Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
باب ١٦٠ / ح ٨٥٣
أبواب صفة الصلاة
عند مسلم الدلالة على عدم تحریمه کما سيأتي.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطّان، وعبيد الله: هو ابن عمر.
قوله: ((قال في غَزْوة خَيْبَرَ)) قال الدَّاووديّ: أي حين أراد الخروج أو حين قَدِمَ. وتعقَّبه
ابن التِّين بأنَّ الصواب أنَّه قال ذلك وهو في الغزاة نفسها، قال: ولا ضرورة تَنَع أن
يخبرهم بذلك في السفر. انتهى، فكأنَّ الذي حمل الدَّاووديّ على ذلك قولُه في الحديث:
((فلا يَقرَبَنَّ مسجدنا)) لأنَّ الظاهر أنَّ المراد به مسجدُ المدينة، فلهذا ◌َمَلَ الخبر على ابتداء
التَّوَجُّه إلى خَيْبَر أو الرجوع إلى المدينة، لكن حديث أبي سعيد عند مسلم دالّ على أنَّ القول
المذكور صَدَرَ منه وَّهِ عَقِب فتح خَيبَرَ، فعلى هذا فقوله: ((مسجدنا)) يريد به المكان الذي
أُعِدَّ ليُصلّيَّ فيه مُدَّةَ إقامته هناك، أو المراد بالمسجد الجنس، والإضافة إلى المسلمينَ، أي: فلا
يَقرَبَنَّ مسجد المسلمينَ. ويؤيِّده رواية أحمد (٤٦١٩ و٤٧١٥) عن يحيى القَطّان فيه بلفظ:
((فلا يَقرَبَنَّ المساجد))، ونحوه لمسلم (٥٦١)، وهذا يَدِفَع قول مَن خَصَّ النَّهي بمسجد
النبيّ وَّةِ، كما سيأتي، وقد حكاه ابن بَطَّل عن بعض أهل العِلم ووَهّاه. وفي («مصنَّف
عبد الرزاق)) (١٧٣٧) عن ابن جُرَيج قال: قلتُ لعطاءٍ: هل النَّهي للمسجدِ الحرام خاصَّة
أو في المساجد؟ قال: لا بل في المساجد.
قوله: ((من هذه الشَّجَرة يعني الثُّوم)) لم أعرِف القائل ((يعني))، ويحتمل أن يكون عبيدَ الله
ابن عمر، فقد رواه السَّاج من رواية يزيد بن الهاد عن نافع بدونها ولفظه: نهى رسول الله
وَ﴾ عن أكل الثّوم يوم خَيبَرَ. وزاد مسلم (٦٩/٥٦١) من رواية ابن نُمَير عن عبيد الله:
حتَّی یَذهَب ريحها.
وفي قوله: ((شجرة)) تَجَاز، لأنَّ المعروف في اللُّغة أنَّ الشَّجَرة ما كان لها ساقٌ وما لا ساق
له يقال له نَجْم، وبهذا فسَّرَ ابن عبّاسٍ وغيره قوله تعالى: ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾
[الرحمن: ٦]، ومن أهل اللُّغة مَن قال: كلّ ما ثبتت له أَرُومٌ - أي: أصلٌ - في الأرض يُخْلِفُ
ما قُطِعَ منه فهو شجرٌّ، وإلَّا فتَجْمٌ.

٥٤٢
باب ١٦٠ / ح ٨٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الخطّابُّ: في هذا الحديث إطلاق الشَّجَر على الثّوم، والعامَّة لا تَعرِف الشَّجَرَ إلَّا
ما كان له ساق. انتهى، ومنهم مَن قال: بين الشَّجَر والنَّجْم عمومٌ وخصوصٌ، فكُلّ نَجْم
شجرٌ من غير عكس، كالشَّجَرِ والنَّخل، فكُلّ نَخلٍ شجر من غیر عكس.
٨٥٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمِ، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال:
أخبرني عطاءٌ، قال: سمعتُ جابَرَ بنَ عبدِ الله، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((مَن أَكَلَ من هذه الشَّجَرةِ
- يُرِيدُ الثُّومَ - فلا يَغْشانا في مَسجِدنا)» قلت: ما يعني به؟ قال: ما أُراه يعني إلَّ نِيئَه.
وقال ◌َخَلَّدُ بنُ يزيد، عن ابنِ جُرَيجٍ: إلَّا نَتْنَه.
[أطرافه في: ٨٥٥، ٥٤٥٢، ٧٣٥٩]
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو المُسنَدِيّ، وأبو عاصم: هو النَّبِيلُ، وهو شيخ
البخاري، ورُبَّما روی عنه بواسطةٍ کما هنا.
قوله: ((يريد الثُّوم)) لم أعرِف الذي فسَّرَه أيضاً، وأظنّه ابنَ جُرَيج، فإنَّ في الرواية التي
تَلي هذه عن الزّهريِّ عن عطاء الجَزْمَ بذِكْرِ الثّوم. على أنَّه قد اختُلِفَ في سياقه عن ابن
٣٤١٣ جُرَيج، فقد رواه مسلم (٧٤/٥٦٤) من رواية يحيى القَطّان عن ابن جُرَيج بلفظ: / ((مَنْ
أكَلَ من هذه البَقْلة الثّومِ))، وقال مرَّة: «مَن أكَلَ البَصَل والثّوم والكُرّاث))، ورواه أبو نُعيم
في ((المستخرَج))(١) من طريق رَوح بن عُبادةَ عن ابن جُرَيج مثله، وعَيَّنَ الذي قال: وقال
مرَّة، ولفظه: قال ابن جُرَيج: وقال عطاء في وقت آخر: ((الثّوم والبَصَل والكُرّاث))، ورواه
أبو الزُّبَير عن جابر بلفظ: نهى النبيّ وَِّ عن أكل البَصَل والكُرّاث، قال: ولم يكن ببَلَدِنا
يومئذٍ الثّوم. هكذا أخرجه ابن خُزيمة (١٦٦٨) من رواية يزيد بن إبراهيم، وعبد الرزاق
(١٧٤١) عن ابن عُيَينةَ، كلاهما عن أبي الزُّبَير.
قلت: هذا لا يُنافي التفسير المتقدِّم، إذ لا يَلزَم من كَوْنه لم يكن بأرضِهم أن لا يُجُلَب
إليهم، حتَّى لو امتَنَعَ هذا الحَمْلِ لكانت روايةُ المثبت مُقدَّمة على رواية النافي، والله أعلم.
(١) هو في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) برقم (١٢٣٢).

