرجه الطَّحاويُّ (١/
٣٦٧)، وكذا رواه ابن جُرَيج وغيره عن الزُّهريِّ بهما، أخرجه عبد الرزاق وغيره(١)، ورواه
مالك عند أبي داود (١١١٢)، وابن أبي ذئب عند ابن ماجَهْ (١١١٠)، كلاهما عن الزُّهريِّ،
بالإسناد الأوَّل.
قوله: ((يوم الجمعة)) مفهومه أنَّ غير يوم الجمعة بخلاف ذلك، وفيه بحثٌ.
قوله: ((فقد لَغَوْت)) قال الأخفَش: اللَّغو: الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه،
وقال ابن عَرَفة: اللَّغو: السَّقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: اللَّغو: الإثم
كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُ وَأَكِرَامًا ﴾ [الفرقان: ٧٢].
وقال الزَّين بن المنيِّر: اتَّفَقَت أقوال المفسّرين على أنَّ اللَّغو: ما لا يَحَسُن من الكلام.
وأغرَبَ أبو عبيد الهَرَويُّ في ((الغريب)) فقال: معنى لَغا: تكلّم. كذا أطلَقَ. والصواب
التقييد. وقال النَّضر بن شُمَيلِ: معنى لَغَوت: خِبْتَ من الأجر، وقيل: بَطَلتْ فضيلة
جمعتك، وقيل: صارت جُمعَتُك ظُهراً.
قلت: أقوال أهل اللُّغة مُتقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود (٣٤٧) وابن
خُزيمة (١٨١٠) من حديث عبد الله بن عمرو (٢) مرفوعاً: ((ومَن لَغا وتَخَطَّى رِقاب الناس
كانت له ظُهراً». قال ابن وَهْب أحد رواته: معناه: أجزَأت عنه الصلاة وحُرِمَ فضيلة الجمعة.
ولأحمد (٧١٩) من حديث عليّ مرفوعاً: ((مَن قال: صَهْ، فقد تكلّم، ومَن تكلّم فلا جمعة له))،
ولأبي داود (١٠٥١) نحوه، ولأحمد (٢٠٣٣) والبَزّار (٤٧٢٥) من حديث ابن عبّاسٍ مرفوعاً:
((مَن تكلّم يوم الجمعة والإمام يَخْطُب فهو كالحمار يَحمِل أسفاراً، والذي يقول له: أنصِت
ليست له جمعة))، وله شاهد قويّ في ((جامع حمَّد بن سَلَمة)) عن ابن عمر موقوفاً (٣).
(١) أخرجه عبد الرزاق برقم (٥٤١٤) و(٥٤١٥)، وأحمد (٧٦٨٦) وغيرهما.
(٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: عمر.
(٣) وهو أيضاً في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٨/ ٧٢٤.

٦٩٥
باب ٣٥ / ح ٩٣٤
كتاب الجمعة
قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه.
وحكى ابن التِّين عن بعض مَن جَوَّزَ الكلام في الخطبة أنَّه تأوَّلَ قولَه: ((فقد لَغَوت))٤١٥/٢
أي: أمَرت بالإنصات مَن لا يجب عليه، وهو ◌ُود شديد، لأنَّ الإنصات لم يُخْتَلَف في
مطلوبيَّتِه، فكيف يكون مَن أمر بما طلبَه الشَّرع لاغياً، بل النَّهي عن الكلام مأخوذ من
حديث الباب بدلالة الموافقة، لأنَّه إذا جَعَلَ قوله: ((أنصِت)) مع كَوْنه أمراً بمعروفٍ لَغواً
فغيره من الكلام أولى أن يُسمَّى لَغواً. وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة
في آخر هذا الحديث بعد قوله: ((فقد لَغَوت)): ((عليك بنفسِك))(١)، واستُدلَّ به على منع
جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حقِّ مَن سمعها، وكذا الحكم في حقِّ
مَن لا يسمعها عند الأكثر. قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروفِ فليجعله بالإشارة.
وأغرَبَ ابن عبد البَرِّ فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على مَن سمعها إلَّا عن
قليل من التابعين، ولفظه: لا خلاف عَلِمتُهُ بين فُقَهاء الأمصار في وجوب الإنصات
للخُطبة على مَن سمعها في الجمعة، وأنَّه غير جائز أن يقول لمن سمعه من الجُّال يَتكلّم
والإمام يَخْطُب: أنصِت، ونحوها، أخذاً بهذا الحديث. ورُوِيَ عن الشَّعبيّ وناس قليل:
أنَّهم كانوا يَتكلَّمون إلَّا في حين قراءة الإمام في الخطبة خاصَّة، قال: وفِعلهم في ذلك
مردودٌ عند أهل العِلم، وأحسن أحوالهم أن يقال: إنَّه لم يَبلُغهم الحديث.
