Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
باب ٩ / ح ٣٤٨
كتاب التيمم
٤٥٨/١
والتابعين عشرة آثار، منها ثلاثة موصولة وهي فَتْوى عمر وأبي موسى / وابن مسعود.
ومن بَرَاعة الخِتام الواقعة للمصنِّف في هذا الكتاب خَتْمه كتاب التيمُّم بقوله: (فإنَّه
يَكْفيك)) إشارة إلى أنَّ الكِفاية بما أورَدَه تَحصُل لمن تَدَبَّرَ وتَفَهَّم، والله سبحانه وتعالى
أعلم.
٢٠٣
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الصَّلاة
((بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الصلاة)) تقدَّم في مُقدّمة هذا الشَّرْح ذِكْر مناسبة گَتْب
هذا الصحيح في الترتيب مُلخَّصاً من كلام شيخنا شيخ الإسلام(١)، وفي أوائلها مناسبة
تعقيب الطَّهارة بالصلاة لتقدُّم الشَّرْط على المشروط والوَسيلة على المقصود، وقد تأمَّلْتُ
كتاب الصلاة منه فوجدته مُشتمِلاً على أنواع تزيد على العِشْرين، فرأيت أنْ أذكُر مناسبتها
في ترتيبها قبل الشُّروع في شرحها، فأقول:
بدأَ أوَّلاً بالشُّروطِ السابقة على الدُّخول في الصلاة، وهي: الطَّهارة، وسَتْر العَوْرة،
واستقبال القِبْلة، ودخول الوقت، ولمَّا كانت الطَّهارة تَشتمِل على أنواع أفرَدَها بكتاب،
واستفتحَ کتاب الصلاة بذِكْر فَرْضيّتها لتَعُّن وقتها دون غيرها من أركان الإسلام، وكان
سَتْر العَوْرة لا يَخْتَصُّ بالصلاة فبدأَ به لِعمومِهِ، ثمَّ ثَنَّى بالاستقبال للُزومِه في الفريضة
والنافلة إلَّا ما استُثني كشِدّة الخوف ونافلة السَّفَر، وكان الاستقبال يستدعي مكاناً فذكر
المساجد، ومن توابع الاستقبال سُتْرة المصلّي فذكرها، ثمَّ ذكر الشَّرْط الباقي وهو دخول
الوقت وهو خاصّ بالفريضة، وكان الوقت يُشرَع الإعلام به فذكر الأذان، وفيه إشارة إلى
أنَّه حقُّ الوقت، وكان الأذان إعلاماً بالاجتماع إلى الصلاة فذكر الجماعة، وكان أقلُّها إماماً
ومأموماً فذكر الإمامة.
ولمَّ انقَضَت الشُّروط وتوابعها ذكر صفة الصلاة، ولمَّا كانت الفرائض في الجماعة قد
تَخْتَصّ بهيئة مخصوصة ذكر الجمعة والخوف، وقَدَّمَ الجمعة لأكثريّتِها.
ثمَّ ثَلا ذلك بما يُشرَع فيه الجماعة من النَّوافل فذكر العيدين والوِتْر والاستسقاء
(١) يريد به البُلقينيَّ عمر بن رَسْلان المتوفى سنة ٨٠٥ هـ.
٢٠٤
باب ١ / ح ٣٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
والكسوف، وأخّرَه لاختصاصهِ بهيئةٍ مخصوصة وهي زيادة الركوع، ثمَّ تَلاه بما فيه زيادة
سجود فذكر سجود التِّلاوة، لأنَّه قد يقع في الصلاة، وكان إذا وقع اشتملتِ الصلاة على
زيادة مخصوصة فتلاه بما يقع فيه نَقْص من عَدَدها وهو قَصْر الصلاة، ولمَّ انقَضَى ما يُشرَع
فیه الجماعة ذکر ما لا يُستَحبّ فيه وهو سائر التطوُّعات.
ثمَّ للصلاة بعد الشُّروع فيها شروط ثلاثة، وهي: ترك الكلام، وترك الأفعال الزائدة،
وترك المفطِرِ فَتَرجَمَ لذلك، ثمَّ بُطْلانها يَخْتَصّ بما وقع على وجه العَمْد فاقتَضَى ذلك ذِكْر
أحكام السَّهْو، ثمَّ جميع ما تقدَّم مُتعلِّق بالصلاة ذات الركوع والسجود، فعَقَّبَ ذلك بصلاةٍ لا
ركوع فيها ولا سجود وهي الجنازة. هذا آخر ما ظَهَرَ من مناسبة ترتيب كتاب الصلاة من هذا
(الجامع الصحيح))، ولم يَتعرَّض أحد من الشُّراح لذلك. فللَّهِ الحمدُ على ما أَلْهَمَ وعَلَّم.
١- باب كيف فُرِضَت الصلاةُ في الإسراء
وقال ابنُ عبّاس: حدَّثني أبو سفيانَ في حديثٍ هِرَقْلَ، فقال: يأْمُرُنا - يعني: النبيَّ ◌َلِّ -
بالصلاة والصِّدْقِ والعَفَاف.
٣٤٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونس، عن ابنِ شِهَاب، عن أنسِ
ابنِ مالك، قال: كانَ أبو ذَرِّ يُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «فُرِجَ عن سَقْفٍ بيتي وأنا بِمَكّةً،
٤٥٩/١ فنزلَ جِبْريلُ فَفَرَجَ صَدْري،/ ثمَّ غَسَلَه بماءٍ زَمْزَمَ، ثمَّ جاء بطَسْتٍ من ذَهَبٍ مُتِلِي حِكْمَةً
وإيماناً فأفرَغَه في صَدْري، ثمَّ أطبَقَه ثمَّ أَخَذَ بيَدِي فعَرَجَ بي إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فلمَّا جِئْتُ إلى
السَّماءِ الدُّنْيا، قال جِبْيلُ لخازِنِ السَّماءِ: افتَحْ. قال: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قال: هل مَعَكَ
أَحدٌ؟ قال: نَعَم معي محمَّدٌ وَّةِ، فقال: أأُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، فلمَّا فَتَحَ عَلَوْنا السَّماءَ الذُّنْيا،
فإذا رجلٌ قاعدٌ على يَمِينِهِ أَسوِدةٌ، وعلى يَسارِهِ أَسوِدةٌ، إذا نظرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذا نظرَ
قِبَلَ يَسارِهِ بَكَى، فقال: مَرحَباً بالنبيِّ الصَّالِحِ والابنِ الصَّالِحِ، قلتُ لِبْرِيلَ: مَن هذا؟ قال:
هذا آدمُ، وهذه الأسودةُ عن يَمِينِهِ وشِمالِهِ نَسَمُ بَنِيه، فأهلُ اليَمِينِ منهم أهلُ الجنَّة، والأسوِدَةُ
الَّتي عن شِمالِه أهلُ النارِ، فإذا نظرَ عن يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَى، حتَّى عَرَجَ بي
٢٠٥
باب ١ / ح ٣٤٩
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
إلى السَّماءِ الثّانيةِ، فقال لخازِنها: افتَحْ، فقال له خازِئُها مثلَ ما قال الأوَّلُ ففَتَحَ)).
