Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
باب ١٤١ / ح ٨٢٢
أبواب صفة الصلاة
١٤١ - بابٌ لا يفترش ذراعيه في السجود
وقال أبو مُميدٍ: سَجَدَ النبيُّ وَّه ووَضَعَ يَدَيْه غيرَ مُفْتَرِشٍ، ولا قابضِهما.
٨٢٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرنا شُعْبةُ، قال:
سمعتُ قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ، عن النبيِّ وَّم قال: «اعتَدِلُوا في السُّجودِ، ولا يَنْبَسِطْ أحدُكم
ذِراعَيْه انبساطَ الكَلْبِ».
قوله: ((بابٌ لا يَفْتَرِش ذِراعَيْه في السُّجود)) يجوز في ((يَفتَرِش)) الجَزْمُ على النَّهي، والرَّفعُ
على النَّفي، وهو بمعنى النَّهي.
قال الزّين بن المنيِّر: أُخِذَ لفظ الترجمة من حديث أبي حميد، والمعنى من حديث أنس،
وأراد بذلك أنَّ الافتراش المذكور في حديث أبي حميدٍ بمعنى الانبساط في حديث أنس.
انتهى، والذي يظهر لي أنَّه أشارَ إلى رواية أبي داود (٨٩٧)، فإنَّه أخرج حديث الباب عن
مسلم بن إبراهيم عن شُعْبة بلفظ: ((ولا يَفْتَرِش)) بدلَ ((يَنْبَسِط)). وروى أحمد (١٤٢٧٦)
والتِّرمِذيّ (٢٧٥) وابن خُزيمة (٦٤٤) من حديث جابر نحوه بلفظ: ((إذا سَجَدَ أحدكم
فليَعْتَدِل ولا يَفتَرِش ذِراعیه)) الحديث، ولمسلم (٤٩٨) عن عائشة نحوه.
قوله: ((وقال أبو مُميدٍ ... )) إلى آخره، هو طرف من حديثٍ يأتي مُطوَّلاً بعد ثلاثة أبواب ٣٠٢/٢
(٨٢٨).
قوله: ((ولا قابِضهما)) أي: بأن يَضُمّهما إليه، ولا يجافيهما عن جَنْبَيه.
قوله: ((عن أنس)) في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ عند التِّرمِذيّ (٢٧٦)، وفي رواية معاذ
عند الإسماعيليّ، كلاهما عن شُعْبة التصريحُ بسماع قتادةَ له من أنس.
قوله: (اعتَدِلُوا)) أي: كونوا مُتَوَسِّطينَ بين الافتراش والقَبض.
وقال ابن دَقِيق العيد: لعلَّ المراد بالاعتدال هنا وضعُ هيئة السجود على وَفْق الأمر،
لأنَّ الاعتدال الحِسّيّ المطلوب في الركوع لا يتأتَى هنا، فإنَّه هناك استواءُ الظَّهر والعُنُق،

٤٦٢
باب ١٤٢ / ح ٨٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
والمطلوب هنا ارتفاعُ الأسافل على الأعالي، قال: وقد ذُكِرَ الحكم هنا مقروناً بعِلَّتِهِ، فإنَّ
التشبيه بالأشياء الخسيسة [مما](١) يناسب تركه في الصلاة. انتهى، والهيئة المنهيّ عنها أيضاً
مُشعِرة بالتَّهاوُنِ وقِلَّة الاعتناء بالصلاة.
قوله: ((ولا يَنْبَسِط)) كذا للأكثر بنونٍ ساكنة قبل الموخَّدة، وللحَمُّوِيّ: ((يَبَتَسِط)» بمُثنَّةٍ
بعد مُوحَّدة، وفي رواية ابن عساكر بمُوخَّدة ساكنة فقط، وعليها اقتصر صاحبُ
((العُمدة)).
وقوله: ((انبساط)) بالنُّون في الأولى والثالثة، وبالمثنَّاة في الثانية وهي ظاهرة، والثالثة
تقديرها: ولا يَبْسُط ذِراعيه فيَنبَسِط انبساط الكلب.
١٤٢ - باب من استوی قاعداً في وتر من صلاته ثم نهض
٨٢٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ الصَّاح، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا خالدٌ الحَذّاءُ، عن أبي
قِلابةَ، قال: أخبرنا مالكُ بنُ الحُوَيرثِ الليثيُّ: أنَّه رَأى النبيَّ ◌َّ يُصلّي، فإذا كان في وِتْرٍ من
صلاته لم يَنْهَضْ حتَّى يَسْتَوِيَ قاعداً.
قوله: ((باب مَن استوى قاعِداً في وِتْر من صلاته)) ذكر فيه حديث مالك بن الحوَیرِثِ
ومُطابَقَتُه واضحة. وفيه مشروعيَّة جلسة الاستراحة، وأخَذَ بها الشافعيّ وطائفة من أهل
الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخَلَالُ أنَّ أحمد رجع إلى القول بها، ولم يَستَحِبّها
الأكثر، واحتَجَّ الطَّحاويُّ بخُلوٌ حديث أبي حميدٍ عنها، فإنَّه ساقه (٢٦٠/١) بلفظ: فقامَ
ولم يَتَورَّك، وأخرجه أبو داود (٧٣٣ و٩٦٦) أيضاً كذلك قال: فلمَّا تَخالَفا احتمل أن يكون
ما فعَلَه في حديث مالك بن الحوَيرِثِ لعِلَّةٍ كانت به فقَعَدَ لأجلها، لا أنَّ ذلك من سُنَّة
الصلاة، ثمَّ قَوَّى ذلك بأنَّها لو كانت مقصودة لَشُرِعَ لها ذِكْرٌ مخصوص، وتُعُقِّبَ بأنَّ
الأصل عدم العِلَّة، وبأنَّ مالك بن الحوَيرِثِ هو راوي حديث: ((صَلّوا كما رأيتُموني
(١) زيادة من ((إحكام الإحكام)) ص١٦٥.

٤٦٣
باب ١٤٣ / ح ٨٢٤
أبواب صفة الصلاة
أُصلِّي))(١)، فحكايته لصِفات صلاة رسول الله وَله داخلة تحت هذا الأمر.
ويُستَدَلّ بحديث أبي حميدِ المذكور على عدم وجوبها فكأنَّه تركَها لبيان الجواز، وتمسّكَ
مَن لم يقل باستحبابها بقوله ◌َّ: ((لا تُبادِروني بالقيام والقعود، فإنِّ قد بَدَّنت))(٢)، فدلَّ على
أنَّه كان يفعلها لهذا السَّبَب، فلا يُشرَع إلَّا في حقِّ مَن اتَّفَقَ له نحو ذلك، وأمَّا الذِّكر
المخصوص فإنَّا جَلسة خفيفة جدّاً استُغنيَ فيها بالتكبيرِ المشروع للقيام، فإنَّها من جملة
النُّهوض إلى القيام، ومن حيثُ المعنى إنَّ الساجد يَضَع يديه ورُكَبَتَه ورأسَه، مُميِّزاً لكلِّ
عضو وضِع، فكذا ينبغي إذا رفع رأسه ويديه أن يُمَيِّز رفع رُكَبَتَيْه، وإنَّما يَتِمّ ذلك بأن
يجلس ثمَّ ينهض قائماً، نَبَّهَ عليه ناصر الدّين بن المنيِّر في ((الحاشية))، ولم تَتَّفِقِ الروايات عن
أبي حميدٍ على نفي هذه الجلسة كما يُفْهِمُه صَنيعُ الطَّحاوي، بل أخرجه أبو داود أيضاً
(٧٣٠) من وجه آخر عنه بإثباتها، وسیأتي ذلك عند الكلام علی حدیثه بعد بابینٍ إن شاء
الله تعالى.
وأمَّا قول بعضهم: لو كانت سُنَّةً لَذكَرَها كلُّ مَن وصف صلاته، فيقوِّي أنَّه فَعَلها
للحاجة، ففيه نظرٌ، فإنَّ السُّنَن المتّفَق عليها لم يَستَوعِبها كلّ واحد ممَّن وصف، وإنَّما أُخِذَ
مجموعُها عن مجموعهم.
٣٠٣/٢
١٤٣ - باب كيف يَعتمد على الأرض إذا قام من الركعة
٨٢٤- حدَّثْنا مُعلَّى بنُ أسدٍ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ قال: جاءَنا
مالكُ بنُّ الحُوَيرثِ فصَلَّى بنا في مسجدِنا هذا، فقال: إنِّي لأُصلِّي بكم وما أُرِيدُ الصلاةَ ولكنْ أُرِيدُ
أنْ أُرِيَّكم كيفَ رأيتُ النبيّوَل ◌ِ يُّصلِّ.
قال أيوبُ: فقلتُ لأبي قِلابةَ: وكيفَ كانتْ صلاتُه؟ قال: مثلَ صلاةٍ شَيْخِنا هذا؛ يعني:
عَمْرَو بنَ سَلِمةً.
(١) سلف برقم (٦٣١).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٨٩٢)، وأبو داود (٦١٩)، وابن ماجه (٩٦٣)، وابن حبان (٢٢٣٠)، وإسناده قوي.