٥٤٣
باب ١٦٠ / ح ٨٥٤
أبواب صفة الصلاة
قوله: ((فلا يَغْشانا)) كذا فيه بصيغة النَّفي التي يُراد بها النَّهي، قال الكِرْمانيُّ: أو على لغة
مَن يُجري المعتَّ مجرَى الصحيح، أو أشبَعَ الراوي الفتحة فظُنَّ أنَّها ألف. والمراد بالغِشْيان:
الإتيان، أي: فلا یأتینا.
قوله: ((في مسجدنا)) في رواية الكُشْمِيهنيّ وأبي الوَقْت: ((مساجدنا)) بصيغة الجمع.
قوله: ((قلت: ما يعني به؟)) لم أقِفْ على تعيين القائل والمقُول له، وأظنّ السائل ابنَ
جُرَيج والمسؤولَ عطاءً، وفي (مصنَّف عبد الرزاق)) ما يُرشِد إلى ذلك (١٧٣٧)، وجَزَمَ
الكِرْمانيُّ بأنَّ القائل عطاء والمسؤول جابر، وعلى هذا فالضَّمير في ((أَراه)) للنبِّ وَّةِ، وهو
بضمِّ الهمزة، أي: أظنّه، و (نيتَه)) تقدَّم ضبطه.
قوله: ((وقال ◌َخَلَد بن يزيد عن ابن ◌ُرَيجٍ: إِلَّا نَتْه) بفتح النُّون وسكون المثنَّة من فوق
بعدها نون أُخرى، ولم أجِد طريق تَد هذه موصولةً بالإسناد المذكور، وقد أخرج
السَّاجِ (١) عن أبي كُرَيب عن تَحَدٍ هذا الحديثَ لكن قال: عن أبي الزُّبَير، بدل: عطاء عن
جابر، ولم يَذكُر المقصود من التَّعليق المذكور، إلَّا أنَّه قال فيه: ((ألم أنهكم عن هذه البَقْلة
الخبيثة أو المنتِنة))، فإن كان أشارَ إلى ذلك وإلَّا فما أظنّه إلَّا تصحيفاً، فقد رواه أبو عَوَانة في
((صحيحه)) (١٢٢٧) من طريق رَوْح بن عُبادةً(٢) عن ابن جُرَيج كما قال أبو عاصم، ورواه
عبد الرزاق (١٧٣٦) عن ابن جُرَيج بلفظ: أُراه يعني النِّيئةَ التي لم تُطبَخ، وكذا لأبي نُعِيمِ
في ((المستخرَج))(٣) من طريق ابن أبي عَديّ عن ابن جُرَيج بلفظِ: يريد النِّيء الذي لم يُطبَخ،
(١) في ((مسنده)) كما في ((تغليق التعليق)) للحافظ ٢/ ٣٤١، وساقه بإسناده.
(٢) وقع في النسختين المطبوعتين من أبي عوانة: عن روح، عن حجاج، عن ابن جريج، بزيادة حجاج بين
روح وابن جريج، والظاهر أن زيادته هنا مقحمة في إسناد الحديث، لأن الحافظ ذكر هذا الحديث في
(«إتحاف المهرة)) (٢٩٢٧) وعزاه لأبي عوانة، فلم يذكر حجّاجاً فيه، وقد أخرجه من طريق روح بن
عبادة أيضاً أبو نعيم في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) (١٢٣٢)، فلم يذكر حجّاجاً كذلك، وكذا
هو في ((جزء ابن جريج)) (١٠) برواية محمد بن إسماعيل الصائغ، عن روح بن عبادة، عنه. وحجاج
الذي يروي عن ابن جريج هو ابن محمد المِصِّيصي، وهو معروف بالرواية عنه، لكن لا يصح ذكره
هنا، والله أعلم.
(٣) هو في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) برقم (١٢٣٣).
.

٥٤٤
باب ١٦٠ / ح ٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
وهو تفسير للنِّيءٍ بأنَّه الذي لم يُطبَخ، وهو حقيقته كما تقدَّم، وقد يُطلَق على أعمّ من ذلك
وهو ما لم يُنضَج، فيدخل فيه ما طُبِخَ قليلاً ولم يَبلُغ النُّضْجِ.
٨٥٥- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيْرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ: زَعَمَ
عطاءٌ: أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله زَعَمَ: أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((مَن أكَلَ ثُوماً أو بَصلاً فليَعْتَزِلْنا)) أو قال:
((فليَعْتَزِلْ مسجدَنا أو لَيَقعُدْ في بيتِه). وأنَّ النبيَّ ◌َِ﴿ أَتِيَ بقِدْرٍ فيه خُضَراتٌ من بُقُولٍ، فَوَجَدَ لها
رِيحاً، فسَأَلَ فَأَخْبِرَ بما فيها من البُقُولِ، فقال: ((قَرِّبُوها)) إلى بعض أصحابِه كان معه، فلمَّا رآه
گرہ آگلھا فقال: «گُلْ فِي أُناجي مَن لا تُناچِي)).
وقال أحمدُ بنُ صالحٍ، عن ابنٍ وَهْب: أُيَ يَدْرٍ.
وقال ابنُ وَهْب: يعني طَبَقاً فيه خُضَراتٌ.
ولم يَذْكُرِ الليثُ وأبو صَفْوانَ عن يونسَ قِصّةَ القِدْرِ. فَلا أدري هو من قول الزُّهْريِّ، أو
في الحدیثِ.
قوله: (عن یونس)) هو ابن یزید.
قوله: ((زَعَمَ عطاء)) هو ابن أبي رباح، وفي رواية الأَصِيليِّ: عن عطاء، ولمسلم (٥٦٤]
٧٢) من وجه آخر عن ابن وَهْب: حدَّثني عطاء.
قوله: ((أنَّ جابر بن عبد الله زَعَمَ)) قال الخطَّبيُّ: لم يقل: ((زَعَمَ)) على وجه التُّهمة، لكنَّه
لمَّا كان أمراً مُخْتَلَفاً فيه أتى بلفظ الزَّعم، لأنَّ هذا اللَّفظ لا يكاد يُستَعمَل إلَّا في أمر يُرتاب
به أو يُخْتُلَف فيه. قلت: وقد يُستَعمَل في القول المحقَّق أيضاً كما تقدَّم، وكلام الخطّابِيِّ لا
ينفي ذلك، وفي رواية أحمد بن صالح الآتية (٧٣٥٩): عن جابر، ولم يقل: زَعَم.
قوله: ((فليَعْتَزِلْنا أو فليَعْتَزِلْ مسجدنا)) شكّ من الراوي وهو الزُّهريُّ، ولم تَخْتَلِفِ الرُّواة
عنه في ذلك
قوله: ((أو ليَقعُدْ في بيته)) كذا لأبي ذرِّ بالشكِّ أيضاً، ولغيره: «وليقعُد في بيته)) بواو

٥٤٥
باب ١٦٠ / ح ٨٥٥
أبواب صفة الصلاة
العطف، وكذا لمسلم (٧٣/٥٦٤)، وهي أخصّ من الاعتزال، لأنَّه أعمّ من أن يكون في
البيت أو غيره.
قوله: ((وأنَّ النبيّ ◌َّ)) هذا حديث آخر، وهو معطوف على الإسناد المذكور، والتقدير:
وحدَّثنا سعيد بن عُفَير بإسناده: أنَّ النبيَّ وَ لَ أُتي، وقد تردّدَ البخاري فيه: هل هو موصول
أو مُرسل؟ کما سيأتي.
وهذا الحديث الثاني كان مُتَقَدِّماً على الحديث الأوَّل بسِتِّ سنين، لأنَّ الأوَّل تقدَّم في
حديث ابن عمر وغيره أنَّه وقع منه وََّ في غزوة خَيْبَر وكانت سنة سبع، وهذا وقع في
السَّنة الأولى عند قُدومه وَّه إلى المدينة ونُزوله في بيت أبي أيوب الأنصاريّ كما سأُبِّنه.
قوله: (أُتيَ بقِدْرٍ)) بكسر القاف: وهو ما يُطبَخ فيه، ويجوز فيه التأنيث والتَّذكير، ٣٤٢/٢
والتأنيث أشهر، لكنَّ الضَّمير في قوله: فيه خُضَرات يعود على الطَّعام الذي في القدر،
فالتقدير: أُتيَ بقدرٍ من طعام فيه خُضَرات، ولهذا لمَّا أعاد الضَّمير على القِدر أعاده
بالتأنيثِ حيثُ قال: فأُخبِرَ بما فيها، وحيثُ قال: ((قَرِّبوها)).
وقوله: ((خُضَرات)) بضمِّ الخاء وفتح الضّاد المعجمتين، كذا ضُبِطَ في رواية أبي ذرٍّ،
ولغيره بفتح أوَّله وكسر ثانيه، وهو جمع خَضِرة، ويجوز مع ضَمّ أوَّله ضَمُّ الضّاد
وتسكينها أيضاً.
قوله: ((إلى بعض أصحابه)) قال الكِرْمانيُّ: فيه النَّقْل بالمعنى، إذ الرسول وَلّه لم يقلْه بهذا
اللَّفظ، بل قال: قَرِّبوها إلى فلان مثلاً، أو فيه حذف، أي: قال: قَرِّبوها، مُشيراً أو أشارَ إلى
بعض أصحابه.
قلت: والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاري، ففي ((صحيح مسلم)) (٢٠٥٣) من
حديث أبي أيوب في قصَّة نُزول النبيّ ◌َّه عليه قال: فكان يصنع للنبيِّ وَِّ طعاماً، فإذا
جيءَ به إليه - أي: بعد أن يأكُل النبيُّ ◌َّهِ منه - سألَ عن موضع أصابع النبيّ ◌َّ، فَصَنَعَ
ذلك مرّة، فقيل له: لم يأكُل، وكان الطَّعام فيه ثوم، فقال: أحرام هو يا رسول الله؟!

