Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
باب ٥٦
كتاب التوحيد
النَّحت، لَزِمَ أن يكون المعمول غير مخلوق، وهو باطل، فثَبَتَ أنَّ المراد خلقُه لها قبل النَّحت
وبعده، وأنَّ الله خَلَقَها بما فيها من التَّصوير والنَّحت، فثَبَتَ أنَّه خالقٌ ما تَوَلَّدَ عن فِعِلِهم،
ففي الآية دلالة على أنَّه تعالى خَلَقَ أفعالهم القائمة بهم، وخَلَقَ ما تَوَلَّدَ عنها. ووافَقَ على
ترجيح أنَّها موصولة من جهة أنَّ السِّياق يَقتَضى أنَّه أنكَرَ عليهم عبادة المنحوت، فناسَبَ أن
يُنكِرِ ما يَتَعلَّق بالمنحوتِ، وأَنَّه مخلوق له، فيكونُ التَّقدير: الله خالقُ العابد والمعبود، وتقدير:
خَلَقَكم وخَلَقَ أعمالكم، يعني: إذا أُعرِبَت مصدريّة، ليس فيه ما يَقْتَضِي ذَمَّهم على ترك عبادته،
والعِلمُ عند الله تعالى.
وقد ارتَضَى الشَّيخ سعد الدّين التَّفتازانيّ هذه الطَّريق وأوضَحَها ونَقَّحَها، فقال في
((شرْح العقائد)) له، بعد أن ذكر أصل المسألة وأدِلّة الفَريقَينِ: ومنها استدلال أهل السُّنّة
بالآيةِ المذكورة ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قالوا: معناه: وخَلَقَ عملكم، على إعراب ((ما))
مصدريّة، وَرَجَّحوا ذلك لعَدَمِ احتياجه إلى حذف الضَّمير، قال: فيجوز أن يكون المعنى:
وخَلَقَ معمولَكم، على إعرابها موصولة، ويَشمَل أعمالَ العباد، لأنّا إذا قلنا: إنَّها مخلوقة لله أو
للعبدِ، لم يُرَدْ بالفعلِ المعنى المصدَريّ الذي هو الإيجاد، بل الحاصل بالمصدَرِ الذي هو مُتعلّق
الإيجاد، وهو ما نُشاهدُه من الحَرَكات والسَّكَنات. قال: وللذُّهولِ عن هذه النُّكتة تَوهَّمَ مَن
تَوهّمَ أنَّ الاستدلال بالآیة موقوف على گوْن ((ما)) مصدریّة، ولیس الأمر كذلك.
تكملة: جَوَّزَ مَن صَنَّفَ في إعراب القرآن في إعراب ((ما تَعمَلونَ)) زيادةً على ما تقدَّم،
فقالوا - واللَّفظ للمُنتَجِب(١) -: في ((ما)) أوجُهُ:
أحدها: أن تكون مَصدَريّة منصوبة المَحَلّ عطفاً على الكاف والميم في (خَلَقَكم)).
الثّاني: أن تكون موصولة في موضع نصبٍ أيضاً عَطفاً على المذكور آنِفاً، والتّقدير: خَلَقَكم
والذي تَعمَلونَ، أي: تَعمَلونَ منه الأصنام، يعني الخشب والحجارة وغيرها.
الثّالث: أن تكون استفهاميّة منصوبة المَحَلّ بقوله: (تَعمَلونَ)) توبيخاً لهم، وتحقيراً
(١) في كتابه («الفريد في إعراب القرآن المجيد)) ١٣٦/٤-١٣٧.

٥٨٢
باب ٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
لعَمَلِهِم.
الرّابع: أن تكون نَكِرة موصوفة، وحُكمُها حُكم الموصولة.
الخامس: أن تكون نافية على معنى: وما تَعمَلونَ ذلك، لكنَّ الله هو خالقُه.
ثُمَّ قال البيهقيُّ(١): وقد قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]،
فامتدحَ بأنَّه خَلَقَ كلَّ شيءٍ وبأنَّه يَعلَم كلَّ شيء، فكما لا يَخرُج عن عِلمه شيء، فكذا لا
يَخْرُج عن خلقه شيء، وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بٌِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
٥٣٢/١٣ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٣-١٤]، فأخبَرَ أنَّ قولهم سِرّاً وجهراً خَلْقُه، لأنَّه/ بجميع ذلك
عليم، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَوَةَ﴾ [الملك: ٢] وقال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم : ٤٤]،
فأخبَرَ أنَّ المحيي المميت، وأنَّه خَلَقَ الموت والحياة، فَثَبَتَ أنَّ الأفعال كلَّها خيرَها وشَرَّها
صادِرةٌ عن خلقه وإحداثه إيّاها، وقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَى﴾
[الأنفال: ١٧]، وقال تعالى: ﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، فسَلَبَ عنهم هذه
الأفعال وأثبَتَها لنفسِه، ليَدُلَّ بذلك على أنَّ المؤثِّر فيها حتَّى صارَت موجودةً بعد العَدَم هو
خلقُه، وأنَّ الذي يَقَع من الناس إنَّما هو مُباشَرة تلكَ الأفعال بقُدرةٍ حادثة أحدَثَها على ما أرادَ،
فهي من الله تعالى خَلْق بمعنى الاختراع بقُدرَتِه القديمة، ومن العباد كَسْبٌ على معنى تَعلّق
قُدرةٍ حادثة بمُبَاشَرَتِهِم التي هي كَسْبهم، ووقوع هذه الأفعال على وجوهٍ(٢) بخِلَاف فِعلِ
مُكتَسِبها أحياناً، من أعظَم الدّلالة على مُوقِع أوقَعها على ما أرادَ.
ثمَّ ساقَ حديث حُذَيفة المشار إليه(٣)، ثمَّ قال: وأمّا ما وَرَدَ في حديث دعاء الافتتاح في
أوَّل الصلاة: ((والشّ ليس إليك))(٤)، فمعناه كما قال النَّضر بن شُمَيلِ: والشّ لا يُتَقَرَّب به
(١) یعني في کتاب «الاعتقاد» له ص١٤٢.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: وجوده.
(٣) يعني حديث: ((إنَّ الله يصنع كلَّ صانعٍ وصنعتَه)) وهو فيه ص ١٤٤، وقد مضى قريباً تصحيح الحافظ
له.
(٤) أخرجه مسلم (٧٧١) وغيره من حديث عليّ.

