Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب ٦٩ / ح ٤٥٤ -٤٥٥ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد لحسَّان: ((أجِبْ عنِّي)) كان في المسجد، وأنَّه أنشَدَ فيه ما أجابَ به المشركين. وقال غيره: يحتمل أنَّ البخاري أراد أنَّ الشِّعرَ المشتمِلَ على الحقِّ حقٌّ، بدليل دعاء النبيِّ وَّ لحسَّان على شِعْره، وإذا كان حقّاً جاز في المسجد كسائرِ الكلام الحقّ، ولا يُمنَعُ منه كما يُمنَعُ من غيره من الكلام الخبيث/ واللَّغْو الساقط. ٥٤٩/١ قلت: والأوَّلُ الْيَق بتصرُّف البخاريِّ، وبذلك جَزَمَ المازَرِيُّ وقال: إنَّما اختصر البخاري القِصَّة لاشتهارها، ولگونه ذكرها في موضع آخر، انتھی. وأمَّا ما رواه ابن خُزَيمةَ في «صحيحه)) (١٣٠٤) والتِّرمِذيُّ (٣٢٢) وحَسَّنَه من طريق عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه قال: نَهَى رسول اللهِوََّ عن تَناشُدِ الأشعار في المساجد. وإسناده صحيح إلى عَمْرو، فمَن يُصحِّحُ نُسختَه يُصحِّحُه، وفي النَّهْى(١) عِدّة أحاديثَ لكنَّ في أسانيدها مَقال، فالجمع بينها وبين حديث الباب أنْ يُحمَّلَ النهيُ على تَناشُدِ أشعار الجاهليّة والمُبطِلين، والمأذون فيه ما سَلِمَ من ذلك. وقيل: المنهيُّ عنه ما إذا كان التناشدُ غالباً على المسجد حتَّى يَتشاغَلَ به من فيه. وأبعَدَ أبو عبد الملك البُونِيُّ فأعمَلَ أحاديثَ النهي واذَّعَى النَّسْخَ في حديث الإذْنِ، ولم يوافَقْ على ذلك، حكاه ابن التِّينِ عنه، وذكر أيضاً أنَّه طَرَدَ هذه الدَّعْوَى فيما سيأتي من دخول أصحاب الحِرَاب المسجد، وكذا دخول المشرك. ٦٩ - باب أصحاب الحِرَاب في المسجد ٤٥٤- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهَاب، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ قالت: لقد رأيتُ رسولَ الله ◌ِّلټ يوماً في بابٍ حُجْرَتِي والحبشةُ يَلْعَبُونَ في المسجدِ، ورسولُ اللهِّهَ يَسْتُرُفِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إلى لَعِهم. [أطرافه في: ٤٥٥، ٩٥٠، ٩٨٨، ٢٩٠٦، ٣٥٢٩، ٣٩٣١، ٥١٩٠، ٥٢٣٦] ٤٥٥- زاد إبراهيمُ بنُ المنذر: حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهَاب، عن (١) في (ع) و(س): وفي المعنى. وما أثبتناه من (أ) أصح. ٣٨٢ باب ٦٩ / ح ٤٥٤-٤٥٥ فتح الباري بشرح البخاري عُرْوَةَ، عن عائشةَ قالت: رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابهم. قوله: ((باب أصحاب الحِراب في المسجد)) الحِراب بكسر المهمَلة: جمع حَرْبة، والمراد: جواز دخولهم فيه ونِصَال حِرابهم مشهورة، وأظنُّ المصنّف أشار إلى تخصيص الحديث السابق في النهي عن المرور في المسجد بالنَّصْل غير مَغْمُود، والفَرْق بينهما أنَّ التحَفّظَ في هذه الصورة وهي صورةُ اللَّعِب بالحِراب سَهْل، بخلاف مجرَّدِ المرور فإنَّه قد يقعُ بَغْتَةً فلا يُتحفّظُ منه. قوله في الإسناد: ((عن صالح» هو ابن کیْسان. قوله: ((لقد رأيت رسولَ الله وَّ يوماً في باب حُجْرَتِي والحبشةُ يَلْعَبونَ في المسجد» فیه جواز ذلك في المسجد، وحكى ابن التِّينِ عن أبي الحسن اللَّخْمي: أنَّ اللَّعِبَ بالحِراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسُّنة، أمَّا القرآنُ فقوله تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وأمَّا السُّنَّةُ فحديث: ((جَنِّوا مساجدَكم صِبْيانكم ومجانينَكم))(١)، وتُعُقِّبَ بأنَّ الحديثَ ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادَّعاه، ولا عُرِفَ التاريخ فيَتْبُتُ النَّسْخِ. وحكى بعض المالكيَّة عن مالك: أنَّ لَعِبَهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في المسجد، وهذا لا يَثْبُتُّ عن مالكِ، فإنَّه خلافُ ما صُرِّحَ به في طرق هذا الحديث، وفي بعضها: أنَّ عمرَ أنكَرَ عليهم لَعِبَهم في المسجد، فقال له النبيّ وَّ: (دَعْهم)(٢). واللَّعِبُ بالحِراب ليس لَعِباً مجرَّداً، بل فيه تدريب الشُّجْعان على مواقع الحُروب والاستعداد للعدوِّ. وقال المهلَّب: المسجدُ موضوع لأمرِ جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمعُ مَنفعةَ الدِّين وأهله جاز فيه. وفي الحديث جوازُ النَّظرِ إلى اللَّهْو المباح، وفيه حُسْنُ خُلُقِهِ وَِّ مع أهلِهِ وكرم مُعَاشَرَته، وفضل عائشة وعظيم محلِّها عنده. وسيأتي بقيَّةُ الكلام على فوائده في كتاب (١) أخرجه ابن ماجه (٧٥٠). (٢) سيأتي ذلك عند البخاري برقم (٩٨٨). ٣٨٣ باب ٧٠ / ح ٤٥٦ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد العيدين (٩٥٠) إن شاء الله تعالى. ٥٥٠/١ قوله: «في باب حُجْرتي)) عند الأصِيليِّ و کريمة: على باب حُجْرتي. قوله: ((يَستُرُني برِدَائه)) يدلُّ على أنَّ ذلك كان بعد نزول الحجاب، ويدلَّ على جواز نظر المرأة إلى الرجل. وأجابَ بعض مَن مَنَعَ بأنَّ عائشة كانت إذْ ذاكَ صغيرة، وفيه نظرٌ لما ذكرنا. واذَّعَى بعضُهم النَّسْخَ بحديث: ((أَفَعَمْياوان أنْتُما؟))