Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
باب ٧ / ح ٣٠٥
كتاب الحيض
حَدَثه، ومنع القراءة إنْ كان/ لكَوْنه ذِكْراً لله فلا فرقَ بينه وبين ما ذُكِر، وإنْ كان تَعُّداً ٤٠٨/١
فيحتاج إلى دليل خاصّ، ولم يَصِحَّ عند المصنِّف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإنْ
كان مجموع ما وَرَدَ في ذلك تقوم به الحُجَّة عند غيره، لكنَّ أكثرها قابل للتأويل كما سنشير
إليه، ولهذا تَمَسَّكَ البخاري ومَن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود بعموم
حديث: ((كان يَذكُر الله على كلّ أحيانه))، لأنَّ الذِّكر أعمّ من أنْ يكون بالقرآنِ أو بغيره،
وإنَّمَا فَرَّقَ بين الذِّكر والتِّلاوة بالعُرْف. والحديث المذكور وَصَلَه مسلم (٣٧٣) من حديث
عائشة.
وأورَدَ المصنِّ أثر إبراهيم - وهو النَّخَعيُّ - إشعاراً بأنَّ منع الحائض من القراءة ليس
مُجُمَّعاً عليه، وقد وَصَلَه الدَّارميُّ وغيره بلفظ: أربعة لا يَقْرَؤون القرآن: الْجُنُب،
والحائض، وعند الخَلاء، وفي الحَّام، إلَّا الآيةَ ونحوها للجُنُب والحائض، ورُوِيَ عن
مالك نحو قول إبراهيم، ورُوِيَ عنه الجواز مُطلَقاً، ورُوِيَ عنه الجواز للحائض دون
الجُنُب، وقد قيل: إنَّه قول الشافعيّ في القديم.
ثمَّ أورَدَ أثر ابن عبّاس، وقد وَصَلَه ابن المنذر (٩٨/٢) بلفظ: أنَّ ابن عبّاس كان يقرأُ
وِزْده وهو ◌ُنُب.
وأمَّا حديث أُمّ عَطيَّة فَوَصَلَه المؤلِّف في العيدين (٩٧٤)، وقوله فيه: ((ويَدْعون)) كذا
لأكثر الرُّواة، وللكُشْمِيهَنيّ: ((يَدْعِين)) بياء تحتانيَّة بدل الواو. ووجه الدّلالة منه ما تقدَّم
من أنَّه لا فرق بين التِّلاوة وغيرها.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف طرفاً من حديث أبي سفيان في قِصّة هِرَقْل، وهو موصول عنده في
بَدْء الوَحْي (٧) وغيره، ووجه الدّلالة منه: أنَّ النبيَّ ◌َهَ كَتَبَ إلى الرُّوم وهم كُفّار،
والكافر جُنُب، كأنَّه يقول: إذا جازَ مَسّ الكتاب للجُنُب مع كَوْنه مُشتمِلاً على آيتَينِ
فكذلك يجوز له قراءته، كذا قاله ابن رُشَيد. وتوجيه الدّلالة منه إنَّما هي من حيثُ إنَّه إنَّما
كتب إليهم ليَقْرَؤوه، فاستَلزَمَ جوازَ القراءة بالنَّصِّ لا بالاستنباط، وقد أجابَ مَن مَنَعَ

١٠٢
باب ٧ / ح ٣٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك - وهم الجمهور - بأنَّ الكتاب اشتَمَلَ على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض
القرآن في كتابٍ في الفِقْه أو في التفسير، فإنَّه لا يُمنَع قراءَته ولا مَسُّه عند الجمهور، لأنَّه لا
يُقصَد منه التِّلاوة، ونَصَّ أحمد أنَّه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ، وقال به کثیر
من الشافعيّة، ومنهم مَن خَصَّ الجواز بالقليل كالآية والآيتين.
قال الثَّوْري: لا بأس أنْ يُعلِّمَ الرجلُ النصرانيَّ الحرفَ من القرآن عسى الله أنْ يهديَه،
وأكره أنْ يُعلِّمَه الآية، هو كالجُنُب.
وعن أحمد: أكره أنْ يضعَ القرآن في غير موضعه، وعنه: إنْ رُجيَ منه الهداية جازَ، وإلَّا
فلا.
وقال بعض مَن مَنَع: لا دلالة في القِصَّة على جواز تلاوة الجُنُب القرآن، لأنَّ الجُنُب
إنَّما مُنِعَ التِّلاوة إذا قَصَدَها وعَرَفَ أنَّ الذي يقرؤه قرآن، أمَّا لو قرأ في ورقة ما لا يعلم أنَّه
من القرآن فإنَّه لا يُمنَع، وكذلك الكافر. وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الجهاد (٢٩٣٦) إن
شاء الله تعالى.
تنبيه: ذكر صاحب ((المشارق)): أنَّه وقع في رواية القابِسيّ والنَّسَفيّ وعَبْدوس هنا: ((ویا
أهَلَ الكتاب)) بزيادة واو، قال: وسَقَطَت لأبي ذرٍّ والأَصِيليّ، وهو الصواب.
قلت: فَأَفهمَ أنَّ الأولى خطأ لكَوْنها مخالفة للتِّلاوة، وليست خطأ، وقد تقدَّم توجيه
إثبات الواو في بَدْء الوَحْي (٧).
قوله: ((وقال عطاء عن جابر)) هو طرف من حديث موصول عند المصنِّف في كتاب
الأحكام(١) وفي آخره: ((غير أنَّها لا تطوف بالبيت ولا تُصلِّ)».
وأمَّا أثر الحكم - وهو الفقيه الكوفيّ - فَوَصَلَه البَغَويُّ في ((الْجَعْدِيّات)) (٣٠٩) من
روايته عن عليّ بن الجَعْد، عن شُعْبة، عنه، ووجه الدّلالة منه: أنَّ الذَّبْح مُستلزِم لِذِكْر الله
بحُكْم الآية التي ساقها، وفي جميع ما استدلَّ به نزاعٌ يَطُول ذِكْره، ولكنَّ الظاهر من تصرُّفه
(١) هو في كتاب التمني، وسيأتي فيه برقم (٧٢٣٠).

١٠٣
باب ٨ / ح ٣٠٦
كتاب الحيض
ما ذکرناه.
واستدلَّ الجمهور على المنع بحديث عليّ: ((كان رسول الله وَّهَ لا يَحجُبه عن القرآن
شيء، ليس الجنابة)) رواه أصحاب السُّنن وصحَّحه التِّرمِذيّ وابن حِبَّان، وضَعَّفَ بعضهم
بعض رواته (١)، والحقّ أنَّه من قَبِيل الحسن يَصلُح للحُجَّة، لكن قيل: في الاستدلال به
نظر، لأنَّه فعلٌ مجرَّدٌ فلا يدلّ على تحريم ما عَداه.
وأجابَ الطبريُّ عنه بأنَّه محمول على الأكمَل جمعاً بين الأدلَّة، وأمَّا حديث ابن عمر٤٠٩/١
مرفوعاً: ((لا تقرأ الحائض ولا الجُنُب شيئاً من القرآن)) فضعيف من جميع طرقه (٢).
وقد تقدَّم الكلام على حديث عائشة في أوَّل كتاب الحيض (٢٩٤).
وقولها: ((طَمَئْت)) بفتح الميم وإسكان المثلَّثة، أي: حِضْت، ويجوز كسر الميم، يقال:
طَمَثَت المرأة بالفتح والكسر في الماضي، تَطْمُثُ بالضمِّ في المستقبل.
٨- باب الاستحاضة
٣٠٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ، أنَّها قالت: قالت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيَشِ لرسولِ الله ◌ِّهِ: يا رسولَ الله، إنّ لا أطهُرُ،
أفأدَعُ الصلاةَ؟ فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إِنَّما ذلكِ عِرْقٌ وليسَ بالحَيْضة، فإذا أقبَلَتِ الحَيضةُ
(١) أخرجه أحمد (٦٣٩)، وأبو داود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (٢٦٦)، وابن ماجه (٥٩٤)،
وابن حبان (٧٩٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٥٩٥)، والترمذي (١٣١)، وقال: حديث ابن عمر لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل
ابن عياش عن موسى بن عقبة. قلنا: وإسماعيل ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، وهذا منها. ثم إن
إسماعيل بن عياش قد توبع، تابعه المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله عن موسى، أخرجه الدارقطني
(٤٢٣) من طريق عبد الملك بن مسلمة، عن المغيرة، وعبد الملك هذا قال أبو حاتم عنه - كما في ((الجرح
والتعديل)) ٣٧١/٥ -: مضطرب الحديث، ليس بالقوي حدثني بحديث موضوع، وقال أبو زرعة: ليس
بالقوي منكر الحديث مصري. وله طريق ثالث عند الدارقطني (٤٢٤) من حديث ابن عمر، لكن في
إسناده رجل مبهم، وفيه أبو معشر - واسمه نجيح بن عبد الرحمن - وهو ضعيف.

