Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ باب ٣٠ / ح ٦٤٥ أبواب الجماعة والإمامة فهذه خمس وعشرون خَصْلةً وَرَدَ في كلّ منها أمرٌ أو تَرغيب يَخُصُّه، وبَقيَ منها أمران ١٣٤/٢ يختصّان بالجهريَّة: وهما الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها، والتأمين عند تأمينه ليوافقَ تأمينَ الملائكة، وبهذا يَتَرجَّحُ أنَّ السَّبع تَخْتَصّ بالجهريَّة، والله تعالى أعلم بالصواب. تنبيهات: الأوَّل: مُقتَضى الخِصال التي ذَكَرتُها اختصاصُ التَّضعيف بالتَّجمُّع في المسجد، وهو الرَّاجح في نَظَري كما سيأتي البحث فيه. وعلى تقدير أن لا يختصَّ بالمسجد فإنَّما يَسقُطُ مما ذَكَرتُه ثلاثةُ أشياء: وهي المشي والدُّخول والتَّحيَّة، فيُمكِنُ أن تُعَوَّضَ من بعض ما ذُكِرَ ممّاً يَشْتَمِل على خَصلتَينِ مُتقاربتَينِ أُقيمَتَا مَقامَ خَصلة واحدة كالأخيرَتَينِ، لأنَّ مَنفَعة الاجتماع على الدُّعاء والذِّكر غير مَنفَعة عَود بَرَكة الكامل على الناقص، وكذا فائدة قيام نِظام الأُلفة غيرُ فائدة حصول التَّعاهُد، وكذا فائدة أمنِ المأمومينَ من السَّهو غالباً غيرُ تنبيه الإمام إذا سَها. فهذه ثلاثة يُمكِن أن يُعَوَّضَ بها الثلاثةُ المذكورة، فيَحصُلُ المطلوب. الثاني: لا يَرِدُ على الخِصال التي ذَكَرتها كَونُ بعض الخِصال يختصّ ببعض مَن صلَّى جماعةً دون بعضٍ كالتَّبكيرِ في أوَّل الوقت، وانتظار الجماعة، وانتظار إحرام الإمام ونحوِ ذلك، لأنَّ أجرَ ذلك يَحصُلُ لقاصدِه بمُجرَّدِ النَّة ولو لم يقع، كما في مَن سُبِقَ(١)، والله أعلم. الثالث: معنى الدَّرَجة أو الجزء حصول مقدار صلاة المنفرد بالعددِ المذكور للمُجمع، وقد أشارَ ابن دَقِيق العيد إلى أنَّ بعضهم زَعَمَ خلاف ذلك، قال: والأوَّل أظهَرُ، لأنَّه قد وَرَدَ مُبَيَّناً في بعض الروايات. انتهى، وكأنَّه يشير إلى ما عند مسلم (٦١٩/ ٢٤٧) في بعض طرقه بلفظ: ((صلاة الجماعة تَعدِل خمساً وعشرين من صلاة الفَذّ))، وفي روايةٍ أُخرى (٦٤٩ /٢٤٨): ((صلاةٌ مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يُصلّيها وحدَه))، ولأحمد (٤١٥٩) من حديث ابن مسعود بإسنادٍ رجاله ثقات نحوُه، وقال في آخره: «كلُّها مثلُ (١) في (ع) و(س): كما سَبَقَ. ١٢٢ باب ٣٠ / ح ٦٤٦ فتح الباري بشرح البخاري صلاته))، وهو مُقتَضى لفظ رواية أبي هريرة الآتية حيثُ قال: ((تُضعَّفُ)) لأنَّ الضِّعفَ - كما قال الأزهريُّ - المثلُ إلى ما زاد ليس بمقصورٍ على المثلَينِ، تقول: هذا ضِعفُ الشيء، أي: مثلُه أو مثلاه فصاعداً، لكن لا يُزاد على العَشَرة. وظاهرُ قوله: «تُضعَّفُ)) وكذا قوله في روايتَي ابن عمر وأبي سعيد: ((تفضُل)) أي: تزيد، وقوله في رواية أبي هريرة السابقة (٤٧٧) في ((باب مساجد السّوق)): يريدُ أنَّ صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرِد وتزيدُ عليها العدد المذكور، فيكون لمصلِّي الجماعة ثوابُ سِتِّ أو ثمانٍ وعشرين من صلاة المنفرد. ٦٤٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا الليثُ، حدَّثني ابنُ الهادِ، عن عبدِ الله بنِ خبَّابٍ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ: أنَّه سَمِعَ النبيَّ نَّهِ يقول: ((صلاةُ الجماعةِ تَفضُلُ صلاةَ الفَذِّ بخمسٍ وعشرينَ درجةً)). قوله: ((عن عبد الله بن خبَّبٍ)) بِمُعجَمةٍ وموخَّدَتَينِ الأولى مُثَقَّلةٌ، وهو أنصاريٌّ مدنيٌّ، ويوافقه في اسمه واسم أبيه: عبد الله بن خبّاب بن الأرَتّ، لكن ليست له في ((الصحيحين)) روایة. قوله: ((بخمسٍ وعشرينَ) في رواية الأَصِيلِيِّ: ((خمساً وعشرين)) زاد ابن حِبَّان (١٧٤٩) وأبو داود (٥٦٠) من وجه آخرَ عن أبي سعيد: «فإن صلَّاها في فلاة فأتمَّ رُكوعَها وسجودَها بلَغَت خمسينَ صلاةً))، وكأنَّ السرَّ في ذلك أنَّ الجماعة لا تتأكَّدُ في حقِّ المسافرين لوجودِ المشقّة، بل حكى النَّوَويّ أنَّه لا يَجري فيه الخلافُ في وجوبها، لكن فيه نظرٌّ، فإنَّه ١٣٥/٢ خلافُ نصِّ الشافعي، وحكى أبو داود عن عبد الواحد قال: / في هذا الحديث أنَّ صلاة الرجل في الفَلاة تَضاعَفُ على صلاته في الجماعة. انتهى، وكأنَّه أخَذَه من إطلاق قوله: ((فإن صلَّاها)) لتَناوُلِه الجماعة والانفراد، لكن حمله على الجماعة أولى، وهو الذي يظهر من السياق. ويَلزَم على ما قال النَّوَويّ أنَّ ثواب المندوب يزيد على ثواب الواجب عند مَن يقول بوجوب الجماعة، وقد استَشكَله القَرَافيُّ على أصل الحديث بناءً على القول بأنَّهَا سُنَّةٌ، ثمَّ ١٢٣ باب ٣٠ / ح ٦٤٧ أبواب الجماعة والإمامة أو رَدَ عليه أنَّ الثَّواب المذكور مُرتَّب على صلاة الفرض وصفتِه من صلاة الجماعة، فلا يَلَزَم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب. وأجاب بأنَّه تُفرَض المسألة فيمن صلَّى وحدَه ثمَّ أعاد في جماعة، فإنَّ ثواب الفرض يَحصُلُ له بصلاته وحدَه، والتَّضعيف يَحَصُلُ بصلاته في الجماعة، فبقيَ الإشكال على حاله، وفيه نظرٌ، لأنَّ التَّضعيف لم يَحصُل بسبب الإعادة، وإنَّما حَصَلَ بسبب الجماعة، إذ لو أعاد مُنفرِداً لم يَحصُل له إلَّا صلاة واحدةٌ، فلا يَلزَم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب. ومَّا رُوِيَ من الزّيادة على العددِ المذكور ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٨١) من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس موقوفاً عليه قال: فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ(١) خمس وعشرون درجةً، قال: فإن كانوا أكثر (٢) فعلى عَدَد مَن في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عَشَرَةَ آلافٍ؟ قال: نَعَم. وهذا له حكمُ الرَّفع لأنَّه لا يقال بالرَّأي، لكنَّه غيرُ ثابتٍ. تنبيه: سَقَطَ حديث أبي سعيد من هذا الباب في رواية كَرِيمة وثَبَتَ للباقين، وأورَدَه الإسماعيليّ قبلَ حديث ابن(٣) عمر. ٦٤٧ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ أبا صالح يقول: سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسولُ الله ◌َّ: ((صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تُضعَّفُ على صلاته في بيتِه وفي سُوقِه ◌َمْسةً وعشرينَ ضِعْفاً، وذلك أنَّه إذا تَوضَّأ فأحسَنَ الوضوء، ثمَّ خرج إلى المسجدِ لا يُخْرِجُه إلَّ الصلاةُ، لم يَخْطُ خُطْوةَ إلَّا رُفِعَتْ له بها درجةٌ وحُطَّ عنه بها خَطِيئَةٌ، فإذا صَلَّى لم تَزَلِ الملائكةُ تُصلِّي عليه ما دامَ في مُصَلَّاه: اللهمَّ صَلِّ عليه، اللهمَّ ارحَمْه، ولا يَزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما انتَظَرَ الصلاةَ)). (١) كذا في (ع)، وفي (س): المنفرد، وهذه الفقرة بِرُمّتها لم تَرِد في (أ). والذي في ((المصنف)»: على صلاة الوحدة. وفيه زيادة: نعم، وإن كانوا أربعين ألفاً. (٢) أُقْحِم بعد هذا في (س): من ذلك. (٣) لفظة ((ابن)) سقطت من (س). ١٢٤ باب ٣٠ / ح ٦٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله في حديث أبي هريرةَ: («صلاة الرجل في الجماعة)) في رواية الحَقُّوِيِّ والكُشْمِيهنيّ: ((في جماعة)) بالتَّكير. قوله: ((خمسةً وعشرينَ ضِعْفاً)) كذا في الروايات التي وقفْنا عليها، وحكى الكِرْمانيُّ وغيرُه أنَّ فيها: خمساً وعشرين، ووُجِّهَ(١) بتأويل الضِّعف بالدَّرَجة أو الصلاة. قوله: ((في بيته وفي سُوقه)) مُقتَضاه أنَّ الصلاة في المسجد جماعة تزيدُ على الصلاة في البيت وفي السّوق جماعة وفُرادى، قاله ابن دَقِيق العيد، قال: والذي يظهر لي أنَّ المرادَ بِمُقابل الجماعة في المسجد الصلاةُ في غيره مُنفرداً، لكنَّه خرج مَخَرَج الغالب في أنَّ مَن لم يَحَضُر الجماعة في المسجد صلَّى مُنفرداً، قال: وبهذا يرتفع الإشكال عَمَّن استَشكَل تسوية الصلاة في البیت والسّوق، انتھی. ولا يَلزَم من حمل الحديث على ظاهره التَّسويةُ المذكورة، إذ لا يَلزَم من استوائهما في المَفضوليَّة عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضلَ من الآخر، وكذا لا يَلزَم منه أنَّ كَونَ الصلاة جماعةً في البيت أو السّوق لا فضلَ فيها على الصلاة مُنفرِداً، بل الظاهر أنَّ التَّضعيف المذكور مُختصِّ بالجماعة في المسجد، والصلاة في البيت مُطلَقاً أولى منها في السّوق، لما وَرَدَ من كون الأسواق موضع الشَّياطين، والصلاة جماعةً في البيت وفي السّوق أولى من الانفراد. وقد جاءَ عن بعض الصحابة قصرُ التَّضعيف إلى خمس وعشرين على التَّجميع في(٢) المسجد العام مع تقریر الفضل في غیره. وروی سعید بن منصور بإسنادٍ حسن عن أوس المعافريِّ أنَّه قال لعبد الله بن عَمْرو بن العاص: أرأيت مَن تَوضَّأ فأحسنَ الوضوء ثمَّ صلَّى في بيته؟ قال: حسنٌ جميلٌ، قال: فإن صلَّى في مسجد عَشِيرته؟ قال: خمس عشرةَ صلاةً، قال: فإن مشی إلی مسجد جماعة فصلّى فیه؟ قال: خمس وعشرون، انتهى. (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: درجة. (٢) وقع في (س): على التجميع وفي المسجد العامِّ، بإقحام حرف الواو بما يُوهم المغايرة، وهو خطأ. ١٢٥ باب ٣٠ / ح ٦٤٧ أبواب الجماعة والإمامة وأخرج حميدُ بن زَنْجويه في كتاب ((التَّرغيب)) نحوَه من حديث واثلة(١)، وخَصَّ الخمسَ والعشرين(٢) بمسجدِ القَبائل. قال: وصلاته في المسجد الذي يُجمَّعُ فيه - أي الجمعة - بخمسٍ مئةٍ، وسندُه ضعيفٌ. قوله: ((وذلك أنَّه إذا تَوضَّأ)) ظاهر في أنَّ الأُمور المذكورة عِلَّةٌ للتَّضعيفِ(٣) المذكور، إذ التقدير: وذلك لأنَّه. فكأنَّه يقول: التَّضعيف المذكور سببه گیتُ وگیتُ، وإذا کان کذلك فما رُقِّبَ على موضوعات متعدِّدةٍ لا يُوجَد بوجودِ بعضها، إلَّا إذا دلَّ الدليل على إلغاء ما ليس مُعتَبَراً أو ليس مقصوداً لذاته. وهذه الزّيادة التي في حديث أبي هريرة مَعقولة المعنى، فالأخذ بها مُتَوَجِّهٌ،/ والروايات المطلَقةُ لا تُنافيها بل يُحمَلُ مُطلَقُها على هذه المقيَّدة. ١٣٦/٢ والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية ذهب كثير منهم إلى أنَّ الْخَرَج لا يَسقُط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا رُوِيَ عن أحمد في فرضِ العين، ووَجَّهوه بأنَّ أصلَ المشروعيَّة إنَّما كان في جماعة المساجد، وهو وصفٌ مُعتَبَرٌ لا ينبغي إلغاؤه فيختصّ به المسجد، ويَلحَقُّ به ما في معناه ممّا يَحصُلُ به إظهار الشِّعار. قوله: ((لا يُخْرِجُه إلّا الصلاة)) أي: قَصدُ الصلاة في جماعة، واللَّام فيها للعهدِ لما بَيَّنّاه. قوله: ((لم يَخْطُ)) بفتح أوَّله وضمِّ الطَّاء. وقوله: ((خُطْوةً)) ضبطناه بضمٍّ أوَّله ويجوز الفتح، قال الجَوْهريّ: الخُطوةُ بالضمِّ، ما بين القدمين، وبالفتح: المَرَّةُ الواحدةُ. وجَزَمَ اليَعْمَرِيُّ أنَّها هنا بالفتح، وقال القُرطبيّ: إنَّها في روايات مسلم (٦٤٩) بالضم، والله أعلم. قوله: ((فإذا صَلَّى)) قال ابن أبي جَمْرة: أي صلَّى صلاة تامَّةً، لأنَّه وَّ قال للمُسيءِ (١) فات الحافظً أن