Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
باب ٩٥ / ح ٧٥٦
أبواب صفة الصلاة
(٢٠٧٤) بلفظ: ((لا يُصلِّي أحدكم بحَضْرة الطَّعام)) أخرجه مسلم من طريق حاتم بن
إسماعيل وغيره عن يعقوب بن مجاهد عن القاسم، وابنُ حِبّان من طريق حسين بن عليّ
وغيره عن يعقوب به، وأخرج له ابن حِبَّان أيضاً شاهداً من حديث أبي هريرة (٢٠٧٢)
بهذا اللَّفظ.
وقد قال بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة الحنفيَّةُ لكن بَنَوا على قاعدتِهِم أنَّها مع
الوجوب ليست شرطاً في صِحَّة الصلاة، لأنَّ وجوبَها إِنَّمَا ثَبَتَ بالسُّنَّة، والذي لا تَتِمُّ
الصلاةُ إلَّا به فرضٌ، والفرض عندهم لا يَتْبُتُّ بما يزيدُ على القرآن، وقد قال تعالى:
﴿فَقْرَءُواْ مَا تَبَتَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] فالفرض قراءة ما تَيسَّر، وتعيين الفاتحة إنَّا ثَبَتَ
بالحديث فيكونُ واجباً يأَثَمُ مَن يَترُكُه وتُجزِئُ الصلاة بدونِهِ، وإذا تَقَرَّرَ ذلك لا يَنْقَضي
عَجَبي ثمّن يتعمَّدُ تركَ قراءة الفاتحة منهم وتركَ الطُّمَأنينة، فيُصلِّ صلاةً يريدُ أن يَتَقَرَّبَ بها
إلى الله تعالى، وهو يتعمَّدُ ارتكابَ الإثم فيها مُبالغة في تحقيق مُخَالَفتِه لمذهبِ غيره.
واستدلَّ به على وجوب قراءة الفاتحة في كلِّ رَكعة بناءً على أنَّ الرَّكعةَ الواحدةَ تُسمَّى
صلاةً لو تَجَرَّدَت، وفيه نظرٌّ، لأنَّ قراءتها في رَكعةٍ واحدةٍ من الرُّباعيَّة مثلاً يقتضي حصول
اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصلُ عدم وجوب الزّيادة على المرّة الواحدة، والأصلُ
أيضاً عدم إطلاق الكلِّ على البعض، لأنَّ الظُّهرَ مثلاً كلّها صلاة واحدة حقيقةً، كما صَرَّحَ
به في حديث الإسراء حيثُ سَمَّى المكتوبات خمساً(١)، وكذا حديث عُبادة: ((خمس صلواتٍ
كَتبهُنَّ الله على العباد))(٢) وغير ذلك، فإطلاق الصلاة على رَكعةٍ منها يكونُ مَجَازاً.
قال الشَّيخُ تَقيّ الدّين: وغايةُ ما في هذا البحثِ أن يكون في الحديث دلالةٌ مفهومٍ على
صِحَّة الصلاة بقراءة الفاتحة في رَكعةٍ واحدةٍ منها، فإن دلَّ دليلٌ خارجٌ مَنطوٌ على وجوبها
في كلِّ رَكعةٍ كان مُقدَّماً. انتهى، وقال بمُقتَضى هذا البحثِ الحسنُ البصريُّ رواه عنه ابن
(١) سيأتي برقم (٣٨٨٧).
(٢) أخرجه مالك فى ((الموطأ)) ١٢٣/١، وأحمد (٢٢٦٩٣)، وأبو داود (٤٢٥) و(١٤٢٠)، وابن ماجه
(١٤٠١)، والنسائي (٤٦١)، وابن حبان (٢٤١٧).

٣٤٢
باب ٩٥ / ح ٧٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
المنذر (١١٥/٣) بإسنادٍ صحيح.
ودليل الجمهور قولُه وَال ◌َ: ((وافعَلْ ذلك في صلاتك كلّها)) (١) بعد أن أمره بالقراءة، وفي
روايةٍ لأحمدَ وابنِ حِبّان: ((ثُمَّ افعَل ذلك في كلِّ رَكعة))(٢). ولعلَّ هذا هو السرُّ في إيراد
البخاري له عَقِبَ حديث عُبادة.
واستدلَّ به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سواءٌ أَسَرَّ الإمام أم جَهَر، لأنَّ صلاتَه
صلاةٌ حقيقية، فتَنتَفي عند انتفاء القراءة، إلَّا إن جاءَ دليلٌ يقتضي تخصيص صلاة المأمومِ
من هذا العموم فيُقدَّم، قاله الشَّيخُ تَقيّ الدّين.
واستدلَّ مَن أسقَطَها عن المأموم مُطلَقاً كالحنفيَّة بحديث: ((مَن صلَّى خلفَ إمام
فقراءةُ الإمام له قراءة)) لكنَّه حديثٌ ضعيفٌ عند الحُفّاظ، وقد استَوعَبَ طرقَه وعِلَلَه
الدَّارَ قُطنيّ (١٢٣٣-١٢٦٢) وغيره(٣).
واستدلَّ مَن أسقَطَها عنه في الجهريَّة كالمالكيَّة بحديث: ((وإذا قرأ فَأَنْصِتوا)) وهو
حديثٌ صحيحٌ، أخرجه مسلم (٦٣/٤٠٤) من حديث أبي موسى الأشعَري، ولا دلالةً
فيه لإمكان الجمع بين الأمرين: فيُنصِتُ فيما عَدا الفاتحة، أو يُنصِتُ إذا قرأ الإمام ويقرأُ إذا
سَكَت، وعلى هذا فيَتَعيَّنُ على الإمام السُّكوت في الجهريَّة ليقرأ المأمومُ لئلّا يوقِعَه في
ارتكاب النَّهي حيثُ لا يُنصِتُ إذا قرأ الإمام، وقد ثَبَتَ الإذنُ بقراءة المأموم الفاتحةَ في
الجهريَّة بغير قَيد، وذلك فيما أخرجه البخاري في ((جزء القراءة)) والتِّرمِذيّ وابن حِبَّان
وغيرهما من رواية مكحول عن محمود بن الرَّبيع عن عُبادة: أنَّ النبيَّ وَِّ ثَّقُلت عليه
القراءةُ في الفجر، فلمَّا فَرَغَ قال: ((لعلَّكم تَقرَؤون خلفَ إمامِكم؟)) قلنا: نَعَم. قال: ((فلا
(١) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)، وابن ماجه (١٠٦٠)، والترمذي
(٣٠٣)، والنسائي (٨٨٤) من حديث أبي هريرة، لكنه ليس فيه ذكر قراءة الفاتحة، وإنما قال فيه: ((ثم
اقرأ ما تيسّر معك من القرآن)).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٩٩٥)، وابن حبان (١٧٨٧) من حديث رفاعة بن رافع.
(٣) لكن انتهينا في عملنا على ((مسند أحمد)) (١٤٦٤٣) إلى تحسينه بطرقه وشواهده، فانظره لزاماً.