٥٤٦
باب ١٦٠ / ح ٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
قال: «لا ولکن أکرهه».
قوله: ((كُلْ فإنِّي أُناجي مَن لا تُناجي)) أي: الملائكة، وفي حديث أبي أيوب عند ابن
خُزيمة (١٦٧٠) وابن حِبَّان (٢٠٩٢) من وجه آخر: أنَّ رسول الله وَّل ◌ُرسِلَ إليه بطعامِ
من خضرة فیه بصل أو گُراث، فلم يَرَ فیه أثرَ رسول الله ٹے، فأبی ان یأکُل، فقال له: ((ما
مَنَعَك؟)) قال: لم أرَ أثر يَدك، قال: ((أَستَحْبي من ملائكة الله وليس بمُحرَّم))، ولهما(١) من
حديث أمّ أيوب قالت: نزل علينا رسول الله وَّيهِ فتكلَّفْنا له طعاماً فيه بعض البُقول،
فذكر الحديث بنحوه، وقال فيه: ((كُلوا، فإنّي لست كأحدٍ منكم، إنِّي أخاف أن(٢) أوذيَ
صاحبي)).
قوله: ((وقال أحمد بن صالح عن ابن وهب: أُتيَ بَدْرٍ)) مراده أنَّ أحمد بن صالح خالَفَ
سعيد بن عُفَير في هذه اللَّفظة فقط، وشارَكَه في سائر الحديث عن ابن وَهْب بإسناده
المذكور، وقد أخرجه البخاري في الاعتصام (٧٣٥٩) قال: حدَّثنا أحمد بن صالح، فذكره
بلفظ: أُتيَ ببدر، وفيه قول ابن وَهْب: يعني طَبَقاً فيه خُضَرات))، وكذا أخرجه أبو داود
(٣٨٢٢) عن أحمد بن صالح، لكن أخَّرَ تفسير ابن وَهْب فذكره بعد فراغ الحديث.
وأخرجه مسلم (٧٣/٥٦٤) عن أبي الطَّاهر وحَرمَلة كلاهما عن ابن وَهْب فقال: بقِدْرٍ،
بالقاف، ورَجَّحَ جماعة من الشُّرّاح رواية أحمد بن صالح لكون ابن وَهْب فسَّرَ البدْر
بالطََّق، فدلَّ على أنَّه حدَّث به كذلك.
وزَعَمَ بعضهم أنَّ لفظة: بقدرٍ، تصحيف، لأنَّها تُشعِر بالطَّبخ، وقد وَرَدَ الإذن بأكل
البُقول مَطبوخَةً، بخلاف الطَّبَق فظاهره أنَّ البقول كانت فيه نيئة.
والذي يظهر لي أنَّ رواية: القِدْر، أصحّ، لما تقدَّم من حديث أبي أيوب وأمّ أيوب جميعاً،
فإنَّ فيه التصريحَ بالطَّعام، ولا تَعارُض بين امتناعه بَّهِ من أكل الثَّوم وغيره مطبوخاً وبين
(١) ابن خزيمة برقم (١٦٧١)، وابن حبان برقم (٢٠٩٣).
(٢) لفظة ((أن) سقطت من (س).

٥٤٧
باب ١٦٠ / ح ٨٥٦
أبواب صفة الصلاة
إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخاً، فقد عَلَّلَ ذلك بقوله: ((إنِّي لست كأحدٍ منكم)). وتَرجَمَ ابن
خُزَيمة على حديث أبي أيوب: ((ذكر ما خَصَّ الله نبيَّه به من ترك أكل الثّوم ونحوه مَطبوخاً).
وقد جمع القُرطبيّ في ((المفهم)) بين الروايتين: بأنَّ الذي في القدر لم يُنضَج حتَّى
تَضمَحِلٌ رائحته، فبقيَ في حكم النِّيء.
قوله: ((بيَدْرٍ)) بفتح الموخَّدة: وهو الطَّبَق، سُمّيَ بذلك لاستدارَتِهِ تَشبيهاً له بالقَمَرِ
عند کماله.
قوله: ((ولم يَذْكُرِ الليث وأبو صَفْوان عن يونس قِصَّة القِدْر)) أمَّا رواية الليث فوَصَلها
الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهريّات))(١)، وأمَّا رواية أبي صفوان وهو الأُمَويّ فوَصَلها المؤلِّف في الأطعمة
(٥٤٥٢) عن عليّ بن المدينيّ عنه، واقتصر على الحديث الأوَّل، وكذلك اقتصر عُقَيل عن
الزُّهريِّ كما أخرجه ابن خُزيمة (١٦٦٤).
قوله: ((فلا أدري ... )) إلى آخره، هو من كلام البخاري، ووَهمَ مَن زَعَمَ أنَّه كلام أحمد
بن صالح أو مَن فوقه، وقد قال البيهقيُّ: الأصل أنَّ ما كان من الحدیث متصلاً به فهو
منه، حتَّى يجيء البيان الواضح بأنَّه مُدْرَج فيه.
٨٥٦- حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، عن عبدِ العزيزِ قال: سَأَلَ رجلٌ أنساً:
ما سمعتَ نبيَّ اللهَوَ ◌ّلَه يقول في الثَّومِ؟ فقال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن أكَلَ من هذه الشَّجَرةِ، فلا
يَقْرَبَنّا ولا(٢) يُصلِّيَنَّ معنا)».
[طرفه في: ٥٤٥١]
قوله: ((عن عبد العزیز)) هو ابن صهيب.
(١) وأخرجها أيضاً الطبراني في ((الأوسط)) (٩٣٤٧)، و((الصغير)) (١١٢٦).
(٢) كذا جاء في النسخة التي شرح عليها العيني والقسطلّاني: ((ولا)) بواو العطف، ولم يتعرض لها الحافظ في أثناء
شرحه. وجاءت كذلك بواو العطف عند من خرَّج هذا الحديث من طريق أبي معمر شيخ البخاري فيه،
كأبي عوانة (١٢٩٧)، والطحاوي ٢٣٧/٤، وكذلك جاء عند مسلم (٥٦٢) وغيره، من طريق إسماعيل
ابن عُليَّة، عن عبد العزيز بن صهيب. ووقع في النسخة السلطانية: أو لا، بالشك، والظاهر أنه خطأ.