١٠٤
باب ٨ / ح ٣٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
فاتْرُكي الصلاةَ، فإذا ذهبَ قَدْرُها فاغْسِلي عَنكِ الدَّمَ وصَلِّي)».
قوله: ((باب الاستحاضة)) تقدَّم أنَّهَا جَرَيان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه، وأنَّه يَخْرُج
من عِرْق يقال له: العاذل، بعينٍ مُهمَلة وذال مُعجَمة.
قوله: ((إنّ لا أطهُرُ)) تقدَّم في «باب غسل الدَّم)) (٢٢٨) من رواية أبي معاوية عن هشام
وهو ابن عُرْوة. في هذا الحديث التصريحُ ببيان السبب وهو قولها: ((إنّي أُستَحاض))، وكان
عندها أنَّ طهارة الحائض لا تُعرَفُ إلَّا بانقطاع الدَّم فكَنَّت بعَدَم الطُّهْر عن اتِّصاله،
وكانت علمت أنَّ الحائض لا تُصلّى، فظنَّت أنَّ ذلك الحُكْم مُقْتَرِن بجَرَيان الدَّم من الفَرْج،
فأرادت تَحَقُّقَ ذلك فقالت: أفَأْدَعُ الصلاة؟
قوله: ((إنَّما ذلكِ)) بكسر الكاف، وزاد في الرواية الماضية (٢٢٨): ((فقال: لا)).
قوله: ((وليس بالحَيْضة)) بفتح الحاء كما نقله الخطَّبيُّ عن أكثر المحدِّثين أو كلِّهم، وإنْ
كان قد اختار الكسر على إرادة الحالة، لكنَّ الفتح هنا أظهر.
وقال النَّووي: وهو متعيَّن أو قريب من المتعيَّن، لأنَّه وَليهِ أراد إثبات الاستحاضة ونفي
الحيض، وأمَّا قوله: ((فإذا أقبَلَت الحيضة)) فيجوز فيه الوجهان معاً جوازاً حسناً. انتهى
كلامه، والذي في روايتنا بفتح الحاء في الموضعين، والله أعلم.
قوله: «فاغسِلي عنكِ الدَّمَ وصآي» أي: بعد الاغتسال كما سيأتي التصريح به في ((باب إذا
حاضت في شهر ثلاث حيَض)) (٣٢٥) من طريق أبي أسامة عن هشام بن عُرْوة في هذا
الحديث قال في آخره: ((ثمَّ اغتَسِلي وصَلّي)» ولم يَذكُر غسل الدَّم.
وهذا الاختلاف واقعٌ بين أصحاب هشام، منهم مَن ذكر غسل الدَّم ولم يَذكُر
الاغتسال، ومنهم مَن ذكر الاغتسال ولم يَذكُر غسل الدَّم، وكلّهم ثقات وأحاديثهم في
((الصحيحين))(١)، فيُحمَلُ على أنَّ كلّ فريق اختصر أحد الأمرينِ لوُضوحِه عنده.
وفيه اختلاف ثالث أشْنا إليه في باب غسل الدَّم من رواية أبي معاوية (٢٢٨) فذَكَر
(١) انظر ((صحيح مسلم)) (٣٣٣).

١٠٥
باب ٩ / ح ٣٠٧
كتاب الحيض
مثل حديث الباب وزاد: ((ثمَّ توضَّئي لكلِّ صلاة)) ورَدَدْنا هناك قول مَن قال: إنَّه مَدْرَج،
وقول مَن جَزَمَ بأنَّه موقوف على عُرْوة، ولم ينفرد أبو معاوية بذلك فقد رواه النَّسائيُّ
(٢١٧) من طريق حمَّد بن زيد عن هشام، وادَّعَى أنَّ حَمَّاداً تفرَّد بهذه الزيادة، وأومَأ مسلم
أيضاً إلى ذلك (٣٣٣)، وليس كذلك، فقد رواها الدَّارميُّ (٧٧٩) من طريق حمّاد بن
سَلَمة، والسَّراج(١) من طريق يحيى بن سُلَيم، كلاهما عن هشام.
وفي الحديث دليل على أنَّ المرأة إذا مَيَّزت دم الحيض من دم الاستحاضة تَعتبِر دم الحيض
وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقَضَى قَدْره اغتسلت عنه ثمَّ صارَ حُكْم دم الاستحاضة
حُكْم الحَدَث فتتوضَّأ لكلِّ صلاة، لكنَّها لا تُصلِّ/ بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة ٤١٠/١
مُؤدّة أو مَقْضيّة، لظاهر قوله: ((ثمّ توضَّئي لكلِّ صلاة))، وبهذا قال الجمهور.
وعند الحنفيّة: أنَّ الوضوء مُتعلِّق بوَقْت الصلاة فلها أنْ تُصلِّي به الفريضة الحاضرة وما
شاءَت من الفوائت ما لم يَخْرُج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله: ((وتوضَّئي لكلِّ
صلاة» أي: لوقْت کلّ صلاة، ففیه مجاز الحذف، ويحتاج إلى دلیل.
وعند المالكيَّة: يُستَحبّ لها الوضوء لكلِّ صلاة ولا يجبُ إلَّا بحَدَثٍ آخر.
وقال أحمد وإسحاق: إن اغتسلت لكلِّ فرض فهو أحوَط.
وفيه جواز استفتاء المرأة بنفسِها ومُشافَهَتها للرجل فيما يتعلَّق بأحوال النساء، وجواز
سماع صوتها للحاجة. وفيه غير ذلك. وقد استَنْبَطَ منه الرازيُّ الحنفي: أنَّ مُدَّة أقلّ الحيض
ثلاثة أيام، وأكثره عشرة لقوله: ((قَدْر الأيام التي كنت تحيضين فيها))، لأنَّ أقلَّ ما يُطلَق
عليه لفظ ((أيام)) ثلاثة، وأكثره عشرة، فأمَّا دون الثلاثة فإنَّما يقال: يومان ويوم، وأمَّا فوق
عشرة فإنَّما يقال: أحدَ عشرَ يوماً وهكذا إلى عِشْرين، وفي الاستدلال بذلك نظرٌ.
٩- باب غسل دم المَحِیض
٣٠٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام، عن فاطمةَ بنتِ المنذِر،
(١) وهو في ((حديثه)) بتخريج الشحّامي (٤٣٢) و(٤٣٣).