قال أنس: فَذَكَرَ أَنَّه وجَدَ في السَّمَاوَاتِ آدَمَ وإدرِيسَ وموسى وعيسى وإبراهيمَ صَلَواتُ
الله عليهم، ولم يُثْبِتْ كيفَ مَنازِلُم، غيرَ أنَّ ذَكَرِ أَنَّه وَجَدَ آدَمَ في السَّماءِ الدُّنْيا وإبراهيمَ في
السَّماءِ السادسةِ.
قال أنسُّ: فلمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بالنبِّ ◌َّهِ بإدرِيسَ قال: مَرحَباً بالنبيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ،
فقلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا إدرِيسُ، ثمَّ مَرَرْتُ بموسى، فقال: مَرحَباً بالنبيِّ الصَّالِحِ والأخِ
الصَّالِحِ، قلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا موسى، ثمَّ مَرَرْتُ بعيسى، فقال: مَرحَباً بالأخِ الصَّالِحِ
والنبيِّ الصَّالِحِ، قلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا عيسى، ثمَّ مَرَرْتُ بإبراهيمَ، فقال: مَرحَباً بالنبيِّ
الصَّالِحِ والابنِ الصَّالِح، قلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا إِبراهيمُ وَّ)).
قال ابنُ شِهَابٍ: فأخبرني ابنُ حَزْمٍ: أنَّ ابنَ عبَّاس وأبا حَبّةَ الأنصاريَّ كانا يقولان: قال
النبيُّ ◌َّةِ: ((ثُمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرتُ لمُسْتَوَى أسمعُ فيه صَرِيفَ الأقلامِ)).
قال ابنُ حَزْمٍ وأنسُ بنُ مالكٍ: قال النبيُّ ◌َّةِ: ((فِفَرَضَ الله على أُمَّتي خمسينَ صلاةً،
فَرَجَعْتُ بذلك حتَّى مَرَرْتُ على موسى، فقال: ما فَرَضَ الله لكَ على أُمَّتِكَ؟ قلتُ: فَرَضَ
خمسينَ صلاةً، قال: فارجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، فراجَعَني فَوَضَعَ شَطْرَها،
فَرَجَعتُ إلى موسى، قلتُ: وَضَعَ شَطْرَها، فقال: راجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فراجَعْتُ
فَوَضَعَ شَطْرَها، فَرَجَعتُ إليه، فقال: ارجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، فراجَعْتُه فقال:
هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسونَ، لا يُبدَّلُ القولُ لَدَيَّ، فَرَجَعتُ إلى موسى، فقال: راجِعْ رَبَّكَ، فقلتُ:
اسْتَحْبَيَتُ من رَبِّ. ثمَّ انطَلَقَ بي حتَّى انتَهى بي إلى سِدْرة المنتَهَى وغَشِيَها ألْوانٌ لا أدري ما هي،
ثُمَّ أُدْخِلتُ الجنَّةَ، فإذا فيها حَبائِلُ اللُّؤْلُقٍ، وإذا تُرابُها المِسْكُ)).
[طرفاه في: ٣٣٤٢،١٦٣٦]
قوله: ((باب كيف فُرِضَت الصلاة)) وفي رواية الكُشْمِيهَنِيّ والمُستَمْلي: الصَّلَوات ((في
الإسراء)) أي: في ليلة الإسراء، وهذا مَصِيرٌ من المصنِّف إلى أنَّ المِعْراج كان في ليلة الإسراء،
٢٠٦
باب ١ / ح ٣٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقد وقع في ذلك اختلافٌ:
٤٦٠/١ فقيل: كانا في/ ليلة واحدة في يَقَظَته ◌َِّ، وهذا هو المشهور عند الجمهور.
وقيل: كانا جميعاً في ليلة واحدة في منامه.
وقيل: وَقَعا جميعاً مَرَّتَينِ في ليلتينِ مختلفتَينِ: إحداهما يَقَظة، والأُخرى مَناماً.
وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس خاصّة في اليقظة، وكان المِعْراج مَناماً إمَّا في تلك
الليلة أو في غيرها.
والذي ينبغي أنْ لا يجريَ فيه الخلافُ أنَّ الإسراء إلى بيت المقدس كان في اليَقَظة لظاهر
القرآن، ولكَوْن قريش كذَّبَتْه في ذلك، ولو كان مَناماً لم تُكذِّبْه فيه ولا في أبعدَ منه، وقد
روى هذا الحديث عن النبيّ وَّل﴿ جماعةٌ من الصحابة، لكنَّ طرقَه في ((الصحیحین)) تدور
على أنس مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزُّهْريُّ عنه عن أبي ذرِّ كما في هذا الباب، ورواه
قتادةُ عنه عن مالك بن صَعْصَعة (١)، ورواه شَرِيك بن أبي نَمِر وثابتٌ البُنانيُّ عنه عن النبيّ
وَل* بلا واسطة(٢)، وفي سياق كلّ منهم عنه ما ليس عند الآخر.
والغَرَض من إيراده هنا ذِكْر فرض الصلاة، فليقع الاقتصار هنا على شرحه، ونذكر
الكلام على اختلاف طرقه وتَغايُر ألفاظها وكيفيّة الجمع بينها في الموضع اللَّائق به، وهو في
السّيرة النبويَّة قُبَيل الهِجْرة (٣٨٨٧) إن شاء الله تعالى.
والحِكْمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المِعْراج: أنَّه لمَّا قُدِّسَ ظاهراً وباطناً حين غُسِلَ
بماء زَهْزَم بالإيمان والِحِكْمة، ومن شأْن الصلاة أنْ يتقدّمها الطَّهور، ناسَبَ ذلك أنْ تُفرَض
(١) عند البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).
(٢) رواية شريك عن أنس، أخرجها المصنف (٧٥١٧)، ومسلم (١٦٢) (٢٦٢)، ورواية ثابت عنه أخرجها
مسلم (١٦٢) (٢٥٩). وقد وقع في زوائد عبد الله بن أحمد على ((المسند)) (٢١٢٨٨) من رواية أبي ضمرة
أنس بن عياض عن يونس عن الزهري عن أنس عن أبي، فوهّم الدار قطني في ((العلل)) ٦/ ٢٣٤ أبا
ضمرة في هذه الرواية وقال: أحسبه سقط عليه ((ذر)) فجعله عن أبي بن كعب، ووهم فيه. وكذا صحَّح
كونه من حديث أبي ذرٍّ أبوحاتم فيما نقله عنه ابنه في ((العلل)) ٢/ ٤٠٢ -٤٠٣.
٢٠٧
باب ١ / ح ٣٤٩
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
الصلاة في تلك الحالة، وليَظهَرَ شَرَفُه في الملأ الأعلى، ويصلِّيَ بمَن سَكَنَه من الأنبياء
وبالملائكة، وليُناجيَ ربَّه، ومن ثَمَّ كان المصلِّ يُناجي ربَّه جلَّ وعلا.
قوله: ((وقال ابن عبّاس)) هذا طرف من حديث أبي سفيان المتقدِّم موصولاً في بَدْء
الوَحْي (٧)، والقائل: ((يأمُّرنا)» هو أبو سفيان.
