Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
باب ٤ / ح ٨٨١
كتاب الجمعة
عَجْلان، أخرجه محمد بن عبد السلام الخُشَنيُّ (١)، وله شاهدٌ من حديث أبي سعيد أخرجه
حميدُ بن زَنْجويه في ((التَّرغيب))(٢) له بلفظ: ((فكمُهْدي البَدَنة إلى البقرة إلى الشاة إلى عِلية
الطَّير إلى العُصفور)) الحديث، ونحوُه في مُرسَل طاووسٍ عند سعيد بن منصور، ووقع عند
النَّسائيِّ أيضاً (١٣٨٥) في حديث الزُّهريِّ(٣) من رواية عبد الأعلى عن مَعمَر زيادة البَطَّة
بين الكَبْش والدَّجاجة، لكن خالَفَه عبد الرزاق (٥٥٦٢)، وهو أثبت منه في مَعمَر فلم
يَذكُرها، وعلى هذا فخروج الإمام يكونُ عند انتهاء السادسة، وهذا كلّه مبنيٌّ على أنَّ المراد
بالساعات ما يتبادر الذُّهن إليه من العُرف فيها، وفيه نظر، إذ لو كان ذلك المراد لاختلف
الأمر في اليوم الشاتي والصائف، لأنَّ النهار ينتهي في القِصَر إلى عشر ساعات وفي الطّول
إلى أربعَ عشرة، وهذا الإشكال للقَفّال.
وأجاب عنه القاضي حسين بأنَّ المراد بالساعات ما لا يُخْتَلَف عَدَده بالطّول والقِصَر،
فالنهار اثنتا عشرة ساعة لكن يزيد كلٍّ منها ويَنقُص والليل كذلك، وهذه تُسمَّى الساعات
الآفاقيَّة عند أهل الميقات وتلك التَّعديليَّة، وقد روى أبو داود (١٠٤٨) والنَّسائيُّ
(١٣٨٩) وصحَّحه الحاكم (٢٧٩/١) من حديث جابر مرفوعاً: ((يوم الجمعة اثنتا عشرة
ساعة)) وهذا وإن لم يَرِد في حديث التَّبكير، فيُستأنس به في المراد بالساعات.
وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكّرين من أوَّل النهار إلى الزَّوال وأنَّهَا تَنقَسِم ٣٦٧٢
إلى خمس، وتَجاسَرَ الغَزاليّ فقَسَّمَها برأيه فقال: الأولى: من طلوع الفجر إلى طلوع
الشمس، والثانية: إلى ارتفاعها، والثالثة: إلى انبساطها، والرَّابعة: إلى أن تَرمَضَ الأقدام،
والخامسة: إلى الزَّوال.
واعتَرَضَه ابنُ دَقِيق العيد بأنَّ الردَّ إلى الساعات المعروفة أولى، وإلَّا لم يكن لتخصيص
(١) وأخرجه من طريقه ابن حزم في ((المحلى)) ٥/ ٤٤، لكن عن صفوان، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي
هريرة. وكذلك أخرجه البزار (٨٣٤٤) عن عمرو بن علي الفلاس، عن صفوان بن عيسى، به.
(٢) وكذلك أخرجه أبو بكر المروزي في ((الجمعة)) (٤٥).
(٣) رواية الزهري عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة.

٦٠٢
باب ٤ / ح ٨٨١
فتح الباري بشرح البخاري
هذا العدد بالذِّكرِ معنَى، لأنَّ المراتب مُتفاوتة جدّاً.
وأَولى الأجوبة الأوَّل إن لم تكن زيادة ابن عَجْلان محفوظة، وإلَّا فهي المعتمَدة.
وانفَصَلَ المالكيَّة إلَّا قليلاً منهم وبعض الشافعيَّة عن الإشكال بأنَّ المراد بالساعات
الخمس لحظاتٌ لطيفةٌ أوَّلها زوال الشمس، وآخرُها: قعود الخطيب على المِبَرَ، واستدلُّوا
على ذلك بأنَّ الساعة تُطلَق على جزء من الزمان غير محدود، تقول: جئت ساعة كذا، وبأنَّ
قوله في الحديث: ((ثمَّ راح)) يدلُّ على أنَّ أوَّلَ الذَّهاب إلى الجمعة من الزّوال، لأنَّ حقيقة
الرَّواح من الَّوال إلى آخرِ النهار، والغُدوّ من أوَّلِه إلى الزّوال.
قال المازَرِيُّ: تمسَّكَ مالك بحقيقة الرَّوَاح وتجوَّزَ في الساعة وعَگَسَ غیرُه. انتهى، وقد
أنكَرَ الأزهريّ على مَن زَعَمَ أنَّ الَّواح لا يكونُ إلَّا بعد الزّوال، ونقل أنَّ العرب تقول:
(راح)) في جميع الأوقات بمعنى: ذهب، قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في
((الغريبین)) نحوَه.
قلت: وفيه رَدٌّ على الزَّين بن المنيِّر حيثُ أطلَقَ أنَّ الرَّوَاح لا يُستَعمَل في المضيّ في أوَّل
النهار بوجْه، وحيثُ قال: إنَّ استعمال الرَّواح بمعنى الغُدوّ لم يُسمَع ولا تَبَتَ ما يدلُّ عليه.
ثمَّ إنِّي لم أرَ التعبير بالرَّوَاح في شيء من طرق هذا الحديث إلّا في رواية مالك هذه عن
◌ُمَيّ، وقد رواه ابنُ جُرَيج عن سُميٍّ بلفظ: ((غَدا)) ورواه أبو سَلَمة عن أبي هريرة بلفظ:
((المتعجِّل إلى الجمعة كالمُهدي بَدَنة)) الحديث، وصحَّحه ابنُ خُزيمة (١٧٦٨)، وفي حديث
سَمُرة: ضَرَبَ رسول الله بِ ◌ّهِ مَثَل الجمعة في التَّبكير كناحرِ البَدَنة، الحديث، أخرجه ابنُ
ماجَهْ (١٠٩٣)، ولأبي داود (١٠٥١) من حديث عليٍّ مرفوعاً: ((إذا كان يوم الجمعة غَدَت
الشَّياطين براياتها إلى الأسواق، وتَغدو الملائكة فتَجلِس على باب المسجد فتكتب الرجل
من ساعة والرجل من ساعتَين)) الحديث.
فدلَّ مجموع هذه الأحاديث على أنَّ المراد بالرَّواح الذَّهاب، وقيل: النُّكتة في التعبير
بالرَّوَاحِ الإشارة إلى أنَّ الفعل المقصود إنَّما يكونُ بعد الزَّوال، فيُسمَّى الذّاهب إلى الجمعة

