Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
باب ١٠ / ح ٨٩١
كتاب الجمعة
لهذا الحديث، وأنَّ مالكاً امتَنَعَ من الرواية عنه لأجلِه، وأنَّ الناس تركوا العمل به لا سيَّما
أهل المدينة. انتهى، وليس كما قال، فإنَّ سعداً لم ينفرد به مُطلَقاً، فقد أخرجه مسلم (٨٧٩)
من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاسٍ مثله، وكذا ابن ماجَهْ والطَّبرانيُّ من حديث ابن
مسعود، وابن ماجَهْ من حديث سعد بن أبي وقَّاص(١)، والطَّبرانيُّ في ((الأوسط)) (٢٩٧٩)
من حديث عليٍّ.
وأمَّا دَعواه أنَّ الناس تركوا العمل به فباطلة، لأنَّ أكثر أهل العِلم من الصحابة
والتابعين قد قالوا به كما نَقَلَه ابن المنذر وغيره، حتَّى إِنَّه ثابتٌ عن إبراهيم بن عبد الرحمن
ابن عَوف والد سعد، وهو من كبار التابعين من أهل المدينة: أنَّه أمّ الناس بالمدينة بهما في
الفجر يوم الجمعة. أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٤١) بإسنادٍ صحيح. وكلام ابن العربيّ
يُشعِر بأنَّ ترك ذلك أمرٌ طَرَأ على أهل المدينة، لأنَّه قال: وهو أمر لم يُعلَم بالمدينة، فالله أعلم
بمَن قطعہ کما قطع غیره، انتھی.
وأمَّا امتناع مالك من الرواية عن سعد فليس لأجلِ هذا الحديث، بل لكَونِهِ طَعَنَ في
نَسَب مالك، كذا حكاه ابن البَرْقيّ عن يحيى بن مَعِين، وحكى أبو حاتم عن عليّ بن
المدينيّ قال: كان سعد بن إبراهيم لا يُحدِّث بالمدينة، فلذلك لم يَكتُب عنه أهلها.
وقال الساجيّ(٢): أجمع أهل العلم على صدقه، وقد روی مالك عن عبد الله بن إدريس
عن شُعْبة عنه، فصَحَّ أنَّه حُجَّة باتِّفاقهم، قال: ومالك إنَّما لم يروِ عنه لمعنَى معروف، فأمَّا
أن یکون تكلّم فیه فلا أحفظ ذلك، انتھی.
وقد اختلف تعليل المالكيَّة بكراهة قراءة ((السَّجدة)) في الصلاة، فقيل: لكَونِها تَشْتَمِل
على زيادة سجود في الفرض، قال القُرطبيّ: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث. وقيل:
(١) برقم (٨٢٢)، لكن في إسناده الحارث بن نبهان، وهو ضعيف.
(٢) تحرف في (أ) إلى: الشافعي، وفي (ع) إلى: الباجي، والمثبت من (س) على الصواب، وهو الموافق لما نقله
الحافظ نفسه في ترجمة سعد بن إبراهيم من ((تهذيب التهذيب))، ومن قبله مُغَلطاي في ((إكمال تهذيب
الكمال» ٢٢٤/٥.

٦٢٢
باب ١٠ / ح ٨٩١
فتح الباري بشرح البخاري
لِخَشْية التخليط على المصلِّين، ومن ثَمَّ فَرَّقَ بعضهم بين الجهريَّة والسِّرِّيَّة، لأنَّ الجهريَّة
٢٧٩/٢ يُؤْمَن معها التخليطُ، لكن صحَّ من حديث ابن عمر أنَّه وَّن قرأ سورة فيها سجدةٌ في/
صلاة الظُّهر فسَجَدَ بهم فيها، أخرجه أبو داود والحاكم(١)، فبَطَلت التَّفْرِقة. ومنهم مَن
عَلَّلَ الكراهة بِخَشْية اعتقاد العَوامِّ أنَّها فرض.
قال ابن دقيق العيد: أمَّا القول بالكراهة مُطلَقاً فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى
وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تُتْرَك أحياناً لتَندَفِع، فإنَّ المستحَبّ قد يُترَك لدَفْع المفسدة
المتوقَّعة، وهو يَحصُل بالتَركِ في بعض الأوقات. انتهى، وإلى ذلك أشارَ ابن العربيّ بقوله:
ينبغي أن يُفعَل ذلك في الأغلَب للقُدْرة، ويُقطَع أحياناً لئلا تظنَّه العامَّة سُنَّةً. انتهى، وهذا
على قاعدتهم في التَّفْرِقة بين السُّنَّة والمستحَبّ.
وقال صاحب ((المحيط)) من الحنفيَّة: يُستَحبّ قراءة هاتَينِ السورتَينِ في صبح يوم
الجمعة، بشرطِ أن يقرأ غير ذلك أحياناً لئلا يَظُنّ الجاهل أنَّه لا يُحِزِئ غيره.
وأمَّا صاحب ((الهداية)) منهم فذكر أنَّ ◌ِلَّة الكراهة هِجرانُ الباقي وإبهامُ التَّفضيل.
وقول الطَّحاويّ يُناسب قول صاحب ((المحيط))، فإنَّه خَصَّ الكراهة بمَن يراه حَتْماً لا
يُجِزِئ غيرُه، أو يَرَى القراءة بغيره مكروهةً.
فائدتان:
الأولى: لم أرَ في شيء من الطّرق التصريحَ بأنَّهِ وَّهِ سَجَدَ لمَّا قرأ سورة ((تنزيل
السَّجدة)) في هذا المحلّ إلَّا في كتاب ((الشَّريعة))(٢) لابن أبي داود من طريق أُخرى عن
(١) أخرجه أحمد (٥٥٥٦)، وأبو داود (٨٠٧)، والحاكم ١/ ٢٢١، وإسناده ضعيف لاضطرابه كما هو مُبيَّن
في «مسند أحمد)».
(٢) هو كتاب ((شريعة المقارئ)) كما جاء في ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان ٣٢/٥-٣٣، وساقه من
طريق حماد بن سلمة، عن أبان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال: أبان هذا إن كان ابنُ أبي
عياش فهو متروك، والظن غالبٌ بأنه هو، فإنه معروف برواية حماد بن سلمة عنه، وإن لم یکن ابن أبي
عياش فإنه مجهول. قلنا: هو أبان بن أبي عياش جَزْماً، فقد روى عبد الرزاق عدة آثار في ((مصنفه)) =