١٠٦
باب ٩ / ح ٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
عن أسماء بنتِ أبي بَكْرِ أنَّها قالت: سألَتِ امرأةٌ رسولَ اللهِ وَلَ، فقالت: يا رسولَ الله، أرأيتَ
إحدانا إذا أصابَ ثوبَها الدَّمُ مِن الحيضةِ كيفَ تَصْنَعُ؟ فقال رسولُ الله وَلِّ: ((إذا أصابَ ثوبَ
إحداكُنَّ الَّمُ مِن الحيضِةِ، فَلْتَقْرُصْه ثمَّ لتَضِحْه بماءٍ، ثمَّ لتُصلِّيّ فيه)).
قوله: ((باب غسل دم المَحِيض)) هذه الترجمة أخصُّ من الترجمة المتقدِّمة في كتاب
الوضوء وهي غسل الدَّم، وقد تقدَّم الكلام هناك (٢٢٧) على حديث أسماء هذا، أخرجه
هناك من رواية يحيى القَطَّان عن هشام، وإسناد هذه الرواية کالتي قبلها مدنُّون سوى
شیخه.
وفيه من الفوائد ما في الذي قبله، وجواز سؤال المرأة عمَّا يُستَحيى من ذِكْره،
والإفصاح بذِكْر ما يُستقذَر للضَّرورة، وأنَّ دم الحيض كغيره من الدِّماء في وجوب غسله.
وفيه استحباب فَرْك النجاسة اليابسة ليَهُون غسلها.
٣٠٨- حدَّثنا أصبَغُ، قال: أخبرني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمُرُو بنُ الحارثِ، عن
عبد الرحمن بنِ القاسم، حَدَّثَه عن أبيه، عن عائشةَ قالت: كانت إحدانا تَِّيضُ، ثمَّ تَقتَرِصُ
الدَّمَ من ثوبها عند طُهْرِها، فتَغسِلُه وتَنضِحُ على سائرِه ثمَّ تُصلي فيه.
قوله: «حدّثنا أصبغ)» هو وشیخه وشیخ شيخه الثلاثة مِصْریّون، والباقون وهم ثلاثة
أيضاً مدنُّون.
قوله: ((كانت إحدانا)) أي: أزواج النبيّ وَّهِ، وهو محمول على أنَّهُنَّ كُنَّ يَصْنَعْنَ ذلك في
زمنه وَّة، وبهذا يَلتحِق هذا الحديث بحُكْم المرفوع، ويؤيِّده حديث أسماء الذي قبله (٣٠٧).
قال ابن بَطَّال: حديث عائشة يُفسِّر حديث أسماء، وأنَّ المراد بالنَّضْح في حديث أسماء
الغَسْل، وأمَّا قول عائشة: ((وتَنضِح على سائره)) فإنَّما فعلت ذلك دَفْعاً للوَسْوَسة، لأنَّه قد
بانَ في سياق حديثها أنَّها كانت تَغسِل الدَّم لا بعضه، وفي قولها: ((ثمَّ تُصلِّ فيه)) إشارة إلى
امتناع الصلاة في الثوب النَّجِس.
قوله: ((ثُمَّ تَقْتَرِص الدَّم)) بالقاف والصاد المهمَلة بوَزْن تَفْتَعِل، أي: تَغْسِله بأطراف

١٠٧
باب ١٠ / ح ٣٠٩-٣١١
كتاب الحيض
أصابعها.
وقال ابن الجوزي: معناه: / تَقتَطِع كأنَّها تَحُوزه دون باقي المواضع، والأوَّل أشبه ٤١١/١
بحدیث أسماء.
قوله: ((عند طُهْرها)) كذا في أكثر الروايات، وللمُستَمْلي والحَقُّوِيّ: ((عند طُهْره)) أي:
الثوب، والمعنى: عند إرادة تطهيره. وفيه جواز ترك النجاسة في الثوب عند عَدَم الحاجة
إلى تطهيره.
١٠ - باب اعتكاف المستحاضة
٣٠٩- حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، عن خالد، عن عِكْرمةَ، عن عائشةَ:
أنَّ النبيَّ ◌َِّ اعْتَكَفَ معه بعضُ نسائِهِ وهي مُستَحاضةٌ تَرَى الدَّمَ، فرُبَّما وَضَعَتِ الطَّسْتَ تحتَها
مِن الدَّم.
وَزْعَمَ: أنَّ عائشةَ رَأتْ ماءَ العُصْفُر، فقالت: كأنَّ هذا شيءٌ كانت فُلانةُ تَجِدُه.
[أطرافه في: ٣١٠، ٣١١، ٢٠٣٧]
٣١٠- حدَّثنا قُتَيَبةُ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن عائشةَ قالت:
اعتكَفَتْ معَ رسولِ الله وَلِّ امرأةٌ من أزْواجِه، فكانت تَرى الدَّمَ والصُّفْرَةَ، والطَّسْتُ تحتَها
وهي تُصلِّي.
٣١١- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا مُعتمِرٌ، عن خالد، عن عِكْرمةَ، عن عائشةَ: أنَّ بعضَ
أُمَّهاتِ المؤمنينَ اعتكَفَتْ وهي مُستَحاضٌ.
قوله: «باب اغْتِكاف المستحاضة» أي: جوازه.
قوله: «حدَّثنا خالد بن عبد الله)) هو الطَّحّان الواسطيّ، وشیخه خالد: هو ابن مِهْران
الذي يقال له: الحَذّاء بالحاء المهمَلة والذّال المعجَمة المثقَّلة، ومَدار الحديث المذكور علیه،
وعكرمة: هو مولى ابن عبّاس.

١٠٨
باب ١٠ / ح ٣٠٩-٣١١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بعضُ نسائه)) قال ابن الجَوْزي: ما عَرَفْنا مَن من أزواج النبيّ ◌َّ كانت
مُستَحاضة، قال: والظاهر أنَّ عائشة أشارت بقولها: ((من نسائه)) أي: النساء المتعلِّقات به،
وهي أُمّ حبيبة بنت جَحْش أُخت زينب بنت جَحْش زوجِ النبي ◌ِّ.
قلت: يردّ هذا التأويلَ قولُه في الرواية الثانية: ((امرأة من أزواجه)) وقد ذكرها الحميديّ
عَقِب الرواية الأولى، فما أدري كيف غَفَلَ عنها ابن الجَوْزيّ، وفي الرواية الثالثة: ((بعض
أُمَّهات المؤمنين)) ومن المستبعد أنْ تَعتكِفَ معه وَ لّ امرأة غير زوجاته وإنْ كان لها به تَعلُّق.
وقد حكى ابن عبد البَرِّ: أنَّ بنات جَحْش الثلاث كُنَّ مُستحاضات: زينب أُمّ
المؤمنين، وحَمْنة زوج طَلْحة، وأُمّ حبيبة زوج عبد الرحمن بن عَوْف وهي المشهورة منهُنَّ
بذلك، وسيأتي حديثها في ذلك.
وذكر أبو داود (٢٩٢) من طريق سليمان بن كثير، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوة، عن عائشة:
استُحيضَت زينب بنت جَحْش فقال لها النبيّ وَّهِ: ((اغتَسِلي لكلِّ صلاة)). وكذا وقع في
((الموطَّأ)) (١/ ٦٢): أنَّ زينب بنت جَحْش استُحيضَت، وجَزَمَ ابن عبد البَرِّ بأنَّه خطأ، لأنَّه
ذُكر أنَّها كانت تحت عبد الرحمن بن عَوْف، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عَوْف إنَّما
هي أُمّ حبيبة ◌ُختها.
وقال شيخنا الإمام البُلْقينيُّ: يُحمَل على أنَّ زينب بنت جَحْش استُحيضَت وقتاً،
بخلاف أُختها فإنَّ استحاضتها دامَت. قلت: وكذا يُحمَل على ما سأذكره في حقّ سَوْدة وأُمّ
سَلَمة، والله أعلم.
وقرأت بخَطِّ مُغَلْطاي في عَدِّ المستحاضات في زمن النبيِّ وََّ قال: وسَوْدة بنت زَمْعةَ
ذكرها العلاء بن المسيِّب عن الحَكَم عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين، فلعلَّها هي
المذكورة.
٤١٢/١ قلت: وهو حديثٌ ذكره أبو داود (٢٨١)/ من هذا الوجه تعليقاً، وذكر البيهقيُّ
(٣٣٥/١) أنَّ ابن خُزيمةَ أخرجه موصولاً. قلت: لكنَّه مُرسَل، لأنَّ أبا جعفر تابعيّ ولم