ومناسبته لهذه الترجمة أنَّ فيه إشارة إلى أنَّ الصلاة فُرِضَت بمكَّة قبل الهِجْرة، لأنَّ أبا
سفيان لم يَلْقَ النبيَّ وَله بعد الهِجْرة إلى الوَقْت الذي اجتمع فيه بهرَقْل لقاءً يَتهيّا له معه أنْ
يكون آمراً له بطريق الحقيقة، والإسراءُ كان قبل الهِجْرة بلا خلاف، وبيان الوقت وإنْ لم
يكن من الكيفيّة حقيقةً لكنَّه من جملة مُقدِّماتها، كما وقع نظير ذلك في أوَّل الكتاب في
قوله: ((كيف كان بَدْء الوَحْي)» وساقَ فيه ما يتعلَّق بالمتعلِّقِ بذلك فظَهَرَت المناسَبة.
قوله: ((فُرِجَ)) بضمِّ الفاء وبالجيم، أي: فُتِح، والِحِكْمة فيه أنَّ الملَك انصَبَّ إليه من
السماء انصبابةً واحدة ولم يُعرِّج على شيء سواه، مُبالَغةً في المناجاة وتنبيهاً على أنَّ الطََّب
وقع على غير ميعاد، ويحتمل أنْ يكون السِّرُّ في ذلك التمهيد لما وقع من شَقِّ صَدْره، فكأنَّ
الملَك أراه بانفراج السَّقْف والْتِثامه في الحال كيفيَّة ما سيصنع به لُطْفاً به وتثبيتاً له، والله
أعلم.
قوله: ((فَفَرَجَ صَدْري)) هو بفتح الفاء وبالجيم أيضاً، أي: شَقَّه، ورَجَّحَ عِيَاض أنَّ شَقَّ
الصَّدْر كان وهو صغير عند مُرضِعته حَلِيمة، وتعقَّبه السُّهَيليّ بأنَّ ذلك وقع مَرَّتَينٍ، وهو
الصواب، وسيأتي تحقيقه عند الكلام على حديث شَرِيك في كتاب التوحيد (٧٥١٧) إن
شاء الله تعالى.
ومُحصَّله: أنَّ الشَّقَّ الأوَّل كان لاستعداده لِنَزْعِ العَلَقة التي قيل له عندها: هذا حَظُّ
الشَّيطان منك، والشَّقّ الثاني كان لاستعداده للتَّلقِّي الحاصل له في تلك الليلة، وقد روى
الطَّيالسُّ (١٥٣٩) والحارث في ((مسنديهما)) من حديث عائشة: أنَّ الشَّقّ وقع مرَّة أُخرى
عند مجيء جِبْريل له بالوَحْي في غار حِراء، والله أعلم. ومناسبته ظاهرة، ورُوِيَ الشَّقُّ
٢٠٨
باب ١ / ح ٣٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
أيضاً وهو ابن عَشْر أو نحوها في قِصّة له مع عبد المطَّلِب، أخرجها أبو نُعَيم في (الدَّلائل))،
ورُوِيَ مرَّة أُخرى خامسة ولا تَنْبُت.
قوله: ((ثمَّ جاء بطَسْت)) بفتح الطاء وبكسرها: إناء معروف سبق تحقيقه في الوضوء
(١٩٩)، وخُصَّ بذلك لأنَّه آلة الغسل عُرْفاً، وكان من ذهبٍ لأنَّه أعلى أواني الجنَّة، وقد
أبعَدَ مَن استدلَّ به على جواز تحلية المصحف وغيره بالذَّهَب، لأنَّ المستَعمِلَ له الملك،
فيحتاج إلى ثبوت كَوْنهم مُكلَّفين بما كُلِّفْنا به، ووراءَ ذلك أن ذلك كان على أصل الإباحة،
لأنَّ تحريم الذَّهب إنَّما وقع بالمدينة كما سيأتي واضحاً في اللُّباس.
٤٦١/١ قوله: (أُمَلِى)) كذا وقع بالتذكير على معنى الإناء/ لا على لفظ الطَّسْت، لأنَّهَا مُؤنَّئة،
و((حِكْمةً وإيماناً)) بالنصب على التمييز، والمعنى: أنَّ الطَّسْت جُعِلَ فيها شيءٌ يَحَصُل به كمالُ
الإيمان والحِكْمة، فسُمّيَ حِكْمة وإيماناً مَجازاً، أو مَثلاً له بناء على جواز تمثيل المعاني كما
يُمثَّلُ الموتُ كَبْشاً(١).
قال النَّووي: في تفسير الحِكْمة أقوال كثيرة مضطربة، صَفَا لنا منها أنَّ الِحِكْمة العِلْمُ
المشتمِل على المعرفة بالله مع نَفاذ البَصِيرة، وتهذيب النَّفْس، وتحقيق الحقّ، للعمل به
والكَفّ عن ضدّه، والحكيم من حازَ ذلك. انتهى مُلخَّصاً.
وقد تُطلَقُ الحِكْمة على القرآن وهو مُشتمِلٌ على ذلك كلّه، وعلى النبوّة كذلك، وقد
تُطلَقُ على العِلْم فقط، وعلى المعرفة فقط ونحو ذلك.
قوله: ((ثُمَّ أَخَذَ بيَدِي)» استدلَّ به بعضهم على أنَّ المِعْراج وقع غير مرَّة، لكَوْن الإسراء
إلى بيت المقدس لم يُذكَر هنا، ويمكن أنْ يقال: هو من اختصار الراوي، والإتيان بـ((ثُمَّ))
المقتضية للتراخي لا يُنافي وقوع أمر الإسراء بين الأمرَينِ المذكورين، وهما الإطباق
والعُروج، بل يشير إليه، وحاصلُه أنَّ بعض الزُّواة ذكر ما لم يَذكُره الآخَر، ويؤيِّده ترجمة
المصنّف كما تقدَّم.
(١) سيأتي عند البخاري برقم (٤٧٣٠).
٢٠٩
باب ١ / ح ٣٤٩
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
قوله: ((فعَرَجَ)) بالفتح، أي: الملَك ((بي)) وفي رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((به)) على الالتفات أو
التجرید.
قوله: ((افتَحْ)) يدلّ على أنَّ الباب كان مُغلَقاً، قال ابن المنيِّر: حِكْمته التحقُّق أنَّ السماء لم
تُفتَح إلَّا من أجله، بخلاف ما لو وَجَدَه مفتوحاً.
قوله: ((قال جِبْريل)) فيه من أدَب الاستئذان أنَّ المستأذِن يُسمِّي نفسه لئلّا يَلْتَبِس بغيره.
قوله: ((أأُرسِلَ إليه؟)) وللكُشْمِيهَنيّ: ((أوَأُرسِلَ إليه))، يحتمل أنْ يكون خَفِيَ عليه أصلُ
إرساله لاشتغاله بعبادتِه، ويحتمل أنْ يكون استَفْهَمَ عن الإرسال إليه للعُروج إلى السماء،
وهو الأظهر لقوله: ((إليه)). ويُؤخَذ منه أنَّ رسول الرجل يقوم مقامَ إذْنه، لأنَّ الخازن لم
يتوقّف عن الفتح له على الوَحْي إليه بذلك، بل عَمِلَ بلازم الإرسال إليه، وسيأتي في هذا
حديثٌ مرفوعٌ في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى(١)، ويؤيِّد الاحتمالَ الأوَّلَ قولُه في
رواية شَرِيك: ((أوقد بُعِث)) لكنَّها من المواضع التي تُعُقِّبَت كما سيأتي تحريرها في كتاب
التوحيد (٧٥١٧) إن شاء الله تعالی.