٣٤٣
باب ٩٥ / ح ٧٥٧
أبواب صفة الصلاة
تَفْعَلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها))(١)، والظاهر أنَّ حديثَ الباب
مختصر من هذا، وكان هذا سببه، والله أعلم.
وله شاهدٌ من حديث أبي قتادة عند أبي داود والنَّسائيّ(٣)، ومن حديث أنس عند ابن ٢٤٣/٢
حِبَّان (١٨٤٤ و١٨٥٢)، وروى عبد الرزاق (٢٧٩٤) عن سعيد بن جُبَير قال: لا بُدَّ من أمِّ
القرآن، ولكنَّ مَن مضى كان الإمامُ يَسكُتُ ساعةً قَدْرَ ما يقرأُ المأموم بأمّ القرآن.
فائدة: زاد مَعمَر عن الزُّهريِّ في آخر حديث الباب ((فصاعداً) أخرجه النَّسائيّ(٣)
وغيرُه، واستُدلَّ به على وجوب قَدْرٍ زائدٍ على الفاتحة. وتُعُقِّبَ بأنَّه وَرَدَ لدَفعِ تَوَهُّمِ قصر
الحكم على الفاتحة، قال البخاري في ((جزء القراءة)): هو نَظِيرُ قوله: «تُقْطَعُ اليَدُ في رُبِعِ
دينار فصاعداً)، وادَّعَى ابن حِبَّان والقُرطبيّ وغيرُهما الإجماع على عدمٍ وجوب قَدر زائد
عليها، وفيه نظرٌ، لثبوتِه عن بعض الصحابة ومَن بعدهم فيما رواه ابن المنذر (١٠٠/٣ -
١٠١) وغيرُه، ولعلَّهم أرادوا أنَّ الأمرَ استقرَّ على ذلك، وسيأتي بعد ثمانية أبواب (٧٧٢)
حديث أبي هريرة: وإن لم تَزِد على أمِّ القرآن أجزَأت، ولابن خُزيمة (٥١٣) من حديث ابن
عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ وَّهِ قامَ فصلَّى ركعتين لم يقرأ فيهما إلَّا بفاتحة الكتاب.
٧٥٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي
سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله وَِّ دخل المسجدَ، فدخل رجلٌ فصَلَّى، فسَلَّمَ
على النبيِّ ◌َّهِ فَرَدَّ، فقال: ((ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لم تُصلّ)) فرجع يُصلِّ كما صَلَّى، ثمَّ جاءَ فسَلَّمَ
على النبيِّ وَّ فقال: ((ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لم تُصلّ)) ثلاثاً، فقال: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ما أُحْسِنُ
(١) أخرجه البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) (٦٤) و(٢٥٧) و(٢٥٨)، وأبو داود (٨٢٣)، والترمذي
(٣١١)، وابن خزيمة (١٥٨١)، وابن حبان (١٧٨٥). وله طرق أخرى انظرها عند ابن حبان
(١٧٨٦) و(١٧٩٢) و(١٨٤٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٦٢٥)، وعبد بن حميد (١٨٨)، والبيهقي ١٦٦/٢ وغيرهم، وفي إسناده رجل مبهم.
ولم نقف عليه عند أبي داود والنسائي، فالظاهر أنه وهمٍّ من الحافظ رحمه الله، إذ إن المزي لم يذكر هذا
الحديث في ((تحفة الأشراف)).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٧٤٩)، ومسلم (٣٩٤) (٣٧)، والنسائي (٩١١).

٣٤٤
باب ٩٥ / ح ٧٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
غيرَه فعَلِّمْني، فقال: ((إذا قمتَ إلى الصلاةِ فكَبِّ، ثمَّ اقْرَأْ ما تَشَّرَ معكَ من القرآنِ، ثمَّ ارَعْ
حتَّى تَطْمَئِنَّ راكِعاً، ثمَّ ارفَعْ حتَّى تَعْدِلَ قائماً، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثمَّ ارفَعْ حتَّى
تَطْمَئِنَّ جالساً، وافْعَلْ ذلك في صلاتكَ كلِّها)».
[أطرفه في: ٧٩٣، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧]
ثمَّ ذكر البخاريُّ حديث أبي هريرة في قصَّة المُسيءٍ صلاتَه وسيأتي الكلامُ عليه بعد
أربعة وعشرين باباً (٧٩٣)، وموضع الحاجة منه هنا قوله: ((ثمَّ اقرأ ما تَيسَّرَ معك من
القرآن)) وكأنَّه أشارَ بإيراده عَقِبَ حديث عُبادةَ أنَّ الفاتحةَ إنَّما تَتَحتَّمُ على مَن يُحسِنُها، وأنَّ
مَن لا يُحسِنُها يقرأُ بما تَيسَّرَ عليه، وأنَّ إطلاق القراءة في حديث أبي هريرة مُقيَّد بالفاتحة كما
في حديث عُبادة، والله أعلم.
قال الخطَّبيّ: قوله: ((ثمَّ اقرأ ما تَيسَّرَ معك من القرآن)) ظاهر الإطلاق التَّخيير، لكنَّ
المراد به فاتحة الكتاب لمن أحسنها بدليل حديث عُبادة، وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ
اَلْهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ثمَّ عَيِّنَتِ السُّنَّةُ المراد.
وقال النَّوَويّ: قوله: ((ما تَيسَّر)) محمول على الفاتحة فإنَّهَا مُتَسِّرة، أو على ما زاد من
الفاتحة بعد أن يقرأها، أو على مَن عَجَزَ عن الفاتحة. وتُعُقِّبَ بأنَّ قوله: ((ما تَيسَّر)) لا إجمالَ
فيه حتَّى يُبَّن بالفاتحة، والتقييد بالفاتحة يُنافي التَّيسير الذي يدلُّ عليه الإطلاق، فلا يَصِحُ
حمله عليه. وأيضاً فسورة الإخلاص مُتَسِّرة وهي أقصَرُ من الفاتحة فلم يَنحَصِرِ التَّيسيرُ في
الفاتحة، وأمَّ الحملُ على ما زاد فمبنيّ على تسليمٍ تَعُّنِ الفاتحة، وهي محلّ النّزاع. وأمَّا حملُه
على مَن عَجَزَ فبعيد.
والجوابُ القويُّ عن هذا: أنَّه وَرَدَ في حديث المُسيءٍ صلاتَه تفسيرُ ما تَيسَّرَ بالفاتحة،
كما أخرجه أبو داود (٨٥٩) من حديث رِفاعة بن رافع رفعه: «وإذا قمتَ فتَوَجَّهتَ فكَبِّرِ،
ثمَّ اقرأ بأمّ القرآن وبما شاءَ الله أن تقرأ، وإذا رَكَعتَ فضَع راحَتَيَك على رُكَبَتَيك)) الحديث.
ووقع فيه في بعض طرقِه: ((ثمَّ اقرأ إن كان معك قُرآن، فإن لم يكن فاحمَدِ الله وکَبِّر

٣٤٥
باب ٩٦ / ح ٧٥٨ -٧٥٩
أبواب صفة الصلاة
وهَلِّل))(١)، فإذا ◌ُعَ بين ألفاظِ الحديث كان تَعُّنُّ الفاتحة هو الأصلُ لمن معه قُرآن، فإن
عَجَزَ عن تَعلُّمِها وكان معه شيء من القرآن قرأ ما تَيْسَرِ، وإلَّ انتَقَلَ إلى الذِّكر.
ويحتمل في طريق الجمع أيضاً أن يقال: المرادُ بقوله: ((فاقرأ ما تَيسَّرَ معك من القرآن))
أي: بعد الفاتحة، ويؤيِّدُه حديثُ أبي سعيد عند أبي داود (٨١٨) بسندٍ قويٌّ: أمرنا
رسولُ الله ◌َّهِ أَن نَقرأ بفاتحة الكتاب وما تَيسَّر.
٩٦ - باب القراءة في الظهر
٧٥٨ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا أبو عَوَانة، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيٍ، عن جابرِ بنِ سَمُرةَ،
قال: قال سعدٌ: كنتُ أُصلِّ بهم صلاةَ رسول الله وَِّ صلاتَيِ العَشِّ، لا أخرِمُ عنها، أَركُدُ في
الأُولَيْنِ وأحذِفُ في الأُخرَيَيْنِ، قال عمرُ ﴾: ذاك الظنُّ بِكَ.
٧٥٩- حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثْنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادةَ، عن أبيه،
قال: كان النبيُّ ◌َّه يَقْرَأُ في الزَّكْعتَينِ الأُولَيْنِ من صلاةِ الظُّهر بفاتحةِ الكتاب وسورَتَينِ، يُطوِّلُ
في الأُولَى ويُقَصِّرُ في الثانيةِ، ويُسْمِعُ الآيَةَ أحياناً، وكان يَقْرَأُ في العَصرِ بفاتحةِ الكتاب وسورَتَيْنِ
وكان يُطوِّلُ في الرَّكْعةِ الأولَى من صلاةِ الصبحِ ويُقَصِّرُ في الثانيةِ.
[أطرافه في: ٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩]
قوله: ((باب القراءَةِ في الظّهر)) هذه الترجمة والتي بعدها يحتمل أن يكون المرادُ بهما إثباتَ ٢٤٤/٢
القراءة فيهما، وأنَّها تكونُ سِرّاً إشارة إلى مَن خالَفَ في ذلك كابن عبّاسٍ كما سيأتي البحث
فيه بعد ثمانية أبواب (٧٧٣)، ويحتمل أن يُراد به تقدير المقروء أو تَعيُّنُه، والأوَّل أظهَرُ،
لكَونِه لم يَتَعَرَّض في البابينِ لإخراج شيءٍ ممّا يتعلَّقُ بالاحتمال الثاني، وقد أخرج مسلم
وغيره في ذلك أحاديثَ مختلفة سيأتي بعضها، ويُجْمَعُ بينها بوقوعِ ذلك في أحوالٍ مُتَغايرة،
إمَّا لبيان الجواز أو لغير ذلك من الأسباب، واستدلَّ ابنُ العربيِّ باختلافها على عدم
(١) أخرجه أبو داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي في ((الکبری)) (١٦٤٣)، وهو حديث حسن
لغيره.