٥٨٣
باب ٥٦
كتاب التوحيد
إليك، وقال غيره: أرشَدَ إلى استعمال الأدَب في الثَّناء على الله تعالى، بأن يُضافَ إلیه مَحاسِنُ
الأُمور دونَ مَساوِيها، وقد وَقَعَ في نفس هذا الحديث: ((والمَهدِيُّ مَن هَدَيتَ))(١) فأخبَرَ
أنَّه يَهدي مَن شاءَ كما وَقَعَ النَّصريح به في القرآن، وقال في حديث أبي سعيد - يعني الماضي
في الأحكام (٧١٩٨) - الذي في أوَّله: أنَّ كلّ والٍ له بِطانَتان: ((والمعصوم مَن عَصَمَ اللهُ)،
فدَلَّ على أنَّه يَعْصِم قوماً دونَ قوم.
وقال غيره: يستحيل أن تَصلُحَ قُدرةُ العباد للإبرازِ من العَدَم إلى الوجود، وهو المُعبَّر
عنه بالاختراع، وثُبوته لله سبحانه وتعالى قَطْعَيّ، لأنَّ قُدرة الإبراز من العَدَم إلى الوجود
تَتَوجَّه إلى تحصيل ما ليس بحاصلٍ، فحالَ توجُّهِها لا بدَّ من وجودها لاستِحالةِ أن يُحصِّل
العَدَمُ شيئاً، فقُدرَته ثابتة وقُدرة المخلوقينَ عَرَضٌ لا بقاءَ له، فيستحيل تَقَدُّمها، وقد
تَوَارَدَتِ النُّقول السَّمعيّة والقرآن والأحاديث الصَّحيحة بانفرادِ الرَّبِّ سبحانه وتعالى
بالاختراع، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، ﴿ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن
دُونِهِ، ﴾ [لقمان: ١١].
ومن الدّليل على أنَّ الله تعالى تحگُم في خلقه بما يشاء، ولا تَتَوقّف أحکامُه في ثوابهم
وعِقابهم على أن يكونوا خالقينَ لأفعالهِم، أنَّه نَصَبَ الثَّوابَ والعِقاب على ما يَقَع مُبَايِناً
لمَحالٌّ قُدرَتهم، وأمّا اكتِسابُ العباد فلا يَقَع إلّا في مَحَلّ الكَسْب، ومثال ذلك: السَّهمُ
الذي يَرميه العبدُ لا تَصَرُّفَ له فيه بالرَّفع، وكذلك لا تَصَرُّف له فيه بالوضع، وأيضاً فإنَّ
إرادة الله سبحانه وتعالى تتعلَّق بما لا نهايةَ له على وجه النُّفوذ وعَدَم التَّعذُّر، وإرادة العبد لا
تتعلَّق بذلك مع تسميتها إرادة، وكذلك عِلمُه تعالى لا نهايةَ له على سبيل التَّفصيل، وعلم
العبد لا يَتَعلَّق بذلك مع تسميته عِلماً.
فصل: احتَجَّ بعض المبتَدِعة بقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] على أنَّ
القرآن مخلوق، لأنَّه شيء، وتَعقَّبَ ذلك نُعَيمُ بن حمَّد وغيره من أهل الحديث بأنَّ القرآن
(١) لم ترد هذه اللفظة في رواية مسلم المذكورة، وهي عند ابن حبان (١٧٧١)، وأبي عوانة (١٦٠٨) وغيرهما.

٥٨٤
باب ٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
كلام الله، وهو صِفَته، فكما أنَّ الله لم يَدخُل في عُموم قوله: ﴿كُلِّ شَىْءٍ﴾ اتّفاقاً، فكذلك
صفاته، ونَظِيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] مع قوله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فكما لم تَدخُل نفسُ الله في هذا العُموم اتِّفاقاً،
فكذا لا يَدخُل القرآن.
قوله: ((ويقال للمُصوِّرينَ: أحْيُوا ما خَلَقتُم)) كذا للأكثَرِ وهو المحفوظ، ووَقَعَ في رواية
الكُشمِيهَنيِّ: ((ويقول)) أي: الله سبحانه أو الملَكُ بأمرِه، وقال الكِرمانيُّ: لفظ الحديث
الموصول في الباب: ((ويقال لهم)) فأظهَرَ البخاريُّ مَرجِعَ الضَّمير. انتهى، وسيأتي الكلام
على نسبة الخَلْق إليهم في آخر الباب.
قوله: ((﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾﴾)
ساقَ في رواية كَرِيمة الآية كلّها، والمناسِب منها لما تقدَّم قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَاُلْأَمْهُ﴾
فيُخَصُّ(١) به قول الله: ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾، ولذلك عَقَّبَه بقوله: قال ابن عُبَينَةَ: بَيَّن الله
الخَلْق من الأمر بقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْهُ﴾، وهذا الأثَرِ وَصَلَه ابن أبي حاتم في
٥٣٣/١٣ كتاب ((الردّ على الجَهْميّة)) من طريق بشّار بن موسى قال: كنّا عند سفيان بن عُيَينةَ/ فقال:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْهُ﴾، فالخلقُ هو المخلوقات، والأمرُ هو الكلام، ومن طريق حَمَّاد بن
نُعَيم: سمعت سفيان بن عُيَينةَ وسُئلَ عن القرآن: أمخلوق هو؟ فقال: يقول الله تعالى: ﴿أَلَا
لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْهُ﴾، ألا تَرَی کیف فرَّقَ بین الخلق والأمر، فالأمر کلامه فلو کان کلامه،
مخلوقاً لم يُفَرِّق.
قلت: وسَبَقَ ابنَ عُيَينةَ إلى ذلك محمَّدُ بن كعب القُرَظيّ، وتَبِعَه الإمام أحمد بن حَنبَل
وعبد السَّلام بن عاصم وطائفة، أخرج كلّ ذلك ابن أبي حاتم عنهم.
وقال البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)): خَلَقَ الله الخلق بأمرِه لقولِه تعالى: ﴿لِلَّهِ
اُلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، ولقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ
(١) تحرَّف في (س) إلى: فيصح.