قلت: للشافعيِّ في المسألة قولان مشهوران، وبَناهما بعض الأصحاب على الخلاف في
أنَّ الخُطبتَينِ بدل عن الرَّكعتين أم لا؟ فعلى الأوَّل يَجِرُم لا على الثاني، والثاني هو الأصحّ
عندهم، فمن ثَمَّ أطلَقَ مَن أطلَقَ منهم إباحة الكلام حتَّى شَنَّعَ عليهم مَن شَنَّعَ من
المخالفينَ، وعن أحمد أيضاً روايتان، وعنهما أيضاً التَّرِقة بين مَن يسمع الخطبة ومَن لا
يسمعها، ولبعض الشافعيّة التَّفرقة بین مَن تَنعَقِد بهم الجمعة فيجب عليهم الإنصات دون
(١) هو بهذا اللفظ عند البيهقي ٢١٩/٣، لكن رواه أحمد بلفظ آخر (٥٤١٨) من طريق همام عن أبي هريرة
رفعه: ((إذا قلت للناس: أنصتوا يوم الجمعة وهم ينطقون والإمام يخطب، فقد لغوت على نفسك)).

٦٩٦
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
مَن زاد، فجعلَه شَبيهاً بفُروضِ الكفاية. واختلف السَّلَف إذا خَطَبَ بما لا ينبغي من
القول، وعلى ذلك يُحِمَل ما نُقِلَ عن السَّلَف من الكلام حال الخطبة.
والذي يظهر أنَّ مَن نَفَى وجوبه أراد أنَّه لا يُشتَرط في صِحَّة الجمعة، بخلاف غيره.
ويدلُّ على الوجوب في حقِّ السامع أنَّ في حديث عليٍّ المشار إليه آنِفاً: ((ومَن دَنا فلم يُنْصِت
كان عليه كِفلان من الوِزر)) لأنَّ الوِزر لا يَترَّب على مَن فعل مُباحاً، ولو كان مكروهاً
كراهة تنزيه، وأمَّا ما استدلَّ به مَن أجاز مُطلَقاً من قصَّة السائل في الاستسقاء ونحوه ففيه
نظر، لأنَّه استدلال بالأخصِّ على الأعَمّ، فيُمكِن أن يُخُصّ عموم الأمر بالإنصات بمثل
ذلك كأمرٍ عارض في مصلحة عامَّة، كما خَصَّ بعضهم منه رَدّ السلام لوجوبه.
ونقل صاحب ((المغني)) الاتِّفاق على أنَّ الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة
كتحذيرِ الضَّرير من البئر. وعبارة الشافعيّ: وإذا خافَ على أحد لم أرَ بأساً إذا لم يَفْهَم عنه
بالإيماء أن يَتكلَّم. وقد استُثني من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كلّ ما لم
يُشرَع مثل الدُّعاء للسُّلطان مثلاً، بل جَزَمَ صاحب ((التَّهذيب)) بأنَّ الدُّعاء للسُّلطان
مكروه، وقال النَّوَويّ: محلّه ما إذا جازفَ وإلَّ فالدُّعاء لؤُلاة الأُمور مطلوب. انتهى،
ومحلّ التَّرك إذا لم يَخَفِ الضَّرَرِ، وإلَّا فيُباح للخطيبِ إذا خَشِيَ على نفسه، والله أعلم.
٣٦ - باب الساعة التي في يوم الجمعة
٩٣٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكِ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ:
أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهَ ذَكَرَ يومَ الجمعةِ فقال: ((فيه ساعةٌ لا يُوافقُها عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ يُصلِّي
يَسْألُ الله تعالى شيئاً، إلا أعطاه إيّاه)) وأشارَ بيدِه يُقَلِّلُها.
[طرفاه في: ٥٢٩٤، ٦٤٠٠]
٤١٦/٢ قوله: ((باب السّاعة الَّتي في يوم الجمعة)) أي: التي يجابُ فيها الدُّعاءُ.
قوله: ((عن أبي الزِّناد)) كذا رواه أصحابُ مالك في ((الموَطَّأ)) (١ / ١٠٨)، ولهم فيه إسناد
آخر إلى أبي هريرة، وفيه قصَّةٌ له مع عبد الله بن سَلَام.