٣٤٦
باب ٩٦ / ح ٧٥٨ -٧٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
مشروعيَّة سورة مُعيَّنة في صلاةٍ مُعيَّنة، وهو واضحٌ فيما اختلف لا فيما لم يختلف ك﴿ تَنزِلُ﴾
و﴿هَلْ أَ﴾ في صُبح الجمعة(١).
قوله: «حدّثنا شییان)) هو ابن عبد الرحمن، ویحیی: هو ابن أبي کثیر.
قوله: ((عن عبد الله بن أبي قَتَادة، عن أبيه)) في روايةِ الجَوزَقيّ من طريق عبيد الله بن
موسى عن شَيْبان التصريحُ بالإخبار ليحيى من عبد الله، ولعبد الله من أبيه، وكذا للنَّسائيِّ
(٩٧٦) من رواية الأوزاعيّ عن يحيى لكن بلفظ التَّحديث فيهما، وكذا عنده (٩٧٤) من
رواية أبي إبراهيم القَنّاد، عن يحيى، حدَّثني عبد الله، فأُمِنَ بذلك تدليسُ يحيى.
قوله: ((الأُولَيْن)) بتحتائِيِّتَينِ تثنية الأُولى.
قوله: ((صلاة الظُّهر)) فيه جواز تسمية الصلاة بوقتِها.
قوله: ((وسورَتَين)) أي: في كلِّ رَكعة سورة كما سيأتي صريحاً في الباب الذي بعده.
واستُدلَّ به على أنَّ قراءةَ سورةٍ [قصيرة](٢) أفضلُ من قراءة قَدرها من طويلةٍ، قاله
النَّوَوي، وزاد البَغَويّ: ولو قَصُرَت السورة عن المقروء(٣)، وكأنَّه مأخوذٌ من قوله: كان
يفعلُ، لأنَّها تَدُلُّ على الدَّوام أو الغالب
قوله: ((يُطوِّلُ في الأُولى ويُقَصِّرُ في الثانية)) قال الشَّيخُ تَقيّ الدّين: كان السَّبَب في ذلك أنَّ
النَّشاطَ في الأولى يكونُ أكثر فناسَبَ التخفيفُ في الثانية حَذَراً من المَلَل. انتهى، وروى
عبد الرزاق (٢٦٧٥) عن مَعمَر عن يحيى في آخر هذا الحديث: فظَنَنّا أنَّه يريدُ بذلك أن
يُدرِكَ الناسُ الرَّكعة الأولى(٤)، ولأبي داود وابن خُزيمة نحوُه من رواية أبي خالد عن
(١) سيأتي برقم (٨٩١).
(٢) ما بين معقوفين زدناه من ((شرح مسلم)) للنووي، وهو أوضح في المراد. وهذه الفقرة برُمَّتها جاءت في
الأصلين متأخرة إلى ما بعد شرحه لقوله: ويُسمعُ الآية أحياناً، والأنسب وجودها هنا كما في (س).
(٣) كأنه أراد المقروء الذي كان يقرؤه رسول الله ﴿ ﴿، والذي حَزَرَه الصحابةُ بأنه قدرُ قراءة السجدة أو
ثلاثین آیة. کما في حدیث أبی سعید عند مسلم (٤٥٢)، وأبي داود (٨٠٤)، والنسائي (٤٧٥).
(٤) لفظ ((الأولى)) سقط من (س).

٣٤٧
باب ٩٦ / ح ٧٥٨ -٧٥٩
أبواب صفة الصلاة
سفيان عن مَعمَر (١)، وروى عبد الرزاق (٣٧١٠) عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ قال: إنِّي لَأُحِبّ
أن يُطوِّلَ الإمام الزَّكعة الأولى من كلِّ صلاةٍ حَتَّى يَكثُرَ الناسُ.
واستُدلَّ به على استحباب تطويل الأولى على الثانية، وسيأتي في بابٍ مُفرَد (٧٧٠)،
وُعَ بينه وبينَ حديث سعدِ الماضي حيثُ قال: ((أمُدُّ في الأولَيَين)) أنَّ المراد تطويلُهما على
الأُخرِيَينِ لا الَّسويةُ بينهما في الطّول.
وقال مَن اسْتَحَبَّ استواءَهما: إنَّما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوُّذ، وأمَّا في
القراءة فهما سواء، ويدلَّ عليه حديثُ أبي سعيد عند مسلم (١٥٧/٤٥٢): كان يقرأُ في
الظُّهر في الأولَيَينِ في كلِّ رَكعة قَدر ثلاثينَ آية. وفي روايةٍ لابن ماجَهْ (٨٢٨): أنَّ الذين
حَزَروا ذلك كانوا ثلاثينَ من الصحابة.
وادَّعَى ابن حِبَّان (١٨٥٨) أنَّ الأولى إنَّما طالت على الثانية بالزّيادة في التَّرتيل فيها مع
استواء المقروء فيها، وقد روى مسلم (٧٣٣) من حديث حفصة: أنَّه وَّهِ كان يُرَتِّلُ
السورةَ حتَّى تكون أطولَ من أطولَ منها.
واستدلَّ به بعض الشافعيَّة على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الدّاخل، قال
القُرطبيّ: ولا حُجَّةَ فيه، لأنَّ الِحِكْمَةَ لا يُعَلَّلُ بها لخَفائها أو لعدم انضِباطها، ولأنَّه لم
يكن يدخلُ في الصلاة يريدُ تقصير تلك الرَّكعة ثمَّ يُطيلُها لأجل الآتي، وإنَّما كان يدخلُ
فيها ليأتيَ بالصلاة على سُنَّتِها من تطويل الأولى، فافتَرَقَ الأصل والفَرع، فامتَنَعَ
الإحاقُ، انتهى.
وقد ذكر البخاري في ((جزء القراءة)) كلاماً معناه: أنَّه لم يَرِد عن أحدٍ من السَّلَفِ في٢٤٥/٢
انتظار الدّاخل في الركوع شيء، والله أعلم. ولم يقع في حديث أبي قتادة هذا هنا ذِكرُ
القراءة في الأُخريَين، فتمسَّكَ به بعضُ الحنفيَّة على إسقاطها فيهما، لكنَّ ثَبَتَ في حديثه من
وجهٍ آخرَ كما سيأتي من حديثه بعد عَشَرة أبواب (٧٧٦).
(١) أخرجه أبو داود (٨٠٠)، وابن خزيمة (١٥٨٠). لكن رواية أبي داود من طريق عبد الرزاق عن معمر.