٥٨٥
باب ٥٦
كتاب التوحيد
فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ولقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ،﴾ [الروم: ٢٥]،
قال: وتَواتَرَتِ الأخبار عن رسول الله ◌َّهِ أَنَّ القرآن كلام الله، وأنَّ أمر الله قبل مخلوقاته،
قال: ولم يُذكَر عن أحد من المهاجرينَ والأنصار والتّابعينَ لهم بإحسانٍ خِلاف ذلك، وهم
الذينَ أدَّوْا إلينا الكتاب والسُّنّة قَرِناً بعد قرن، ولم يَكُن بين أحد من أهل العلم في ذلك
خِلَاف، إلى زمان مالك والثَّوريِّ وحَمَّد وفُقَهاء الأمصار، ومضى على ذلك مَن أدرَكْنا من
عُلَماء الحرمَينِ والعراقَينِ والشّام ومِصر وخُراسان.
وقال عبد العزيز بن يحيى المكِّيّ في مُناظَرَته لبِشِرِ المَرِيسيّ، بعد أن تلا الآية المذكورة:
أخبَرَ الله تعالى عن الخلق أنَّه مُسَخَّر بأمرٍه، فالأمر هو الذي كان الخلق مُسَخَّراً به، فكيف
يكون الأمر مخلوقاً، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ، كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[النحل: ٤٠]، فأخبَرَ أنَّ الأمر مُتُقدِّم على الشَّيء المكوَّن، وقال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
أي: من قبل خَلْق الخَلْق ومن بعد خلقِهم وموتهم، بَدَأَهم بأمرِه ويُعيدهم بأمرِه.
وقال غيره: لفظ الأمر يَرِدُ لمعانٍ: منها الطَّلَب، ومنها الحُكم، ومنها الحال والشَّأن،
ومنها المأمور، كقوله تعالى: ﴿فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِىِ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا
جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١] أي: مأموره وهو إهلاكهم، واستعمال المأمور بلفظِ الأمر كاستعمالٍ
المخلوق بلفظ (١) الخَلْق.
وقال الرَّاغِب: الأمر لفظِ عامّ للأفعالِ والأقوال كلّها، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ
اٌلْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، ويقال للإبداع: أمر، نحو قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْهُ﴾
[الأعراف: ٥٤]، وعلى ذلك حَمَلَ بعضهم قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥]
أي: هو من إبداعه، ويَخْتَصّ ذلك بالله تعالى دونَ الخلائق، وقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا
أَرَدْنَهُ﴾ إشارة إلى إبداعه وعَبَّرَ عنه بأقصَرِ لفظ، وأبلَغِ ما نَتقدَّم به فيما بيننا يفِعْلِ الشَّيء، ومنه:
﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّ وَحِدَّةُ ﴾ [القمر: ٥٠]، فعَبَّرَ عن سُرْعة إيجاده بأسرع ما يُدرِكه وهُمُنا، والأمر:
(١) في (س): بمعنى.

٥٨٦
باب ٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
التَّقدُّم بالشَّيءٍ سواء كان ذلك بقول: افعَلْ أو لتَفْعَلْ، أو بلفظِ خَبَر نحو: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ
يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أو بإشارةٍ أو غير ذلك، كتَسميتّه ما رَأَى إبراهيمُ أمراً حيثُ قال ابنه:
﴿يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢].
وأمّا قوله: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] فعامٌّ في أقواله وأفعاله، وقوله: ﴿أَ
أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل: ١]، إشارة إلى يوم القيامة، فذكره بأعَمّ الألفاظ، وقوله: ﴿سَوَلَتْ لَكُمْ
أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ [يوسف: ١٨] أي: ما تَأمُر به النَّفْسُ الأمَّارة. انتهى، وفي بعض ما ذكره نظرٌ،
لا سيَّما في تفسير الأمر في آية الباب بالإبداع، والمعروف فيه ما نُقِلَ عن ابن عُيَينَةَ، وعلى ما
قال الرَّاغِبُ يكون الأمر في الآية من عَطْف الخاصِّ على العامّ، وقد قال بعض المفسِّرِينَ:
المراد بالأمرِ بعد الخلق: تصريف الأمور، وقال بعضهم: المراد بالخلق في الآيةِ الدُّنيا وما
فيها، وبالأمر الآخرةُ وما فيها، فهو كقوله: ﴿أَفَ أَمْرُ الَّهِ﴾.
قوله: ((وسَمَّى النبيُّ وَلَيهِ الإيمانَ عملاً)) تقدَّم بيان هذا في ((باب مَن قال: الإيمان هو
العمل))(١) من كتاب الإيمان أوَّل ((الجامع)).
قوله: ((وقال أبو ذَرّ وأبو هريرة: سُئلَ النبيُّ وَّهِ: أَيُّ الأعمال أفضَل؟ قال: إيمانٌ بالله وجهادٌ في
سبيله)) تقدَّم الكلام عليهما وبيان مَن وصَلَهما وشواهدهما في ((باب ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ
فَاتْلُوهَا ))) قبل أبواب(٢).
قوله: ((وقال: ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾)) أي: من الإيمان والصلاة وسائر الطّاعات،
٥٣٤/١٣ فسَمَّى / الإيمان عملاً حيثُ أدخَلَه في جُملة الأعمال.
قوله: ((وقال وَفْد عبد القيس ... إلى أنْ قال: فجَعَلَ ذلك كلَّه عملاً)) سيأتي ذلك موصولاً
بعد حدیث.
ثمَّ ذكر في الباب خمسة أحاديث مُسنَدة:
(١) باب رقم (١).
(٢) باب رقم (٤٧).

٥٨٧
باب٥٦/ح ٧٥٥٥-٧٥٥٨
كتاب التوحيد
٧٥٥٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلَابَةَ
والقاسم التَّمِيمِيِّ، عن زَهْدَمِ قال: كانَ بينَ هذا الحَيِّ مِن جَرْمِ وبينَ الأشعَرِيِّينَ وُدٌّ وإخاءٌ،
فكنّاً عندَ أبي موسى الأشعريِّ فقُرِّبَ إليه الطَّعامُ، فيه لحمُ دَجَاجٍ، وعندَه رجلٌ مِن بني تَيْمِ الله
كأَنَّه منَ الموالي، فَدَعَاه إليه فقال: إنّ رأيتُهُ يَأْكُلُ فقَذِرْتُه، فحَلَفتُ لا آكُلُه، فقال: هَلُمَّ
فلأُحدِّثْكَ عن ذاكَ، إنّ أتيتُ النبيَّ ◌َ فِي نَفَرِ مِنَ الأشعَرِّينَ نَسْتَحمِلُه، قال: ((والله لا أحملُكم
وما عِنْدي ما أحِلُكم))، فأَتِيَ النبيُّ ◌َهَ بِنَّهْبِ إِبلِ فِسَألَ عنَّا فقال: ((أينَ النَّفَرُ الأشعَرِيّونَ؟))
فأمَرَ لنا بخمسٍ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، ثمَّ انطَلَقْنا، قلنا: ما صَنَعْنا؟! حَلَفَ رسولُ اللهِ أَنْ لا
يَحمِلَنا وما عندَه ما تَحِمِلُنا، ثمَّ ◌َلَنا، تَغَفَّلْنا رسولَ الله وَّهِ يَمِينَه، والله لا نُفلِحُ أبداً، فَرَجَعْنا
إليه فقلنا له، فقال: ((لستُ أنا أحْمِلُكم ولكنَّ اللهَ خَلَكم، إنّي والله لا أَحلِفُ على يمينٍ فَأَرَى
غيرَها خيراً منها، إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ منه، وتَلَّلْتُها».
٧٥٥٦- حدَّثنا عَمْرو بنُ عليٍّ، حذَّثنا أبو عاصمٍ، حدَّثْنَا قُرَّةُ بنُ خالٍ، حدَّثنا أبو جَمْرةَ
الضُّبَعِيُّ: قلتُ لابنِ عبّاسٍ، فقال: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القيسِ على رسولِ الله ◌َِّةِ، فقالوا: إنَّ بينَنَا
وبينَكَ المشركينَ مِن مُضَرَ، وإنّا لا نَصِلُ إليكَ إلا في أشْهُرِ حُرُمٍ، فمُرْنا بجُمَلٍ منَ الأمرِ إنْ
عَمِلْنا به دَخَلْنا الجنَّةَ، ونَدْعو إليها مَن وراءَنا، قال: ((آمُرُكم بأربعٍ وأنْهاكم عن أربعٍ: آمُرُكم
بالإيمان بالله، وهَلْ تَدْرونَ ما الإيمانُ بالله؟ شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ،
وتُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ، وأنهاكم عن أربع: لا تَشْرَبوا في الدُّاءِ، والنَّقيرِ، والظُّروفِ المُزَفَّةِ،
والحَنْتَمةِ)).
٧٥٥٧- حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافعٍ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ
رضي الله عنها، أنَّ رسولَ الله وٍَّ قال: ((إنَّ أصحابَ هذه الصُّوَرِ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ، ويقالُ
لهم: أَحُوا ما خَلَقْتُمْ)).
٧٥٥٨- حدَّثنا أبو التُّعْمان، حذَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ أصحابَ هذه الصُّوَرِ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ، يقالُ لهم: أَحْيُوا ما

