Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
باب ٣١/ ح ٥٨٥ -٥٨٦
كتاب مواقيت الصلاة
قوله: ((لا يَتَحَرَّى)) كذا وقع بلفظ الخبر، قال السُّهَيليُّ: يجوز الخبر عن مُستقَرِّ أمر
الشَّرْع، أي: لا يكون إلَّا هذا.
قوله: ((فُيُصلِّيَ)) بالنصب، والمراد نفيُّ التَّحَرّي والصلاة معاً، ويجوز الرفع، أي: لا
يتحرَّى أحدُكم الصلاة في وقت كذا فهو يُصلِّ فيه، وقال ابن خَرُوف: يجوز في ((فُيُصلّ)»
ثلاثة أوجُه: الجَزْم على العطف أي: لا يتحرَّ ولا يُصلِّ، والرفع على القَطْع أي: لا يتحرَّى
فهو يُصلّي، والنصب على جواب النَّهي والمعنى: لا يتحرَّ مُصلّياً. وقال الطِّييُّ: قوله: ((لا
يتحرَّى)) نفيٌّ بمعنى النَّهي، و((يُصلّيَ)) بالنصب لأنَّه جوابه، كأنَّه قيل: لا يتحرَّى، فقيل:
لِمَ؟ فأُجيب: خِيفةَ أنْ يُصلّيَ. ويحتمل أنْ يُقدَّرَ غير ذلك، وقد وقع في رواية القَعْنبيِّ في
(الموطَّأ)): ((لا يتحرَّى أحدكم أنْ يُصلّيَ))(١) ومعناه: لا يتحرَّى الصلاة.
قوله: ((عن صالح)) هو ابن كَيْسانَ، ولم يُرِّج البخاري لصالح بن أبي الأخضَر شيئاً.
قوله: ((لا صلاةَ) قال ابن دقيق العيد: وصيغة النَّفْي(٢) في ألفاظ الشارع إذا دخلت على
فعلٍ، كان الأَولى حَمْلُها على نفي الفعل الشَّرْعيّ لا الحِسّي، لأنَّا لو حَمَلْناه على نفي الفعل
الحِسِّ لاحتَجْنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عَدَمه، وإذا حَلْناه على الشَّرْعيّ لم نَحْتَجْ
إلى إضمار، فهذا وجه الأولَويَّة. وعلى هذا فهو نفيٌّ بمعنى النَّهي، والتقدير: لا تُصلُّوا.
وحكى أبو الفتح اليَعْمَريُّ عن جماعة من السَّلَف أنَّهم قالوا: إنَّ النَّهي عن الصلاة بعد
الصبح وبعد العصر إنَّما هو إعلام بأنَّهما لا يُتَطَوَّعُ بعدهما، ولم يُقْصَد الوقت بالنَّهي كما
قُصِدَ به وقت الطُّلوع ووقت الغُروب، ويؤيِّد ذلك ما رواه أبو داود (١٢٧٤) والنَّسائيُّ
(٥٧٣) بإسنادٍ حسن عن النبيّ وَّ قال: ((لا تُصلُّوا بعد الصبح ولا بعد العصر، إلَّ أنْ
تكون الشمس نقيَّةً)) وفي / رواية: ((مرتفعة))، فدَلَّ على أنَّ المراد بالبعديَّة ليس على عمومه، ٦٢/٢
وإنَّما المراد وقت الطُّلوع ووقت الغُروب وما قارَبَهما، والله أعلم.
(١) وهو في ((الموطأ)) ١/ ٢٢٠ برواية يحيى الليثي بلفظ: ((لا يتحر أحدكم فيصلي)).
(٢) في الأصلين (أ) و(ع): وصيغة النهي. فعلَّق بعضهم على حاشية (أ) بقوله: صوابه: النفي، ويدل له قوله
بعدُ: لأنا لو حملناه على نفي الحسي.

٥٨٢
باب ٣١/ ح ٥٨٧-٥٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
ومُطابقةُ الحديث للترجمة من جهة أنَّ الصلاة المنهيَّة غير صحيحة، فلازمُه أنْ لا يَقصِدَ
لها المكلَّفُ، إذ العاقل لا يشتغل بما لا فائدة فيه.
قوله: ((لا صلاة بعدَ الصبح)) أي: بعد صلاة الصبح، وصَرَّحَ به مسلم (٨٢٧) من هذا
الوجه في الموضعين.
٥٨٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبانَ، قال: حدَّثْنَا غُندَرٌ، قال: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن أبي التَّاح، قال:
سمعتُ حُمْرانَ بنَ أبانَ يُحدِّثُ عن معاويةَ، قال: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صلاةً لقد صَحِبْنا رسولَ الله
وَلَه فما رأيناهُ يُصلِّيهما، ولقد نَهَى عنهما؛ يعني: الرَّكْعتَينِ بعدَ العصرِ.
[طرفه في: ٣٧٦٦]
٥٨٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن عُبيد الله، عن خُبَيب، عن حَفْصِ بنِ
عاصِمٍ، عن أبي هُرَيرةَ قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عن صلاَينِ: بعدَ الفجرِ حتَّى تَطلُعَ الشمسُ،
وبعدَ العصرِ حتَّى تَغرُبَ الشمسُ.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بنُ أبان)) هو البَلْخِيُّ، وقيل: الواسطيُّ، ولكُلِّ من القولين مُرجِّح،
وكلاهما ثقةٌ.
قوله: ((عن معاويةَ)) في رواية الإسماعيليّ من طريق مُعاذٍ وغيره عن شُعْبةٍ: ((خَطَبَنا
معاويةٌ))، واتَّفَقَ أصحاب شُعْبة على أنَّه من رواية أبي التَّاح عن حُمْران، وخالفَهم عثمان
ابن عمر وأبو داود الطَّيالسُّ فقالا: عن أبي التَّاح عن مَعْبَدِ الْجُهَنيِّ عن معاوية(١)،
والطريق التي اختارها البخاري أرجَحُ، ويجوز أنْ يكون لأبي التَّاح فيه شیخان.
قوله: ((يُصلّيهما)) أي: الرَّكْعتَين، وللحَقُّوِيّ: ((يُصلّيها)) أي: الصلاة. وكذا وقع الخلاف
بين الرّواة في قوله: عنها أو عنهما. وكلام معاوية مُشعِرٌ بأنَّ مَن خاطَبَهم كانوا يُصلّون بعد
العصر رَكْعتَينِ على سبيل التطوُّع الرّاتب لها كما يُصلِّ بعد الظَّهر، وما نَفاه من رُؤْية صلاة
(١) رواية عثمان بن عمر عند الطبراني في ((الكبير)) (٨١٨)، ورواية أبي داود الطيالسي في («مسنده)) (١٠٥٠)،
ومن طريقه البيهقي ٤٥٣/٢.

٥٨٣
باب ٣٢/ ح ٥٨٩
كتاب مواقيت الصلاة
النبيِّ ◌َّ لهما قد أثبتَه غيره، والمثْبِت مُقدَّم على النافي. وسيأتي في الباب الذي بعده (٥٩٣)
قول عائشة: ((كان لا يُصلّيهما في المسجد)) لكنْ ليس في رواية الإثبات مُعارَضةٌ للأحاديث
الواردة في النَّهي، لأنَّ رواية الإثبات لها سبب كما سيأتي في الباب الذي بعده، فأُلِقَ بها ما
له سبب وبقي ما عدا ذلك على عمومه، والنَّهي فيه محمول على ما لا سبب له. وأمَّا مَن
يرى عموم النَّهي ولا يَخُصّه بما له سبب، فيَحمِلُ إنكار معاوية على مَن يَتطوَّع ويَحْمِلُ
الفعل على الخصوصيّة، ولا يخفى رُجْحان الأوَّل، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثْنا عَبْدةُ)) هو ابن سليمان، وبقيَّة الإسناد والمتن تقدَّم بأتمِّ سياقٍ في الباب
الذي قبله.
٣٢- باب من لم يكره الصلاةَ إلا بعد العصر والفجر
رواه عمرُ وابنُ عمرَ وأبو سعيدٍ وأبو هُرَيرةَ.
٥٨٩- حدَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ قال:
أُصَلِّى كما رأيتُ أصحابي يُصلُّونَ، لا أَنْهَى أحداً يُصلِّي بَلَيلِ ولا نَهارِ ما شاءَ، غيرَ أنْ لا تَحَرَّوْا
طُلُوعَ الشمسِ ولا غُرُوبَها.
قوله: ((باب مَن لم يَكْرَه الصلاة إلّا بعدَ العصر والفجر)) قيل: آثَرَ البخاريُّ الترجمة بذِكْر
المذاهب على ذِكْر الحُكْم، للبَراءَة من عُهْدةٍ بَتِّ القول في موضع كَثُرَ فيه الاختلاف،
ومُحُصَّل ما وَرَدَ من الأخبار في تعيين الأوقات التي تُكرَه فيها الصلاة أنَّها خمسة: عند
طلوع الشمس، وعند غُروبها، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء،
وتَرجِع بالتَّحْقيق إلى ثلاثة: من بعدٍ صلاة الصبح إلى أنْ ترتَفْعَ الشمس، فيدخل فيه
الصلاة عند طلوع الشمس، وكذا من بعد صلاة العصر إلى أنْ تَغُرُبَ الشمس، ولا يُعگِّر
على ذلك أنَّ مَن لم يُصلِّ الصبحِ مَثلاً حتَّى بَزَغَت الشمس يُكرَه له التنفُّل حينئذ، لأنَّ
الكلام إنَّما هو جارٍ على الغالب المعتاد، وأمَّا هذه الصورة النادرة فليست مقصودة. وفي
الجُمْلة عَدُّها أربعةً أجوَدُ، وبقي خامس: وهو الصلاة وقتَ استواء الشمس، وكأنَّه لم