٦٩٧
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
كتاب الجمعة
قوله: (فيه ساعة)) كذا فيه مُبهَمة، وعُيِّنَت في أحاديثَ أُخَرَ كما سيأتي.
قوله: ((لا يُوافقُها)) أي: يُصادفُها، وهو أعمُّ من أن يقصدَ لها أو يَتَّفِقَ له وقوعُ الدُّعاء
فیها.
قوله: ((وهو قائمٌ يُصلِّي يسألُ الله)) هي صِفاتٌ لمسلم، أُعرِبَت حالاً، ويحتملُ أن يكون
(يُصلِّ)) حالاً منه لاتِّصافه بـ ((قائم))، و((يسألُ)) حال مُتَرادفة أو مُتَداخلة. وأفاد ابن عبد
البَرّ أنَّ قوله: ((وهو قائم)) سَقَطَ من رواية أبي مُصعَب (٤٦٢) وابن أبي أوَيس ومُطرِّف
والتّيسِيِّ وقُتيبة وأثبَتَها الباقون، قال: وهي زيادةٌ محفوظةٌ عن أبي الزِّناد من رواية مالكٍ
ووَرقاءَ وغيرهما عنه، وحكى أبو محمد بن السِّيْد عن محمد بن وضّاح: أنَّه كان يأمرُ
بحَذْفها من الحديث، وكان السَّبَبُ في ذلك أنَّه يُشكِلُ على أصحِّ الأحاديث الواردة في
تعيين هذه الساعة، وهما حديثان: أحدهما: أنَّها من جلوسِ الخطيبِ على المِنِيَرِ إلى انصرافه
من الصلاة، والثاني: أنَّها من بعدِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشمس(١). وقد احتَجَّ أبو هريرة على
عبد الله بن سَلَام لمَّا ذكر له القول الثاني بأنّها ليست ساعةَ صلاةٍ، وقد وَرَدَ النصّ
بالصلاة فأجابه بالنصِّ الآخرِ: أنَّ مُنتَظِرَ الصلاة في حكمِ المصَلّي(٣)، فلو كان قوله: ((وهو
قائم)) عند أبي هريرة ثابتاً لاحتَجَّ عليه بها، لكنَّه سَلَّمَ له الجواب وارتضاه وأفتى به بعده.
وأمَّا إشكالُه على الحديث الأوَّلِ فمن جهة أنَّه يتناولُ حالَ الخطبة كلّه، وليست صلاةً
على الحقيقة، وقد أُجيبَ عن هذا الإشكال بحمل الصلاة على الدُّعاء أو الانتظار، ويُحِمَلُ
القيام على الملازمة والمواظَبة، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ حال القيام في الصلاة غير حال السجود
والركوع والتشُّد مع أنَّ السجودَ مَظِنَّة إجابة الدُّعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقته
لأخرجَه، فدلَّ على أنَّ المراد تَجَازُ القيام وهو المواظَبةُ ونحوها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّامَا
دُمْتَ عَلَيْهِ قَّابِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، فعلى هذا يكونُ التعبير عن المصلِّي بالقائمِ من باب
التعبير عن الكلِّ بالجزء، والنُّكنةُ فيه أنَّه أشهر أحوال الصلاة.
(١) سيأتي قريباً تفصيل الأقوال في وقت هذه الساعة.
(٢) سلف من حديث أبي هريرة برقم (١٧٦).

٦٩٨
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((شيئاً)) أي: ممَّا يليقُ أن يدعوَ به المسلمُ ويسألَ ربَّه تعالى، وفي رواية سَلَمة بن
علقمةً عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عند المصنّف في الطَّلاق (٥٢٩٤): ((يسألُ اللهَ
خيراً))، ولمسلم (٨٥٢/ ١٥) من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة مثله، وفي حديث أبي
لُبابة عند ابن ماجَهْ (١٠٨٤): «ما لم يسأل حراماً»، وفي حديث سعد بن عُبادة عند أحمدَ
(٢٢٤٥٧): ((ما لم يسأل إثماً أو قطيعةَ رَحِمٍ))، وهو نحو الأوَّل، وقطيعة الرَّحِمِ من جملة
الإثمِ، فهو من عطف الخاصّ على العامِّ للاهتمام به.