٤٦٤
باب ١٤٣ / ح ٨٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
قال أيوبُ: وكان ذلك الشيخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وإذا رفع رأسَه عن السَّجْدةِ الثانيةِ جَلَسَ،
واعتمد على الأرضِ ثمَّ قامَ.
قوله: ((باب كيف يَعْتَمِد على الأرض إذا قامَ من الرَّكْعة)) أي: أيّ ركعة كانت، وفي رواية
المُستَمْلِي والكُتْمِيهنيّ: ((من الرَّكعتين)) أي: الأولى والثالثة.
قوله: ((عن السجدة)) في رواية المذكورين: في السَّجدة، وفي بعض نُسَخ أبي ذرٍّ: من
السَّجدة، وهي رواية الإسماعيلي، وقد تقدَّم الكلام على حديث مالك بن الحوَيرِث،
والغَرَض منه هنا ذِكْر الاعتماد على الأرض عند القيام من السجود أو الجلوس، والإشارة
إلى رَدّ ما رُوِيَ بخلاف ذلك، فعند سعيد بن منصور(١) بإسنادٍ ضعيف عن أبي هريرة: أنَّه
﴿ ﴿ كان ينهض على صُدور قَدَمَيه، وعن ابن مسعود مثله بإسنادٍ صحيح(٣)، وعن إبراهيم
أنَّ كَرِهَ أن يَعْتَمِد على يديه إذا نَهَضَ(٣).
فإن قيل: تَرْجَم على كيفيَّة الاعتماد، والذي في الحديث إثباتُ الاعتماد فقط. أجاب
الكِرْمانيُّ بأنَّ بيان الكيفيَّة مُستَفاد من قولِهِ: جَلَسَ واعتمد على الأرض، ثمَّ قام. فكأنَّه
أراد بالكيفيَّة أن يقوم مُعتمِداً عن جلوسٍ لا عن سجود.
وقال ابن رُشَيد: أفاد في الترجمة التي قبل هذه إثبات الجلوس في الأولى والثالثة، وفي
هذه أنَّ ذلك الجلوس جلوسُ اعتمادٍ على الأرض بتمكُّن، بدليل الإتيان بحرفِ (ثمّ))
الدالّ على المُهْلة وأنَّه ليس جلوسَ استيفازٍ، فأفاد في الأولى مشروعيّة الحكم وفي الثانية
صفته. انتهى مُلخَّصاً. وفيه شيء، إذ لو كان ذلك المرادَ لقال: كيف يجلس مثلاً. وقيل:
يُستَفاد من الاعتماد أنَّه يكون باليد لأنَّه افتعال من العِماد، والمراد به الاتِّكاء وهو باليد،
وروى عبد الرزاق (٢٩٦٩) عن ابن عمر: أنَّه كان يقوم إذا رفع رأسه من السَّجدة مُعتمِداً
(١) وهو أيضاً عند الترمذي (٢٨٨).
(٢) وهو عند عبد الرزاق (٢٩٦٧)، وابن أبي شيبة ٣٩٤/١، وابن المنذر في ((الأوسط)) ١٩٥/٣، وغيرهم
من فعل ابن مسعود.
(٣) هو عند عبد الرزاق (٢٩٦١)، وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٥ وغيرهما.

٤٦٥
باب ١٤٤ / ح ٨٢٥ -٨٢٦
أبواب صفة الصلاة
على يديه قبل أن يرفعهما.
١٤٤ - بابٌ يكبّر وهو ينهض من السجدتين
وكان ابنُ الزُّبَيِرِ يُكبِّ فِي نَهْضَتِهِ.
٨٢٥- حدَّثنا يحيى بنُ صالح، قال: حدَّثنا فُلَيِحُ بنُ سليمانَ، عن سعيدِ بنِ الحارثِ، قال:
صَلَّى لنا أبو سعيدٍ فجَهَرَ بالتَّكْبِيرِ حينَ رَفَع رأسَه من السُّجودِ، وحِينَ سَجَد، وحِينَ رَفَع،
وحِينَ قامَ من الرَّكْعتَينِ وقال: هكذا رأيتُ النبيَّ ◌َلَّه.
٨٢٦- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثْنا خَمَّادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا غَيْلانُ بنُ جَرِيرٍ،
عن مُطرِّفٍ قال: صلَّيتُ أنا وعِمْرانُ صلاةً خلفَ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ﴾، فكان إذا سَجَدَ كَبَّر،
وإذا رفع كَبَّ، وإذا نَهَضَ من الرَّكْعتَينِ كَبَّ، فلمَّا سَلَّمَ أخَذَ عِمْرانُ بيدي فقال: لقد صَلَّى بنا هذا
صلاةَ محمَّدٍ وَّةِ، أو قال: لقد ذَكَّرَني هذا صلاةَ محمَّدٍ وَله.
قوله: ((بابٌ يُكبِّ وهو يَنْهَض من السجدتين)) ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ المصلِي يَشرَع في ٣٠٤/٢
التكبير أو غيره عند ابتداء الخفض أو الرَّفع، إلّا أنَّه اختُلِفَ عن مالك في القيام إلى الثالثة
من التشهُّد الأوَّل، فروى في ((الموطَّأ)) (٧٦/١ و٧٧) عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما أنَّهم
كانوا يُكبِّرون في حال قيامهم(١)، وروى ابن وَهْب عنه أنَّ التكبير بعد الاستواء أَولى، وفي
((المُدَوَّنة)): لا يُكبِِّّ حتَّى يَستَوي قائماً. ووَجَّهَه بعض أتباعه بأنَّ تكبير الافتتاح يقع بعد
القيام فينبغي أن يكون هذا نَظِيرَه من حيثُ إنَّ الصلاة فُرِضَت أوّلاً ركعتين ثمَّ زيدَت في
الرُّباعيَّة، فيكون افتتاح المَزِيد كافتتاح المَزِيد عليه. وكان ينبغي لصاحبٍ هذا الكلام أن
يَستَحِبّ رفع اليدينِ حينئذٍ لتكمُّل المناسَبة، ولا قائل منهم به.
قوله: ((وكان ابن الزُّبَيْرِ)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١/ ٢٤٠) بإسنادٍ صحيح.
قوله: (صَلَّی لنا أبو سعيد» أي: الخُدريُّ بالمدينة، وبيَّن الإسماعيليّ في روايته من طريق
(١) وقد سلف عند البخاري من حديث أبي هريرة برقم (٧٨٥): أنه کان یصلي بهم فیکېر كلما خفض ورفع،
وبرقم (٧٩٥) بلفظ: كان النبي ◌َ ... وإذا قام من السجدتين قال: ((الله أكبر)).