٥٨٤
باب ٣٢ / ح ٥٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
يَصِحَّ عند المؤلِّف على شرطه فتَرجَمَ على نفيه، وفيه أربعة أحاديث: حديث عُقْبة بن عامر
وهو عند مسلم (٨٣١) ولفظه: ((وحين يقومُ قائمُ الظَّهيرة حتَّى تَرتَفِع))، وحديث عَمْرو
٦٣/٢ ابن عَبَسةَ وهو عند مسلم أيضاً (٨٣٢) ولفظه: ((حتَّى يَستقِلَّ الظُّلُّ بالرُّمْحِ، فإذا أقبَلَ/
الفَيُ فصَلِّ)) وفي لفظ لأبي داود (١٢٧٧): ((حتَّى يَعْدِل الرُّمْحَ ظِلَّه))، وحديث أبي هريرة
وهو عند ابن ماجَهْ (١٢٥٢) والبيهقيِّ (٤٥٥/٢) ولفظه: ((حتَّى تستويَ الشمس على
رأسِك كالرُّمْح، فإذا زالت فصَلِّ))، وحديث الصُّنابحيِّ وهو في ((الموطَّا)) (٢١٩/١)
ولفظه: ((ثمَّ إذا استَوَت قارَنَها، فإذا زالت فارَقَها)) وفي آخرِه: ((ونهى رسول الله وَّ عن
الصلاة في تلك الساعات)) وهو حديث مُرسَل مع قوَّة رجاله. وفي الباب أحاديث أُخَرُ
ضعيفة.
وبقضيَّة هذه الزيادة قال عمر بن الخطّاب، فنَهَى عن الصلاة نصفَ النهار، وعن ابن
مسعود قال: كنَّا نُنهَى عن ذلك، وعن أبي سعيد المقبريِّ قال: أدركتُ الناس وهم يَتَّقون
ذلك. وهو مذهب الأئمّة الثلاثة والجُمْهور، وخالفَ مالك فقال: ما أدركتُ أهل الفضل
إلَّا وهم يَجْتَهِدون ويُصلّون نصفَ النهار، وقال ابن عبد البَرّ: وقد روى مالك حديث
الصُّنابحي، فإمَّا أنَّه لم يَصِحَّ عنده، وإمَّا أنَّه رَدَّه بالعمل الذي ذكره، انتهى.
وقد استثنى الشافعيُّ ومَن وافَقَه من ذلك يومَ الجمعة، وحُجَّتُهم أنَّه ◌ِم ◌ِّ نَدَبَ الناسَ
إلى التبكير يومَ الجمعة ورَغَّبَ في الصلاة إلى خروج الإمام كما سيأتي في بابه (٩٠٥ و٩١٠)،
وجعل الغايةَ خروج الإمام، وهو لا يَخْرُجُ إلَّا بعد الزَّوال، فدَلَّ على عَدَم الكراهة، وجاء
فيه حديثٌ عن أبي قتادةَ مرفوعاً: ((أَنَّه ◌َلَكَرِهَ الصلاة نصفَ النهار إلَّا يومَ الجمعة))(١) في
إسناده انقطاع(٢)، وقد ذكر له البيهقيُّ (٤٦٤/٢-٤٦٥) شواهدَ ضعيفة إذا ضُمَّت قَوِيَ
الخبر، والله أعلم.
فائدة: فَرَّقَ بعضهم بين حِكْمة النَّهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح والعصر، وعن
(١) أخرجه أبو داود (١٠٨٣).
(٢) وفي إسناده أيضاً ليث - وهو ابن أبي سليم - وهو ضعيف مخلِّط.

٥٨٥
باب ٣٢ / ح ٥٨٩
كتاب مواقيت الصلاة
الصلاة عند طلوع الشمس وعند غُروبها فقال: يُكرَه في الحالتينِ الأُولَيَين، ويَحَرُمُ في
الحالتينِ الأُخريَين. وثمَّن قال بذلك محمَّد بن سيرين ومحمَّد بن جَرِير الطََّرِيُّ واحتَجَّ بما
ثبت عنه وَّله: أنَّه صلَّى بعد العصر، فدَلَّ على أنَّه لا يَحَرُمُ، وكأنَّه يحملُ فعلَه على بيان
الجواز. وسيأتي ما فيه في الباب الذي بعده.
ورُوِيَ عن ابن عمر تحريمُ الصلاة بعد الصبح حتَّى تَطْلُع الشمس، وإباحتها بعد العصر
حتَّى تصفَرَّ، وبه قال ابن حَزْم واحتَجَّ بحديث عليّ: أنَّه وَّه ◌َهَى عن الصلاة بعد العصر إلَّا
والشمسُ مرتفعة، رواه أبو داود (١٢٧٤) بإسنادٍ صحيح قويّ، والمشهور إطلاق الكراهة
في الجميع، فقيل: هي كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، والله أعلم.
قوله: ((رواه عمر ... )) إلى آخره، يريد أنَّ أحاديث هؤلاء الأربعة - وهي التي تقدَّم
إيرادُها في البابَينِ السابقَينِ - ليس فيها تَعرُّضٌ للاستواء، لكنْ لمن قال به أنْ يقول: إنَّه
زيادة من حافظ ثقة فيجبُ قَبُولها.
قوله: «حدّثنا حمّادٌ» هو ابن زید.
قوله: ((أُصَلّ)) زاد الإسماعيليّ في أوَّله من وجهين عن حماد بن زيد: كان لا يُصلِّي من
أوَّل النهار حتَّى تزولَ الشمس ويقول: أُصلِّ ... إلى آخره.
قوله: ((أنْ لا تَحرَّوْا)» أصلُه: تَتَحَرَّوْا، أي: تَقصِدوا، وزاد عبد الرزاق (٣٩٦٨) في آخر
هذا الحديث عن ابن جُرَيج عن نافع: فإنَّ رسول الله وَّلْ نَهَى عن ذلك وقال: ((إنَّه يَطلُع
قَرْن الشيطان مع طُلوع الشمس)).
تنبيه: قال بعض العلماء: المراد بحَصْرِ الكراهة في الأوقات الخمسة إنَّما هو بالنّسبة إلى
الأوقات الأصليَّة، وإلَّا فقد ذَكَروا أنَّه يُكرَه التنقُّل وقتَ إقامة الصلاة، ووقتَ صُعود
الإمام الخُطْبة الجمعة، وفي حالة الصلاة المكتوبة جماعةً لمن لم يُصلِّها، وعند المالكيَّة: كراهة
التنقّل بعد الجمعة حتَّى ينصرف الناس، وعند الحنفيّة: كراهة التنفّل قبلَ صلاة المغرب،
وسيأتي ثبوت الأمر به في هذا ((الجامع الصحيح)) (١١٨٣).