قوله: (أسوِدَة)) وزنُ أزمِنة: وهي الأشخاص من كلّ شيء.
قوله: ((قلت لجِبْریل: مَن هذا؟)) ظاهرُه أنَّه سأل عنه بعد أن قال له آدمُ: مرحباً، ورواية
مالك بن صَعْصَعة (٣٨٨٧) بعكس ذلك وهي المعتمَدة، فتُحمَل هذه عليها، إذْ ليس في
هذه أداة ترتیب.
قوله: (نَسَمُ بَنِيه)) النَّسَم بالنون والمهمَلة المفتوحتَينِ جمع نَسَمة: وهي الرُّوح، وحكى
ابن التِّين أنَّه رواه بكسر الشّين المعجمة وفتح الياء آخر الحُروف بعدها ميم، وهو
تصحیف.
وظاهره أنَّ أرواح بني آدم من أهل الجنّة والنار في السماء، وهو مُشكِّلٌ. قال القاضي
عِيَاض: قد جاء أنَّ أرواح الكُفّار في ◌ِجّين، وأنَّ أرواح المؤمنين مُنعَّمة في الجنَّة، يعني:
(١) كتاب الاستئذان: ١٤ - باب إذا دُعي الرجل فجاء هل يستأذن؟
٢١٠
باب ١ / ح ٣٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
فكيف تكون مُجُتمِعة في سماء الدنيا؟ وأجابَ بأنَّه يحتمل أنَّها تُعرَضُ على آدم أوقاتاً،
فصادَفَ وقتُ عَرْضها مُرورَ النبيّ ◌َّهِ، ويدلّ على أنَّ كَوْنهم في الجنَّة والنار إنَّما هو في
أوقاتٍ دون أوقاتٍ قولُه تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].
واعتُرِضَ بأنَّ أرواح الكُفّار لا تُفتَح لها أبوابُ السماء كما هو نصُّ القرآن. والجواب عنه ما
أبداه هو احتمالاً: أنَّ الجنَّة كانت في جهة یمین آدم، والنار في جهة شماله، وكان يُكشَفُ له
عنهما، انتھی.
ويحتمل أنْ يقال: إنَّ النَّسَم المرئيَّة هي التي لم تَدخُل الأجساد بعدُ وهي مخلوقة قبل
الأجساد، ومُستقرُّها عن یمین آدم وشماله، وقد أُعلم بما سیصیرون إلیه، فلذلك كان
يَستَبَشِر إذا نظرَ إلى مَن عن يمينه، ويَزَن إذا نظرَ إلى مَن عن يساره، بخلاف التي في
الأجساد فليست مرادة قَطْعاً، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مُستقرِّها من جنّة أو
نار، فليست مرادة أيضاً فيما يظهر، وبهذا يَندَفِعِ الإيرادُ ويُعرَف أنَّ قوله: (نَسَم بنيه)) عامٌّ
مخصوص، أو أُريدَ به الخصوص.
وأمَّا ما أخرجه ابن إسحاق والبيهقيُّ من طريقه في حديث الإسراء (١): ((فإذا أنا بآدم
٤٦٢/١ تُعرَضُ عليه أرواح/ ذُرِيَّته المؤمنين فيقول: روح طيِّة ونفس طيِّة، اجعلوها في عِلِِّين، ثمَّ
تُعرَض عليه أرواح ذُرّيَّته الفُجّار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سِجِین)»،
وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني والبَزَّار (٩٥١٨): ((فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح
طيِّبة، وعن شِماله باب يخرج منه ريح خبيئة، إذا نظرَ عن يمينه استَبَشَر، وإذا نظرَ عن شِماله
حَزِن)»، فهذا لو صَحَّ لكان المصيرُ إليه أولى من جميع ما تقدَّم، ولكنَّ سنده ضعيفٌ.
قوله: ((قال أنس: فذكر)) أي: أبو ذرِّ ((أنَّه وَجَدَ)) أي: النبيُّ ◌َليّ.
(١) هذا الحديث عند البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢/ ٣٩٠ - ٣٩٦ بإسناد ليس فيه ابن إسحاق، من حديث أبي
سعيد الخدري، وإسناده واهٍ، فيه أبو هارون العبدي وهو متروك، واتهمه بعضهم بالكذب. وأما ابن
إسحاق فروى هذا الحديث - كما في («سيرة ابن هشام)) ٢/ ٤٤ -٤٧ - فأبهم إسناده، قال: وحدثني من لا
أنَّهم عن أبي سعيد الخدري.
٢١١
باب ١ / ح ٣٤٩
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
قوله: ((ولم يُثبِت» أي: أبو ذرّ.
قوله: ((وإبراهيم في السَّماء السادسة)) هو موافق لرواية شَرِيك عن أنس (٧٥١٧)،
والثابت في جميع الروايات غير هاتَينِ أنَّه في السابعة، فإنْ قلنا بتعدُّد المِعْراج، فلا تَعارُض،
وإلَّا فالأرجَح رواية الجماعة لقوله فيها: ((أنَّه رآه مُسنِداً ظهرَه إلى البيت المعمور))(١)، وهو
في السابعة بلا خلاف، وأمَّا ما جاء عن عليٍّ: أنَّه في السادسة عند شجرة طُوبَى، فإنْ ثبت
◌ُلَ على أنَّه البيت الذي في السادسة بجانب شجرة طوبَى، لأنَّه جاء عنه: أنَّ في كلّ سماء
بيتاً يُحاذي الكَعْبةَ وكلٍّ منها معمور بالملائكة، وكذا القول فيما جاء عن الرّبيع بن أنس
وغيره: أنَّ البيت المعمور في السماء الدنيا، فإنَّه محمول على أوَّل بيت يُحاذي الكَعْبة من
بيوت السَّماوات، ويقال: إنَّ اسم البيت المعمور ((الضُّرَاح)) بضمِّ المعجَمة وتخفيف الراء
وآخره مُهمَلة، ويقال: بل هو اسم سماء الدنيا، ولأنَّه قال هنا: إنَّه لم يُثبِت كيف منازلهم،
فرواية مَن أثبتَها أرجَحُ، وسأذكر مَزيداً لهذا في كتاب التوحيد (٧٥١٧).
قوله: ((قال أنس: فلمَّا مَرَّ)) ظاهره أنَّ هذه القِطْعة لم يسمعها أنسٌ من أبي ذرّ.
قوله: ((مَرَّ جِبْريل بالنبيِّ وَ بإدريسَ)) الباء الأولى للمُصاحَبة، والثانية للإلصاق أو
بمعنی: على.
قوله: ((ثُمَّ مَرَرْتُ بعيسى)) ليست ((ثمّ)) على بابها في الترتيب، إلَّا إِنْ قيل بتعدُّد المِعْراج،
إذ الروايات مُتَّفِقةٌ على أنَّ المرور به كان قبل المرور بموسی.