٦٢٣
باب ١٠ / ح ٨٩١
كتاب الجمعة
سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاسٍ قال: غَدَوت على النبيّ وَّ يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ
سورة فيها سجدة فسَجَد، الحديث، وفي إسناده مَن يُنظَر في حاله. وللطَّبرانيِّ في ((الصغير))
(٤٧٣) من حديث عليّ: أنَّ النبيَّ وَّ سَجَدَ في صلاة الصبح في تنزيل السَّجدة. لكن في
إسناده ضعف.
الثانية: قيل: الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة السَّجدة قَصد السجود
الزائد، حتَّى إنَّه يُستَحبّ لمن لم يقرأ هذه السورة بعَينِها أن يقرأ سورة غيرها فيها سجدة،
وقد عابَ ذلك على فاعله غيرُ واحد من العلماء، ونَسَبَهم صاحب ((الهَدْي)) إلى قِلَّة
العِلم ونقص المعرفة، لكن عند ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٤٠) بإسنادٍ قويّ عن إبراهيم النَّخَعيِّ
أنَّه قال: يُستَحبّ أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورةٍ فيها سجدة. وعنده (١٤١/٢)
من طريقه أيضاً أنَّه فعل ذلك فقرأ سورة مريم. ومن طريق ابن عَوْن قال: كانوا يقرؤون
في الصبح يوم الجمعة بسورةٍ فيها سجدة. وعنده من طريقه أيضاً قال: وسألت محمداً -
يعني ابن سيرين - عنه فقال: لا أعلم به بأساً. انتهى، فهذا قد ثَبَتَ عن بعض علماء
الكوفة والبصرة فلا ينبغي القطع بتزييفِه. وقد ذكر النَّوَويّ في زيادات ((الرَّوضة)) هذه
المسألة وقال: لم أرَ فيها كلاماً لأصحابنا، ثمَّ قال: وقياس مذهبنا أنَّه يُكرَه في الصلاة
إذا قَصَدَه، انتھی.
وقد أفتى ابنُ عبد السلام قبله بالمنع وببُطْلان الصلاة بقَصدِ ذلك، قال صاحب
(المهمّات)): مُقْتَضى كلام القاضي حسين الجواز. وقال الفارقيّ في ((فوائد المهذَّب)): لا
تُستَحَبّ قراءة سجدة ((غير تنزيل))، فإن ضاقَ الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكَنَ منها ولو
بآية السَّجدة منها، ووافَقَه ابن أبي عَصْرون في كتاب ((الانتصار))، وفيه نظرٌ.
تكملة: قال الزَّين بن المنيِرِ: مُناسَبة ترجمة الباب لما قبلها أنَّ ذلك من جملة ما يتعلَّق
= (١٤٤) و(٧٣٨٥) و(١٥٨٥٨) عن معمر عن أبان عن سعيد بن جبير، ومعمر إنما يروي عن أبان بن
أبي عياش، والله أعلم.

٦٢٤
باب ١١ / ح ٨٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
بفضلٍ يوم الجمعة لاختصاص صُبْحها بالمواظَبة على قراءة هاتَينِ السورتين.
وقيل: إنَّ الحكمة في هاتَيْنِ السُّورتَينِ الإشارة إلى ما فيهما من ذِكْر خلق آدم وأحوال
يوم القيامة، لأنَّ ذلك كان وسيقعُ يوم الجمعة، ذكره ابن دِحْية في ((العَلَم المشهور))، وقَرَّرَه
تقريراً حسناً.
١١ - باب الجمعة في القرى والمدن
٨٩٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو عامرِ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
طَهْمَان، عن أبي جَمْرةَ الضُّبَعيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: إنَّ أَوَّلَ جمعةٍ جُمِّعَتْ بعدَ جمعةٍ في
مسجدٍ رسول الله وَّ في مسجدِ عبدِ القَيْسِ بجُوانَى من البحرَينِ.
[طرفه في: ٤٣٧١]
٣٨٠/٢ قوله: ((باب الجمعة في القُرى والمدن)) في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف مَن خَصَّ الجمعة
بالمدنِ دون القُرَى، وهو مَرويّ عن الحنفيَّة، وأسنَدَه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٠١) عن حُذَيفة
وعلي وغيرهما، وعن عمر أنَّه كتب إلى أهل البحرين: أنْ جُمِّعوا حيثما كنتم. وهذا يَشمَل
المدن والقُرَى، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٠١- ١٠٢) أيضاً من طريق أبي رافع عن أبي هريرة
عن عمر، وصحَّحه ابن خُزيمة(١)، وروى البيهقيُّ (١٧٨/٣) من طريق الوليد بن مسلم:
سألت الليث بن سعد، فقال: كلّ مدينة أو قرية فيها جماعة أُمِروا بالجمعة، فإنَّ أهل مصر
وسواحلها كانوا يُجُمِّعون الجمعة على عهد عمر وعثمان بأمرٍ هما، وفيهما رجال من الصحابة.
وعند عبد الرزاق (٥١٨٥) بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر: أنَّه كان يَرَى أهل المياه بين مكَّة
والمدينة يُجُمِّعون فلا يَعِيب عليهم. فلمَّا اختلف الصحابة وَجَبَ الرجوع إلى المرفوع.
قوله: ((عن ابن عبّاسٍ)) كذا رواه الحُفّاظ من أصحاب إبراهيم بن طَهْمان عنه، وخالَفَهم
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، وقال البيهقي بعد أن ذكر هذا الخبر في ((معرفة السنن
والآثار)) (٦٣٣٦): إسناده حسن، رواه محمد بن إسحاق بن خزيمة عن علي بن خشرم عن عيسى بن
يونس عن شعبة. يعني عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي رافع.

٦٢٥
باب ١١ / ح ٨٩٢
كتاب الجمعة
المعافَ بن عمران، فقال: عن ابن طَهْمان عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، أخرجه النَّسائيُّ
(ك١٦٦٧)، وهو خطأ من المعاشَ، ومن ثَمَّ تكلَّم محمد بن عبد الله بن عمَّار في إبراهيم بن
طَهْمان، ولا ذنبَ له فيه كما قال صالح جَزَرة، وإنَّما الخطأ في إسناده من المعافَى. ويحتمل أن
یکون لإبراهیم فیه إسنادان.
قوله: ((إنَّ أَوَّل جمعة جُمِّعَت)) زاد وكيع عن ابن طَهْمان: في الإسلام. أخرجه أبو داود
(١٠٦٨).
قوله: ((بعد جمعة)) زاد المصنّف في أواخر المغازي (٤٣٧١): جُمِّعَت.
قوله: ((في مسجد رسول الله {َ ﴾)) في رواية وكيع: بالمدينة، ووقع في رواية المعاشَ
المذكورة: بمگّة، وهو خطأ بلا مِرية.
قوله: ((بجُواثَى)) بضمِّ الجيمِ وتخفيف الواو، وقد تُهمَز، ثمَّ مثلَّئة خفيفة.
قوله: ((من البَحْرين)) في رواية وكيع: قرية من قُرَی البحرین، وفي أُخرى عنه: من
قُرَى عبد القيس، وكذا للإسماعيليِّ من رواية محمد بن أبي حفصة عن ابن طَهْمان، وبه
يَتِمّ مراد الترجمة.
ووجه الدلالة منه أنَّ الظاهر أنَّ عبد القيس لم يُجمِّعوا إلَّا بأمرِ النبيّ وََّ لما عُرِفَ من
عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأُمور الشّرعيَّة في زَمَن نُزول الوحي، ولأنَّه لو كان
ذلك لا يجوز لَنزل فيه القرآن، كما استدلَّ جابر وأبو سعيد على جواز العَزْل بأنَّهم فعَلوه
والقرآن ينزل فلم يُنْهَوْا عنه(١).
وحكى الجَوْهريّ والَّمخشريّ وابن الأثير: أنَّ جُواثَى اسم حصن بالبحرين، وهذا لا ٣٨١/٢
يُنافي كَوْنها قرية، وحكى ابن التِّين عن أبي الحسن اللَّخْميّ أنَّها مدينة(٢)، وما ثَبَتَ في نفس
(١) أمّا حديث جابر فسيأتي برقم (٥٢٠٨) و(٥٢٠٩)، وأما حديث أبي سعيد فلم يذكر فيه ما قاله الحافظ،
فإنه سيأتي برقم (٥٢١٠) بلفظ: أصبْنَا سَبْياً كنا نعزلُ، فسألْنا رسولَ الله وَّه فقال: ((أوَإِنكمْ لَتَفْعلونَ؟!
- قالها ثلاثاً - ما من نَسَمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة)).
(٢) وكذلك قال البكري في ((معجم ما استعجم)) ١ / ٤٠١.