٦٠٣
باب ٤ / ح ٨٨١
كتاب الجمعة
رائحاً وإن لم يَجِئْ وقتُ الرَّواح، كما سُمّيَ القاصدُ إلى مكَّة حاجّاً. وقد اشتدَّ إنكار أحمد
وابنِ حبيب من المالكيَّة ما نُقِلَ عن مالك من كراهية التَّبكير إلى الجمعة، وقال أحمد: هذا
خلافُ حديث رسول الله وَّه. واحتَجَّ بعض المالكيَّة أيضاً بقوله في رواية الزُّهريِّ: ((مَثَل
المهَجِّر))(١)، لأنَّه مشتقّ من التَّهجير، وهو السَّير في وقت الهاجرة.
وأُجيبَ بأنَّ المراد بالتَّهجيرِ هنا: التَّبكير كما تقدَّم نقْلُه عن الخليل في المواقيت.
وقال ابنُ المنيِّر في ((الحاشية)): يحتمل أن يكون مشتقّاً من الهِجّير بالكسر وتشديد الجيم،
وهو مُلازمة ذِكْر الشيء، وقيل: هو مِن هَجَرَ المنزل، وهو ضعيف، لأنَّ مصدره الهَجْر لا
التَّهجير.
وقال القُرطبيّ: الحَقّ أنَّ التَّهجير هنا من الهاجرة: وهو السَّير وقتَ الحرِّ، وهو صالح
لما قبل الَّوال وبعده، فلا حُجَّة فیه لمالكٍ.
وقال التُّورِبِشْتِيُّ: جُعِلَ الوقت الذي يرتفع فيه النهار ويأخذ الحُّ في الازدياد من
الهاجرة تغليباً، بخلاف ما بعد زوال الشمس فإنَّ الحَرَّ يأخذ في الانحطاط، ومَّا يدلّ على
استعمالهم التَّهجير في أوَّل النهار ما أنشَدَ ابنُ الأعرابيّ في («نوادره)) لبعض العرب(٢):
◌ُهُجِّرونَ بِهَجِيرِ الفجرِ
واحتَجّوا أيضاً بأنَّ الساعة لو لم تَطُل، لَلَزِمَ تساوي الآتينَ فيها، والأدلَّة تقتضي ٣٧٠٢
رُجْحان السابق، بخلاف ما إذا قلنا: إنَّها لحظة لطيفة. والجواب ما قاله النَّوَويّ في ((شرح
المهذَّب)) تَبَعاً لغيره: أنَّ التَّساوي وقع في مُسمَّى البَدَنة والتَّفاوت في صِفاتها، ويؤيِّده أنَّ
في رواية ابن عَجْلان تكرير كلٌّ من المتقرَّب به مرَّتَينِ حيثُ قال: ((كرجلٍ قَدَّمَ بَدَنة،
وكرجلٍ قدَّمَ بَدَنة))(٣) الحديث، ولا يَرِدُ على هذا أنَّ في رواية ابن جُرَيج: ((وأوَّلُ الساعة
(١) ستأتي برقم (٩٢٩).
(٢) هو جِعْثِنةُ بن جَوّاس الرَّبَعي، كما في ((تاج العروس)) للَّبيدي مادة (هجر).
(٣) أخرجه النسائي في «الكبرى» (١٧٠٦).

٦٠٤
باب ٥ / ح ٨٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
وآخرُها سواء))(١)، لأنَّ هذه التَّسوية بالنِّسبة إلى البَدَنة كما تَقَرَّرَ.
واحتَجَّ مَن كَرِهَ التَّبكير أيضاً بأنَّه يَستَلِم تخطَّي الرِّقاب في الرجوع لمن عَرَضَت له
حاجة فخرج لها ثمَّ رَجَع. وتُعُقِّبَ بأنَّه لا حَرَجَ عليه في هذه الحالة لأنَّه قاصد للوصول
لحَقِّه، وإنَّما الخَرَج على مَن تأخّرَ عن المجيء ثمَّ جاءَ فَتَخَطَّى، والله سبحانه وتعالى أعلمُ.
٥- باب
٨٨٢- حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثْنا شَيْبانُ، عن يحيى - هو ابنُ أبي كَثيرٍ - عن أبي سَلَمة،
عن أبي هريرةَ: أَنَّ عمرَ ﴾ بينما هو يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ إذْ دخل رجلٌ فقال عمرُ: لمَ تَحْتَبِسُونَ
عن الصلاةِ؟ فقال الرجلُ: ما هو إلا أنْ سمعتُ النِّداءَ تَوضَّأْتُ، فقال: ألم تَسْمَعُوا النبيَّ ◌َِلـ
يقولُ: ((إذا راحَ أحدُكم إلى الجمعةِ فَلَيَغْتَسِل)»؟
قوله: ((باب)) كذا في الأصل بغير ترجمة، وهو كالفَصْلِ من الباب الذي قبله، ووجه
تَعلُّقه به أنَّ فيه إشارةً إلى الردّ على مَن اذَّعَى إجماع أهل المدينة على ترك التَّبكير إلى
الجمعة، لأنَّ عمر أنكَرَ عدم التَّكير بمَحضَرٍ من الصحابة وكبار التابعين من أهل
المدينة. ووجه دخوله في فضل الجمعة ما يَلزَم من إنكار عمر على الدّاخل احتباسَه مع
عِظَم شأنه، فإنَّه لولا عِظَم الفضل في ذلك لمَا أنكَرَ عليه، وإذا ثَبَتَ الفضل في التَّبكير
إلى الجمعة ثَبَتَ الفضل لها.
قوله: ((إذْ دخل رجل)) سمَّه عبيد الله بن موسى في روايته عن شَيْبانَ: عثمان بن عقَّان،
أخرجه الإسماعيليّ، ومحمدُ بن سابق عن شَيْبانَ عند قاسم بن أصبَغ، وكذا سمَّه الأوزاعيُّ
عند مسلم (٤/٨٤٥)، وحَرْب بن شدَّاد عند الطَّحاويّ (١١٨/١) كلاهما عن يحيى بن
أبي كثير، وصَرَّحَ مسلم في روايته بالتَّحديث في جميع الإسناد. وقد تقدَّمت بقيّة مباحثه في
(باب فضل الغُسل يوم الجمعة))(٢).
(١) عند عبد الرزاق (٥٥٦٥).
(٢) هو الباب رقم (٢).

٦٠٥
باب ٦ / ح ٨٨٣
كتاب الجمعة
٦ - باب الدُّهْن للجمعة
٨٨٣- حدَّثْنا آدمُ، قال: حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن سعيد المقبريِّ، قال: أخبرني أبي، عن ابنِ
وَدِيعةَ، عن سَلْمانَ الفارسِيِّ قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((لا يَغْتَسِلُ رجلٌ يومَ الجمعةِ ويَتَطَهَّرُ ما
استَطاعَ من الطَّهْرِ، ويَدَّهِنُ من دُهْنِهِ، أو يَمسُّ من طِيبٍ بيتِهِ، ثمَّ يَخْرُجُ فلا يُفرِّقُ بينَ اثنَينٍ، ثمَّ
يُصلِّي ما كُتِبَ له، ثمَّ يُنصِتُ إذا تَكلَّم الإمامُ، إلا غُفِرَ له ما بينه وبينَ الجمعةِ الأخرَى)).
[طرفه في: ٩١٠]
قوله: ((باب الدُّهْن للجمعة)) أي: استعمال الدُّهن، ويجوز أن يكون بفتح الدّال، فلا ٣٧١/٢
يحتاج إلى تقدیر.
قوله: ((عن ابن وَدِيعة)) هو عبد الله، سمَّه أبو عليّ الحنفيّ عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد
عند الدّارميِّ (١٥٤١)(١)، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، وهو تابعيّ جليل، وقد
ذكره ابن سعد في الصحابة، وكذا ابن مَندَهْ، وعزاه لأبي حاتم. ومُستَنَدهم أنَّ بعض الرُّواة
لم يَذكُر بينه وبين النبيّ ◌َ له في هذا الحديث أحداً، لكنَّه لم يُصرِّح بسماعه، فالصواب إثبات
الواسطة.
وهذا من الأحاديث التي تَتَبَّعَها الدَّارَقُطنيُّ على البخاري، وذكر أنَّه اختُلِفَ فيه على
سعيد المقبريِّ، فرواه ابن أبي ذئب عنه هكذا، ورواه ابن عَجْلان عنه فقال: عن أبي ذرٍّ،
بدل: سلمان، وأرسَلَه أبو مَعشَر عنه فلم يَذكُر سلمان ولا أبا ذر، ورواه عُبيد الله العمريّ
عنه فقال: عن أبي هريرة. انتهى، ورواية ابن عَجْلان المذكورة عند ابن ماجَهْ (١٠٩٧)،
ورواية أبي مَعشَر عند سعيد بن منصور (٢)، ورواية العمريّ عند أبي يعلى (٦٥٤٩). فأمَّا ابن
عَجْلان فهو دون ابن أبي ذئب في الحفظ فروايته مرجوحة، مع أنَّه يحتمل أن يكون ابن
(١) وكذلك سماه أبو النضر هاشم بن القاسم عند أحمد (٢٣٧٢٥)، وشبابة بن سوّار عند ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٢
كلاهما عن ابن أبي ذئب.
(٢) وأخرجه كذلك ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٧٣/٤.