٥٨٦
باب ٣٣/ ح ٥٩٠-٥٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
٣٣- باب ما يصلّ بعد العصر من الفوائت ونحوها
وقال كُرَيبٌّ، عن أُمِّ سَلَمَةَ: صَلَّى النبيُّ ◌َّه بعدَ العصرِ رَكْعتَينِ وقال: ((شَغَلَني ناسٌ مِن
عبدِ القَيسِ عن الرَّكْعتَينِ بعدَ الظُّهر)).
٦٤/٢
٥٩٠- حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ أيمَنَ، قال: حذَّثني أَبي، أنَّه سَمِعَ
عائشةَ قالت: والَّذي ذَهَبَ به ما تَركَهُما حتَّى لَقِيَ اللهَ، وما لَقِيَ اللهَ تعالى حتَّى ثَقُلَ عن
الصلاةِ، وكان يُصلِّ كثيراً مِن صلاتِه قاعداً - تعني: الرَّكْعتَينِ بعدَ العصرِ، وكان النبيُّ ◌َله
يُصلِيهما ولا يُصلِّيهما في المسجدِ تَخَافَةَ أنْ يُنقِّلَ على أُمَّتِهِ، وكان يُحِبُّ ما خَفَّفَ عنهم.
[أطرافه في: ٥٩١، ٥٩٢، ٥٩٣، ١٦٣١]
٥٩١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حذَّثنا هشامٌ، قال: أخبرني أبي، قالت
عائشةُ: ابنَ أُختي، ما تركَ النبيُّ ◌َّهِ السَّجْدَتَينِ بعدَ العصرِ عندي قَطُّ.
٥٩٢- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا الشَّيبانيُّ، قال:
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ الأسوَد، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: رَكْعَتان لم يَكُنْ رسولُ اللهِهـ
يَدَعُهُما ◌ِرَاً ولا عَلَانيَةَ: رَكْعتانٍ قبلَ صلاةِ الصُّبحِ، وَرَكْعتانِ بعدَ العصرِ.
٥٩٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرةَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ قال: رأيتُ الأسوَدَ
ومَسْرُوقاً شَهِدًا على عائشةَ قالت: ما كان النبيُّنَّه يَأْتيني في يومٍ بعدَ العصرِ إِلَّ صَلَى رَكْعَتَين.
قوله: ((باب ما يُصلَّى بعدَ العصر من الفَوائت ونحوِها)) قال الزَّينُ بن المنيِر: ظاهر
الترجمة إخراج النافلة المَحْضة التي لا سبب لها. وقال أيضاً: إنَّ السِّرَّ في قوله: ((ونحوِها»
لِيُدخِلَ فيه رواتبَ النَّوافل وغيرها.
قوله: ((وقال كُرِيبٌ)) يعني مولى ابن عبّاس ((عن أُمَّ سَلَمة ... )) إلى آخره، وهو طرفٌ من
حديث أورَدَه المؤلِّفُ مُطوَّلاً (١٢٣٣) في ((باب إذا كلِّمَ وهو يُصلِّي فأشارَ بيده) قُبَيلَ كتاب
الجنائز، وقال في آخرِه: «أتاني ناس من عبد القيس فشَغَلوني عن الرَّكْعتَينِ اللَّتَيْنِ بعد
الظُّھر، فهما هاتان)).

٥٨٧
باب ٣٣ / ح ٥٩٠- ٥٩٣
كتاب مواقيت الصلاة
قوله في حديث عائشة: ((والَّذي ذَهَبَ به ما تَركَهما حتَّى لَقِيَ الله)) وقولها في الرواية
الأُخرى: ((ما تركَ السجدتَينِ بعد العصر عندي قَطُ))، وفي الرواية الأُخرى: ((لم يكن
يَدَعُهما سِرّاً ولا عَلانيةً))، وفي الرواية الأخيرة: ((ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلَّ صلَّى
رَكْعتَين)»، تمسَّكَ بهذه الروايات مَن أجاز التنقّل بعد العصر مُطلَقاً ما لم يَقصِد الصلاة عند
غُروب الشمس، وقد تقدَّم نَقْلُ المذاهب في ذلك، وأجاب عنه مَن أطلَقَ الكراهة بأنَّ فعلَه
هذا يدلُّ على جواز استدراك ما فاتَ من الرَّواتب من غير كراهة، وأمَّا مواظَبتُه ◌َلِّ على
ذلك فهو من خصائصه، والدليل عليه رواية ذَكْوانَ مولى عائشة أنَّها حدَّثْه: أنَّه وَّ كان
يُصلِّي بعد العصر ويَنْهَى عنها، ويواصل ويَنْهَى عن الوِصال، رواه أبو داود (١٢٨٠)،
ورواية أبي سَلَمَةَ عن عائشة في نحو هذه القصّة وفي آخرِه: وكان إذا صلَّى صلاة أثبتَها،
رواه مسلم (٨٣٥)، قال البيهقيُّ (١): الذي اختَصَّ به وَّر المداومة على ذلك لا أصلُ
القضاء، وأمَّا ما رُوِيَ عن ذَكْوانَ عن أُمّ سَلَمةَ في هذه القصّة أنَّها قالت: ((فقلت: يا
رسول الله، أنَقْضيهما إذا فاتَّتا؟ فقال: لا))، فهي / رواية ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة.
٦٥/٢
قلت: أخرجها الطَّحاويُّ (٣٠٦/١) واحتَجَّ بها على أنَّ ذلك كان من خصائصه وَّه
وفيه ما فيه.
فائدة: روى التِّرمِذيّ (١٨٤) من طريق جَرِير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَيرٍ
عن ابن عبّاس قال: إنَّما صلَّى النبيُّ وَّهِ الرَّكْعَتَينِ بعد العصر لأنَّه أتاه مال فشَغَلَه عن
الرَّكْعَتَينِ بعد الظُّهر، فصَلّاهما بعد العصر، ثمَّ لم يَعُدْ. قال التُّرمِذيّ: حديث حسن.
قلت: هو من روایة جَرِیر عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإِنْ صَحَّ فهو
(١) في ((معرفة السنن والآثار)) ٤٢٧/٣-٤٢٩. والأمر في تضعيفه للزيادة المذكورة في حديث أم سلمة كما
قال، فهي زيادة شاذَّة تفرد بها يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان مولى
عائشة عن أم سلمة، أخرجه من طريقه أحمد في ((مسنده)) (٢٦٦٧٨) وغيره، وخالف يزيد بن هارون
فيه عن حماد غيرُ واحدٍ - كما هو مبين في التعليق على ((المسند)) - فلم يذكروا فيه هذه الزيادة.
واستنكر هذا الحديث بهذه الزيادة ابنُ حزم في (المحلَّ)) ٢/ ٢٧١ وزعم أنه ليس في كتب حماد بن سلمة،
وأعلَّه أيضاً بالانقطاع وقال: لم يسمعه ذكوان من أم سلمة.