(١)، وهو حديثٌ مُخُتَلَفُ في صِحَّتِه. وسيأتي للمسألة مزید بسْطٍ في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: ((وزاد إبراهيمُ بنُ المنذر)) يريد أنَّ إِبراهيمَ رواه من رواية يونسَ - وهو ابن یزیدَ - عن ابن شهاب كرواية صالح، لكن عيَّن أنَّ لَعِبَهم كان بحِرابهم، وهو المطابقُ للترجمة، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ البخاريَّ يَقصِدُ بالترجمة أصلَ الحديث لا خصوصَ السِّياق الذي يُورِدُه، ولم أقِفْ على طريق يونسَ من رواية إبراهيم بن المنذر موصولةً، نعم وَصَلها مسلم (١٨/٨٩٢) عن أبي طاهر بن السَّرْح عن ابن وَهْب، ووَصَلها الإسماعيلي أيضاً من طريق عثمان بن عمر عن يونسَ وفيه الزيادة. ٧٠ - باب ذِكْر البيع والشراء على المنبر في المسجد ٤٥٦- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن يحيى، عن عَمْرةَ، عن عائشةً قالت: أتَتْها بَرِيرةُ تَسْألها في كتابَتِها، فقالت: إنْ شِئْتِ أعطَيتُ أهلَكِ ویکونُ الولاءُ لي، وقال أهلُها: إنْ شِئْتِ أعطَيْتِها ما بَقِيَ - وقال سفيانُ مَرّةً: إنْ شِئْتِ أعتَقْتِها - ويكونُ الولاءُ لنا، فلمَّا جاء رسولُ اللهِ وَّهَ ذَكَّرْتُه ذلكَ، فقال: ((ابتَاعِيها فأَعتقِيها، فإنَّ الولاءَ لمَنْ أعتَقَ)) ثمَّ قامَ رسولُ اللهِ وَ ◌ّهِ على المِنْبر - وقال سفيانُ مَرّةً: فصَعِدَ رسولُ اللهِوَِّ على الِنْبرِ - فقال: ((ما بالُ أقوامٍ يَشَرِ طُونَ شُرُوطاً ليست في كتابِ الله؟ مَن اشتَرَطَ شَرْطاً ليسَ في كتابِ الله فليسَ له، وإنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ مَّةٍ)). (١) أخرجه أحمد (٢٦٥٣٧)، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨)، وإسناده ضعيف. ٣٨٤ باب ٧٠ / ح ٤٥٦ فتح الباري بشرح البخاري ورواه مالكٌ، عن يحيى، عن عَمْرةَ: أَنَّ بَرِيرةَ. ولم يَذْكُر: صَعِدَ المِنْبر. قال عليٌّ: قال يحيى وعبدُ الوهّاب: عن يحيى، عن عَمْرة، نحوَه. وقال جعفرُ بنُ عَوْنٍ: عن يحيى قال: سمعتُ عَمْرةَ قالت: سمعتُ عائشةً. [أطرافه في: ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠] قوله: ((باب ذِكْر البيع والشِّراء على المِنبَرَ في المسجد)» مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب من قوله: ((ما بالُ أقوام يشترطون)) فإنَّ فيه إشارةً إلى القِصَّة المذكورة، وقد اشتَمَلَت على بيع وشراء وعِتْق ووَلاء. ووَهِمَ بعضُ مَن تكلّم على هذا الكتاب فقال: ليس فيه أنَّ البيعَ والشِّراءَ وَقَعا في المسجد، ظنّاً منه أنَّ الترجمة معقودة لبيان جواز ذلك، وليس كما ظَنَّ، للفَرْقِ بين جَرَيان ذِكْر الشيءٍ والإخبار عن حُكْمِه، فإنَّ ذلك حقٌّ وخير، وبين مُباشَرة العَقْد، فإنَّ ذلك يُفْضي إلى اللَّغَطِ المنهيِّ عنه. قال المازَرِيُّ: واختلفوا في جواز ذلك في المسجد مع اتِّفاقهم على صِحَّة العَقْدِ لو وَقَع. ووقع لابن المنيّر في تراجمه وَهْمٌ آخرُ، فإنَّه زَعَمَ أنَّ حديث هذه الترجمة هو حديث أبي هريرة في قِصَّة ثُمامةَ بن أُثَال، وشَرَعَ يَتكلَّفُ لمطابقته لترجمة البيع والشّراء في المسجد، وإنَّما الذي في النُّسَخ كلِّها في ترجمة البيع والشّراء حديث عائشة، وأمَّا حديثُ أبي هريرة المذكور فسيأتي بعد أربعة أبوابٍ (٤٦٢) بترجمةٍ أُخرى، وكأنَّ انتقل بَصَرُه من موضعٍ لموضع، أو تَصَفَّحَ ورقةً فانقَلَبَت ثِنْتان. قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو ابن عُيَينة ((عن يحيى)) هو ابن سعيد. وللحُميديِّ في («مسندِه)) (٢٤١): عن سفيان، حدَّثنا يحيى. ٥٥١/١ قوله: ((قالت: أَتَتْها)) فيه الْتِفات إنْ كان فاعل ((قالت)) عائشة، ويحتمل/ أنْ يكون الفاعل عَمْرة فلا الْتِفاتَ. ٣٨٥ باب ٧٠ / ح ٤٥٦ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد قوله: (تَسألُها في كِتابَتِها)) ضُمِّنَ ((تَسألُ)) معنى: تستعينُ، وثبت كذلك في رواية أُخرى(١)، والمراد بقولها: ((أهلكِ)) مواليكِ، وحُذِفَ مفعول ((أعطَيت)) الثاني لدلالة الكلام عليه والمراد بقيَّة ما عليها، وسيأتي تعيينه في كتاب العِثْق (٢٥٣٦) إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال سفيان مَرَّةً)) أي: أنَّ سفيان حدَّث به على وجهین، وهو موصولٌ غیر مُعلَّق. قوله: ((ذَکَّرتُه ذلك)) كذا وقع هنا بتشديد الكاف، فقيل: الصوابُ ما وقع في رواية مالك (٢/ ٧٨١) وغيره بلفظ: ((ذَكَرتُ له ذلك))، لأنَّ التذكيرَ يستدعي سَبْقَ عِلْم بذلك، ولا يَتَّجِه تَخْطِئة هذه الرواية لاحتمال السَّبْقِ أوَّلاً على وجه الإجمال. قوله: ((يَشتَرِطُونَ شُرُوطاً ليست في كتاب الله)) كأنَّه ذُكِرَ باعتبار جِنْس الشَّرْط، ولفظ ((مئة)) للمُبالَغة، فلا مفهومَ له. قوله: ((في كتاب الله)) قال الخطّابي: ليس المراد: أنَّ ما لم يُنَصَّ عليه في كتاب الله فهو باطل، فإنَّ لفظ: ((الولاء لمن أعتَق)) من قوله ◌َِّ، لكنَّ الأمرَ بطاعته في كتاب الله، فجازَ إضافةُ ذلك إلى الكتاب. وتُعُقِّبَ بأنَّ ذلك لو جازَ لَجَازَت إضافةُ ما اقتضاه كلامُ الرسول ◌َّل إليه، والجواب عنه: أنَّ تلك الإضافةَ إنَّما هي بطريق العموم لا بخصوص المسألة المعيَّنة، وهذا مَصِيرٌ من الخطَّبِيِّ إلى أنَّ المرادَ بكتاب الله هنا القرآن، ونظيرُ ما جَنَحَ إليه ما قاله ابن مسعود لأُمِّ يعقوبَ في قِصّة الواشمة(٢): ما لي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رسولُ اللهِ وَلِّ، وهو في كتاب الله. ثُمَّ استدلَّ على كَوْنه في كتاب الله بقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَائَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، ويحتمل أنْ يكون المراد بقوله هنا: ((في كتاب الله)) أي: في حُكْم الله، سواء ذُكِرَ في القرآنِ أم في السُّنّة، أو المراد بالكتاب المكتوبُ، أي: في اللَّوْح المحفوظ. (١) ستأتي عند البخاري برقم (٢٥٦٠). (٢) ستأتي عند البخاري برقم (٤٨٨٦). ٣٨٦ باب ٧١ / ح ٤٥٧ فتح الباري بشرح البخاري وحديثُ عائشة هذا في قِصَّة