٦٠٦
باب ٦ / ح ٨٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
وَدِیعة سمعه من أبي ذرٍّ وسلمان جمیعاً، ويُرجِّح گوْنه عن سلمان وُروده من وجه آخر عنه،
أخرجه النَّسائيُّ (١٤٠٣) وابن خُزَيمة (١٧٣٢) من طريق علقمة بن قيس عن قَرئَع
الضَّبّي، وهو بقافٍ مفتوحة وراء ساكنة ثمَّ مثلَّثة، قال: وكان من القُرّاء الأوَّلين، عن سلْمان
نحوه، ورجاله ثقات.
وأمَّا أبو مَعشَر فضعيف، وقد قَصَّرَ فيه بإسقاط الصحابي، وأمَّا العمريّ فحافظ، وقد
تابعه صالح بن كَيْسانَ عن سعيد(١) عند ابن خُزيمة (١٨٠٣)، وكذا أخرجه عبد الرزاق
(٥٥٩٠) عن ابن ◌ُرَيج عن رجل عن سعيد.
وأخرجه ابن السَّكَن من وجه آخر عن عبد الرزاق وزاد فيه مع أبي هريرة عمارة بن
عامر الأنصاريّ. انتهى، وقوله: ((ابن عامر)) خطأٌ، فقد رواه الليث عن ابن عَجْلان عن
سعيد فقال: عُمارة بن عَمْرو بن حَزْم. أخرجه ابن خُزيمة (١٧٦٣)، وبيَّن الضَّحّاك بن
عثمان عن سعيد أنَّ عُمارة إنَّما سمعه من سلمان ذكره الإسماعيليّ. وأفاد في هذه الرواية أنَّ
سعيداً حَضَرَ أباه لمَّا سمع هذا الحديث من ابن وَدِيعة، وساقه الإسماعيليّ من رواية حَمَّاد
بن مَسعَدةً وقاسم بن يزيد الجَرْميّ، كلاهما عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن ابن وَدِيعة،
ليس فيه عن أبيه، فكأنَّه سمعه مع أبيه من ابن وَدِیعة، ثمَّ استَثَبَتَ أباه فيه، فكان يرويه
على الوجهین.
وإذا تَقَرَّرَ ذلك عُرِفَ أنَّ الطريق التي اختارها البخاري أتقَنُ الروايات، وبَقيَّتَها إمَّا
موافقة لها، أو قاصرة عنها، أو يُمكِن الجمع بينهما.
وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نَسَق، فإن ثَبَتَ أنَّ لابنٍ وَدِيعة صُحبةً ففيه تابعيّان
وصحابيّان، كلهم من أهل المدينة.
(١) رواية صالح بن كيسان عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة. فزاد على العُمري ذكرَ أبي سعيد
المقبري. وكذلك أخرجه البيهقي ٣/ ٢٤٣، لكن خطّاً أبو حاتم وأبو زرعة رواية صالح بن كيسان كما
نقله عنهما ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٥٨١).

٦٠٧
باب ٦ / ح ٨٨٣
كتاب الجمعة
قوله: ((وَيَتَطَهَّر ما استطاع من الطُّهْر)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((من طُهر))(١)، والمراد به
المبالغة في التَنظيف، ويُؤخَذ من عطفه على الغُسل أنَّ إفاضة الماء تكفي في حصول الغُسل،
أو المراد به التَّنظيف بأخذِ الشارب والظُّفر والعانة، أو المراد بالغُسلِ غسل الجسد،
وبالتَّطهيرِ غسل الرَّأس.
قوله: ((ويَدَّهِنُ)) المراد به إزالة شَعَث الشَّعر به، وفيه إشارة إلى التَّزَيُّن يوم الجمعة.
قوله: ((أو يَمَسّ من طيب بيته)) أي: إن لم يَجِد دُهناً، ويحتمل أن تكون ((أو)) بمعنى ٣٧٢/٢
الواو، وإضافته إلى البيت تُؤذِن بأنَّ السُّنَّة أن يَتَّخِذ المرء لنفسِه طيباً، ويجعل استعماله له
عادةً فيَدَّخِرَه في البيت. كذا قال بعضهم بناء على أنَّ المراد بالبيت حقيقته، لكن في حديث
عبد الله بن عَمْرو عند أبي داود (٣٤٧): ((و يَمَسّ من طيب امرأته)) فعلى هذا فالمعنى: إن لم
يَتَّخِذ لنفسِه طيباً فليستعمل من طيب امرأته، وهو موافق لحديث أبي سعيد الماضي ذِكرُه
عند مسلم (٨٤٦) حيثُ قال فيه: ((ولو من طيب المرأة)). وفيه أنَّ بيت الرجل يُطلَق ويُراد
به امرأته. وفي حديث عبد الله بن عَمْرو المذكور من الزّيادة: ((ويَلبَس من صالح ثيابه)).
وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا.
قوله: ((ثُمَّ يَخْرُج)) زاد في حديث أبي أيوب عند ابن خُزيمة (١٧٧٥): ((إلى المسجد))،
ولأحمد من حديث أبي الدَّرداء (٢١٧٢٩): ((ثمَّ يَمشي وعليه السَّكينة)).
قوله: ((فلا يُفرِّق بين اثنين)) في حديث عبد الله بن عَمْرو المذكور: ((ثُمَّ لم يَتَخَطَّ رِقاب
الناس))، وفي حديث أبي الدَّرداء: «ولم يَتَخَطَّ أحداً ولم يُؤْذِهِ».
قوله: ((ثُمَّ يُصلِّ ما كُتِبَ له)) في حديث أبي الدَّرداء: ((ثمَّ يركع ما قُضِيَ له))، وفي حديث
أبي أيوب: «فيركع إن بَدَا له».
(١) في (أ): من طهور، وفي (ع): من طُهره، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في ((عمدة القاري)) ١٧٥/٦،
و ((إرشاد الساري)) ٢/ ١٦١.