١٠٩
باب ١٠ / ح ٣٠٩-٣١١
كتاب الحيض
یذکر مَن حدَّثه به.
وقرأت في ((السُّنن)) لسعید بن منصور: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدَّثنا خالد - هو
الخَذّاء - عن ◌ِكْرمة: أنَّ امرأة من أزواج النبيّ وَّ كانت مُعْتكِفة وهي مُستَحاضة. قال:
وحدَّثنا به خالد مرَّة أُخرى عن عِكْرمة: أنَّ أُمَ سَلَمةَ كانت عاكفة وهي مُستَحاضة، ورُبَّما
جعلت الطَّسْت تحتها. قلت: وهذا أولى ما فُسِّرت به هذه المرأة لاتِّحاد المخرَج، وقد أرسَلَه
إسماعيل ابن عُليَّة عن عِكْرمة، ووَصَلَه خالد الطَّحّان ويزيد بن زُرَيع وغيرهما بذِكْر عائشة
فيه، ورَجَّحَ البخاري الموصول فأخرجه. وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٩٤/٣) عن إسماعيل
ابن عُليَّة هذا الحديث كما أخرجه سعيد بن منصور بدون تسمية أُمّ سَلَمة، والله أعلم.
قوله: ((من الدَّم)) أي: لأجل الدَّم.
قوله: ((وزَعَمَ)) هو معطوف على معنى العَنعَنة، أي: حدَّثني عِكْرمة بكذا وزَعَمَ كذا،
وأبعَد مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّق.
قوله: ((كأنَّ)) بالهمزة وتشديد النون.
قوله: ((فُلانة)) الظاهرُ أنَّها تعني المرأة التي ذكرتها قبلُ. ورأيت على حاشية نسخة
صحيحة من أصل أبي ذرِّ ما نَصُّه: ((فلانة هي رَمْلة أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان)) فإنْ كان ثابتاً
فهو قول ثالث في تفسير المبهمة، وعلى ما زَعَمَ ابن الجَوْزيّ من أنَّ المستحاضة ليست من
أزواجه، فقد رُوِي: أنَّ زينب بنت أُمَ سَلَمَةَ استُحيضَت، روى ذلك البيهقيُّ (٣٥١/١)
والإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير، لكنَّ الحديث في ((سنن أبي داود)) (٢٩٣)
من حكاية زينب عن غيرها، وهو أشبه، فإنَّها كانت في زمنه وَ ◌ّ صغيرة، لأنَّه دخل على
أُمّها في السَّنة الثالثة وزينب تَرضَع.
وأسماء بنت عُمَيس، حكاه الدَّارَ قُطنيُّ من رواية سُهَيل بن أبي صالح، عن الزُّهْريّ،
عن عُرْوة، عنها. قلت: وهو عند أبي داود (٢٨١) على التردُّد، هل هو عن أسماء أو فاطمة
بنت أبي حُبَيش، وهاتان لهما به وَ له تَعلَّق، لأنَّ زينب رَبِيبَته، وأسماء أُخت امرأته ميمونة

١١٠
باب ١١ / ح ٣١٢
فتح الباري بشرح البخاري
الأُمّها، وكذا لحَمْنَةَ وأُمّ حبيبة به تَعلُّق وحديثهما في ((سنن أبي داود))(١)، فهؤلاء سبع يمكن
أنْ تُفسَّر المبهمة بإحداُهُنّ.
وأمَّا مَن استُحِيضَت في عَهْده ◌َّ من الصحابيَّات غيرهنّ: فسَهْلة بنت سُهَيل، ذكرها
أبو داود أيضاً (٢٩٥)، وأسماء بنت مَرَد ذكرها البيهقيُّ (٣٣٠/١) وغيره(٢)، وبادية بنت
غَيْلان ذكرها ابن منده(٣)، وفاطمة بنت أبي حُبَيشٍ وقِصَّتها عن عائشة في ((الصحیحین))،
ووقع في ((سنن أبي داود)) عن فاطمة بنت قيس(٤)، فظنَّ بعضهم أنَّها القُرَشيَّة الفِهْرِيَّة
والصواب أنَّها بنت أبي حُبَيَش، واسم أبي حُبَيشٍ قيس، فهؤلاء أربع نِسْوة أيضاً، وقد
كَمَّلْنَ عَشْراً بحذف زينب بنت أبي سَلَمة.
وفي الحديث جواز مُكْث المستحاضة في المسجد، وصِحّة اعتكافها وصلاتها وجواز
حَدَثِها في المسجد عند أمْنِ التلويث، ويَلتحِق بها دائمُ الحَدَث ومَن به ◌ُرْح يَسیل.
١١ - باب هل تصلِّ المرأةُ في ثوب حاضت فيه؟
٣١٢- حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نافع، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، قال:
قالت عائشةُ: ما كان لإحدانا إلَّا ثوبٌ واحدٌ تَحِيضُ فيه، فإذا أصابَه شيءٌ من دَم، قالت بِرِيقِها
فمَصَعَتْه بظُفْرِها.
قوله: ((باب هل تُصلِّ المرأة في ثوب حاضَتْ فيه)) قيل: مطابقة الترجمة لحديث الباب:
أنَّ مَن لم يكن لها إلَّا ثوب واحد تحيض فيه، فمن المعلوم أنَّها تُصلِّي فيه لكن بعد تطهيره،
٤١٣/١ وفي الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أُمّ سَلَمةَ الماضي الدَّالّ على/ أنَّه كان لها ثوب
◌ُخْتَصّ بالحيض، أنَّ حديث عائشة محمول على ما كان في أوَّل الأمر، وحديث أُمّ سَلَمةَ
(١) حديث حمنة أخرجه برقم (٢٨٧)، وحديث أم حبيبة برقم (٢٨٥).
(٢) ونسبه الحافظ أيضاً في ((الإصابة)) ٧/ ٤٩٤ إلى إسماعيل القاضي في «أحكامه)) وابن منده، وضعّفه بحرام
ابن عثمان.
(٣) وحديثها أيضاً عند الطبراني في ((الأوسط)) (٧٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وسنده ضعيف.
(٤) إنما وقع هذا في «السنن الكبرى)) للنسائي (٢٠٧) وليس لأبي داود.