٦٢٦
باب ١١ / ح ٨٩٣
١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث من كَوْنها قريةً، أصحّ مع احتمال أن تكون في الأوَّل قريةً ثمَّ صارت مدينةً.
وفيه إشعار بتقدُّم إسلام عبد القيس على غيرهم من أهل القُرَى، وهو كذلك كما
قَرَّرتُه في أواخر كتاب الإيمان (٥٣).
٨٩٣- حدَّثنا بِشرُ بنُ محمَّدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال:
أخبرني سالم، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ اللهَوَّ يقول: ((كلَّكم راعٍ)).
وزاد الليثُ: قال يونسُ: كَتَبَ رُزَيقُ بنُ ◌ُگیمٍ إلى ابنِ شِهابٍ وأنا معه يومئذٍ بوادي
القُرَى: هل تَرَى أنْ أُجمّعَ؟ ورُزَيقٌ عاملٌ على أرضٍ يعملُها وفيها جماعةٌ من السُّودان وغَيْرِهم،
ورُزَيِقٌ يومئذٍ على أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابنُ شِهابٍ وأنا أسمعُ يأمرُه أنْ يُجُمِّعَ بخبرُه: أنَّ سالماً حدَّثه: أنَّ
عبد الله بنَ عمر، يقول: سمعتُ رسولَ اللهِّ يقول: ((كلُّكم راع وكلُّكم مسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ،
الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رَعِيَّتِه، والرجلُ راعٍ في أهلِهِ وهو مسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمرأةُ راعيةٌ في
بيتٍ زوجِها ومسؤولةٌ عن رَعِيَّتِها، والخادِمُ راعٍ في مال سَيِّدِهِ ومسؤولٌ عن رَعِيَّتِه - قال:
وحَسِبتُ أنْ قد قال : - والرجلُ راعٍ في مال أبيه وهو مسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، وكلُّكم راع ومسؤولٌ
عن رَغِيَّتِه)).
[أطرافه في: ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٠١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨]
قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك، ويونس: هو ابن يزيد الأَيليُّ.
قوله: ((كُلّكم راع، وزاد الليث ... )) إلى آخره، فيه إشارة إلى أنَّ رواية الليث مُتَّفِقة مع
ابن المبارك إلَّا في القصَّة فإنَّها مُختصَّة برواية الليث، ورواية الليث مُعلَّقة، وقد وَصَلَها
الذُّهْلِيُّ(١) عن أبي صالح كاتب الليث عنه، وقد ساق المصنِّف رواية ابن المبارك بهذا
الإسناد في كتاب الوصايا (٢٧٥١) فلم يخالف رواية الليث إلَّ في إعادة قولِه في آخره:
((وكُلّكم راعٍ ... )) إلى آخره.
(١) ومن طريقه أسندها الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣٥٢/٢.

٦٢٧
باب ١١ / ح ٨٩٣
كتاب الجمعة
قوله: ((وكَتَبَ رُزَيق بن محُكَيم)) هو بتقديمِ الرَّاء على الزّاي، والتصغير في اسمه واسم
أبيه في روايتنا، وهذا هو المشهور في غيرها، وقيل: بتقديم الزّاي وبالتصغير فيه دون أبيه.
قوله: ((أُجمّع)) أي: أُصلِّي بمَن معي الجمعة.
قوله: «على أرض یعملها» أي: يزرَع فيها.
قوله: ((ورُزَيق يومئذٍ على أَيْلةَ)) بفتح الهمزة وسكون التَّحتانيَّة بعدها لام، بلدة معروفة
في طريق الشام بين المدينة ومصر على ساحل القُلْزُم(١)، وكان رُزَيق أميراً عليها من قِبل
عمر بن عبد العزيز، والذي يظهر أنَّ الأرض التي كان يَزرَعها من أعمال أيلة، ولم يسأل
عن أيلةَ نفسها، لأنَّها كانت مدينةً كبيرة ذاتَ قَلْعة، وهي الآن خَراب ينزل بها الحاج
المِصريّ والغَزِّي(٢) وبعض آثارها ظاهر.
قوله: ((وأنا أسمع)) هو قول يونس، والجملة حاليَّة، وقوله: ((يأمُره)) حالٌ أُخرى،
وقوله: ((يخبره) حال من فاعل ((يأمُرُه))، والمكتوب هو الحديث، والمسموعُ المأمورُ به، قاله
الكِرْمانيُّ. والذي يظهر أنَّ المكتوب هو عين المسموع، وهو الأمر والحديث معاً، وفي قوله:
(كَتَب)) تجوُّز كأنَّ ابن شهاب أملاه على كاتبه فسمعه يونس منه، ويحتمل أن يكون الزُّهريُّ
كَتَبَه بخطُّه وقرأه بلفظِهِ، فيكون فيه حذف تقديره: فكَتَبَ ابن شهاب وقرأه وأنا أسمع،
ووجه ما احتُجَّ به على التَّجميع من قولِهِ وَّ: ((كُلّكم راع))، أنَّ على مَن كان أميراً إقامةَ
الأحكام الشَّرعيَّة - والجمعة منها - وكان رُزَيق عاملاً على الطَّائفة التي ذكرها، وكان عليه
أن يُراعيَ حقوقهم، ومن جُملتها إقامةُ الجمعة.
قال الزّين بن المنيِّر: في هذه القصَّة إيماء إلى أنَّ الجمعة تَنعَقِد بغير إذن من السُّلطان إذا
كان في القوم مَن يقوم بمصالحهم.
(١) ويُسمّى البحر الأحمر الآن.
(٢) في (ع): والمغربي، وفي ((عُمدة القاري)) ٦/ ١٩٠: الحاجّ المصري والمغربي والغزِّي.

٦٢٨
باب ١٢ / ح ٨٩٤ -٨٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه إقامة الجمعة في القُرَى خلافاً لمن شَرَطَ لها المدن.
فإن قيل: قوله: ((كُلّكم راعٍ)) يَعُمّ جميع الناس فيدخل فيه المرعيُّ أيضاً، فالجواب أنَّه
مَرعيٌّ باعتبار، راعٍ باعتبار، حتَّى ولو لم يكن له أحد كان راعياً لجَوارحِه وحَواسّه، لأنَّه
يجب عليه أن يقوم بحَقِّ الله وحَقّ عباده، وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائد هذا الحديث في
كتاب الأحكام (٧١٣٨) إن شاء الله تعالى.
قولُه فيه: ((قال: وحَسِبت أنْ قد قال)» جَزَمَ الكِرْمانيُّ بأنَّ فاعل ((قال)) هنا هو یونس،
وفيه نظرٌ، والذي يظهر أنَّه سالم، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه ابن عمر. وسيأتي في كتاب الاستقراض
(٢٤٠٩) بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقد رواه الليث أيضاً عن نافع عن ابن عمر بدون
هذه الزّيادة، أخرجه مسلم (١٨٢٩).
١٢ - بابٌ هل على من لم يشهد الجمعة غُسل من النساء
والصبيان وغيرهم؟
وقال ابنُ عمَ: إِنَّا الغُسْلُ على مَن تَجِبُ عليه الجمعةُ.
٣٨٢/٢ ٨٩٤- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني سالم بنُ
عبدِ الله: أنَّه سَمِعَ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما يقول: سمعتُ رسولَ الله وَ ◌ّ يقول: «مَن
جاءَ منکمُ الجمعةَ فليَغْتَسِل)».
٨٩٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكِ، عن صَفْوانَ بنِ سُلَيمٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ،
عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ ه، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((غُسْلُ يوم الجمعةِ واجبٌ على كلٌّ مُحتَلِمٍ)).
قوله: ((بابٌ هل على مَن لم يشهد الجمعة غُسْل من النِّساء والصِّبْيان وغيرهم)) تقدَّم التَّنبيه
على ما تَضَمَّنَته هذه الترجمة في ((باب فضل الغُسل)) (٨٧٧-٨٧٩) ويدخل في قوله:
((وغيرهم)) العبد والمسافر والمعذور، وكأنَّه استَعمَلَ الاستفهام في الترجمة للاحتمال الواقع
في حديث أبي هريرة: ((حَقّ على كلّ مسلم أن يغتسل)) فإنَّه شامل للجميع، والتقييد في
حديث ابن عمر بـ((مَن جاء منكم)) يُخْرِج مَن لم يَجِئْ، والتقييد في حديث أبي سعيد بالمحتَلِمِ