٦٠٨
باب ٦ / ح ٨٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثُمَّ يُنصِت إذا تَكلَّم الإمام)) زاد في رواية قَرْشَع الضّبِّيّ: ((حتَّى يقضىَ صلاته)(١)،
ونحوه في حديث أبي أيوب.
قوله: ((غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأُخرَى)) في رواية قاسم بن يزيد: «حُطَّ عنه ذُنوب ما
بينه وبين الجمعة الأُخرى))، والمراد بالأُخرى التي مضت، بيَّنه الليث عن ابن عَجْلان في
روايته عند ابن خُزيمة (١٧٦٣)، ولفظه: ((غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها))(٢)،
ولابنِ حِبّان (٢٧٨٠) من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: ((غُفِرَ له ما
بينه وبين الجمعة الأُخرى وزيادة ثلاثة أيام من التي بعدها)) وهذه الزيادة أيضاً في رواية
سعيد عن عمارة عن سلمان، لكن لم يقل: ((من التي بعدها))، وأصله عند مسلم (٨٥٧) من
حديث أبي هريرة باختصارٍ، وزاد ابن ماجَهْ في رواية أُخرى (١٠٨٦) عن أبي هريرة: ((ما لم
تُغْشَ الكبائر)»، ونحوه لمسلم (٢٣٣).
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: كراهة التَّخَطّي يوم الجمعة، قال الشافعيّ: أكرَه
التخطِّيَ إلَّا لمن لا يَجِد السَّبيل إلى المصلَّى إلَّا بذلك. انتهى، وهذا يدخل فيه الإمام ومَن
يريد وصل الصفّ المنقَطِعِ إن أبَى السابقُ من ذلك، ومَن يريد الرجوع إلى موضعه الذي
قامَ منه لضرورةٍ كما تقدَّم، واستثنى المتولِّ من الشافعيَّة مَن يكون مُعَظَّماً لدينه أو عِلمه أو
ألفَ مكاناً يجلس فيه أنَّه لا كراهة في حقِّه، وفيه نظرٌ. وكان مالك يقول: لا يُكرَه التَّخَطّي
إلَّا إذا كان الإمام على المِنْبَرَ.
وفيه مشروعيَّة النافلة قبل صلاة الجمعة لقوله: ((صلَّى ما كُتِبَ له)) ثمّ قال: ((ثمَّ يُنصِت
إذا تكلّم الإمام))، فدلَّ على تقدُّم ذلك على الخطبة، وقد بيَّنْه أحمد من حديث نُبَيشة الهُذَلِيّ
بلفظ: ((فإن لم يَجِد الإمام خرج صلَّى ما بَدَا له))(٣).
(١) هي عند النسائي (١٤٠٣)، وابن خزيمة (١٧٣٢).
(٢) وكذلك بيّنه قَرْثع الضبّ في روايته عند النسائي (١٤٠٣)، وابن خزيمة (١٧٣٢)، وغيرهما.
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٧٢١)، وإسناده ضعيف لانقطاعه.

٦٠٩
باب ٦ / ح ٨٨٤
كتاب الجمعة
وفيه جواز النافلة نصفَ النهار يوم الجمعة.
واستُدلَّ به على أنَّ التَّبكير ليس من ابتداء الزّوال، لأنَّ خروج الإمام يَعقُب الزَّوال فلا
يَسَع وقتاً يتنفَّل فيه.
وتَبَّنَ بمجموع ما ذكرنا أنَّ تكفير الذُّنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجودٍ
جميع ما تقدَّم: من غُسل وتنظيف وتَطيِّب أو دهن، ولُبس أحسن الثِّياب، والمشي بالسَّكينة
وترك التَّخَطّي والتَّفرقة بين الاثنين وترك الأذى، والتنقُّل والإنصات وترك اللَّغو. ووقع
في حديث عبد الله بن عَمْرو: ((فمَن تَخَطَّى أو لَغَا كانت له ظُهراً)(١).
ودلَّ التقييد بعدمِ غِشْيان الكبائر على أنَّ الذي يُكفّر من الذُّنوب هو الصغائر، فتُحمَل
المطلَقات كلُّها على هذا المقيَّد، وذلك أنَّ معنى قوله: ((ما لم تُغشَ الكبائر)) أي: فإنّها إذا
غُشيَت لا تُكفَّر، وليس المراد أنَّ تكفير الصغائر شرطُه اجتناب الكبائر، إذِ اجتناب الكبائر
بِمُجرَّدِهِ يُكفِّرها كما نَطَقَ به القرآن، ولا يَلزَم من ذلك أن لا يُكفِّرها إلَّا اجتناب الكبائر،/ ٣٧٣/٢
وإذا لم يكن للمَرءِ صغائرُ تُكفَّر رُجيَ له أن يُكفَّر عنه بمقدار ذلك من الكبائر، وإلَّا أُعطيَ
من الثَّواب بمقدار ذلك، وهو جارٍ في جميع ما وَرَدَ من نظائر ذلك، والله أعلم.
٨٨٤- حدَّثْنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال طاووسِ: قلتُ لابنِ
عِبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّ النبيَّ ◌َرَّ قال: ((اغتَسِلُوا يومَ الجمعةِ، واغسِلُوا رؤوسَكم وإنْ لم تكونوا
جُنُبً(٢)، وأصِيبُوا من الطِّيب)).
(١) عند أبي داود (٣٤٧)، وإسناده حسن.
(٢) قوله: ((وإن لم تكونوا جنباً) جاء في شرح الحافظ بعد قوله: ((اغتسِلوا يومَ الجمعة)) وهو غريب، فإن
المثبت لم يُذكَر فيه أي اختلاف في روايات البخاريّ، وقد روى هذا الحديث أحمد (٣٠٥٨) عن أبي اليمان
شيخ البخاري هنا، وكذلك رواه النسائي في ((الكبرى)» (١٦٩٣) عن محمد بن يحيى الذهلي، عن أبي
اليمان أيضاً، وكذا رواه البيهقي ١/ ٢٩٧ من طريق أبي زرعة الدمشقي ومن طريق علي بن محمد بن
عيسى، عن أبي اليمان، كلهم قالوا في الحديث: ((اغتسِلوا يومَ الجمعة، واغسِلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا
جُنبا))، يعني كالمثبَت.

٦١٠
باب ٦ / ح ٨٨٤ - ٨٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابنُ عبَّاسٍ: أمَّا الغُسْلُ فَنَعَم، وأمَّا الطِّيبُ فلا أدري.
[طرفه في: ٨٨٥]
٨٨٥- حذَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: أخبرنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهُم، قال: أخبرني
إبراهيمُ بنُ مَيْسَرة، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّهَ ذَكَرَ قولَ النبيِّ وَّ في
الغُسْلِ يومَ الجمعةِ، فقلتُ لابنِ عبَّاسٍ: أيَمَسُّ طِيباً أو دُهْناً إنْ كان عندَ أهلِهِ؟ فقال: لا أعلمُه.
قوله: (ذَكَرُوا)) لم يُسمِّ طاووسٌ مَن حدَّثه بذلك، والذي يظهر أنَّه أبو هريرة، فقد رواه
ابن خُزيمة (١٧٦١) وابن حِبَّان (١٢٣٤) والطَّحاويُّ (١١٩/١) من طريق عَمْرو بن دينار
عن طاووسٍ عن أبي هريرة نحوه، وثَبَتَ ذِكْر الطّيب أيضاً في حديث أبي سعيد وسلمان
وأبي ذرٍّ وغيرهم كما تقدَّم.
قوله: (اغتَسِلُوا يوم الجمعة وإنْ لم تكونوا جُنُباً)) معناه اغتَسِلوا يوم الجمعة إن كنتم
جُنُباً للجنابة، وإن لم تكونوا جُنباً للجمعة. وأُخِذَ منه أنَّ الاغتسال يوم الجمعة للجنابة
يُجْزِئ عن الجمعة سواء نَوَى به الجمعةَ أم لا، وفي الاستدلال به على ذلك بُعدُ. نَعَم
روى ابن حِبَّان (٢٧٨٢) من طريق ابن إسحاق عن الزّهريِّ في هذا الحديث: ((اغتَسِلوا
يوم الجمعة إلَّا أن تكونوا جُنُباً))، وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب، لكنَّ رواية
شعيب عن الزُّهريِّ اصُّ.
قال ابن المنذر: حَفِظنا الإجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. انتهى،
والخلاف في هذه المسألة منتشر في المذاهب. واستُدلَّ به على أنَّه لا يُجْزِئ قبل طلوع الفجر
لقوله: ((يوم الجمعة))، وطلوع الفجر أوَّل اليوم شرعاً.
قوله: ((واغسِلُوا رؤوسكم)) هو من عطف الخاصّ على العامّ للتَّبيه على أنَّ المطلوب الغُسلُ
التامّ، لئلا يُظَنّ أنَّ إفاضة الماء دون حَلّ الشَّعر مثلاً يُجزِئ في غُسل الجمعة، وهو موافق لقوله
في حديث أبي هريرة: ((كغُسْل الجنابة))(١)، ويحتمل أن يُراد بالثاني المبالغة في التَّنظيف.
(١) سلف برقم (٨٨١) بلفظ: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ... )).