٣٤٨
باب ٩٦ / ح ٧٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ويُسْمِعُ الآيَةَ أحياناً)) في الرواية الآتية: ((ويُسمِعُنا))، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من
رواية شَيْبان، وللنَّسائيِّ (٩٧١) من حديث البراء: كنَّا نُصلّي خلفَ النبيِّ وَِّ الظُّهرَ فَنَسمَعُ
منه الآيةَ بعد الآية من سورة لقمانَ والذّاريات، ولابن خُزَيمة (٥١٢) من حديث أنس
نحوُه، لكن قال: بـ ﴿سَبِحٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾.
واستدلَّ به على جواز الجهر في السرّيَّة، وأنَّه لا سجودَ سَهْوٍ على مَن فعل ذلك، خلافاً
لمن قال ذلك من الحنفيَّة وغيرهم، سواء قلنا: كان يفعلُ ذلك عمداً لبيان الجواز أو بغير
قَصدٍ للاستغراق في التَّدَبُّر، وفيه حُجَّةٌ على مَن زَعَمَ أنَّ الإسرارَ شرطٌ لصِحَّة الصلاة
السرّيَّة.
وقوله: ((أحياناً) يدلُّ على تَكَرُّرِ ذلك منه.
وقال ابن دَقِيق العيد: فيه دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الإخبار دون
التَّوَقُّفِ على اليقين، لأنَّ الطريقَ إلى العِلم بقراءة السورة في السّيَّة لا يكونُ إلَّ بسماع
كلِّها، وإنَّما يفيدُ يَقينَ ذلك لو كان في الجهريَّة، وكأنَّه مأخوذٌ من سماع بعضها مع قيام
القرينة على قراءة باقيها. ويحتمل أن يكون الرسول و له كان يخبرُهم عَقِبَ الصلاة دائماً أو
غالباً بقراءة السورتَين، وهو بعيدٌ جدّاً.
٧٦٠- حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثني عمارةُ، عن
أبي مَعمَّرٍ، قال: سَألْنا خبَّاباً: أكان النبيُّ وَّه يَقْراً في الظُّهر والعصرِ؟ قال: نَعَم، قلنا: بأيِّ شيءٍ
كنتم تَعرِفُونَ؟ قال: باضْطِراب لحيتِه.
قوله: ((حدَّثنا عمر)) هو ابنُ حفص بن غياث.
قوله: ((حدَّثْنِي عُمارة)) هو ابن عُمَير كما في الباب الذي بعده.
قوله: ((عن أبي مَعمَر)) هو عبد الله بن سَخْبَرة، بفتح المهمَلة والموخَّدة بينهما خاء
مُعجَمة ساكنة، الأزدي، وأفاد الدِّمياطيّ أنَّ لأبيه صُحبة، ووَهَّمَه بعضهم في ذلك، فإنَّ

٣٤٩
باب ٩٧ / ح ٧٦١ -٧٦٢
أبواب صفة الصلاة
الصحابيَّ أخرج حديثَه التِّرمِذيّ وقال في سياقه: عن سَخْبرةَ، وليس بالأزديّ(١). قلت:
لكن جَزَمَ البخاري وابن أبي خَيْئمةَ وابن حِبَّن بأنَّه الأزدي، والعِلمُ عند الله تعالى.
قوله: ((باضْطِراب لحيته)) فيه الحكم بالدليل، لأنَّهم حَكَموا باضطِراب لحيَتِه على قراءتِه،
لكن لا بُدّ من قرينةٍ تُعيّنُ القراءة دون الذِّكرِ والدُّعاء مثلاً، لأنَّ اضطراب اللِّحية تَحصُلُ
بِكُلٌّ منهما، وكأنَّهم نَظَروه بالصلاة الجهريَّة، لأنَّ ذلك المحلّ منها هو محلّ القراءة لا الذِّكرِ
والدُّعاءِ، وإذا انضَمَّ إلى ذلك قول أبي قتادة: كان يُسمِعُنا الآية أحياناً، قَويَ الاستدلال،
والله أعلم.
وقال بعضهم: احتمالُ الذِّكرِ مُمكِن، لكنَّ جَزْمَ الصحابيِّ بالقراءة مقبولٌ، لأنَّه أعرَفُ
بأحدِ المُحتمَلَيْنِ فيُقبَلُ تَفسيرُه.
واستدلَّ به المصنِّف على مُحَافَتِهِ القراءةَ في الظُّهر والعصر كما سيأتي (٧٧٧)، وعلى رَفْع
بَصَرِ المأمومِ إلى الإمام كما مضى (٧٤٦).
واستدلَّ به البيهقيّ على أنَّ الإسرارَ بالقراءة لا بُدَّ فيه من إسماع المَرءِ نفسَه، وذلك لا
يكونُ إلَّا بتحريك اللِّسان والشَّفْتَين، بخلاف ما لو أطبَقَ شَفَتَيَه وحَرَّكَ لسانَه بالقراءة،
فإنَّه لا تَضطَرِبُ بذلك لحيَتُه فلا يُسمِعُ نفسَه. انتهى، وفيه نظرٌ لا يخفى.
٩٧ - باب القراءة في العصر
٧٦١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن عمارةَ بنِ عُمَيرٍ،
عن أبي مَعمٍَ، قال: قلنا لخبّاب بنِ الأَرَتِّ: أكان النبيُّ ◌َّهِ يَقْرَأُ في الظّهر والعصرِ؟ قال: نَعَم،
قال: قلتُ: بأيِّ شيءٍ كنتم تَعْلَمُونَ قِراءَتَه؟ قال: باضْطِراب لحْيَتِه.
٧٦٢- حدَّنا المكِّيُّ بنُ إبراهيم، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدِ الله بن أبي ٢٤٦/٢
قَتَادَةً، عن أبيه قال: كان النبيُّ وَلِّ يَقْرَأُ في الرَّكْعتَينِ من الظَّهر والعصرِ بفاتحة الكتاب وسورةٍ
(١) أخرجه برقم (٢٦٤٨)، وليس في المطبوع منه القول الذي نقله الحافظ، لكن قاله المزي في ترجمته
لسَخْبَرة هذا في ((تهذيبه))، وردَّ علیه مُغلطاي في ((إِکماله)) ٢١٢/٥.

٣٥٠
باب ٩٨ / ح ٧٦٣ -٧٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
سورةٍ، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحياناً.
قوله: ((باب القراءَةِ في العصر)) أورَدَ فيه حديثَ خبَّاب المذكورَ قبلَه، وكذا حديث أبي
قتادة مختصراً، وقد تقدَّم الكلامُ عليهما في الباب الذي قبلَه وعلى ما يُؤْخَذُ من الترجمة
تصريحاً أو إشارة.
قوله: ((قلنا)) في رواية الحَمُِّيِّ والمُستَمْلي: قلتُ لخبّاب.
قوله: ((ابن الأرَتّ)) بفتح الرَّاء وتشديد المثنَّاة الفَوقائيّة.
قوله: ((هشام)) هو الدَّستُوائيّ.
٩٨ - باب القراءة في المغرب
٧٦٣- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيد الله بنِ
عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: إنَّ أَمَّ الفضلِ سَمِعَتْه وهو يَقْرأُ:
﴿وَالْمُرْسَتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فقالت: يا بُنَيَّ، والله لقد ذَكَّرْتَني بقِراءَتِكَ هذه السُّورةَ، إِنَّا
لآخِرُ ما سمعتُ من رسولِ اللهِ وَلِ يَقْرَأُ بها في المغربِ.
[طرفه في: ٤٤٢٩]
٧٦٤ - حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن
مَرْوانَ بنِ الحكمِ قال: قال لي زيدُ بنُ ثابتٍ: ما لك تَقْرَأُ في المغرِبِ بقِصَارٍ، وقد سمعتُ النبيَّ
وَلّ يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّولَيَّيْنِ؟
قوله: ((باب القراءَةِ في المغرب)) المراد تقديرها لا إثباتُها لكونها جَهريَّةً، بخلاف ما تقدَّم
في (باب القراءة في الظُّهر)) من أنَّ المراد إثباتها.
قوله: ((إنَّ أمّ الفضل)) هي والدةُ ابن عبّاسٍ الراوي عنها، وبذلك صَرَّحَ التِّرمِذيُّ في
روايته (٣٠٨) فقال: عن أمِّه أمّ الفضل. وقد تقدَّم في المقدّمة أنَّ اسمَها لُبابة بنت الحارث
الهلاليَّة، ويقال: إنَّها أوَّلُ امرأةٍ أسلمَت بعد خَديجة، والصحيح أُخت عمرَ زوجُ سعيد بن