٥٨٨
باب ٣٣ / ح ٥٩٠- ٥٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
شاهد لحديث أُمَ سَلَمة، لكنْ ظاهر قوله: ((ثمَّ لم يَعُد)» مُعارض لحديث عائشة المذكور في
هذا الباب، فيُحمَلِ النَّفي على عِلْم الراوي فإِنَّه لم يَطَّلِعِ على ذلك، والمثبِت مُقدَّم على
النافي.
وكذا ما رواه النَّسائيُّ (٥٧٩) من طريق أبي سَلَمةَ عن أُمّ سَلَمة: أنَّ رسول الله وَلهـ
صلَّى في بيتها بعد العصر رَكْعتَينِ مرَّةً واحدةً، الحديث، وفي رواية له (٥٨١) عنها: لم أرَه
يُصلّيهما قبلُ ولا بعدُ. فيُجمَع بين الحديثين بأنَّه ◌َلّه لم يكن يُصلّيهما إلَّا في بيته، فلذلك لم
يَرَه ابن عبّاس ولا أُمّ سَلَمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة في الرواية الأولى: وكان لا
يُصلّيهما في المسجد مخافةَ أنْ يُثقِّل على أُمَّته.
قوله: ((أنَّه سَمِعَ عائشة قالت: والَّذِي ذَهَبَ به)) في رواية البيهقيِّ (٤٥٨/٢) من طريق
إسحاق بن الحسن، والإسماعيليّ من طريق أبي زُرْعةَ، كلاهما عن أبي نُعَيم شيخ البخاري
فيه: أنَّه دخل عليها فسألها عن رَكْعتَينِ بعد العصر فقالت: والذي ذهبَ بنفسِه، تعني
رسولَ اللهِ وَ لِّ، وزاد فيه أيضاً: فقال لها أيمَنُ: إنَّ عمر كان يَنْهَى عنهما ويضرب عليهما،
فقالت: صَدَقْت، ولكنْ كان النبيّ وَ لَ يُصلّهما، فذكره. والخبر بذلك عن عمر أيضاً ثابت
في رواية كُرَيب عن أُمّ سَلَمَةَ التي ذكرنا أنها في ((باب إذا كلِّمَ وهو يُصلِّ)) (١٢٣٣)، ففي
أوَّل الخبر عن كُرَيبِ: أنَّ ابن عبّاس والِسْوَرَ بنَ تَرَمةَ وعبد الرحمن بن أزهَرَ أرسلوه إلى
عائشة فقالوا: اقرأْ عليها السلامَ مِنّا جميعاً وسَلْها عن الرَّكْعَتَينِ بعد صلاة العصر وقُلْ لها:
أَنَّا أُخبِرْنا أَنَّكِ تُصلّينَهما، وقد بَلَغَنا أنَّ النبيَّ نََّ نَهَى عنهما، وقال ابن عبّاس: وقد كنتُ
أضْرِب الناس مع عمر عليهما، الحديث.
تنبيه: روى عبد الرزاق (٣٩٧٢) من حديث زيد بن خالد سبب ضَرْب عمرَ الناسَ
على ذلك فقال عن زيد بن خالد: إنَّ عمر رآه وهو خَلِيفة رَكَعَ بعد العصر فضربه، فذكر
الحديث وفيه: فقال عمر: يا زيدُ، لولا أنّ أخشَى أنْ يتَّخذَهما الناس سُلَّاً إلى الصلاة حتَّى
الليل، لم أضرِبْ فيهما. فلعلَّ عمر كان يرى أنَّ النَّهيَ عن الصلاة بعد العصر إنَّما هو خَشْيَةً
إيقاع الصلاة عند غروب الشمس، وهذا يوافق قول ابن عمر الماضي وما نَقَلْناه عن ابن

٥٨٩
باب ٣٣ / ح ٥٩٠- ٥٩٣
كتاب مواقيت الصلاة
المنذِر وغيره، وقد روى يحيى بن بُكَيرٍ عن الليث عن أبي الأسود عن عُرْوةَ عن تَميم
الدَّاريّ، نحوَ رواية زيد بن خالد وجواب عمر له، وفيه: ولكنّي أخاف أنْ يأتي بعدكم قوم
يُصلّون ما بين العصر إلى المغرب(١) حتَّى يَمُرّوا بالساعة التي نَهَى رسول الله وَِّ أنْ يُصلَّى
فيها. وهذا أيضاً يدلّ لما قلناه، والله أعلم.
قوله: ((ما خَفَّفَ عنهم)) في رواية المُستَمْلي: ((ما يُحُفِّفُ عنهم))، وسيأتي الكلام على
ذلك في أعلام النُّوَّة إن شاء الله تعالى(٢).
قوله: ((هشامٌ)) هو ابن عُزْوة.
قوله: ((ابنَ أُختي)) بالنصب على النِّداء، وحرفُ النِّداء محذوف وأثبتَه الإسماعيليّ في
روایته.
قوله: ((عبدُ الواحد)» هو ابن زياد، والشَّيبانيُّ: هو أبو إسحاق، وأبو إسحاق المذكور في
الإسناد الذي بعده: هو السَّبيعيّ.
قوله: (يَدَعُهما)) زاد النَّسائيُّ (٥٧٧): في بيتي.
فائدة: فَهِمَت عائشة رضي الله عنها من مواظَبَتُهُ مَّ على الرَّكْعتَينِ بعد العصر أنَّ نهيه
وَيّ عن الصلاة بعد العصر حتَّى تَغرُب الشمس مُختصُّ بمَن قَصَدَ الصلاة عند غُروب
الشمس لا إطلاقه، فلهذا قالت/ ما تقدَّم نقلُه عنها، وكانت تَتَنفَّل بعد العصر. وقد ٦٦/٢
أخرجه المصنّف في الحج (١٦٣١) من طريق عبد العزيز بن رُفَيع قال: رأيت ابن الزُّبَير
يُصلِّي رَكْعتَينِ بعد العصر، ويُخْبِرِ أنَّ عائشة حدَّثتْه: أنَّ النبيَّ وَّه لم يدخل بيتَها إِلَّ صَلّاهما.
وكأنَّ ابنَ الزُّبَير فهمَ من ذلك ما فهمَتْه خالته عائشة، والله أعلم. وقد روى النَّسائيُّ
(٥٨١): أنَّ معاوية سأل ابن الزُّبَير عن ذلك فَرَدَّ الحديث إلى أُمّ سَلَمة، فذكرت أُمُّ سَلَمَةَ
(١) في (أ) و(ع): ((إلى الغروب))، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في ((المعجم الكبير)) (١٢٨١) و((الأوسط))
(٨٦٨٤) كلاهما للطبراني، من طريق عبد الله بن صالح عن الليث بهذا الإسناد، وهو أصح من حديث
زید بن خالد.
(٢) لم نقف على مراده بهذا في الموضع المشار إليه.

٥٩٠
باب ٣٤ / ح ٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
قصَّةَ الرَّكْعتَيْنِ حيثُ شُغِلَ عنهما، فَرَجَعَ الأمر إلى ما تقدَّم.
تنبيه: قول عائشة: ((ما تَرَكَهما حتَّى لَقِيَ الله عَّ وجَلّ)) وقولها: (لم يكن يَدَعُهما))
وقولها: ((ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلَّ صلَّى رَكْعتَين))، مرادها من الوقت الذي شُغِلَ
عن الرَّكْعَتَينِ بعد الظَّهر فصَلّاهما بعد العصر، ولم تُرِدْ أنَّه كان يُصلِّ بعد العصر رَكْعتَينِ
من أوَّل ما فُرِضَت الصَّلَوات مَثلاً إلى آخر عُمُرِهِ، بل في حديث أُمّ سَلَمَةَ ما يدلُّ على أنَّه لم
يكن يفعلهما قبلَ الوقت الذي ذكرت أنَّه قَضَاهما فیه.
٣٤ - باب التبكير بالصلاة في يوم غَيْم
٥٩٤- حذَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى - هو ابنُ أبي كَثِير - عن أبي
قِلابةَ، أنَّ أبا المَلِيحِ حدَّثه قال: كنَّا مع بُرَيدةَ في يومٍ ذي غَيمِ فقال: بَكِّرُوا بالصلاةِ، فإنَّ النبيَّ
﴿مِّ قال: ((مَن تَرَكَ صلاةَ العصرِ حَبِطَ عَمَلُه)).
قوله: ((باب التَّبكير بالصلاة في يومٍ غَيْمِ)) أورَدَ فيه حديث بُرَيدةَ الذي تقدَّم في أوقات
العصر (٥٥٣) في ((باب مَن تركَ العصر))، قال الإسماعيلي: جعل البخاري الترجمة لقول
بُرَيدةَ لا للحديث، وكان حقُّ هذه الترجمة أنْ يُورِدَ فيها الحديث المطابقَ لها، ثمَّ أورَدَه من
طريق الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثيرٍ بلفظ: ((بَكِّروا بالصلاة في يوم الغَيم، فإنَّ مَن تركَ
صلاة العصر حَبِطَ عملُه)).
قلت: من عادة البخاري أنْ يُترجِمَ ببعض ما تَشتمِل عليه ألفاظُ الحديث ولو لم
يُورِدها، بل ولو لم يكن على شرطه، فلا إيراد عليه. ورُوينا في ((سنن سعيد بن منصور))
عن عبد العزيز بن رُفَيع قال: بلَغَنا أنَّ رسول الله وَّةٍ قال: ((عَجِّلوا صلاة العصر في يوم
الغَيم))، إسناده قويٌّ مع إرساله، وقد تقدَّم الكلام على المتن (٥٥٣) في («باب مَن تركَ
العصر)).
فائدة: المراد بالتبكير المبادَرةُ إلى الصلاة في أوَّل الوقت، وأصلُ التبكير: فعلُ الشيء
بُكْرةً، والبُكْرةُ: أوَّل النهار، ثمَّ استُعمِلَ في فعل الشيء في أوَّل وقته. وقيل: المراد تعجيل