قوله: ((قال ابن شِهَاب: فأخبَرَني ابن حَزْم)» أي: أبو بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم،
وأمَّا أبوه محمد فلم يسمع الزُّهْريُّ منه لتقدُّم موته، لكنَّ رواية أبي بكر عن أبي حَبّة
مُنقطِعة، لأنَّه استُشْهِدَ بأُحدٍ قبل مولد أبي بكر بدَهْرٍ، وقبل مولد أبيه محمد أيضاً.
وأبو حَبّة بفتح المهمَلة وبالموحّدة المشدَّدة على المشهور، وعند القابِسيّ بمُثنَّاةٍ تحتانيَّة
وغَلِطَ في ذلك، وذكره الواقديُّ بالنون.
(١) أخرجه مسلم (١٦٢). وانظر حديث مالك بن صعصعة الآتي عند البخاري برقم (٣٢٠٧).
٢١٢
باب ١ / ح ٣٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حتَّى ظَهَرتُ) أي: ارتَفَعْت، و((المستَوَى)) المُصْعَد، و((صَرِيف الأقلام)) بفتح
الصاد المهملة: تصويتُها حالة الكتابة، والمراد ما تَكتُبه الملائكة من أقضية الله سبحانه
وتعالى.
قوله: ((قال ابن حَزْم)) أي: عن شيخه ((وأنس)) أي: عن أبي ذرِّ، كذا جَزَمَ به أصحاب
الأطراف، ويحتمل أنْ يكون مُرسَلاً من جهة ابن حَزْم ومن رواية أنس بلا واسطة.
قوله: ((فَرَضَ الله على أُمَّتي خمسينَ صلاة)) في رواية ثابت عن أنس عند مسلم (١٦٢):
((فرض الله عليَّ خمسين صلاة كلَّ يوم وليلة))، ونحوه في رواية مالك بن صَعْصَعة عند
المصنِّف (٣٨٨٧)، فيحتمل أنْ يقال: في كلٍّ من رواية الباب والرواية الأُخرى اختصار،
أو يقال: ذِكْر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأُمّة وبالعكس، إلَّا ما يُستَثَنَى من
خصائصه.
قوله: ((فراجَعَني)) وللكُشْمِيهَنيّ: ((فراجعتُ)) والمعنى واحد.
قوله: ((فَوَضَعَ شَطْرَها)) في رواية مالك بن صَعْصَعة (٣٨٨٧): ((فَوَضَعَ عنِّي عَشْراً))،
ومثله لشَريك (٧٥١٧)، وفي رواية ثابت: ((فحَطَّ عنِّي خمساً».
قال ابن المنيِر: ذِكْر الشَّطْر أعمُّ من كَوْنه وقع في دُفْعة واحدة. قلت: وكذا العَشْرِ،
فكأنَّه وَضَعَ العَشْرِ في دُفْعتَينِ والشَّطْر في خمس دُفُعات، أو المراد بالشَّطْرِ في حديث الباب:
البعض، وقد حقَّقت رواية ثابت أنَّ التخفيف كان خمساً خمساً، وهي زيادة مُعتمَدة يَتعيَّن
حملُ باقي الروايات عليها، وأمَّا قول الكِرْمانيّ: الشَّطْر هو النِّصْف، ففي المراجَعَة الأولى
وَضَعَ خمساً وعِشْرين، وفي الثانية ثلاثة عشر، يعني: نصف الخمسة والعِشْرين بجَبْر
الكسر، وفي الثالثة سبعاً. كذا قال، وليس في حديث الباب في المراجَعَة الثالثة ذِكْر وَضْع
٤٦٣/١ شيء، إلَّا أنْ يقال: حُذِفَ ذلك اختصاراً فَيَتَّجِه، لكنَّ الجمع بين الروايات/ يأبى هذا
الحمل، فالمعتمد ما تقدَّم.
وأبدَى ابن المنيِّرِ هنا نُكْتة لطيفة في قوله ◌ِّ لموسى عليه السلام لمَّ أمَّرَه أنْ يَرجِعَ بعد
٢١٣
باب ١ / ح ٣٤٩
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
أنْ صارت خمساً فقال: ((استَحْيَيتُ من رَبّ))، قال ابن المنيِر: يحتمل أنَّه وَلّهِ تفرَّسَ من كَوْن
التخفيف وقع خمساً خمساً: أنَّه لو سأل التخفيف بعد أنْ صارت خمساً، لكان سائلاً في
رفعها، فلذلك استحیا، انتھی.
ودَلَّت مُراجَعَته ◌َّهِ لربِّه في طَلَب التخفيف تلك المرات كلِّها، أنَّه علم أنَّ الأمر في كلّ
مرَّة لم يكن على سبيل الإلزام، بخلاف المرّة الأخيرة، ففيها ما يُشعِرُ بذلك لقوله سبحانه
وتعالى: لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ.
ويحتمل أنْ يكون سبب الاستحياء، أنَّ العشرة آخرُ جمع القِلَّة وأوَّل جمع الكَثْرة،
فخشيَ أنْ يدخل في الإلحاح في السؤال، لكنَّ الإلحاح في الطََّب من الله مطلوب، فكأنَّه
خشيَ من عَدَم القيام بالشُّكْر، والله أعلم. وسيأتي في التوحيد (٧٥١٧) زيادة في هذا
ومخالفةٌ.
وأبدى بعض الشُّيوخ حِكْمة لاختيار موسى تكرير تَرْداد النبيّ وَّةِ، فقال: لمَّا كان
موسى قد سأل الرُّؤْية فمُنِعَ، وعَرَفَ أنَّها حصلت لمحمدٍ بَلِّ، قَصَدَ بتکریرِ رُ جوعه تکریرَ
رُؤْيَته ليرى مَن رَأى، كما قيل: لَعَلّ أراهم، أو أرى مَن رآهم(١). قلت: ويحتاج إلى ثبوت
تجدُّد الرُّؤْية في كلّ مرَّة.
قوله: ((هُنَّ خمسٌ وهُنَّ خمسونَ)) وفي رواية غير أبي ذرٍّ: ((هي)) بدل ((هُنّ)) في الموضعين،
والمراد: هُنَّ خمس عَدَداً باعتبار الفعل، وخمسون اعتداداً باعتبار الثَّواب، واستدلَّ به على
عَدَم فَرْضيّة ما زاد على الصَّلَوات الخمس كالوِتْر، وعلى دخول النَّسْخ في الإنشاءات ولو
كانت مُؤَّدة، خلافاً لقوم فيما أُكِّد، وعلى جواز النَّسْخ قبل الفعل.
قال ابن بَطَّال وغيره: ألا ترى أنَّه عزَّ وجلَّ نَسَخَ الخمسين بالخمس قبل أنْ تُصلَّى، ثمّ
(١) هذه الحكمة التي أبداها بعض الشيوخ ليست بشيء، والتحقيق أن النبي وَ له لم يرَ ربَّه، لقوله {َّ في
حديث أبي ذر لما سأله عن ذلك: ((رأيت نوراً))، وفي رواية: ((نور أنَّي أراه)) [رواهما مسلم (١٧٨]،
والظاهر من السِّياق أن الذي حمل موسى عليه السلام على ما ذكر من طلب تكرار المراجعة، هو رحمة
أُمة محمد والشفقة عليهم، فجزاه الله خيراً، والله أعلم. (س).
٢١٤
باب ١ / ح ٣٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
تَفَضَّلَ عليهم بأنْ أكمَلَ لهم الثَّواب.