٤٦٦
باب ١٤٤ / ح ٨٢٥-٨٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
يونس بن محمد عن فُلَيح سببَ ذلك، ولفظه: اشتَكَى أبو هريرة - أو غابَ - فصلَّى أبو
سعيد، فجَهَرَ بالتكبيرِ حين افتتح وحين رَكَع، الحديث، وزاد في آخره أيضاً: فلمَّا انصَرَفَ
قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقامَ عند المِنبَر فقال: إنِّي والله ما أُبالي اختلفت
صلاتكم أم لم تَخْتَلِف، إنِّي رأيت رسول الله وَّل هكذا يُصلّي. والذي يظهر أنَّ الاختلاف
بينهم كان في الجهر بالتكبيرِ والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أُميَّة يُسِرّونه كما
تقدَّم في ((باب إتمام التكبير في الركوع)) (٧٨٤ و٧٨٥) وكان أبو هريرة يُصلِّ بالناس في
إمارة مروان على المدينة.
وأمَّا مقصود الباب فالمشهور عن أبي هريرة: أنَّه كان يُكبِّر حين يقوم ولا يؤخِّره حتَّى
يَستَوي قائماً، كما تقدَّم عن ((الموطَّأ))، وأمَّا ما تقدَّم في («باب ما يقول الإمام ومَن خلْفه))
(٧٩٥) من حديثه بلفظ: وإذا قامَ من السَّجدَتَينِ قال: ((الله أكبر)» فيُحمَل على أنَّ المعنى إذا
شَرَعَ في القيام.
قال الزّين بن المنيِّر: أجرَى البخاريُّ الترجمة وأثَّرَ ابن الزُّبَيرِ مَجَرَى التبيين لحديثَي
الباب، لأَّهما ليسا صريحَينٍ في أنَّ ابتداء التكبير يكون مع أوَّل النُّهوض.
وقال ابن رُشَيد: في هذه الترجمة إشكال، لأنَّ تَرجَمَ فيما مضى ((باب التكبير إذا قامَ من
السجود))، وأورَدَ فيه حديث ابن عبّاسٍ (٧٨٨) وأبي هريرة (٧٨٩)، وفيهما التَّنصيص على
أنَّه يُكبِر في حالة النُّهوض، وهو الذي اقتَضَتْه هذه الترجمة، فكان ظاهرها التَّكرار، ويُحمَل
قوله: ((من السَّجدَتَين)) على أنَّه أراد من الرَّكعتين، لأنَّ الرَّكعة تُسمَّى سجدةً مَجَازاً، ثمَّ
استَبعَدَه، ثمَّ رَجَّحَ أنَّ المراد بهذه الترجمة بيانُ محلّ التكبير حين ينهض من السَّجدة الثانية
بأنَّه إذا قَعَدَ على الوتر يكون تكبيره في الرَّفع إلى القعود ولا يؤخّره إلى ما بعد القعود،
ويتوجَّه ذلك بأنَّ التَّرجمتين اللَّتين قبله فيهما بيان الجلوس، ثمَّ بيان الاعتماد، فبيَّن في هذه
الثالثة محلّ التكبير. انتهى مُلخَّصاً.
ويحتمل أن يكون مراده بقوله: ((من السَّجدَتَين)) ما هو أعمّ من ذلك فيَشمَل ما قيل

٤٦٧
باب ١٤٥ / ح ٨٢٧
أبواب صفة الصلاة
أوَّلاً وثانياً، ويؤيّد ذلك اشتمالُ حدیثَي الباب على ذلك، ففي حديث أبي سعيد: حین رفع
رأسه من السجود وحين قامَ من الرَّكعتين، وفي حديث عِمران بن حُصَين: وإذا رفع كَبَّرَ
واذا نَهَضَ من الرَّكعتین کبَّر.
وأمَّا أثر ابن الزُّبَير فيُمكِن شُموله الأمرَينِ، لأنَّ النَّهضة تحتَمِلهما، لكنَّ استعمالها في
القيام أكثر، وهذا يُرجِّح الحَمْل الأوَّل الذي استَبعَدَه ابن رُشَيد، ولا بُعد فيه فقد تقدَّم أنَّ
خلاف مالك إنَّما هو في النُّهوض من الرَّكعتين بعد التشهُّد الأوَّل. والكلام على حديث
عمران بن حُصین قد تقدَّم في ((باب إتمام التکبیر في الركوع)).
١٤٥ - باب سنّة الجلوس في التشهد
٣٠٥/٢
وكانتْ أمُّ الدَّرْداءِ تَجْلِسُ في صلاتها جِلْسةَ الرجلِ، وكانتْ فَقِيهةً.
٨٢٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكِ، عن عبد الرحمن بنِ القاسمِ، عن عبدِ الله بنِ
عبدِ الله أنَّه أخبَرَه: أَنَّه كان يَرَى عبد الله بنَ عمرَ رَضِيَ الله عَنْهُما يتربَّعُ في الصلاة إذا جَلَس،
فَفَعَلْتُه وأنا يومئذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فتَهاني عبدُ الله بنُ عمر، وقال: إنَّما سُنّةُ الصلاةِ أنْ تَنْصِبَ
رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُسْرَى، فقلت: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذلك! فقال: إنَّ رِجْلَيَّ لا تَحْمِلاٌّ.
قوله: ((باب سُنَّة الجلوس في التشهُّد)) أي: السُّنَّة في الجلوس الهيئةُ الآتي ذِكْرها، ولم يُرِد
أنَّ نفس الجلوس سُنَّة. ويحتمل إرادته على أنَّ المراد بالسُّنَّة الطريقةُ الشَّرعيَّة التي هي أهَمّ
من الواجب والمندوب.
وقال الزَّين بن المنيِر: ضَمَّنَ هذه الترجمةَ ستَّة أحكام، وهي أنَّ هيئة الجلوس غيرُ
مُطلَق الجلوس، والتَّرِقة بين الجلوس للتشهُّدِ الأوَّل والأخير، وبينهما وبين الجلوس بين
السَّجَدَتَين، وأنَّ ذلك كلّه سُنَّة، وأن لا فرق بين الرجال والنِّساء، وأنَّ ذا العِلم يُحْتَجّ
بعملِه. انتهى، وهذا الأخير إنَّما يَتِمّ إذا ضُمَّ أثر أمّ الدَّرداء إلى الترجمة، وقد تقدَّم تقرير
ذلك، وأثر أمّ الدَّرداء المذكور وَصَلَه المصنِّف في ((التاريخ الصغير))(١) من طريق مكحول
(١) وهو أيضاً في ((التاريخ الأوسط)) (المسمى خطأً: التاريخ الصغير) ١/ ١٩٣.

٤٦٨
باب ١٤٥ / ح ٨٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
باللَّفظ المذكور، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (١/ ٢٧٠) من هذا الوجه، لكن لم يقع عنده قول
مكحول في آخره: وكانت فقيهة، فجَزَمَ بعض الشُّرّاح بأنَّ ذلك من كلام البخاري لا من
كلام مكحول، فقال مُغَلْطاي: القائل: وكانت فقيهة، هو البخاري فيما أرَى. وتَبِعَه شيخنا
٣٠٦/٢ ابن المُلَقِّن فقال: الظاهر أنَّه قول البخاري. انتهى،/ وليس كما قالا، فقد رُويناه تامّاً في
((مُسنَد الفِريابيّ)) أيضاً بسنده إلى مكحول(١)، ومن طريقة البخاري أنَّ الدليل إذا كان عامّاً
وعَمِلَ بعمومه بعض العلماء رُجِّحَ به وإن لم يُحتَجّ به بمُجرَّدِهِ، وعُرِفَ من رواية مكحول
أنَّ المراد بأمّ الدَّرداء الصُّغَرَى التابعيَّةُ لا الكُبرى الصحابيَّةُ، لأنَّه أدرَكَ الصُّغَرَى ولم
يُدرِك الكُبرى، وعمَل التابعيّ بمُفرَدِه ولو لم يخالف لا يُحْتَجّ به، وإنَّما وقع الاختلاف في
العمل بقول الصحابيّ كذلك، ولم يورِدِ البخاري أثر أمّ الدَّرداء ليَحتَجّ به بل للتَّقوية.
قوله: ((عن عبد الله بن عبد الله)) أي: ابن عمر، وهو تابعيّ ثقة سُمّيَ باسمٍ أبيه وكُنَّ
بنيتِه.
قوله: ((أَنَّه أخبَرَه)) صريح في أنَّ عبد الرحمن بن القاسم حمله عنه بلا واسطة، وقد
اختلف فيه الرُّواة عن مالك فأدخَلَ معنُ بن عیسی وغیره عنه فیه - بین عبد الرحمن بن
القاسم وعبد الله بن عبد الله - القاسمَ بن محمد والد عبد الرحمن، بيَّن ذلك الإسماعيليّ
وغيره، فكأنَّ عبد الرحمن سمعه من أبيه عنه، ثمَّ لَقیَه أو سمعه منه معه ونَبَّته فیه أبوه.
قوله: ((وتَشْني اليُسْرَى)) لم يُبيِّ في هذه الرواية ما يصنع بعد ثَنيها هل يجلس فوقها أو
يَتَورَّك؟ ووقع في ((الموطَّأ)) (١/ ٩٠) عن يحيى بن سعيد أنَّ القاسم بن محمد أراهم الجلوس
في التشهُّد فنَصَبَ رِجله اليُمنَى وَثَنَى اليُسرَى وجَلَسَ على ورِكه اليُسرَى ولم يجلس على
قَدَمه، ثمَّ قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدَّثني أنَّ أباه كان يفعل ذلك.
فَتَبَيَّنَ من رواية القاسم ما أُجِلَ في رواية ابنه، وإنّما اقتصر البخاري على رواية عبد الرحمن
لتصريحِه فيها بأنَّ ذلك هو السُّنَّة لاقتضاء ذلك الرَّفعَ، بخلاف رواية القاسم، ورَجَّحَ
(١) وكذلك أخرجه حربٌ الكرماني بتمامه، نقله عنه ابن رجب في ((شرح البخاري)) ١٥٢/٥.