٦١١
باب ٧ / ح ٨٨٦
كتاب الجمعة
قوله: ((وأَصيبُوا من الطِّيب))، ليس في هذه الرواية ذِكْر الدُّهن المترجَم به، لكن لمَّا
كانت العادةُ تقتضي استعمال الدُّهن بعد غسل الرَّأس أشعَرَ ذلك به، كذا وجَّهَه الَّين بن
المنيِّر جواباً لقول الدَّاووديّ: ليس في الحديث دلالة على الترجمة. والذي يظهر أنَّ البخاري
أراد أنَّ حديث طاووسٍ عن ابن عبّاسٍ واحد ذكر فيه إبراهيمُ بن مَيسَرة الدُّهن ولم يَذكُره
الزُّهرُّ، وزيادة الثَّقة الحافظ مقبولة. وكأنَّه أراد بإيراد حديث ابن عبَّاسٍ عَقِب حديث
سلمان الإشارة إلى أنَّ ما عَدا الغُسل من الطّيب والدُّهن والسِّواك وغيرها ليس هو في
التأكُّد كالغُسل، وإن كان التَّرغيبُ وَرَدَ في الجميع، لكنَّ الحكم يختلف إمَّا بالوجوب عند
من يقول به، أو بتأكيد بعض المندوبات على بعض.
قوله: ((قال ابن عبّاسٍ: أمَّا الغُسْل فنَعَم، وأمَّا الطِّيب فلا أدري)) هذا يخالف ما رواه عبيد
ابن السَّاق عن ابن عبّاسٍ مرفوعاً: ((مَن جاءً إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان له طيب
فليَمَسَّ منه)) أخرجه ابن ماجَهْ (١٠٩٨) من رواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ،
عن عبيد، وصالح ضعيف، وقد خالَفَه مالك (٦٥/١) فرواه عن الزُّهريِّ عن عبيد بن
السَّاق بمعناه مُرسَلاً، فإن كان صالح(١) حَفِظَ فيه ابن عبّاسِ احتُمِلَ أن يكون ذكره بعدما
نَسيَه أو عكس ذلك، وهشام المذكور في طريق ابن عبّاسٍ الثانية هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ.
٧- بابٌ يَلبَس أحسنَ ما يجدُ
٨٨٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ: أنَّ
عمرَ بنَ الخطَّب رَأى حُلّة ◌ِيَراءَ عندَ باب المسجدِ، فقال: يا رسولَ الله، لو اشتريتَ هذه
فَلَبِسْتَها يومَ الجمعةِ وللوَقْدِ إذا قَدِمُوا عليكَ، فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((إِنَّا يَلْبَسُ هذه مَن لا
خَلاقَ له في الآخِرة)) ثمَّ جاءَتْ رسولَ الله وَِّ منها حُلَلٌ فأعطَى عمرَ بنَ الخطَّب ﴾ منها
حُلّةً، فقال عمرُ: يا رسولَ الله، كَسَوْتَنِيها وقد قلتَ في حُلّةٍ عُطاردٍ ما قلتَ؟! قال رسولُ الله
وَلَهُ: ((إنّي لم أكْسُكَها لتَلْبَسَها)» فكَساها عمرُ بنُ الخطَّب ﴾ أخاً له بمَكّةَ مُشْرِكاً.
(١) بل صالحٌ ضعيف، لا تقاوم روايتُه روايةَ مالك.

٦١٢
باب ٧ / ح ٨٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
[أطرافه في: ٩٤٨، ٢١٠٤، ٢٦١٢، ٢٦١٩، ٣٠٥٤، ٥٨٤١، ٥٩٨١، ٦٠٨١]
٣٧٤/٢ قوله: ((باب يَلْبَس أحسَن ما يَجِد)) أي: يوم الجمعة من الجائز. أورَدَ فيه حديث ابن
عمر: أنَّ عمر رأى حُلَّةً سِيَراءَ عند باب المسجد فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه
فلستها یوم الجمعة، الحديث.
ووجه الاستدلال به من جهة تقريره وَ ل﴿ لعمر على أصل التَّجمُّل للجمعة، وقَصْر
الإنكار على لُبس مثل تلك الحُلَّة لكونها كانت حريراً. وقد تعقَّبه الدَّاووديّ بأنَّه ليس في
الحديث دلالة على الترجمة.
وأجاب ابن بَطَّال بأنَّه كان معهوداً عندهم أن يَلبَس المرء أحسن ثيابه للجمعة، وتَبِعَه
ابن التِّين، وما تقدَّم أَولی.
وقد وَرَدَ التَّرغيب في ذلك في حديث أبي أيوب وعبد الله بن عمرو عند ابن خُزيمة
(١٧٧٥ و١٨١٠) بلفظ: ((وَبِسَ من خير ثيابه))، ونحوه في رواية الليث عن ابن عَجْلان(١)،
ولأبي داود (٣٤٣) من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سَلَمة وأبي أُمامةَ، عن أبي سعيد
وأبي هريرة نحو حديث سلمان، وفيه: ((ولَبِسَ من أحسن ثيابه))، وفي ((الموطَّأ)) (١/ ١١٠)
عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ أنَّه بلَغَه أنَّ رسول الله وَلّم قال: «ما على أحدكم لو اتَّخِذَ
ثوبينٍ لجمعِتِه سوى ثوبَ مَهْنَتَه))، ووَصَلَه ابن عبد البَرِّ في ((التَّمهيد)) (٣٤/٢٤-٣٥) من
طريق يحيى بن سعيد الأُمَويّ عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن عَمْرة عن عائشة رضيَ الله
عنها. وفي إسناده نظرٌ، فقد رواه أبو داود (١٠٧٨) من طريق عَمْرو بن الحارث، وسعيد
ابن منصور عن ابن عُيَينةَ، وعبد الرزاق (٥٣٣٠) عن الثَّوريِّ، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد
عن محمد بن يحيى بن حَبَّن مُرسَلاً، ووَصَلَه أبو داود (١٠٧٨) وابن ماجَهْ (١٠٩٥) من
(١) عند أحمد (٢١٥٦٩)، وابن خزيمة (١٧٦٣)، ورواه أيضاً عن ابن عجْلان يحيى بن سعيد القطان عند ابن
ماجه (١٠٩٧)، وأبي بكر المروزي في ((الجمعة)) (٣٦)، وابن خزيمة (١٨١٢)، والدارقطني في ((العلل))
٣٤٩/١٠-٣٥٠، والحاكم ٢٩٠/١٠، ورواه عنه أيضاً سفيانُ بنُ عيينة عند عبد الرزاق (٥٥٨٩)
والحميدي (١٣٨). وروايته عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن أبي ذر الغفاري.