وتعقّبه ابن المنيِّر فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليّين والشُّراح، وهو مُشكِل على
مَن أثبتَ النَّسْخ قبل الفعل كالأشاعرة، أو مَنَعَه كالمعتَزِلة، لكَوْنهم اتفقوا جميعاً على أنَّ
النَّسْخِ لا يُتْصَوَّر قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النَّسْخ قبل البلاغ، فهو مُشكِل
عليهم جميعاً. قال: وهذه نُكْتةٌ مُبتكَرةٌ.
قلت: إنْ أراد قبل البلاغ لكلِّ أحد فممنوع، وإنْ أراد قبل البلاغ إلى الأُمّة فمُسلّم،
لكن قد يقال: ليس هو بالنّسبة إليهم نَسْخاً، لكن هو نَسٌ بالنِّسبة إلى النبيّ وَِّ، لأنَّه
كُلِّفَ بذلك قَطْعاً ثمَّ نُسِخَ بعد أنْ بُلِّغَه وقبل أنْ يفعل، فالمسألة صحيحة التصوير في حقّه
وَل﴾، والله أعلم. وسيأتي لذلك مزيدٌ في شرح حديث الإسراء في الترجمة النبويَّة (٣٨٨٧)
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حَبايِلُ اللُّؤْلُؤ)) كذا وقع لجميع رواه البخاري في هذا الموضع بالحاء المهمَلة ثمَّ
الموحّدة وبعد الألف تحتانيَّة ثمَّ لام، وذكر كثير من الأئمَّة أنَّه تصحيف وإنَّما هو ((جَنابذُ))
بالجيم والنون وبعد الألف موحّدة ثمَّ ذال مُعجَمة كما وقع عند المصنِّف في أحاديث
الأنبياء (٣٣٤٢) من رواية ابن المبارَك وغيره عن يونس، وكذا عند غيره من الأئمّة.
ووجدتُ في نسخة مُعتمَدة من رواية أبي ذرٍّ في هذا الموضع: ((جنابذُ)) على الصواب، وأظُنّه
من إصلاح بعض الرُّواة.
وقال ابن حَزْم في أجوبته على مواضع من البخاري: فَتَّشْتُ على هاتَينِ اللفظتَينِ فلم
أچِدهما ولا واحدة منهما، ولا وقفتُ على معناهما، انتهى.
وذكر غيره: أنَّ الجنابذ شَبَهُ القِباب، واحدها: جُنْبَذة بالضم: وهو ما ارتفع من البناء،
فهو فارسيّ مُعرَّب، وأصله بلسانهم: كُنْبَذة بوَزْنِه، لكنَّ الموحَّدة مفتوحة والكاف ليست
خالصة، ويؤيِّده ما رواه المصنّف في التفسير (٤٩٦٤) من طريق شَيْبان، عن قتادة، عن
أنس قال: لمَّا عُرِجَ بالنبيِّ ◌َ﴿ قال: ((أَتَيتُ على نهر حافَتَاه قِباب اللُّؤْلُؤْ)).
٢١٥
باب ١ / ح ٣٥٠
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
وقال صاحب ((المطالع)) في الحبائل: قيل: هي القلائد والعُقود، أو هي من حِبال ٤٦٤/١
الرَّمْل، أي: فيها لُؤْلُؤْ مثل حِبال الرَّمْل، جمع حَبْل: وهو ما استطالَ من الرَّمْل، وتُعُقِّبَ
بأنَّ الحبائل لا تكون إلَّا جمع حِبالة أو حَبيلةٍ بَوَزْنِ عَظيمة.
وقال بعض مَن اعتَنَى بالبخاريّ: الحَبائل جمع حِبالة، وحِبالة جمع حَبْل على غیر
قياس، والمراد أنَّ فيها عُقوداً وقلائد من اللُّؤْلُؤ.
٣٥٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن عُرْوةَ
ابنِ الزُّبَير، عن عائشةَ قالت: فَرَضَ الله الصلاةَ حينَ فرضَها رَكْعتَينِ رَكْعتَينٍ في الحَضَرِ
والسَّفَرِ، فأُقِرّتْ صلاةُ السَّفَرِ، وزِيدَ في صلاة الحَضَر.
[طرفاه في: ١٠٩٠، ٣٩٣٥]
قوله: ((عن عائشة قالت: فرضَ الله الصلاة حين فرضَها رَكْعتَينِ رَكْعتَين)) كَرَّرَت لفظ
((رَكْعَتَين)) لتُعيدَ عموم التثنية لكلِّ صلاة، زاد ابن إسحاق: ((قال: حدَّثني صالح بن كَيْسان
بهذا الإسناد: إلَّا المغربَ فإنَّها كانت ثلاثاً)) أخرجه أحمد (٢٦٣٣٨) من طريقه، وللمصنِّف
في كتاب الهِجْرة (٣٩٣٥) من طريق مَعمَر، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوة، عن عائشة قالت:
(فُرِضَت الصلاة رَكْعتَين، ثمَّ هَاجَرَ النبيُّ ◌َّهِ فَفُرِ ضَت أربعاً)) فعيَّن في هذه الرواية أنَّ
الزيادة في قوله هنا: ((وزِيدَ في صلاة الخَضَر)) وقعت بالمدينة.
وقد أخَذَ بظاهر هذا الحديث الحنفيَّةِ وبَنَّوْا عليه أنَّ القَصْر في السَّفَر عزيمةٌ لا رُخْصة،
واحتَجَّ مخالفوهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ ﴾ [النساء: ١٠١]
لأنَّ نفي الجُتاح لا يدلّ على العزيمة، والقَصْر إنَّما يكون من شيء أطول منه. ويدلُّ على أنَّه
رُخْصة أيضاً قوله وَّ: ((صَدَقة تَصدَّقَ الله بها عليكم))(١)، وأجابوا عن حديث الباب بأنَّه
من قول عائشة غير مرفوع، وبأنَّها لم تَشْهَد زمان فرض الصلاة، قاله الخطّابُّ وغيره.
وفي هذا الجواب نظرٌ، أمَّا أوَّلاً: فهو ممَّا لا مَجَالَ للرَّأْي فيه، فله حُكْم الرفع. وأمَّا ثانياً:
(١) أخرجه مسلم (٦٨٦) من حديث عمر بن الخطاب.
٢١٦
باب ١ / ح ٣٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
فعلى تقدير تسليم أنَّها لم تُدرِك القِصَّة يكون مُرسَل صحابيّ، وهو حُجَّة، لأنَّه يحتمل أنْ
تكون أخَذَتْه عن النبيِّ وٍَّ أو عن صحابيِّ آخر أدرَكَ ذلك.
وأمَّا قول إمام الحرمين: لو كان ثابتاً لنُقِلَ متواتراً، ففيه أيضاً نظر، لأنَّ التواتر في مثل
هذا غير لازم.
وقالوا أيضاً: يعارض حديث عائشة هذا حديث ابن عبّاس: ((فُرِضَت الصلاة في
الحَضَرِ أربعاً، وفي السَّفَر رَكْعتَين)) أخرجه مسلم (٦٨٧).