٥٩١
باب ٣٥ / ح ٥٩٥
كتاب مواقيت الصلاة
ءِ
العصر وجمعُها مع الظّهر، ورُوِيَ ذلك عن عمر قال: إذا كان يومُ غَيم فأخِّروا الظُّهر
وعَجِّلوا العصر(١).
٣٥ - باب الأذان بعد ذهاب الوقت
٥٩٥- حدَّثْنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرة، قال: حدَّثْنا محمَّدُ بنُ فُضَيل، قال: حدَّثنا حُصَيْنٌّ، عن
عبدِ الله بنِ أبي قَتَادة، عن أبيه قال: سِرْنا مع النبيِّ وٍَّ ليلةً، فقال بعضُ القَوْمِ: لو عَرَّسْتَ بنا يا
رسولَ الله، قال: ((أخافُ أنْ تَنامُوا عن الصلاةِ» قال بلالٌ: أنا أُوقِظُكُم. فاضطَجَعُوا وأسنَدَ
بلالٌ ظَهْرَه إلى راحلَتِهِ فَغَلَبَتْه عَيْناهُ فنامَ، فاستَيْقَظَ النبيُّ ◌َّه وقد طَلَعَ حاجِبُ الشمسِ، فقال:
((يا بلالُ، أينَ ما قلتَ؟» قال: ما أُلِقِيَتْ عليَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قال: «إنَّ اللهَ قَبَضَ أرواحَكُم حينَ
شاءَ، وَرَدَّها عَلَيكُم حينَ شاءَ، يا بلالُ قُمْ فأذِّنْ بالنَّاسِ بالصلاةِ) فتوضَّأَ، فلمَّا/ ارتَفَعَتِ ٦٧/٢
الشمسُ وابْباضَّتْ قامَ فصَلَّى.
قوله: ((باب الأذان بعدَ ذهاب الوقت)) سَقَطَ لفظ ((ذهاب)) من رواية المُستَمْلي، قال
ابن المنيِّرِ: إِنَّمَا صَرَّحَ المؤلِّف بالحُكْم على خلاف عادته في المختلف فيه لقوَّة الاستدلال من
الخبر على الحُكْم المذكور.
قوله: ((حدَّثنا حُصَينٌ)) هو ابن عبد الرحمن الواسطيّ.
قوله: ((سِرْنا مع النبيّ ◌َ﴿ ليلةً)) كان ذلك في رجوعه من خَيْبر، كذا جَزَمَ به بعض
الشُّراح معتمداً على ما وقع عند مسلم (٦٨٠) من حديث أبي هريرة، وفيه نظر، لما بيَّتُه
في ((باب الصَّعيد الطيِّب)) من كتاب التيمُّم.
ولأبي نُعيم في ((المستخرَج)) من هذا الوجه في أوَّله: كنَّا مع النبيّ ◌َّهِ وهو يسيرُ بنا،
وزاد مسلم (٦٨١) من طريق عبد الله بن رَباح عن أبي قتادةَ في أوَّل الحديث قصَّة له في
مَسِيره مع النبيّ وٍَّ، وأنَّ وَّلْ نَعَسَ حتَّى مالَ عن راحلته، وأنَّ أبا قتادةَ دَعَمَه ثلاثَ
مَرّات، وأنَّه في الأخيرة مالَ عن الطريق فنزل في سبعة أنفُس فَوَضَعَ رأسه ثمَّ قال: ((احفَظُوا
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢٣٧/٢، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٨٢/٢.

٥٩٢
باب ٣٥/ ح ٥٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
علينا صلاتَنا))، ولم يَذكُر ما وقع عند البخاري من قول بعض القوم: ((لو عَرَّستَ بنا)) ولا
قول بلال: ((أنا أوقِظُكم))، ولم أقِف على تسمية هذا السائل. والتَّعْريس: نزول المسافر لغير
إقامة، وأصله: نزولُ آخر الليل، وجواب ((لو)) محذوف تقديره: لكان أسهلَ علينا.
قوله: ((أنا أُوقِظُكُم)) زاد مسلم في رواية: ((فمَن يُوقِظُنا؟ قال بلال: أنا)(١).
قوله: «فغلبته عيناه)» في رواية السَّرخسيّ: ((فغَلَبَت» بغیر ضمیر.
قوله: ((فاسْتَقَظَ النبيّ ◌َِّهِ وقد طَلَعَ حاجِبُ الشمس)) في رواية مسلم (٦٨١): «فكان
أوَّلَ مَنِ اسْتَقَظَ النبيُّ نَّهِ و الشمس في ظَهْرِه.
قوله: ((يا بلالُ، أينَ ما قلتَ؟)) أي: أينَ الوفاء بقولك: أنا أوقِظُكم.
قوله: ((مِثْلُها)» أي: مثلُ النَّومة التي وقعت له.
قوله: ((إنَّ الله قَبَضَ أرواحَكُمْ)) هو كقوله تعالى: ﴿ اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى
لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ولا يَلْزم من قَبْض الرُّوح الموتُ، فالموت انقطاع تَعلَّق
الرّوح بالبدنِ ظاهراً وباطناً، والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط. زاد مسلم: ((أمَا إنَّه ليس في
النوم تفريطٌ)) الحديث.
قوله: ((حين شاءَ))، ((حين)) في الموضعين ليس لوقت واحد، فإنَّ نومَ القوم لا يَتَّفِق غالباً
في وقت واحد بل يَتَتَابَعون، فيكون ((حين» الأولى خبراً عن أحيان مُتعدِّدة.
قوله: ((قُمْ فأذِّنْ بالنّاسِ بالصلاة)) كذا هو بتشديد ذال ((أَذِّنْ)) وبالموحّدة فيهما،
وللكُشْمِيهَنيّ: ((فازِنْ)) بالمدِّ وحذف الموحَّدة من ((بالناس)). وآذِنْ معناه: أعلِمْ، وسيأتي ما
فیه بعدُ.
قوله: ((فتوضَّأ)) زاد أبو نُعَيم في ((المستخرَج)): ((فتوضَّأ الناس، فلمَّا ارتفعت)»، في رواية
المصنِّف في التوحيد (٧٤٧١) من طريق هُشَيم عن حُصَين: ((فقَضَوْا حوائجهم فتوضَّؤوا
(١) هذه الزيادة ليست في رواية مسلم، وهي في حديث أبي قتادة عند أحمد (٢٢٦١١)، والنسائي في
«الكبرى)» (١١٣٨٤).