٦١٣
باب ٨ / ح ٨٨٧-٨٨٩
كتاب الجمعة
وجه آخر عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن سَلَام، ولحديث عائشة طريق أخرى عند ابن
خُزَيمة (١٧٦٥) وابن ماجَهْ (١٠٩٦)، وسيأتي الكلام على حديث ابن عمر في كتاب
اللباس (٥٨٤١).
وقوله: ((سِيَراء)) بكسر المهمَلة وفتح التَّحتانيَّة ثمَّ راء ثمَّ مَدّ، أي: حرير، قال ابن
قُرقُول: ضبطناه عن المتقِنِينَ بالإضافة، كما يقال: ثوبُ خَزٍّ، وعن بعضهم بالتنوينِ على
الصِّفة أو البدل. قال الخطَّبيُّ: يقال حُلَّةٌ سِيَرَاءُ، كناقةٍ عُشراءَ. ووَجَّهَه ابن التِّين فقال:
يريد أنَّ عُشراء مأخوذ من عَشَرة، أي: أكمَلتِ الناقةُ عشرة أشهُر فسُمّيَت عُشراء، وكذلك
الْحُلَّة سُمّيَت ◌ِيَراءَ، لأنَّها مأخوذة من السُّيور، هذا وجه التشبيه، وعُطارِدٌ صاحب الحُلَّة
هو ابن حاجب التّميميّ.
وقوله: «فگساها أخاً له بمگَّة مُشرِ كاً)) سیأتي أنَّ اسمه عثمان بن حکِیم، و کان أخا عمر
من أمّه، وقيل غير ذلك، وقد اختُلِفَ في إسلامه، والله أعلم.
٨- باب السواك يوم الجمعة
وقال أبو سعيدٍ عن النبيِّ وَّ: ((يَستَنُّ)).
٨٨٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي
هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِوَلِّ قال: ((لَوْلا أَنْ أشُقَّ على أمَّتي - أو لَوْلا أنْ أَشُقَّ على النَّاس -
الأمرُهم بالسِّواكِ مع كلِّ صلاةٍ)).
[طرفه في: ٧٢٤٠]
٨٨٨- حدَّثنا أبو مَعمٍَّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا شعيبُ بنُ الحَبْحاب،
حدَّثنا أنسٌ، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أكثرتُ عليكم في السِّواكِ)»
٨٨٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ وحُصَينٍ، عن أبي وائلٍ، ٣٧٥/٧
عن حُذَيفةَ قال: كان النبيُّ ◌ِ ﴿ إذا قامَ من الليل يَشُوصُ فاهُ.

٦١٤
باب ٨ / ح ٨٨٧ - ٨٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب السِّواك يوم الجمعة)) أورَدَ فيه حديثاً مُعلَّقاً وثلاثة موصولة، والمعلَّق طرف
من حديث أبي سعيد المذكور في ((باب الطِّيب للجمعة)) (٨٨٠) فإنَّ فيه: ((وأن يَسْتَنّ)) أي:
يَدْلُك أسنانه بالسِّواك.
وأمَّا الموصولة فأوَّلها: حديث أبي هريرة: ((لولا أن أشُقّ)) ومُطابَقَته للترجمة من جهة
اندراج الجمعة في عموم قوله: «كُلّ صلاة)).
وقال الزَّين بن المنيِر: لمَّا خُصَّت الجمعة بطلبٍ تَحسين الظاهر من الغُسل والتَّنظيف
والتطيُّب ناسَبَ ذلك تَطبيب الفم الذي هو محلّ الذِّكر والمناجاة، وإزالة ما يَضُرّ الملائكة
وبني آدم.
ثاني الموصولة: حديث أنس: ((أكثرت عليكم في السِّواك)) قال ابن رُشَيد: مُناسَبته للذي
قبله من جهة أنَّ سبب منعه من إيجاب السِّواك واحتياجه إلى الاعتذار عن إكثاره عليهم فيه
وجود المشقّة، ولا مَشقَّة في فعل ذلك في يوم واحد وهو يوم الجمعة.
ثالث الموصولة: حديث حُذيفة: أنَّه وَلَّ كان إذا قامَ من الليل يَشوص فاه. ووجه
مُناسَبته أنَّه شُرِعَ في الليل لتَجمُّل الباطن فيكون في الجمعة أحرَى، لأنَّه شُرِعَ لها التَّجمُّل
في الباطن والظاهر، وقد تقدَّم الكلام على حديث حُذَيفة في آخر كتاب الوضوء (٢٤٥).
وأمَّا حديث أبي هريرة فلم يُخْتَلَف على مالك في إسناده، وإن كان له في أصل الحديث
إسناد آخر بلفظٍ آخر، سيأتي الكلام عليه في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى(١).
قوله: ((أو لَوْلا أَنْ أَشُقّ على النَّاس)) هو شكّ من الراوي، ولم أقِفْ عليه بهذا اللَّفظ في شيء
من الروايات عن مالك ولا عن غيره، وقد أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في ((الموطَّآت)) من طريق
(الموطَّأ) لعبد الله بن يوسف شيخ البخاري فيه بهذا الإسناد بلفظ: ((أو على الناس)) لم يُعِد
قولَه: ((لولا أن أشُقّ))، وكذا رواه كثير من رواة ((الموطَّا))، ورواه أكثرهم بلفظ: ((المؤمنين))
(١) علقه البخاري تحت ((باب سواك الرطب واليابس للصائم)) رقم (٢٧) منه.

٦١٥
باب ٨ / ح ٨٨٧-٨٨٩
كتاب الجمعة
بدل ((أمَّتي)(١)، ورواه يحيى بن يحيى الليثيُّ (٦٦/١) بلفظ: ((على أمَّتي)) دون الشكّ.
قوله: (لأمرتهم بالسِّواك)) أي: باستعمال السِّواك، لأنَّ السِّواك هو الآلة، وقد قيل: إنَّه
يُطلَق على الفعل أيضاً فعلى هذا لا تقدير، والسِّواك مُذكَّر على الصحيح، وحكى في
(المحكم)) تأنيثه، وأنكر ذلك الأزهريّ.
قوله: ((مع كلّ صلاة)) لم أرَها أيضاً في شيء من روايات ((الموطَّأ)) إلَّا عن مَعْن بن عيسى
لكن بلفظ: ((عند كلّ صلاة)) وكذا النَّسائيُّ (٧) عن قُتيبة عن مالك(٢)، وكذا رواه مسلم
(٢٥٢) من طريق ابن عُيَينَةَ عن أبي الزِّناد، وخالَفَه سعيد بن أبي هلال عن الأعرج فقال:
((مع الوضوء)) بدل: ((الصلاة)) أخرجه أحمد (٩١٩٤) من طريقه.
قال القاضي البيضاويّ: ((لولا)) كلمة تَدُلّ على انتفاء الشيء لثبوتِ غيره، والحَقّ أنَّها
مُرَكَّبة من ((لو)) الدالّة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره و(لا)) النافية، فدلَّ الحديث على انتفاء
الأمر لثبوتِ المشقّة، لأنَّ انتفاء النَّفي ثبوت، فيكون الأمر مَنفيّاً لثبوتِ المشقّة، وفيه دليل
على أنَّ الأمر للوجوب من وجهين:
أحدهما: أنَّه نفَى الأمرَ مع ثبوت النَّدْبيَّة، ولو كان للنَّدْبِ لَمَا جاز النَّفي.
ثانيهما: أنَّه جَعَلَ الأمر مَشقّة عليهم، وذلك إنَّما يتحقَّق إذا كان الأمر للوجوب، إذ
النَّدْبِ لا مَشقَّة فيه لأنَّه جائزِ التَّرْك.
وقال الشَّيخ أبو إسحاق في ((اللُّمَع)): في هذا الحديث دليل على أنَّ الاستدعاء على جهة
النَّدب ليس بأمرٍ حقيقةً لأنَّ السّواك عند كلّ صلاة مندوب إليه، وقد أخبر الشارع أنَّه لم
يأمر به. انتهى، ويُؤكِّده قولُه في رواية سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ بلفظ:
(١) كذلك هو في ((الموطأ)) برواية أبي مصعب الزهري (٤٥٣).
(٢) وكذلك رواه ابن حبان (١٠٦٨) من طريق أبي مصعب الزهري، عن مالك، مع أن أبا مصعب قد روى
هذا الحديث في ((موطئه)) (٤٥٣) فلم يذكر هذه الزيادة.