يعزو الحديث لابن ماجه، وهو فيه برقم (١٤١٣)، لكنه عن أبي الخطاب الدمشقي مولى واثلة، عن رُزَيق أبي عبد الله، عن أنس. فما جاء هنا من أنه من حديث واثلة وهمٌّ. (٢) تحرف في (س) إلى: والعشرون. (٣) في (أ): علة التضعيف. ١٢٦ باب ٣٠ / ح ٦٤٧ فتح الباري بشرح البخاري صلاتَه: ((ارجِع فصَلِّ فإنَّك لم تُصلّ)). قوله: ((في مُصلَّاه)) أي: في المكان الذي أوقَعَ فيه الصلاة من المسجد، وكأنَّه خرج تَخَرَج الغالب، وإلا فلو قامَ إلى بُقعة أُخرى من المسجد مُستَمِرّاً على نيَّة انتظار الصلاة کان کذلك. قوله: ((اللهمَّ ارَمْه)) أي: قائلينَ ذلك، زاد ابن ماجَهْ (٧٩٩): ((اللهمَّ تُب عليه))، وفي الطريق الماضية (٤٧٧) في باب مسجد السّوق: ((اللهمَّ اغفر له))، واستُدلَّ به على أفضليَّة الصلاة على غيرها من الأعمال لما ذُكِرَ من صلاة الملائكة عليه ودُعائهم له بالرحمة والمغفرة والتَّوبة، وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة، لأنَّهم يكونون في تحصيل الدَّرَجات بعبادتِهِم، والملائكةُ مُشتغِلُون بالاستغفار والدُّعاء لهم. واستُدلَّ بأحاديث الباب على أنَّ الجماعة ليست شرطاً لصِحَّة الصلاة، لأنَّ قوله وَله: ((على صلاته وحدَه)) يقتضي صِحَّة صلاته مُنفرداً، لاقتضاء صيغة ((أفعَل)) الاشتراكَ في أصل التَّفاضُل، فإنَّ ذلك يقتضى وجودَ فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يَصِحّ لا فضيلةَ فیه. قال القُرطبيّ وغيرُه: ولا يقال: إنَّ لفظةَ ((أفعَل)) قد تَرِدُ لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتينِ كقوله تعالى: ﴿ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، لأنّا نقول: إنَّما يقع ذلك على قِلَّةٍ حيثُ تَرِدُ صيغة ((أفعَل)) مُطلَقةً غير مُقيَّدة بعَدَدٍ مُعيَّن، فإذا قلنا: هذا العدد أزيَدُ من هذا بكذا، فلا بُدَّ من وجودِ أصل العدد، ولا يقال: يُحُمَلُ المنفرد على المعذور لأنَّ قوله: ((صلاة الفَذّ)) صيغةُ عموم، فيَشمَل مَن صلَّى مُتفرِداً بعُدْرٍ وبغير عُذر، فحَمْلُه على المعذور، يحتاج إلى دليل. وأيضاً ففضل الجماعة حاصل للمعذور لما سيأتي في هذا الكتاب (٢٩٩٢) من حديث أبي موسى مرفوعاً: ((إذا مَرِضَ العبد أو سافَرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحاً مُقيماً)). وأشارَ ابن عبد البَرِّ إلى أنَّ بعضهم حمله على صلاة النافلة، ثمَّ رَدَّه بحديث: ((أفضل ١٢٧ باب ٣٠ / ح ٦٤٧ أبواب الجماعة والإمامة صلاة المَرء في بيته إلَّا المكتوبة)). واستُدلَّ بها على تساوي الجماعات في الفضل سواء كَثُرَت الجماعة أم قَلَّت، لأنَّ الحديث دلَّ على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة فتَدخُلُ فيه كلّ جماعة، كذا قال بعض المالكيَّة، وقوّاه بما روى ابن أبي شَيْبة (٢/ ٥٣١) بإسنادٍ صحيح عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: إذا صلَّى الرجل مع الرجل فهما جماعة، لهما (١) التَّضعيف خمساً وعشرين. انتهى، وهو مُسلَّمٌ في أصل الحصول، لكنَّه لا ينفي مزيدَ الفضلِ لما كان أكثر، لا سيَّما مع وجودِ النصّ المصرِّح به، وهو ما رواه أحمد وأصحاب ((السُّنَن)) وصحَّحه ابن خُزيمة وغيرُه من حديث أُبيِّ بن كعب مرفوعاً: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحدَه، وصلاته مع الرجلَينِ أزكَى من صلاته مع الرجل، وما كَثُرَ فهو أحَبُّ إلى الله))(٢)، وله شاهد قويٌّ في الطَّبرانيِّ(٣) (١٩/ ٧٣ و٧٤) من حديث قَباثَ بنِ أشيَمَ، وهو بفتح القاف والموخَّدة وبعد الألف مثلَّةٌ، وأبوه بالمعجَمة بعدها تحتانيَّة بوزن أحمر. ويَترتَب على الخلاف المذكور: أنَّ مَن قال بالتَّقاوُتِ اسْتَحَبَّ إعادة الجماعة مُطلَقاً لتحصيل الأكثريَّة، ولم يَستَحِبَّ ذلك الآخرون، ومنهم مَن فضَّلَ فقال: تُعاد مع الأعلمِ أو الأورَعِ أو في البُقعة الفاضلة، ووافَقَ مالك على الأخير، لكن قَصَرَه على المساجد الثلاثة،/ والمشهور عنه بالمسجدینِ المكّيّ والمدنيّ. ١٣٧/٢ وكما أنَّ الجماعة تَتَفاوَت في الفضل بالقِلَّة والكثرة وغير ذلك ممَّا ذُكِرَ، كذلك يفوقُ بعضها بعضاً، ولذلك عَقَّبَ المصنّف الترجمة المطلَقة في فضل الجماعة بالترجمة المقيَّدة بصلاة الفجر، واستدلَّ بها على أنَّ أقلَّ الجماعة إمامٌ ومامومٌ، وسيأتي الكلام عليه في باب مُفرَد قريباً (٣٥) إن شاء الله تعالى. (١) تحرف في (س) إلى: لهم. (٢) أخرجه أحمد (٢١٢٦٦)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٣)، وابن خزيمة (١٤٧٦). (٣) أخرجه قبله ابن سعد في ((الطبقات)) ٧/ ٤١١، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ٧/ ١٩٢، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٩٢٦). .