بَرِيرةَ قد أخرجه البخاري في مواضعَ أُخرى من البيوع (٢١٥٥) والعِثْق (٢٥٣٦) وغيرهما، واعتَنَى به جماعةٌ من الأئمّة فأفرَدُوه بالتصنيف. وسنذكر فوائدَه مُلخَّصةً مجموعةً في كتاب العِثْق إن شاء الله تعالى. قوله: ((ورواه مالكٌ)) وَصَلَه في باب المكاتب (٢٥٦٤) عن عبد الله بن یوسف عنه، وصورة سياقه الإرسالُ، وسيأتي الكلامُ عليه هناك. قوله: ((قال عليٌّ) يعني: ابنَ عبد الله المذكورَ أوَّلَ الباب، ويحيى: هو ابن سعيد القَطَّان، وعبد الوهّاب: هو ابن عبد المجيد الثَّقَفيّ. والحاصلُ: أنَّ عليَّ بن عبد الله حدَّث البخاريَّ عن أربعة أنفُس، حدثه كُلٌّ منهم به عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وإنَّما أفرَدَ روايةَ سفيان لمطابقتِها الترجمة بذِكْر المنبر فيها، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ التعليقَ عن مالكٍ متأخِرٌ في روایة کریمةً عن طریق جعفر بن عَوْن. ٠ قوله: ((عن عَمْرةَ نحوَه)) يعني: نحورواية مالك، وقد وَصَلَه الإسماعيلي من طريق محمد ابن بَشّار، عن يحيى القَطَّان وعبد الوهّاب، كلاهما عن يحيى بن سعيد قال: أخبَرَتْني عَمْرةُ أنَّ بَريرة ... فذكره، وليس فيه ذِكرُ المنبر أيضاً، وصورتُه أيضاً الإرسال، لكن قال في آخره: فَزَعَمَت عائشة أنَّها ذكرت ذلك للنبيِّ نَّهِ ... فذكر الحديث، فَظَهَرَ بذلك اتِّصاله. وأفادت روايةُ جعفر بن عَوْن التصريحَ بسماع يحيى من عَمْرة وبسماع عَمْرة من عائشة، فأُمِنَ بذلك ما يُخْشَى فيه من الإرسال المذكورِ وغيره. وقد وَصَلَه النّسائي (ك ٦٣٧٤) والإسماعيلي أيضاً من رواية جعفر بن عَوْن، وفيه عن عائشة قالت: ((أتَتْنِي بَريرة)) فذكر الحديث(١)، وليس فيه ذِكرُ المنبر أيضاً. ٧١ - باب التقاضي والملازَمة في المسجد ٤٥٧- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّد، قال: حدّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرنا یونسُ، عن الزُّهْريّ، عن عبدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ مالكٍ، عن کَعْبٍ: أنَّ تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَیناً كانَ له علیه (١) والحديث أيضاً في ((مسند أحمد)) (٢٥٠٣١) عن جعفر بن عون. ٣٨٧ باب ٧١ / ح ٤٥٧ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد في المسجدِ، فارتَفَعَتْ أصواتُهُما حتَّى سَمِعَها/ رسولُ اللهِ وَّهِ وهو في بيتِهِ، فخَرَجَ إليهما حتَّى ٥٥٢/١ كَشَفَ سِجْفَ حُجْرتِهِ، فنادَى: ((يا كَعْبُ)) قال: لَبِّيكَ يا رسولَ الله، قال: ((ضَعْ من دَينِكَ هذا)) وأومَأَ إليه؛ أي: الشَّطْرَ. قال: لقد فعلتُ يا رسولَ الله، قال: ((قُمْ فَاقْضِهِ)). [أطرافه في: ٤٧١، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧٠٦، ٢٧١٠] قوله: ((باب التَّقاضي)) أي: مطالبة الغريم قضاءَ الدَّين. ((والملازَمَة)) أي: مُلازَمُ الغريم، و ((في المسجد)» يتعلَّقُ بالأمرَين. فإنْ قيل: التقاضي ظاهرٌ من حديث الباب دون الملازمة، أجابَ بعض المتأخِّرين فقال: كأنَّه أخَذَه من كَوْن ابن أبي حَدْرَدٍ لَزِمَه خَصْمُه(١) في وقتِ التقاضي، و کأنَّهما كانا ينتظران النبيَّ وَّهِ لِيَقْصِلَ بينهما، قال: فإذا جازَت الملازمة في حال الخصومة، فجوازُها بعد ثبوتِ الحقِّ عند الحاكم اولی، انتھی. قلت: والذي يظهرُ لي من عادة تصرُّف البخاري: أنَّه أشار بالملازَمة إلى ما ثبت في بعض طرقه، وهو ما أخرجه هو في باب الصُّلْح (٢٧٠٦) وغيره من طريق الأعرج عن عبد الله بن كَعْب عن أبيه: أنَّه كان له على عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلَميّ مال، فلَقِيَه فَلَزِمَه، فتكلَّما حتَّى ارتفعت أصواتُهما. ويُستَفادُ من هذه الرواية أيضاً تسمية ابن أبي حَدْرَد وذِكرُ نسبتِه. فائدة: قال الجَوْهَريّ وغيره: لم يأتِ من الأسماء على ((فَعْلَعِ)) بتكريرِ العين غير حَدْرَد، وهو بفتح المهمَلة بعدَها دالٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ ثمَّ راءٌ مفتوحة ثمَّ دالٌ مُهمَلٌ أيضاً. قوله: ((عن گَعْبٍ)) هو ابن مالك، أبوه. قوله: ((دَينا)) وَقَع في رواية زَمْعة(٢) بن صالح عن الزُّهْريّ: أنَّه كان أُوقیّتین، أخرجه الطبراني (١٢٦/١٩). (١) في (أ) و(ع): لزم خصمه. وما أثبتناه من (س)، وهو أوجهُ. (٢) تحرف في ((المعجم الكبير)) للطبراني إلى: معاوية بن صالح! ٣٨٨ باب ٧١ / ح ٤٥٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((في المسجد)) مُتعلِّق بـ((تَقاضَى)). قوله: ((فخَرَجَ إليهما)) في رواية الأعرج (٢٧٠٦): ((فمَرَّ بهما النبيُّ ◌َّ)) فظاهر الروايتين التخالُف، وجمع بعضُهم بينهما باحتمال أنْ يكون مَرَّ بهما أوَّلاً، ثمَّ إِنَّ كَعْباً أشخَصَ خَصْمَه للمحاكمة، فسمعهما النبيّ ◌َل﴿ أيضاً وهو في بيته. قلت: وفيه بُعْد، لأنَّ في الطريقين: أنَّه وَ﴿ أشار إلى كَعْبٍ بالوَضِيعة وأمَرَ غريمَه بالقضاء، فلو كان أمُرُهُ وَّلهم بذلك تقدَّم لهما لمَا احتاجَ إلى الإعادة، والأَولى فيما يظهرُ لي أنْ يُحمَلَ المرورُ على أمرٍ مَعنَويٍّ لا حِسِّ. قوله: ((سِجْف)) بكسر المهمَلة وسكون الجيم، وحُكي فتح أوَّله: وهو السِّتْر، وقيل: أحد طرفَي السِّتْر المفرَّج. قوله: ((أي: الشَّطْرَ)) بالنصب، أي: ضَع الشَّطرَ، لأنَّه تفسيرٌ لقوله: ((هذا)، والمراد بالشَّطْرِ: النَّصْف، وصَرَّحَ به في رواية الأعرج (٢٧٠٦). قوله: ((لقد فعلتُ)) مُبالَغة في امتثال الأمر. وقوله: ((قُم) خِطاب لابن أبي