٥٤٨
باب ١٦٠ / ح ٨٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سَأَلَ رجل)) لم أقِفْ على تسميته، وقد تقدَّم الكلام على إطلاق الشَّجَرة على
٣٤٣/٢
الثُّوم.
وقوله: ((فلا يَقْرَبَّا)) بفتح الرَّاء والموخَّدة وتشديد النُّون، وليس في هذا تقييد النَّهي
بالمسجد، فُيُستَدَلّ بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجدِ كَمُصلَّى العيد والجنازة ومكان
الوليمة، وقد ألحقَها بعضهم بالقياس، والتمسُّك بهذا العموم أولى، ونَظِيره قوله: ((وليقعُد
في بيته)) كما تقدَّم، لكن قد عُلِّلَ المنع في الحديث بتركٍ أذى الملائكة وترك أذى المسلمين،
فإن كان كلٍّ منهما جزءً عِلَّة اختَصَّ النَّهي بالمساجدِ وما في معناها، وهذا هو الأظهَر، وإلَّا
لَعَمَّ النَّهي كلَّ مَجَمَع كالأسواق، ويؤيِّد هذا البحثَ قولُه في حديث أبي سعيد عند مسلم
(٥٦٥): ((مَن أكَلَ من هذه الشَّجَرة شيئاً فلا يَقرَبَنَّا في المسجد)).
قال القاضي ابن العربيّ: ذِكْر الصِّفة في الحكم يدلّ على التَّعليل بها، ومن ثَمَّ رَدَّ على
المازَرِيّ (١) حيثُ قال: لو أنَّ جماعة مسجدٍ أَكَلوا كلُّهم ما له رائحة كريهةٌ لم يُمنَعوا منه،
بخلاف ما إذا أكَلَ بعضهم، لأنَّ المنع لم يختصّ بهم بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول
المنعُ مَن تَناوَلَ شيئاً من ذلك ودخل المسجد مُطلَقاً ولو كان وحده.
واستدلَّ بأحاديث الباب على أنَّ صلاة الجماعة ليست فرضَ عين. قال ابن دَقِيق
العيد: لأنَّ اللَّازم من منعه أحدُ أمرين: إمَّا أن يكون أكلُ هذه الأُمور مُباحاً فتكون صلاة
الجماعة ليست فرضَ عين، أو حراماً فتكون صلاة الجماعة فرضاً، وجمهور الأمَّة على إباحة
أكلها فيلزم أن لا تكون الجماعة فرضَ عین. وتقریره أن يقال: أکل هذه الأُمور جائز، ومن
لَوازمه تركُ صلاة الجماعة في حقِّ آكلِها ولازِمُ الجائزِ جائزٌ، فترْك الجماعة في حقِّ آكِلھا
جائز، وذلك يُنافي الوجوب.
ونُقِلَ عن أهل الظاهر أو بعضهم تحريمُها بناء على أنَّ الجماعة فرض عين، وتقريره أن
يقال: صلاة الجماعة فرض عين، ولا تَتِمّ إلَّا بترْكِ أكلها، وما لا يَتِمّ الواجب إلَّا به فهو
(١) في ((إرشاد الساري)) للقسطلّاني: الماوردي!

٥٤٩
باب ١٦٠ / ح ٨٥٦
أبواب صفة الصلاة
واجب، فتركُ أكل هذا واجب، فيكون حراماً، انتهى.
وكذا نَقَلَه غيره عن أهل الظاهر، لكن صَرَّحَ ابن حَزْم منهم بأنَّ أكلها حَلال مع قوله
بأنَّ الجماعة فرض عين، وانفَصَلَ عن اللُّزوم المذكور بأنَّ المنع من أكلها مُختصّ بمَن عَلِمَ
بخروج الوقت قبل زوال الرَّائحة. ونَظِيره أنَّ صلاة الجمعة فرض عين بشروطِها، ومع
ذلك تَسقُط بالسفر، وهو في أصله مُباح، لكن يَحَرُم على مَن أنشأه بعد سماع النِّداء.
وقال ابن دَقِيق العيد أيضاً: قد يُستَدَلّ بهذا الحديث على أنَّ أكل هذه الأُمور من
الأعذار المرخّصة في ترك حضور الجماعة، وقد يقال: إنَّ هذا الكلام خرج تَخَرَج الزَّجر
عنها، فلا يقتضي ذلك أن يكون عُذراً في تركها، إلَّا أن تَدعو إلى أكلها ضرورةٌ. قال: ويُبْعِد
هذا من وجهٍ تقريبُه إلى بعض أصحابه، فإنَّ ذلك يُنافي الّجر، انتهى.
ويُمكِن حمله على حالتين، والفرق بينهما: أنَّ الزَّجر وقع في حقِّ مَن أراد إتيان المسجد،
والإذن في النَّقريب وقع في حالة لم يكن فيها ذلك، بل لم يَكُن المسجد النَّبَويّ إذ ذاكَ بُني،
فقد قدَّمت أنَّ الزَّجر مُتأخّر عن قصّة التَّقريب بسِتُّ سنينَ.
وقال الخطَّبيُّ: تَوَهَّمَ بعضهم أنَّ أكل الثّومِ عُذرٌ في التخلّف عن الجماعة، وإنَّما هو
عقوبة لآكِلِه على فعله إذ حُرِمَ فضل الجماعة. انتهى، وكأنَّه يَخُصّ الرُّخصة بما لا سبب للمَرءِ
فيه كالمطرِ مثلاً، لكن لا يَلزَم من ذلك أن يكون أكلُها حراماً، ولا أنَّ الجماعة فرضُ عين.
واستدلَّ المهلَّب بقوله: ((فإِنِّ أُناجي مَن لا تُناجي)) على أنَّ الملائكة أفضل من الآدميّينَ. ٣٤٤/٢
وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يَلزَم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيلُ الجنس على الجنس.
واختُلِفَ هل كان أكل ذلك حراماً على النبيّ وَّ أو لا؟ والرَّاجح الحِلّ لعموم قوله
وَلُّ: ((وليس بمُحرَّم)) كما تقدَّم من حديث أبي أيوب عند ابن خُزيمة (١٦٧٠). ونقل ابن
التِّين عن مالكٍ قال: الفُجْل إن كان يظهر ريحُه فهو كالثُّوم. وقَيَّدَه عياضٌ بالجُشاء.
قلت: وفي ((الطَّبرانيِّ الصغير)) (٣٧) من حديث أبي الزُّبَير عن جابر التَّنصيص على ذِكْر
الفُجْل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشِد وهو ضعيف. وألحَقَ بعضهم بذلك مَن

٥٥٠
باب ١٦١ / ح ٨٥٧ -٨٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
يفِيهِ بَخَرٌ أو به جُرح له رائحة. وزاد بعضهم فألحَقَ أصحابَ الصَّنائع كالسَّاك،
والعاهاتِ كالمجذوم، ومَن يُؤذي الناس بلسانه، وأشارَ ابن دَقِيق العيد إلى أنَّ ذلك كلّه
توسُّعٌ غير مرضيّ.
فائدة: حكم رَحَبة المسجد وما قَرُبَ منها حكمه، ولذلك كان ◌َّه إذا وَجَدَ ريحها في
المسجد أمر بإخراج مَن وُجِدَت منه إلى البقيع، كما ثَبَتَ في مسلم (٥٦٧) عن عمر ◌َُه.
تنبيه: وقع في حديث حُذَيفة عند ابن خُزيمة (١٦٦٣): ((مَن أكَلَ من هذه البَقْلة الخبيثة
فلا يَقرَبَنَّ مسجدنا)) ثلاثاً، وبَوَّبَ عليه: ((توقيت النَّهي عن إتيان الجماعة لآكِل الثّوم))، وفيه
نظر، لاحتمال أن يكون قوله: ثلاثاً، يتعلَّق بالقول، أي: قال ذلك ثلاثاً، بل هذا هو الظاهر،
لأنَّ عِلَّة المنع وجود الرَّائحة وهي لا تَستَمِرّ هذه المدَّة.
١٦١ - بابُ وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور،
وحضورهم الجماعةَ والعيدين والجنائز وصفوفهم
٨٥٧- حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثني غُندَرٌ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ سليمانَ
الشَّيْباني، قال: سمعتُ الشَّعْبِيَّ، قال: أخبرني مَن مَّ مع النبيِّ وَِّ على قَبْرِ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُم
وصفُّوا عليه.
فقلت: يا أبا عَمْرٍو، مَن حدَّثكَ؟ فقال: ابنُ عيَّاسٍ.
[أطرافه في: ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٣٦، ١٣٤٠]
٨٥٨- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني صَفْوانُ بنُ سُلَيمٍ، عن
عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ، عن النبيِّ ◌ٍَّ قال: «الغُسْلُ يومَ الجمعةِ واجبٌ على
کلِّ مُحتلِمٍ)).
[أطرافه في: ٨٧٩، ٨٨٠، ٨٩٥، ٢٦٦٥]
٨٥٩- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: أخبرنا سفيانُ، عن عَمْرٍو، قال: أخبرني كُرِيبٌ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: بِتُّ عندَ خالتي ميمونةَ ليلةً، فقامَ النبيُّ ◌ََّ، فلما كان في بعض