٣٥١
باب ٩٨ / ح ٧٦٣ - ٧٦٤
أبواب صفة الصلاة
زيد لما سيأتي في المناقبٍ من حديثه (٣٨٦٧): لقد رأيتُني وعُمرُ موثقي وأَختِه على الإسلام.
واسمها فاطمة.
قوله: ((سَمِعَتْه)) أي: سَمِعَت ابنَ عبَّاس، وفيه التِفاتُ، لأنَّ السياقَ يقتضى أن يقول:
سمعتني.
قوله: (لقد ذَكَّرْتَني)) أي: شيئاً نَسيتُه، وصَرَّحَ عُقيلٌ في روايته عن ابن شهاب أنَّها آخرُ
صلوات ◌َّهِ ولفظُه: ثمَّ ما صلَّى لنا بعدها حتَّى قَبَضَه الله. أورَدَه المصنِّفُ في ((باب الوفاة))
(٤٤٢٩) وقد تقدَّم في ((باب إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به)) (٦٨٧) من حديث عائشة أنَّ
الصلاة التي صلَّاها النبيُّ وَّهِ بأصحابه في مرض موته كانت الظُّهَ، وأشَرْنا إلى الجمعِ بينه
وبينَ حديث أمِّ الفضلِ هذا بأنَّ الصلاة التي حَكَتْها عائشة كانت في المسجد، والتي حَكَتْها
أمُّ الفضل كانت في بیته کما رواه النَّسائيّ (٩٨٥)، لکن یُعگِّرُ علیه روایة ابن إسحاق عن
ابن شهاب في هذا الحديث بلفظ: خرج إلينا رسولُ الله ◌َِّ وهو عاصبٌ رأسه في مرضه
فصلَّى المغرب، الحديث. أخرجه التِّرمِذيُّ (٣٠٨)، ويُمكِنُ حملُ قولها: خرج إلينا، أي: من
مكانه الذي كان راقداً فيه، إلى مَن في البيت فصلَّى بهم، فتَلتَئِمُ الروايات.
قوله: «يَقْرأُ بها)» هو في موضع الحال، أي: سمعتُه في حال قراءته.
قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكة)) في رواية عبد الرزاق (٢٦٩١) عن ابن جُرَيج: حدَّثني ابن
أبي مُلَيكة، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٨١٢) وغیرُه.
قوله: ((عن عُرْوة)) في رواية الإسماعيليّ من طريق حَجّاج بن محمد عن ابن جُرَيج:
سمعتُ ابن أبي مُلَيكة: أخبرني عُرْوة أنَّ مروانَ أخبره.
قوله: ((قال لي زيد بن ثابت: ما لك تَقْرَأُ)) كان مروان حينئذٍ أميراً على المدينة من
قِبَلِ معاوية.
قوله: ((بقِصَارٍ)) كذا للأكثر بالتنوينِ، وهو عِوَضٌ عن المضاف إليه، وفي رواية ٣٤٧/٢
الكُشْمِيهنيّ: بقِصَار المفصَّل، وكذا للطَّبرانيِّ (٤٨١٢) عن أبي مسلم الكَجِّ، وللبيهقيّ

٣٥٢
باب ٩٨ / ح ٧٦٣ -٧٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
(٢/ ٣٩٢) من طريق الصَّغَانيّ كلاهما، عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه، وكذا في جميعِ
الروايات عند أبي داود والنَّسائيّ وغيرهما (١)، لكن في رواية النَّسائيّ: بقِصار السّوَر، وعند
النَّسائيِّ (٩٨٩) من رواية أبي الأَسودِ، عن عُرْوةَ، عن زيد بن ثابت أنَّه قال لمروانَ: أبا
عبد الملك، أتقرأُ في المغربِ بـ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾؟! وصَرَّحَ
الطَّحاويّ (٢١١/١) من هذا الوجه بالإخبار بين عُرْوة وزيد، فكأنَّ عُرْوة سمعه من
مروانَ عن زید، ثمَّ لَقيَ زیداً فأخبره.
قوله: ((وقد سمعت)) استدلَّ به ابن المنيِر على أنَّ ذلك وقع منه ◌َّ نادراً، قال: لأنَّه لو
لم يكن كذلك لقال: كان يفعلُ، يُشعِرُ بأنَّ عادتَه كانت كذلك. انتهى، وغَفَلَ عمَّا في رواية
البيهقيّ (٣٩٢/٢) من طريق أبي عاصم شيخ البخاري فيه بلفظ: لقد كان رسول الله وَ ل
يقرأُ، ومثلُه في رواية حَجّاج عن ابن جُرَيج عند الإسماعيليّ.
قوله: ((بطُولَى الطُّولَين)) أي: بأطول السورتَينِ الطّويلتَيْنِ، وطُولَى تأنيث أطْول،
والطّولَيَينِ بتحتانيَّينِ تثنية طُولَى، وهذه رواية الأكثر. ووقع في رواية كَرِيمة: بطول، بضمٌ
الطَّاء وسكون الواو، ووَجَهَه الكِرْمانيّ بأنَّه أطلَقَ المصدر وأراد الوَصفَ، أي: كان يقرأُ
بمقدار طول الطّولَيَينِ، وفيه نظرٌ، لأنَّه يَلزَمُ منه أن يكون قرأ بقَدرِ السورتَين، وليس هو
المراد كما سنوضحُه. وحكى الخطَّبيّ أنَّه ضبطه عن بعضهم بكسر الطَّاء وفتح الواو. قال:
وليس بشيء، لأنَّ الطِّوَلَ: الخَبْل، ولا معنى له هنا، انتهى.
ووقع في رواية الإسماعيليّ: بأطول الطّولَيَين، بالتَّذكير، ولم يقع تفسيرُهما في رواية
البخاريّ. ووقع في رواية أبي الأسودِ المذكورة: بأطول الطّولَيَينِ ﴿الَّصّ ﴾ وفي رواية أبي
داود: قال: قلت: وما طُولَى الطُّولَيَينِ؟ قال: الأعرافُ، وبيَّن النَّسائيُّ في روايةٍ له (٩٩٠)
أنَّ التفسيرَ من قول عُرْوةَ، ولفظُه: قال: قلت: يا أبا عبد الله، وهي كُنية عُرْوة، وفي رواية
(١) أخرجه أحمد (٢١٦٤١) و(٢١٦٤٦)، وأبو داود (٨١٢)، والنسائي (٩٩٠)، وابن خزيمة (٥١٦)،
والطبراني (٤٨١١) و(٤٨١٢)، والبيهقي ٣٩٢/٢، ورواية أحمد الأولى مثل رواية النسائي: بقصار
السور.