٤٦٩
باب ١٤٥ / ح ٨٢٨
أبواب صفة الصلاة
ذلك عنده حديثُ أبي حميدِ المفصِّل بين الجلوس الأوَّل والثاني، على أنَّ الصِّفة المذكورة قد
يقال: إنَّها لا تُخالف حديث أبي حميدٍ لأنَّ في ((الموطّا)) (٨٩/١) أيضاً عن عبد الله بن دينار
التصريحَ بأنَّ جلوس ابن عمر المذكور كان في التشهُّد الأخير.
وروى النَّسائيُّ (١١٥٨) من طريق عَمْرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد، أنَّ القاسم
حذَّثه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: من سُنَّة الصلاة أن يَنصِب اليُمنَى
ويجلس على اليُسرَى. فإذا حُلت هذه الرواية على التشهُّد الأوَّل ورواية مالك على
التشهُّد الأخير انتَفَى عنهما التَّعارُض، ووافَقَ ذلك التفصيلَ المذكور في حديث أبي حميد،
والله أعلم.
قوله: ((فقلتُ إِنَّك تَفْعَل ذلكَ)) أي: التَّرَبُّع.
قال ابن عبد البَرّ: اختَلَفوا في التَّرَبُّع في النافلة وفي الفريضة للمريض، وأمَّا الصحيح
فلا يجوز له التَربُّع في الفريضة بإجماع العلماء، كذا قال، وروى ابن أبي شَيْبة (٢٢٠/٢) عن
ابن مسعود قال: لَأن أقعُد على رَضَفتَينِ أحَبّ إليَّ من أن أقعُد مُتَربِّعاً في الصلاة. وهذا
يُشعِر بتحريمِه عنده، ولكنَّ المشهور عن أكثر العلماء أنَّ هيئة الجلوس في التشهُّد سُنَّة،
فلعلَّ ابن عبد البَرِّ أراد بنفي الجواز إثبات الكراهة.
قوله: ((إنَّ رِجْلِيَّ) كذا للأكثر، وفي رواية حكاها ابن التِّين: إنَّ رِجلاي، ووَجَّهَها على
أَنَّ((إنّ)) بمعنى نَعَم، ثمَّ استأنفَ فقال: رِجلايَ لا تَحمِلاني، أو على اللّغة المشهورة لغة بني
الحارث، ولها وجه آخر لم يَذكُرُه، وقد ذَكَرت الأوجُهَ في قراءة مَن قرأ ﴿إِنْ هَذَانٍ
◌َسَحِرَنِ﴾ [طه: ٦٣].
قوله: ((لا تَحْمِلاني)) بتشديد النُّون، ويجوز التخفيف.
٨٢٨- حدَّثنا يحيى بنُّ بُكَير، قال: حدَّثنا الليثُ، عن خالدٍ، عن سعيدٍ، عن محمَّدِ بنِ
عَمْرِو بنِ حَلْحَةَ، عن محمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عطاءٍ.
وحدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ ويزيدَ بنِ محمَّدٍ، عن محمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ خَلْحَلةَ،

٤٧٠
باب ١٤٥ / ح ٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
عن محمَّدٍ بنِ عَمْرِو بنِ عطاءٍ: أنَّه كان جالساً في نَفَرِ من أصحاب النبيِّ وَّهِ فَذَكَرْنا صلاةَ النبيِّ
وَلِّه، فقال أبو مُميدِ السّاعديُّ: أنا كنتُ أحفظَكم لصلاةِ رسول الله ◌َ، رأيتُه إذا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْه
حَذْوَ مَنكِيَيْهِ، وإِذا رَكَعَ أمْكَنَ يَدَيْه من رُكْبَتَّه ثمَّ هَصَرَ ظهرَه، فإذا رفع رأسَه استوى حتَّى يَعُودَ
كلُّ فَقَارٍ مكانَه، فإذا سَجَدَ وضَعَ يَدَيْهِ غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابضِهما، واستَقْبَلَ بأطراف أصابع
رِجْلَيهِ القِبْلَةَ، فإذا جَلَسَ في الرَّكْعَتَينِ جَلَسَ على رِجْلِهِ الْيُسْرَى ونَصَبَ اليُمْنَى، وإذا جَلَسَ في
الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَه اليُسْرَى وَنَصَبَ الأخرَى وقَعَدَ على مَفْعَدَتِهِ.
وسَمِعَ اللیثُ یزیدَ بنَ أبي حَبِبٍ.
ويزيدُ من محمَّدِ بنِ حَلْحَلةً.
وابنُ حَلْحَلةَ مِنِ ابنِ عطاءٍ.
وقال أبو صالحٍ، عن الليثِ: كلُّ قَفَارٍ.
وقال ابنُ المبارَكِ، عن يحيى بنِ أيوب، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حَبِيبٍ، أنَّ محمَّدَ بنَ عَمْرٍو
حدَّثه: كلُّ فقارٍ.
قوله: ((عن خالد)) هو ابن يزيد الجُمَحيُّ المِصري، وهو من أقران سعيد بن أبي هلال
شيخه في هذا الحدیث.
قوله: ((قال: حدَّثنا الليث)) قائل ذلك هو يحيى بن بُكَير المذكور. والحاصل أنَّ بين الليث
وبين محمد بن عَمْرو بن حَلحَلة في الرواية الأولى اثنين، وبينهما في الرواية الثانية واسطة
واحدة، ویزید بن أبي حبیب مِصريّ معروف من صغار التابعين، ويزيد بن محمد رفيقه في
هذا الحديث من بني قيس بن مَخْرَمة بن المطَّلِب، مدنيٌّ سَكَنَ مِصر، وكُلّ مَن فوقهم مدنيٌّ
أيضاً، فالإسناد دائر بين مدنيّ ومِصريّ. وأردَفَ الرواية النازلة بالرواية العالية على عادة
أهل الحديث، ورُبَّما وقع لهم ضِدّ ذلك لمعنّى مُناسبٍ.
٣٠٧/٢ قوله: ((أَنَّه كان جالساً في نَفَر من أصحاب رسول الله (وَّ)) في رواية كَرِيمة: مع نَفَر، وكذا
اختُلِفَ على عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عَمْرو بن عطاء: ففي رواية أبي عاصم عنه