٥٥١
باب ١٦١ / ح ٨٥٧ - ٨٦٢
أبواب صفة الصلاة
الليل قامَ رسولُ الله ◌َّهِ فَتَوضَّأْ من شَنِّ مُعلَّقِ وضوءاً خفيفاً - يُحقِّقُه عَمْرٌو ويُقَلِّلُهُ جِدّاً - ثمَّ
قامَ يُصلّى، فقمتُ فَتَوضَّأْتُ نَحْواً مَّا تَوضَّأ، ثمَّ جئتُ فقمتُ عن يساره، فحَوَّلَني فجعلَني عن
يمينِهِ، ثمَّ صَلَّى ما شاءَ الله ثمَّ اضطَجَعَ فنامَ حتَّى نَفَخ، فأتاه المنادي يَأْذَنُه(١) بالصلاة، فقامَ معه
إلى الصلاة، فصَلَّى ولم يتوضَّأ.
قلنا لعَمْرٍو: إنَّ ناساً يقولونَ: إِنَّ النبيَّ وَّه تَنَامُ عَيْنُهُ، ولا يَنامُ قلبُه: قال عَمْرٌو: سمعتُ عُبِيدَ
ابنَ عُمَيرٍ يقول: إنَّ رُؤْيا الأنبياءِ وَحْيٌّ ثمَّ قرأ: ﴿إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ ﴾ [الصافات: ١٠٢].
٨٦٠- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن ٣٤٥/٣
أنسٍ بنِ مالكٍ: أنَّ جَدَّتَه مُلَيكةَ دَعَتْ رسولَ الله وَّ لطعام صَنَعَتْه فأكَلَ منه، فقال: ((قُومُوا
فِلأصَلِّيَّ بكم)) فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قَدِ اسوَدَّ من طُولٍ ما لَبِثَ، فَتَضَحْتُه بماءٍ، فقامَ رسولُ الله
وَّه واليتيمُ مَعي والعَجُوزُ من ورائنا، فصَلَّى بنا رَكْعتَينِ.
٨٦١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ
عُتْبة، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: أقبَلْتُ راكِباً على حمارٍ أتانٍ وأنا يومئذٍ قد ناهَزْتُ
الاحتِلامَ، ورسولُ اللهِوَلاَ يُّصِلِّ بِالنَّاسِ بِمِنّى إلى غيرِ جِدارٍ، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعض الصفِّ،
فَزَلْتُ وأرسَلْتُ الأنانَ تَرْتَعُ، ودخلْتُ في الصفِّ، فلم يُنْكِرْ ذلك عليَّ أحدٌ.
٨٦٢ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ،
أنَّ عائشةَ قالت: أعتَمَ رسُولُ الله ◌ِ.
وقال عيَّاشٌ: حدَّثنا عبدُ الأعلَى، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوة، عن عائشةَ رضي
الله عنها، قالت: أعتَمَ رسول الله وَّهِ في العِشاءِ، حتَّى ناداه عمرُ: قد نامَ النِّساءُ والصِّبْيانُ،
فخرج رسولُ اللهِ وَّه فقال: ((إنَّه ليس أحدٌ من أهل الأرضِ يُصلِّي هذه الصلاةَ غيرُكم)).
(١) كذا في رواية أبي ذرّ بفتح الذال وسكون الهمزة، نقله عنه القسطلاني، وقال: وللأصيلي وابن عساكر وأبي
الوقت في نسخة: يؤذنه، بضم أوله وسكون الهمزة، بلفظ المضارع من غير فاء، أي: يعلمه،
وللكشميهني: فآذنه، بفاء فهمزة مفتوحة ممدودة فذال مفتوحة، أي: أعلمه.

٥٥٢
باب ١٦١ / ح ٨٥٧ - ٨٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
ولم يكنْ أحدٌ يومئذٍ يُصلِّ غيرُ أهل المدينةِ.
٨٦٣- حدّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثني عبدُ الرحمن
ابنُ عابسٍ، سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال له رجلٌ: شَهِدْتَ الخروجَ مع رسول الله
وَّةَ؟ قال: نَعَمْ ولَوْلا مكاني منه ما شَهِدْتُه، يعني من صِغَرِه، أتى العَلَمَ الذي عندَ دار کَثِيرِ بنِ
الصَّلْتِ، ثمَّ خَطَب، ثمَّ أتى النِّساءَ فوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ أنْ يَتَصَدَّقْنَ، فجعلتِ المرأةُ تُهُوي بيدِها
إلى حَلَقِها (١) تُلْقِي فِي ثَوْبٍ بلالٍ، ثمَّ أتى هو وبلالٌ البيتَ.
قوله: ((باب وضوء الصِّبْيان)) قال الزَّين بن المنيِّر: لم يَنُصّ على حكمه، لأنَّه لو عَبَّرَ
بالنَّدبِ لاقتَضَى صِحَّة صلاة الصبيّ بغير وضوء، ولو عَبَّرَ بالوجوب لاقتَضَى أنَّ الصبيّ
يُعاقَب على تركه كما هو حَدّ الواجب، فأتى بعبارةٍ سالمة من ذلك، وإنَّما لم يَذْكُرِ الغُسل
لنُدُور مُوجِبه من الصبيّ بخلاف الوضوء، ثمَّ أردَفَه بذِكْر الوقت الذي يجب فيه ذلك
عليه، فقال: ومَتَى يجب عليهم الغُسل والطُّهور، وقوله: والطُّهور، من عطف العامّ على
الخاص، وليس في أحاديث الباب تعيين وقت الإيجاب إلَّا في حديث أبي سعيد، فإنَّ
مفهومه أنَّ غُسل الجمعة لا يجب على غير المحتَلِم، فيُؤخَذ منه أنَّ الاحتلام شرطٌ لوجوب
الغُسل، وأمَّا ما رواه أبو داود (٤٩٤) والتِّرمِذيّ (٤٠٧) وصحَّحه، وكذا ابن خُزيمة
(١٠٠٢) والحاكم (١/ ٢٠١) من طريق عبد الملك بن الرَّبيع بن سَبْرةَ عن أبيه عن جَدّه
مرفوعاً: ((عَلِّموا الصبيّ الصلاة ابن سبع، واضِرِبوه عليها ابن عشر))، فهو وإن اقتَضَى
تعيين وقت الوضوء لتَوَقُّفِ الصلاة عليه فلم يقل بظاهرِه إلَّا بعضُ أهل العِلم، قالوا:
تَجِب الصلاة على الصبيّ للأمرِ بضَرْبِه على تركها، وهذه صفة الوجوب، وبه قال أحمد في
رواية، وحكى البَنْدَنِيجي أنَّ الشافعيّ أومأ إليه.
٣٤٦/٢ وذهب الجمهور إلى أنَّها لا تَجِب عليه إلَّا بالبلوغ، وقالوا: الأمر بضَرْبِه للتَّدريب.
(١) قال القسطَلّاني: بفتح الحاء واللام وبكسر الحاء أيضاً: الخاتم لا فصَّ له أو القُرْط، وللأصيلي: إلى
حَلْقِها، بسكون اللام مع فتح الحاء، أي: المحلّ الذي يعلّق فيه.