قوله: ((وأشارَ بيدِه)) كذا هنا بإبهام الفاعل، وفي رواية أبي مُصعَب عن مالك (٤٦٢):
وأشارَ رسولُ اللهِ وَّهِ، وفي رواية سَلَمة بن علقمة التي أشرتُ إليها: ووَضَعَ أُنْمُلته على
بطن الوُسطَى أو الخِنْصَرِ، قلنا: يُزَهِّدُها. وبيَّن أبو مسلم الكَجِّيُّ أنَّ الذي وضَعَ هو بشر بن
المفَضَّل راويه عن سَلَمة بن علقمة، وكأنَّه فسَّرَ الإشارةَ بذلك، وأنَّها ساعة لطيفة تَنْتُقل ما
بين وسَطِ النهار إلى قُربٍ آخره، وبهذا يَحَصُلُ الجمعُ بينه وبينَ قوله: يُزَهِّدُها، أي: يُقَلِّلُها،
ولمسلم من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة: وهي ساعةٌ خفيفةٌ، وللطَّبرانيِّ في ((الأوسط))
(١٣٦) (١) في حديث أنس: وهي قَدرُ هذا، يعني قَبضة.
قال الزَّين بن المنيِّر: الإشارةُ لتقليلها هو للتَّرغيبِ فيها والحضِّ عليها ليسارة وقتها
وغَزارة فضلها.
وقد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم في هذه الساعة، هل هي
باقيةٌ أو رُفِعَت؟ وعلى البقاء هل هي في كلِّ جمعة أو في جمعة واحدة من كلِّ سنة؟ وعلى
الأوَّلِ هل هي وقتٌ من اليومِ مُعَّن أو مُبهَم؟ وعلى التَّعيينِ هل تَستَوعِبُ الوقت أو تُبُهَمُ
فيه؟ وعلى الإبهام ما ابتداؤُه وما انتهاؤُه؟ وعلى كلِّ ذلك هل تَستَمِرُّ أو تَنْتَقِلُ؟ وعلى
الانتقال هل تَستَغرِقُ اليومَ أو بعضه؟ وها أنا أذكر تلخيصَ ما اتَّصَلَ إليَّ من الأقوال مع
(١) وهو في ((معجمه الكبير)) (٧٤٧). وأصله في ((جامع الترمذي)) (٤٨٩) دون قوله: وهي قدر هذا يعني
قبضة. فالظاهر أنها والتي قبلها من زيادات الرواة.

٦٩٩
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
كتاب الجمعة
أدلَّتِها، ثمَّ أعودُ إلى الجمعِ بينها والترجيح.
فالأوَّل: أنَّهَا رُفِعَت، حكاه ابن عبد البَرّ عن قومٍ وَزَيَّفَه، وقال عياض: رَدَّه السَّلَف ٤١٧/٢
على قائلِه. وروى عبد الرزاق (٥٥٨٦) عن ابن جُرَيج أخبرني داود بن أبي عاصم عن
عبد الله بن يُحِنِّس(١) مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: إنَّهم زَعَموا أنَّ الساعةَ التي في يوم
الجمعة يُستَجابُ فيها الدُّعاءُ رُفِعَت، فقال: كذَبَ مَن قال ذلك. قلت: فهي في كلِّ جمعةٍ؟
قال: نَعَم، إسناده قويّ (٢)، وقال صاحب ((الهَدْي)): إن أراد قائله أنَّها كانت معلومة فُرُفِعَ
عِلمُها عن الأمَّة فصارت مُبهَمة احتُمِل، وإن أراد حقيقتَها فهو مردودٌ على قائِلِه.
القول الثاني: أنَّها موجودة لكنَ في جمعةٍ واحدة من كلِّ سنة، قاله كعب الأحبار لأبي
هريرة، فَرَدَّ عليه فرجع إليه، رواه مالك في ((المَوَطَّأ)) وأصحاب السُّنَن (٣).
الثالث: أنَّها تَخَفيَّةٌ في جميع اليوم كما أُخفيَت ليلةُ القَدر في العشر. روى ابن خُزيمة
(١٧٤١) والحاكمُ (٢٧٩/١-٢٨٠) (٤) من طريق سعيد بن الحارث عن أبي سَلَمة، سألت
أبا سعيد عن ساعة الجمعة فقال: سألت النبيَّ وَّه عنها، فقال: ((قد أُعلِمتُها ثمَّ أُنسيتها كما
أُنسيت ليلةَ القَدْر)».