٥٩٣
باب ٣٥ / ح ٥٩٥
كتاب مواقيت الصلاة
إلى أنْ طَلَعَت الشمس)) وهو أبيَنُ سياقاً، ونحوُه لأبي داود (٤٣٩) من طريق خالد عن
حُصَين، ويُستَفاد منه أنَّ تأخيرَه الصلاة إلى أنْ طَلَعَت الشمس وارتفعت كان بسبب
الشُّغْل بقضاء حوائجهم، لا لخروج وقت الكراهة.
قوله: ((وابْياضَّتْ)) وزْنه: افعالَّ بتشديد اللّام، مثلُ: احمارَّ وابهارَ، أي: صَفَت. وقيل:
إنَّما يقال ذلك في كلّ لون بين لونَينٍ، فأمَّا الخالص من البياض مَثلاً فإنّما يقال له: أبيضُ.
قوله: «فصَلَّى» زاد أبو داود: بالناس.
وفي الحديث من الفوائد: جواز الْتِماس الأتباع ما يتعلَّقُ بمَصالِحِهِم الدُّنيَويَّة وغيرها،
ولكنْ بصيغة العَرْض لا بصيغة الاعتراض، وأنَّ على الإمام أنْ يُراعيَ المصالح الدّينيّة
والاحتراز عمَّا يحتمل فواتَ العبادة عن وقتها بسببه، وجوازُ الْتِزام الخادم القيامَ بمُراقَبة
ذلك، والاكتفاء في الأُمور المهمَّة بالواحد، وقَبُول العُذْر مِمَّن اعتَذَرَ بأمرٍ سائغ، وتسويغُ
المطالبة بالوفاء بالالتِزام، وتَوَجَّهَت المطالَبة على بلال بذلك تنبيهاً له على اجتناب الدَّعْوَى
والِّقة بالنَّفْس وحُسْن الظنّ بها لا سيَّما في مَظانٌ / الغَلَبة وسَلْب الاختيار، وإنَّما بادرَ بلال ٦٨/٢
إلى قوله: ((أنا أُوقِظُكم)) اتِباعاً لعادتِه في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت لأجل الأذان، وفيه
خروج الإمام بنفسِه في الغَزَوات والسَّرايا.
وفيه الرَّدُّ على مُنكِرِي القَدَر وأنَّه لا واقعَ في الكَوْن إِلَّا بِقَدَر.
وفي الحديث أيضاً ما تَرجَمَ له وهو الأذان للفائتة، وبه قال الشافعيُّ في القديم وأحمد
وأبو ثَوْر وابن المنذر، وقال الأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيّ في الجديد: لا يُؤذَّنُ لها، والمختار
عند كثير من أصحابه أنْ يُؤذَّنَ لصِحَّة الحديث، وحَملُ الأذان هنا على الإقامة مُتَعقَّب، لأنَّه
عَقَّبَ الأذانَ بالوُضوءِ ثمَّ بارتفاع الشمس، فلو كان المراد به الإقامة لمَا أَخَّرَ الصلاة عنها،
نعم يمكن حمله على المعنى اللُّغَويِّ وهو مَحَضُ الإعلام، ولا سيَّما على رواية الكُشْمِيھَنيّ.
وقد روى أبو داود (٤٤٣) وابن المنذر (٣١/٣-٣٢) من حديث عِمْرانَ بن حُصَين في نحو
هذه القصَّة: ((فأمر بلالاً فأذَّنَ فصَلَّينا رَكْعتَين، ثمَّ أمره فأقامَ فصلَّى الغَدَاة)). وسيأتي الكلام

٥٩٤
باب ٣٦ / ح ٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
على الحديث الذي احتَجَّ به مَن لم يَرَ التأذين في الباب بعد هذا
وفيه مشروعيّة الجماعة في الفوائت، وسيأتي في الباب الذي بعده أيضاً، واستدلَّ به
بعض المالكيَّة على عَدَم قَضاء السُّنَّة الرّاتبة لأنَّه لم يَذكر فيه أنَّهم صَلَّوْا رَكْعَتَي الفجر، ولا
دلالةَ فيه، لأنَّه لا يَلْزم من عَدَم الذِّكر عَدَمُ الوقوع، ولا سيّما وقد ثبت أنَّه رَگَعَهما في حديث
أبي قتادةَ هذا عند مسلم (٦٨١)، وسيأتي في بابٍ مُفرَدٍ لذلك في أبواب التطوُّع(١).
واستدلَّ به المهلَّبُ على أنَّ الصلاة الوُسطَى هي الصبح قال: لأنَّه وَّه لم يأمُر أحداً
بِمُراقَبة وقت صلاة غيرها، وفيما قاله نظرٌّ لا يخفى، قال: ويدلَّ على أنَّها هي المأمورُ
بالمحافظة عليها، أنَّه وَّه لم تَفْتْه صلاةٌ غيرُها لغيرِ عُذْرِ شُغْلِه عنها. انتهى، وهو كلام
مُتَدَافَع، فأيُّ عُذْر أبيَنُ من النوم.
واستدلَّ به على قَبُول خبر الواحد، قال ابن بَزِيزة: وليس هو بقاطع فيه لاحتمال أنَّه
وَيُّ لم يَرجِع إلى قول بلال بمُجرَّدِه، بل بعد النَّظر إلى الفجر لو استَقَظَ مثلاً، وفيه جواز
تأخير قضاء الفائتة عن وقت الانتباه مثلاً. وقد تقدَّم ذلك مع بقيّة فوائده في ((باب الصَّعيد
الطيِّب)) من كتاب التيمُّم (٣٤٤).
٣٦- باب من صلی بالناس جماعةً بعد ذهاب الوقت
٥٩٦- حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن جابرِ بنِ
عبدِ الله: أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ جاءَ يومَ الخندق بعدَ ما غَرَبتِ الشمسُ، فجعل يَسُبُّ كُفّارَ
قُرَيشٍ قال: يا رسولَ الله، ما كِدْتُ أُصَلّى العصرَ حتَّى كادتِ الشمسُ تَغْرُبُ، قال النبيُّ ◌َّ:
((والله ما صَلَّيْتُها)) فقُمْنا إلى بُطْحانَ فتوضَّأ للصلاة وتوضَّأْنا لها، فصَلَّى العصرَ بعدَما غَرَبَتِ
الشمسُ، ثمَّ صَلَّى بعدَها المغربَ.
[أطرافه في: ٥٩٨، ٩٤٥،٦٤١، ٤١١٢]
قوله: ((باب مَن صَلَّى بالنّاسِ جماعةً بعدَ ذهاب الوَقْت)) قال الزَّينُ بن المنيِر: إنَّما قال
البخاري: ((بعد ذهاب الوقت)) ولم يقل مثلاً: من صلَّى صلاة فائتة، للإشعار بأنَّ إيقاعَها
(١) بل في كتاب تقصير الصلاة: ١٢ - باب من تطوع في السفر، بين يدي الحديث (١١٠٣).

٥٩٥
باب ٣٦ / ح ٥٩٦
كتاب مواقيت الصلاة
كان قُرْبَ خروج وقتها، لا كالفوائتِ التي جُهِلَ يومُها أو شهرُها . ..
قوله: ((هشامٌ)) هو ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائيُّ، ويحيى: هو ابن أبي كثير، وأبو سَلَمة:
هو ابن عبد الرحمن.
قوله: ((أنَّ عمر بن الخَطَّابِ)) قد اتَّفَقَ الرُّواة على أنَّ هذا الحديث من رواية جابر عن
النبيّ وَّهِ إِلَّ حَجّاجَ بنَ نُصَير، فإنَّه رواه عن عليّ بن المبارَكِ عن يحيى بن أبي كثيرٍ فقال فيه:
((عن جابر عن عمر)) فجعله من مسند عمر، تَفرَّدَ بذلك حَجّاجٌ وهو ضعيفٌ.
قوله: ((يومَ الخندق)) سيأتي شرحُ أمره في كتاب المغازي (٤٠٩٧- ٤١١٦).
قوله: ((بعدَما غَرَبَت الشمس)»/ في رواية شَيْبانَ عن يحيى عند المصنّف (٦٤١): ((وذلك ٦٩/٢
بعدما أفطَرَ الصائم)) والمعنى واحدٌ.
قوله: ((يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيشٍ)) لأنَّهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إمَّا
المختار كما وقع لعمر، وإمَّا مُطلَقاً كما وقع لغيره.
قوله: ((ما كِدْت)) قال اليَعْمَرِيُّ: لفظةُ ((كاد)) من أفعال المقارَبة، فإذا قلت: كاد زيدٌ
يقوم، فُهِمَ منها أنَّه قارَبَ القيام ولم يَقُم، قال: والرّاجح فيها أنْ لا تُقرَنَ بـ((أنْ))، بخلاف
(عَسَى)) فإنَّ الرّاجح فيها أنْ تُقرَن. قال: وقد وقع في مسلم (٦٣١) في هذا الحديث: حتَّى
كادت الشمس أنْ تَغرُب. قلت: وفي البخاري (٤١١٢) في ((باب غزوة الخندق)) أيضاً.
قال: وهو من تصرُّف الرُّواة، وهل تَسُوغُ الرواية بالمعنى في مثل هذا أو لا؟ والظاهر
الجواز، لأنَّ المقصود الإخبار عن صلاته العصرَ كيف وقعت، لا الإخبار عن عمر هل
تكلَّم بالرّاجحة أو المرجوحة. قال: وإذا تَقرَّرَ أنَّ معنى ((كاد)) المقارَبة، فقول عمر: ((ما
كِدْت أُصلِّى العصر حتَّى كادت الشمس تَغْرُب)» معناه: أنَّه صلَّى العصر قُرْبَ غُروب
الشمس، لأنَّ نفيَ الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغُروب يقتضى نفيَه، فَتَحَصَّلَ من ذلك
لعمر ثبوتُ الصلاة ولم یثبُت الغروب، انتھی.
وقال الكِرْمانيُّ: لا يَلْزم من هذا السياق وقوعُ الصلاة في وقت العصر، بل يَلْزم منه أنْ