حَذْرَد، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لا يَجِتمِعُ الوَضِيعة والتأجيل. وفي الحديث جوازُ رفع الصوت في المسجد، وهو كذلك ما لم يَتَفَاحَش، وقد أفرَدَ له المصنّف باباً يأتي قريباً(١)، والمنقول عن مالكٍ منعُه في المسجد مُطلَقاً، وعنه التَّفْرِقة بين رفع الصوت بالعِلْم والخيرِ وما لا بُدَّ منه فيجوز، وبين رفعه باللَّغَطِ ونحوِه فلا. قال المهلَّب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز، لمَا تركهما النبيُّ وَّهِ وَلَبِيَّن لهما ذلك. قلت: ولمن مَنَعَ أنْ يقول: لعلَّه تقدَّم تَهيُه عن ذلك فاكتَفَى به، واقتَصَرَ على التوصُّل بالطريق المؤدِّية إلى تركِ ذلك بالصُّلْح المقتضي لتركِ المخاصَمة الموجِبة لرفع الصوت. وفيه الاعتمادُ على الإشارة إذا فُهمَت، والشَّفاعةُ إلى صاحب الحقّ، وإشارة الحاكم بالصُّلْح وقَبُول الشَّفاعة، وجواز إرخاء السِّتْر على الباب. (١) رقمه (٨٣): باب رفع الصوت في المساجد. ٣٨٩ باب ٧٢ / ح ٤٥٨ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد ٧٢ - باب كَنْس المسجد والْتِقاط الخِرَق والقَذَى والعِیدان ٤٥٨- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَّدُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أبي رافع، عن أبي هُرَيرةَ: أَنَّ رجلاً أسوَدَ - أو امرأةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ المسجدَ، فماتَ فسألَ النبيُّ ◌َِلِّ عنه فقالوا: ماتَ، قال: ((أَفَلَا كنتُم / آذَنْتُمُوني به؟ دُلُّوني على قَبْرِهِ. أو قال: قَبْرِها)) فأتى قَبْرَه فصَلَّى ٥٥٣/١ علیه. [طرفاه في: ٤٦٠، ١٣٣٧] قوله: ((باب كنْس المسجد والْتِقاط الِخِرَقِ والقَذَى والعِيدان)) أي: منه. قوله: ((عن أبي رافع)) هو الصائغُ تابعيّ كبير، ووَهِمَ بعض الشُّراح فقال: إنَّه أبو رافع الصحابي، وقال: هو من رواية صحابيٍّ عن صحابيّ. وليس كما قال، فإنَّ ثابتاً البُنانيَّ لم يُدرِكْ أبا رافع الصحابي . قوله: ((أنَّ رجلاً أسوَدَ أو امرأةً سَوْداءَ)) الشَّكّ فيه من ثابت، لأنَّه رواه عنه جماعة هكذا، أو من أبي رافع، وسيأتي بعد بابٍ (٤٦٠) من وجهٍ آخرَ عن حمّاد بهذا الإسناد قال: ((ولا أُراه إلَّا امرأة))، ورواه ابن خُزيمة (١٣٠٠) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فقال: ((امرأة سَوْداء)) ولم يَشُكّ، ورواه البيهقي (٤٨/٤) بإسنادٍ حسنٍ من حديث ابن بُرَيدة عن أبيه فسَمَّاها: أمَّ مِحْجَن، وأفادَ أنَّ الذي أجابَ النبيَّ وَّل عن سؤاله عنها أبو بكر الصِّدّيق. وذكر ابن مَندَهْ في ((الصحابة)): ((خَرْقَاءَ امرأةً سَوْداءَ كانت تَقُمُّ المسجد، ووقع ذِكرُها في حديث حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس. وذكرها ابن حِبَّان في الصحابة بذلك بدون ذِكْر السَّنَد، فإنْ كان محفوظاً فهذا اسمُها، وكُنْيْتُها: أُمُّ مِخْجَن. قوله: ((كانَ يَقُمُّ المسجدَ)) بقافٍ مضمومة، أي: يجمعُ القُمامة: وهي الكُناسة. فإنْ قيل: دَلَّ الحديثُ على كَنْس المسجد، فمن أين يُؤْخَذُ الْتِقاط الخِرَق وما معه؟ أجابَ بعض المتأخّرين بأنَّه يُؤخَذُ بالقياس عليه، والجامع التنظيفُ. قلت: والذي يظهرُ لي من تصرُّف البخاري أنَّه أشار بكلِّ ذلك إلى ما وَرَدَ في بعض ٣٩٠ باب ٧٢ / ح ٤٥٨ فتح الباري بشرح البخاري طرقه صريحاً، ففي طريق العلاء المتقدِّمة: ((كانت تَلتِقِطُ الخِرَقَ والعِيدان من المسجد))، وفي حديث بُرَيدةَ المتقدِّم: ((كانت مُولَعة بلَقْط القَذَى من المسجد)) والقَذَى بالقاف والذّال المعجَمة مقصور: جمعُ قَذَاة، وجمعُ الجمع: أقَذْيَة. قال أهل اللُّغة: القَذَى في العين والشَّراب: ما يَسقُطُ فيه، ثمَّ استُعمِلَ في كلِّ شيءٍ يقعُ في البيت وغيره إذا كان يسيراً. وتَكَلَّفَ مَن لم يَطَّلِعْ على ذلك فَزَعَمَ أنَّ حُكْمَ الترجمة يُؤْخَذُ من إتيان النبيِّ ◌َِّ القبرَ حتَّى صلَّى عليه، قال: فيُؤْخَذُ من ذلك الترغيبُ في تنظيف المسجد. قوله: ((عنه)) أي: عن حاله، ومفعولُه محذوف، أي: الناس. قوله: ((آذَنْتُمُوني)) بالمدّ، أي: أعلَمتُموني، زاد المصنِّ في الجنائز (١٣٣٧): ((قال: فحقَّروا شأْنَه))، وزاد ابن خُزيمة في طريق العلاء: ((قالوا: مات من الليل فكَرِهْنا أن نُوقِظَك))(١)، وكذا في حديث بُرَيدة، وزاد مسلم (٩٥٦) عن أبي كامل الجَحْدَريّ عن حمّاد بهذا الإسناد في آخره: ثمَّ قال: ((إنَّ هذه القبورَ مملوءةٌ ظُلْمةً على أهلِها، وإنَّ الله يُنْوِّرُها لهم بصلاتي عليهم))، وإنَّما لم يُرِّج البخاري هذه الزيادة، لأنَّهَا مُدرَجة في هذا الإسناد، وهي من مراسِيل ثابت، بيَّن ذلك غير واحدٍ من أصحاب حمَّد بن زيد، وقد أوضحتُ ذلك بدلائلِه في كتاب ((بيان المُدرَج))، قال البيهقي (٤ / ٤٧): يَغْلِبُ على الظنِّ أنَّ هذه الزيادةَ من مراسيل ثابت كما قال أحمد بن عَبْدة، أو من رواية ثابت عن أنس(٢)، يعني: كما رواه ابن مَندَهْ. ووقع في (مسند أبي داود الطَّيالسيّ)) (٢٤٤٦) عن حمّاد بن زيد وأبي عامر الخزّاز، كلاهما عن ثابتٍ بهذه الزيادة، وزاد بعدَها: فقال رجل من الأنصار: إنَّ أبي - أو أخي - مات - أو دُفِنَ - فصَلِّ عليه، قال: فانطَلَقَ معه رسولُ اللهِوَلِ. (١) نسبة هذه الزيادة إلى ابن خزيمة خطأ، فإنه لم يسق الحديث بتمامه، وهي عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٢/٤ بالإسناد ذاته. (٢) العبارة في ((سنن البيهقي)) ٤٧/٤ كالآتي: والذي يغلب على القلب أن تكون هذه الزيادة في غير