٥٨٨
باب٥٦/ح ٧٥٠۵-٧٥٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
خَلَقتُم)).
٧٥٥٩- حدّثَنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا ابنُ فُضَيل، عن عُمارةَ، عن أبي زُرْعةَ، سَمِعَ أبا
هُرَيرَةَ ﴾ قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقولُ: ((قال الله عزَّ وجلَّ: ومَن أظلَمُ مَمَّن ذهب يَخْلُقُ
كخَلْقِي، فَلْيَخلُقوا ذَرّةً أو ليَخلُقُوا حَبَةً، أو شَعِيرً)).
الأول: حديث أبي موسى الأشعريّ في قصَّة الذينَ طَلَبوا الحُمْلان، فقال وَّ: ((لست
أنا أحمِلُكم ولكنَّ الله ◌َلَكم))، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الأيمان (٦٧١٨).
وعبد الوهّاب في السَّنَد: هو ابن عبد المجيد الثَّقفيّ، وليس هو والدَ عبد الله بن عبد الوهّاب
العَبدَريّ الحَجَبيّ الرَّاوي عنه هنا، والقاسم التَّميميّ: هو ابن عاصم، وزَهدَم: هو ابن مُضَرِّب
بتشديد الرَّاء.
وقوله: ((يَأْكُل فقَذِرتُه)) زاد الكُشْمِيهَنيّ: يَأْكُل شيئاً.
وقوله: ((فحَلَفتُ لا آكُلُه)) في رواية الكُشِیھَنيّ: أن لا آكُلَه.
وقوله: ((فلأُحدِّثْك)) وَقَعَ لغيرِ الكُشْمِيهَنيّ: فلَأُحدِّثنَّك، بالنّونِ المؤكِّدة، والمراد منه
نسبةُ الحمل إلى الله تعالى، وإن كان الذي باشَرَ ذلك النبيّ وََّ، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَفَى﴾ [الأنفال: ١٧] وقد تقدَّم توجيهُه قريباً.
الحديث الثاني: حديث وفدٍ عبد القيس.
قوله: ((أبو عاصم)) هو الضَّحّاك بن مَلَدِ البصريّ المعروف بالنَّبِيلِ، بنوٍ وموخَّدة وزن
عَظيم، وهو من شيوخ البخاريّ، أخرج عنه بغيرِ واسطة في كتاب الزّكاة (١٣٩٥) وغيره،
وهنا بواسطةٍ، وكذلك في عِدّة مواضع.
قوله: ((حدَّثْنَا قُرَة بن خالد)) قال عِيَاض: سَقَطَ من رواية أبي زيد المروزيِّ وثَبَتَ لغيرِهِ،
وألحَقَه عَبدُوس في روايته - يعني عن المروزيِّ - ونَقَلَ أبو عليّ الجَيَّانيّ أنَّ أبا زيد قال لمَّا حَدَّثَ
به: أظُنّ بينهما قُرَّة بن خالد، قال أبو عليّ: وما هو بالظَّنِّ، ولكنَّه يقينٌّ وبه يَتَّصِل الإسناد.
قوله: ((قلت لابنِ عبَّاس، فقال: قَدِمَ وَفْدُ عبد القيس)) كذا في هذه الرّواية لم يَذكُر مَقُول

٥٨٩
باب٥٦/ح ٧٥٥٥ -٧٥٥٩
كتاب التوحيد
((قُلت))، وبيَّنه الإسماعيليّ من طريق أبي عامر عبد الملك بن عَمرو العَقَديّ - بفتح المهمَلة
والقاف - عن قُرّة بن خالد، فقال في روايته: حدَّثنا أبو حمزة قال: قلت لابنِ عبَّاس: إنَّ لي
جَرّةً أنتَبِذِ فيها فأشرَبه حُلواً، لو أكثَرتُ منه فجالستُ القوم لخَشِيتُ أن أُفْتَضح، فقال: قَدِمَ
وفدُ عبد القَيس، وقد أخرج مسلم طريق أبي عامر(١) لكن لم يَسُقْ لفظه.
ولم يَقِف الكِرْمانيُّ على هذا فقال: التَّقدير: قلت لابنِ عبَّاس: حَدِّثنا إمّا مُطلَقاً وإمّا عن
قصَّة وفد عبد القَيس، فجَعَلَ مَقُول ((قلت)) طَلَبَ التَّحديث، وقد تقدَّم شرح هذا الحديث
مُستَوَقَى في كتاب الإيمان (٥٣)، وما يَتَعلَّق منه بالأشربة في كتاب الأشربة(٢)، وتقدَّم
جوابُ الإشكال عن تفسير الإيمان بالأعمالِ البَدَنيّة مع أنَّه فعل القلب، وعن الحِكمة في
قوله: ((وأن تُعطُوا الْخُمُس))، ولم يَقُل: وإعطاء الخُمُس على نَسَق ما تقدَّمَ، وعن سقوط ذِكْر
الصوم في هذه الرّواية مع كَونِه ثابتاً في غيرها، والتَّنبيه على أنَّه وَقَعَ ذِكْر الحجّ في بعض
طرق هذا الحديث من هذا الوجه من رواية قُرّة بن خالد.
الحديث الثالث والرابع والخامس: عن عائشة وابن عمر وأبي هريرة في ذكر المصوِّرين،
والأول: من رواية الليث عن نافع عن عائشة، والثاني: من رواية أيوب عن نافع عن ابن
عمر، ولفظُهما واحدٌ إلّا أنه وقع في حديث عائشة: ((ويقال لهم))، وفي حديث ابن عمر:
«یقال لهم)) بدون واو.
ومحمَّد بن العلاء في أوَّل سند حديث أبي هريرة: هو أبو كُرَيب، وهو بكُنْيَتِه أشھَرُ، وابن
فُضَيل: هو محمَّد، وعُمارة: هو ابن القَعقاع بن شُبْرُمةَ، وقد مضى في كتاب اللباس (٥٩٥٣) من
وجه آخرَ عن عمارة وفيه قصَّة لأبي هريرة، ومضى شرحه هناك.
وقوله: ((مَنْ ذَهَبَ)) أي: قَصَدَ.
وقوله: ((يَخْلُق كخَلْقي)) نَسَبَ الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء، أو التَّشبيه في الصّورة فقط.
(١) لم يخرج مسلم هذا الطريق، وفاتَ الحافظَ رحمه الله أن الحديث من هذا الطريق عند البخاري في المغازي
(٤٣٦٨)، وفيه ذكر مقول القول بنحوه وما ساقه الإسماعيلي في روايته.
(٢) في باب (٨): ترخيص النبي وَّ في الأوعية والظروف بعد النهي.