وَروى عبد الرزاق (٥٥٧٥) عن مَعمَر، أنَّه سألَ الزّهريَّ، فقال: لم أسمع فيها بشيء، إلّا
أنَّ كعباً كان يقول: لو أنَّ إنساناً قَسَمَ جمعةً في جُمَعٍ لَأتى على تلك الساعة، قال ابن المنذر:
ومعناه أنَّه يَبدَأُ فيدعو في جمعة من الجُمَعِ من أوَّل النهار إلى وقتٍ معلوم، ثمَّ في جمعة أُخرى
يَبتَدِئُ من ذلك الوقتِ إلى وقتٍ آخرَ حتَّى يأتيَ على آخر النهار، وقال: وكعبٌ هذا هو کعب
الأحبار، قال: ورُوّينا عن ابن عمر أنَّه قال: إنَّ طلبَ حاجةٍ في يوم لَيسير، قال: معناه أنَّه
(١) تحرَّفت في (س) إلى: عبس.
(٢) عبد الله بن يُجنس لم يرو عنه غير داود بن أبي عاصم، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٥٣/٥، فهو في عداد
المجهولين.
(٣) أخرجه مالك ١٠٨/١-١٠٩، وأحمد (١٠٣٠٣)، وأبو داود (١٠٤٦)، والنسائي (١٤٣٠).
(٤) فات الحافظَ أن يخرّجه من ((مسند أحمد)) (١١٦٢٤).

٧٠٠
باب ٣٦ / ح ٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
ينبغي المداومة على الدُّعاء يوم الجمعة كلّه ليَمُرّ بالوقت الذي يُستَجابُ فيه الدُّعاء، انتهى.
والذي قاله ابن عمر يَصلُحُ لمن يقوى على ذلك، وإلَّا فالذي قاله كعب سهل على كلِّ
أحد، وقضيَّة ذلك أنَّهما كانا يَرَيان أنَّها غيرُ مُعيَّنة، وهو قضيَّة كلام جمع من العلماء
كالرَّافعيِّ وصاحب ((المغني)) وغيرهما، حيثُ قالوا: يُستَحبُّ أن يُكثِرَ من الدُّعاء يوم
الجمعة رجاءَ أن يُصادفَ ساعة الإجابة، ومن حُجَّة هذا القول تشبيهها بليلة القَدرِ والاسم
الأعظم في الأسماء الحُسنَى(١). والحكْمة في ذلك حثُّ العباد على الاجتهاد في الطََّبِ
واستيعاب الوقت بالعبادة، بخلافٍ ما لو تَحقَّقَ الأمر في شيءٍ من ذلك لكان مُقتَضياً
للاقتصار علیه وإهمال ما عَداه.
الرابع: أنَّها تَنْتَقِلُ في يوم الجمعة، ولا تَلزَمُ ساعةً مُعيَّنة لا ظاهرة ولا تَخَفيَّة، قال
الغَزاليُّ: هذا أشبَه الأقوال، وذكره الأثرَم احتمالاً، وجَزَمَ به ابن عساكر وغيره، وقال
المحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إنَّه الأظهَرُ، وعلى هذا لا يتأتَّى ما قاله كعب في الجَزْمِ بتحصيلها.
الخامس: إذا أذَّنَ المؤذِّنُ لصلاة الغَدَاة، ذكره شيخُنا الحافظُ أبو الفضل في ((شرح
التِّمِذيّ))، وشيخُنا سِراج الدّين بن الملقِّنِ في ((شرحه على البُخاريّ))، ونَسَباه لتخريجِ ابن
أبي شَيْبة (٢/ ١٤٤) عن عائشة، وقد رواه الرُّويانيُّ في ((مَسَدِه)) عنها فأطلَقَ الصلاة ولم
يُقيِّدها، ورواه ابن المنذر (١٠/٤) فقَّدَها بصلاة الجمعة، والله أعلم.
السادس: من طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمس، رواه ابن عساكر(٢) من طريق أبي جعفر
الرَّازيِّ عن ليث بن أبي سُلَيمٍ عن مجاهدٍ عن أبي هريرة، وحكاه القاضي أبو الطيِّبِ الطَّبَرِيُّ
وأبو نصر بن الصَّاغ وعياض والقُرطبيُّ وغيرهم وعبارة بعضهم: ما بين طلوعِ الفجرِ
(١) أما أحاديث ليلة القدر فستأتي بالأرقام (٢٠١٥-٢٠٢٣). وأما أحاديث اسم الله الأعظم، فسَيُوردها
الحافظ مُفصّلة عند شرح الحديث (٦٤١٠).
(٢) وأخرجه العقيلي في ((الضعفاء» ٣٦٤/٤ من طريق هانئ بن خالد، عن أبي جعفر الرازي، به. لكن
بلفظ: قال رسول الله ولي: ((الساعة التي في يوم الجمعة ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس)). وقال
العقيلي: هانئ بن خالد حديثه غير محفوظ، وليس بمعروف بالنقل، ولا يتابع عليه، ولا يُعرف إلا به.