٥٥٣
باب ١٦١ / ح ٨٥٧ - ٨٦٣
أبواب صفة الصلاة
وجَزَمَ البيهقيُّ بأنَّه منسوخ بحديث: ((رُفِعَ القَلَم عن الصبيّ حتَّى يَحْتَلِم))(١)، لأنَّ الرَّفْعِ
يستدعي سَبْق وضْع. وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث في ذلك في كتاب النِّكاح(٢).
ويُؤخَذ من إطلاق الصبيّ على ابن سبع الردّ على مَن زَعَمَ أنَّه لا يُسمَّى صبيّاً إِلَّا إذا
كان رَضيعاً، ثمَّ يقال له: غلام، إلى أن يصير ابنَ سبع، ثمَّ يصير يافعاً إلى عشر، ويوافق
الحديثَ قولُ الجَوْهريّ: الصبيّ الغلام.
قوله: ((وحُضُورهم)) بالجرِّ عطفاً على قوله: ((وضوء الصِّبيان)) وكذا قوله: ((وصفوفهم)).
ثمَّ أورَدَ في الباب سبعة أحاديث:
أوَّلها: حديث ابن عبّاسٍ في الصلاة على القَبر، والغَرَض منه صلاة ابن عبّاسٍ معهم
ولم یکن إذ ذاكً بالغاً كما سيأتي دلیله في خامس أحاديث الباب، وسيأتي الكلام عليه في
كتاب الجنائز (١٣٣٦ و ١٣٤٠) إن شاء الله تعالى.
ثانيها: حديث أبي سعيد، وقد تقدَّم توجيه إيراده، ويأتي الكلام عليه في كتاب الجمعة
(٨٧٩) إن شاء الله تعالى.
ثالثها: حديث ابن عبّاسٍ في مَبيته في بيت ميمونة، وفيه وضوؤُه وصلاته مع النبيّ
وَّ، وتقريره له على ذلك بأن حَوَّلَه فجعلَه عن يمينه، وقد تقدَّم من هذا الوجه في أوائل
كتاب الطَّهارة (١٣٨)، ويأتي بقيَّة مباحثه في كتاب الوتر (٩٩٢) إن شاء الله تعالى.
رابعها: حديث أنس في صَفّ اليتيم معه خلف النبيّ وََّ، ومُطابَقَته للترجمة من جهة
أنَّ اليُتم دالٌّ على الصِّبا إذ لا يُتْمَ بعد احتلام، وقد أقرَّه النبيُّ ◌َّ على ذلك.
(١) أخرجه أحمد (٢٤٧٠٣) وأبو داود (٤٣٩٨)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والنسائي (٣٤٣٢) من حديث
عائشة، وأحمد (٩٤٠)، وأبو داود (٤٣٩٩-٤٤٠٣)، والترمذي (١٤٢٣)، وابن ماجه (٤٣٦٢)،
والنسائي في ((الکبری» (٧٣٠٣) من حديث علي.
(٢) لم نجد كلاماً للحافظ في كتاب النكاح في بحث رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، لكنه أورد شيئاً منه في
كتاب الحدود في باب («لا يُرجَم المجنون والمجنونة، وقال عليٌّ لعمر : أما علمت أن القلم رُفع عن
المجنون حتى يُفيق، وعن الصبيّ حتى يُدرِك، وعن النائم حتى يستيقظ؟».

٥٥٤
باب ١٦١ / ح ٨٥٧ - ٨٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
خامسها: حديث ابن عبّاسٍ في مجيئه إلى مِنى ومروره بين يدي بعض الصف، ودخوله
معهم وتقريره على ذلك، وقال فيه: إنَّه كان ناهَزَ الاحتلام، أي: قارَبَه، وقد تقدَّمت
مباحثه في أبواب سُترة المصلِّي (٤٩٣).
سادسها: حديث عائشة في تأخير العشاء حتَّى قال عمر: نامَ النِّساء والصِّبیان. قال ابن
رُشَيد: فهمَ منه البخاري أنَّ النِّساء والصِّبيان الذين ناموا كانوا حضوراً في المسجد، ولیس
الحديث صريحاً في ذلك، إذ يحتمل أنَّهم ناموا في البيوت، لكنَّ الصِّبيان جمعٌ مُحلَّى باللَّام
فَعُمّ مَن كان منهم مع أمّه أو غيرها في البيوت ومَن كان مع أمّه في المسجد، وقد أورَدَ
المصنِّف في الباب الذي يليه (٨٦٨) حديث أبي قتادةَ رفعه: ((إنِّي لَأقوم إلى الصلاة))
الحديث، وفيه: ((فأسمع بكاء الصبيّ فأَتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشُقّ على أمّه)).
وقد قدَّمنا في شرحه في أبواب الجماعة (٧٠٧) أنَّ الظاهر أنَّ الصبيّ كان مع أمّه في
المسجد، وأنَّ احتمال أنَّها كانت تركَتْه نائماً في بيتها وحَضَرَت الصلاة فاستَيقَظَ في غَيْبَتَها
فَبَكَى، بعيدٌ، لكنَّ الظاهر الذي فهمَه أنَّ القضاء بالمرئيِّ أَولى من القضاء بالمقدَّر. انتهى،
وقد تقدَّمت مباحثه في أبواب المواقيت (٥٦٦)، وساقه المصنّف هنا من طريق مَعمَر
وشعيب بلفظ مَعمَر، ثمَّ ساق لفظ شعيب في الباب الذي بعده.
وقوله: ((قال عيَّاش)) وقع في بعض الروايات: قال لي عيَّاش، وهو بالتَّحتانيَّة
والمعجَمة، وتَحَوَّلَ الإسناد عند الأكثر من بعد الزُّهري، وأتمَّه في رواية المُستَمْلِي، ثمّ
خَتَمَ الباب بحديث ابن عبَّاسٍ في شهوده صلاة العيد مع النبيّ وَّةِ، وقد صَرَّحَ فيه بأنَّه
كان صغيراً، وسيأتي الكلام عليه في كتاب العيدَينِ (٩٦٤ و٩٧٧)، وتَرجَمَ له هناك: ((باب
خروج الصِّبيان إلى المصلّ)).
واستُشكِلَ قولُه في الترجمة: وصفوفهم، لأنَّه يقتضى أن يكون للصِّبيان صفوف
تَّخُصّهم، وليس في الباب ما يدلُّ على ذلك. وأُجيبَ بأنَّ المراد بصفوفِهم وقوفهم في
الصفّ مع غيرهم، وفِقه ذلك: هل يَخْرُج مَن وقفَ معه الصبيّ في الصفّ عن أن يكون

٥٥٥
باب ١٦٢ / ح ٨٦٤ -٨٦٥
أبواب صفة الصلاة
فرداً حتَّى يَسلَم من بُطْلان صلاته عند مَن يمنعه أو كَراهَته، وظاهر حديث أنس يقتضي
الإجزاء، فهو حُجَّة على مَن مَنَعَ ذلك من الحنابلة مُطلَقاً، وقد نصَّ أحمد على أنَّه يُجِزِئ في
النَّفل دون الفرض، وفيه ما فيه.
٣٤٧/٢
١٦٢ - باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلَس
٨٦٤- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: أعتَمَ رسولُ الله ◌َِّ بِالعَتَمَةِ، حتَّى ناداه عمرُ: نامَ النِّساءُ
والصِّبْيانُ، فخرج النبيُّ ◌ََّ فقال: ((ما يَنتَظِرُها أحدٌ غيرُكم من أهل الأرض))، ولا تُصلَّى يومئذٍ
إلَّا بِالمدينةِ، وكانوا يُصلُّونَ العَتَمَةَ فيما بينَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلى ثُلُثِ الليل الأوَّلِ.
٨٦٥- حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن حَنْظَلة، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عمر رضي
الله عنهما، عن النبيِّ وَّمَ قال: ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجدِ فَأُذَنُوا لَهُنَّ)).
تابَعَه شُعْبةُ، عن الأعمَش، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ◌َلِّؤ.
[أطرافه في: ٨٧٣، ٨٩٩، ٥٢٣٨،٩٠٠]
قوله: ((باب خروج النِّساء إلى المساجد بالليل والغَلَس)) أورَدَ فيه سنَّة أحاديث تقدَّم
الكلام عليها إلَّا الثاني والأخير، وبعضها مُطلَق في الزمان وبعضها مُقيَّد بالليل أو الغَلَس،
فحَمَل المطلَقَ في الترجمة على المقيَّد، وللفقهاء في ذلك تفاصيلُ ستأتي الإشارة إلى بعضها.
فأوَّل أحاديث الباب حديث عائشة في تأخير العشاء حتَّى نادى عمر: نامَ النِّساء
والصِّبيان، وقد تقدَّم سادساً لأحاديث الباب الذي قبله.
ثانيها: حديث ابن عمر في النَّهي عن منع النِّساء عن المسجد.
ثالثها: حديث أمّ سَلَمة في مُكث الإمام بعد السلام حتَّى ينصرف النِّساء، وقد تقدَّم
الكلام عليه قبل أربعة أبواب (٨٤٩).
رابعها: حديث عائشة في صلاة الصبح بغَلَسٍ ورجوع النِّساء مُتَلفِّعات، وقد تقدَّم