٣٥٣
باب ٩٩ / ح ٧٦٥
أبواب صفة الصلاة
البيهقيّ: قال: فقلتُ لعُرْوة، وفي رواية الإسماعيليّ: قال ابن أبي مُلَيكةً: وما طولى
الطُّولَيَين؟
زاد أبو داود: قال - يعني ابن جُرَيج -: وسألت أنا ابنَ أبي مُلَيكة، فقال لي من قِبَلِ
نفسِه: المائدةُ والأعرافُ. كذا رواه عن الحسن بن عليّ عن عبد الرزاق (٨١٢). وللجَوزَقِيّ
من طريق عبد الرحمن بن بشر عن عبد الرزاق مثلُه، لكن قال: الأنعام، بدلَ: المائدة، وكذا
في رواية حَجّاج بن محمد والصَّغَانيّ المذكورتين، وعند أبي مسلم الكجِّيِّ عن أبي عاصم
بدلَ الأنعام: يونس، أخرجه الطَّبرانيّ (٤٨١٢) وأبو نُعيم في (المستخرَج))، فحَصَلَ الاتِّفاقُ
على تفسير الطُّولى بالأعراف، وفي تفسيرِ الأُخرى ثلاثة أقوال، المحفوظ منها الأنعام.
قال ابن بَطَّل: البقرةُ أطولُ السَّبع الطِّوال، فلو أرادها لقال طُولَى الطِّوال، فلمَّا لم
يُرِدها دلَّ على أنَّه أراد الأعراف، لأنَّها أطولُ السّوَرِ بعد البقرة.
وتُعُقِّبَ بأنَّ النِّساءَ أطولُ من الأعراف، وليس هذا التعقُّبُ بمَرضيٍّ، لأنَّه اعتَبَرَ عَدَدَ
الآيات، وعَدَدُ آيات الأعراف أكثرُ من عَدَدِ آيات النِّساء وغيرِها من السَّبعِ بعد البقرة،
والمتعَقِّب اعتَبَرَ عَدَدَ الكلمات، لأنَّ عَدَدَ كَلِماتِ النِّساء تزيدُ على كَلِمات الأعراف بمِثَنَّي
كلمةٍ.
وقال ابن المنيِر: تسميةُ الأعراف والأنعام بالطّولَيَينِ إنَّما هو لعُرفٍ فيهما لا أنَّهما أطولُ
من غيرهما، والله أعلم.
واستدلَّ بهذين الحديثينِ على امتداد وقت المغرب، وعلى استحباب القراءة فيها بغير
قِصار المفصَّل، وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي بعده.
٩٩ - باب الجهر في المغرب
٧٦٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن محمَّدٍ بنِ جُبَيِ
ابنِ مُطْعِمٍ، عن أبيه قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّه قرأ في المغربِ بالطّورِ.
[أطرافه في: ٣٠٥، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤]

٣٥٤
باب ٩٩ / ح ٧٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٤٨/٢ قوله: ((باب الجهر في المغرب)) اعتَرَضَ الزَّينُ بن المنيِر على هذه الترجمة والتي بعدها بأنَّ
الجهرَ فيهما لا خلافَ فيه، وهو عَجيبٌ، لأنَّ الكتابَ مَوضوعٌ لبيان الأحكام من حيثُ
هي، وليس هو مقصوراً على الخلافيّات.
قوله: (عن محمَّد بن جُبَير)) في رواية ابن خُزيمة (٥١٤) من طريق سفيان عن الزُّهريِّ:
حدَّثني محمد بن جُبِیر.
قوله: ((قرأ في المغربِ بالطُّور)) في رواية ابن عساكر: يقرأُ. وكذا هو في ((الموطَّ))(١)، وعند
مسلم (٤٦٣). زاد المصنِّفُ في الجهاد (٣٠٥٠) من طريق مَعْمَرٍ(٢) عن الزُّهريِّ: وكان جاءَ
في أُسارَى بدر، ولابنِ حِبّان (١٨٣٤) من طريق محمد بن عَمْرو عن الزّهريّ: في فِداء أهلِ
بدر، وزاد الإسماعيليّ من طريق مَعمَر: وهو يومئذٍ مُشرِك، وللمصنِّف في المغازي (٤٠٢٣)
من طريق مَعمَر أيضاً في آخره قال: وذلك أوَّلَ ما وقَرَ الإيمان في قلبي، وللطَّبرانيّ (١٤٩٨)
من رواية أُسامة بن زيد عن الزُّهريِّ نحوُه، وزاد: فأخَذَني من قراءتِهِ الكَرْبُ. ولسعيد بن
منصور عن هُشَيمٍ، عن الزّهريِّ: فكأَنَّمَا صُدِعَ قلبي حين سمعت القرآن.
واستدلَّ به على صِحَّة أداء ما تَحمَّلَه الراوي في حال الكفر، وكذا الفِسق إذا أدّاه في
حال العَدالة. وستأتي الإشارة إلى زوائدَ أُخرى فيه لبعض الرُّواة.
قوله: ((بالطُّور)) أي: بسورة الطّور، وقال ابنُ الجَوْزيّ: يحتمل أن تكون الباءُ بمعنى
((من)) كقوله تعالى: ﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الَهِ﴾ [الإنسان: ٦] وسنذكر ما فيه قريباً.
قال التِّرمِذيُّ: ذُكِرَ عن مالكِ أنَّه كَرِهَ أن يُقرأ في المغربِ بالسّوَرِ الطِّوال نحوِ الطّور
والمرسَلات. وقال الشافعيُّ: لا أكرَه ذلك بل أستَحِبُّه.
وكذا نَقَلَه البَغَويُّ في ((شرح السُّنَّة)) عن الشافعي. والمعروفُ عند الشافعيَّة: أنَّه لا
(١) برواية أبي مصعب الزهري (٢١٦)، وراية محمد بن الحسن (٢٤٧)، وأما في رواية يحيى الليثي ٧٨/١
فقال: قرأ.
(٢) تحرف في (س) إلى: محمد بن عمرو!

٣٥٥
باب ٩٩ / ح ٧٦٥
أبواب صفة الصلاة
كراهيةً في ذلك ولا استحبابَ.
وأمَّا مالكٌ فاعتمد العملَ بالمدينة بل وبغيرها.
قال ابنُ دَقِيق العيد: استَمَرَّ العملُ على تطويل القراءة في الصُّبح وتقصيرِها في
المغرب، والحَقُّ عندنا أنَّ ما صَحَّ عن النبيِّينَّ في ذلك وثبتت مواظَبتُه عليه فهو
مُستحَبٌّ، وما لم تَتْبُت مواظَبتُه عليه فلا كراهةً فيه.
قلت: الأحاديثُ التي ذكرها البخاريُّ في القراءة هنا ثلاثةٌ مختلفةُ المقاديرِ لأنَّ الأعرافَ
من السَّبعِ الطّوال، والطَّورَ من طِوَال المفضَّل، والمرسَلات من أوساطه. وفي ابن حِبَّان
(١٨٣٥) من حديث ابن عمرَ أنَّه قرأ بهم في المغربِ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ
اَللَّهِ﴾، ولم أرَ حديثاً مرفوعاً فيه التَّنصيصُ على القراءة فيها بشيءٍ من قِصار المفصَّلِ إلَّا
حديثاً في ابن ماجَهْ (٨٣٣) عن ابن عمرَ نصَّ فيه على ((الكافرون)) و((الإخلاص))، ومثلُه
لابنِ حِبّان (١٨٤١) عن جابر بن سَمُرً.
فأمَّا حديثُ ابن عمرَ فظاهرُ إسناده الصحَّةُ إلَّا أنَّه معلولٌ. قال الدَّارَقُطنيُّ: أخطأ فيه
بعضُ رواته فيه. وأمَّا حديثُ جابٍ بن سَمُرَةَ ففيه سعيد بن سِماكٍ وهو متروكٌ، والمحفوظُ
أنَّه قرأ بهما في الرَّكعتين بعد المغربِ.
واعتمد بعضُ أصحابنا وغيرُهم حديثَ سليمان بن يسارٍ عن أبي هريرة أنَّه قال: ما
رأيت أحداً أشبه صلاةً برسول الله وَّامٍ من فلان، قال سليمانُ: فكان يقرأُ في الصبحِ بطِوال
المفصَّلِ وفي المغربِ بقِصَار المفصَّل ... الحديثَ، أخرجه النَّسائيُّ وصحَّحه ابنُ خُزيمة
وغيرُه(١). وهذا يُشعِرُ بالمواظَبة على ذلك، لكن في الاستدلال به نظرٌ، يأتي مثلُه في ((باب
جَهر الإمام بالتأمين» بعد ثلاثةَ عَشَرَ باباً (٧٨٠).
نَعَم حديثُ رافع الذي تقدَّم في المواقيتِ (٥٥٩) أَّهم كانوا يَنتَضِلون بعد صلاة
(١) أخرجه أحمد (٧٩٩١)، والنسائي (٩٨٢)، وابن خزيمة (٥٢٠)، وابن حبان (١٨٣٧)، وإسناده قوي،
وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)).