رواية أبي رافع عن أبي هريرة، فإما أن تكون عن ثابت عن النبي وَ له مرسلة كما رواه أحمد بن عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت عن أنس عن النبي ێ کما رواه خالد بن خداش، وقد رواه غیر حماد عن ثابت عن أبي رافع، فلم یذکرها. ٣٩١ باب ٧٣-٧٤ / ح ٤٥٩ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد وفي الحديث: فضلُ تنظيف المسجد، والسؤال عن الخادم والصَّديق إذا غاب. وفيه المكافأةُ بالدُّعاء، والترغيبُ في شُهودٍ جنائز أهل الخير، ونَدْبُ الصلاة على المِيِّتِ الحاضِرِ عند قبره لمن لم يُصلِّ عليه، والإعلام بالموت. ٧٣ - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد ٤٥٩ - حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن مُسلِم، عن مَسْرُوق، عن عائشةً قالت: لمَّا أُنزِلَت / الآياتُ من سُورة البَقَرةِ في الرِّبا، خَرَجَ النبيُّ ◌َّه إلى المسجدِ فقَرَأَهُنَّ على ٥٥٤/١ الناسِ، ثمَّ حَرَّمَ تجارةَ الخَمْر. [أطرافه في: ٢٠٨٤، ٢٢٢٦، ٤٥٤٠، ٤٥٤١، ٤٥٤٢، ٤٥٤٣] قوله: ((باب تحریم تجارة الخمر في المسجد) أي: جواز ذِكْر ذلك وتبیین أحكامه، ولیس مراده ما يقتضيه مفهومُه من أنَّ تحريمَها مُخْتَصّ بالمسجد، وإنَّما هو على حذف مُضاف، أي: بابُ ذِكْر تحريم ... ، كما تقدَّم نظيره في ((باب ذِكْر البيع والشِّراء»(١). ومَوقِعُ الترجمة أنَّ المسجدَ مُنَزَّهُ عن الفواحشِ فعلاً وقولاً، لكن يجوز ذِكرُها فيه للتَّحْذيرِ منها ونحو ذلك كما دَلَّ عليه هذا الحديث. قوله: «عن أبي حمزة)» هو السُّگّريُّ، ومسلم: هو ابن صُبَیح أبو الضُّحى. وسيأتي الكلامُ على حديث الباب في تفسير سورة البقرة (٤٥٤٠) إن شاء الله تعالى. قال القاضي عِيَاض: كان تحريم الخمر قبل نزول آية الرِّبا بمُدَّةٍ طويلة، فيحتمل أنَّه ◌َيه أخبَرَ بتحريمِها مرَّةً بعد أُخرى تأكيداً. قلت: ويحتمل أنْ يكون تحريم التِّجارة فيها تأخّرَ عن وقت تحريم عَينِها، والله أعلم. ٧٤- باب الخَدَم للمسجد وقال ابنُ عبَّاس: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِى مُحَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] للمسجدِ يخَلُمُه. (١) تقدم الباب برقم (٧٠). ٣٩٢ باب ٧٤ -٧٥ / ح ٤٦٠-٤٦١ فتح الباري بشرح البخاري ٤٦٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ واقِدٍ، قال: حدَّثنا حَمَّدٌ، عن ثابتٍ، عن أبي رافع، عن أبي هُرَيرةً: أنَّ امرأةً أو رجلاً كانَتْ تَقُمُّ المسجدَ، ولا أُراه إلَّا امرأةً، فذكر حديثَ النبيِّ وَّةِ: أنَّه صَلَّى على قَرِهِ. قوله: ((باب الخدم للمسجد)) في رواية كريمةَ: الخَدَم في المسجد. قوله: ((وقال ابن عبّاس)) هذا التعليق وَصَلَه ابن أبي حاتم بمعناه. قوله: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أي: مُعتَقاً، والظاهر أنَّه كان في شَرْعِهم صِحّة النَّذْر في أولادهم، وكأنَّ غَرَض البخاري الإشارةُ بإيراد هذا إلى أنَّ تعظيم المسجد بالخِدْمة كان مشروعاً عند الأُمَم السالفة، حتَّى إِنَّ بعضهم وقع منه نَذْر ولدِه ◌ِخِدْمتِه. ومناسبةُ ذلك لحديث الباب من جهة صِحّة تَبرُّع تلك المرأة بإقامة نفسها لِخِدْمة المسجد، لتقرير النبيِّ ◌َّ لها على ذلك. قوله: ((حدَّثنا أحمد بن واقدٍ» واقدٌ جَدُّه، واسم أبيه عبد الملك، وشیخه حمّاد: هو ابن زید، ورجاله إلى أبي هريرة بصریُّون. قوله: ((ولا أُراه) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه. قوله: ((فذكر حديث النبيِّ وَ ﴿)) أي الذي تقدَّم قبل باب (٤٥٨). ٧٥ - باب الأسير أو الغَرِيم يُربَطُ في المسجد ٤٦١- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا رَوْعٌ ومحمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن محمَّدٍ بنِ زيادٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((إنَّ ◌ِفْرِيتاً مِن الجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ البارِحَةَ - أو كلمةً نحوَها - لِيَقْطَعَ عليَّ الصلاةَ، فأمَكَنَني اللهُ منه، فأرَدْتُ أنْ أَرِبِطَه إلى ساريَةٍ من سواِي "مسجدٍ حتَّى تُصْبِحُوا وَتَنظُرُوا إليه كُلُّكُم، فذكرتُ قولَ أخي سليمانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ﴾ [ص: ٣٥])). قال رَوٌْ: فَرَدَه خاسِئاً. أطرافه في: ١٢١٠، ٣٢٨٤، ٣٤٢٣، ٤٨٠٨] ٣٩٣ باب ٧٥ / ح ٤٦١ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد قوله: ((باب الأسير أو الغَرِيم)) كذا للأكثر بـ((أو))، وهي للتنويع، وفي رواية ابن السَّكن وغيره: ((والغريم)) بواو العطف. قوله: ((حدَّثنا رَوٌْ)) هو ابن عُبادة. قوله: (تَفَلَّتَ)) بالفاء وتشديد اللام، أي: تَعرَّضَ لي فَلْتَةً، / أي: بَغْتَهً. وقال القَزّاز: ٥٥٥/١ يعني تَوَثَّب. وقال الجَوْهَري: أفلَتَ الشيءُ فانفَلَتَ وتَفَلَّتَ بمعنَّى. قوله: ((البارِحةَ)) قال صاحب ((المنتهى)): كلَّ زائلٍ بارحٌ، ومنه سُمّت البارحةُ: وهي أدنَى ليلةٍ زالت عنك. قوله: ((أو كلمةً نحوَها)) قال الكِرْماني: الضميرُ راجع إلى ((البارحة))، أو إلى جملة («تَفَلَّتَ عليَّ البارحة)). قلت: رواه شَبَابة عن شُعْبةَ بلفظ: ((عَرَضَ لي فشَدَّ عليَّ)) أخرجه المصنّف في أواخر الصلاة (١٢١٠)، وهو يؤيِّدُ الاحتمالَ الثاني. ووقع في رواية عبد الرزاق: ((عَرَضَ لي في صورة هِّ))(١)، ولمسلم (٥٤٢) من حديث أبي الدَّرْداء: ((جاء بشِهابٍ من نارٍ ليجعلَه في وجهي))، وللنَّسائيِّ (ك ١١٣٧٥) من حديث عائشة: ((فأخَذْتُه