١١١
باب ١١ / ح ٣١٢
كتاب الحيض
محمول على ما كان بعد اتِّساع الحال، ويحتمل أنْ يكون مراد عائشة بقولها: ((ثوب واحد))
مُخْتَصّ بالحيض، وليس في سياقها ما ينفي أنْ يكون لها غيره في زمن الطَّهْر، فيوافق حديث
أُمّ سَلَمة، وليس فيه أيضاً أنَّهَا صَلَّت فيه، فلا يكون فيه حُجَّة لمن أجازَ إزالة النجاسة بغير
الماء، وإنَّما أزالَت الدَّم بِرِيقِها ليذهب أثره ولم تَقصِد تطهيره، وقد مضى قبلُ ببابٍ (٣٠٨)
عنها ذِكْر الغسل بعد القَرْص قالت: ((ثمَّ تُصلِّي فيه)) فدَلَّ على أنَّها عند إرادة الصلاة فيه
كانت تَغسِله.
وقولها في حديث الباب: ((قالت برِيقِها)) من إطلاق القول على الفعل، وقولها: ((فمَصَعَتْه))
بالصاد والعين المهمَلتين المفتوحتين(١)، أي: حَكَّتْه وفَرَكَتْه بظُفْرِها، ورواه أبو داود (٣٥٨)
بالقاف بدل الميم، والقَصْع: الدَّلْك، ووقع في رواية له (٣٦٤) من طريق عطاء عن عائشة
بمعنى هذا الحديث: ((ثمَّ تَرى فيه قَطْرة من دم فَتَقْصَعه بريقها(٢)»، فعلى هذا فيُحمَل حديث
الباب على أنَّ المراد دم يسير يُعفَى عن مثله، والتوجيه الأوَّل أقوى.
فائدة: طَعَنَ بعضهم في هذا الحديث من جهة دَعْوَى الانقطاع، ومن جهة دَعْوى
الاضطراب:
فأمَّا الانقطاع، فقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهدٌ من عائشة، وهذا مردود، فقد وقع
التصريح بسماعه منها عند البخاري في غير هذا الإسناد (١٧٧٥ - ١٧٧٦)، وأثبتَه عليّ بن
المَدِينِيّ، فهو مُقدَّم على مَن نفاه.
وأمَّا الاضطراب، فلرواية أبي داود له (٣٥٨) عن محمد بن كثير، عن إبراهيم بن نافع،
عن الحسن بن مسلم بدل ابن أبي نَجيح، وهذا اختلافٌ لا يُوجِب الاضطراب، لأنَّه
محمول على أنَّ إبراهيم بن نافع سمعه من شيخين، ولو لم يكن كذلك فأبو نُعيم شيخ
(١) وفي نسخة شمس الدين الغُزولي من ((الصحيح)) - وهي التي يسميها القسطلاني في شرحه بالفرع -:
((فَقَصَعَته)) كرواية أبي داود، قال القسطلاني ٣٥٢/١: وعزاها الحافظ ابن حجر لرواية أبي داود،
ومفهومه أنها ليست للبخاري.
(٢) في (س): بظفرها، وما أثبتناه من (أ) و(ع) وهو الموافق لرواية ((السنن)).

١١٢
باب ١٢ / ح ٣١٣
فتح الباري بشرح البخاري
البخاري فيه أحفظُ من محمد بن كثير شيخ أبي داود فيه، وقد تابَعَ أبا نُعيم خَلّادُ بن یحیی
وأبو حُذَيفة والنُّعْمان بن عبد السلام(١)، فَرَجَحَت روايته، والرواية المرجوحة لا تُؤَثِّر في
الرواية الراجحة، والله أعلم.
١٢ - باب الطِّيب للمرأة عند غُسْلها من المَحِيض
٣١٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، قال: حدَّثنا حَادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن حَفْصةَ،
عن أُمَّ عَطِيَةَ قالت: كنَّا نُنهَى أَنْ نُحِدَّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إِلَّ على زوج أربعةَ أشهُرٍ وعَشْراً،
ولا نَكْتَحِلَ ولا نَتَطَيَّبَ ولا نَلْبَسَ ثوباً مَصْبُوغاً، إلَّا ثوبَ عَصْبٍ، وقد رُخِّصَ لنا عندَ الطَّهْرِ
إذا اغتَسَلَتْ إحدانا من يَحِيضِها في نُبْذةٍ من كُسْتِ أظفارٍ، وكَّا نُنْهَى عن اتِّباع الجنائزِ.
قال: وَرَوَى هشامُ بنُ حَسّانَ، عن حَفْصةَ، عن أُمَّ عَطِيَةَ، عن النبيِّ وَّهِ.
[أطرافه في: ١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣]
قوله: ((باب الطّب للمرأة)) المراد بالترجمة أن تطيِّب المرأة عند الغُسل من الحيض مُتأكّد،
بحيثُ إنَّه رَخَّصَ للحادّة التي حَرُمَ عليها استعمال الطّيب في شيء منه مخصوص.
قوله: ((عن أيوب، عن حَفْصة، عن أُمَ عَطيَّة)) زاد المُستَمْلي وكَرِيمة: ((قال أبو عبد الله
- أي المصنِّف -: أو هشام بن حسَّان، عن حفصة، عن أُمّ عَطِيَّةٌ)) كأنَّه شكّ في شيخ حمّاد
أهو أيوب أو هشام، ولم يَذكُر ذلك باقي الرُّواة ولا أصحاب المستخرجات ولا الأطراف،
وقد أورد المصنّف هذا الحديث في کتاب الطلاق (٥٣٤١) بهذا الإسناد فلم يذكُر ذلك.
قوله: ((كنَّا نُنهَى)) بضم النون الأولى، وفاعل النهي النبيُّ ◌َلُه كما دَلَّت عليه رواية هشام
المعلّقة المذكورة بعدُ، وهذا هو السِّ في ذكرها.
٤١٤/١ قوله: ((نُحِدَّ)) بضم النون وكسر / المهمَلة من الإحداد: وهو الامتناع من الزّينة.
قوله: ((إلّا على زوج)) كذا للأكثر، وفي رواية المُستَمْلي والحَمُّوِيّ: («إلَّا على زوجها)»
(١) انظر ((سنن البيهقي)) ١/ ١٣ و٤٠٥/٢، وأبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النَّهْدي.

١١٣
باب ١٢ / ح ٣١٣
كتاب الحيض
والأولى موافقة للفظ ((نُحِدّ))، وتوجيه الثانية أنَّ الضمير يعود على الواحدة المندَرِجة في
قولها: (كنَّا نُنْهَى)) أي: كلُّ واحدة منهُنّ.
قوله: (ولا نَكتَحِل)) بالرفع والنصب أيضاً على العطف، و((لا)) زائدة، وأكَّدَ بها لأنَّ في
النهي معنى النَّفْي.
قوله: ((ثوبَ عَصْب)) بفتح العين وسكون الصاد المهمَلتين، قال في ((المحكم)): هو
ضَرْبٌ من بُرود اليمن يُعصَب غَزْله، أي: يُجمَع ثمَّ يُصبَغ ثمَّ يُنسَج. وسيأتي الكلام على
أحكام الحادّة في كتاب الطلاق (٥٣٤٠-٥٣٤٣) إن شاء الله تعالی.
قوله: ((في نُبِذَةٍ)) أي: قِطْعة.
قوله: ((كُسْتِ أظفارٍ)) كذا في هذه الرواية، قال ابن التِّين: صوابه ((قُسْطِ ظِفارٍ)) كذا قال،
ولم أرَ هذا في هذه الرواية، لكن حكاه صاحب ((المشارق))، ووَجَّهَه بأنَّه منسوب إلى ظِفار:
مدينة معروفة بسواحل اليمن يُجِلَب إليها القُسْطِ الهِنْديّ، وحكى في ضبط ظِفار وجهين:
كسر أوَّله وصَرْفه، أو فتحه والبناء بوَزْنِ قَطَام، ووقع في رواية مسلم (٦٦/٩٣٨) من هذا
الوجه: (من قُسْط أو أظفار)) بإثبات ((أو)) وهي للتَّخْيير، قال في ((المشارق)): القُسْط: بَخُور
معروف، وكذلك الأظفار، قال في ((البارع)): الأظفار ضَرْبٌ من العِطْرِ يُشْبه الظُّفْر. وقال
صاحب ((المحكَم): الظُّفْر: ضَرْب من العِطْر أسود مُغلَّف من أصله، على شَكْل ظُفْر الإنسان،
يُوضَع في البَخُور، والجمع: أظفار. وقال صاحب ((العين)): لا واحد له.
والكُسْت بضمِّ الكاف وسكون المهمَلة بعدها مُثنَّة: هو القُسْط، قاله المصنّف في
الطلاق (٥٣٤٣)، وكذا قاله غيره، وحكى المفضَّل بن سَلَمةَ أنَّه يقال بالكاف والطاء أيضاً.
قال النَّووي: ليس القُسْط والظُّفْر من مقصود التطيُّب، وإنَّما رَخَّصَ فيه للحادّة إذا
اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة. قال المهلَّب: رَخَّصَ لها في التبَخُّر لدَفْع رائحة
الدَّم عنها لما تستقبلُه من الصلاة.
وسيأتي الكلام على مسألة اتِّباع الجنائز في موضعه (١٢٧٨) إن شاء الله تعالى.