٣٥٦
باب ٩٩ / ح ٧٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
المغربِ يدلُّ على تخفيفِ القراءة فيها.
وطريقُ الجمع بين هذه الأحاديث أنَّه ◌َ ﴿ كان أحياناً يُطيلُ القراءةَ في المغربِ إمَّا لبيان
الجواز، وإمَّ لعِلمه بعدم المشقّة على المأمومين، وليس في حديث جُبَيِرِ بن مُطعِمٍ دليلٌ على
أنَّ ذلك تكرَّرَ منه، وأمَّا حديثُ زيدٍ بن ثابتٍ(١) ففيه إشعارٌ بذلك لكَونِهِ أنكَرَ على مروانَ
المواظَّةَ على القراءة بقِصار المفصَّل، ولو كان مروانُ يعلمُ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ واظَبَ على ذلك
لاحتَجَّ به على زيد، لكن لم يُرِد زيدٌ منه فيما يظهرُ المواظَبةَ على القراءة بالطّوال، وإنَّما أراد
منه أن يَتَعاهَدَ ذلك کما رآه من النبيِّ ◌َلآ.
وفي حديث أمّ الفضلِ(١) إشعارٌ بأنَّه وَِّ كان يقرأُ في الصحّة بأطولَ من المرسَلات
٢٤٩/٢ لكَونِه كان في / حال شِدَّة مرضه وهو مَظِنَّةُ التخفيف، وهو يَرُدُّ على أبي داود ادِّعاءَ نَسخِ
التطويل لأنَّه روى (٨١٣) عَقِبَ حديث زيد بن ثابتٍ من طريق عُرْوةَ: أَنَّه كان يقرأُ في
المغربِ بالقِصار. قال: وهذا يدلُّ على نَسخِ حديث زيد، ولم يُبيِّن وجهَ الدلالة، وكأنَّه لمَّا
رأى عُرْوةَ راويَ الخبرِ عَمِلَ بخلافه حمله على أنَّه اطَّلَعَ على ناسخِه، ولا يخفى بُعدُ هذا
الحَمْل، وكيف تَصِحُّ دعوى النَّسخِ وأمُّ الفضلِ تقول: إنَّ آخرَ صلاةٍ صلَّاها بهم قرأ
بالمرسلات.
قال ابنُ خُزيمة في ((صحيحه)): هذا من الاختلاف المباح، فجائزٌ للمصلِّي أن يقرأ في
المغربِ وفي الصَّلَوات كلِّها بما أحَبَّ، إلّا أنَّه إذا كان إماماً استُحِبَّ له أن يُحُفِّفَ في القراءة
كما تقدَّم، انتھی.
وهذا أولى من قول القُرطبيّ: ما وَرَدَ في مسلمٍ وغيره من تطويل القراءة فيما استقرَّ
عليه التقصيرُ، أو عكسُه، فهو متروكٌ. وادَّعَى الطَّحاويُّ أنَّه لا دلالةَ في شيءٍ من
الأحاديث الثلاثة على تطويل القراءة، لاحتمال أن يكون المرادُ أنَّه قرأ بعضَ السورة. ثمّ
استدلَّ لذلك بما رواه (٢١٢/١) من طريق هُشَيمٍ عن الزّهريِّ في حديث جُبَيرٍ بلفظ:
(١) في الباب السابق.

٣٥٧
باب ٩٩ / ح ٧٦٥
أبواب صفة الصلاة
فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ﴾ [الطور: ٧] قال: فأخبر أنَّ الذي سمعه من هذه
السورة هي هذه الآيةُ خاصَّةً. انتهى، وليس في السياق ما يقتضي قوله: ((خاصَّةً)) مع كون
رواية هُشَيمٍ عن الزُّهريِّ بخصوصِها مُضَعَّفةً، بل جاءَ في روايات أُخرى ما يدلُّ على أنَّه
قرأ السورةَ كلَّها، فعند البخاريِّ في التفسيرِ (٤٨٥٤): سمعته يقرأُ في المغربِ بالطّور، فلمَّا
بلَغَ هذه الآيَةَ ﴿أَمّ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] الآيات إلى قولِه:
﴿اَلْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] كاد قلبي يَطيرُ، ونحوُه لقاسمٍ بن أصبَغ، وفي رواية أُسامةً
ومحمدِ بن عَمرِو المتقدِّمتَينِ: سمعته يقرأُ ﴿وَالْطُورِ وَكَتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١-٢]، ومثلُه
لابنِ سعد، وزاد في أُخرى: فاستَمَعت قراءتَه حتَّى خَرَجت من المسجد (١).
ثمَّ اذَّعَى الطَّحاويُّ أنَّ الاحتمالَ المذكور يأتي في حديث زيدٍ بن ثابت، وكذا أبداه
الخطَّبيُّ احتمالاً، وفيه نظرٌّ، لأنَّه لو كان قرأ بشيءٍ منها يكونُ قَدْرَ سورةٍ من قِصار
المفصَّلِ لمَا كان لإنكار زيدٍ معنّى. وقد روى حديثَ زيدِ هشامُ بن عُرْوةَ عن أبيه عنه
أنَّه قال لمروانَ: إِنَّك لتُخِفُّ القراءةَ في الرَّكعتين من المغربِ، فوالله لقد كان رسولُ الله
وَلَه يقرأُ فيهما بسورة الأعراف في الرَّكعتين جميعاً. أخرجه ابنُ خُزيمة (٥١٨). واختُلِفَ
على هشام في صحابيِّه، والمحفوظُ عن عُرْوةَ أنَّه زيد بن ثابتٍ(٢)، وقال أكثرُ الرُّواة عن
هشام: عن زيد بن ثابتٍ أو أبي أيوبَ(٣)، وقيل: عن عائشةَ، أخرجه النَّسائيُّ (٩٩١)
مُقْتَصِراً على المتنِ دون القصّة.
واستدلَّ به الخطَّبيُّ وغيرُه على امتداد وقت المغربِ إلى غُروبِ الشَّفَق، وفيه نظرٌ، لأنَّ
مَن قال: إنَّ لها وقتاً واحداً، لم يَحْدَّه بقراءةٍ مُعيَّنَةٍ، بل قالوا: لا يجوزُ تأخيرُها عن أوَّلِ
غُرُوبِ الشمس، وله أن يَمُدَّ القراءةَ فيها ولو غابَ الشَّفَقُ. واستَشكَل المحِبُّ الطَّبَرِيُّ
إطلاقَ هذا، وحمله الخطَّبيُّ قبلَه على أنَّه يُوقِعُ رَكعةً في أوَّل الوقت ويُديمُ الباقيَ ولو غابَ
(١) وهي عند الطبراني (١٥٨٥) أيضاً.
(٢) كما سلف عند المصنف في الحديث الذي قبله.
(٣) كما هو عند أحمد (٢١٦٠٩) و(٢٣٥٤٤)، وابن خزيمة (٥١٨) و(٥١٩) و(٥٤٠).