٦١٦
باب ٨ / ح ٨٨٧ -٨٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
(لَفَرَضت عليهم)) بدل: (لَأَمَرْتهم))(١).
وقال الشافعيّ: فيه دليل على أنَّ السِّواك ليس بواجبٍ، لأنَّه لو كان واجباً لأمرهم به،
شَقَّ عليهم أو لم يَشُقّ، انتهى.
٣٧٦/٢ وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العِلم، بل ادَّعَى بعضهم فيه الإجماع، لكن
حكى الشَّيخ أبو حامد وتَبِعَه الماورديُّ عن إسحاق بن راهويه قال: هو واجب لكلِّ
صلاة، فمَن تركَه عامداً بَطَلت صلاته. وعن داود أنَّه قال: هو واجب لكن ليس شرطاً.
واحتَجَّ مَن قال بوجوبه بوُرودِ الأمر به، فعند ابن ماجَهْ (٢٨٩) من حديث أبي أمامةَ
مرفوعاً: ((تَسوَّكوا))، ولأحمد نحوه من حديث العبّاس(٢)، وفي ((الموطَّأ)) (١/ ٦٥) في أثناء
حديث: ((عليكم بالسِّواك))، ولا يَثْبُت شيء منها، وعلى تقدير الصحّة فالمنفيّ في مفهوم
حديث الباب الأمرُ به مُقيَّداً بكلِّ صلاة لا مُطلَق الأمر، ولا يَلزَم من نفيُ المقيَّد نفيُ
المطلَق ولا من ثبوت المطلَق النَّكرارُ كما سيأتي.
واستُدلَّ بقوله: ((كلّ صلاة)، على استحبابه للفرائضِ والنَّوافل، ويحتمل أن يكون المراد
الصَّلَوات المكتوبة وما ضاهاها من النَّوافل التي ليست تَبَعاً لغيرها كصلاة العيد، وهذا
اختارَه أبو شامة، ويتأيَّد بقوله في حديث أمّ حَبِيبة عند أحمد (٣) بلفظ: (لَأمَرتهم بالسِّواك
عند كلّ صلاة كما يتوضَّؤون))، وله من طريق أبي سَلَمة عن أبي هريرة بلفظ: ((لولا أن
أشُقّ على أمَّتي لَأمَرتهم عند كلّ صلاة بوضوء، ومع كلّ وضوء بسواكٍ))(٤)، فسَوَّى بينهما.
وكما أنَّ الوضوء لا يُندَب للرَّاتبة التي بعد الفريضة إلَّا إن طالَ الفصل مثلاً، فكذلك
السِّواك. ويُمكِن أن يُفرَّق بينهما بأنَّ الوضوء أشقُّ من السِّواك، ويتأيَّد بما رواه ابن ماجَهْ
(١) هو عند النسائي في ((الكبرى)) برقم (٣٠٢٠).
(٢) إنما أخرجه أحمد (١٨٣٥) من حديث تتّام بن العباس بن عبد المطلّب، وتّام حديثه عن النبي وَ﴾
مرسل، وقد وصله بعضُهم بذكر العباس، لكن لا يصح أيضاً، وانظر بيان ذلك في ((المسند)).
(٣) في ((المسند)) (٢٦٧٦٣) من حديث أم حبيبة، وإسناده ضعيف.
(٤) عنده برقم (٧٥١٣)، وإسناده حسن.

٦١٧
باب ٨ / ح ٨٨٧ -٨٨٩
كتاب الجمعة
(٢٨٨) من حديث ابن عبّاسٍ قال: كان رسول الله وَ لا يُصلِّ ركعتين، ثمَّ ينصرف فيستاك،
وإسناده صحيح(١)، لكنَّه مختصر من حديث طويل أورَدَه أبو داود (٥٨)، وبيَّن فيه أنَّه
تَخلَّلَ بين الانصراف والسِّواك نوم، وأصل الحديث في مسلم (٧٦٣/ ١٩١) مُبَيَّناً أيضاً.
واستدلَّ به على أنَّ الأمر يقتضي التَّكرار، لأنَّ الحديث دلَّ على كون المشقّة هي المانعة من
الأمر بالسِّواك، ولا مَشقّة في وجوبه مرَّة، وإنَّما المشقّة في وجوب التَّكرار. وفي هذا البحث
نظرٌ، لأنَّ الشَّكرار لم يُؤَخَذ هنا من مُجرَّد الأمر، وإنَّما أُخِذَ من تقييده بكلِّ صلاة.
وقال المهلَّب: فيه أنَّ المندوبات تَرتَفِع إذا خُشيَ منها الخَرَج. وفيه ما كان النبيّ وَّـ
عليه من الشَّفَقة على أمَّته.
وفيه جواز الاجتهاد منه فيما لم ينزل عليه فيه نَصٌّ، لكَونِهِ جَعَلَ المشقّة سبباً لعدم
أمره، فلو كان الحكم مُتَوَقِّفاً على النصّ لكان سبب انتفاء الوجوب عدمَ وُرود النصّ لا
وجود المشقّة. قال ابن دقيق العيد: وفيه بحثٌ، وهو كما قال، ووجهه أنَّه يجوز أن يكون
إخباراً منه وَ له بأنَّ سبب عدم وُرود النصّ وجودُ المشقَّة، فيكون معنى قوله: (لَأمَرتهم))
أي: عن الله بأنَّه واجب.
واستدلَّ به النَّسائيُّ على استحباب السِّواك للصائمِ بعد الَّوال(٢)، لعموم قوله: «كُلّ
صلاة))، وسيأتي البحث فيه في كتاب الصيام (١٩٣٤).
فائدة: قال ابن دقيق العيد: الحكمة في استحباب السِّواك عند القيام إلى الصلاة گَوْنها
حال تَقَرُّب إلى الله، فاقتَضَى أن تكون حال كمالٍ ونظافة إظهاراً لشَرَفِ العبادة، وقد وَرَدَ
من حديث عليّ عند البَزّار (٦٠٣) ما يدلُّ على أنَّه لأمرٍ يتعلَّق بالملكِ الذي يستمع القرآن
من المصلِّي، فلا يَزال يدنو منه حتَّى يَضَع فاه على فيه، لكنَّه لا يُنافي ما تقدَّم.
(١) في إسناد ابن ماجه سفيانُ بن وكيع، وهو ضعيف، لكن تابعه قتيبة بن سعيد عند النسائي في ((الكبرى))
(٤٠٤) و(١٣٤٥)، فإسناد النسائي صحيح.
(٢) حيث ترجم له بقوله: السواك للصائم بالغداة والعشيّ، وساق هذا الحديثَ من عدة طرق بالأرقام
(٣٠١٨ -٣٠٣٤).

٦١٨
باب ٩ / ح ٨٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا حديث أنس فرجال إسناده بصريُّون.
وقوله: ((أكثرت)) وقع في رواية الإسماعيليّ: ((لقد أكثرت ... )) إلى آخره، أي: بالغت في
تكرير طلبه منكم، أو في إيراد الإخبار في التَّرغيب فيه.
وقال ابن التِّين: معناه: أكثرت عليكم، وحقيقٌ أن أفعَل، وحقيقٌ أن تطيعوا. وحكى
الكِرْمانيُّ أنَّه رُوِيَ بضمٍّ أوَّله، أي: بُلِّغت من عند الله بطلبِه منكم. ولم أقِفْ على هذه
الرواية إلى الآن صريحة.
تنبيه: ذكره ابن المنيِر بلفظ: ((عليكم بالسِّواك))، ولم يقع ذلك في شيء من الروايات في
((صحيح البخاري)) وقد تعقّبه ابن رُشَيد، واللَّفظ المذكور وقع في ((الموطَّأ)) (١/ ٦٥) عن
الزّهريِّ عن عُبيد بن السَّاق مُرسَلاً، وهو في أثناء حديثٍ وَصَلَه ابن ماجة (١٠٩٨) من
طريق صالح بن أبي الأخضَر عن الزُّهريِّ يَذكُر ابنَ عبَّاسٍ فيه، وسبق الكلام عليه في آخر
((باب الدُّهن للجمعة)) (٨٥٨)، ورواه مَعمَر عن الزُّهريِّ(١) قال: أخبرني مَن لا أتَهم من
أصحاب محمد پڼ أنهم سمعوه يقول ذلك.
٩ - باب من تسوَّك بسواك غيره
٣٧٧/٢
٨٩٠- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: قال هشامُ بنُ عُرْوةَ: أخبرني
أبي، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دخل عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرٍ ومعه سواكٌ يَستَنُّ به، فتَظَرَ
إليه رسولُ الله ◌َّه فقلتُ له: أعطِنِي هذا السِّواكَ يا عبد الرحمن فأعطانيه، فقَصَمْتُه، ثمَّ مَضَغْتُه
فأعطيتُهُ رسولَ اللهِ وَِّ، فاستَنَّ به، وهو مُسْتَسنِدٌ إلى صَذري.
[أطرافه في: ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٤٩،٤٤٤٦،٤٤٣٨، ٤٤٥٠، ٤٤٥١، ٥٢١٧، ٦٥١٠]
قوله: ((باب مَن تَسَوَّكَ بسواكِ غيره)» أورَدَ فيه حديث عائشة في قصَّة دخول عبد الرحمن
بن أبي بكر على النبيّ وَّه ومعه سواك، وأنَّها أخَذَته منه فاستاكَ به النبيّ ◌َّ بعد أن
مَضَغْه. وهو مطابق لما تَرجَمَ له، والكلام عليه يُذكَر مُستَوفَّى إن شاء الله تعالى في أواخر
(١) عند عبد الرزاق (٥٣٠١).