، ١٢٨ باب ٣١ / ح ٦٤٨-٦٤٩ فتح الباري بشرح البخاري ٣١- باب فضل صلاة الفجر في جماعة ٦٤٨- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ وأبو سَلَمة بنُ عبدِ الرحمن: أنَّ أبا هريرة، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَه يقول: «تَفْضُلُ صلاةُ الجميعِ صلاةَ أحدِكم وحدَه بخمسٍ وعشرينَ مُزْءًاً، وتَجَتَمِعُ مَلائكةُ الليل ومَلائكةُ النهار في صلاة الفجر)). ثُمَّ يقول أبو هريرةَ: فاقْرؤوا إنْ شِئْتُم: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. ٦٤٩ - قال شعيبٌ: وحدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، قال: «تَفضُلُها بسبعٍ وعشرينَ درجةً)). قوله: ((باب فضل صلاة الفجر في جماعة)) هذه الترجمة أخصُّ من التي قبلها، ومُناسَبة حديث أبي هريرة لها من قوله: ((وَجتَمِع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر))، فإنَّه يدلّ على مَزيَّة لصلاة الفجر على غيرها. وزَعَمَ ابن بَطَّالٍ أنَّ في قوله: ((وَجْتَمِع)) إشارةً إلى أنَّ الدَّرَجَتَينِ الزّائدتَينِ على خمسٍ وعشرين تُؤخَذ من ذلك، ولهذا عَقَّبَه برواية ابن عمر التي فيها: (بسبع وعشرين))، وقد تقدَّم الكلام على الاجتماع المذكور (٥٥٥) في ((باب فضل صلاة العصر)) من المواقيت. قوله: ((بخمسة (١) وعشرينَ جُزْءًا)) كذا في النسخ التي وقفت عليها، ونقل الزَّركَشُّ في (نُكَتِهِ)) أنَّه وقع في ((الصحيحين): ((خمسٍ)) بحَذْف الموحّدة من أوَّله والهاء من آخره، قال: وخفضُ ((خمسٍ)) على تقدير الباء كقول الشاعر: أشارَت كُلَيبِ بالأكُفِّ الأصابعُ أي: إلى كُلَيبٍ، وأمَّا حذف الهاء فعلى تأويل الجزء بالدَّرَجة. انتهى، وقد أورَدَه المؤلِّفُ في التفسير (٤٧١٧) من طريق مَعمَر عن الزُّهريِّ بلفظ: ((فضل صلاة الجميع على صلاة (١) المثبت من (أ)، وهو الذي يدل عليه كلام الحافظ، وفي (ع) و(س): بخمس، قال القسطلاني: وفي أكثر الأصول، وصحح عليه في الیونینیة: بخمسة، بالتاء، ولا إشکال فيه. ١٢٩ باب ٣١ / ح ٦٥٠ أبواب الجماعة والإمامة الواحد خمسٌ وعشرون درجةً)). قوله: ((قال شعيب: وحدَّثني نافع)) أي: بالحديث مرفوعاً نحوَه، إلّا أنَّه قال: ((بسبع وعشرين درجةً))، وهو موافق لرواية مالك وغيره عن نافع كما تقدَّم (٦٤٥)، وطريق شعيب هذه موصولة، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن تكون مُعلَّقَةً وهو بعيدٌ، بل هي معطوفةٌ على الإسناد الأوَّل، والتقدير: حدَّثنا أبو اليَمَان قال شعيب،/ ونظائر هذا في الكتاب كثيرة، ١٣٨/٢ ولكن لم أرَ طريق شعيب هذه إلَّ عند المصنِّف(١)، ولم يَستَخرِجها الإسماعيليّ ولا أبو نُعيمٍ، ولا أورَدَها الطَّرانيُّ في («مسند الشاميِّين)» في ترجمة شعيب. ٦٥٠ - حدّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ سالماً، قال: سمعتُ أمَّ الدَّرْداءِ، تَقُولُ: دخل عليَّ أبو الدَّرْداءِ وهو مُغْضَبٌ، فقلت: ما أغْضَبَكَ؟ فقال: والله ما أعرِفُ من أمّةٍ محمَّدٍ وَِّ شيئاً إِلَّا أنَّهم يُصلُّونَ جميعاً. قوله: ((سمعت سالماً)) هو ابن أبي الجَعْد، وأمّ الدَّرداء: هي الصُّغَرَى التابعيَّة لا الكُبرى الصحابيَّة، لأنَّ الكُبرى ماتَت في حياة أبي الدَّرداء وعاشَت الصُّغرَى بعده زماناً طويلاً. وقد جَزَمَ أبو حاتم بأنَّ سالم بن أبي الجَعْد لم يُدرِك أبا الدَّرداء، فعلى هذا لم يُدرِك أمّ الدَّرداء الكُبرى. وفَسَّرَها الكِرْمانيُّ هنا بصِفات الكُبرى، وهو خطأ لقول سالمٍ: سمعت أمَّ الدَّرداء. وقد تقدَّم في المقدّمة أنَّ اسم الصُّغرَى هَجیمةُ والكُبرى خيرةٌ. قوله: ((من أمَّةِ محمَّدٍ)) كذا في رواية أبي ذرٍّ وكَرِيمة، وللباقین: ((من محمد)» بحَذْف المضاف، وعليه شرح ابن بطالٍ ومَن تَبِعَه، فقال: يريد من شريعة محمد شيئاً لم يَتَغَيَّر عمّا کان علیه إلّ الصلاة في جماعة، فحَذَف المضاف لدلالة الكلام علیه. انتهى، ووقع في رواية أبي الوَقْت: ((من أمر محمد)) بفتح الهمزة وسكون الميم بعدها راءٌ، وكذا ساقه الحميديُّ في ((جمعِه))، وكذا هو في «مُسنَد أحمد)) (٢١٧٠٠) و((مُستخرَجَي)) الإسماعيليّ وأبي نُعيمٍ، من (١) بل هي عند السرّاج (٦٧٧) عن عبد الكريم بن الهيثم، عن أبي اليمان، قال: أخبرني شعيب. وقال في آخره: لم یرفعه. ١٣٠ باب ٣١ / ح ٦٥١ فتح الباري بشرح البخاري طرقٍ عن الأعمَش، وعندهم: ((ما أعرِفُ فيهم)) أي: في أهل البلد الذي كان فيه. وكأنَّ لفظ ((فيهم)) لمَّا حُذِفَ من رواية البخاري صَخَّفَ بعض النَّقَلة ((أمر))، بـ((أمَّة))، ليعودَ الضَّمير في ((أَّهم)) على الأمَّة. قوله: ((يُصلُّونَ جميعاً) أي: مُجْتَمِعين، وحُذِفَ المفعول، وتقديره: الصلاة أو الصَّلَوات، ومراد أبي الدَّرداء أنَّ أعمال المذكورين حَصَلَ في جميعها النَّقْص والتَّغييرِ إلَّا التَّجميعَ في الصلاة، وهو أمر نِسبيّ، لأنَّ حال الناس في زَمَن النُّبُوَّة كان أتمَّ ممَّا صار إليه بعدها، ثمَّ كان في زَمَن الشَّيخَينِ أتمَّ ممَّا صار إليه بعدهما، وكأنَّ ذلك صَدَرَ من أبي الدَّرداء في أواخر عُمُره، وكان ذلك في أواخرٍ خلافة عثمان، فيا لَيتَ شِعري إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصِّفة المذكورة عند أبي الدَّرداء، فكيف بمَن جاءَ بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان؟ وفي هذا الحديث جواز الغَضَب عند تَغَيِّرِ شيء من أُمور الدّين، وإنكار المنكرِ بإظهار الغَضَب إذا لم يَستَطِعِ أكثرَ منه، والقَسَم على الخبر لتأكيده في نفْس السامع. ٦٥١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا أبو أُسامة، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: قال النبيُّ وَِّ: «أعظمُ النَّاسِ أجراً في الصلاة أبعَدُهم فأبعَدُهم مَمْشّى، والذي يَنتَظِرُ الصلاةَ حتَّى يُصلِّيَها مع الإمام أعظمُ أجراً من الذي يُصلِّي ثمَّ يَنامُ)). قوله: ((أبعَدهم فأبعَدهم تَمْشَى)) أي: إلى المسجد، وسيأتي الكلام على ذلك بعد باب واحد. قوله: (مع الإمام)) زاد مسلم (٦٦٢): ((في جماعة)) وبيَّن أنَّها رواية أبي كُرَيبٍ - وهو محمد بن العلاء - الذي أخرجه البخاري عنه. قوله: ((من الذي يُصلِّي