٤٧١
باب ١٤٥ / ح ٨٢٨
أبواب صفة الصلاة
عند أبي داود وغيره(١): سمعت أبا حميدٍ في عَشرة، وفي رواية هُشَيمٍ عنه عند سعيد بن
منصور (٢): رأيت أبا حميدٍ مع عَشرة، ولفظ ((مع)) يُرجِّح أحد الاحتمالَينِ في لفظ ((في)) لأنَّها
مُحْتمِلة لأن يكون أبو حميدٍ من العَشَرة أو زائداً عليهم. ثمَّ إِنَّ رواية الليث ظاهرة في اتِّصاله
بين محمد بن عَمْرو وأبي حميد، ورواية عبد الحميد صريحة في ذلك.
وزَعَمَ ابن القَطّان تَبَعاً للطَّحاويّ أنَّه غير متصل لأمرين:
أحدهما: أنَّ عيسى بن عبد الله بن مالك رواه عن محمد بن عَمْرو بن عطاء، فأدخَلَ بينه
وبین الصحابة عبَّاس بن سهل أخرجه أبو داود (٧٣٣) و (٩٦٦) وغيره.
ثانيهما: أنَّ في بعض طرقه تسميةَ أبي قتادةَ في الصحابة المذكورين، وأبو قتادةَ قديم
الموت يَصغُرْ سِنّ محمد بن عَمْرو بن عطاء عن إدراكه.
والجواب عن ذلك: أمَّا الأوَّل فلا يَضُرّ الثُّقةَ المُصرِّحَ بسماعه أن يُدخل بينه وبين
شيخه واسطة، إمَّا لزيادةٍ في الحديث، وإمَّا يَتَنَبَتُ(٣) فيه، وقد صَرَّحَ محمد بن عَمْرو المذكور
بسماعه فتكون رواية عيسى عنه من المَزِيد في متصل الأسانيد، وأمَّا الثاني فالمعتمَد فيه
قول بعض أهل التاريخ: إنَّ أبا قتادةَ ماتَ في خلافة عليٍّ وصلَّى عليه عليٍّ، وكان قتلُ عليّ
سنة أربعينَ، وأنَّ محمد بن عَمْرو بن عطاء ماتَ بعد سنة عشرين ومئة وله نيِّف وثمانون
سنة، فعلى هذا لم يُدرِك أبا قتادة.
والجواب: أنَّ أبا قتادةَ اختُلِفَ في وقت موته، فقيل: ماتَ سنة أربع وخمسينَ، وعلى
هذا فلقاء محمد له ◌ُمكِن، وعلى الأوَّل فلعلَّ مَن ذكر مقدار عُمره أو وقت وفاته وَهِمَ، أو
الذي سَمَّى أبا قتادةَ في الصحابة المذكورين وَهِمَ في تسميَتَه، ولا يَلزَم من ذلك أن يكون
الحديث الذي رواه غلطاً، لأنَّ غيره ممَّن رواه معه عن محمد بن عَمْرو بن عطاء أو عن
(١) أخرجه أبو داود (٧٣٠) و(٩٦٣)، وابن ماجه (١٠٦١)، والترمذي (٣٠٥).
(٢) وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة ٢٣٥/١ عن هشيم.
(٣) في (أ) و(س): ليثبت.

٤٧٢
باب ١٤٥ / ح ٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
عبَّاس بن سهل قد وافَقُوه.
فائدة: سُمّيَ من النَّفَر المذكورين في رواية فُلَيح عن عبَّاس بن سهل مع أبي حميدٍ: أبو
العبَّاسِ سهلُ بن سعد وأبو أُسَيدِ الساعديّ ومحمد بن مَسلَمة، أخرجها أحمد وغيره(١)،
وسُمّيَ منهم في رواية عيسى بن عبد الله عن عبَّاسِ المذكورون سوى محمد بن مَسلَمة،
فِذُكِرَ بدلَه أبو هريرة أخرجها أبو داود (٧٣٣) وغيره، وسُمّيَ منهم في رواية ابن إسحاق
عن عبَّاسٍ عند ابن خُزيمة (٦٨١) (٢)، وفي رواية عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عَمْرو
ابن عطاء عند أبي داود (٧٣٠ , ٩٦٣) والتِّرمِذيّ (٣٠٤ و ٣٠٥): أبو قتادة، وفي رواية عبد
الحميد المذكورة أنَّهم كانوا عشرة كما تقدَّم، ولم أقِفْ على تسمية الباقين.
وقد اشتمل حديث أبي حميدٍ هذا على جملة كثيرة من صفة الصلاة، وسأُبيِّنُ ما في رواية
غير الليث من الزّيادة ناسباً كلَّ زيادة إلى ◌ُخرِّجها إن شاء الله تعالى.
وقد أشرتُ قبلُ إلى تَخارج الحديث، لكنَّ سياق الليث فيه حكاية أبي حميدٍ لصفة
الصلاة بالقول، وكذا في رواية كلّ مَن رواه عن محمد بن عَمْرو بن حلحلة، ونحوه روایة
عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عَمْرو بن عطاء، ووافَقَهما فُلَيح عن عبّاس بن سهل،
وخالَفَ الجميعَ عيسى بن عبد الله عن محمد بن عَمْرو بن عطاء عن عبَّاسٍ، فحكى أنَّ
أبا حميدٍ وصفَها بالفعل، ولفظه عند الطَّحاويّ (١/ ٢٦٠ و٣٥٤/٤-٣٥٥) وابن حِبَّان
(١٨٦٦): قالوا: فأرِنا، فقامَ يُصلِّ وهم يَنظُرون، فبدأ فكَبَّر، الحديث.
ويُمكِن الجمع بين الروايتين بأن يكون وصفَها مرَّة بالقول ومرَّة بالفعل، وهذا يؤيِّد ما
جمعْنا به أوَّلاً، فإنَّ عيسى المذكور هو الذي زاد عبَّاس بن سهل بين محمد بن عَمْرو بن
(١) أخرجه أبو داود (٧٣٤) و(٩٦٧)، وابن ماجه (٨٦٣)، والترمذي (٢٦٠) و(٢٩٣)، ولم نقف عليه في
((مسندأحمد)) لكن رواية أبي داود لهذا الحديث عن أحمد بن حنبل، فلعله خارج ((المسند)»، وقد عزا ابن
رجب هذا الحديث إلى أحمد وأنه أخرجه من طريق محمد بن إسحاق عن عباس بن سهل، ولم نقف عليه
فيه أيضاً، فالله أعلم!
(٢) وعزاها ابنُ رجب في ((شرح البخاري)) ١٥٧/٥ إلى أحمد أيضاً، ولم نقف عليها في ((المسند))!

٤٧٣
باب ١٤٥ / ح ٨٢٨
أبواب صفة الصلاة
عطاء وأبي حميد، فكأنَّ محمداً شَهِدَ هو وعبَّاسُ حكاية أبي حميدٍ بالقول فحملها عنه مَن
تقدَّم ذِكْره، وكأنَّ عبَّاساً شَهِدَها وحده بالفعل فسمع ذلك منه محمد بن عمرو بن عطاء
فحدَّث بها كذلك، وقد وافَقَ عيسى أيضاً عنه عَطّافُ بن خالد، لكنَّه أبهَمَ عبَّاس بن سهل
أخرجه الطَّحاويُّ (٢٥٩/١) أيضاً، ويقوِّي ذلك أنَّ ابن خُزيمة (٦٨١) أخرج من طريق
ابن إسحاق، أنَّ عبَّاس بن سهل حدَّثه، فساق الحديث بصفة الفعل أيضاً، والله أعلم.
قوله: ((أنا كنت أحفَظَكم)) زاد عبد الحميد: قالوا: فلِمَ؟ فوالله ما كنتَ بأكثرِنا له اتِّباعاً ٣٠٨/٢
- وفي رواية التِّرمِذيّ إتياناً - ولا أقدَمنا له صُحبة، وفي رواية عيسى بن عبد الله: قالوا:
فكيف؟ قال: اتَّبَعتُ ذلك منه حتَّى حَفِظته، زاد عبد الحميد: قالوا: فاعِرِضْ، وفي روايته
عند ابن حِبَّان (١٨٦٥): استَقبَلَ القِبْلة ثمَّ قال: الله أكبر، وزاد فُلَيح عند ابن خُزَيمة
(٥٨٩) فیه ذِكْر الوضوء.
قوله: ((جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْو مَنكِبَيْه)) زاد ابن إسحاق: ثمَّ قرأ بعض القرآن. ونحوه لعبد
الحمید.
قوله: ((ثُمَّ هَصَرَ ظهره)» بالهاء والصاد المهمَلة المفتوحَتَين، أي: ثَناه في استواء من غير
تقويس، ذكره الخطّابيُّ، وفي رواية عيسى: غير مُقنِع رأسه ولا مُصَوِّبه، ونحوه لعبد
الحميد، وفي رواية فُلَيح عند أبي داود: فوَضَعَ يديه على رُكبَتَیه كأنه قابض عليهما، ووَثّرَ
يديه فتَجافَى عن جَنبَيه، وله (٧٣١) في رواية ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبي حبيب: وفَرَّجَ
بین أصابعه.
قوله: ((فإذا رفع رَأْسه استوى)) زاد عيسى عند أبي داود: فقال: سمع الله لمن حَِدَه،
اللهمَّ رَبّنا لك الحمد، ورفع يديه، ونحوه لعبد الحميد، وزاد: حتَّى يُحاذيَ بهما مَنكِبَيه
مُعتَدِلاً.
قوله: ((حتَّى يَعُود كلّ فَقار)) الفَقار بفتح الفاء والقاف جمع فَقارة: وهي عظام الظَّهر،
وهي العظام التي يقال لها: خَرَز الظَّهر، قاله القَزّاز.