١١٤
باب ١٣ / ح ٣١٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ورَوَى)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((ورواه)) أي: الحديث المذكور، وسيأتي موصولاً
عند المصنّف في كتاب الطلاق (٥٣٤٣) إن شاء الله تعالى من حديثٍ هشام المذكور، ولم
يقع هذا التعليق في رواية المُستَمْلي، وأغرَبَ الكِرْمانيُّ فجَوَّزَ أنْ يكون قائل: ((ورواه))
حمّاد بن زيد المذكور في أوَّل الباب فلا يكون تعليقاً.
١٣ - باب دَلْك المرأة نفسَها إذا تطهَّرت من المَحِيض
و کیف تغتسل وتأخذُ فِرْصةٌ مُسّكةً فتتَّبُ أثر الدم
٣١٤- حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينَةَ، عن منصورِ ابنِ صَفِيَّةَ، عن أُمِّه، عن عائشةَ:
أَنَّ امرأةً سألَتِ النبيَّ ◌َِّ عن غُسْلِها مِن المَحِيضِ، فأمَرَها كيفَ تَغْتسِلُ، قال: ((خُذي فِرْصةً
من مَسْكٍ فَتَطَهَّري بها)) قالت: كيفَ أَنْطَهَّرُ؟ قال: ((تَطَهَّري بها)) قالت: كيفَ؟ قال: ((سُبْحانَ
الله! تَطَهَّري)) فاجتَبذْتُها إليَّ، فقلتُ: تَتَبَّعي بها أثرَ الدَّم.
[طرفاه في: ٣١٥، ٧٣٥٧]
قوله: ((باب دَلْك المرأة نَفْسها ... )) إلى آخر الترجمة، قيل: ليس في الحديث ما يُطابق
الترجمة، لأنَّه ليس فيه كيفيَّة الغُسل ولا الدَّلْك. وأجابَ الكِرْ مانيُّ تَبَعاً لغيره: بأنَّ تُبُّع أثر
الدَّم يستلزم الدَّلْك، وبأنَّ المراد من كيفيَّة الغُسل الصِّفة المختَصّة بغَسْل المحيض وهي
التطُّب لا نفس الاغتسال، انتهى.
وهو حسن على ما فيه من كُلْفة، وأحسن منه أنَّ المصنّف جرى على عادته في الترجمة بما
١٥/١ ٤ تَضمَّنَه بعضُ طرق الحديث الذي يُورِده وإنْ لم يكن المقصود منصوصاً فيما/ ساقه، وبيان
ذلك: أنَّ مسلماً أخرج هذا الحديث (٦٠/٣٣٢) من طريق ابن عُيَينةَ عن منصور التي
أخرجه منها المصنِّف، فذَكَر بعد قوله: (كيف تغتسل)): ((ثمَّ تَأْخُذ))، زاد («ثمّ)) الدَّالّة على
تَراخي تعليم الأخذ عن تعليم الاغتسال، ثمَّ رواه من طريق أُخرى (٣٣٢/ ٦١) عن صَفيَّة
عن عائشة وفيها شرح كيفيَّة الاغتسال المسكوت عنها في رواية منصور، ولفظه: ((فقال:
تأخُذ إحداكُنَّ ماءَها وسِدْرَتها فَتَطَهَّرُ فتُحْسِن الطُّهور، ثمَّ تَصُبّ على رأسها فتَدْلُكُه دَلْكاً

١١٥
باب ١٣ / ح ٣١٤
كتاب الحيض
شديداً حتَّى تَبلُغِ شُؤون رأسها - أي: أُصوله - ثمَّ تَصُبّ عليها الماء، ثمَّ تأخُذ فِرْصةً))، فهذا
مراد الترجمة لاشتمالها على كيفيَّة الغُسل والذَّلْك، وإنَّما لم يُخرِّج المصنّف هذه الطريق لگَوْنها
من رواية إبراهيم بن مُهاجر عن صَفيَّةٌ، وليس هو على شرطه.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن موسى البَلْخيّ كما جَزَمَ به ابن السَّكَن في روايته عن
الفِرَبْريّ، وقال البيهقيُّ: هو يحيى بن جعفر، وقيل: إنَّه وقع كذلك في بعض النُّسَخ.
قوله: ((عن منصور ابن صَفيَّةٍ)) هي بنت شَيْبة بن عثمان بن أبي طَلْحة العَبدَريّ، نُسِبَ
إليها لشُهْرتِها، واسم أبيه عبد الرحمن بن طَلْحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة
العبدَريّ، وهو من رَهْط زوجته صَفيَّةٌ، وشَيْبة له صُحْبةٌ ولها أيضاً، وقُتِلَ الحارثُ بن
طَلْحة بأُحد، ولعبد الرحمن رُؤْية، ووقع التصريح بالسَّماع في جميع السَّنَد عند الحميديّ في
((مسنده)) (١٦٧).
قوله: ((أنَّ امرأة)) زاد في رواية وُهَيب(١): ((من الأنصار)) وسَمَّها مسلم (٦١/٣٣٢) في
رواية أبي الأحوَص عن إبراهيم بن مُهاجر: أسماء بنت شَكَلٍ، بالشّين المعجمة والكاف
المفتوحتينِ ثمَّ اللام، ولم يُسمِّ أباها في رواية غُندَر عن شُعْبة عن إبراهيم.
وروى الخطيب في ((المبهَمات)) (ص ٢٩) من طريق يحيى بن سعيد عن شُعْبة هذا
الحديث فقال: أسماء بنت يزيد بن السَّكَن - بالمهمَلة والنون - الأنصاريَّة التي يقال لها:
خطيبة النساء، وتبعه ابن الجَوْزيّ في ((التلقيح)) والدِّمْياطيّ وزاد: أنَّ الذي وقع في مسلم
تصحيف، لأنَّه ليس في الأنصار مَن يقال له: شَكَل، وهو رَدُّ للرواية الثابتة بغیر دلیل،
وقد يحتمل أنْ يكون شَكَل لَقَباً لا اسماً، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث
أسماء بنت شَكَل كما في مسلم، أو أسماء لغير نَسَب كما في أبي داود (٣١٤)، وكذا في
((مُستخرَج أبي نُعيم)) من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحكى النَّوويّ في ((شرح
مسلم)) الوجهين بغير ترجيح، والله أعلم.
(١) ستأتي عند المصنف برقم (٣١٥).