٦٢٩
باب ١٢ / ح ٨٩٦ -٨٩٨
كتاب الجمعة
يُخْرِج الصِّبيان، والتقييد في النَّهي عن منع النِّساء المساجدَ بالليل يُجْرِج الجمعة. وعُرِفَ
بهذا وجه إيراد هذه الأحاديث في هذه الترجمة، وقد تقدَّم الكلام على أكثرها (١).
قوله: ((وقال ابن عمر: إنَّما الغُسْل على مَن تَجِب عليه الجمعة)) وَصَلَه البيهقيُّ (١٧٥/٣)
بإسنادٍ صحيح عنه، وزاد: والجمعةُ على مَن يأتي أهله. ومعنى هذه الزّيادة أنَّ الجمعة تَجِب
عنده على مَن يُمكِنه الرجوع إلى موضعه قبل دخول الليل، فمَن كان فوق هذه المسافة لا
تَجِب علیه عنده، وسيأتي البحث فيه بعد باب.
وقد تَقَرَّرَ أنَّ الآثار التي يورِدها البخاري في التَّراجم تَدُلّ على اختيار ما تَضَمَّنَتْه عنده،
فهذا مَصير منه إلى أنَّ الغُسل للجمعة لا يُشرَع إلَّا لمن وَجَبَت عليه.
٨٩٦- حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا وُهَیبٌ، قال: حدّثنا ابنُ طاووسِ، عن أبيه،
عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله وَّةَ: ((نحنُ الآخِرُونَ السّابقُونَ يومَ القيامةِ أُوتُوا الكتابَ
من قَبْلِنا وأُوتِيناه من بَعِدِهم، فهذا اليومُ الذي اختَلَفُوا فيه فَهَدانا الله، فغَداً لليهودِ، وبعدَ غَدٍ
للنَّصارى)) فسَكَتَ.
٨٩٧- ثمَّ قال: ((حقٍّ على كلِّ مسلمٍ أنْ يَغْتَسِلَ في كلِّ سبعةِ أيامٍ، يوماً يَغْسِلُ فيه رأسَه
وجسده».
[طرفاه في: ٨٩٨، ٣٤٨٧]
صَلى الله.
وسيم
٨٩٨ - رواه أبانُ بنُ صالح، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ
(لله تعالى على كلِّ مسلم حقٌّ أنْ يَغْتَسِلَ في كلِّ سبعة أيامٍ يوماً)).
قوله في حديث أبي هريرة: ((فسَكَتَ ثمَّ قال: حقٌّ على كلّ مسلم ... )) إلى آخره، فاعل ٣٨٣/٢
(سَكَت)) هو النبيّ ◌َّ، فقد أورَدَه المصنّف (٣٤٨٦ -٣٤٨٧) في ذِكْر بني إسرائيل من وجه
آخر عن وُهَيب بهذا الإسناد، دون قولِه: ((فسَكَتَ ثمَّ قال))، ويُؤكِّد کَوْنه مرفوعاً رواية
مجاهد عن طاووسِ المقتَصِرة على الحديث الثاني، ولهذه النُّكتة أورَدَه بعده فقال: ((رواه أبان
(١) في أبواب الجمعة السالفة.

٦٣٠
باب ١٢ / ح ٨٩٩ - ٩٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
ابن صالح ... )) إلى آخره، وكذا أخرجه مسلم (٨٤٩) من وجه آخر عن وُهَيب مُقتَصِراً،
وهذا التَّعليق عن مجاهد قد وَصَلَه البيهقيُّ (٢٩٧/١) من طريق سعيد بن أبي هلال عن
أبان المذكور، وأخرجه الطَّحاويُّ (١١٩/١) من وجه آخر عن طاووسٍ وصَرَّحَ فيه
بسماعه له من أبي هريرة، أخرجه من طريق عَمْرو بن دينار عن طاووسٍ، وزاد فيه:
((ويَمَسّ طيباً إن كان لأهلِه)، واستُدلَّ بقوله: ((لله على كلّ مسلم حَقّ)) للقائلِ بالوجوب،
وقد تقدَّم البحث فيه(١).
قوله: «في کلّ سبعة أیام يوماً» هكذا أُبهم في هذه الطريق، وقد عَّنَه جابر في حديثه عند
النَّسائيِّ (١٣٧٨) بلفظ: «الغُسل واجب على كلّ مسلم في كل أُسبوع يوماً وهو يوم
الجمعة)) وصحَّحه ابن خُزيمة (١٧٤٦ و١٧٤٧). ولسعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شَيْبة
(٩٢/٢-٩٣ و١٥٥)(٢) من حديث البراء بن عازب مرفوعاً نحوه ولفظه: ((إنَّ من الحَقّ
على المسلم أن يغتسل يوم الجمعة)) الحديث، ونحوه للطّحاويّ (١١٦/١) من طريق محمد
بن عبد الرحمن بن ثَوْيانَ عن رجل من الصحابة أنصاريٍّ مرفوعاً.
٨٩٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثْنَا شَبابةُ، حدّثنا ورْقاءُ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن
مجاهدٍ، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ وَِّ قال: ((اتْذَنُوا للنِّساءِ بالليلِ إلى المساجدِ)).
٩٠٠ - حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمر، عن نافعٍ،
عن ابنِ عمرَ قال: كانتِ امرأةٌ لعمرَ تَشْهَدُ صلاةَ الصبح والعِشاءِ في الجماعةِ في المسجدِ، فِقِيلَ
لها: لمَ تَخْرُچِينَ وقد تَعْلَمِينَ أَنَّ عمرَ يَكْرَه ذلك ويَغارُ؟ قالت: فما يَمْنَعُهُ أنْ يَنْهاني؟ قال: يَمْنَعُه
قولُ رسول الله وَله: ((لا تَنَعُوا إماءَ الله مَساحِدَ الله)).
قوله: ((عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي وَّر قال: ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد))
هكذا ذكره مختصراً، وأورده مسلم (١٣٨/٤٤٢) من طريق مجاهد عن ابن عمر مطولاً،
(١) في باب ((فضل الغسل يوم الجمعة)) (٨٧٧-٨٧٩).
(٢) وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٤٨٨).