والجواب: أنَّه يمكن الجمع بين حديث عائشة وابن عبَّاس كما سيأتي فلا تَعارُض،
وألْزَموا الحنفيَّة على قاعدَتهم فيما إذا عارضَ رَأْيُ الصحابي روايتَه بأنَهم يقولون: العِبْرة بما
رأى لا بما روى، وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت عن عائشة: أنَّها كانت تُتِمّ في السَّفَر، فدَلَّ
ذلك على أنَّ المرويّ عنها غير ثابت، والجواب عنهم: أنَّ عُرْوة الراوي عنها قد قال لمَّا
سُئِلَ عن إتمامها في السَّفَرِ: إِنَّها تأوَّلَت كما تأوَّلَ عثمان(١)، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها
وبين رَأْيها، فروايتها صحيحة ورأيها مبنيٍّ على ما تأوَّلَتْ.
والذي يظهر لي - وبه تجتمع الأدلَّة السابقة - أنَّ الصَّلَوات فُرِضَت ليلة الإسراء
رَكْعتَينِ رَكْعتَينِ إلَّا المغرب، ثمَّ زِيدَت بعد الهِجْرة عَقِب الهجرة إلَّا الصُّبْح، كما روى ابن
خُزَيمةَ وابن حِبَّان (٢٧٣٨) والبيهقيُّ (٣٦٣/١) من طريق الشَّعْبِيّ، عن مسروق، عن
عائشة قالت: فُرِضَت صلاة الحَضَر والسَّفَر رَكْعَتَيْنِ رَكْعتَين، فلمَّا قَدِمَ رسول الله وَله
المدينة واطمَأنَّ زِيدَ في صلاة الحَضَر رَكْعَتان رَكْعَتان، وتُرِكَت صلاة الفجر لِطول القراءة،
وصلاة المغرب، لأنَّهَا وِتْر النَّهار. انتهى، ثمَّ بعد أن استَقرَّ فرضُ الرُّباعيَّة خُفِّفَ منها في
٤٦٥/١ السَّفَر عند نزول الآية السابقة وهي قوله/ تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ ﴾
[النساء: ١٠١]، ويؤيِّد ذلك ما ذكره ابن الأثير في ((شرح المسنَد)): أنَّ قَصْر الصلاة كان في
السَّنة الرابعة من الهِجْرة، وهو مأخوذ ممَّا ذكره غيره: أنَّ نزول آية الخوف كان فيها.
(١) سيأتي عند المصنف برقم (١٠٩٠).
٢١٧
باب ٢
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
وقيل: كان قَصْر الصلاة في ربيع الآخر من السَّنة الثانية، ذكره الدُّولابِيُّ، وأورَدَه السُّهَيلِيّ
بلفظ: بعد الهِجْرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد الهِجْرة بأربعين يوماً، فعلى هذا المراد بقول
عائشة: ((فأُقِرَّت صلاة السَّفَر)) أي: باعتبار ما آلَ إليه الأمر من التخفيف، لا أنَّهَا استَمرَّت
منذُ فُرِضَت، فلا يَلزَم من ذلك أنَّ القَصْر عزيمة، وأمَّا ما وقع في حديث ابن عبّاس:
((والخوف رَكْعة))(١) فالبحث فيه يجيء إن شاء الله تعالى في صلاة الخوف (٩٤٤).
فائدة: ذهب جماعة إلى أنَّه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلَّا ما كان وقع الأمر به
من صلاة الليل من غير تحديد، وذهب الحَرْبيُّ إلى أنَّ الصلاة كانت مفروضة رَكْعتَينِ
بالغَداة ورَكْعتَين بالعَشِيّ.
وذكر الشافعيّ عن بعض أهل العِلْمِ: أنَّ صلاة الليل كانت مفروضة ثمَّ نُسِخَت بقوله
تعالى: ﴿فَقْرَهُوَأْ مَا تَّبَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، فصارَ الفرض قيامَ بعض الليل، ثمَّ نُسِخَ ذلك
بالصَّلَوات الخمس.
واستَنكَرَ محمدُ بن نَصْرِ المَرْوَزيُّ ذلك وقال: الآية تَدُلّ على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُ وَأَمَا
تَبَشَرَ مِنْهُ﴾ إِنَّمَا نزل بالمدينة لقوله تعالى فيها: ﴿ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والقتال إِنَّما وقع
بالمدينة لا بمكّة، والإسراء كان بمكّة قبل ذلك. انتهى، وما استدلَّ به غير واضح، لأنَّ
قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] ظاهر في الاستقبال، فكأنَّه سبحانه وتعالى امتَنَّ
عليهم بتعجيل التخفيف قبل وجود المشَقّة التي علم أنَّها ستقعُ لهم، والله أعلم.
٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب
وقول الله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
ومَن صَلَّى مُلتَحِفاً في ثوبٍ واحدٍ.
ويُذكَرُ عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ أَنَّ النبيَّ وَّه قال: ((يَزُّه ولَوْ بِشَوْكةٍ)). وفي إسنادِهِ نظرٌ.
ومَن صَلَّى في الثَّوْبِ الذي يُجامِعُ فيه ما لم يَرَ فيه أذّى.
(١) أخرجه مسلم (٦٨٧).
٢١٨
باب ٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَرَ النبيُّ ◌َِّ أَنْ لا يَطُوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ.
قوله: ((باب وُجُوب الصلاة في الثّياب، وقول الله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكٌ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾)»
يشير بذلك إلى ما أخرجه مسلم (٣٠٢٨) من حديث ابن عبّاس قال: كانت المرأة تطوف
بالبيت عُرْيانة ... الحديث، وفيه: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾، ووقع في تفسير طاووسٍ قال في قوله
تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ﴾ قال: الثِّاب، وَصَلَه البيهقيُّ(١)، ونحوه عن مجاهد، ونقل ابن خَزْم
الاتِّفاق على أنَّ المراد سَتْرُ العَوْرة.
قوله: ((ومَن صَلَى مُلتَحِفاً في ثوب واحد)» هكذا ثبت للمُستَملي وحده هنا، وسيأتي قريباً
في باب مُفرَد (٢)، وعلى تقدير ثبوته هنا فله تَعلُّقٌّ بحديث سَلَمةَ المعلَّق بعده كما سيظهرُ من
سياقه.
قوله: ((ويُذكَر عن سَلَمَةَ)) قد بيَّن السبب في ترك جَزْمه به بقوله: وفي إسناده نظرٌ. وقد
وَصَلَه المصنِّف في ((تاريخه)) (٢٩٦/١) وأبو داود (٦٣٢) وابن خُزَيمةَ (٧٧٧) وابن حِبَّان
(٢٢٩٤) واللفظ له، من طريق الدَّراوَرْديٍّ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي
ربيعة، عن سَلَمَةَ بن الأكوع قال: ((قلت: يا رسول الله، إنّ رجل أتصَيَّد، أفاُصلِي في
القميص الواحد؟ قال: ((نعم، زُرَّه ولو بشَوْكة))، ورواه البخاري أيضاً عن إسماعيل بن أبي
أُوَيس، عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سَلَمة، زاد في الإسناد رجلاً، ورواه
أيضاً عن مالك بن إسماعيل، عن عَطَّف بن خالد، قال: حدَّثنا موسى بن إبراهيم قال:
حدَّثنا سَلَمة. فصَرَّحَ بالتحديث بين موسى وسَلَمة، فاحتمل أنْ يكون رواية أبي أُوَيس من
٤٦٦/١ المزيد في مُتَّصِل الأسانيد، أو / يكون التصريح في رواية عَطّاف وَهْماً، فهذا وجه النَّظر في
إسناده.