٤٧٤
باب ١٤٥ / ح ٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن سِيدَهْ: هي من الكاهل إلى العَجْب، وحكى ثَعلَب عن («نوادر ابن الأعرابيّ»
أنَّ عِدَّتها سبعة عَشَر. وفي ((أمالي الزَّجّاج)): أُصولها سبع غيرُ التَّوابع، وعن الأصمَعَيّ: هي
خمس وعشرون، سبع في العُنُقُ، وخمس في الصُّلْب، وبَقيَّتها في أطراف الأضلاع، وحكى
في ((المَطالع)) أنَّه وقع في رواية الأَصِيلِيِّ بفتح الفاء، ولا بنِ السَّكَن بكسرها، والصواب
بفتحها، وسيأتي ما فيه في آخر الحديث، والمراد بذلك كمالُ الاعتدال. وفي رواية هُشَيمٍ عن
عبد الحميد: ثمَّ يَمكُث قائماً حتَّى يقع كلّ عظم موقِعه.
قوله: ((فإذا سَجَدَ وضَعَ يَدَيْه غير مُفْتَرِش)) أي: لهما، ولابنِ حِبّان(١) من رواية عُتبة بن
أبي حَكيم عن عبَّاس بن سهل: غير مُفتَرِش ذِراعیه.
قوله: ((ولا قابِضِهما)) أي: بأن يَضُمّهما إليه، وفي رواية عيسى: فإذا سَجَدَ فَّجَ بين
فخِذَيه غير حاملٍ بَطنه على شيء منهما، وفي رواية عُتبة المذكورة: ولا حاملٍ بَطنه على شيء
من فخِذَيه (٢) وفي رواية عبد الحميد: جافَى يديه عن جَنبَيه. وفي رواية فُلَيح: ونَحَّى يديه
عن جَنْبَيْه ووَضَعَ يديه حَذو مَنكِبَيه، وفي رواية ابن إسحاق: فاعلَولى على جَنبَيه وراحَتَه
ورُكَبَتَه وصُدور قَدَمَيه، حتَّى رأيت بياض إبطَيه ما تحت مَنكِبَيَه، ثمَّ ثَبَتَ حتَّى اطمَأنَّ كُّ
عظم منه، ثمَّ رفع رأسه فاعتَدَل، وفي رواية عبد الحميد: ثمَّ يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه
(١) في كتاب ((الصلاة)) له كما عزاه إليه الحافظ نفسه في «إتحاف المهرة)) (١٧٤٥٠). وقد أخرجه بهذا اللفظ
من هذا الطريق أيضاً الطحاوي ١/ ٢٦٠، لكن عتبة لم يروه عن عباس مباشرة، فبينهما فيه عيسى بن
عبد الله بن مالك [ووهم في إسناده إسماعيل بن عياش راويه عن عتبة فسماه عيسى بن عبد الرحمن
العدوي. وإنما هو عيسى بن عبد الله بن مالك الدار مولى العدويين، وليس من أنفسهم] ويوضحه
رواية أبي داود أيضاً (٧٣٥).
(٢) وهي عند أبي داود (٧٣٥) من طريق بقية بن الوليد، عن عتبة، عن عبد الله بن عيسى [كذا قال بقية في
روايته، وأخطأ في اسمه، وإنما هو عيسى بن عبد الله بن مالك الدار] عن العباس بن سهل الساعدي.
فظهر بذلك أن رواية عتبة هي نفسُها رواية عيسى بن عبد الله، ولعله سقط من نسخة الحافظ لكتاب
(الصلاة)) لابن حبان اسمُ عيسى بن عبد الله، فجعلها روايتين، وقد تبيَّن لنا من إسناد أبي داود
والطحاوي ما سقط للحافظ رحمه الله تعالى.

٤٧٥
باب ١٤٥ / ح ٨٢٨
أبواب صفة الصلاة
ويَثني رِجلَه اليُسرَى فِيَقعُد عليها حتَّى يَرجِع كلّ عظم إلى موضعه.
ونحوه في رواية عيسى بلفظ: ثمَّ كَبَّرَ فجَلَسَ فَتَوَرَّكَ ونَصَبَ قَدَمه الأُخرى ثمَّ كَبَّرَ
فسَجَد، وهذا يخالف رواية عبد الحميد في صفة الجلوس، ويقوِّي رواية عبد الحميد رواية
فُلَيح عند ابن حِبَّان بلفظ: كان إذا جَلَسَ بين السَّجدَتَينِ افْتَرَشَ رِجله اليُسرَى وأقبَلَ
بصَدرِ الْيُمنَى على قِبلته، أورَدَه مختصراً هكذا في كتاب ((الصلاة)) له، وفي رواية ابن إسحاق
خلاف الروايتين، ولفظه: فاعتَدَلَ على عَقِبَيَه وصُدور قَدَمَيه. فإن لم يُحمَل على التعدُّد وإلَّا
فرواية عبد الحميد أرجح.
قوله: ((فإذا جَلَسَ في الرَّكْعتَين)) أي: الأُولَيَينِ ليتشهَّد، وفي رواية فُلَيح: ثمَّ جَلَسَ
فافتَرَشَ رِجله اليُسرَى وأقبَلَ بصَدْرِ الْيُمنَى على قِبلته، ووَضَعَ كَفّه اليُمْنى على رُكبَته
اليُمنَى وكَفّه اليُسرَى على رُكَبَتْه اليُسرَى، وأشارَ بإصبعِه، وفي رواية عيسى بن عبد الله: ثمَّ
جَلَسَ بعد الرَّكعتين حتَّى إذا هو أراد أن ينهض إلى القيام قامَ بتكبيرةٍ. وهذا يخالف في
الظاهر رواية عبد الحميد حيثُ قال: إذا قامَ من الرَّكعتين كَبَّرَ ورفع يديه كما كَبَّرَ عند
افتتاح الصلاة. ويُمكِن الجمع بينهما بأنَّ التشبيه واقع على صفة التكبير لا على محلّه،
ويكون معنى قولِه: إذا قام، أي: أراد القيام أو شَرَعَ فيه.
قوله: ((وإذا جَلَسَ في الرَّكْعة الآخِرة ... )) إلى آخره، في رواية عبد الحميد: حتَّى إذا كانت ٣٠٩/٢
السَّجدة التي يكون فيها التَّسليم، وفي روايته عند ابن حِبَّان (١٨٦٧): التي تكون خاتمة
الصلاة أخرج رِجلَه اليُسرَى وقَعَدَ مُتورِّكاً على شِقّه الأيسر، زاد ابن إسحاق في روايته: ثمَّ
سَلَّمَ، وفي رواية عيسى عند الطَّحاويّ (١/ ٢٥٩): فلمَّا سَلَّمَ سَلَّمَ عن يمينه: سَلامٌ عليكم
ورحمة الله، وعن شماله كذلك، وفي رواية أبي عاصم عن عبد الحميد عند أبي داود وغيره(١)
قالوا - أي: الصحابة المذكورون -: صَدَقتَ، هكذا كان يُصلّي.
وفي هذا الحديث حُجَّة قويَّة للشافعيِّ ومَن قال بقوله في أنَّ هيئة الجلوس في التشهُّد
(١) أخرجه أبو داود (٧٣٠) و(٩٦٣)، وابن ماجه (١٠٦١)، والترمذي (٣٠٥).