٥٩٦
باب ٣٦ / ح ٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
لا تَقَعَ الصلاة، لأنَّه يقتضي أنَّ كَيدودَتَه كانت عند کَیدودَتها، قال: وحاصله عُرْفاً: ما
صلَّيت حتَّى غَرَبَت الشمس، انتهى.
ولا يخفى ما بين التَّقْرِيرَينِ من الفَرْق، وما ادَّعاه من العُرْف ممنوع وكذا العنديَّةُ،
للفَرْق الذي أوضحَه الْيَعْمَرِيُّ من الإثبات والنَّفْي، لأنَّ ((كاد)» إذا أُثْبَتَت نَفَت، وإذا
نُفِيَت(١) أَثْبِتَت، كما قال فيها المَعرِّي مُلغِزاً:
وإنْ أُثبِتَت قامت مقامَ جُحودِ
إذا نُفِيَتْ والله أعلمُ أَثبتَتْ
هذا إلى ما في تعبيره بلفظ كَيدودةٍ من الثِّقَل، والله الهادي إلى الصواب.
فإِنْ قيل: الظاهر أنَّ عمر كان مع النبيّ ◌َ ﴿، فكيف اختُصَّ بأنْ أدرَكَ صلاة العصر
قبلَ غُروب الشمس بخلاف بقيّة الصحابة، والنبيُّ ◌َ ﴿ معهم؟ فالجواب: أنَّه يحتمل أنْ
يكون الشُّغْلُ وقع بالمشركينَ إلى قُرْب غُروب الشمس، وكان عمر حينئذٍ متوضِّئاً، فبادرَ
فأوقَعَ الصلاة، ثمَّ جاء إلى النبيّ ◌َّرِ فأعلمَه بذلك في الحال التي كان النبيّ ◌َّ فيها قد
شَرَعَ يَتهيّا للصلاة، ولهذا قامَ عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.
وقد اختُلِفَ في سبب تأخير النبيِّ وَ﴿ الصلاةَ ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نِسْياناً،
واستُبعِدَ أنْ يقعَ ذلك من الجميع. ويمكن أنْ يُستَدَلَّ له بما رواه أحمد (١٦٩٧٥) من
حديث أبي جُمعة: أنَّ رسول الله ﴿ صلَّى المغرب يومَ الأحزاب، فلمَّا سَلَّمَ قال: ((هل علم
رجلٌ منكم أنّ صلَّيتُ العصر؟)) قالوا: لا يا رسول الله، فصلَّ العصر ثمَّ صلَّى المغرب.
انتهى، وفي صِحَّة هذا الحديث نظرٌّ (٢)، لأنَّه مخالف لما في ((الصحيحين)) من قوله وَل
لعمر: ((والله ما صلَّيتُها)»، ويمكن الجمع بينهما بتكلُّف.
وقیل: کان عَمْداً، لگوْنهم شغَلوہ فلم يُمگِّنوه من ذلك، وهو أقرب، لا سيَّما وقد وقع
عند أحمد (١١٤٦٥) والنَّسائيِّ (٦٦١) من حديث أبي سعيد: أنَّ ذلك كان قبلَ أنْ ينزلَ الله
(١) في (س) والأصلين: نفت، والصواب ما أثبتناه على مقتضى إلغاز المعرِّي. وانظر ((مغني اللبيب)) لابن
هشام ٢/ ٦٦١ - ٦٦٢.
(٢) في إسناده عبد الله بن لهيعة، وهو سيِّئع الحفظ.

٥٩٧
باب ٣٦/ ح ٥٩٦
كتاب مواقيت الصلاة
في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًّا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وقد اختُلِفَ في هذا الحُكْم: هل نُسِخَ أو لا، كما سيأتي
في كتاب صلاة الخوف (٩٤٥) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((بُطْحان)) بضمِّ أوَّلِه وسكون ثانيه: وادٍ بالمدينة، وقيل: هو بفتح أوَّله وكسر
ثانیه، حكاه أبو ◌ُبيدٍ البحريّ.
قوله: ((فصَلَّى العصر)) وقع في ((الموطَّأ)) (١٨٤/١ -١٨٥) من طريق أُخرى: أنَّ الذي
فاتَهم الظُّهرُ والعصرُ، وفي حديث أبي سعيد الذي أشَرْنا إليه: الظَّهر والعصر والمغرب،
وأَهم صَلَّوْا بعد هُوِيٍّ من الليل، وفي حديث ابن مسعود عند التِّرمِذيّ (١٧٩) والنَّسائيِّ
(٦٦٢): إنَّ المشركينَ شَغَلوا رسول اللهِ وَّهِ عن أربع صَلَوات يومَ الخندق حتَّى ذهبَ من
الليل ما شاءَ الله. وفي قوله: ((أربع)) تجوُّز، لأنَّ العِشاء لم تكن فاتَت.
قال الْيَعْمَريُّ: من الناس مَن رَجَّحَ ما في ((الصحيحين))، وصَرَّحَ بذلك ابنُ العربيّ
فقال: / الصحيح أنَّ الصلاة التي شُغِلَ عنها واحدة وهي العصر. قلت: ويؤيِّده حديث ٧٠/٢
عليّ في مسلم (٦٢٧ / ٢٠٥): شَغَلونا عن الصلاة الوُسطَى صلاة العصر.
قال: ومنهم مَن جمع بأنَّ الخندَقَ كانت وَفْعتُه أياماً، فكان ذلك في أوقاتٍ مُخُتِلِفة في
تلك الأيام، قال: وهذا أولى.
قلت: ويُقرِّبه أنَّ روايتَي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تَعرُّضُ لقصَّة عمر، بل
فيهما أنَّ قَضاءَه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأمَّا رواية حديث الباب، ففيها أنَّ
ذلك كان عَقِبَ غُروب الشمس.
قال الكِرْمانيُّ: فإنْ قلتَ: كيف دَلَّ الحديث على الجماعة؟ قلتُ: إمَّا أنَّه يحتمل أنَّ في
السياق اختصاراً، وإمَّا من إجراء الراوي الفائتةَ التي هي العصر والحاضرةَ التي هي
المغرب مجرّى واحداً، ولا شكَّ أنَّ المغرب كانت بالجماعة لما هو معلوم من عادتِه. انتهى،
وبالاحتمال الأوَّل جَزَمَ ابن المنيِّرِ زَينُ الدّین فقال: فإن قيل: ليس فيه تصریحٌ بأنَّه صلَّى في
جماعة، أُجيبَ بأنَّ مقصود الترجمة مستفاد من قوله: فقامَ وقُمْنا، وتوضَّأ وتوضَّأْنا.

٥٩٨
باب ٣٦ / ح ٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: الاحتمال الأوَّل هو الواقع في نفس الأمر، فقد وقع في رواية الإسماعيليّ ما
يقتضي أنَّه وَِّ صلَّى بهم، أخرجه من طريق يزيد بن زُرَيع عن هشام بلفظ: فصلّى بنا
العصر.
وفي الحديث من الفوائد: ترتيبُ الفوائت، والأكثر على وجوبه مع الذِّكر لا مع
النِّسْيان، وقال الشافعي: لا يجبُ الترتيبُ فيها، واختلفوا فيما إذا تَذَكَّرَ فائتة في وقتٍ
حاضرة ضَيِّقَ: هل يبدأ بالفائتة وإنْ خرج وقت الحاضرة، أو يبدأ بالحاضرة، أو يَتخيَّر؟
فقال بالأوَّل مالك، وقال بالثاني الشافعيّ وأصحاب الرَّأْي وأكثر أصحاب الحديث،
وقال بالثالثِ أشهَبُ، وقال عِيَاض: محلُّ الخلاف إذا لم تَكثُر الصَّلَوات الفوائت، فأمَّا إذا
كَثُرَت فلا خلاف أنَّه يبدأ بالحاضرة، واختلفوا في حَدّ القليل، فقيل: صلاة يوم، وقيل:
أربع صَلَوات.
وفيه جواز اليمين من غير استحلاف إذا اقتَضَت مصلحة من زيادة طُمَأْنينة، أو نفي
تَوَهُّم. وفيه ما كان النبيُّ ◌َِّ عليه من مَكارِم الأخلاق وحُسْنِ التَّأنّ مع أصحابه وتألُّفِهم
وما ينبغي الاقتداءُ به في ذلك.
وفيه استحباب قضاء الفوائت في الجماعة، وبه قال أكثر أهل العِلْم إلَّا الليثَ مع أنَّه
أجاز صلاة الجمعة جماعةً إذا فاتت، والإقامةُ للصلاة الفائتة، واستُدلَّ به على عَدَم
مشروعيَّة الأذان للفائتة، وأجاب مَن اعتبَرَه بأنَّ المغربَ كانت حاضرة ولم يذكُر الراوي
الأذان لها، وقد عُرِفَ من عادتِهِ وَّهِ الأذان للحاضرة، فدَلَّ على أنَّ الراويَ تركَ ذِكرَ ذلك
لا أنَّه لم يقع في نفس الأمر، وتُعُقِّبَ باحتمال أنْ تكون المغرب لم يَتهيَّأْ إيقاعُها إلَّا بعد
خروج وقتها على رَأي مَن يذهبُ إلى القول بتضييقِهِ، وعَكَسَ ذلك بعضُهم فاستَدلَّ
بالحديث على أنَّ وقتَ المغرب مُتَّسِع، لأنَّ قَدَّمَ العصرَ عليها، ولو كان ضَيِّقاً لَبدأً بالمغرب،
ولا سيّما على قول الشافعيّ في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأنَّ وقتَ المغرب
ضَيِّقٌ، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث، وهذا في حديث جابر، وأمَّا حديث أبي سعيد
فلا يأتي فيه هذا لما تقدَّم أنَّ فيه: أنَّه وَلِّ صلَّى بعد مُضيِّ هُوِيٌّ من الليل.