٦٣١
باب ١٢ / ح ٨٩٩ - ٩٠٠
كتاب الجمعة
وقد تقدم ذكره في باب ((خروج النساء إلى المساجد)) (٨٦٥) وهو قُبيل كتاب الجمعة،
وتقدم هناك ما يتعلق به مطولاً.
وقوله: ((بالليل)) فيه إشارة إلى أنهم ما كانوا يمنعونهن بالنهار، لأن الليل مَظِنَّةُ الرِّيبة
ولأجل ذلك قال ابن عبد الله بن عمر: لا نأذن لهن یتخذنه دغَلاً، کما تقدم ذكره عند مسلم
(١٣٨/٤٤٢ و١٣٩).
وقال الكِرمانيُّ: عادة البخاري إذا تَرجَم بشيء ذكَر ما يتعلق به وما يناسب التعلَّق،
فلذلك أورد حديث ابن عمر هذا في ترجمة (١) ((هل على من لم يشهد الجمعة غسل؟ قال:
فإن قيل: مفهوم التقييد بالليل يمنع النهارَ والجمعةُ نهاريّةٌ، وأجاب بأنه من مفهوم
الموافقة، لأنه إذا أُذن لهن بالليل مع أن الليل مظِنّة الرّيبة، فالإذن بالنهار بطريق الأَولى،
وقد عكس هذا بعض الحنفيّة فجرى على ظاهر الخبر، فقال: التقييد بالليل لكون الفسّاق
فيه في شُغل بفسقهم(٢) أو نومهم بخلاف النهار فإنهم ينتشرون فيه، وهذا وإن كان ممكناً
لكن مظِنَّةِ الرِّيبة في الليل أشد، وليس لكلهم في الليل ما يجد ما يشتغل به، وأما النهار
فالغالب أنه يفضحهم غالباً، ويصدُّهم عن التعرُّض لهنّ ظاهراً، لكثرة انتشار الناس فيه
ورؤية من يتعرّض فيه لِمَا لا يحل له فيُنكَر عليه، والله أعلم.
قولُه في رواية نافع عن ابن عمر قال: «كانت امْرَأة لعمر)» هي عاتكة بنت زيد بن عَمْرو
ابن نُفَيل أُخت سعيد بن زيد أحد العَشَرة، سمَّاها الزُّهريُّ فيما أخرجه عبد الرزاق
(٥١١١) عن مَعمَر عنه قال: كانت عاتكة بنت زيد بن عَمْرو بن نُفَيل عند عمر بن
الخطّاب، وكانت تشهد الصلاة في المسجد، وكان عمر يقول لها: والله إنَّك لتَعلَمينَ أنّ ما
أُحِبّ هذا. قالت: والله لا أنتَهي حتَّى تنهاني، قال: فلقد طُعِنَ عمر وإنَّهَا لَفي المسجد. كذا
ذكره مُرسَلاً، ووَصَلَه عبد الأعلى عن مَعمَر بذِكْر سالم بن عبد الله عن أبيه، لكن أبهَمَ
(١) تحرف في (س) إلى: ترجمته.
(٢) وقع في (أ): شغل نفسهم، وفي (ع): شغل أنفسهم، والمثبت من (س)، وهو أليقُ، وهو الموافق لما نقله
المناوي في ((فيض القدير)) ١ / ٧٠ عن الحافظ.

٦٣٢
باب ١٣ / ح ٩٠١
فتح الباري بشرح البخاري
المرأة، أخرجه أحمد عنه (٤٥٢٢). وسمَّاها أحمد (٢٨٣) من وجه آخر عن سالم قال: كان
عمر رجلاً غَیوراً، وكان إذا خرج إلى الصلاة اتَّبَعته عاتكة بنت زيد، الحديث، وهو مُرسَل
أيضاً. وعُرِفَ من هذا أنَّ قوله في حديث الباب: فقيل لها: لمَ تَخْرُجينَ ... إلى آخره، أنَّ قائل
ذلك كلّه هو عمر بن الخطّاب، ولا مانع أن يُعبِر عن نفسه بقوله: إنَّ عمر ... إلى آخره،
فيكون من باب التَّجريد أو الالتفات، وعلى هذا فالحديث من مُسنَد عمر كما صََّحَ به في
٣٨٤/٢ رواية سالم المرسَلة،/ ويحتمل أن تكون المخاطَبة دارَت بينها وبين ابن عمر أيضاً، لأنَّ
الحديث مشهور من روايته، ولا مانع أن يُعبِر عن نفسه بقيل لها ... إلى آخره، وهذا مُقتَضی
ما صَنَعَ الحميديّ وأصحاب الأطراف، فإنَّهم أخرجوا هذا الحديث من هذا الوجه في
مُسنَد ابن عمر، وقد تقدَّم الكلام على فوائده مُستَوقّ قُبيل كتاب الجمعة (٨٦٥).
تنبيه: قال الإسماعيليّ: أورَدَ البخاري حديث مجاهد عن ابن عمر بلفظ: ((ائذَنوا
للنِّساء بالليل إلى المساجد))، وأراد بذلك أنَّ الإذن إنَّما وقع لهنَّ بالليل فلا تَدخُل فيه
الجمعة. قال: ورواية أبي أُسامة التي أورَدَها بعد ذلك تَدُلّ على خلاف ذلك، يعني قولُه
فيها: ((لا تَمَنَعوا إماء الله مساجد الله)) انتهى، والذي يظهر أنَّه جَنَحَ إلى أنَّ هذا المطلَق
يُحمَل على ذلك المقيَّد، والله أعلم.
١٣ - باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر
٩٠١- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: أخبرني عبدُ الحميدِ صاحبُ الزِّياديِّ،
قال: حذَّثنا عبدُ الله بنُ الحارثِ ابنُ عَمِّ محمَّدِ بنِ سِيرِينَ، قال ابنُ عبَّاسٍ لمؤذِّنِهِ في يومٍ مَطِيرٍ:
إذا قلتَ: أشهَدُ أنَّ محمَّداً رسولُ الله، فلا تقل: حيَّ على الصلاة، قُل: صَلُّوا في بيوتِكم. فكأنَّ
النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قال: فَعَلَه مَن هو خيرٌ منّي، إنَّ الجمعةَ عَزْمٌ، وإِّ كَرِهْتُ أنْ أُخْرِجَكم
فَتَمْشُونَ في الطِّينِ والذَّخْضِ.
قوله: ((باب الرُّخْصة إنْ لم يَخْضُر الجمعة في المطر)) ضُبِطَ في روايتنا بكسر ((إن))، وهي
الشَرطيَّة، و((يَحِضُر)) بفتح أوَّله، أي: الرجل، وضبطه الكِرْمانيُّ بفتح ((أن)) و((تُحضَر)) بلفظ
المبنيّ للمفعول، وهو مُتَّجِه أيضاً.

٦٣٣
باب ١٣ / ح ٩٠١
كتاب الجمعة
وأورَدَ المصنّف هنا حديث ابن عبّاسٍ من رواية إسماعيل، وهو المعروف بابنٍ عُلِيَّة،
وهو مناسب لما تَرجَمَ له، وبه قال الجمهور، ومنهم مَن فرَّقَ بین قليل المطر و کثیره، وعن
مالك: لا يُرخّص في تركها بالمطر. وحديث ابن عبَّاسٍ هذا حُجَّة في الجواز.
وقال الزَّين بن المنيِر: الظاهر أنَّ ابن عبّاسٍ لا يُرخِّص في ترك الجمعة، وأمَّا قوله:
((صَلّوا في بيوتكم)) فإشارة منه إلى العصر، فَرَخَّصَ لهم في ترك الجماعة فيها، وأمَّا الجمعة
فقد جمعهم لها، فالظاهر أنَّه ◌َمَّعَ بهم فيها. قال: ويحتمل أن يكون جَمعَهم للجمعة ليُعلِمهم
بالرُّخصة في تركها في مثل ذلك ليعملوا به في المستقبل. انتهى، والذي يظهر أنَّه لم يُجُمِّعهم،
وإنَّما أراد بقوله صَلّوا في بيوتكم مُخاطَبة مَن لم يَحَضُر وتعليم مَن حَضَرَ.
قوله: ((إنَّ الجمعة عَزْمَة)) استَشكله الإسماعيليّ فقال: لا إخاله صحيحاً، فإنَّ أكثر
الروايات بلفظ: إنَّهَا عَزْمة، أي: كلمة المؤذِّن، وهي ((حَيّ على الصلاة))، لأنَّها دعاء إلى
الصلاة تقتضي السامعِه الإجابة، ولو كان المعنى: الجمعة عَزمة، لكانت العزيمة لا تَزول
بتركِ بقيَّة الأذان. انتهى، والذي يظهر أنَّه لم يَتْرُك بقيَّة الأذان، وإنَّما أبدَلَ قولَه: ((حَيّ على
الصلاة)) بقوله: ((صَلّوا في بيوتكم))، والمراد بقوله: ((إنَّ الجمعة عَزمة)) أي: فلو تركتُ
المؤذِّن يقول: ((حَيّ على الصلاة)) لَبادرَ مَن سمعه إلى المجيء في المطر فيَشُقّ عليهم، فأمَرته
أن يقول: ((صَلّوا في بيوتكم)) لتَعلَموا أنَّ المطر من الأعذار التي تُصَيِّر العزيمة رُخصةً.
قوله: ((والذَّحْض)) بفتح الدّال المهمَلة وسكون الحاء المهمَلة، ويجوز فتحها، وآخره
ضاد مُعجَمة: هو الزَّلِقِ، وحكى ابن التِّين أنَّ في رواية القابِسِيّ بالرَّاء بدل الدّال، وهو
الغَسل، قال: ولا معنى له هنا إلَّا إن مُلَ على أنَّ الأرض حين أصابَها المطر كالمغتَسَلِ،
والجامع بينهما الزَّلَق. وقد تقدَّمت بقيَّة مباحث الحديث في أبواب الأذان (٦١٦).
تنبيه: وقع في السياق عن عبد الله بن الحارث ابن عَمّ محمد بن سيرين، وأنكَرَه
الدِّمياطيّ فقال: كان زوجَ بنت سيرين، فهو صِهر ابن سيرين لا ابنُ عَمّه. قلت: ما المانع
أن يكون بين سيرين والحارث أُخوَّة من رَضاع ونحوه، فلا ينبغي تغليط الرواية الصحيحة