١١٦
باب ١٣ / ح ٣١٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأمَرَها كيف تَغتسِل قال: خُذي)) قال الكِرْمانيُّ: هو بيان لقولها: ((أمَرَها)»، فإنْ
قيل: كيف يكون بياناً للاغتسال، والاغتسال: صَبّ الماء لا أخذ الفِرْصة؟ فالجواب: أنَّ
السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال، لأنَّه معروف لكلِّ أحد، بل كان لقَدْرٍ زائدٍ على ذلك.
وقد سبقه إلى هذا الجواب الرافعيُّ في ((شرح المسند)) وابن أبي ◌َمْرة، وقوفاً مع هذا
اللفظ الوارد مع قَطْع النّظر عن الطريق التي ذكرناها عند مسلم (٦١/٣٣٢) الدَّالّة على أنَّ
بعض الرُّواة اختصر أو اقتَصَر، والله أعلم.
قوله: ((فِرْصة)) بكسر الفاء، وحكى ابن سِيدَهْ تثليثها، وبإسكان الراء وإهمال الصاد:
قطعة من صوف أو قُطْن أو چِلْدة علیها صوف، حكاه أبو عبيد وغيره، وحكى أبو داود
(٣١٥) أنَّ في رواية أبي الأحوص: ((قَرْصة)) بفتح القاف، ووَجَّهَه المنذريُّ فقال: يعني شيئاً
يسيراً مثل القَرْصة بطرف الإصبعين. انتهى، ووَهِمَ مَن عَزَى هذه الرواية للبخاري.
وقال ابن قُتَيبة: هي ((قَرْضة)) بفتح القاف وبالضّاد المعجَمة، وقوله: ((من مَسْك)) بفتح
الميم، والمراد: قِطْعة جِلْد، ووهَّى رواية(١) مَن قاله بكسر الميم، واحتَجَّ بأنَّهم كانوا في ضيق
يمتنع معه أنْ يَمتِهِنوا المِسْك مع غلاء ثَمَنه، وتبعه ابن بَطَّال.
وفي ((المشارق)): أنَّ أكثر الروايات بفتح الميم، ورَجَّحَ النَّوويّ الكسر وقال: إنَّ الرواية
٤١٦/١ الأُخرى وهي قوله: ((فِرْصة مُمسَّكة)) تَدُلّ عليه. وفيه نظر،/ لأنَّ الخطَّبيَّ قال: يحتمل أنْ
يكون المراد بقوله: ((مُمسَّكة)) أي: مأخوذة باليد، يقال: أمسَكْته ومَسَّكْته. لكن يَبْقَى الكلام
ظاهر الرِّكّة، لأنَّه يصير هكذا: خُذي قِطْعة مأخوذة.
وقال الكِرْمانيُّ: صنيع البخاري يُشعِر بأنَّ الرواية عنده بفتح الميم، حيثُ جعل للأمر
بالطِّيب باباً مستقلًّا، انتهى.
واقتصار البخاري في الترجمة على بعض ما دَلَّت عليه، لا يدلّ على نفي ما عَداه،
ويقوِّي رواية الكسر وأنَّ المراد التطيُّب ما في رواية عبد الرزاق (١٢٠٨) حيثُ وقع عنده:
(١) في (ع) و(س): ((وهي رواية)) وهو خطأ.

١١٧
باب ١٣ / ح ٣١٤
كتاب الحيض
((من ذَرِيرة))، وما استَبعَدَه ابن قُتَيبة من امتهان المِسْك ليس ببعيدٍ، لما عُرِفَ من شأن أهل
الحجاز من كثرة استعمال الطِّيب، وقد یکون المأمور به من یَقدِر علیه.
قال النَّووي: والمقصود باستعمال الطّيب: دَفْع الرائحة الكريهة على الصحيح، وقيل:
لكَوْنه أسرَعَ إلى الحَبَل، حكاه الماوَرْديّ، قال: فعلى الأوَّل إِنْ فَقَّدَت المِسْك استعملت ما
يَخْلُفه في طيب الرِّيح، وعلى الثاني ما يقوم مقامه في إسراع العُلوق.
وضَعَّفَ النَّويُّ الثانيَ وقال: لو كان صحيحاً لاختَصَّت به المُزُوَّجة. قال: وإطلاق
الأحاديث يردُّه، والصواب: أنَّ ذلك مُستحَبّ لكلِّ مُغتَسِلة من حيض أو نِفاس، ويُكرَه
تركه للقادرة، فإنْ لم تجد مِسْكاً فطِيباً، فإنْ لم تجد فمُزيلاً كالطّينِ، وإلَّا فالماء كاف، وقد سبق
في الباب قبله أنَّ الحادّة تَتَبخّر بالقُسْط فيجزتُها.
قوله: ((فَتَطَهَّري)) قال في الرواية التي بعدها: ((توضّئي)) أي: تَنَظَّفي.
قوله: ((سُبْحان الله)) زاد في الرواية الآتية (٣١٥): ((استَحْيا وأعرَض))، وللإسماعيليِّ:
((فلمَّا رأيته اسْتَحْيا عَلَّمْتها)) وزاد الدَّارميُّ (٧٧٣): ((وهو يسمع فلا يُنكِرِ)).
قوله: ((أثَر الدَّم)) قال النَّووي: المراد به عند العلماء الفَرْج، وقال المَحَاملي: يُستَحبّ لها
أنْ تُطيِّبَ كلَّ موضع أصابه الدَّم من بدنها، قال: ولم أرَه لغيره، وظاهر الحديث حُجَّة له.
قلت: ويُصرِّح به رواية الإسماعيلي: ((تَتَبَّعي بها مواضع الدَّم)).
وفي هذا الحديث من الفوائد: التسبيح عند التعجُّب، ومعناه هنا: كيف يخفى هذا
الظاهر الذي لا يحتاج في فَهْمہ إلی فِكْر؟
وفيه استحباب الكنايات فيما يتعلَّق بالعَوْرات. وفيه سؤال المرأة العالمَ عن أحوالها
التي يُحتَشَمُ منها، ولهذا كانت عائشة تقول في نساء الأنصار: ((لم يَمنعْهُنَّ الحياءُ أنْ يَتَفَقَّهْنَ
في الدِّين))، كما أخرجه مسلم في بعض طرق هذا الحديث (٦١/٣٣٢)، وتقدّم في العِلْم
مُعلَّقاً(١).
(١) في باب (٥٠) الحياء في العلم.

١١٨
باب ١٤ / ح ٣١٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه الاكتفاءُ بالتعريض والإشارة في الأُمور المستَهْجَنة، وتكرير الجواب الإفهام
السائل، وإنَّما كرَّرَه مع كَوْنها لم تَفْهَمه أوَّلاً، لأنَّ الجواب يُؤخَذ من إعراضه بوجهِه عند
قوله: ((توضّئي)) أي: في المحلِّ الذي يُسْتحيى من مُواجَهة المرأة بالتصريح به، فاكتَفَى
بلسان الحال عن لسان المقال، وفَهِمَت عائشة رضي الله عنها ذلك عنه فتَولَّت تعليمها.
وبَوَّبَ عليه المصنِّف في الاعتصام (٧٣٥٧): ((الأحكام التي تُعرَفُ بالدَّلائل)).
وفيه تفسير كلام العالم بحَضْرتِه لمن خفيَ عليه إذا عَرَفَ أنَّ ذلك يُعجِبه.
وفيه الأخذ عن المفضول بحَضْرة الفاضل. وفيه صِحّة العَرْض على المحدِّث إذا أقرّه
ولو لم يقل عَقِبه: نعم، وأنَّه لا يُشترَط في صِحّة التحمُّل فَهْم السامع لجميع ما يسمعه.
وفيه الرِّفْق بالمتعلُّم وإقامة العُذْر لمن لا يفهم.
وفيه أنَّ المرء مطلوب بسَتْر عيوبه وإنْ كانت ممَّا جُبِلَ عليها، من جهة أمر المرأة
بالتطيُّب لإزالة الرائحة الكريهة.
وفيه حُسْن خُلُقْه ◌ِوَ﴿ وعظيم حِلْمه وحياته. زاده الله شَرَفاً.
١٤ - باب غسل المَحِيض
٣١٥ - حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا منصورٌ، عن أُمُّه، عن عائشةَ: أنَّ امرأةً مِن
الأنصارِ قالت للنبيِّ بَله: كيفَ أغتِلُ مِن المَحِيض؟ قال: ((خُذي فِرْصةً مُمسَّكةً وتَّوضَّئي
٤١٧/١ ثلاثاً) ثُمَّ إِنَّ النبيَّ بَّه/ استَحْيا فأعرَضَ بوَجْهِه، أو قال: ((توضَّئي بها)»، فأَخَذْتُها فجَذَبْتُها،
فأخبرتُها بما يريدُ النبيُّ ◌َله.
قوله: ((باب غسل المَحِيض)) تقدَّم توجيهُه في الترجمة التي قبله.
قوله: ((حدَّثنا مسلمٌ)) هو ابن إبراهيم، ومنصور: هو ابن صَفيَّة المذكور في الإسناد قبله.
قوله: ((وتوضَّئي ثلاثاً)) يحتمل أنْ يتعلَّق قوله: ((ثلاثاً)) بتوضَّئي، أي: كرِّري الوضوء ثلاثاً،
ويحتمل أنْ يتعلَّق بقال، ويؤيِّده السِّياق المتقدِّم (٣١٤)، أي: قال لها ذلك ثلاث مرات.