٦١٩
باب ١٠ / ح ٨٩١
كتاب الجمعة
المغازي عند ذِكْر وفاة النبيّ وَ لِّ (٤٤٣٨)، فإنَّ القصَّة كانت في مرض موته.
وقولها فيه: «فقَصَمتُه)) بقافٍ وصاد مُهمَلة للأكثر، أي: کسرتُه، وفي رواية گرِیمة وابن
السَّكَن بضادٍ مُعجَمة، والقَضْم بالمعجَمة: الأكل بأطراف الأسنان، قال ابن الجَوْزيّ:
وهو أصحّ. قلت: ويُحمَل الكسر على كسر موضع الاستياك، فلا يُنافي الثاني، والله أعلم.
وقد أورَدَ الزّين بن المنيِر على مُطابقة الترجمة بأنَّ تعيين عائشة موضع الاستياك
بالقطع، وأجاب أنَّ استعماله بعد أن مَضَغَته وافٍ بالمقصود. وتُعُقِّبَ بأنَّه إطلاق في موضع
التقييد، فينبغي تقييد الغير بأن يكون ممَّن لا يُعاف أثر فمه، إذ لولا ذلك ما غَيَّرَته عائشة.
ولا يقال: لم يَتَقَدَّم فيه استعمال، لأنَّ في نفس الخبر: يَستَنّ به. وفيه دلالة على تأكُّد أمر
السِّواك، لكَونِهِ وَّ لم يُحِلّ به مع ما هو فيه من شاغِل المرض.
فائدة: رجال الإسناد مدنيُّون، وإسماعيل شيخ البخاري: هو ابن أبي أَوَيس، ولم أرَه في
شيء من الروايات من غير طريق البخاري عنه بهذا الإسناد، وقد ضاقَ على الإسماعيليّ
تَخَرَجُه فاستخرجه من طريق البخاري نفسه عن إسماعيل، وكأنَّ إسماعيل تَفرَّدَ به أيضاً،
فإنَّني لم أرَه من رواية غيره عن سليمان بن بلال(١)، إلّا أنَّ أبا نُعيمٍ أورَدَه في ((المستخرَج))
من طريق محمد بن الحسن المدنيِّ عن سليمان، ومحمد ضعيف جدّاً، فكان ما صَنَعَه
الإسماعيليّ أَولى. وقد سمع إسماعيل من سليمان ويروي عنه أيضاً بواسطةٍ كثيراً.
١٠ - باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة
٨٩١- حذَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن عبد الرحمن بنِ
هُرْمُزَ الأَعرج، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: كان النبيُّ وَّهِ يَقْرَأُ في الفجرِ يومَ الجمعةِ ﴿الّ تَزِلُ﴾
و﴿هَلْ أَتَ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾ [الإنسان: ١].
[طرفه في: ١٠٦٨]
قوله: ((باب ما يُقرَأ)) بضمِّ الياء ويجوز فتحها، أي: الرجل، ولم يقع قوله: ((يوم الجمعة))
(١) ولم ينفرد به سلیمان بن بلال عن هشام بن عروة، بل تابعه علیه معمر بن راشد عند أحمد (٢٥٦٤٠).

٦٢٠
باب ١٠ / ح ٨٩١
فتح الباري بشرح البخاري
في أكثر الروايات في الترجمة، وهو مراد. قال الزَّين بن المنيِر: ((ما)) في قوله: ((ما يُقرأ))
الظاهر أنَّها موصولة، لا استفهاميَّة.
٣٧٨/٢ قوله: ((حدَّثنا أبو نُعيم)) في نسخة من رواية كَرِيمة: حدَّثنا محمد بن يوسف، أي:
الفِريابيُّ، وذُكِرا في بعض النسخ جميعاً. وسفيان: هو الثَّوريّ. وسعد بن إبراهيم، أي: ابن
عبد الرحمن بن عَوف، نَسَبَه النَّسائيُّ من طريق عبد الرحمن بن مَهْديّ وغيره عن الثَّوريّ(١)،
وهو تابعيٌّ صغير، وشيخه تابعيٍّ كبير، وهما معاً مدنيَّان.
قوله: ((في الفجر يوم الجمعة)) في رواية كَرِيمة والأَصِيلِيّ: في الجمعة في صلاة الفجر.
قوله: ﴿الّ تَنزِيلُ﴾ بضمِّ اللَّام على الحكاية، زاد في رواية كَرِيمة: السجدة، وهو بالنصب.
قوله: ((و﴿هَلْ أَ عَلى آلْإِنَنِ﴾)) زاد الأَصِيليّ في روايته: ﴿حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ﴾، والمراد أن
يقرأ في كلّ رَكعة بسورة، وكذا بيَّنْه مسلم (٦٦/٨٨٠) من طريق إبراهيم بن سعد بن
إبراهيم عن أبيه بلفظ: ((﴿الّ تَنزِيلُ﴾ في الرَّكعة الأولى، وفي الثانية ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾»،
وفيه دليل على استحباب قراءة هاتَينِ السورتَينِ في هذه الصلاة من هذا اليوم، لما تُشعِر
الصِّيغة به من مواظَبته وَ لّ على ذلك أو إكثاره منه، بل وَرَدَ من حديث ابن مسعود
التصريحُ بمُداوَمَتِهِ وَّ على ذلك، أخرجه الطَّبرانيُّ(٢) ولفظه: ((يُدیم ذلك))، وأصله في ابن
ماجَهْ (٨٢٤) بدون هذه الزّيادة، ورجاله ثقات، لكن صَوَّبَ أبو حاتم إرساله. وكأنَّ ابن
دَقِيق العيد لم يقف عليه فقال في الكلام على حديث الباب: ليس في الحديث ما يقتضي فعل
ذلك دائماً اقتضاء قويّاً، وهو كما قال بالنّسبة لحديث الباب، فإنَّ الصِّيغة ليست نصّاً في
المداومة، لكنَّ الزّيادة التي ذكرناها نصٌّ في ذلك.
وقد أشارَ أبو الوليد الباجيّ في ((رجال البخاري)) إلى الطَّعن في سعد بن إبراهيم لروايته
(١) أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي أحمدُ (١٠١٠٢)، والنسائي (٩٥٥)، لكن أحداً منهما لم يَزِدْ في
اسمه على سعد بن إبراهيم.
(٢) في ((المعجم الصغير)) (٩٨٦).