٥٩٩
باب ٣٧ / ح ٥٩٧
كتاب مواقيت الصلاة
٣٧- باب من نسي صلاةً فليصلِّ إذا ذَكَرَها
ولا يُعِيدُ إلا تلك الصلاةَ
وقال إبراهيمُ: مَن تركَ صلاةً واحدةً عشرينَ سنةً، لم يُعِدْ إلا تلكَ الصلاةَ الواحدةَ.
٥٩٧- حدَّثنا أبو نُعَيم وموسى بن إسماعيلَ، قالا: حدَّثنا همٌَّ، عن قَتَادة، عن أنسِ،
عن النبيِّ بََّ قال: «مَن نَسِيَ صلاةً فلْيُصلِّ إذا ذَكَرَها، لا كَفّارةَ لها إلا ذلكَ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ
لِذِكْرِىّ﴾ [طه:١٤])).
قال موسى: قال همَّامٌ: سمعتُه يقولُ بعدُ: ((وأَقِم الصلاةَ للذِّكْرَى)).
وقال حَبّانُ: حدَّثنا همَّامٌ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، حدَّثنا أنسِّ، عن النبيِّ ◌ٍَّ ... نحوَه.
قوله: ((باب مَن نسيَ صلاةً فلْيُصلِّ إذا ذَكَرها، ولا يُعيدُ إلّا تلكَ الصلاةَ)) قال عليّ بن ٧١/٢
المنیِّر: صرَّحَ البخاري بإثبات هذا اُكْم مع گَوْنه ممّا اختُلِفَ فيه لقوّة دليله، ولگوْنه على
وَفْق القياس، إذ الواجب خمس صَلَوات لا أكثرُ، فمَن قَضَى الفائتةَ كَمَّلَ عدد المأمور به،
ولكَوْنه على مُقتَضى ظاهر الخطاب لقول الشارع: ((فلْيُصلِّها)) ولم يَذكُر زيادة، وقال أيضاً:
((لا كَفّارة لها إلَّ ذلك))، فاستُعيدَ من هذا الحَصْرِ أنه لا يجب غيرُ إعادتها، وذهبَ مالك إلى
أَنَّ مَن ذكر بعد أنْ صلَّى صلاة أنَّه لم يُصلِّ التي قبلها، فإنَّه يُصلِي التي ذكر ثمَّ يُصلِّي التي
کان صَلّاها مُراعاً للترتیب، انتھی.
ويحتمل أنْ يكون البخاري أشارَ بقوله: ((ولا يعيد إلّا تلك الصلاة)) إلى تضعيف ما
وقع في بعض طرق حديث أبي قتادةَ عند مسلم (٦٨١) في قصَّة النوم عن الصلاة حيثُ
قال: «فإذا كان الغَدُ فليُصلِّها عند وقتها)»، فإنَّ بعضهم زَعَمَ أنَّ ظاهره إعادة المقضيّة
مَرَّتَين: عند ذِكْرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، ولكنَّ اللفظَ المذكور ليس نَصّاً
في ذلك، لأنَّه يحتمل أنْ يريدَ بقوله: ((فلْيُصلِّها عند وقتها)) أي: الصلاة التي تَحضُر، لا أنَّه
يريد أنْ يُعيدَ التي صَلّها بعد خروج وقتها، لكنْ في رواية أبي داود من حديث عِمْرانَ بن
خُصَين في هذه القصَّة: ((مَن أدرَكَ منكم صلاة الغداة من غَدٍ صالحاً، فليَقْضِ معها

٦٠٠
باب ٣٧ / ح ٥٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
مِثْلَها))(١)، قال الخطّابيُّ: لا أعلم أحداً قال بظاهرِه وجوباً. قال: ويُشْبِه أنْ يكون الأمر فيه
للاستحباب ليَحُوزَ فضيلة الوقت في القضاء. انتهى، ولم يقل أحدٌ من السَّلَف باستحباب
ذلك أيضاً، بل عَدُّوا الحديث غَلَطاً من راويه، وحكى ذلك التِّرمِذيُّ وغيرُه عن البخاريّ،
ويؤيِّد ذلك ما رواه النَّسائيُّ من حديث عِمْرانَ بن حُصَين أيضاً: أنَّهم قالوا: يا رسول الله،
ألا نَقْضيها لوقتِها من الغد؟ فقال ◌َِّ: ((لا يَنْهاكم الله عن الرِّبا ويأخذُه منكم))(٢).
قوله: ((وقال إبراهيم)) أي: النَّخَعيُّ: وأثره هذا موصول عند الّوريّ في («جامعه)) عن
منصور وغيره عنه.
قوله: ((عن همَّام)) هو ابن يحيى، والإسناد كلُّه بصرُّون.
قوله: ((مَن نَسِيَ صلاة فليُصلِّ)) كذا في جميع الروايات بحذف المفعول، ورواه مسلم
(٣١٤/٦٨٤) عن هَدّاب بن خالد عن هَمَّام بلفظ: ((فلْيُصلِّها)) وهو أبيَنُ للمُرَاد، وزاد
مسلم (٦٨٤ /٣١٥) أيضاً من رواية سعيد عن قتادة: ((أو نامَ عنها))، وله (٣١٥/٦٨٤) من
رواية المثنَّى بن سعيد الضُّبَعيِّ عن قتادةَ نحوُه، وسيأتي لفظُه، وقد تمسّكَ بدليل الخطاب
منه القائل: إنَّ العامد لا يَقْضى الصلاة، لأنَّ انتفاء الشَّرْط يستلزم انتفاء المشروط، فيَلْزم
منه أنَّ مَن لم يَنْسَ لا يُصلِّ، وقال: مَن قال: يَقْضي العامد، بأنَّ ذلك مستفاد من مفهوم
الخطاب، فيكون من باب التنبيه بالأدنَى على الأعلى، لأنَّه إذا وَجَبَ القضاء على الناسي
- مع سقوط الإثم ورَفْع الحرج عنه - فالعامد أَولی.
واذَّعَى بعضهم أنَّ وجوب القضاء على العامد يُؤْخَذ من قوله: ((نسيَ)) لأنَّ النِّسْيان
يُطلَقُ على التَّرْك، سواء كان عن ذُهولٍ أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُواْ اللَّ فَأَنْسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ}
[الحشر: ١٩]، ﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، قال: ويقوِّي ذلك قولُه: ((لا كَفّارةَ لها))،
والنائم والناسي لا إثم عليه.
(١) بل هو عند أبي داود (٤٣٨) من حديث أبي قتادة، وليس من حديث عمران بن حصين.
(٢) ليس هو في النسائي، وأخرجه أحمد (١٩٩٦٤)، وفي إسناده انقطاع، الحسن البصري لم يسمع من عمران
ابن حصین، وانظر تمام تخريجه في ((الممند)).