١١٩
باب ١٥ / ح ٣١٦
كتاب الحيض
قوله: ((أو قال)) كذا وقع بالشَّكُّ في أكثر الروايات، ووقع في رواية ابن عساكر: ((وقال))
بالواو العاطفة، والأولى أظهر، ومحلّ التردُّد في لفظ ((بها)) هل هو ثابت أم لا؟ أو التردُّد
واقع بينه وبين لفظ ((ثلاثاً))، والله أعلم.
١٥ - باب امتشاط المرأة عند غُسْلها من المَحِيض
٣١٦- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ، حدَّثنا ابنُ شِهَاب، عن عُرْوةَ، أنَّ
عائشةَ قالت: أهلَلتُ معَ رسولِ الله وَّهِ فِي حَجّة الوَدَاعِ، فكنتُ ممَّنْ تَمَتَّعَ ولم يَسُقِ الهَدْيَ،
فَزَعَمَتْ أنَّهَا حَاضَتْ ولم تَطِهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ ليلةٌ عَرَفةَ، فقالت: يا رسولَ الله، هذه ليلةُ عَرَفَ،
وإنَّما كنتُ تَتَّعْتُ بِعُمْرةٍ؟ فقال لها رسولُ الله وَِّ: ((انقُضِي رَأْسَكِ وامتَشِطي وأَمسِكي عن
عُمْرَتِك)) ففَعَلتُ، فلمَّا قَضَيتُ الحَجَّ أمَرَ عبدَ الرحمن ليلةَ الحَصْبة فأعمَرَني مِن التَّنْعِيم مكانَ
عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْت.
قوله: ((حدّثنا إبراهیم)» هوابن سعد.
قوله: ((انقُضي رَأْسك)) أي: حُلّي ضَفْره ((وامتَشِطي)) قيل: ليس فيه دليل على الترجمة،
قاله الدَّاووديّ ومَن تبعه، قالوا: لأنَّ أمرها بالامتشاط كان للإهلال وهي حائض لا عند
غُسْلها.
والجواب: أنَّ الإهلال بالحجِّ يقتضي الاغتسال، لأنَّه من سُنَّة الإحرام، وقد وَرَدَ الأمر
بالاغتسال صريحاً في هذه القِصَّة فيما أخرجه مسلم (١٢١٣) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر
ولفظه: «فاغتَسِلي ثمَّ أهِلَّي بالحجّ)) فكأنَّ البخاري جرى على عادته في الإشارة إلى ما تَضمَّنَه
بعض طرق الحديث وإنْ لم يكن منصوصاً فيما ساقه، ويحتمل أنْ يكون الدَّاووديّ أراد
بقوله: ((لا عند غُسْلها)) أي: من الحيض، ولم يُرِدْ نفي الاغتسال مُطلَقاً، والحامل له على ذلك
ما في ((الصحيحين)): أنَّ عائشة إنَّما طَهُرَت من حيضها يوم النَّحْر فلم تغتسل يوم عَرَفة إلَّا
للإحرام، وأمَّا ما وقع في مسلم (١٢١١/ ١٣٣) من طريق مجاهد عن عائشة: أنَّها حاضت
بسَرِفَ وتَطَهَّرَت بعَرَفة، فهو محمول على غُسْل الإحرام جمعاً بين الروايتين، وإذا ثبت أنَّ

١٢٠
باب ١٦ / ح ٣١٧
فتح الباري بشرح البخاري
غُسْلها إذْ ذاكَ كان للإحرام استُفيدَ معنى الترجمة من دليل الخِطاب، لأنَّه إذا جازَ لها
الامتشاط في غُسْل الإحرام وهو مندوب، كان جوازه لغُسْل المحيض وهو واجب أَولِى.
قوله: ((أمَرَ عبد الرحمن) يعني: ابن أبي بكر.
وليلة الحَصْبة بفتح الحاء وسكون الصاد المهمَلتينِ ثمَّ الموحّدة: هي الليلة التي نزلوا
فيها في المحَصَّب، وهو المكان الذي نزلوه بعد النَّفْر من منّى خارج مكَّة.
قوله: ((الَّتِي نَسَكْتُ)) كذا للأكثر، مأخوذ من النُّسُك. وفي رواية أبي زيد المَرْوَزيِّ:
((سَكَتُّ)) بحذف النون وتشديد آخره، أي: عنها، وللقابِسيّ بمُعجَمةٍ والتخفيف، والضمير
فيه راجع إلى عائشة على سبيل الالتِفات، وفي السِّياق الْتِفات آخر بعد الْتِفات، وهو ظاهر
للمُتأمِّل.
١٦ - باب نَقْض المرأة شعرها عند غُسْل المَحِيض
٣١٧- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً
٤١٨/١ قالت: خَرَجْنا / مُوَافِينَ لِلال ذي الحِجّة، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَن أَحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرةٍ
فلْيُهِلْ، فإنّي لَوْلا أَنّي أهدَيتُ لأهلَلتُ بِعُمْرةٍ» فأهَلَّ بعضُهم بعُمْرة، وأهَلَّ بعضُهم بحَجّ،
وكنتُ أنا مَمَّنْ أهَلَّ بعُمْرة، فأدرَكَني يومُ عَرَفَ وأنا حائضٌ، فشَكَوْتُ إلى النبيِّ وَّ فقال:
((دَعِي عُمْرَتَكِ، وانقُضِي رَأْسَكِ وامتَشِطي، وأهِلِي بحَجٌّ) ففَعَلتُ، حتَّى إذا كان ليلةُ الحَصْبة
أرسَلَ معي أخي عبدَ الرحمن بنَ أبي بَكْرٍ فخَرَجْتُ إلى التَّنْعِيم، فأهلَلتُ بِعُمْرةٍ مكانَ عُمْرَتِي.
قال هشامٌ: ولم يَكُنْ في شيءٍ من ذلك هَذْيٌّ، ولا صَوْمٌ، ولا صَدَقٌ.
قوله: ((باب نَقْض المرأة شعرها عند غسل المَحِيض)) أي: هل يجبُ أم لا؟ وظاهر
الحديث الوجوب، وبه قال الحسن وطاووسٌ في الحائض دون الجُنُب، وبه قال أحمد،
ورَجَّحَ جماعة من أصحابه أنَّه للاستحباب فيهما.
قال ابن قدامة: ولا أعلمُ أحداً قال بوجوبه فيهما إلَّا ما رُوِيَ عن عبد الله بن عَمْرو.
قلت: وهو في مسلم عنه (٣٣١)، وفيه إنكار عائشة عليه الأمر بذلك، لكن ليس فيه