ثمَّ يَنام)) أي: سواء صلَّ وحدَه أو في جماعة، ويُستَفاد منه أنَّ الجماعة تَتَفاوَت كما تقدَّم. تكميل: استُشكِلَ إيرادُ حديث أبي موسى في هذا الباب، لأنَّه ليس فيه لصلاة الفجر ذِكْرٌ، بل آخرُه يُشعِرُ بأنَّه في العشاء. ١٣١ باب ٣٢ / ح ٦٥٢ - ٦٥٤ أبواب الجماعة والإمامة ووَجَّهَه ابن المنيِّر وغيرُه بأنَّه دلَّ على أنَّ السَّبَب في زيادة الأجر وجودُ المشقّة بالمشي إلى الصلاة، وإذا كان كذلك فالمشي إلى صلاة الفجر في جماعة أشَقُّ من غيرها، لأنَّها وإن شارَكَتها العشاء في المشي في الظَّلمة، فإنَّها تزيد عليها بمُفارَقة النوم المشتَهَى طَبْعاً، ولم أرَ أحداً من الشُّاحِ نَبَّهَ على مُناسَبة حديث أبي الدَّرداء للترجمة إلَّ الزّين بن المنيِر فإنَّه قال: تَدخُل صلاة الفجر في قوله: ((يُصلُّون جميعاً)) وهي أخصُّ بذلك من باقي الصَّلَوات. وذكر ابن رُشَيد نحوَه، وزاد: إنَّ استشهاد أبي هريرة في الحديث الأوَّل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] يشير إلى أنَّ الاهتمام بها آكَدُ. وأقول: تَفَنَّنَ المصنّف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذ تُؤْخَذ المناسَبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص، ومن حديث أبي الدَّرداء بطريق العموم، ومن حديث أبي موسى بطريق الاستنباط. ويُمكِنُ أن يقال: لفظ الترجمة يحتمل أن يُراد به فضل الفجر على غيرها من الصَّلَوات، وأن يُراد به ثبوت الفضل لها في الجملة، فحديث أبي هريرة شاهد للأوَّل، وحديث أبي الدَّرداء شاهد للثاني، وحديث أبي موسى شاهد لهما، والله أعلم. ٣٢- باب فضل التَّهجير إلى الظهر ١٣٩/٢ ٦٥٢- حدّثنا قُتییةُ، عن مالك، عن سُميٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السَّان، عن أبي هريرةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ قال: ((بينما رجلٌ يَمْشي بطريقٍ وجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ على الطَّرِيق فَأَخَذَهُ، فشَكَرَ اللهُله فغَفَرَ له». [طرفه في: ٢٤٧٢] ٦٥٣ - ثمَّ قال: ((الشُّهَداءُ خمسٌ: المطعُونُ، والمبطُونُ، والغَرِيقُ، وصاحبُ الهَدْمِ، والشَّهِيدُ في سَبِیل الله)). وقال: «لو يعلمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصفِّ الأوَّلِ، ثمَّ لم يَجِدُوا إِلَّ أنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا علیه)). [أطرافه في: ٧٢٠، ٢٨٢٩، ٥٧٣٣] ١٣٢ باب ٣٣ / ح ٦٥٤ -٦٥٥ فتح الباري بشرح البخاري ٦٥٤ - ((ولو يعلمونَ ما في التَّهْجِيرِ لاستَبِقُوا إليه، ولو يعلمونَ ما في العَتَمةِ والصُّبح لأَتَوْهُما ولو حَبْواً)). قوله: ((باب فضل التَّهْجير إلى الظُّهر)) كذا للأكثر، وعليه شرح ابن النِّين وغیرُه، وفي بعضها: ((إلى الصلاة))، وعليه شرح ابن بَطَّالٍ. وقد تقدَّم الكلام عليه (٦١٥) في ((باب الاستهام في الأذان». قوله: ((بينما رجل)) في هذا المتن ثلاثة أحاديث: قصَّة الذي نَحَّى غُصن الشَّوك، والشُّهَداء، والتَّرغيب في النِّداء وغيره ممَّا ذُكِرٍ. والمقصود منه ذِكرُ التَّهجير، وقد تقدَّم الحديث الثالث مُفرَداً في ((باب الاستهام)) عن عبد الله بن يوسفَ عن مالك، ويأتي الثاني (٢٨٢٩) في الجهاد عنه أيضاً، والأوَّل (٢٤٧٢) في المظالم كذلك، وتكلَّمنا على شرحه هناك، وكان قُتيبة حدَّث به عن مالك هكذا مجموعاً فلم يَتَصَرَّف فيه المصنِّ كعادتِه في الاختصار، وتَكلَّفَ الزَّينُ بن المنيِرِ إبداءَ مُناسَبةٍ للأوَّلِ من جهة أنَّه دالٌّ على أنَّ الطّاعة وإن قَلَّت فلا ينبغي أن تُتْرَك، واعتَرَفَ بعدمِ مُناسَبة الثاني. قوله: ((فأخَذَه) في رواية الكُشْمِيهنيٍّ: «فأَخَّرَه)». قوله: ((فشَكَرَ اللهُ له)) أي: رَضِيَ بفعله وقَبِلَ منه، وفيه فضلُ إماطة الأذى عن الطريق، وقد تقدَّم في كتاب الإيمان أنَّها أدنَى شُعَب الإيمان(١). قوله: ((الشُّهَداء خمس)) كذا لأبي ذرِّ عن الحَقُّوِي، وللباقين ((خمسة))، وهو الأصل في المذكَّر، وجاز الأوَّل لأَنَّ المميِّز غير مذكور، وسيأتي الكلام على مباحثه في کتاب الجهاد (٢٨٢٩) إن شاء الله تعالى. ٣٣- باب احتساب الآثار ٦٥٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَوْشَبٍ، قال: حدّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: حدَّثنَا مُميدٌ، (١) في شرحه على حديث أبي هريرة السالف في الإيمان برقم (٩)، أورد رواية مسلم: ((أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)). ١٣٣ باب ٣٣ / ح ٦٥٥ - ٦٥٦ أبواب الجماعة والإمامة عن أنسٍ، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((يا بَنِي سَلِمَةَ، ألا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكمْ؟». وقال مجاهدٌ في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال: خُطاهُم. [طرفاه في: ٦٥٦، ١٨٨٧] ٦٥٦- وحدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، حدَّثني مُميدٌ، عن أنس: أنَّ بني سَلِمَةَ أرادُوا أَنْ يَتحَوَّلُوا عن منازلِهِم، فينزلُوا قَرِيباً من النبيِّنَّه، قال: فَكَرِهَ رسولُ اللهِوَلَهُ أَنْ يُعْرُوا المدينةَ، فقال: ((ألا تَحَتَسِبُونَ آثَارَكم؟». وقال مجاهدٌ: خُطاهُم: آثارُهم والمشيُّ في الأرضِ بأرجُلِهِم. قوله: (باب احتساب الآثار)) أي: إلى الصلاة، وكأنَّه لم يُقَيِّدْها لتَشمَلَ كلّ مَشي إلى كلّ ١٤٠/٢ طاعة. قوله: ((حدَّثْنا عبد الوهَّاب)) هو الثَّقَفيُّ. قوله: ((يا بني سَلِمَ)) بكسر اللَّام: وهم بطنٌ كبير من الأنصار، ثمَّ من الخَزَرَج، وقد غَفَلَ القَزّاز وتَبِعَه الجَوْهريّ حيثُ قال: ليس في العرب سَلِمة بكسر اللَّام غير هذا القبيل، فإنَّ الأئمَّة الذين صَنَّفوا في المؤتلف والمختلف ذكروا عَدَداً من الأسماء كذلك، لكن يحتمل أن يكون أراد بقَيدِ القبيلة أو البَطْن، فله بعض اتّجاه. قوله: ((ألا تَحَتَسِبُونَ)) كذا في النسخ التي وقفْنا عليها بإثبات النُّون، وشَرَحَه الکِرْمانيُّ بحَذْفها، ووَجَّهَه بأنَّ النُّحاة أجازوا ذلك - يعني تخفيفاً - قال: والمعنى: ألا تَعُدّون خُطاكم عند مَشيِكم إلى المسجد؟ فإنَّ لكلِّ خُطوة ثواباً. انتهى، والاحتساب وإن كان أصلُهُ العَدّ لكنَّه يُستَعمَل غالباً في معنى طلب تحصيل الثَّواب بنيَّةٍ خالصةٍ. قوله: (وحدّثنا ابن أبي مريم)» کذا لأبي ذرٍّ وحدَه، وفي رواية الباقين: ((وقال ابن أبي مريم)»، وذكره صاحب ((الأطراف)) بلفظ: ((وزاد ابن أبي مريم)). وقال أبو نُعيم في (المستخرَج)): ذكره البخاري بلا رواية، يعني مُعلَّقاً، وهذا هو الصواب، وله نظائر في ١٣٤ باب ٣٣ / ح ٦٥٥ - ٦٥٦ فتح الباري بشرح البخاري الكتاب في رواية يحيى بن أيوبَ، لأنَّه ليس على شرطه في الأُصول. قوله: ((عن أنس)) كذا لأبي ذرِّ وحدَه أيضاً، وللباقين: ((حذَّثنا أنس))، وكذا ذكره أبو نُعيمٍ أيضاً، وكذا سمعناه في الأوَّل من ((فوائد المخلِّص)) (١) من طريق أحمد بن منصور عن ابن أبي مريم، ولفظه: ((سمعت أنساً)، وهذا هو السرّ في إيراد طريق يحيى بن أيوب عَقِبَ طريق عبد الوهّاب، ليُبيِّنَ الأمن من تدليس حميد، وقد تقدَّم نَظِيرُه (٥٧٢) في ((باب وقت العشاء)) وقد أخرجه في الحج (١٨٨٧) من طريق مروانَ الفَزاريِّ عن حميدٍ، وساق المتن كاملاً. قوله: ((فينزلُوا قريباً)) يعني لأنَّ ديارهم كانت بعيدة من المسجد، وقد صُرِّحَ بذلك في رواية مسلم (٦٦٤) من طريق أبي الزُّبیر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كانت ديارنا بعيدةً من المسجد، فأرَدنا أن نَبتاع بيوتاً فنَقْرُبَ من المسجد، فنهانا رسول الله وَّل وقال: ((إنَّ لكم بكلِّ خُطوة درجةً))، وللسَّاج (١٢٥٥)(٢) من طريق أبي نَضْرةَ عن جابر: أرادوا أن يَقُرُبوا من أجل الصلاة، ولابنٍ مَرْدويه من طريق أُخرى عن أبي نَضْرة عنه قال: كانت منازلنا بسَلْعٍ. ولا يعارض هذا ما سيأتي في الاستسقاء (١٠١٣) من حديث أنس: وما بيننا وبينَ سَلْعٍ من دار، لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سَلْع، وبينَ سَلْع والمسجد قَدْرُ مِیلٍ. قوله: ((أنْ يُعْرُوا المدينة)) في رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((أن يُعْرُوا منازلهم))، وهو بضم أوله وسكون العين المهملة وضمّ الراء، أي: يتركونها خالية، يقال: أعراه إذا أخلاه، والعراء: الأرض الخالية، وقيل: الواسعة، وقيل: المكان الذي لا يُستتر فيه بشيء، ونبّه بهذه الكراهة على السبب في منعهم من القُرْب من المسجد لتبقى جهاتُ المدينة عامرةً بساكنيها، واستفادوا بذلك كثرة الأجر لكثرة الخُطَا في المشي إلى المسجد، وزاد في رواية الفَزاري التي (١) أخرجه الحافظ من طريقه في ((تغليق التعليق)) ٢٧٨/٢ بإسناده. (٢) وأخرجه أيضاً بهذا اللفظ أحمد في ((المسند)) (١٥١٩٤). ١٣٥ باب ٣٣ / ح ٦٥٥ -٦٥٦ أبواب الجماعة والإمامة في الحج: فأقاموا، ومثله في رواية المخلّص التي ذكرناها، وللترمذي (٣٢٢٦) من حديث أبي سعيد: فلم ينتقلوا، ولمسلم (٢٨١/٦٦٥) من طريق أبي نضرة عن جابر فقالوا: ما يَسُّنا أنّا كنّا تحوَّلنا. قوله: ((وقال مجاهد: خُطاهم: آثارهم والمشي في الأرض بأرجلهم)) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقين: وقال مجاهد: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، قال: خطاهم، وكذا وصله عبد بن حميد (١) من طريق ابن أبي نَجيح عنه، قال في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ قال: خطاهم. وأشار البخاري بهذا التعليق إلى أن قصة بني سَلِمة كانت سببَ نزول هذه الآية، وقد ورد مصرَّحاً به من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس، أخرجه ابن ماجه (٧٨٥) وغيره، وإسناده قوي. وفي الحديث أن أعمال البِرِّ إذا كانت خالصة تُكتب آثارُها حسناتٍ. وفيه استحباب السُّکنی بقرب المسجد إلا لمن حصلتْ به منفعةٌ أخری، أو أراد تکثیر الأجر بكثرة المشي ما لم تَحْمِل على نفسه،/ ووَجهُه أنهم طلبوا السُّكنى بقُرْب المسجد ١٤١/٢ للفضل الذي علِمُوه منه، فما أنكر عليهم النبيُّ وَّ ذلك، بل رجَّح دَرْء المفسدة بإخلائهم جوانبَ المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمَهم بأن لهم في التردُّد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السُّكنی بقرب المسجد أو یزیدُ عليه. واختُلِف فيمن كانت دارُه قريبةً من المسجد فقارَبَ الخُّطا بحيث تساوي خُطا مَنْ دارُه بعيدةٌ، هل يساويه في الفضل أو لا؟ وإلى المساواة جَنَح الطبريُّ، وروى ابن أبي شيبة(٢) من طريق أنس، قال: مشَيتُ مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخُطا، (١) ووصله كذلك الطبري في ((تفسيره)) ٢٢/ ١٥٥. (٢) في («مسنده)) (١٣٣)، غير أنه جعله من رواية أنس عن زيد بن ثابت، وأن القصة لزيد مع رسول الله وؤلؤ. لكن أخرجه بنحو اللفظ الذي ساقه الحافظُ، أبو داود الطيالسي (٦٠٦) وفيه أيضاً زيادة قصة زيد مع رسول الله وَل﴾، وأن رسول الله وَ لفي قال له ما قاله هو لأنس. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٤٧٩٦) من قول زيد غير مرفوع كالرواية التي ساقها الحافظ. ١٣٦ باب ٣٤ / ح ٦٥٧ فتح الباري بشرح البخاري وقال: أردتُ أن تكثُر خُطانا إلى المسجد. وهذا لا يلزم منه المساواةُ في الفضل وإن دل على أن في كثرة الخُطا فضيلةً، لأن ثواب الخُطا الشاقةِ ليس كثواب الخُطا السهلةِ، وهو ظاهر حديث أبي موسى الماضي قبل باب حيث جعل أبعدَهم ممشّى أعظمَهم أجراً، واستنبط منه بعضُهم استحبابَ قصْدِ المسجد البعيد ولو كان بجنْبه مسجدٌ قريبٌ، وإنما يتم ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجرُ القريب، وإلا فإحياؤه بذكر الله أَولى، وكذا إذا كان في البعيد مانعٌ من الكمال، كأن يكون إمامُه مُبتدعاً. ٣٤- باب فضل صلاة العشاء في الجماعة ٦٥٧ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني أبو صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: «ليس أَثْقَلَ على المنافقِينَ من الفجرِ والعِشاءِ، ولو يعلمونَ ما فيهما لأتَوْهُما ولو حَبْواً، لقد هَمَمْتُ أنْ آمُرَ المؤذِّنَ فِيُقِيمَ، ثمَّ آمُرَ رجلاً يؤمُ النَّاسَ، ثمَّ آخُذَ شُعلاً من نارٍ فَأُحرِّقَ على مَن لا يَخْرُجُ إلى الصلاة بعْدُ)). قوله: ((باب فضل صلاة العِشاء في الجماعة)) أورَدَ فيه الحديث الدالَّ على فضل العشاء والفجر، فيحتمل أن يكون مرادُ الترجمة إثباتَ فضل العشاء في الجملة، أو إثباتَ أفضليَّتِها على غيرها، والظاهر الثاني، ووجهه أنَّ صلاة الفجر ثبتت أفضليّتُها كما تقدَّم، وسَوَّى في هذا بينها وبينَ العشاء، ومُساوي الأفضل يكون أفضلَ جَزماً. قوله: ((ليس أَثْقَلَ)) كذا للأكثر بحَذْف الاسم، وبيَّنِه الكُشْمِيهنيُّ في رواية أبي ذرٍّ وكَرِيمة عنه فقال: ((ليس صلاةٌ أثقَلَ)) ودلَّ هذا على أنَّ الصلاة كلَّها ثَقيلةٌ على المنافقين، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]، وإنَّما كانت العشاء والفجر أثقَلَ عليهم من غيرهما لقوَّة الدّاعي إلى تركِهما، لأنَّ العشاء وقتُ السُّكون والرَّاحة، والصُّبحُ وقت لَذَّة النوم. وقيل: وجهُه كَونُ المؤمنينَ يفوزون بما تَرَّبَ عليهما من الفضل، لقيامهم بحَقُّهما دون المنافقين. قوله: ((ولو يعلمونَ ما فيهما)) أي: من مزيد الفضل. ((لَأَتَوْهما)) أي: الصلاتَبن، والمراد، ١٣٧ باب ٣٥ / ح ٦٥٨ أبواب الجماعة والإمامة لَأَتَوا إلى المحلِّ الذي يُصلَّيان فيه جماعةً، وهو المسجد. قوله: ((ولو حَبْواً) أي: يَزْحَفون إذا مَنَعَهم مانعٌ من المشي كما يَزْحَفُ الصغير، ولابنِ أبي شَيْبة (٣٣٢/١) من حديث أبي الدَّرداء: ((ولو حبواً على المَرافق والرُّكَب))، وقد تقدَّم الكلام على باقي الحديث (٦٤٤) في ((باب وجوب صلاة الجماعة)). قوله في آخره: ((على مَن لا يَخْرُج إلى الصلاة بعدُ)) كذا للأكثر بلفظ: ((بعدُ)) ضِدُّ ((قبلُ)»، وهي مبنيَّة على الضم، ومعناه: بعد أن يسمع النِّداء إليها، أو بعد أن يَبلُغَه التَّهديد المذكور، وللكُشْمِيهنيّ بدلها: ((يَقدِرُ)) أي: لا يَخْرُج وهو يَقدِر على المجيء، ويؤِّده ما قدَّمناه عن روايةٍ لأبي داود (٥٤٩): ((وليست بهم عِلَّةٌ)، ووقع عند الدَّاووديِّ الشَّارِحِ هنا: ((لا لعُذرٍ))، وهي أوضحُ من غيرها، لكن لم نَقِف عليها في شيء من الروايات عند غيره. ١٤٢/٢ ٣٥- بابٌ اثنان فما فوقهما جماعة ٦٥٨ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن أبي قلابة، عن مالكِ بنِ الحُوَيرثِ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إذا حَضَرَتِ الصلاةُ فأذِّنا وأقِيما، ثمَّ ليؤمَّكما أکبر کما)). قوله: ((باب اثنان فما فوقَهما جماعة)) هذه الترجمة لفظ حديث وَرَدَ من طرق ضعيفة، منها في ابن ماجَهْ (٩٧٢) من حديث أبي موسى الأشعريّ، وفي «مُعجَم البَغَويِّ)) من حديث الحِكَمِ بن عُمَير(١)، وفي ((أفراد الدَّارَ قُطنيّ)) من حديث عبد الله بن عَمرو (٢)، وفي البيهقيِّ (٦٩/٣) من حديث أنس، وفي ((الأوسط)) (٦٦٢٤) للطَّرانيِّ من حديث أبي أُمامةَ، وعند أحمد (٢٢١٨٩) من حديث أبي أمامةَ أيضاً: أنَّه وَلِّ رأى رجلاً يُصلِّي وحدَه، فقال: ((ألا (١) أخرجه أيضاً ابن سعد في ((الطبقات)) ٤١٥/٧، وابنُ أبي خيثمة في السِّفْر الثاني من («تاريخه)) برقم (٤٧٩)، وغيرهما. (٢) وهو في ((سننه)) أيضاً برقم (١٠٨٨). ١٣٨ باب ٣٦ / ح ٦٥٩ فتح الباري بشرح البخاري رجل يَتَصَدَّق على هذا فيُصلّيَ معه؟)) فقامَ رجل فصلَّى معه، فقال: ((هذان جماعة)). والقصَّة المذكورة دون قوله: ((هذان جماعة)) أخرجها أبو داود (٥٧٤) والِّرمِذيّ (٢٢٠) من وجه آخرَ صحیح. قوله: ((إذا حَضَرَتِ الصلاة)) تقدَّم من هذا الوجه (٦٣٠) في ((باب الأذان للمسافر)) ولفظُهُ(١): أتى رجلان النبيّ وَّه يريدان السفر فقال لهما، فذكره. وقد اعتُرِضَ على الترجمة بأنَّه ليس في حديث مالك بن الحوَيرِثِ تسمية صلاة الاثنين جماعة، والجواب أنَّ ذلك مأخوذ بالاستنباط من لازم الأمر بالإمامة، لأنَّه لو استوت صلاتُهما معاً مع صلاتهما مُنفرٍدَينٍ لاكتَفَى بأمرِهما بالصلاة كأن يقول: أذِّنا وأقيما وصَلّيا. واعتُرِضَ أيضاً على أصل الاستدلال بهذا الحديث، بأنَّ مالك بن الحوَيرِثِ كان مع جماعة من أصحابه، فلعلَّ الاقتصار على التَّثنية من تصرُّف الرُّواة. والجواب أنَّهما قضيَّتَان كما تقدَّم، واستدلَّ به على أنَّ أقلّ الجماعة إمام ومأموم، أعمُّ من أن يكون المأموم