فصَرَعْتُه فخَنَقْتُه، حتَّى وَجَدتُ بَرْدَ لسانه على يدي)). وفَهِمَ ابن بَطَّال وغيرُه منه أنَّه كان حين عَرَضَ له غيرَ مُتَشكِّلِ بغير صورتِه الأصليّة، فقالوا: إنَّ رُؤْية الشَّيطان على صورتِه التي خُلِقَ عليها خاصٌّ بالنبيِّ وَّةِ، وأمَّا غيرُه من الناس فلا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ الآية [الأعراف: ٢٧]. وسنذكر بقيَّةً مباحث هذه المسألة في ((باب ذِكْر الجِنّ)) حيثُ ذكره المؤلِّفُ في بَدْء الخلق (٣٢٨٤)، ويأتي الكلامُ على بقيَّة فوائد حديث الباب في تفسير سورة ص (٤٨٠٨). (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((المصنف))، وقد سبق الحافظَ في عزوه إلى عبد الرزاق ابنُ بطَّال في شرحه على ((الصحيح)! وهذا اللفظ لم يجىء في شيء من مصادر الحديث المسندة، ولا نخالُه يصحُّ له سندٌ، والله تعالى أعلم. ٣٩٤ باب ٧٦ / ح ٤٦٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِى﴾ كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي بقيَّة الروايات هنا: «رَبِّ هَبْ لي))، قال الكِرْماني: لعلَّه ذكره على طريق الاقتباس لا على قَصْدِ التِّلاوة. قلت: ووقع عند مسلم (٥٤١) كما في رواية أبي ذرٍّ على نَسَق التِّلاوة، فالظاهر أنَّه تغييرٌ من بعض الرُّواة. قوله: ((قال رَوْحٌ: فَرَدَّ)) أي: النبيُّ ◌َ رَدَّ العِفْرِيتَ ((خاسِئاً) أي: مَطْروداً. وظاهرُه أنَّ هذه الزيادةَ في رواية رَوْحِ دون رفيقِه محمد بن جعفر، لكن أخرجه المصنّف في أحاديث الأنبياء (٣٤٢٣) عن محمد بن بَشّار عن محمد بن جعفر وحدَه، وزاد في آخره أيضاً: «فَرَدَّه خاسئاً)، ورواه مسلم (٥٤١) من طريق النَّصْر عن شُعْبةَ بلفظ: ((فَرَدَّه اللهُ خاسئاً)). ٧٦ - باب الاغتسال إذا أسلمَ ورَبْط الأسير أيضاً في المسجد وكانَ شُرَيحٌ بَأْمُرُ الغَرِيمَ أنْ يُحْبَسَ إلى ساريَةِ المسجدِ. ٤٦٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، سَمِعَ أبا هُرَيرةَ، قال: بَعَثَ النبيُّ ◌َّ خَيلاَ قِبَلَ نَجْدٍ، فجاءتْ برجلٍ من بني حَنِفةَ يقالُ له: ثُمَامةُ بنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوه بساريَةٍ من سَوَاري المسجدِ، فَخَرَجَ إليه النبيُّ وَّه فقال: ((أُطلِقُوا ثُمَامَةَ)) فانطَلَقَ إلى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِن المسجد، فاغتَسَلَ ثمَّ دَخَلَ المسجدَ فقال: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله. [أطرافه في: ٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢] قوله: ((باب الاغتسال إذا أسلَمَ ورَبْط الأسير أيضاً في المسجد)» هكذا في أكثر الروايات، وسَقَطَ للأصيليِّ وكَرِيمةَ قوله: ((وَرَبْط الأسير ... )) إلى آخره، وعند بعضهم: ((باب)) بلا ترجمة، وكأنَّه فصلٌ من الباب الذي قبلَه، ويحتمل أنْ يكون بيَّضَ للترجمة فسَدَّ بعضُهم البياض بما ظَهَرَ له، ويدلُّ عليه أنَّ الإسماعيليَّ تَرجَمَ عليه ((باب دخول المشركِ المسجد»، وأيضاً فالبخاري لم تَجْرِ عادتُه بإعادة لفظِ الترجمة عَقِبَ الأُخرى، والاغتسال إذا أسلَمَ لا تَعلُّقَ له بأحكام المساجد إلَّا على بُعْد، وهو أنْ يقال: الكافرُ جُنُب غالباً، والجُنُب ممنوع ٣٩٥ باب ٧٦ / ح ٤٦٢ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد من المسجد إلَّا لضرورة، فلمَّا أسلَمَ لم تَبْقَ ضرورةٌ للُيْثِه في المسجد جُنُباً، فاغتسل لتَسُوغَ له الإقامةُ في المسجد. وادَّعَى ابن المنيِّرِ أنَّ ترجمةَ هذا الباب ذِكرُ البيع / والشِّراء في المسجد. قال: ومطابقتُها ٥٥٦/١ لِقِصَّة ثُمامة: أنَّ مَن تخيَّل منعَ ذلك أخَذَه من عموم قوله: ((إنَّما بُنيَت المساجد لِذِكْرِ الله))(١) فأراد البخاري أنَّ هذا العمومَ مخصوص بأشياءَ غير ذلك، منها رَبْط الأسيرِ في المسجد، فإذا جازَ ذلك للمصلحة، فكذلك يجوز البيعُ والشِّراءُ للمصلحة في المسجد. قلت: ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، وليس ما ذكره من الترجمة مع ذلك في شيءٍ من نُسَخ البخاري هنا، وإنَّما تقدَّمت قبل خمسة أبواب لحديث عائشة في قِصَّة بَرِيرة، ثمَّ قال: فإِنْ قيل: إيرادُ قِصَّة ثُمامةَ في الترجمة التي قبل هذه وهي (بابُ الأسيرِ يُربَطُ في المسجد)) ألْيَق، فالجواب: أنَّه يحتمل أنَّ البخاري آثَرَ الاستدلال بقِصَّة العِفْرِيتِ على قِصَّة تُمامةَ، لأنَّ الذي هَمَّ بَرَبْطِ العِفْرِيتِ هو النبيُّ ◌َِّ، والذي تَولَّى رَبْط ثُمامةَ غيرُه، وحيثُ رآه مربوطاً قال: ((أطلِقوا ثُمامة))، قال: فهو بأن يكون إنكاراً لرَبْطِهِ أَولى من أنْ يكون تقريراً له. انتهى، وكأنَّه لم يَنظُر سياقَ هذا الحديث تامّاً لا في البخاريِّ ولا في غيره، فقد أخرجه البخاري في أواخر المغازي (٤٣٧٢) من هذا الوجه بعينِهِ مُطوَّلاً، وفيه: أنَّه وَسَلّهِ هو الذي مَرَّ على ثُمامةَ ثلاث مراتٍ وهو مربوطٌ في المسجد، وإنَّما أمَرَ بإطلاقِه في اليوم الثالث، وكذا أخرجه مسلم (١٧٦٤) وغيره، وصَرَّحَ ابن إسحاق في ((المغازي) من هذا الوجه: أنَّ النبيَّ ◌َّ هو الذي أمَرَهم برَبْطِهِ، فَبَطَلَ ما تخيَّله ابن المنيِّر، وإنّ لَأَتعَجَّبُ منه كيف جَوَّزَ أنَّ الصحابةَ يفعلون في المسجد أمراً لا يَرْضاه رسولُ الله وَلَّ؟ فهو كلامٌ فاسد، مبنيٌّ على فاسد، فالحمد لله على التوفيق. قوله: ((وكانَ شُرَيح يَأْمُرُ الغريمَ أنْ يُحبَسَ» قال ابن مالك: فيه وجهان: أحدهما: أنْ يكون الأصل: يأمُرُ بالغريم، و((أنْ يُحِبَسَ)) بدلَ اشتمال، ثمَّ حُذِفَت الباء. (١) أخرجه مسلم (٢٨٥) من حديث أنس. ٣٩٦ باب ٧٧ / ح ٤٦٣ فتح الباري بشرح البخاري ثانيهما: أنَّ معنى قوله: ((أنْ يُحُبَس)) أي: يَنحَبِسُ، فجعل المطاوَع موضع المطاوع لاستلزامہ إيّاه، انتھی. والتعليقُ المذكورُ في رواية الحَمُّوِيِّ دون رُفْقتِه، وقد وَصَلَه معمر(١) عن أيوب عن ابن سِيرِين قال: كان شُرَيح إذا قَضَى على رجلٍ بحقٌّ، أمَرَ بحَبْسِه في المسجد إلى أنْ يقومَ بما عليه، فإنْ أعطى الحقّ وإلَّا أمَرَ به إلى السِّجْن. قوله: ((خَيلاً)) أي: فُرْساناً، والأصل: أنَّهم كانوا رجالاً على خيل، وتُمامةُ بمُثلَّثة مضمومة، وأُثال بضمِّ الهمزة بعدَها مُثَّثة خفيفة. قوله: ((إلى نَخْلٍ)) في أكثر الروايات بالخاء المعجمة، وفي النُّسْخة المقروءة على أبي الوَقْت بالجيم وصَوَّبَها بعضهم، وقال: والنَّجْلُ: الماء القليل النابع، وقيل: الجاري. قلت: ويؤيِّدُ الروايةَ الأولى أنَّ لفظَ ابن خُزيمةَ في «صحيحه)) (٢٥٣) في هذا الحديث: فانطَلَقَ إلى حائطِ أبي طَلْحة. وسيأتي الكلام على بقيّة فوائد هذا الحديث (٤٣٧٢) حيثُ أورَدَه المصنّف تامّاً إن شاء الله تعالى. ٧٧ - باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم ٤٦٣- حدَّثنا زكريًّا بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمَير، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: أُصِيبَ سَعْدٌ يومَ الخندَقِ فِي الأَكْحَل، فضَرَبَ النبيُّ ◌َّهَ خَيمةً في المسجدِ لَيَعُودَه من قَرِيب، فلم يَرُعْهم - وفي المسجدِ خَيمٌ من بني غِفَارٍ - إلا الدَّمُ يَسِيلُ إليهم، فقالوا: يا أهلَ الخيمةِ، ما هذا الَّذِي يَأْتينا مِن قِبَلِكُم؟ فإذا سَعْدٌ يَغْذُو ◌ُرْحُه دماً فماتَ فيها. [أطرافه في: ٢٨١٣، ٣٩٠١، ٤١٢٢،٤١١٧] قوله: ((باب الخيمة في المسجد)) أي: جواز ذلك. قوله: ((حدَّثنا زَكَرِيّا بن يحيى)) هو البَلْخِيُّ اللُّؤْلُؤيُّ وكان حافظاً، وفي شيوخ البخاري (١) أخرجه عنه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٥٣١٠). ٣٩٧ باب ٧٨ / ح ٤٦٤ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد زكريّا بن يحيى أبو المِسْكين، وقد شارَكَ البلخيَّ في بعض شيوخه. ٥٥٧/١ قوله: «أُصيبَ سعدٌ))/ أي: ابن معاذ. قوله: «في الأحَل» هو عِرْقُ في الید. قوله: «خيمةً في المسجد)) أي: لسعد. قوله: ((فلم يَرُعْهم)) أي: يُفْزِعْهم، قال الخطَّابي: المعنى أنَّهم بينما هم في حال طمأنينةٍ حتَّى أفزَعَتْهم رُؤْية الدَّم فارتاعوا له، وقال غيره: المرادُ بهذا اللفظ السُّرْعة لا نفسُ الفَزَع. قوله: ((وفي المسجدِ خيمة)) هذه الجملة مُعتَرِضة بين الفعل والفاعل، والتقدير: فلم يُرُعْهم إلَّا الدَّم، والمعنى: فراعَهم الدَّم. قوله: ((من قِبَلِکم» بکسر القاف، أي: من چھتكم. قوله: ((یغذُو» بغینٍ وذال معجمتین، أي: يَسیل. قوله: ((فماتَ فيها)) أي: في الخيمة، أو في تلك المرضة، وفي رواية المُستَمْلي والكُشْمِيھَنيِّ: «فمات منها)) أي: الجِراحة. وسيأتي الكلامُ على بقيَّة فوائد هذا الحديث في كتاب المغازي (٤١٢٢) حيثُ أورَدَه المؤلِّفُ هناك بأتمَّ من هذا السِّياق. ٧٨ - باب إدخال البعير في المسجد للعِلَّة وقال ابنُ عبّاس: طافَ النبيُّ ◌ََّ على بَعِيرٍ. ٤٦٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ نَوْفَل، عن عُرْوةَ، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمةَ، عن أُمّ سَلَمَةَ، قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ الله وَلا أَنّي أُشْتكي، قال: ((طُوفِي من وراءِ الناسِ وأنتِ راكِيةٌ)) فطُفْتُ ورسولُ اللهِ وَ﴿ يُصلِّ إلى جَنْبٍ البيتِ يَقْرأُ بِ﴿وَالْتُورِ ن وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١-٢]. [أطرافه في: ١٦١٩، ١٦٢٦، ١٦٣٣، ٤٨٥٣] قوله: ((باب إدخال البعير في المسجدِ للعِلَّة)) أي: للحاجة، وفَهِمَ منه بعضُهم أنَّ المرادَ ٣٩٨ باب ٧٩ / ح ٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري بالعِّة الضَّعْف فقال: هو ظاهر في حديث أُمِّ سَلَمةَ دون حديث ابن عبّاس، ويحتمل أنْ يكون المصنّف أشار بالتعليقِ المذكورِ إلى ما أخرجه أبو داود (١٨٨١) من حديثه: ((أنَّ النبيَّ ◌َلَهُ قَدِمَ مَّة وهو يَشتَكي، فطافَ على راحلته))، وأمَّا اللفظُ المعلَّقُ فهو موصولٌ عند المصنّف كما سيأتي في كتاب الحج (١٦٣٢) إن شاء الله تعالى، ويأتي أيضاً قول جابر: أنَّه إنَّما طافَ على بعيرِه ليراه الناسُ وليسألوه (١). ويأتي الكلام على حديث أُمِّ سَلَمَةَ أيضاً في الحجِّ (١٦١٩)، وهو ظاهرٌ فيما تَرجَمَ له، ورجال إسناده مدنيُّون، وفيه تابعيّان: محمد وعُرْوة، وصحابيَّتان: زينب وأُمُّها أُمُّ سَلَمَةَ. قال ابن بَطَّل: في هذا الحديث جواز دخول الذَّوابِّ التي يُؤْكَلُ لحمُها المسجدَ إذا احتيجَ إلى ذلك، لأنَّ بولها لا يُنجِّسُه بخلاف غيرها من الدَّوابّ(٢). وتُعقِّبُ بأنَّه ليس في الحديث دلالةٌ على عَدَم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعَدَمه، فحيثُ يُخْشَى التلويثُ يمتنعُ الدُّخول. وقد قيل: إنَّ ناقتَه بَّهَكانت مُنْوَّقة، أي: مُدرَّبَةً مُعلَّمةً، فيُؤْمَنُ منها ما يُحْذَرُ من التلويث وهي سائرة، فيحتمل أنْ يكون بعير أُمّ سَلَمَ كان كذلك، والله أعلم. ٧٩- بابٌ ٤٦٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشام، قال: حدَّثني أَبي، عن قَتَادَ، قال: حدَّثنا أنسٌ: أنَّ رجلَينٍ من أصحاب النبيِّ وَّهَ خَرَجا من عندِ النبيِّ وَّهِ في ليلةٍ مُظْلمةٍ ٥٥٨/١ ومعَهما مِثْلُ المِصْباحینِ/ ◌ُضِيئان بینَ أیدِیهما، فلمَّا افترقا صارَ معَ كُلِّ واحدٍ منهما واحدٌ حتَّی أَتی أهله. [طرفاه في: ٣٦٣٩، ٣٨٠٥] قوله: ((بابٌ)) كذا هو في الأَصل بلا ترجمة، وكأنه بَيَّضَ له فاستَمرَّ كذلك. وأما قول (١) أخرجه مسلم (١٢٧٣) وسيأتي تخريجه عند الحافظ في شرح الباب الذي فيه حديث ابن عباس المذكور. (٢) هذا الكلام ليس لابن بطَّال نفسهِ، وإنما نقله في ((شرحه)) عن المهلَّب بن أبي صفرة المالكي. ٣٩٩ باب ٨٠ / ح ٤٦٦-٤٦٧ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد ابن رُشَيد: إنَّ مثل ذلك إذا وقع للبخاريِّ كان كالفَصْل من الباب؛ فهو حسنٌ حيث يكون بينه وبين الباب الذي قبلَه مناسبة، بخلاف مثل هذا الموضع. وأمَّا وجه تعلُّقِه بأبواب المساجد، فمن جهة أن الرجلَينِ تَأَخّرا مع النبي ◌َّ في المسجد في تلك الليلة المظلمة لانتظار صلاة العِشاء معه، فعلى هذا كان يليقُ أن يُترجِمَ له: فَضْلُ المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة، ويُلمِّحَ بحديث: ((بَشِّرِ المشَّائين في الظَّلم إلى المساجد بالنّور التامّ يومَ القيامة)) وقد أخرجه أبو داود (٥٦١) وغيره من حديث بُرَيدة، وظهر شاهدُه في حديث الباب لإكرام الله تعالى هذين الصحابيَّينِ بهذا النُّور الظاهر، واذَّخَرَ لهما يوم القيامة ما هو أعظمُ وأَتُّ من ذلك إن شاء الله تعالى. وسنذكر بقيةً فوائد حديث أنس المذكور في كتاب المناقب (٣٨٠٥)، فقد ذكر المصنّف هناك أن الرجلين المذكورين: هما أُسَيد بن حُضَير وعبَّاد بن بِشْر. ٨٠ - باب الخَوْخَة والمَمَرّ في المسجد ٤٦٦- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِنَان، قال: حدَّثنا فُلَيَحُ، قال: حدَّثنا أبو النَّضْرِ، عن عُبيدِ بنِ حُنَين، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريّ، قال: خَطَبَ النبيُّ نَّه فقال: ((إنَّ الله خَيََّ عَبْداً بينَ الدُّنْيا وبينَ ما عندَه، فاختارَ ما عندَ الله) فبَكَى أبو بَكْرٍ ﴾، فقلتُ في نَفْسي: ما يُكي هذا الشيخَ! إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْداً بينَ الدُّنْيا وبينَ ما عندَه فاختارَ ما عندَ الله؟ فكانَ رسولُ الله ◌َ﴿ هو العبدَ، وكانَ أبو بَكْرٍ أعلَمَنا، قال: ((يا أبا بَكْرٍ، لا تَبْكِ، إِنَّ أُمَنَّ الناسِ عليَّ فِي صُحْبَتِه ومالِهِ أبو بَكْر، ولَوْ كنتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً من أُمَّتي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرِ، ولكنْ أُخُوّةُ الإسلامِ ومَوَدَّتُه، لا يَبْقَنَّ في المسجدِ بابٌ إلا سُدَّ إلا بابَ أبي بَكْرٍ)). [أطرافه في: ٣٦٥٤، ٣٩٠٤] ٤٦٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفِيُّ، قال: حدَّثْنا وَهْبُ بنُ جَرِير، قال: حدَّثنا أَبي، قال: سمعتُ يَعْلَى بنَ حَكِيم، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاس، قال: خَرَجَ رسولُ الله ◌َلَهُ فِي مَرَضِه الَّذي ماتَ فِيه عاصِبٌ رَأْسَه بخِرْقٍ، فَقَعَدَ على المِثْبرِ، فحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليه، ثمَّ قال: ((إنَّه ليسَ ٤٠٠ باب ٨٠ / ح ٤٦٦-٤٦٧ فتح الباري بشرح البخاري مِن الناسِ أحدٌ أمَنَّ عليَّ في نَفْسِه ومالِه من أبي بَكْر بنِ أبي قُحَافَةَ، ولَوْ كنتُ مُتَّخِذاً مِن الناسِ خَلِيلاً، لأنَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلاً، ولكنْ خُلّةُ الإسلامِ أفضَلُ، سُدُّوا عَنّي كُلَّ خَوْخةٍ في هذا المسجدِ غیرَ خَوْخةِ أبي بکْرٍ )). [طرفاه في: ٣٦٥٦، ٣٦٥٧، ٦٧٣٨] قوله: ((باب الخَوْخَة والمَمَرّ في المسجد» الخوخة: باب صغير قد یکون بمِضْراع وقد لا یکون، وإنَّما أصلُها فتحٌ في حائط، قاله ابن قُرْقول. قوله: ((عن عُبيد بن حُنَين، عن بُسْر بن سعيد)) هكذا في أكثر الروايات، وسَقَطَ في ٥٥٩/١ رواية / الأَصِيليِّ عن أبي زيد ذِكرُ بُسْر بن سعيد، فصار: عن عُبيد بن حُنَين عن أبي سعيد، وهو صحيحٌ في نفس الأمر، لكنَّ محمد بن سِنان إنَّما حدَّث به كالذي وقع في بقيَّةً الروايات، فقد نقل ابن السَّكَن عن الفِرَبْريّ عن البخاريِّ أنَّه قال: هكذا حدَّث به محمد بن سِنان، وهو خطأ، وإنَّما هو عن عُبيد بن حُنَين وعن بُشْر بن سعيد؛ يعني: بواو العطف، فعلى هذا یکون أبو النّضْر سمعه من شیخینِ حدَّثه گُلٌّ منهما به عن أبي سعيد. وقد رواه مسلم (٢٣٨٢) كذلك عن سعيد بن منصور، عن فُلَيح، عن أبي النَّضْر، عن عُبیدِ وُسْرِ جمیعاً، عن أبي سعيد، وتابعه يونس بن محمد عن فُلیح، أخرجه أبو بكر بن أبي شَيْبة (٦/١٢) عنه، ورواه أبو عامر العَقَديّ عن فُلَيح، عن أبي النَّضْر، عن بُشْر وحدَه، أخرجه المصنِّف في مناقب أبي بكر (٣٦٥٤)، فكأنَّ فُلَيحاً كان يجمعُهما مرَّةً ويَقتِصِرُ مرَّةً على أحدهما. وقد رواه مالك عن أبي النَّضْر، عن عُبيدٍ وحدَه، عن أبي سعيد، أخرجه المصنّف أيضاً في الهِجْرة (٣٩٠٤)، وهذا مَّا يقوِّي أنَّ الحديثَ عند أبي النَّصْر عن شيخينٍ، ولم يبقَ إلَّا أنَّ محمد بن سِنان أخطاً في حذف الواو العاطفة مع احتمال أنْ يكون الخطأ من فُلَيح حالَ تحديثه له به، ويؤيِّدُ هذا الاحتمالَ أنَّ المعافَى بن سليمان الحَرَّانيَّ رواه عن فُلَيح كرواية محمد ابن ◌ِنان، وقد نَبَّهَ المصنِّف على أنَّ حذفَ الواو خطأ فلم يبقَ للاعتراض عليه سبيل، والله