٦٣٤
باب ١٤ / ح ٩٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
مع وجود الاحتمال المقبول.
٣٨٥/٢
١٤ - بابٌ من أين تؤتى الجمعةُ، وعلى من تجب؟
لقول الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩].
وقال عطاءٌ: إذا كنتَ في قَرْبةٍ جامعةٍ، فُنُودِيَ بالصلاة من يوم الجمعةِ، فحقٌّ عليكَ أنْ
تَشْهَدَها، سمعتَ النِّداءَ أو لم تَسْمَعْه.
وكان أنسٌُّ ﴾ في قَصْرِه أحياناً يُجُمِّعُ وأحياناً لا يُجُمِّعُ، وهو بالزّاوِيةِ على فَرْسَخَيْنِ.
٩٠٢- حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمرُو بنُ
الحارثِ، عن عُبيد الله بنِ أبي جعفرٍ، أنَّ محمَّدَ بنَ جعفرِ بنِ الزُّبَيرِ حدَّثه، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ،
عن عائشةَ زوجِ النبيِّ وَّه قالت: كان النَّاسُ يَتْتابُونَ الجمعةَ من منازلِم والعَوالي، فيَأْتُونَ في
الغُبار فيُصِيبُهم الغُبارُ والعَرَقُ، فَيَخرُجُ مِنْهِمِ العَرَقُّ، فأتى رسولَ اللهِ ◌ّهِ إنسانٌ منهم وهو
عندي، فقال النبيُّ ◌َّةِ: (لو أنَّكمْ تَطَهَّرْتُم ليومِكم هذا)).
قوله: «بابٌّ من أينَ تُؤْتَى الجمعة، وعلى مَن تَجِب؟ لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ
مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾)) يعني أنَّ الآية ليست صريحة في وجوب بيان الحكم
المذكور، فلذلك أتى في الترجمة بصيغة الاستفهام.
والذي ذهب إليه الجمهور أنَّها تَجِبُ على مَن سمع النِّداء، أو كان في قوَّة السامع سواء
كان داخلَ البلد أو خارجَه، ومحلّه كما صَرَّحَ به الشافعيّ ما إذا كان المنادي صَيّاً
والأصوات هادئة والرجل سميعاً(١)، وفي ((السُّنَن)) لأبي داود (١٠٥٦) من حديث عبد الله
ابن عَمْرو مرفوعاً: ((إنَّما الجمعة على مَن سمع النِّداء))، وقال: إنَّه اختُلِفَ في رفعه ووَقْفه،
وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ (١٥٨٩) من وجه آخر عن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه
(١) عبارة الشافعي في (الأم)): وكان هو مُستمعاً، ثم بيَّن أن المعنى أن يكون غيرَ غافلٍ، والمستمع يختلف
عن السميع، لأن السَّميع الذي ليس فيه عِلَّة في سمعه، أما المستمع فالذي يُمعِن في السماع ويُصغي
تمام الإصغاء.

٦٣٥
باب ١٤ / ح ٩٠٢
كتاب الجمعة
مرفوعاً (١)، ويؤيِّده قولُه وَّه لابنِ أمّ مكتوم: ((أَتَسمَعُ النِّداء؟)) قال: نَعَم، قال:
((فأجِبْ))(٢)، وقد تقدَّم في صلاة الجماعة(٣) ذِكْر مَن احتَجَّ به على وجوبها، فيكون في الجمعة
أولى لثبوتِ الأمر بالسَّعيٍ إليها.
وأمَّا حديث: ((الجمعة على مَن آواه الليل إلى أهله))، فأخرجه التِّرمِذيّ (٥٠٢)، ونَقَلَ
عن أحمد أنَّه لم يَرَه شيئاً، وقال لمن ذكره: استَغْفِرِ رَبّك. وقد تقدَّم قبلُ ببابٍ من قول ابن
عمر نحوه، والمعنى أنَّها تَجِب على مَن يُمكِنه الرجوع إلى أهله قبل دخول الليل، واستُشكِلَ
بأنَّه يَلزَم منه أنَّه يجب السَّعي من أوَّل النهار، وهو بخلاف الآية.
قوله: ((وقال عطاء ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الرزاق (٥١٧٩) عن ابن جُرَیج عنه،
وقوله: ((سمعت النِّداء أو لم تَسمَعه)) يعني إذا كنت داخل البلد، وبهذا صَرَّحَ أحمد، ونقل
النَّوَويّ أنَّه لا خلاف فيه، وزاد عبد الرزاق في هذا الأثر عن ابن جُرَيج أيضاً: قلتُ
لعطاءٍ: ما القرية الجامعة؟ قال: ذات الجماعة والأمير والقاضي(٤) والدُّور المجتَمِعة، الآخِذ
بعضها ببعضٍ مثل جُدَّة.
قوله: ((وكان أنس - إلى قوله: لا يُجُمِّع)) وَصَلَه مُسدَّد في ((مسنده الكبير)) عن أبي عَوَانة
عن حمیدٍ بهذا.
(١) وإسناده ضعيف کما بيناه في ((سنن أبي داود)) (١٠٥٦).
(٢) أخرجه مسلم (٦٥٣)، والنسائي (٨٥٠) من حديث أبي هريرة، وأحمد (١٤٩٤٨)، وابن حبان (٢٠٦٣)
من حديث جابر، وأحمد (١٥٤٩٠)، وأبو داود (٥٥٢) و(٥٥٦)، وابن ماجه (٧٩٢)، والنسائي
(٨٥١) من حديث ابن أم مكتوم.
(٣) عند شرح الحديث (٦٤٤).
(٤) كذا في الأصلين و(س): والقاضي، والذي في مطبوع ((المصنَّف)): والقصاص، وهو الذي نقله الحافظ
نفسه عن عبد الرزاق في ((تغليق التعليق)) ٣٥٤/٢، فالظاهر أنه جاء في بعض نسخ ((المصنف)) التعبير
بالقاضي، بدل ((القصاص))، بوصفه مَن يباشر الحكم بالقصاص، أو تكون ((القاضي)) محرّفة عن القاصّ،
وهو الذي يذكُرُ الأخبار والحكايات والمواعظ، ويكون ما في مطبوع ((المصنف))، و((التغليق)): القَصّاص،
بتشديد الصاد، فيتفقان، لأن القاصّ هو القصّاص. والله أعلم.

٦٣٦
باب ١٤ / ح ٩٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: (يُجُمِّع)) أي: يُصلِّي بمَن معه الجمعة، أو يشهد الجمعة بجامع البصرة.
قوله: ((وهو ) أي: القصر، والزّاوية موضعٌ ظاهرَ البصرة معروفٌ كانت فيه وقعة كبيرة
بين الحجّاج وابن الأشعَث. قال أبو عبيد البَكْريّ: هو بكسر الواو موضع دانٍ من البصرة.
٣٨٦/٢ وقوله: ((على فرسَخَين)) أي: من البصرة. وهذا وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٠٢/٢) من
وجه آخر عن أنس: أنَّه كان يشهد الجمعة من الزّاوية وهي على فرسَخَينٍ من البصرة،
وهذا يَرُدّ على مَن زَعَمَ أنَّ الزّاوية موضع بالمدينة النَّبَويَّة كان فيه قَصْر لأنسٍ على
فرسَخَينِ منها، ويُرجَّح الاحتمال الثاني. وعُرِفَ بهذا أنَّ التَّعليق المذكور مُلَفَّق من أثَرَين،
ولا يعارض ذلك ما رواه عبد الرزاق (٥١٥٨) عن مَعمَر عن ثابت قال: كان أنس يكون
في أرضه وبينه وبين البصرة ثلاثة أميال، فيشهد الجمعة بالبصرة. لكون الثلاثة أميال
فرسَخاً واحداً، لأنَّه يُجمَع بأنَّ الأرض المذكورة غيرُ القصر، وبأنَّ أنساً كان يَرَى
التَّجميع حتماً إن كان على فرسَخ ولا يراه حتماً إذا كان على أكثر من ذلك، ولهذا لم يقع في
رواية ثابت التّخييرُ الذي في رواية حمیدٍ.
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن صالح)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، ووافَقَه ابن السَّكَن، وعند غير هما:
حدَّثنا أحمد، غير منسوب، وجَزَمَ أبو نُعيمٍ في ((المستخرَج)) بأنَّه ابنُ عيسى، والأوَّل
أصوب. وفي هذا الإسناد لطيفة، وهو أنَّ فيه ثلاثةً دون عبيد الله بن أبي جعفر من أهل
مِصر، وثلاثةً فوقه من أهل المدينة.
قوله: ((يَْتابُونَ الجمعة)) أي: يَحِضُرونها نوباً، والانتياب افتعال من النَّوبة، وفي رواية:
يتناوبون.
قوله: ((والعَوالي)) تقدَّم تفسيرها في المواقيت، وأنَّها على أربعة أميال فصاعداً من المدينة.
قوله: ((فِيَأْتونَ في الغُبار فيصيبهم الغُبار)» كذا وقع للأكثر، وعند القابسيّ: فيأتون في
العَباء، بفتح المهملة والمدّ، وهو أصوب، وكذا هو عند مسلم (٨٤٧) والإسماعيليّ وغيرهما،
من طريق ابن وَهْب.

٦٣٧
باب ١٥ / ح ٩٠٣
كتاب الجمعة
قوله: ((إنسانٌ منهم)) لم أقِفْ على اسمه، وللإسماعيليِّ: ناس منهم.
قوله: ((لو أنَّكم تَطَهَّرْتُم ليومِكم هذا)) ((لو)) للتَّمَنّي فلا تحتاج إلى جواب، أو للشَّرطِ
والجواب محذوف تقديره: لكان حسناً. وقد وقع في حديث ابن عبّاسٍ عند أبي داود
(٣٥٣) أنَّ هذا كان مَبدَأَ الأمر بالغُسلِ للجمعة، ولأبي عَوَانة(١) من حديث ابن عمر
نحوه، وصَرَّحَ في آخره بأنَّه وَ ﴿ قال حينئذٍ: ((مَن جاءَ منكم الجمعة فليغتسل))، وقد
استدلَّت به عَمْرة على أنَّ غُسل الجمعة شُرِعَ للتَّنظيفِ لأجل الصلاة كما سيأتي في الباب
الذي بعده، فعلى هذا فمعنى قوله: «لیومِکم هذا» أي: في یومکم هذا.
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً رِفق العالم بالمتعلّم، واستحباب التَّنظيف لمجالَسة
أهل الخير، واجتناب أذى المسلم بكلِّ طريق، وحِرص الصحابة على امتثال الأمر ولو
شقَّ علیھم.
وقال القُرطبيّ: فيه رَدّ على الكوفيّينَ حيثُ لم يُوجِبوا الجمعة على مَن كان خارج
المِصر، كذا قال. وفيه نظرٌ، لأنَّه لو كان واجباً على أهل العَوالي ما تَناوَبوا، ولكانوا
يَحَضُرون جميعاً، والله أعلم.
١٥ - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس
وكذلك يُذكَرُ عن عمرَ وعليٍّ والنُّعْمان بنِ بَشيرٍ وعَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ رضي الله عنهم.
٩٠٣- حدَّثنا عبدانٌ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيدِ: أنَّ سَأَلَ عَمْرةَ
عن الغُسْلِ يومَ الجمعةِ، فقالت: قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان النَّاسُ مَهَنَةَ أنْفُسِهم، وكانوا
إذا راحُوا إلى الجمعةِ راحُوا في هَيْتَتِهم، فقِيلَ لهم: لو اغتَسَلْتُم.
[طرفه في: ٢٠٧١]
قوله: ((باب وقت الجمعة)) أي: أوَّله ((إذا زالت الشمس)) جَزَمَ بهذه المسألة مع وقوع ٣٨٧/٢
(١) لم نقف عليه في مطبوع أبي عوانة.

٦٣٨
باب ١٥ / ح ٩٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
الخلاف فيها لضعفٍ دليل المخالِف عنده.
قوله: ((وكذلك يُذكَر عن عمر وعليّ والنُّعْمان بن بشير وعَمْرو بن حُرَيْثٍ)) قيل: إنَّما
اقتصر على هؤلاء من الصحابة دون غيرهم لأنَّه نُقِلَ عنهم خلاف ذلك، وهذا فيه نظرٌ،
لأَنَّه لا خلاف عن عليّ ومَن بعده في ذلك، وأغرَبَ ابن العربيّ فنقل الإجماع على أنَّها لا
تَجِب حتَّى تَزول الشمس، إلَّ ما نُقِلَ عن أحمد أنَّه إن صلَّاها قبل الزّوال أجزَأ. انتهى، وقد
نَقَلَه ابن قدامةَ وغيره عن جماعة من السَّلَف كما سيأتي.
فأمَّا الأثر عن عمر فروى أبو نُعيمٍ شيخ البخاري في ((كتاب الصلاة)) له، وابن أبي
شَيْبة من رواية عبد الله بن سِيْدانَ (١٠٧/٢)(١) قال: شَهِدت الجمعة مع أبي بكر فكانت
صلاته وخُطبَته قبل نصف النهار، وشَهِدتها مع عمر فكانت صلاته وخُطبَته إلى أن أقول:
قد انتَصَفَ النهار. ورجاله ثقات إلَّا عبد الله بن سيدانَ - وهو بكسر المهملة بعدها تحتانيَّة
ساكنة - فإنَّه تابعيّ كبير إلّا أنَّه غير معروف العَدالة، قال ابن عَديّ: شِبه المجهول. وقال
البخاري: لا يُتَابَع على حديثه. بل عارَضَه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبي شَيْبة (٣٢٣/١)
من طريق سوَيد بن غَفَلة: أنَّه صلَّى مع أبي بكر وعمر حين تزولُ الشمس. إسناده قَوي،
وفي ((الموطَّأ)) (٩/١) عن مالك بن أبي عامر قال: كنت أرَى طِنْفِسةً لعَقيل بن أبي طالب
تُطرَح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغَربي، فإذا غَشيَها ظِلّ الجِدار خرج عمر. إسناده
صحيح. وهو ظاهر في أنَّ عمر كان يَخْرُج بعد زوال الشمس، وفَهمَ منه بعضهم عكس
ذلك، ولا يَتّجهُ إلَّا إن ◌ُلَ على أنَّ الطِّنْفِسة كانت تُفرَش خارج المسجد، وهو بعيد،
والذي يظهر أنَّها كانت تُفرَش له داخلَ المسجد، وعلى هذا فكان عمر يتأخّر بعد الزّوال
قليلاً، وفي حديث السَّقيفة عن ابن عبّاسٍ قال: فلمَّا كان يومُ الجمعة وزالتِ الشمس
خرج عمر فجَلَسَ على المِنْبَرَ(٢).
(١) وهو أيضاً عند عبد الرزاق (٥٢١٠)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٥٤/٢، والدار قطني (١٦٢٣).
(٢) سيأتي برقم (٦٨٣٠).