رجلاً أو صبيّاً أو امرأةً. وتكلَّم ابن بَطَّال هنا على مسألة أقلِّ الجمع والاختلاف فيها، ورَدَّه الزَّين بن المنيِّر بأنَّه لا يلزم من قوله: «الاثنان جماعة» أن یکون أقلُّ الجمع اثنین، وهو واضحٌ. ٣٦- باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضلُ المساجد ٦٥٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكِ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «الملائكةُ تُصلّي على أحدِكم ما دامَ في مُصَلَّاه ما لم يُحْدِث: اللهمَّ اغفِرْ له، اللهمَّ ارَمْه، لا يَزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما دامَتِ الصلاةُ تَحِْسُه لا يَمْنَعُهُ أنْ يَنْقَلِبَ إلى أهلِهِ إلّ الصلاُ». قوله: ((باب مَن جَلَسَ في المسجد يَنتَظِرِ الصلاة)) أي: ليُصلّيَها جماعةً. (١) في (س): وأوله. نا ١٣٩ باب ٣٦ / ح ٦٥٩ أبواب الجماعة والإمامة قوله: (تُصلّي على أحدِكم)) أي: تَستَغْفِرُ له، قيل: عَبَّرَ بـ((تُصلِّى)) لَيَتَنَاسَبَ الجَزاء والعمل. قوله: ((ما دامَ في مُصلَّاه)) أي: يَنتَظر الصلاة، كما صَرَّحَ به في الطِّهارة (١٧٦) من وجهٍ آخر. قوله: ((لا يَزال أحدكم)) إلى آخره، هذا القَدْرِ أَفَرَدَه مالك في ((الموطَّأ)) (١٦٠/١) عمَّا قبلَه، وأكثرُ الزُّواة ضَمّوه إلى الأوَّل فجعلوه حديثاً واحداً، ولا حَجْرَ في ذلك. قوله: ((في صلاة)) أي: في ثواب صلاة لا في حكمها، لأنَّه يَحِلّ له الكلام وغيره ممَّا مُنِعَ في الصلاة. قوله: ((ما دامَت)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((ما كانت)) وهو عكسُ ما مضى في الطَّهارة. قوله: ((لا يَمْنَعُه)) يقتضي أنَّه إذا صَرَفَ نيَّته عن ذلك صارفٌ آخرُ انقطع عنه الثَّواب المذكور، وكذلك إذا شارَكَ نيَّةَ الانتظار أمرٌ آخر، وهل يَحصُل ذلك لمن نيَّته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه؟ الظاهر خلافُه، / لأنَّه رَتَّبَ الثَّواب المذكور على المجموع من ١٤٣/٢ النَّة وشَغْل البُقعة بالعبادة، لكن للمذكور ثوابٌ يَخُصّه، ولعلَّ هذا هو السرّ في إيراد المصنّف الحديثَ الذي يليه وفيه: ((ورجل قلبُهُ مُعلَّق في المساجد))، وقد تقدَّم الكلام في الطَّهارة (١٧٦) على معنى قوله: ((ما لم يُحدِث)) وفيه زيادة على ما هنا، وأنَّ المراد بالحَدَثِ حَدَثُ الفَرْج، لكن يُؤخَذ منه أنَّ اجتناب حَدَثِ اليَد واللِّسان من باب الأَولى، لأنَّ الأذى منهما يكون أشَدَّ، أشارَ إلى ذلك ابن بَطَّالٍ. وقد تقدَّم الكلام على باقي فوائده (٦٤٧) في ((باب فضل صلاة الجماعة)). ويُؤخَذ من قوله: ((في مُصلَّاه الذي صلَّى فيه))(١) أنَّ ذلك مُقيَّد بمَن صلَّى ثمَّ انتظرَ صلاة أُخرى، وبِتقييدِ الصلاة الأولى بكَونِها مُجْزِئَةً، أمَّا لو كان فيها نَقْصُ فإنَّهَا تُجِبَرُ بالنافلة (١) قوله: ((الذي صلّى فيه)) ثابتٌ في حديث مالك، ولكنه لم يرد في هذه الرواية، وإنما ورد في الرواية السالفة برقم (٤٤٥)، وجاء أيضاً في رواية أبي صالح عن أبي هريرة، لكن بلفظ: ((الذي يصلي فيه)). ١٤٠ باب ٣٦ / ح ٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري كما ثَبَتَ في الخبر الآخر(١). قوله: ((اللهمَّ اغفِرْ له، اللهمَّ ارحَمْه)) هو مطابق لقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، قيل: السّ فيه أنَّهم يَطَّلِعون على أفعال بني آدمَ وما فيها من المعصية والخَلَل في الطَّاعة، فيقتَصِرون على الاستغفار لهم من ذلك، لأنَّ دَفعَ المفسدة مُقدَّمٌ على جلب المصلحة، ولو فُرِضَ أنَّ فيهم مَن تَحَفَّظَ من ذلك، فإنَّه يُعَوَّض من المغفِرة بما يقابلُها من الثَّواب. ٦٦٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، قال: حدّثنا يحيى، عن عُبيد الله، قال: حدَّثني خُبَيْبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((سبعةٌ يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: الإمامُ العادِلُ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ ربِّه، ورجلٌ قلبُهُ مُعلَّقٌ في المساجدِ، ورجلان تَحَابًا في الله اجتَمَعا على ذلك وتَفرَّقا عليه، ورجلٌ طَلَبَتْه ذاتُ مَنصِبٍ وجمالٍ فقال: إنِّي أخافُ الله، ورجلٌ تَصَدَّقَ أخفَى حتَّى لا تَعْلَمَ شمالُهُ ما تُنفِقُ يمينُهُ، ورجلٌ ذَكَرَ الله خالياً ففاضَتْ عَیْناهُ)). [أطرافه في: ١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦] قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطّنُ، وعبيدُ الله: هو ابن عمرَ العمريُّ، وخُبَيبٌ بضمٌ المعجَمة: وهو خال عُبيد الله الراوي عنه، وحفص بن عاصم: هو ابن عمر بن الخطّاب، وهو جَدُّ عُبيد الله المذكور لأبيه. قوله: ((عن أبي هريرةَ)) لم يختَلِفِ الزُّواة عن عُبيد الله في ذلك، ورواه مالك في (الموطَّأ)) (٩٥٢/٢-٩٥٣) عن خُبَيَبٍ فقال: عن أبي سعيد أو أبي هريرة. على الشَّك، ورواه أبو قُرَّةً (١) وهو ما رواه أحمد (١٦٩٥١) و(١٦٩٥٤)، وأبو داود (٨٦٦)، وابن ماجه (١٤٢٦) عن تميم الداري، عن النبي ◌َّ﴾ قال: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاةُ، فإن كان أكْملها كُتبتْ له كاملةً، وإن لم يكن أكملها قال للملائكة: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوُّع، فأكملوا بها ما ضيَّعَ من فريضته، ثم الزكاة، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك)). وإسناده صحيح. وروي من حديث أبي هريرة أيضاً.