Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
فهرس الموضوعات
يا مَن رَنَتْ وانْنَت ◌َطَوع الصَّباهَيَقاً تفديك رُوحُ قَتيلِ القَضْبِ والقُصُبِ
اللهَ في مهجةٍ لولاكَ ما رَهِبَت سودَ الْجُفُون وحدَّ السَّيفِ لم تَبٍ
فيا رعَى اللهُ أعطافاً بنا فَتَكَتْ وهُنَّ مِن نَسَمَاتِ الرَّوضِ فِي رَهَبِ
واللهُ يعفو عن الألْحاظِ كم قَتَلَتْ بِسِحْرها من كَليم القلب مُكتَئِّبٍ
فمن يُبِّغُ ذاتَ الحُسْنِ أنَّ دمي حِلّ لها ولِقَتْلي فيه وَاطَرَبِي
يا ربِّ لا تَجْزِ عِينَيَها بما فَعَلَتْ فِي مُهْجَتِي مِن فَظيعِ الفَتْكِ والعَطَبِ
واحفظ على حُسْنها خَدّاً أضاعَ دَمِي وراح يُومِي بكفِّ منهُ مُخُتضِبٍ
يَرُبُّ من حَسناتِ القُرْبِ والقُرَبِ
واجعل سُويداءً قلبي في صَحِیفتِه
وحالِلِ الجَفْنَ مِن رُوح به قُتِلَتْ
وفي سبيلِ البُكا ليلٌ أُكاِدُه
لم أدرِ أنَّ كؤوسَ الدَمْع تُسْهِرُني
يا مَن أَطالَتْ على يومِ اللَّقا أسَفي
فليس عند الهوى قتلٌ بمُحْتَسَبٍ
يا فجرَ قلبيْ وفَجْري غیرُ مُقْتَرِبِ
حتى رأيتُ مُحَيّا النَّجْمِ كالحَبَبِ
هلّ جعلتِ لهذا الهَجْرِ مِن سَبَبٍ
لا تَسألي عن دُموع فيكَ سائلةٍ وقلبٍ صَبِّ لِصَيْرٍ غَيرٍ مُنْقَلِبٍ
في ذِمّةِ البَيْنِ ليلٌ باتَ يَجِمَعُنا والنجمُ يَلْحَظُنا شَزْراً كمُرتَقِبٍ
والثغرُ يرفَعُ أذيالَ الدُّجى عَبَئاً والشعرُ يُحْفِي مُحَيّا الصُّبح في نَقَبٍ
خالاً وكان ختامُ المِسك مُطَّلَبِي
قاضي القضاةِ خِتامِ العلمِ والأدَبِ
لَهُ مِن الفَتْحِ ذِکری فتحِ خَیر نَسِي
وبعد رشْفِ الثنايا رُحْتُ مُلْتَئِماً
فجاءَ حسنُ ختامٍ منه يُسْنَدُ عن
حَيْرِ الهُدى حافظِ الإسلامِ أحمدَ مَن
يا عالماً شرحَ اللهُ الصدورَ بِهِ وباسطَ العلمِ والآمالِ الطََّبِ
شرحتَ صَدْرَ البُخاريْ مثل جامعِهِ فراحَ يُنْشِدُ: هذا مُنتهى الطَّلبِ

٦٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
هذا المنارُ الذي للعِلم مُرتَفِعٌ اللهُ أكبرُ كلَّ الفضلِ فِي العَرَبِ
فحبَّذا جامعٌ بالشرح صارَلَهُ وقفاً كبَحرٍ جَرى باقٍ مَدى الحِقَبِ
أضاءَ فيه مَصابيحَ مُسَلْسَلةً
شرحٌ حَگی الشمسَ فالدنيا به امتَلاتْ
فلا تُحرِّك لساناً يا سِراجُ فقد
من الأحاديثِ أو مِن لفظكَ الضَّرَبِ
تغيبُ زُهْرُ الذَّرَارِي وَهْوَ لم يَغِبِ
لاحَ النهارُ وهَذي الشمسُ فاحتَجِبِ
نَسِيجُ وَحْدٍ يقولِ ابنِ المُنيِّ: ما حاكت يداي له مِثْلاً فيا بِأبِي
يصِلْ إلى ذلك المِنوال بالذَّهَبِ
لّا رأى منهُ ما أَزْبَى على الأَرَبِ
والزركَشِيُّ البَدرُ لما أن تكلَّفَ لم
وقد غدا لابنِ يطَّالٍ به شُغُلٌ
وباتَ في روضةِ ابن الِّين مُرتَشفاً كأساً من الذِّوقِ تُزِرِي بابنةِ العِنَبِ
يا أحمدَ الناسِ في علمٍ وفِي نَسَبٍ
لبيتِ فضلِكَ وفْدُ العِلمِ عن رَغَبٍ
أعداؤه بذٌيُول الأرضِ في حُجُبٍ
فلم يُزْ مسلمٌ ما حُزْتَ من شَرَفٍ
هذا - وحقٌّك - عامُ الفتح حَجَّ به
فيه بدا الظاهِرُ السلطانُ واستقرتْ
تبّأَلهُم والقَنا تَهْتَزُّ في يَدِهِم رُعْباً وإن نَسَلَتْ رُدَّتْ على العَقِبِ
فجاءه الفتحُ نصراً بالسُّيوفِ وقد تَبَّتَ يدا خَصْمِهِ حَمّالةِ الخَطَبِ
فالدهرُ فِي دَعَةٍ، والزَّهْرُ مُبتسِمٌ والقُضْبُ ترقُّص بالأكمامِ والعَذَبِ
والجوُّ قَهْقَهَ والأعداءُ تَحسَبُهُ رَعْدَاً لِمَا نابَها من قَبْضِةِ النُّوَبِ
عن حافظ العصر عن آبائه النُّجُبِ
أفدِيه عامَاً كأنَّ الدهرَ أسنَدَهُ
عِلِيُّ أصلٍ على الحالَين خيرُ أبٍ
للَّهِ حَبْرٌ أِيٌّ ماجِدٌشَهْمٌ
والسيفُ أصدَقُ أنباءً من الكُتُبِ
يُغنِيكَ عن طَلَبِ الأسْفارِ مِقْوَلُه
وإِن رَقِيْ شَرَفَ الإملاءِ تَحِسَبُهُ مع التوضُعِ بَحْراً سَخَّ مِن حَبَبٍ