٤٧٦
باب ١٤٥ / ح ٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
الأوَّل مُغايرة لهيئة الجلوس في الأخير، وخالَفَ في ذلك المالكيَّة والحنفيَّة فقالوا: يُسوِّي
بينهما، لكن قال المالكيَّة: يَتَورَّك فيهما كما جاءَ في التشهُّد الأخير، وعَكَسَه الآخرون.
وقد قيل في حِكْمة المغايرة بينهما: أنَّه أقرب إلى عدم اشتباه عَدَد الرَّكَعات، ولأنَّ الأوَّل
تَعقُبه حَرَكة بخلاف الثاني، ولأنَّ المسبوق إذا رآه عَلِمَ قَدرَ ما سُبقَ به. واستدلَّ به الشافعيّ
أيضاً على أنَّ تَشَهُّد الصبح كالتشهُّدِ الأخير من غيره لعموم قوله: في الرَّكعة الأخيرة.
واختلف فيه قول أحمد، والمشهور عنه اختصاص التَّوَرُّك بالصلاة التي فيها تَشَهُّدان.
وفي الحديث من الفوائد أيضاً: جواز وصف الرجل نفسَه بكَونِه أعلمَ من غيره، إذا أمِنَ
الإعجاب، وأراد تأكيد ذلك عند مَن سمعه، لما في التَّعليم والأخذ عن الأعلم من الفَضْل.
وفيه أنَّ ((كان)) تُستَعمَل فيما مضى وفيما يأتي، لقول أبي حميدٍ: كنت أحفظكم، وأراد
استمراره على ذلك، أشارَ إليه ابن التِّين.
وفيه أنَّه كان يخفى على الكثير من الصحابة بعضُ الأحكام المتلَقّة عن النبيّ وَُّ ورُبَّما
تَذَكَّرَه بعضُهم إذا ذُكِّرَ. وفي الطّرق التي أشرتُ إلى زيادتها جملةٌ من صفة الصلاة ظاهرة
لمن تَدَبَّرَ ذلك وتَفَهَّمَه.
قوله: ((وسَمِعَ الليث ... )) إلى آخره، إعلام منه بأنَّ العَنعَنة الواقعة في إسناد هذا الحديث
بِمَنِزِلة السَّماع، وهو كلام المصنّف، ووَهمَ مَن جَزَمَ بأنَّه کلام یحیی بن بُکیر، وقد وقع
التصريح بتحديث ابن حَلْحَلة ليزيد في رواية ابن المبارك كما سيأتي.
قوله: ((وقال أبو صالح عن الليث)) يعني بإسناده الثاني عن اليزيدَين، كذلك وَصَلَه
الطَّبرانيُّ عن مُطَّلِب بن شعيب وابن عبد البَرِّ(١) من طريق قاسم بن أصبَغَ كلاهما عن
أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، ووَهِمَ مَن جَزَمَ بأنَّ أبا صالح هنا هو
(١) لم نقف عليه عند الطبراني، وهو في ((التمهيد)) لابن عبد البر ٢٥٣/١٩، لكن قاسم بن أصبغ رواه عن
مطّلب بن شعيب أيضاً عن أبي صالح، ولم يروه قاسمٌ عن أبي صالح مباشرة، وقد أخرجه الحافظ في
((تغليق التعليق)) ٣٣١/٢، فجاء به على الصواب.

٤٧٧
باب ١٤٦ / ح ٨٢٩
أبواب صفة الصلاة
عبد الغَفّار (١) الحرّانيُّ.
قوله: ((كُلّ قَفار)) ضُبِطَ في روايتنا بتقديمِ القاف على الفاء، وكذا للأَصِيلي، وعند الباقين
بتقديمِ الفاء كرواية يحيى بن بُكَير، لكن ذكر صاحب ((المَطالع)) أنَّهم كَسَروا الفاء، وجَزَمَ
جماعة من الأئمّة بأنَّ تقديم القاف تصحيف، وقال ابن التِّين: لم يتبيَّن لي وجهُه.
قوله: ((وقال ابن المبارك ... )) إلى آخره، وَصَلَه الجَوزَقيُّ في ((جَمْعه))، وإبراهيم الحربيّ في
((غريبه))، وجعفر الفِريابيُّ في ((صفة الصلاة))، كلهم من طريق ابن المبارك، بهذا الإسناد،
ووقع عندهم بلفظ: حتَّی یعود کلّ فقار مكانه، وهي نحو روایة یحیی بن بُگیر، ووقع في
رواية الكُشْمِيهنيِّ وحده: كلّ فقاره. واختُلِفَ في ضبطه فقيل: بهاء الضَّمير، وقيل: بهاء
التأنيث، أي: حتَّى تَعود كلّ عظمة من عظام الظَّهر مكانَها، والأوَّل معناه: حتَّى يعود جميع
عظام ظهره. وأمَّا رواية يحيى بن بُكَير ففيها إشكال، وكأنَّه ذكر الضَّمير لأنَّه أعاده على لفظ
الفَقار، والمعنى حتَّى يعود كلّ عظام مكانها، أو استَعمَلَ الفَقار للواحدِ تجوُّزاً.
١٤٦ - باب مَن لم يَرَ التشهد الأول واجباً لأن النبي
صَلىالله
وسلم
قام من الركعتين ولم يرجع
٨٢٩- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ
هُزْمُزَ مولى بني عبدِ المطَّلِبِ - وقال مَرّةً: مولى رَبِيعةَ بنِ الحارثِ - أنَّ عبد الله ابنَ بُحَيْنة - وهو
من أزْدِ شَنُوءةَ، وهو حَلِيفٌ لبَني عبدٍ مَنافٍ، وكان من أصحاب النبيِّ وَّهِ: أنَّ النبيَّ ◌َلـ
صَلَّى بهم الظُّهْرَ فقامَ في الرَّكْعتَينِ الأُولَيْنِ لم يَجْلِس، فقامَ النَّاسُ معه، حتَّى إذا قَضَى الصلاةَ
وانتَظَرَ النَّاسُ تسليمَه كَبَّرَ وهو جالسٌ، فسَجَدَ سَجْدَتَينِ قبلَ أنْ يُسلِّم، ثمَّ سَلَّمَ.
[أطرافه في: ٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠]
قوله: (باب مَن لم يَرَ التشهُّد الأوَّل واجباً لأنَّ النبيّ وَّهِ قامَ من الرَّكْعتَينِ ولم يَرجِع)) قال٣١٠/٢
الزّين بن المنيِرِ: ذكر في هذه الترجمة الحكمَ ودليلَه، ولم يُثبِتِ الحكمَ مع ذلك، كأن يقول:
(١) في (س): هو ابن عبد الغفار، بزيادة ((ابن))، وهي زيادة مقحمة، واسمه عبد الغفّار بن داود الحرّاني.