وأمَّا مَن صحَّحه، فاعتَمَدَ رواية الدَّراوَرْديِّ وجعل رواية عَطَّاف شاهدة لاتِّصالها،
(١) ذكره البيهقي وأثرَ مجاهد في ((سننه)) ٢/ ٢٢٣ معلّقاً لا موصولاً، ووصلهما الطبري في ((تفسيره)) عند هذه
الآية من سورة الأعراف.
(٢) في الباب رقم (٥).
٢١٩
باب ٢
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
وطريق عطاف أخرجها أيضاً أحمد (١٦٥٢٠) والنَّسائيُّ (٧٦٥).
وأمَّا قول ابن القَطَّان: إنَّ موسى هو ابن محمد بن إبراهيم التَّيميُّ المضَعَّفُ عند
البخاري وأبي حاتم وأبي داود، وأنَّه نُسِبَ هنا إلى جَدّه، فليس بمستقيم، لأنَّه نُسِبَ في
رواية البخاري وغيره مخزوميّاً، وهو غير الشَّيميِّ بلا تردُّد، نعم وقع عند الطَّحاويّ
(١/ ٣٨٠) موسى بن محمد بن إبراهيم، فإنْ كان محفوظاً فيحتمل على بُعْدٍ أنْ يكونا جميعاً
رَوَيا الحديث وحمله عنهما الذَّراوَرْدِيُّ، وإلَّا فِذِكرُ محمدٍ فيه شاذٍّ، والله أعلم.
قوله: ((يَزُرُّه) بضمِّ الَّاي وتشديد الراء، أي: يَشُدّ إزاره ويجمع بين طرفيه لئلا تَبْدوَ
عَوْرتُه، ولو لم يُمكِنِه ذلك إلَّا بأنْ يَغْرِز في طرفيه شَوْكة يَستَمْسِك بها. وذكر المؤلِّف
حديث سَلَمَةَ هذا إشارة إلى أنَّ المراد بأخذِ الزّينة في الآية السابقة لُبْس الثياب لا تحسينُها.
قوله: ((ومَن صَلَّى في الثَّوْب)) يشير إلى ما رواه أبو داود (٣٦٦) والنَّسائيُّ (٢٩٤)
وصحَّحه ابن خُزَيمةَ (٧٧٦) وابن حِبَّان (٢٣٣١) من طريق معاوية بن أبي سفيان أنَّه سأل
أُخته أُمّ حبيبة: هل كان رسول الله وَ ل﴿ يصلِّ في الثوب الذي يُجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم
يَرَ فيه أذَّى. وهذا من الأحاديث التي تَضمَّنَتها تراجم هذا الكتاب بغير صيغة رواية،
حتَّى ولا التعليق.
قوله: ((ما لم يَرَ فيه أذَّى)) سَقَطَ لفظ ((فيه)) من رواية المُستَمْلي والحَمُّوِيّ.
قوله: ((وأمَرَ النبيُّ ◌َّ)) أشار بذلك إلى حديث أبي هريرة في بَعْث عليٍّ في حَجّة أبي بكر
بذلك، وقد وَصَلَه بعد قليل لكن ليس فيه التصريح بالأمر (٣٦٩)، وروى أحمد (٤)
بإسناد حسن(١) من حديث أبي بكر الصِّدّيق نفسه: أنَّ النبيَّ وَّ بَعَثَه («لا يَحُجّ بعد العام
مُشِرِك ولا يطوف بالبيت عُزْيان)) الحديث.
(١) بل ضعيف، في إسناده زيد بن يثيع عن أبي بكر، وزيد هذا تفرَّد بالرواية عنه أبو إسحاق السَّبيعي، ثم إن
الإسناد منقطع بين زيد وأبي بكر كما قال الحافظ نفسه في «أطراف المسند» (٧٨٠٠). وانظر تتمة الكلام
عليه في تعليقنا على ((المسند)).
٢٢٠
باب ٢ / ح ٣٥١
فتح الباري بشرح البخاري
ووجه الاستدلال به للباب: أنَّ الطَّواف إذا مُنِعَ فيه التعرِّي فالصلاة أَولى، إذْ يُشترَط
فيها ما يُشترَط في الطَّواف وزيادة، وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ سَتْر العَوْرة من شروط
الصلاة، وعن بعض المالكيَّة التَّرِقة بين الذّاكر والناسي، ومنهم مَن أطلَقَ كَوْنه سُنَّة لا
يُبطِلُ تركُها الصلاة، واحتُجَّ بأنَّه لو كان شرطاً في الصلاة لاختَصَّ بها ولا فتَقَرَ إلى النيّة،
ولكان العاجز العُزْيان يَنتقِل إلى بدلٍ كالعاجزِ عن القيام يَنتقِل إلى القُعود.
والجواب عن الأوَّل: النَّقْض بالإيمان، فهو شرط في الصلاة ولا يَخْتَصُّ بها، وعن
الثاني: باستقبال القِبْلة فإنَّه لا يَفْتَقِر للنيّة، وعن الثالث: على ما فيه بالعاجز عن القراءة ثمَّ
عن التسبيح فإنَّه يصلِّ ساكتاً.
٣٥١- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن محمَّد، عن أُمِّ عَطِيَّةً
قالت: أُمِرْنا أنْ نُخْرِجَ الخُيَّضَ يومَ العِيدَينِ وذَواتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جماعةَ المسلمِينَ
ودَعْوَتَهم، ويَعْتِزِلُ الخُيَّصُ عن مُصلَّاهُنَّ، قالتِ امرأةٌ: يا رسولَ الله، إحدانا ليسَ لها
جِلْبابٌ؟ قال: ((لتُلِسْها صاحِبتُها من جِلْبابِها».
وقال عبدُ الله بنُ رَجاءٍ: حدَّثنا عِمْرانُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَةَ، سمعتُ
النبيَّ ێٍ ... بهذا.
قوله: ((حدَّثنا يزيد بن إبراهيم)) هو التُّسْتَريُّ، ومحمد: هو ابن سيرين، والإسناد كلُّه
بصريُّون، وكذا المعلَّق بعده.
قوله: ((أُمِرْنا)) بضمِّ الهمزة، ولمسلم (٨٩٠/ ١٢) من طريق هشام، عن حفصة، عن أُمّ
عَطيَّة قالت: أمَرَنا رسول الله وَّه. وقد تقدَّم هذا الحديث في الطَّهارة (٣٢٤) بأتمَّ من هذا
السّياق في باب شُهود الحائض العيدَين، وتقدَّم الكلامُ عليه ثَمّ.
قوله: ((یومَ العیدین)» وفي رواية المُستَمْلي والگُشْمِیھنيّ: ((يوم العيد» بالإفراد.
قوله: ((ويَعْتَزِل الخُيَّض عن مُصلَّاهُنَّ)) أي: النساء اللّاتِي لَسْنَ بخُيَّض، وللمُستَمْلي:
٤٦٧/١ ((عن مُصلَّاهم)) على التغليب، وللكُشْمِيهَنيّ: ((عن المصلّ)) والمراد به موضع/ الصلاة.