٦٢٣
فهرس الموضوعات
وكم لَهُ من تصانيفَ حَلَتْ وعَلَتْ كالنَّجْمَ يَكْثُر من قَطْرِ الْحَيَا السَّرَبِ
دَعْ مَن أردْتَ ويَمِّمْ نَعْتَهُ تُصِبٍ
يا من يقولُ: لِقِيتُ الناسَ في رجُلٍ
ذو همّةٍ فِي النَّدى والعلم إِن رَفَلَتْ
وسيفُ حِلْمٍ بأيدي الصَّفْحِ تَجَذِبُه
ترَّحتَ قُضُبُ الأقلامِ في يدِه
تُنْشِي فَتُنْسِي شفاهَ الكأسِ باسمةً
من كلِّ أسمرَ خْريّ الرُّضابِ فما
واعْجَبْ لِمِحْبَرَةٍ كم شيََّتْ غَسَقاً
نعم وأعْجَبُ مِن ذادَمْعُ مَرْمَلَةٍ
وأَوقدَتْ رَمْلَها فِي نَهْرِهِ وشَدَتْ
وانظُرْ إلى طَوْدِ عِلْمٍ شامِخِ نَسبَاً
طَلْقُ المُحَيّا، إلى الدينار مُبْتَذِلٌ
فَيَبْذُلُ التِّبْرَ مِن مالٍ ومن كَلِمٍ
عمَّ التَرِيّةَ بالجدوى فما لِخِبَا
فلو أُرِحَتْ - مَعَاذَ اللَّهِ-راحَتُه
فيها الدنانيرُ عُشّاق العُفَاة فإن
فضائلُ عَلَّمَتْ شِعري مَدائحَه
يا مُهجةَ الفَضْلِ یا عَينَ العُلوم ویا
عذراً فإنسانُ شِعري جاء ذا عَجَلٍ
وهذه بنتُ فِكرٍ حَتَّها شَغَفٌ
في بُرْدِهِ سَحَبَتْ ذيلاً على السُّحُبِ
دَقَّتْ لديه رِقابُ الحِقْدِ والغَضَبِ
فأثمَرَتْ زَهَراتِ العِلم والنَّسَبِ
يا حُسْنَ جَمْع حَلالِ الرَّاحِ والقُضُبِ
يفوتُه حيثُ يحكي الكأسَ من شَنَبِ
سُهْداً ومَفْرِقُها المُسْوَدُّلم يَشِبٍ
بوَجْنَةِ الطِّرْسِ أَلْفَتْ حُسْنَ مُنقَلَبٍ
جَلَّ المؤلِّفُ بين الماءِ وَاللّهَبِ
يهتزُّ جُوداً وبالآمالِ مُنجَذِبٍ
يُجُعِّدُ الوجْهَ يُبدِي رِئَّة الصَّخَبِ
ما بين مُنْسَبِكٍ منه ومُنْسَكِبٍ
أموالِه غيرُ أيدي الناسِ من طُنُبٍ
شَكَتْ لِداعي النَّدى مِن وَحْشَة النَّعَبِ
تفقَّدوا الرِّفْد تَرْأَمْهُمْ على حَدَبٍ
وأنجُمُ الليلِ تَهدي كلَّ مُرتَقِبٍ
رُوحِ العُلا وحياةَ المَجْدِ والخَسَبِ
وُسْعُ قَولي وضِيقُ الوقت في حَربِ
تُجَرِجِرُ الذَّيلَ من صُحْفٍ على كُتبٍ

٦٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
وياوليَّ اليتامى قد خَطَبْتَ لها بِكراً إن افتَخَرتْ للعُرْبِ تَنْتَسِبٍ
نَسيبُها جاء في أبياتِه نَسباً يا عِزَّ ذاك اليتيمِ الشامخِ النَّسَبِ
تزقُّها الشُّهْبُ في الأفلاكِ مُنشِدةً يا أختَ خيرٍ أخٍ يا بنت خيرِ أبِ
مَدّت لِعَلْياكَ باءاتِ الرَّوِيِّ خُطَاً فقد طَوَتْ مَهْمَهَ الأوراقِ عن کَثَبٍ
ترنُو بعينِ قَوافِيها التي نَشِطَتْ وِزاتُها الكَسْرُ بالَلَخُزَّدِ العُرُبِ
كأنها الرَّاحُ في كاسات أسطُرِها تحلُو بَتَكْرار حرفِ الباءِ فِي الْحَبَبِ
لِحُسْنِها شَخَصَ الحُسَّادُ فاستَرتْ عن عينِهِم برِداء الحَظِّ والأدَبِ
فيكُم فهل ترتقي الخَصْبَاءُ للشَّهِبِ
فإن تعارَضَ مع مَدْحِي مَدِیُهُمُ
وإن تَساوَى كِلانا في المَقال فيا بُعدَ المسافة بين الصِّدق والكذِبِ
أمَا وأوصافُك المَنظُومُ جَوهَرْها لولاكَ ما امتَذَّلي في الشِّعرِ من سَبَبٍ
بِقِيْتَ يا سيِّدَ الدنيا صحيحَ عُلاًّ وعِشتَ يا بَحَرَ عِلمٍ غيرَ مُضطَربٍ
ولا بَرِحْتَ مَدى الأيام تُكسِبُها حُسْنَ الخِتام وتَرقَى أشَرَفَ الرُّتَبِ
وقال الشيخ برهان الدين البِقاعي، وأُنشِدَتْ في المجلس أيضاً:
إن كنتَ لا تَصبُو لوصْفِ عَذاري دَع عنك تَهيامِي وخَلْعَ عِذَاري
إنَّ الغرامَ له رجالٌ دِينُهم ◌َلَفُ النفوسِ على هَوى الأقمارِ
خاضُوا بحار العِشقِ وقتَ هِياجِها إذمَوجُها كالجَحْفَلِ الجَرَّارِ
فاستوسَقُوا دُرَراً تَجِلُّ نُعوتُها صارُوا بها في العاشقين دَرَاري
للَّهِ أيامُ الوصالِ وطيبُها لو لم تكُن كَكَواكِب الأسحارِ
لَيْلاةَ أرتَشِفُ الرحيقَ من الثُّغو رفَأنْتَشِي مِن دُون شُرْبِ عُقَارِ
وأُدِيرُ فِي رَوض الوُجُوهِ مَحَاجِرِي عَجَباً فَتُغْنِيني عن الأنْوارِ