٥٥٦
باب ١٦٢ / ح ٨٦٤ -٨٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
الكلام عليه قبلُ في المواقيت (٥٧٨).
خامسها: حُديث أبي قتادةَ في تخفيف الصلاة حين بَكَى الصبيّ لأجلِ أمّه، وقد تقدَّم
الكلام عليه في الإمامة (٧٠٧).
سادسها: حديث عائشة في منع نساء بني إسرائيل المساجد، وسأذكر فوائده بعد
الكلام على الحدیث الثاني، وهو حديث ابن عمر.
قوله: ((عن حَنْظَلة)) هو ابن أبي سفيان الجُمَحيُّ، وسالم بن عبد الله، أي: ابن عمر.
قوله: ((إذا استأذَنَكم نِساؤُكم بالليل إلى المسجد)) لم يَذكُر أكثر الرُّواة عن حَنظَلة قولَه:
((بالليل))، كذلك أخرجه مسلم وغيره(١)، وقد اختُلِفَ فيه على الزُّهريِّ عن سالم أيضاً،
فأورده المصنِّف بعد بابینِ (٨٧٥) من روایة مَعمر، ومسلم (١٣٥/٤٤٢) من روایة یونس
ابن يزيد، وأحمد (٦٢٥٢) من رواية عُقيل، والسرَّاج (٧٨٨) من رواية الأوزاعيِّ كلهم عن
الزُّهريِّ بغير تقييد، وكذا أخرجه المصنّف في النِّكاح (٥٢٣٨) عن عليّ بن المدينيّ عن
سفيان بن عُيَينةَ عن الزُّهريِّ بغير قَید.
ووقع عند أبي عَوَانة في «صحيحه)) (١٤٣٧) عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن عُيَينَةَ
مثله، لكن قال في آخره: ((يعني بالليل))، وبيَّن ابن خُزيمة (١٦٧٧) عن عبد الجبّار بن
العلاء أنَّ سفيان بن عُيَينةَ هو القائل: يعني، وله (١٦٧٧) عن سعيد بن عبد الرحمن عن
ابن عُيَينةَ قال: قال نافع: بالليل، وله عن يحيى ابن حَكيم، عن ابن عُيَينةَ قال: جاءَنا
رجل فحدَّثنا عن نافع قال: إنَّما هو بالليل. وسَمَّى عبدُ الرزاق (٥١٢٢) عن ابن عُيَينةَ
الرجل المبهَم فقال بعد روايته عن الزُّهريِّ: قال ابن عُيَينَةَ: وحدَّثنا عبد الغَفّار - يعني
ابن القاسم - أنَّه سمع أبا جعفر يعني الباقر يخبر بمثل هذا عن ابن عمر، قال: فقال له
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٨٣/٢، وأحمد (٥٢١١) و(٦٣٠٣) و(٦٤٤٤)، ومسلم (٤٤٢) (١٣٧)، وأبو
يعلى (٥٤٤٣) و(٥٥١٠) و(٥٥٧٨)، والبيهقي ١٣٢/٢ من طرق عن حنظلة. لكن أخرجه بهذه
الزيادة أبو عوانة (١٤٤٦)، والبغوي (٨٦٢) من طرق عن حنظلة.

٥٥٧
باب ١٦٢ / ح ٨٦٤ -٨٦٥
أبواب صفة الصلاة
نافع مولى ابن عمر: إنَّما ذلك بالليل. وكأنَّ اختصاص الليل بذلك لكَونِه أستَرَ، ولا
يخفى أنَّ محلّ ذلك إذا أُمِنَت المفسدة منهُنَّ وعليهن.
٢٤٨/٢
قال النَّوَويّ: استدلَّ به على أنَّ المرأة لا تَخْرُج من بيت زوجها إلَّا بإذنِهِ لتَوَجُّه الأمر إلى
الأزواج بالإذن، وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّه إن أُخِذَ من المفهوم فهو مفهوم لَقَب، وهو
ضعيف. لكن يتقوَّى بأن يقال: إنَّ منْع الرجال نساءَهم أمر مُقَرَّر، وإنَّما عَلَّقَ الحكم
بالمساجدِ لبيان محلّ الجواز، فيَبقَى ما عَداه على المنع، وفيه إشارة إلى أنَّ الإذن المذكور لغیر
الوجوب، لأنَّه لو كان واجباً لانتَفَى معنى الاستئذان، لأنَّ ذلك إنَّما يتحقَّق إذا كان
المستأذَن مُخَيَّراً في الإجابة أو الردّ.
قوله: («تابَعَه شُعْبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر)) ذكر المِزِّيُّ في ((الأطراف)) تَبَعاً
لِخَلَفٍ وأبي مسعود أنَّ هذه المتابعة وقعت بعد رواية ورقاء عن عَمْرو بن دينار عن مجاهد
عن ابن عمر بهذا الحديث، ولم أقِفْ على ذلك في شيء من الروايات التي أَتَّصَلت لنا من
البخاري في هذا الموضع، وإنَّما وقعتِ المتابعة المذكورة عَقِب رواية حَنظَلة عن سالم، وقد
وَصَلَها أحمد (٥٠٢١) قال: حدَّثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعْبة، فذكر الحديث بزيادةٍ
سيأتي ذكرها قريباً.
نَعَم أخرج البخاري رواية ورقاء في أوائل كتاب الجمعة (٨٩٩) بلفظ: ((ائذَنوا للنِّساء
بالليل إلى المساجد))، ولم يَذكُر بعده مُتَابَعة ولا غيرها، ووافَقَه مسلم (١٣٩/٤٤٢) على
إخراجه من هذا الوجه أيضاً، وزاد فيه: فقال له ابنٌ له يقال له: واقد: إذاً يَتَّخِذنَه دَغَلاً،
قال: فضَرَبَ في صَدره، وقال: أُحَدِّثك عن رسول الله وَله وتقول: لا؟! ولم أرَ لهذه القصَّة
ذِكْراً في شيء من الطّرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث، وقد أوهَمَ صنيع صاحب
((العُمدة)) خلافَ ذلك، ولم يَتَعَرَّض لبيان ذلك أحد من شُرّاحه، وأظنّ البخاريَّ اختصرها
للاختلاف في تسمية ابن عبد الله بن عمر، فقد رواه مسلم (١٤٠/٤٤٢) من وجه آخر عن
ابن عمر وسَمَّى الابن بلالاً، فأخرجه من طريق كعب بن علقمة عن بلال بن عبد الله بن