٤٧٨
باب ١٤٦ / ح ٨٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
باب لا يجب التشهُّد الأوَّل، وسببه ما يَطْرُق الدليلَ المذكور من الاحتمال. وقد أشارَ إلى
مُعارَضَته في الترجمة التي تَلي هذه حيثُ أورَدَها بنَظِيرِ ما أورَدَ به الترجمة التي بعدها، وفي
لفظ حديث الباب فيها ما يُشعِر بالوجوب حيثُ قال: ((وعليه جلوس)) وهو محتمل
أيضاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ على حديث التشهُّد (٨٣١)، وورودِ الأمر بالتشهُّدِ
الأوَّل أيضاً.
ووجه الدلالة من حديث الباب أنَّه لو كان واجباً لَرجع إليه لمَّ سَبَّحوا به بعد أن قامَ
كما سيأتي بيانه في الكلام على حديث الباب في أبواب سجود السَّهو (١٢٢٤ و ١٢٢٥)،
ويُعرَف منه أنَّ قول ناصر الدّين بن المنيِر في ((الحاشية)): لو كان واجباً لَسَبَّحوا به ولم
يسارِعوا إلى الموافقة على التَّرك، غَفْلةٌ عن الرواية المنصوص فيها على أنَّهم سَبَّحوا به.
قال ابن بَطَّل: والدليل على أنَّ سجود السَّهو لا يَنوب عن الواجب أنَّه لو نسيَ تكبيرة
الإحرام لم تُجُبَرَ، فكذلك التشهُّد، ولأنَّه ذِكْرٌ لا يُجهَر به بحالٍ فلم يجب گَدعاء الافتتاح،
واحتَجَّ غيرُه بتقريرِهِ بَّهِ الناسَ على مُتَابَعَته بعد أن عَلِمَ أنَّهِم تَعَمَّدوا تركه، وفيه نظر.
ومَمَّن قال بوجوبه الليث وإسحاق وأحمد في المشهور وهو قولٌ للشافعي، وروايةٌ عند
الحنفيَّة، واحتَجَّ الطَّبَرِيُّ لوجوبه بأنَّ الصلاة فُرِضَت أوَّلاً ركعتين، وكان التشهُّد فيها
واجباً فلمَّا زيدَت لم تكنِ الزّيادة مُزيلةً لذلك الواجب.
وأُجيب بأنَّ الزّيادة لم تتعيَّن في الأخيرَتَينِ، بل يحتمل أن يكونا هما الفرض الأوَّل
والمَزِيدُ هما الرَّكعَتان الأوّلتان بتَشَهُّدِهما، ويؤيِّده استمرار السلام بعد التشهُّد الأخير كما
كان. واحتَجَّ أيضاً بأنَّ مَن تَعَمَّد ترك الجلوس الأوَّل بَطَلت صلاته، وهذا لا يَرُد لأنَّ مَن
لا يُوجِبه لا يُبطِل الصلاة بترکِهِ.
قوله: ((التشُّد)) هو تَفَعُّل من تَشَهَّد، سُمّيَ بذلك لاشتماله على النُّطْق بشهادة الحَقّ
تغليباً لها على بقيَّة أذكاره لِشَرَفِها.
قوله: ((حدَّثني عبد الرحمن بن هُرْمُز)) هو الأعرج المذكور في الإسناد الذي بعده.

٤٧٩
باب ١٤٧ / ح ٨٣٠
أبواب صفة الصلاة
قوله: ((مَوْلى بني عبد المطَّلِب، وقال مرَّةٍ)) أي: الزُّهريُّ: ((مَوْلى ربيعة بن الحارِث))، وَلا
تَنافيَ بينهما لأنَّه مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلِّب، فذكره أوَّلاً بجَدِّ مَواليه الأعلى،
وثانياً بمولاه الحقيقي.
قوله: («أزْد شَنُوءَة)) بفتح الهمزة وسكون الزّاي بعدها مُهمَلة، ثمَّ مُعجَمة مفتوحة ثمَّ
نون مضمومة وهمزة مفتوحة، وزن فَعولة: قبيلة مشهورة.
قوله: ((حَليف لبني عبد منافٍ)) صوابٌ، لأنَّ جَدّه حالَفَ المطَّلِب بن عبد مناف، قاله
ابن سعد وغيره. وسيأتي ما فيه في أبواب سجود السَّهو إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فقامَ في الرَّكْعتَينِ الأُولَيَينِ لم يَجلِس)) أي: للتشهُّد، ووقع في رواية ابن عساكر: ولم
يجلس، بزيادة واو، وفي ((صحيح مسلم)) (٥٧٠): فلم يجلس، بالفاء، وسيأتي في السَّهو
کذلك (١٢٢٤).
قال ابن رُشَيد: إذا أُطلِقَ في الأحاديث الجلوس في الصلاة من غير تقييد، فالمراد به
جلوس التشهُّد، وبهذا يظهر وجه مُناسَبة الحديث للترجمة.
١٤٧ - باب التشهد في الأولى
٣١١/٢
٨٣٠- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بَكْرٌ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن الأعرَجِ، عن
عبدِ الله بنِ مالكِ ابنِ بُحَيْنة، قال: صَلَّى بنا رسولُ اللهِوَّهِ الظَّهرَ، فقامَ وعليه جلوسُ، فلمَّا
كان في آخِرٍ صلاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَنِ وهو جالسٌ.
قوله: ((باب التشهُّد في الأُولى)) أي: الجلسة الأولى من ثُلاثيَّة أو رُباعيَّة.
قال الكِرْمانيُّ: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أنَّ الأولى لبيان عدم وجوب التشهُّد
الأوَّل، والثانية لبيان مشروعيَّته، أي: والمشروعيَّة أعمّ من الواجب والمندوب.
قوله: (بَكْر)) هو ابن مُضَر، وعبد الله بن مالك ابن بُحَينة: هو عبد الله ابن بُحَينة
المذكور في الإسناد الذي قبله، ويُحَينةُ والدة عبد الله على المشهور، فينبغي أن تُثْبَت الألفُ

٤٨٠
باب ١٤٨ / ح ٨٣١
فتح الباري بشرح البخاري
في ابن بُحَينة إذا ذُكِرَ مالك، ويُعرَب إعرابَ عبد الله.
فائدة: لا خلاف في أنَّ ألفاظ التشهُّد في الأولى كالتي في الأخيرة، إلَّا ما روى الزُّهريُّ
عن سالم قال: وكان ابن عمر لا يُسلِّم في التشهُّد الأوَّل، كان يَرَى ذلك فَسْخاً (١) لصلاته.
قال الزّهرُّ: فأمَّا أنا فأُسَلِّم، يعني قوله: السلام عليك أيّها النبيّ ... إلى الصالحين، هكذا
أخرجه عبد الرزاق.
١٤٨ - باب التشهّد في الآخرة
٨٣١- حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، عن شَقِيق بنِ سَلَمة، قال: قال عبدُ الله: كنَّا
إذا صلَّينا خلفَ رسولِ الله وَل﴿ قُلْنا: السَّلامُ على جِبْرِيلَ ومِيكائيلَ، السلامُ على فلانٍ وفلانٍ،
فالتَفَتَ إلينا رسولُ اللهِ وَّه فقال: ((إنَّ الله هو السلامُ، فإذا صَلّى أحدُكم فليَقُل: التَّحِيّاتُ لله
والصَّلَواتُ والطَّيِّاتُ، السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبَرَ كاتُه، السلامُ علينا وعَلَى عِبادِ الله
الصالحِين، فإنكم إذا قلتُمُوها أصابَتْ كلَّ عبدٍ لله صالح في السَّماءِ والأرضِ، أشهَدُ أنْ لا إله
إِلَّ الله، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عبدُه ورسولُه)).
[أطرافه في: ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١]
قوله: ((باب التشهُّد في الآخِرة)) أي: الجلسة الآخرة.
قال ابنُ رُشَيد: ليس في حديث الباب تعيينُ محلّ القول، لكن يُؤخَذ ذلك من قوله:
((فإذا صلَّى أحدكم فليَقُل)) فإنَّ ظاهر قولِه: ((إذا صلَّى)) أي: أتمَّ صلاته، لكن تَعَذَّرَ الحَمْل
على الحقيقة لأنَّ التشهُّد لا يكون بعد السلام، فلمَّا تَعيَّنَ المجاز كان حمله على آخر جزءٍ من
الصلاة أولى، لأنَّه هو الأقرب إلى الحقيقة.
قلت: وهذا التَّقرير على مذهب الجمهور في أنَّ السلام جزء من الصلاة، لا أنَّه للتَّحَلَّل
منها فقط، والأشبَه بتصرُّفِ البخاري أنَّه أشارَ بذلك إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه من تعيين
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: نَسْخاً، بالنون، والمثبت من ((المصنَّف)) لعبد الرزاق (٣٠٧٤) و(٣٠٩٦)،
وهو الصحيح في المعنى.