٦٢٥
فهرس الموضوعات
بأبي الحُدودُ نَواضِراً حسناتُها كنواظِرِ الغِزْلان في الدينار
قَصَدَت يكون المِسُ حُسنَ خِتامها فَتَعَلَّمَتْ مِنْ خَتْمِ ((فتح الباري))
شَرْحُ البُخاريّ الذي في ضِمْنِهِ نُظِمَتْ عُلُومُ الشرعِ مثلَ بِحَارِ
في كل طِرْسٍ منه رَوضُ مُزْهِرٌ وبكلِّ سَطْرٍ منه ◌َهْرٌ جاري
وفرائدٌ أعْيَتْ على النُّظَّارِ
فيه انجَلى للعينِ بالآثارِ
إِنَّ العِيانَ مُصَدِّقُ الإخبار
زُمَرُ المُلُوك فسَلْ مِن السُّفَّار
وبه زوائدُ مِن فوائدَ جَمَّةٍ
شَرَحَ الحديثَ به فكم من مُشِكِلٍ
يأتي إلى طُرُقِ الحديثِ يَضُمُّها
وتزاحَمتْ ــ أقْدِيه - في تَحصِيلِه
مِن فَيضِ أحمدَ نبعُه وله مُنا سَبٌ به اشتَهَرتْ لَدَى الأَفكار
إن قلتَ: نهرٌ فهو للحَجَرِ انتمَى ومن الحجارةِ مَنْبَعُ الأنهارِ
أو قلتَ: بحرٌّ فعَسْقلانُ أصلُهُ والناسُ عالةُ بحرِها الزَّأَخَارِ
كم قد رحلْتَ وكم جمعْتَ مُصنَّفَاً فالدِّينَ قد أحيَيتَ بِالأَسفارِ
وسَكنتَ في العَليا تُقِى وفضائلاً أنت الشهابُ بك اهتداءُ الساري
وتتابعوا سَبقاً من الأقطار
رحَلَتْ إليك الطالِبُون ليقتَدُوا
وتَراكَضُوا خَيلَ الشَّبِبةِ حينَ لم
فارقتُ في أرض البِقاع عشائري
تَركُسْ بوَهْنٍ أو بِوَصْفِ عَوَارِ
أطوي إليك فَيافياً وصحاري
حامِي الذِّمار بسيفه والجَار
من طاعِنٍ يرجو قَذَى أو عارٍ
دُرَرَأَ تُضيء اليلَ وقتَ سِرارِ
فارقتُ منهم كلَّ أروعَ ماجدٍ.
فمُصَنَّفَاتُك ◌ُهِّلتْ وتَنَّهَتْ
تربو على مئةٍ ونصفٍ أُودِعَتْ
وتَضُوعُ بالمسكِ الذَّكِّ لِناشِقِ حسناً فَيَخْجَلُ أن يضُوعَ الدَّارِي

٦٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
ماذا أقولُ ولو أطلتُ مدائِحي وجعلتُ أهلَ الأرض مِن أنصاري
لم تَبْلُغِ المقصودَ في أوصافِكم كلّا ولم تَقْرُبْ مِن المِعِشارِ
فاسلَمْ على كرِّ الليالي راقِياً رُتَبَ العُلَاتَهنأُ بفَتْحِ الباري
وأنشد الشيخ شمس الدين الدِّجْوِيّ من لفظه لنفسه بالمجلس المذكور:
بحمدِ اللهِ نبدأ مادِحِينا حديثَ المصطفى والشارِحينا
فإنَّ المصطفى صلُّوا عليه بطِيب حديثِهِ يتمسَّكُونا
وأعلامُ النبوة خافقاتٌ بها في الخافِقَين مُحدِّثونا
وشمسُ علومِهِ مَنَحَتْك نُوراً تِبِعْتَ به سبيلَ المؤمِنينا
به تسمُو على دَرَج المعالي سِيادتُك اللياليَ والسِّنينا
أدِرْهُ على المَسامعِ فهو يُنشِي
قلوبَ الأولياءِ السامعينا
وعنها لا تكونُوا غائبينا
وحَضْرَتَه الغنيمةُ فاغنَمُوها
به العلماءُ جَلُّوا واستَدَلُّوا على طُرُق الهدى مُستبصِرِينا
بُمُعتَرَك الدُّروس لنَصْرِ فِقٍ به فُرسانُه يَستنجِدُونا
على الخُصَمَا سَطَوا بالرَّدِّ منه على غَيظِ الخلاف مؤيَّدِينا
يذُّبُّون اللياليَ عن حِمِاهُ وفيه على اللآّلِي يَسهَرُونا
إليه بما دَرَوْهُ تَجِدِمُونا
تَجافوا عن مضاچِعِهِم وقامُوا
أحاديثُ النبوةِ يَسمَعُونا
على تَحصيلِه يتنافَسُونا
فمِن أدبٍ إذا تُلِيتْ عليهم
وهم قومٌ تراهُم في عُلُوِّ
وفي ◌ِرِبالِ فَضلِهِمُ تَسامَوا على الأيامِ فَخْراً يَرِفُلُونا
عَلَوا شَرَفاً وقَدْراً واتِّضاعاً وأضحَوا بالوَقَارِ مُتَوَّجينا

٦٢٧
فهرس الموضوعات
سَماعاً يا لبيبُ فهم رجالٌ بخدمته الشريفة يَشرُفُونا
فهم في الحَشْرِ لا خوفٌ عليهم ولاهم في القيامة يَحِزَنُونا
وهم للَّهِ أَولَى يَحمَدُونا
وهم بالشكر أَولَى والتَّهاني
زمانَك يا رفيقُ الصالحينا
فخُذْ في حفظه واصرف علیه
وتعظُمَ في عيون الناظرينا
فتقوى حُجةً وَجِلَّ قدراً
ويكفي مسلماً علمُ البخاري
إذا ما جئتَه تلقاهُ بَحْراً
وفيه من العَوالِمِ فاتحاتٌ
يَرُدُّ به اعتقادَ الكافرينا
جَواهرُه تَفُوقُ الحاصِرينا
على طُلَّابه نوراً مُبِينا
وكم حكم أعَزَّ الحاكمينا
فكم فَرضٍ عَلِمِتَ به ونَفْلِ
وذِرْوةُ فقهِهِ يَرقَون فيها
مصابيحُ الهدى انْبَّت عليه
فحَصِّل ما قَدَرْتَ علیه مِنه
على حَسَب الأدلةِ يَنظُرونا
فأصبحَ وهُوَ كهفُ المُهتَدِينا
يكونُ ذَخِيرَةً دُنيا ودِینا
شهابُ الدين قاضِي المسلمينا
مَناهِلُ عِلْمِهِ للوَارِدِينا
وكيف لا وخادِمُه إمامٌ
بفتح البارِئ اَّضَحَتْ وبانَتْ
وفَتَّحَ من مَسائِلِه العُيونا
صحيحٌ سدَّ بابَ الطَّعْنِ فيه
جَلَا صُوَرَ المَسائلِ فاستَبَانَتْ بألفاظِ عَرائسَ يَمْهَرُونا
تَراهُ عندَه للقائلِينا
فلا يُبْعِدْ بِهِ مُتفقُّهونا
شوارِعُها طريقَ السالِكينا
فكم قَولٍ يقول بهفُلانٌ
وفيه الواضحاتُ وغامِضاتٌ
وأحكامٌ بسَعْدِكَ قد أضاءَتْ
سَعِدْتَ بِمَا ظَفِرْتَ الدَّهرَ منه فإنَّ به كُنُوزَ الطالِبِينا