٣٥٨
باب ١٠٠ / ح ٧٦٦ -٧٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
الشَّفَقُ، ولا يخفى ما فيه، لأنَّ تعمُّدَ إخراج بعض الصلاة عن الوقت ممنوعٌ ولو أجزَأَت،
فلا يُحمَلُ ما ثَبَتَ عن النبيِّ وَّ على ذلك.
واختُلِفَ في المراد بالمفصَّلِ، مع الاتِّفاق على أنَّ مُنتَهاه آخرُ القرآن، هل هو من أوَّل
الصافّات أو الجاثية أو القتال(١) أو الفتح أو الحُجُرات أو (قَ)) أو الصفِّ أو تَبَارَكَ أو سَبِّح
أو الضُّحَى، إلى آخر القرآن، أقوالٌ أكثرُها مُستَغرَبٌ اقتصر في ((شرح المهذَّب)» على أربعةٍ
من الأوائلِ سوى الأوَّلِ والرَّابع، وحكى الأوَّلَ والسابعَ والثامنَ ابنُ أبي الصَّيفِ اليَمَنيُّ،
وحكى الرَّابعَ والثامنَ الدِّزْماريُّ في ((شرح التَّنبيه))، وحكى التاسعَ المرزوقيُّ في ((شرحه)»،
وحكى الخطَّبيُّ والماوَردِيُّ العاشرَ، والرّاجحُ الْحُجُراتُ(٣) ذكره النَّوَويُّ.
٢٥٠/٢ ونقل المحِبُّ الطََّرُّ قولاً شاذاً أنَّ المفصَّلَ جميعُ القرآن، وأمَّا ما أخرجه الطَّحاويُّ
(١/ ٢١٥) من طريق زُرارةَ بن أولَى قال: أقرأني أبو موسى كتابَ عمرَ إليه: اقرأ في المغربِ
آخرَ المفصَّلِ، وآخرُ المفصَّلِ من ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ إلى آخر القرآن، فليس تفسيراً للمُفَصَّلِ بل
لآخره، فدلَّ على أنَّ أوَّلَه قبلَ ذلك.
١٠٠ - باب الجهر في العشاء
٧٦٦- حدّثنا أبو النُّعْمان، قال: حدَّثْنا مُعْتَمِرٌ، عن أبيه، عن بكرٍ، عن أبي رافعٍ، قال:
صلَّيتُ مع أبي هريرةَ العَتَمَةَ فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فسَجَدَ، فقلتُ له! قال:
سَجَدْتُ خلفَ أبي القاسمِّ فلا أزالُ أسجُدُ بها حتَّى ألقاه.
[أطرافه في: ٧٦٨، ١٠٧٤، ١٠٧٨]
٧٦٧- حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَديٍّ، قال: سمعتُ البَرَاءَ: أنَّ النبيَّ وَّ
كان في سفرٍ، فقرأ في العِشاءِ في إحدى الرَّكْعتَينِ بـ((التِّينِ والزَّيْتُونِ)).
[أطرافه في: ٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦]
(١) هي سورة محمد.
(٢) كذا قال هنا، مع أنه صحَّح عند شرح الحديث الآتي برقم (٧٧٥) أن المفصَّل من ((قّ))!

٣٥٩
باب ١٠٠ / ح ٧٦٦ -٧٦٧
أبواب صفة الصلاة
قوله: ((بابُ الجهر في العِشاء)» قدَّمَ ترجمةَ الجهر على ترجمة القراءة عكسَ ما صَنَعَ في
المغربِ ثمَّ الصبح، والذي في المغربِ أَولى! ولعلَّه من النُّسّاخِ.
قوله: ((حدَّثْنا مُعْتَمِرٌ)) هو ابنُ سليمان التَّيميُّ، وبكرٌ: هو ابنُ عبدِ الله المُزَنُّ، وأبو
رافعٍ: هو الصائغُ، وهو ومَن قبلَه من رجال الإسناد بصريُّون، وهو من كبار التابعين،
وبَكرٌ من أوساطهم، وسلیمانُ من صِغارهم.
قوله: ((فقلتُ له)) أي: في شأنِ السَّجدة، يعني سألته عن حُكمِها، وفي الرواية التي
بعدها (٧٦٨): فقلت: ما هذه؟
قوله: ((سَجَدْت)) زاد غيرُ أبي ذرِّ ((بها)) أي: بالسجدة، أو الباءُ للظَّرفِ، أي: فيها، يعني
السورة، وفي الرواية الآتية لغير الكُشْمِيهنئِّ: ((سَجَدت فيها)).
قوله: ((خلفَ أبي القاسمِوَّ)) أي: في الصلاة، وبه يَتِمُّ استدلالُ المصنّف لهذه الترجمة
والتي بعدها، ونُوزِعَ في ذلك، لأنَّ سجودَه في السورة أعمُّ من أن يكون داخلَ الصلاة أو
خارجَها، فلا ينهضُ الدليلُ.
وقال ابن المنيِر: لا حُجَّةَ فيه على مالكِ حيثُ كَرِهَ السجدةَ في الفريضة، يعني في
المشهور عنه، لأنَّه ليس مرفوعاً. وغَفَلَ عن رواية أبي الأشعَثِ عن مُعتمِرٍ بهذا الإسناد،
بلفظ: صلَّيت خلفَ أبي القاسمِ فسَجَدَ بها. أخرجه ابنُ خُزيمة (٥٦١)، وكذلك أخرجه
الجَوزَقيُّ من طريق يزيد بن هارون، عن سليمان التَّيْميِّ بلفظ: صلَّيت مع أبي القاسمِ
فسَجَدَ فيها(١).
قوله: ((حتَّى ألْقاه)) كِنايةٌ عن الموت، وسيأتي الكلامُ على بقيَّة فوائده في أبواب سجودٍ
التِّلاوة (١٠٧٤ و١٠٧٨) إن شاء الله تعالى.
قوله: «عن عَديٍّ)) هو ابنُ ثابتٍ، کما في الرواية الآتية بعد بابٍ.
قوله: ((في سفرٍ)) زاد الإسماعيليُّ: فصلّى العشاء ركعتين.
(١) وأخرجه من طريق يزيد بن هارون كذلك ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٧١/٥، وأبو عوانة (١٩٥٣).

٣٦٠
باب ١٠١ - ١٠٣ / ح ٧٦٨ - ٧٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((في إحدى الرَّكْعتَين)) في رواية النَّسائيِّ (١٠٠١): في الرَّكعة الأولى.
قوله: ((بالتِّين)) أي: بسورة التّين، وفي الرواية الآتية (٧٦٩): ((والتّين)) على الحكاية،
وإنَّما قرأ في العشاء بقِصار المفصَّلِ لكَونِه كان مسافراً، والسفرُ يُطلَبُ فيه التخفيفُ،
وحديثُ أبي هريرة محمولٌ على الحضرِ، فلذلك قرأ فيها بأوساط المفصَّل.
١٠١ - باب القراءة في العشاء بالسجدة
٢٥١/٢ ٧٦٨- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثني التَّيْميُّ، عن بكرٍ، عن أبي
رافعٍ قال: صلَّيتُ مع أبي هريرةَ العَتَمَةَ فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾ فسَجَد، فقلت: ما هذه؟
قال: سَجَدْتُ فيها خلفَ أبي القاسمِوَ ◌ّه فلا أزالُ أسجُدُ بها حتَّى أَلْقاه.
قوله: ((بابُ القراءَةِ في العِشاءِ بالسجدة)) تقدَّم ما فيه قبلُ (٧٦٦)، والقولُ في إسناده
کالذي قبله.
(الَّيْمِيُّ)) هو سليمانُ بن طَرْخانَ والد المعتمِرِ.
١٠٢ - باب القراءة في العشاء
٧٦٩- حدَّثْنَا خَلَّادُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا مِسْعَرٌ، قال: حدَّثْنَا عَديُّ بنُ ثابتٍ، سَمِعَ البَرَاءَ
قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يَقْرَأُ: ﴿ وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ في العِشاءِ، وما سمعتُ أحداً أحسَنَ صوتاً
منه أو قِراءةً.
قوله: ((بابُ القراءَةِ في العِشاء)) تقدَّم أيضاً (٧٦٧).
قولُه فيه: ((وما سمعت أحداً أحسَنَ صوتاً منه)) يأتي الكلامُ عليه في أواخرٍ كتاب
التوحيد (٧٦٤٦) إن شاء الله تعالى.
١٠٣ - باب يطوّل في الأُولیین ويحذف في الأُخریین
٧٧٠- حدَّثنا سليمانُ بنُّ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي عَوْنٍ، قال: سمعتُ جابَرَ بنَ
سَمُرةَ قال: قال عمرُ لسعدٍ: لقد شَكَوْكَ في كلِّ شيءٍ حتَّى الصلاةِ، قال: أمّا أنا فَأَمُدُّ في