٥٩٠
باب٥٦/ح ٧۵۵۵-٧٥٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فليَخلُقُوا ذَرّة أو شَعيرة)) أمرٌ بمعنى التَّعجيز، وهو على سبيل التَّرقّي في الحقارة، أو
التنُّل في الإلزام، والمراد بالذَّرّةِ إن كان النَّملةَ، فهو من تعذيبهم وتعجيزهم بخلقِ الحيوان تارة
وبخلقِ الجَماد أُخرى، وإن كان بمعنى الهَباء، فهو بخلقِ ما ليس له جِرْم محسوس تارةً وبما له
جِزْم أُخرى، ويحتمل أن يكون ((أو)) شَكّاً من الرَّاوي.
٥٣٥/١٣ قال ابن بَطّل: قوله في حديث عائشة وغيره: ((يقال لهم: أَحْيُوا ما خَلَقتُمْ)) إنَّما نَسَبَ خلقَها
إليهم تقريعاً لهم بمُضاهاتِهِم اللهَ تعالى في خلقه، فبَكَّتَهم بأن قال: إذا شابَهْتُم بما صَوَّرتُم
مخلوقاتِ الله تعالى، فأحيُوها كما أحيا هو ما خَلَقَ. وقال الكِرِمانيُّ: أسنَدَ الخلقَ إليهم صريحاً
وهو خِلاف التَّرجمة، لكنَّ المراد كَسبُهم، فأطلَقَ لفظ الخلق عليهم استهزاءً، أو ضَمَّنَ ((خَلَقْتُمْ))
معنى صَوَّرتُمْ تَشبيهاً بالخلق، أو أطلَقَ بناءً على زَعْمهم فيه.
قلت: والذي يَظهَر أنَّ مُناسَبة ذِكْر حديث المصوِّرينَ لترجمةِ هذا الباب، من جهة أنَّ
مَن زَعَمَ أنَّه يَخُلُقْ فِعَلَ نفسه، لو صَحَّت دَعْواه لمَا وَقَعَ الإنكار على هؤُلاءِ المصوِّرِينَ،
فلمَّا كان أمرُهم بنَفخ الرّوحِ فيما صَوَّروه أمرَ تعجيز، ونسبةُ الخلق إليهم إنَّما هي على سبيل
التَّهَكُّم والاستهزاء، دَلَّ على فساد قول مَن نَسَبَ خَلْق فِعلِه إليه استقلالاً، والعلم عند الله
تعالى.
ثمَّ قال الكِرمانيُّ: هذه الأحاديث تَدُلّ على أنَّ العمل منسوبٌ إلى العبد، لأنَّ معنى الكَسْب
اعتبار الجِهَتينِ، فيُستَفاد المطلوب منها، ولعلَّ غَرَضَ البخاريّ في تكثير هذا النَّوع في الباب
وغيره بيانُ جواز ما نُقِلَ عنه أَنَّه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، إن صَحَّ عنه.
قلت: قد صَحَّ عنه أنَّه تَبرَّأ من هذا الإطلاق، فقال: كلُّ مَن نَقَلَ عنِّي أنّ قلت: لفظي
بالقرآن مخلوق، فقد كَذَبَ عليَّ، وإنَّما قلت: أفعال العباد مخلوقة، أخرج ذلك غُنْجار في ترجمة
البخاريَّ من ((تاريخ بُخارَى)) بسندٍ صحيح إلى محمَّد بن نَصْر المروزيِّ الإمام المشهور: أنَّه
سَمِعَ البخاريَّ يقول ذلك، ومن طريق أبي عمرو أحمد بن نَصْرِ النَّيسابوريّ الخَفّاف: أنَّه سَمِعَ
البخاريَّ يقول ذلك.