٦٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
معانِيه يُحرِّرُها احترازاً بمِيزان البَيَانِ لتَستَِينا
فأصبَحَ رَوضةً تَسِيكَ عِلْماً وآثاراً رياضَ الصالحِينا
وتُصبحُ إِن عَرَفْتَ السِّرَّ منهُ - كما قَدَقِيلَ - تاجَ العارِفينا
وحَسبُك عالماً قُطْبُ الأماني وحَسبُك قُدوةً للمقتدينا
تُسائِلُه الصحيحَ وعنه يُنْبِي
فَتَلْقَى عندَه الخَبَرَ اليَقِينا
فكم داعٍ أتى وله سُؤالٌ أجابَ سُؤالَه في السائِلينا
وعند لُقِيِّهِ تَلْقَى مليئاً مُفيدَ المُبْتِدِي والمُنْتَّهِينا
يُفَهِّمُكَ الذي قد تُهْتَ فيه ◌ِبُهانِ الذين يُرجِّعُونا
وكم قُطْرٍ بعيدٍ منه جاؤُوا إلى إسماعِه مُتَوجِّهينا
فيجعلُه عليك أشَدَّلِينا
وكم شيءٍ يكون عليكَ صَعْباً.
إذا السَّنَد اكتَسَی نَوبَ اضطرابٍ
وكم من سُنّةِ أَنْبَاكَ عنها
أتَوا عن حالِهِ يَتَسَّمُونا
بإسنادٍ عَلا في المُسنِدِینا
ومن أَرمازِ وْيٍ حيثُ يَرمي بهـا أحلامَهم يَتَنَبَّهونا
ومن يَدري الحديثَ ومُسنِدِيهِ ويُمليه الكرامَ الكاتِبينا
إليه بوَصْلِهِ يَتوصَّلُونا
سَمَا بسَمَاعِهِ سَطْحَ الثُّرِيّا
وذَلَّلَهُ على مَن يَأْلَفُونا
وكم صادَ الشَّرِيدَ من المعاني
وكم مَجْدٍ عَلافيه مَناراً له بالفاضِلاتِ يُؤذّنُونا
تَرى أقلامَها في الساچِدِینا
وحسبُك والمَحابِرَ حین یُمْلِي
شريفاتٍ فنِعْمَ الماهِدُونا
ومَهْدَ في الحديثِ مُصنَّفَاتٍ
عَلَا سَنَداً تَرى الأشياخَ فيه إلى عَلْيَائِهِ يَتَرجَّلُونا

٦٢٩
فهرس الموضوعات
وما في العَسْقلانِيْ مِن كَلام كفاهُ اللهُ شَرَّ الحاسِدِينا
سَوى حِفْظٍ فَشَا شَرقاً وغرباً وأعلى ذِكْرَه في الحافِظِينا
ومجلِسُه المَهابةُ فيه تَزُهُو بأخبارِ الثّقاتِ المُصْلِحِينا
يُنَبُِّهم وعمّا يَسألُونا
على ما لا سؤالَ لَهُم عَلیهِ
وكم عَلَّامةٍ يَقْرَأْ عليهِ وأستاذٍ ومِثْلِ البارِعِينا
له في مَخْضَرِ الفُصَحَا فُنونٌ بَتَمْلِيكِ البَلاغَةِ يَشْهَدُونا
بها أحبابُه يَتَفكَّهُونا
بِدَوْحَةِ مَدْحِهِ ثَمَراتٌ نَظْمٍ
نَشَدْتُ له القَوافي بادَرَتْني بِوافِرِها وفيما يُنْشِدُونا
نراكَ الشافعيَّ تَكُونُ عِلْماً وأحمدَ في الروايةِ أن تَكُونا
وتَقصِيرُ امتِداحِي فيه يَرجُو يُزاحِمُ في غِمارِ المادِحِينا
خِتامِ الأنبِيا والمُرْسَلِينا
ونَختِمُ بالصلاةِ على نَبِيٍّ
وأرضاهُم وأرضَى التابِعِينا
وعِثْرتِه الكرامِ وصاحبَيْهِ
إلى يومٍ يقومُ الناسُ فيه على ساقٍ لِرَبِّ العالَمِينا
وكتب الدِّجْوِيّ المذكورُ بعد ذلك حين فَرَّق المُؤلِّف على كتابِ الشرحِ صُرَرَ فضةٍ
ومجامعَ حَلْوی ما نصُّه:
بفتح البارِئِ انْشَرحَ البُخاري وأحمدُ خَتْمُه بالفَضْلِ جَامِعْ
أدارَ دراهماً صُرَراً فأنْشَى وحَلْوى فيه تأخُذُ بالمَجامِعْ
وأنشد الخطيبُ بُرهان الدين الَلِيجِىّ مِن لفظِهِ لنفسِه بحَضْرةٍ مُؤلِّفه بالمدرسة المنكوتمرية:
كم ◌ِنِعْمةٍ قاضِي القُضاة أَنالها ويقولُ إِذ دَنَتِ الْخُطُوبُ: أنالها
وهو الإمامُ وشيخُ الإِسلامِ الذي لما تقاصَرَتِ العُلومُ أطالَهَا

٦٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
شرحُ البُخاري آيةٌ وفَّى بها فتحٌّ من الباري أطابَ مَقالَا
وشِهابُها فَضَحَ الدَّراريَ جَهْرَةً فينا وأخفى بَدْرَها وهِلاَهَا
أهلُ النُّهَى ضَرَبَتْ به أمثالها
إيضاحَها ومُبَيِّناً إشكالها
هو حافظُ العَصْرِ الذي في مِصْرِهِ
شَهِدتْ له أن لا سِواهُ مُعْلِناً
وحلالها كلماتُه اللاتي هي السْـ
وسَعَتْ إليهِ لاكتسابٍ فضيلةٍ
مَن رامَ يحصُرُ فَضْلَ مَا أُوتِيْهِ مِن
أَغْيَاهُ حَصْرُ هِباتِه وبِحَقِّه
سَبَبُ المُبِينُ حَرامَها وحَلاَا
أَفْضَى لها فتحقَّقُوا أفْضالها
غُرَرِ الهِبَاتِ مُفضِّلاً إجمالها
آَلَى وأَقسَمَ لا يَرَى أمثالها
ونفوسُ قومٍ تَشتكي إهمالَا
كم عَبْرةِ هَمَلَتْ بمجلسِ ذِكْرِه
فأنالهَم حُسنَ الرَّجاءِ مَقالُه ونُفُوسُهم حَدَت لَدَيهِ مَآَلَا
خَفَضَتْ مَناقِبَ أحنفِ أخلاقُه كم عَثْرَةٍ رُفِعَتْ إليه أقالها
وعن الجُفاةِ الحِلْمُ منهُ عادةٌ دهراً يَرى أَفْعالَهَا أَفْعَى لها
أعيانُ مملكةِ المَلِيكِ ومَن بِهِ رَفَعَ الإلهُ عن الوَرَى أَثقالَهَا
الظاهِرُ الْحَسَنُ الذي في عَدْلِهِ عنهمْ أَكُفَّ المُعتَدين أَزْالَهَا
مَنَحَتْهُ صِدقَ مَحَبّةٍ ومَودَّةٍ ونفوسُها وقَفَتْ عليه، ومالها؟
تاللَّهِ ما هذا سُدّى لكنها مِنَنٌ أرادَ اللهُ فِيهِ كَمَالَهَا
يا سيداً منحَ العُفاةَ نَوالَه ومحا بهَذْي المَكْرُماتِ ضلالَهَا
أنت الوفيُّ بِهِمَّةٍ في أمّةٍ رُكْناً عظيماً مَاحياً ما اغْتَالَهَا
للَّهِ تَشكُر فَضْلَ ما أَبْدَى لها
أبداً لهُ بَسَطَتْ أَكُفَّ دُعائِها
مِن ◌ِيرةٍ أَحَمْتَها بسَريرةٍ لما رَفَعْتَ عن الوَرَى أَقْفَالَهَا