٥٥٨
باب ١٦٢ / ح ٨٦٤ -٨٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
عمر عن أبيه بلفظ: ((لا تَمنَعوا النِّساء حُظوظهنَّ المساجد إذا استأذَنَّكم)) فقال بلال: والله
لَنَمنَعُهنّ، الحديث، وللطَّبرانيّ (١٣٢٥١) من طريق عبد الله بن هُبَيرة عن بلال بن عبد الله
نحوه، وفيه: فقلت: أمَّا أنا فسأمنَعُ أهلي، فمن شاء فليُسَِّّح أهله، وفي رواية یونس عن ابن
شهاب الزُّهريِّ عن سالم في هذا الحديث: قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لَنَمنَعُهُنّ،(١)
ومثله في رواية عُقيل عند أحمد (٦٢٥٢)، وعنده (٥٠٢١) في رواية شُعْبة عن الأعمَش
المذكورة: فقال سالم أو بعض بَنيه: والله لا نَدَعُهنَّ يَتَّخِذْنَه دَغَلاً، الحديث.
والرَّاجح من هذا أنَّ صاحب القصّة بلال لۇُرودِ ذلك من روايته نفسه ومن رواية
أخيه سالم، ولم يُخْتَلَف عليهما في ذلك. وأمَّا هذه الرواية الأخيرة فمَرجوحة لوقوعِ الشكّ
فيها، ولم أرَه مع ذلك في شيء من الروايات عن الأعمَش مُسمَّى(٢) ولا عن شيخه مجاهد،
فقد أخرجه أحمد (٤٩٣٣ و٥١٠١ و٥٧٢٥) من رواية إبراهيم بن مُهاجر وابن أبي نجيح
وليث بن أبي سُلَيمٍ، كلهم عن مجاهد، ولم يُسمِّه أحدٌ منهم، فإن كانت رواية عَمْرو بن
دينار عن مجاهد محفوظةً في تسميته واقداً، فيحتمل أن يكون كلّ من بلال وواقد وقع منه
ذلك إِمَّا في مَجَلِس أو في مَجَلِسَين، وأجاب ابن عمر كلَّ منهما بجوابٍ يليق به، ويقوِّيه
اختلاف النَّقلة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم (١٣٥/٤٤٢): فأقبَلَ عليه
عبد الله فسَبَّه سَبّاً سَيِّئاً ما سمعتُهُ سَبَّهُ مثله قَطُّ، وفَشَرَ عبد الله بن هُبَيرة في رواية الطَّبرانيّ
السَّبَّ المذكور باللَّعنِ ثلاث مرَّات، وفي رواية زائدة عن الأعمَش عند أحمد (٦١٠١):
فانتَهَرَه، وقال: أُفِّ لك، وله (٦٢٩٦) عن ابن نُمَير عن الأعمَش: فعل الله بك وفَعَل،
ومثله للتِّرمِذيِّ (٥٧٠) من رواية عيسى بن يونس، ولمسلم (١٣٨/٤٤٢) من رواية أبي
معاوية: فَزَبَرَه، ولأبي داود (٥٦٨) من رواية جَرِير: فسَبَّه وغَضِب. فيحتمل أن يكون
بلال البادئ فلذلك أجابه بالسَّبِّ المفسّر باللَّعن، وأن يكون واقد تَلَاهُ(٣) فلذلك أجابه
(١) عند مسلم (٤٤٢) (١٣٥).
(٢) بل جاء في رواية هناد بن السَّرِيّ، عن أبي معاوية، عن الأعمش عن مجاهد، عند السَّاج في ((مسنده)) (٧٩٥).
(٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: بدأه.

٥٥٩
باب ١٦٢ / ح ٨٦٦ -٨٦٨
أبواب صفة الصلاة
بِالسَّبِّ المفسَّر بالتأفيفِ مع الدَّفع في صَدْره، وكأنَّ السّ في ذلك أنَّ بلالاً عارَضَ الخبر
برأيه ولم يَذكُر عِلَّة المخالَفة، ووافَقَه واقدٌ، لكن ذكرها بقوله: يَتَّخِذْنَه دَغَلاً، وهو بفتح
المهمَلة ثمَّ المعجَمة، وأصله الشَّجَر الملتَفّ ثمَّ استُعمِلَ في المخادعة، / لكون المخادع يَلُفّ ٣٤٩/٢
في ضميره أمراً ويُظهِر غيره، وكأنَّه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النِّساء في ذلك الوقت
وحملتْه على ذلك الغَيرة، وإنَّما أنكَرَ عليه ابن عمر لتصريحِه بمُخالَفة الحديث، وإلا فلو قال
مثلاً: إنَّ الزمان قد تَغيَّر وإنَّ بعضهنَّ ربَّمَا ظَهَرَ منه قَصدُ المسجد وإضمارُ غيره، لكان يظهر
أن لا يُنكِرِ عليه، وإلى ذلك أشارَت عائشة بما ذُكِرَ في الحديث الأخير.
وأُخِذَ من إنكار عبد الله على ولَده تأديبُ المعتَرِض على السُّنَن برأيه، وعلى العالم بهَواه،
وتأديب الرجلِ ولَدَه وإن كان كبيراً إذا تكلّم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهِجران،
فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد (٤٩٣٣): فما كلَّمه عبد الله حتَّى
مات. وهذا إن كان محفوظاً يحتمل أن يكون أحدهما ماتَ عَقِب هذه القصَّة بيسيرٍ(١).
٨٦٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال:
حدَّثْني هندُ بنتُ الحارثِ، أَنَّ أَمَّ سَلَمة زوجَ النبيِّ وَّهِ أَخْبَرَتْها: أنَّ النِّساءَ في عَهْدِ رسول الله
﴿ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ من المكتوبةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رسولُ اللهِ وَلّهِ ومَن صَلَّى من الرجال ما شاءَ الله،
فإذا قامَ رسولُ الله ◌َِّ قامَ الرجالُ.
٨٦٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ (ح) وحدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا
مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ، قالت: إنْ كان رسولُ الله
وَلَه لَيُصلِّي الصبحَ فيَنصِرِفُ النِّساءُ مُتَلفِّعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ما يُعرَفْنَ من الغَلَسِ.
٨٦٨- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن بكرٍ، حدّثنا الأوزاعيُّ، حدَّثني يحيى
ابنُ أبي كَثيرٍ، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادةَ الأنصاريِّ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله وَاتِ: ((إِنِّي
(١) زاد هنا في رواية كريمة: ((١٦٣ - باب انتظار الناس قيام الإمام العالم»، وقد نبه الشارح آخر الباب على
أن هذا التبویب لیس بمعتمد.

٥٦٠
باب ١٦٢ / ح ٨٦٦ - ٨٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
لَأُقُومُ إلى الصلاة وأنا أُرِيدُ أنْ أُطوِّلَ فيها، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ، فَأَتجوَّزُ في صلاتي كراهيَةَ أنْ
أشُقَّ على أمِّه)).
٨٦٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لو أدرَكَ رسولُ اللهِ وَ لِّ ما أحدَثَ النِّساءُ لَمَنَعَهُنَّ المسجدَ كما
مُنِعَتْ نساءُ بني إسرائيلَ. قلتُ لعَمْرةَ: أَوَمُنِعْنَ؟ قالت: نَعَم.
ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث في مُطلَق حضور النساءِ الجماعةَ مع الرجال، وهي
حديث أمّ سَلَمة: أنَّ النِّساء كُنَّ إذا سَلَّمنَ من الصلاة قُمنَ وثَبَتَ رسولُ اللهِ وَِّ، وقد
مضى الكلام عليه في أواخر صفة الصلاة (٨٣٧).
وحديث عائشة: إن كان رسول الله وَ ل﴿ لَيُصلِّي الصبح فينصرف النِّساء مُتَلفِّعات، وقد
تقدَّم شرحه في المواقيت (٥٧٨).
وحديث أبي قتادةَ رفعه: ((إنِّي لَأقوم في الصلاة)) الحديث وفيه: «فأَتجوّز في صلاتي
كراهية أن أشُقّ على أمّه))، وقد تقدَّم شرحه في أبواب الإمامة (٧٠٧).
قال ابن دَقِيق العيد: هذا الحديث عامٌّ في النِّساء، إلّا أنَّ الفقهاء خَصُّوه بشروطٍ: منها
أن لا تَتَطَيَّب، وهو في بعض الروايات: ((وليَخرُجْنَ تَفِلاتٍ)). قلت: هو بفتح المثنَّة وكسر
الفاء، أي: غير مُتَطيِّبات، ويقال: امرأة تَفِلة: إذا كانت مُتغيِّرة الرِّيح، وهو عند أبي داود
(٥٦٥) وابن خُزيمة (٦٧٩) من حديث أبي هريرة، وعند ابن حِبَّان (٢٢١١) من حديث
٣٥٠/٢ زيد بن خالد،/ وأوَّله: ((لا تَنَعوا إماء الله مساجدَ الله))، ولمسلم (١٤٢/٤٤٣) من حديث
زَيْنَب امرأة ابن مسعود: ((إذا شَهِدَت إحداكُنَّ المسجد فلا تَسُّن طيباً))، انتهى.
قال: ويَلحَق بالطِّيبِ ما في معناه، لأنَّ سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشَّهوة،
كحُسنِ الملبس والحُليّ الذي يظهر والزِّينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال.
وفَرَّقَ كثير من الفقهاء المالكيَّة وغيرهم بين الشابّة وغيرها، وفيه نظرٌ، إلَّا إن أُخِذَ
الخوف عليها من جِهَتها، لأنَّها إذا عَرِيَت ممَّا ذُكِرَ وكانت مُستَتِرَةً، حَصَلَ الأمنُ عليها ولا