٥٩١
باب ٥٧/ح ٧٥٦٠ -٧٥٦٢
كتاب التوحيد
٥٧- باب قراءةِ الفاجرِ والمنافق، وأصواتُهم وتِلاوَتُهم
لا تُجاوِزُ حَناجِرَهم
٧٥٦٠- حدَّثْنَا هُذْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، حدَّثنا أنس، عن أبي موسى ﴾
عن النبيِّ مَّةٍ، قال: ((مَثَلُ المؤمِنِ الذي يَقْرَأُ القرآنَ كالأُتْرُجّةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها طيِّبٌ،
والذي لا يَقْرَأُ كالثَّمْرةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ولا رِيحَ لها، ومَثَلُ الفاجرِ الذي يَقْرَأُ القرآنَ كَمَثَلِ
الرَّيْجانِةِ، رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها مٍُّ، ومَثَلُ الفاجرِ الذي لا يَقْرَأُ القرآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلِةِ، طَعْمُها
مُ ولا ڕِیحَ لها».
٧٥٦١- حدَّثْنا عليٌّ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ (ح) وحدَّثني أحمدُ بنُ
صالح، حدَّثنا عَنبَسةُ، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني يحيى بنُ عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ: أنَّه
سَمِعَ مُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ: قالت عائشةُ رضي الله عنهما: سَأْلَ أُناسٌّ النبيَّ ◌َِّ عن الكُهّان، فقال:
(إِنَّهم ليسوا بشيءٍ) فقالوا: يا رسولَ الله، فإِنَّهم يُحدِّثُونَ بالشَّيءٍ يكونُ حَقّاً! قال: فقال النبيُّ ◌َّ.
(«تلكَ الكلمةُ منَ الحقِّ تَخْطَفُها الجِنِّيُّ فِيُقَرِقِرُها في أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرةِ الدَّجاجةِ، فَيَخْلِطُونَ فيه
أکثرَ مِن مئةِ گذْبةٍ)».
٧٥٦٢- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا مَهْدِيُّ بنُ ميمونٍ، سمعتُ محمَّدَ بنَ سِيرِينَ يُحدِّثُ،
عن مَعبَدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ◌ُه، عن النبيِّ وََّ، قال: ((يَخْرُجُ ناسٌ مِن قِبَلِ
المشرقِ، ويَقرَؤونَ القرآنَ لا يُجَاوِزُ/ تَراقِيَهم، يَمرُقونَ منَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ منَ الَّمِيّةِ، ٥٣٦/١٣
ثَّ لا يَعُودونَ فيه حتَّى يعودَ السَّهْمُ إلى فُوقِهِ) قيلَ: ما سِيماهُم؟ قال: ((سِيماهُمُ التَّحْليقُ)) أو
قال: ((الَّسِیدُ)).
قوله: ((باب قراءة الفاجر والمنافق، وتِلاوَتُهم لا تُجاوِز حَناجِرَهم)) قال الكِرمانيُّ: المراد
بالفاجرِ المنافقُ، بقَرِينةِ جَعَله قَسيماً للمُؤمِنِ في الحديث - يعني الأَوَّل - ومُقابِلاً له، فعَطَفَ
المنافق عليه في التَّرجمة من باب العَطْف التَّفسيريّ، قال: وقوله: (وتِلاوتُهم)) مُبْتَدَأ، وخَبَرَه:
لا يُحاوِزِ حَناجِرهم، وإنَّما جَمَعَ الضَّمير لأنَّه حكاية عن لفظ الحديث، قال: وزِيدَ في بعضها:

٥٩٢
باب ٥٧/ح ٧٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
((وأصواتهم)). قلت: هي ثابتة في جميع ما وَقَفْنا عليه من نُسَخ البخاريّ، ووَقَعَ في رواية أبي
ذَرّ: قراءة الفاجر أو المنافق، بالشكِّ، وهو يُؤيِّد تأويلَ الكِرمانيِّ، ويحتمل أن يكون للتَّويع،
والفاجر أعَمُّ من المنافق، فيكون من عَطْف الخاصّ على العامّ.
وذکر فیه ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: حديث أبي موسى - وهو الأشعَريّ -: ((مَثَل المؤمِن))، وقد تقدَّم شرحه
في فضائل القرآن (٥٠٢٠)، والسَّنَد كلُّه بَصريّونَ، ومُطابَقَته للتَّرجمةِ ظاهرة، ومُناسَبتها لما
قبلها من الأبواب أنَّ التِّلاوة مُتَفاوتة بتفاوتِ التّالي، فَيَدُلّ على أنَّها من عمله.
وقال ابن بَطّل: معنى هذا الباب أنَّ قراءة الفاجر والمنافق لا تَرتَفِع إلى الله، ولا تَزكُو عنده،
وإَّمَا يَزْكُو عنده ما أُرِيدَ به وجهُه، وكانَ عن نيّة التَّقُّب إليه، وشَبَّهَه بالرَّيحانِةِ حين لم يَنتَفِعْ بِبَرَكَةِ
القرآن ولم يَفُزْ بِحَلاوةِ أَجره، فلم يُجاوِز الطِّيبُ موضعَ الصَّوت وهو الحَلْق، ولا أَتَّصَلَ بالقلب،
وهؤلاءِ هم الذينَ يَمرُقونَ من الدِّين.
الحديث الثاني: قوله: ((عليّ)) هو ابن عبد الله بن المَدِيني، وهشام: هو ابن يوسف
الصَّنعانيُّ، ويونس في السَّنَد الثّاني: هو ابن يزيد، وابن شِهاب فيه: هو الزُّهريُّ المذكور في
الأوَّل، وقد تقدَّمَت طريق عليّ بن عبد الله المَدِينيّ في أواخر كتاب الطِّبّ (٥٧٦٢) في
باب الكَهَانة، ونَسَبَه فيها ونَسَب شيخَه كما ذكرتُ، وساقَ المتن على لفظه هناك، ووَقَعَ
عنده: أخبَرَني يحيى بن عُروةَ بن الزُّبَير أنَّه سَمِعَ عُروةَ بن الزُّبَيرِ(١).
قوله: ((سَأَلَ أُناس)) في رواية مَعمَر: ((ناس)) وهما بمعنّی.
وقوله هنا: ((يُحدِّثُونَ بالشَّيءٍ يكون حَقّاً، في رواية مَعمَر: إنَّهم يُحدِّثونَنا أحياناً بشيءٍ فيكون
حَقّاً.
قوله: ((يَخْطَفها)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((يَحَفَظُها)) بحاءٍ مُهمَلة وظاء مُشَالة والفاء قبلها،
من الحِفْظ.
(١) هذا السماع وقع في روايته هنا، أما في كتاب الطب فهو بالعنعنة.