٦٣١
فهرس الموضوعات
يا حاوياً مِقدارَ فَضْلٍ قد وَفَى بكِفايةٍ جُمعَتْ لَدَيه خصالها
يا واحداً يُمِلِي ارْتِجِالاَ دِيمةً منه أحاديثَ الورى ورجالها
اهنَأْ بيومٍ حازَ أسبابَ الهَنَا وَتَحقَّقَتْ بِقُدومِهِ أقبالها
بَلَغَتْ به كلُّ الورى آمالها
بَسَطَتْ يدا جَدْواك فيه نَوالَهَا
صَدَقَاتُهُ تَحَكِي السَّحابَ، ويَالَهَا!
بالحَلِّ والعَقْدِ السديدِ ظلائَا
فتحُّ من الباري فمِسْكُ خِتامِهِ
يومٌ هو المَشْهُودُ في الأیام قد
أبداً فَيَالَكَ مِن كريمٍ مُحْسِنٍ
كَمَلَ السرورُ بسادة مَنَحُوا الورَی
همْ زينةُ الدنيا وزهرةُ أهلِها قد أذهبتْ آراؤهم أهوالها
بمَقالةٍ أوسَعْتَ فیه مَجَالَهَا
لما رأوا خَتْمَ الكتاب تمسّكُوا
شرحٌ به كُتبُ الحديثِ تألَّفَتْ
فهو الجديدُ وغيره ما نائها
وافَتْكَ تسحَبُ في الهنا أذيالَهَا
خذها عَرُوساً قد زَهَتْ في ليلةٍ
شهدت بأنك ◌ُفءُ كُلٍ كريمةٍ
فاجعَلْ قَبُولَ المدحِ مِنْكَ وِصالَهَا
ـمُغْطَى إذا دَهَتِ الهمومُ وَهالَهَا
فالُلْتَجِي بِكَ لا يَخِيبُ جَنابُه الـ
لا زِلتَ فِي دَعَةٍ بأوفى نعمةِ اللهُ يحفظُها ويُنعِم بالَا
وقال الشيخ مُحِبُّ الدين البَكْري، وأُنشِدَت بالخانِقاه البِيْبَرَسِيّة:
حديثُك لي أحلى من المَنّ والسَّلْوى إذا حلّ سمعي حرَّم اللَّومَ والشَّكْوى
أيَسِلُوا محبٌّ حسنَ أوصافِ مالكٍ غَدَا شافِعِيْ نعمانَ أحمدَ ذا تَقْوى
يُهَيِّمُني والعَينُ تَشتاقُ مَن تَهوى
فمن لي ومثوی حُبِّه بین أَضلُعِي
تُرَنِّحُني وُرْقُ الدَّياچِي بشَجْوها تُذكِّرني عهداً وتَشْفَعُنِي شَجْوا
تُهيِّج أشواقي بفَيضٍ لِعَبْتي أمُوتُ وأحيا لا قَرارٌ ولا مَثْوى

٦٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
سَقامٌ بجِسْمي قدبَراهُ نُحُولُه تراهُ على فَرْطِ المحبّة لا يَقْوى
أيقوى على جَمْر الغَضَى قلبُ عاشقٍ يقِلُّ كما العصفورُ بين يدي شَوّا
تَمَلَّكَنِي رِقّاً والْبَسَنِي ضَنّى
شكوتُ له وَجْدي فلم يُصْغ للشَّكوى
فيا مالكاً رِقّي وقلبي ومُهجتي
تَعطَّفْ وجُدْ فَضْلاً على قلب مَن يہوى
وقُربُك أُنَّسُّ والبِعادُ هو البَلْوى
وُجُودُك لي راحٌ وَجُودُك راحةٌ
تعلُّلُ قلبِي بالخَيال وبالنَّجْوى
أُصوِّر معنى حُسنِهِ فِيلَذُّلي
ولم يُغْنِه طِبُّ الدواء عن الأدوا
وتاللَّهِ لا يشفى الخَيَالُ لعاشقٍ
لأنيَ ظمآنٌ على البحر وارِدٌ ألا اعْجَبْ لظمآنٍ ببحرٍ ولا يَرْوَى
وبغيةٌ قلبي أنتَ، لا مَيُّ لا عَلْوى
معاني أُولي العرفان بالفهم والفَحْوی
تَرى السنّةَ الغَرّاءَ مِن حِفظِهِ تُرْوی
عَلَتْ وغلَتْ، خُذْها بإسناده الأقوى
يُعَنِّفُنِي العُذَّالُ عنكَ لأَرْعَوِي
لأنك فَرْدٌ حافظُ العصر جامعٌ
أبو الفضل بل قاضي القضاة وخيرُهم
أماليه تأتي عَسْجَداً وجواهراً
تَرى درجاتِ الخلد فيها مع الرضا فُبُشْرَى بِرِضوانٍ يُبلِّغنا عَفْوا
ومجدٌ له يَعْلُو على الغاية القُصوى
أيا شيخَ إسلامِ عليه مَهابٌ
تصانيفُه لا حصرَ في ذِكْر عَدِّها
فكم سِهِرَتْ عيناهُ والناسُ نُوَّم
وكم من شروحٍ للبخارِيِّ عِدّةٍ
كساهُ جمالاً مِن عُذوبةٍ لَفْظِهِ
ففي كل فنٌّ في العلوم له الجَدْوى
و کم کتبتْ يُمناه من خبر یروی
طواها بفتح البارئ اعْجَبْ لِما يُطْوَى
ففازتْ به الدُّنيا وسلَّمَتِ الدَّعْوى
خفيٍّ على النُّقَّاد يا وَيْحَ مَن سَوّى
وتوَّجَهُ الأسماءُ من كل مُبِهَمٍ
شهاباً علا أُفْقَ السماءِ بُدُورُه تباركَ من أَنْشَا وَسُبحانَ مَن سَوّى