٦٣٩
باب ١٥ / ح ٩٠٣
كتاب الجمعة
وأمَّا عليّ فروى ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٠٨) من طريق أبي إسحاق: أنَّه صلَّى خلف عليّ
الجمعة بعدما زالتِ الشمس، إسناده صحيح، وروى أيضاً (١٠٨/٢) من طريق أبي رَزين
قال: كنَّا نُصلّي مع عليّ الجمعة فأحياناً نَجِد فيئاً وأحياناً لا نَجِد. وهذا محمول على المبادرة
عند الزَّوال أو التأخير قليلاً.
وأمَّا التُّعمان بن بشير فروى ابن أبي شَيْبة (١٠٩/٢) بإسنادٍ صحيح عن سِماك بن
حرب قال: كان النُّعمان بن بشير يُصلِّي بنا الجمعة بعدما تَزول الشمس. قلت: وكان
التُّعمان أميراً على الكوفة في أوَّل خلافة يزيد بن معاوية.
وأمَّا عَمْرو بن حُرَيثٍ فأخرَجه ابن أبي شَيْبة (١٠٩/٢) أيضاً من طريق الوليد بن العَيزار
قال: ما رأيت إماماً كان أحسن صلاة للجمعة من عَمْرو بن حُرَيث، فكان يُصلّيها إذا زالت
الشمس. إسناده صحيح أيضاً، وكان عَمْرو يَنوب عن زياد وعن ولَده في الكوفة أيضاً.
وأمَّا ما يعارض ذلك عن الصحابة فروى ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٠٧) من طريق عبد الله
ابن سَلِمة - وهو بكسر اللَّام - قال: صلَّى بنا عبد الله - يعني ابن مسعود - الجمعة ضُحَّى
وقال: خَشيت عليكم الحرّ. وعبد الله صَدوق إلَّا أنَّه مَمَّن تَغيَّر لمَّا كَبِرَ، قاله شُعْبة وغيره،
ومن طريق سعيد بن سوَيدٍ قال: صلَّى بنا معاوية الجمعة ضُحّى. وسعيد ذكره ابن عَديّ
في (الضُّعَفاء)). واحتَجَّ بعض الحنابلة بقوله ◌َّ: ((إنَّ هذا يوم جَعَلَه الله عيداً للمسلمين))(١)،
قال: فلمَّا سمَّه عيداً جازت الصلاة فيه وقتَ العيد كالفِطرِ والأضحى، وتُعُقِّبَ بأنَّه لا
يَلْزَم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يَشتَمِل على جميع أحكام العيد، بدليل أنَّ يوم العيد
يَحْرُمِ صَومه مُطلَقاً سواء صامَ قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتِّفاقهم.
قوله: ((أخبَرنا عبد الله)) هو ابن المبارك، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ.
(١) أخرجه ابن ماجه (١٠٩٨) من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف، وقد رُوي مرسلاً في ((الموطأ)»
٦٥/١، ومن طريقه البيهقي ٢٤٣/٣، وقال: هذا هو الصحيح مرسل، وقد روي موصولاً، ولا يصح
وصلُه. لكن صحَّ عند إسحاق بن راهويه في مسند أبي هريرة برقم (٢٣٨)، وابن حبان (٣٦١٠) بلفظ:
((لا تصوموا يوم الجمعة، فإنه يوم عيد، إلا أن تَصِلُوه بأيام)).

٦٤٠
باب ١٥ / ح ٩٠٤ -٩٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
٣٨٨/٢ قوله: ((كان النَّاسِ مَهَنة)) بنونٍ وفَتَحات جمع ماهِن، ككَتَبَةٍ وكاتِب، أي: خَدَم أنفُسهم،
وحكى ابن التِّين أنَّه رُوِيَ بكسر أوَّله وسكون الهاء، ومعناه بإسقاط محذوف، أي: ذَوي
مِهْنة. ولمسلم (٨٤٧) من طريق الليث عن يحيى بن سعيد: كان الناس أهلَ عمل ولم يكن
لهم كُفاةٌ، أي: لم يكن لهم مَن يكفيهم العملَ من الخَدَم.
قوله: ((وكانوا إذا راحُوا إلى الجمعة راحُوا في هَيْتَتَهم)) استَدلَّ البخاري بقوله: ((راحوا))
على أنَّ ذلك كان بعد الزَّوال، لأنَّه حقيقة الرَّواح كما تقدَّم (٨٨١) عن أكثر أهل اللُّغة، ولا
يعارض هذا ما تقدَّم عن الأزهريّ: أنَّ المراد بالَّواح في قوله: ((مَن اغتَسَلَ يوم الجمعة ثمَّ
راح)) الذَّهابُ مُطلَقاً، لأنَّه إمَّا أن يكون مجازاً أو مُشتركاً، وعلى كلٍّ من التقديرَينِ فالقرينة
مُخُصِّصة، وهي في قوله: ((مَن راحَ في الساعة الأولى)) قائمة في إرادة مُطلَق الذَّهاب، وفي
هذا قائمة في الذَّهاب بعد الزّوال لما جاءَ في حديث عائشة المذكور في الطريق التي في آخر
الباب الذي قبل هذا حيثُ قالت: يصيبهم الغُبار والعَرَق، لأنَّ ذلك غالباً إنَّما يكون بعدما
يشتدّ الحُرُّ، وهذا في حال مَجَيئِهم من العَوالي، فالظاهر أنَّهم لا يَصِلون إلى المسجد إلَّا حين
الزَّوال أو قريباً من ذلك، وعُرِفَ بهذا توجيه إيراد حديث عائشة في هذا الباب.
تنبيه: أورَدَ أبو نُعيم في ((المستخرَج)) طريق عَمْرة هذه في الباب الذي قبله، وعلى هذا
فلا إشكال فيه أصلاً.
٩٠٤ - حدَّثنا سُرَيْجُ بنُ التُّعْمان، قال: حدَّثنا فُلَيِحُ بنُ سليمانَ، عن عثمانَ بنِ عبدِ الرحمن
ابنِ عثمانَ التَّْميِّ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َِّكان يُصلِّيّ الجمعةَ حينَ تَميلُ الشمسُ.
٩٠٥- حدَّثنا عبدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا مُميدٌ، عن أنس بن مالكٍ، قال:
كنّا نُبِكِّرُ بالجمعةِ، ونَقِيلُ بعدَ الجمعةِ.
[طرفه في: ٩٤٠]
قوله: ((عن أنس)) صَرَّحَ في رواية الإسماعيليّ من طريق زيد بن الحباب عن فُلَيح بسماع
عثمان له من أنس.