٥٩٣
باب ٥٧/ ح ٧٥٦٢
كتاب التوحيد
قوله: ((فيُقَرقِرُها)» في رواية مَعمَر: «فيُقِرُّها)) بتشديد الرَّاء.
قوله: ((كقَرْقَرةِ الدَّجاجة)) في رواية المُستَملي: ((الزّجاجة)) بضمِّ الزّاي، وتقدَّم شرحه
مُستَوفَّى في الباب المذكور.
ومُناسَبتُه للتَّرجمة تَعرَّضَ له ابن بَطّال، ولخَّصه الكِرِمانيُّ فقال: لمشابهةِ الكاهن بالمنافقِ
من جهة أنَّه لا يَتَفِعِ بالكلمةِ الصّادِقة، لغَلَبَةِ الكذِب عليه ولفسادِ حاله، كما أنَّ المنافق لا
يَنتَفِع بقِراءَتِه لفسادٍ عقيدته. والذي يَظهَر لي من مُراد البخاريّ أنَّ تلفّظ المنافق بالقرآن كما
يَتَلفَّظ به المؤمِن، فَتَخْتَلِفِ تِلاوتُهُما والمتلوُّ واحد، فلو كان المتلوُّ عينَ التِّلاوة، لم يَقَع فيه
تَخَالُف، وكذلك الكاهن في تلفُّظه بالكلمة من الوحي التي يُخْبِرِه بها الجِنّيُّ ممّا يَخْتَطِفه من
المَلَك، تلفُّظُه بها وتلفُّظُ الجِنّيّ مُغايرٌ لتلفّظِ الملَك، فَتَفَاوَتا.
الحديث الثالث: قوله: ((عن مَعَبَد بن سِيرِينَ)) هو أخو محمَّد، وهو أكبر منه، والسَّنَد كلُّه
بَصريّونَ إلّا الصحابيّ، وقد دَخَلَ البصرة.
قوله: (يَخْرُج ناس من قِبَل المشرق)) تقدَّم في كتاب الفتن (١) أنَّهم الخوارج، وبيان مَبدَأ
أمرهم وما وَرَدَ فيهم، وكانَ ابتداءُ خروجهم في العراق، وهي من جهة المشرق بالنِّسبةِ إلى
مَكّة المشرّفة.
قوله: ((لا يُجاوز تراقِيَهم» جمع تَرقُوَة - بفتح أوَّله وسكون الرَّاء وضمّ القاف وفتح الواو -
وهي العَظْم الذي بين نُقْرة النَّحر والعاتق، وذكره في التَرجمة بلفظ: ((حَناجِرهم)) جمع
حَنجَرةٍ: وهي الحُلقوم، وتقدَّم بيان الحلقوم في أواخر كتاب العلم (١٢٠)، وقد رواه
عبد الرَّحمن بن / أبي نُعْم عن أبي سعيد بلفظ: ((حَناجِرهم))، وتقدَّم (٧٤٣٢) في ((باب قوله ٥٣٧/١٣
تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾)» من كتاب التَّوحید.
قوله: ((قيلَ: ما سِيماهُم؟)) بكسر المهمَلة وسكون التَّحتانيّة، أي: عَلَامَتهم، والسّائل عن
ذلك لم أقِفْ على تعيينِهِ.
(١) بل في استتابة المرتدِّين، عند الحديث رقم (٦٩٣٤).

٥٩٤
باب ٥٧/ح ٧٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((التَّحْليق، أو قال: التَّسْبيد)) شَكٌّ من الرَّاوي، وهو بالمهمَلةِ والموخَّدة بمعنى
التَّحليق، وقيل: أبلَغُ منه، وهو بمعنى الاستئصال، وقيل: إنْ نَبَتَ بعد أيّام، وقيل: هو
تركُ دَهْن الشَّعر وغسله.
قال الكرمانيُّ: فيه إشكالٌ، وهو أنَّه يَلَزَم من وجود العَلَامة وجودُ ذي العَلامة،
فَيَستَلِزِمِ أنَّ كلّ مَن كان محلوقَ الرّأس فهو من الخوارج، والأمر بخلاف ذلك اتَّفاقاً، ثمَّ
أجابَ بأنَّ السَّلَف كانوا لا يَحِلِقونَ رؤوسَهم إلّا للنُّسُكِ أو في الحاجة، والخوارج اتّخذوه
دَيدَناً، فصارَ شِعاراً لهم وعُرِفوا به، قال: ويحتمل أن يُراد به حلقُ الرَّأس واللِّحية وجميع
شُعورهم، وأن يُرادَ به الإفراطُ في القتل والمبالَغة في المخالفة في أمر الدِّيَانة.
قلت: الأوَّل باطل، لأنَّه لم يَقَعْ من الخوارج، والثّاني مُحْتَمَل لكنَّ طرق الحديث المتكاثرة
كالصَّريحةِ في إرادة حَلْق الرَّأس، والثّالث كالثّاني، والله أعلم.
تنبيه: وَقَعَ لابنِ بَطّال في وصف الخوارج خَبْطٌ أَرَدتُ التَّنبيه عليه لئلّا يُغْتَرَّ به، وذلك
أَنَّه قال: يُمكِن أن يكون هذا الحديث في قوم عَرَفَهم النبيُّ نَ ◌ّهِ بالوحي أنَّهم خَرَجوا
ببِدعَتِهم عن الإسلام إلى الكفر، وهم الذينَ قتلهم عليٌّ بالنَّهرَوَان حين قالوا: إنَّك رَبّنا،
فاغتاظَ عليهم وأمَرَ بهم فخُرِّقوا بالنار، فزادَهم ذلك فِتنةً وقالوا: الآن تَيقَّنّا أنَّك رَبُّنا، إذ
لا يُعذِّب بالنار إلّا الله، انتهى.
وقد تقدَّمَت هذه القصّة لعليٍّ في الفتن(١) وليست للخَوارِجِ، وإنَّما هي للَّنادِقِةِ كما وَقَعَ
مُصرَّحاً به في بعض طرقه، ووَقَعَ في ((شرح الوجيز)) للرّافعيِّ عند ذِكْر الخوارج قال: هم
فِرقة من المبتَدِعة خَرَجوا على عليٍّ، حيثُ اعتَقَدوا أنَّه يَعرِف قَتَلَةَ عثمان ويَقدِر عليهم، ولا
يَقْتَصُّ منهم لِرِضاه بقَتلِه ومُواطَأَته إيّاهم، ويَعتَقِدونَ أنَّ مَن أَتَّى كبيرة فقد كَفَرَ واستَحقّ
الخُلود في النار، ويَطعُنونَ لذلك في الأئمّة، انتهى.
وليس الوصف الأوَّل في كلامه وصفَ الخوارج المبتَدِعة، وإنَّما هو وصفُ النَّواصب
(١) بل في استتابة المرتدين برقم (٦٩٢٢).