٦٣٣
فهرس الموضوعات
وأَبْدَعَ خَلْقاً ذاك للوزْنِ لا يَفِي وهذا صحيحُ الوَزِ ليس به إقْوَا
ولا غَزْوَ أنَّ الشافعيَّ إمامَنا يُباهي بكَ الأصحابَ بالنقلِ والفَتْوى
إذا فاحَ نَشْرَ المِسكِ كُنْتَ خِتَامَه
فكم حِكَمٍ أَظْهَرْتَ فاحَتْ لها الشَّذْوى
بلا مِنّةٍ، فاللهُ يُصحِبُك التَّقْوى
لأصحابِك الطلابِ فضلاً أنلْتَه
ويوسفَ حسنٍ سالمَين من الأَسْوَا
ويُبقي لك البدرَ المُنيرَ ونَسْلَه
مشايخَ علمٍ مَن برؤيتهم أَزْوَى
ويحفظُ إخواني وأهلَ مَودَّتي
وأحمدُه دُنْيا إلى جنةِ المَأوى
ويجعلُ مَثوانا حظيرةَ قُدْسِهِ
مُحِبُّ وبَكريٌّ ومَنشانا بِكم وناشرُ فضلِ ذلك النَّشْرُ لا يُطْوى
وكتب أيضاً:
يا جابراً بالمَكرُمات كَسِيراً وصنيعُه جعلَ العَسِيرَ يسِيراً
أُوتيه مِن فَضْلِ الإلهِ جَدِيراً
یا شیخَ الاسلامِ الذي أضحی بما
وفَكَكْتَ من قَيد الهموم أسيراً
لي حقُّ سبْقِ قد مَنَنْتَ بنَيلِه
والأمرُ أمرُك لم تَزَلْ متفضّلاً تُولي الجميلَ وهادياً ونَصيراً
إن قلَّ عندك أن جعلتُ بديهةً مَدْحي صفاتِك في الأنام كثيراً
راجي عُلاك لأهلِهِ مسروراً
فاجعلْ لوجهِ اللَّهِ ما يغدُو به
واسلَمْ وعِشْ فلقد حبَاكَ اللهُ من إحسانِهِ فَضْلاً عليك كبيراً
وكتب أيضاً:
والعِلْمِ والحِلْم والتقوى مع الكَرِمِ
يا عالمَ العصر ياذا الحُكمِ والحِكَم
عن سيّد العرب العَرْباء والعَجَمِ
يا مالكاً سبُلَ الخير التي وَرَدتْ
شرحتَ صدرَ البخاريْ مُذْ شرحتَ له جمعاً هو النعمةُ العُظْمَى لِمُغْتَنِمِ

٦٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
حلَلْتَ منه رُموزاً وانفردْتَ به عن الذين مَضَوا في سالِفِ الأُمم
فجاء شرحاً عظيماً رائقاً بَهِجاً ختامُه المِسكُ منشُوراً على الخَدَمِ
وفاحَ من فتح هذا الخَتْمِ رائحةٌ طارتْ بها الريحُ في الْبُلْدَانِ والأُطُم
ماذا أقولُ وما أُثْنِي عليه وقد كَلَّ اللسانُ عن الإحصا مع القَلَمِ
أتى به مِن قليلِ المَدْحِ والخَدَمِ
والعبدُ يسألُ بَسْطَ العُذْرِ منكَ لِما
حَوَيتُموهُ مِن الإِفضالِ والشيمِ
لأنه لم يجِدْ مَدْحاً يقومُ بما
ونسألُ اللهَ خيراً دائماً لكُمُ قاضيْ القُضاةِ بعَون الله لا تُضَمِ
وقال الشيخ شرف الدين عيسى الطُّنُوبِّ، وأُنشِدَتْ بالسِبَرْسِيّة أيضاً:
سمحتُمْ بشرحٍ جاء أعلى من العَينِ فحصَّنْتُكُمْ بالله وَهْو مِن العَينِ
تحلَّى بتاج العلم فَخْراً وعندما تجلّى أبانَ الْجَهْلَ عنا مِن البَيْنِ
وأضحتْ سُطورُ العلمِ فيه جَواهراً تُعَدُّ على الطلّابِ سِمْطَيْنِ سَمْطَيْنِ
فمِن تاجِها فُزْنا بِفِلْوَين فِلْوَينِ
وماسَ بقُرْطٍ من وجوه نُقُولِکم
فنقَّحَ شرحاً للبخاري بلا مَينٍ
به فَتَحَ الباري عن الكاف والنونِ
وأجذل جيمَ الْجُود إذ جاء بالمُنى وأظهَرَ عينَ العَدْل من سِرِّ ياسِينِ
غداجنةً للعلم فيه حدائقُ تَنزَّهَ فيها ناظِرُ العَين في العَينِ
وأقلعَ غَينٌّ كان في الفكر يُلِهِيني
فطِيْتُ بليّا حورِه مُتمسّكاً
فأعظِمْ به شرحاً مفيداً منقَّحاً إذا صَدَّ جهلٌ عنه بالعلمِ يُغرِيني
وإن صرتُ منه في ضلالٍ أضاءَ لي شهابُ سنا منه إلى الحَقّ يَهدِيني
تَحرّى صحيحَ النقل لم يَرْضَ بالدُّونِ
فدونكَ تأليفاً أتى عن مُؤلِّف
أقولُ وما زالَ الْتِفاتِي لمدحِه وتنزيهُه فَرْضي وتعظِيمُه ديني

٦٣٥
فهرس الموضوعات
إليك انتَهتْ يا حافظَ العصرِ رحلةُ الـ ـحديث مع الإملاء حقّاً بلا مَينِ
وأنت الذي أحييتَ سنّةً أحمدٍ وأبرزْتَ مِن أسرارها كلَّ مَكْنُونٍ
وأنت الذي صَنَّفْتَ كهْلاً ويافِعاً وأفتَيتَ في فَرْضٍ علينا ومَسنُونِ
رَقِيتَ على حَسَّانِهِ وابنِ زَيدونِ
وأنت الذي في الشعر مالِكُ رِقَّه
وأنت الذي دَوَّنتَ شرحاً سَمًا به إمامُ بُخَارَى فانثَنَى خيرَ مَيمُونٍ
فها هو في قُرْطِ يَمِيسُ بِبُرْدَینِ
وألبستَه تاجَ العُلوم مكلَّلاً
ولم يأتِ شرحٌ للبخاريّ مثلُه وهيهاتَ ما البَشْنِينُ فضلاً كنِسْرِينٍ
ففي الشَّهْدِ معنَى ليس يُوجَد في الِّينِ
فذُقْ عِلْمَه واهجُرْ مقالةَ غيرِهِ
يزيدُك علماً إن تَزِدْه تأمّلاً ويُشكِّلُ تاراتٍ ويأتي بتَبْيينِ
حوى كلَّ ما قالَ الأُلَى في مؤلّفٍ
بأبدع تقريرٍ وأبرعٍ تَذْوينِ
وزاد مِن التنقيح ما فَضْلُه به تأكَّد عند الخصمِ بالنفسِ والعَينِ
له فُضَلاء العصر صلَّوا وسلَّمُوا لِما قلتَ طَوعاً ليس بالكُرْهِ والهُونِ
ولو كان في عصرِ البُخاريْ مُولَّفاً لكان له إلفاً وَقَبَّلَ ألفَينِ
وخَرَّ إلى الأذقانِ للَّهِ ساجِداً وقال: نعمْ هذا الذي كان يُرضِيني
وزالَ به عنّي الذي كان يُنسِيني
أو ابنِ مَعینٍ قال: في الحفظ زادني
لَه اللهُ مِن شرح أزالَ شهابُه عن السنَّةِ الغَرّا ◌ُموعَ الشیاطِينِ
قررْتُ به عيناً وصِرْتُ به زَيناً وأحيا به حِيناً إلى مُنتهى حِينٍ
ولِمْ لا بهِ أحيا وفيهِ فوائدُ مِن العِلمِ تَكفِيني إلى يومٍ تَكْفِيني
وحجَّةُ دَعْوى الخصم مَخَصُومَةٌ بما يُسجِّله القاضي بنصٍّ وتَعيين
عن ابن عليٍّ صرتُ أَروِي العُلا فإن عطِئْتُ فمن عِلْمٍ هَمِيٍّ منه يَروِيني

٦٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
ويُمْلي على سَمْعي فأكتبُ جوهراً وأمدَحُه من بعض ما هو يُمْلِيني
هو الحَبْر بحرُ العلم عَينُ زمانه فما جعفرٌ من فضلِه وابنُ هارون
هو الفَرْدُ في التحقيق لا ثاني اثنينِ
على شرحِه أثنَوا وآَلَوا بأنه
له وابنُ بُرهانٍ بتلكَ البَراهينِ
فَفُقْتَ بِهِ الأصلَين والفخرُ شاهدٌ
وبَيَّنْتَ في التفسير حُكْمَ مَسائلِ الـ ـخِلاف بما أظهَرْتَ مِن كَنْزِ مَدِفُونٍ
ورأي عطاءِ ثم رأي ابنِ سِيرينِ
كرأي ابنِ عبّاسٍ ورأيٍ مُجاهدٍ
وقرَّرتَ للقُرّاء ما كان نافِعاً أتى عن أبي عمرو ووَرْشٍ وقالُونٍ
ومدِّ مع الإشمامِ والوَصْلِ واللِّينِ
وحقَّقتَ حكمَ الرَّوْمِ فيه وغُنَّةٍ
وأبدَيت فَرَقاً بين نُونٍ وتَنْوینِ
وأعْرَبْتَه عن سِيْبَوَيهِ وشيخِه
وأسندتَ فيه عن شيوخٍ كثيرةٍ
نتيجةِ علمٍ النقلِ والعقلِ فاعجبُوا
وما مسلمٌ إلّا وقال: كجوهرٍ
ولا عَجَبٌ فاليَمُّ من حَجَرٍ بَدَا
فعشرُ عُيونٍ منه عشرُ أصابعٍ
لهم طرُقٌ تعلُو ففُزْتَ بأجْرَينِ
له وهو طفلٌ حارَ فيه ابنُ سَبعينِ
فمَن ليس يَجْوِيهِ غدا بئسَ مَغْبُونِ
عُيوناً لموسى حين قَرَّ على الطِّينِ
تَفِيضُ وثِنْا جُودِها الذَّهرَ يُغْنِيني
سما بتآليفَ عَلَتْ في حياتِهِ نَعم وعَلَتْ فوق السِّمَاك وَتِنِّينِ
تُناهِزُ عَشرَ الأَلْفِ عدَّاً وكم سعى لِبابٍ عُلاها وافِدٌ مِن سلاطينٍ
وزادُوا اشتياقاً بالسَّماع وربّما تَعشَّقَ قبلَ العَينِ سمعُك في الحِينِ
فجَهَّزَها سلطانُ مصرَ هديةً إليهم فأغنَتْ عن خُيولٍ ونَقْدَينِ
وفي يَمَنِ حلَّتْ وصارتْ إلى الصِّينِ
إلى الغربِ سارت ثم للنّبْك سافَرت
فِعِشْ آمِناً يا حافظَ العصرِ وابتَهِجْ بفتحِ له خَتْمٌ على غيرِ ذي رَيْنِ

٦٣٧
فهرس الموضوعات
وباكِرْ لِكْرٍ فِي حِمِاكَ تَنَّهتْ بِمَدحِك عن إبطاءِ مدحٍ وَتَضْمِينِ
ودَعْ أَيِّماً أضحَتْ لها قبلُ ضَرَّةً فبالفَرْقِ بانَ الصبحُ منها لِذي عَيْنِ
وحُكمٍ وتأليفٍ وعِزِّ وتَمَكِينٍ
فلازِلْتَ ذا جاهِ وجُودٍ وسُؤدَدٍ
وأختِمُ مَدْحي بالصلاة مُسلِّماً على خير مبعوثٍ من الحوض يَسْقِيني
صلاةً تُريني بُعدَ جسميَ مِن لَظَّى ومن جنة الفردوس في الحشر تُدْنِيني
وقال العلامة شمس الدين النَّوَاجِيّ، وأُنشِدَتْ بالمنكوتمرية:
خُذُوا حديثَ الغَرامِ مُسندْ عن مُستهام الفُؤادِ مُبَعَدْ
وسَلْسِلُوه بِدُرِّ دَمْعي فابنُ مَعينٍ به تَفَرَّدْ
بِخاطرٍ مِنكَ قَد تَوقَّدْ
يا خَذَّه الواقديَّ رِفْقَاً
وثَغْرَه الجوهريَّ كم ذا تَنَعُنِي رِيقَك المُبَرَّدْ
بالله يا راحِلاً بقلبي هل لفؤادي المشُوقِ مِن رَدّ
بنظرةٍ منكَ ماتَزَوَّدْ
اللّهَ اللّهَ في مُحِبٍّ
يُكَفْكِفُ الذَّمْعَ من ◌ُفونٍ خَوفَ وُشاةٍ له وحُسَّدْ
ـمَنام بالرُّوحِ ما تَرَدَّدْ
لو سُمْتَهُ قُبْلةً ولو في الـ
للّهِ ساچِي اللَّحاظ ◌َلْمَى أَغَنُّ لَدْنُ القوام أغْيَدْ
أْثَغُ حُلْوُ الكلامِ كادتْ حلاوةُ الثَّغْرِ منه تَعَقَّدْ
البدرُ قد لاحَ مِن سَنَاهُ والغُصنُ مِن عَطْفِهِ تَأوَّدْ
لو هَفَواتُ النَّسِيمِ مَرَّتْ عليه مِن لُطِفِهِ تَجَعَّدْ
جامعُ حُسنٍ إذا تَبَدَّى خَرَّت عُيونُ الأنامِ سُجَّدْ
وقُبلةُ العِشقِ أن بِعَيْنِي أَبْصَرَتْ في الحالتين مَعْبَدْ

٦٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
صَيَّرتْ دمعي عليه وَقْفَاً مُسبَّلاً جارياً مُؤَّدْ
وعاذلٍ باتَ قبلَ هذا يَطعُنُ في حُسنِهِ ويَحْحَدْ
ومُذ ◌َبَدا وجهُه هلالاً يفوقُ بدرَ السَّمَا تَشَهَّدْ
وفوقَ خذَّيه حسنُ خالٍ بكعبةِ الحُسنِ قد تَعَبَّدْ
خَماهُ ربِّ فكيف أضحَى في وَسْطِ نِيرانِهِ مُخَلَّدْ
لم أنْسَ أن زارَني بلَيلِ كأنه كوكبٌ تَوَقَّدْ
فِهِمْتُ فِي عَقْدِها المُنَضَّدْ
وابتسمَ الثغرُ عن ◌َآلٍ
لما رأى صدرَه تَنْهَدْ
واستعبَّرَ الجَفْنُ من دُموعِ
كأساً وَحِيّاً بوردةِ الْخَدّ
أرشَفَنِي من رحِيق ثَغْرٍ
شممتُ منه عَبيرَ خالٍ يَعبَقُ من نَشْرِهِ شذَا النَّدّ
فيالَه عنبَرٌ ذِكِيٌّ وعاذِلي فيه قد تبَّدْ
نِ وجنتَي خدِّك المُورَّدْ
يا مالكَ الحُسنِ جُدْ بنُعْما
أشكرُ ربَّ السما وأحمَدْ
وإن تكن شافِعِيْ فإني
قاضي قضاةِ الأنامِ كنزَ الـ ـغِنَى حليفَ النَّدى المُؤْيَّدْ
حامي ذُرى المَجْدِ والعُلامَن فاقَ الورَى فِي حَلِيْ وسُؤَدَدْ
بنى له الفضلُ بيتَ عَلْيا لهُ بساطُ النجومِ مَقْعَدْ
وأعربَتْ عن عُلاهُ خَيْمٌ بالعَطفِ مرفُوعُها تأكّدْ
مولّى به اللهُ في الورَى قد أعزَّ أحكامَه وأيَّدْ
أعفُّ في الحُكْم مَن مَشَينا تحت لِوا عَدْلِهِ وأزهَدْ
له مع الله حسنُ حالٍ مَظْهَرُ غَيبِ له ومَشهَدْ

٦٣٩
فهرس الموضوعات
إِنْ وعَدَ المرءَ أو تَوغَّدَ
ما مثلُه فِي وَفَاً وحِلْم
لمن أتى سائلاً: إلى الغَدْ
ولم يقُل في نَدّى وعِلمِ
ذو راحةٍ أتعبتْ حَسُوداً قصَّر عن مثلِها وَفَنَّدْ
كم قلتُ لماسما فحاذَى رأسَ سِماكٍ وفَرْقَ فَرَقَدْ:
يا هل تُرى غايةٌ لِعَلْيا منفردٌ في الأنام أو حَدْ
وليتَ شِعْري أنالَ ذا عن أبٍ عليِّ الَمَقامِ أمَجَدْ
في مِصرِه كم أغاثَ حيّاً أَتْهَمَ فِي غَورِه وأنْجَدْ
وكم وكم قد أماتَ خصماً عانَدَ في شرعِهِ وألَحَدْ
يا عمرَكَ اللهُ أُمَّ حَبْراً عنهُ حديثُ الكِرامِ يُسنَدْ
وارْوِ نَدى راحتيه بَحْراً من الطريقَين عنه يُورَدْ
ومالُه للعُفَاةِ مَرْصَدْ
فبابُه للوفُود مَلْجَا
واعْجَبْ لِذي باطلٍ وحقٌّ
كلاهما في حِمِـاهُ يُعـضَدْ
هذاكَ بالقَطْع ليس يُرْفَا وذا بكِلتا اليدين يُرِفَدْ
لا عَيبَ في جُودِهِ سوى أنْ نَ شْملَ أموالِهِ مُبَدَّدْ
يَسِبِيكَ من كفه يَرائعٌ أسمرُ لَدْنُ القِوام أمْلَدْ
أحوى غَضِيضُ الجُفونِ ألْمَى مُكْحَلُ الطرْف لا بمِرْوَدْ
مُواظبُ الخَمْس، وِرْدُهُ في وقتِ صَلاة الصِّلاتِ يَشهَدْ
إذا هوى للزُّكوع خَرَّتْ له وجوهُ الطُّرُوسِ سُجَّدْ
سبحانَ مَن قد بَرَاهُ غُصناً ثِمَارُه فِضّةٌ وعَسْجَدْ
مُحبَّاً في العُلوم زاكي الــ أُصولِ سامي الذُّرى مُسوَّدْ

٦٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
في قصَبِ السبْقِ ما رأينا مثالَه في الحِياد جَوَّدْ
تهُـزّ أصواتُ سائليهِ أعطافَهُ لِلنَّدَى فِيمْتَدّ
بالبحر في جَزْرِه وفي المَدّ
ويَنْبَرَي للعَطا فيُزْرِي
طِرافُها للحِباءُمَدَّدْ
يسعى على رأسِهِ لِأُمّ
تُرضِعُه يومَها وعند الـ ـمَغيب في بطنِها يُمَهَّدْ
مَرْمَلَةٍ طَرفُها مُسَهَّدْ
واستَجْلِ ما شئتَ من معاني
يحكي سَنَا وجهها الثُّريا حُسْناً إذا سَعْدُها تَجدَّدْ
في بيت أفراحِها اجتماعٌ بالرمْلِ مِن شَكْلِها تَولَّدْ
تنظُمُ الدُّرَّ فوقَ طِرْسٍ نثراً فَنَظْمِي لها يُنَضَّدْ
وتشُرُ التِّبْرَ في لجُينٍ نثراً فِتَثْرَى به وتَسْعَدْ
تُذيبُ قلْبَ النُّضارِ لا ما حَصَّلَه باخِلٌ وَجَمَّدْ
إن أنكرَتْ قَتْلَ حاسِدِيها ها دَمُهُم في الطُّروسِ يَشْهَدْ
خناصِرُ للعُلُومِ تَعْقَدْ
وَشْمُ حُلَى مُدْيَةٍ عليها
تقطّعُ وَصْلَ الجَفا وتَبْرِي قلبَ عُدَاةٍ بَغَوا وحُسَّدْ
وتُثبِتُ الْجُرحَ في وُجُوهٍ تجاوَزُوا في لِقائها الحَدّ
ما طالَ منها اللسانُ إلّا قَصَّرَ مَن كَلَّمَتْ عن الرَّدّ
وإنما طَرْفُها مُهَنَّدْ
قِوامُها اللَّدْنُ سَمْهَرِيٌّ
تَمَلِك الْحُسنَ في نِصابٍ ما مثلُه في القرون يُعْهَدْ
قتيلُها المَحْلُ ليس يُودَى شرعاً وإن كان بالمُحَدَّدْ
يا شيخَ الاسلامِ يا إماماً دعا لِطُرْقِ الهُدى وأرشَدْ