٥٩٥
باب ٥٨
كتاب التوحيد
أتباع معاوية بصِفِّين، وأمّا الخوارج فمن مُعتَقَدِهم تكفيرُ عثمان وأنَّ قُتِلَ بحَقٌّ، ولم يزالوا
مع عليّ حتَّى وَقَعَ التَّحكيمُ بصِفّين، فأنكروا التَّحكيم وخَرَجوا على عليٍّ وكَفَّروه، وقد
تقدَّم القول فيهم مبسوطاً في كتاب الفتن.
٥٨- باب قولِ الله تعالى:
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
وأنَّ أعمال بني آدمَ وقولهم يُوزَنُ
وقال مجاهدٌ: القُسْطاسُ: العَدْلُ بِالرُّومِيّةِ.
ويقالُ: القِسْطُ مَصدَرُ المُقسِطِ، وهو العادِلُ، وأمّا القاسِطُ: فهو الجائرُ.
قوله: ((باب قولِ الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾) كذا لأبي ذَرٍّ، وسَقَطَ
لأكثرِهم: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
والموازين جمع مِيزان، وأصله: مِوْزان، فقُلِبَتِ الواو ياءً لكسرةِ ما قبلها، واختُلِفَ في
ذِكره هنا بلفظِ الجمع: هل المراد أنَّ لكلّ شخص ميزاناً، أو لكلِّ عمل ميزاناً فيكون الجمع
حقيقةً؟ أو ليس هناك إلّا ميزان واحد والجمعُ باعتبار تَعدُّد الأعمال أو الأشخاص، ويَدُلّ
على تَعدُّد الأعمال قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩]، ويحتمل أن يكون
الجمع للتَّفخيم، / كما في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] مع أنَّه لم يُرسَل ٥٣٨/١٣
إليهم إلّا واحد، والذي يَتَرجَّح أنَّه ميزان واحد، ولا يُشكِل بكَثْرةِ مَن يُوزَن عملُه، لأنَّ
أحوال القيامة لا تُكيَّف بأحوالِ الدُّنيا، والقِسْط العَدْل، وهو نَعتُ الموازين وإن كان مُفرَداً
وهي جمع، لأنَّه مَصدر.
قال الطَّبَرِيُّ: القِسْط: العَدل، وجُعِلَ وهو مُفرَد من نَعتِ الموازين وهي جمع، لأنَّه
كقولِك: عَدْلٌ ورِضاً، وقال أبو إسحاق الزَّجّاج: المعنى: ونَضَع الموازين ذواتِ القِسط،
والقِسطُ: العَدل، وهو مَصدَر يُوصَف به، يقال: ميزانٌ قِسطٌ، وميزانانِ قِسطٌ، ومَوازِينُ
قِسطٌ، وقيل: هو مفعول من أجله، أي: لأجلِ القِسط، واللّام في قوله: ﴿اليَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

٥٩٦
باب ٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
للتَّعليلِ مع حذف مُضاف، أي: لحسابٍ يوم القيامة، وقيل: هي بمعنى: في، كذا جَزَمَ به
ابن قُتَيبة واختارَه ابن مالك، وقيل: للتَّوقيتِ كقولِ النابغة:
تَوهَّمتُ آياتٍ لها فعَرَفَتُها لِستَّةِ أعوام وذا العامُ سابعُ
وحكى حَنبَل بن إسحاق في كتاب ((السُّنّة)) عن أحمد بن حَنبَل: أنَّه قال رَدّاً على مَن
أنكَرَ الميزان ما معناه: قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وذكر النبيُّ وَله
الميزان يوم القيامة، فمَن رَدَّ على النبيّ وََّ فقد رَدَّ على الله عزَّ وجلَّ.
قوله: ((وأنَّ أعمالَ بني آدم وقولهَم يُوزَن)) كذا للأكثَرِ، وللقابِسِيِّ وطائفة: ((وأقوالهم))
بصيغةِ الجمع، وهو المناسِب للأعمال وظاهرُه التَّعميم، لكن خُصَّ منه طائفتان: فمن
الكفَّار مَن لا ذَنبَ له إلّا الكفر ولم يَعمَل حسنة، فإنَّه يَقَعُ في النار من غير حِساب ولا
ميزان، ومن المؤمنين مَن لا سَيِّئَة له، وله حسنات كثيرة زائدة على مَحْض الإيمان، فهذا
يَدخُل الجنَّة بغيرِ حِساب كما في قصَّة السَّبعينَ ألفاً، ومَن شاءَ الله أن يُلحِقَه بهم، وهم
الذينَ يَمُرّونَ على الصِّراط كالبَرْقِ الخاطفِ وكالرِّيح وكأَجَاويد الخيل، ومَن عَدَا هذَينِ
من الكفَّار والمؤمنين يُحاسبونَ وتُعرَض أعمالهم على الموازين، ويَدُلّ على مُحاسَبة الكفّار
ووزن أعمالهم قوله تعالى في سورة المؤمنين [١٠٢ -١٠٥]: ﴿فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اٌلْمُفْلِحُونَ (٢) وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِنُّهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ
◌َتِى تُثْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.
ونَقَلَ القُرطُبيّ عن بعض العلماء أنَّه قال: الكافر لا ثوابَ له وعَمَلُه مُقَابَل بالعذابِ،
فلا حسنةَ له تُوزَن في موازين القيامة، ومَن لا حسنةً له فهو في النار، واستَدَلَّ بقوله تعالى:
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وبحديث أبي هريرة - وهو في (الصَّحيح))
(٤٧٢٩) - في الكافر: ((لا يَزِن عند الله جناحَ بَعُوضة))، وتُعقّبَ أنَّه مَجَازٌ عن حَقارة قَدْره،
ولا يَلَزَم منه عَدَمُ الوزن.
وحكى القُرطُبيّ في صِفَة وزن عمل الكافر وجهَينِ: أحدهما: أنَّ كفره يُوضَع في الكِفّة

٥٩٧
باب ٥٨
كتاب التوحيد
ولا يَجِدُ له حسنة يَضَعها في الأخرى، فتَطِيش التي لا شيء فيها، قال: وهذا ظاهر الآية،
لأَنَّه وَصَفَ الميزان بالِفّةِ لا الموزون، ثانيهما: قد يَقَع منه العِتقُ والبِرّ والصِّلة وسائر أنواع
الخير الماليّة، ممّا لو فَعَلَها المسلم لكانت له حسنات، فمَن كانت له حسنات جُمعَت
ووُضِعَت، غير أنَّ الكفر إذا قابَلَها رَجَحَ بها. قلت: ويحتمل أن يُجازَى بها عمَّا يَقَعُ منه من
ظُلم العباد مَثَلاً، فإن استَوَت عُذِّبَ بكُفرِه مَثَلاً فقط، وإلّا زِيدَ عذابُه بكُفرِه، أو خُفِّفَ عنه
کما في قصّة أبي طالب(١).
قال أبو إسحاق الزَّجّاج: أجمَعَ أهل السُّنّة على الإيمان بالميزان، وأنَّ أعمال العباد تُوزَن
يوم القيامة، وأنَّ الميزان له لسان وكِفَّتان ويَميل بالأعمال، وأنكَرَتِ المعتَزِلة الميزان وقالوا:
هو عبارة عن العَدْل، فخالَفوا الكتاب والسُّنّة، لأنَّ الله أخبَرَ أنَّه يَضَع الموازين لوزنٍ
الأعمال ليَرَى العبادُ أعمالهم ثُمَثَّلة، ليكونوا على أنفُسهم شاهدين، وقال ابن فُورَك:
أنكَرَتِ المعتَزِلة الميزان بناءً منهم على أنَّ الأعراض يستحيل وزنُها، إذ لا تقوم بأنفُسِها،
قال: وقد روى بعض المتكلِّمينَ عن ابن عبّاس: أنَّ الله تعالى يَقلِب الأعراض أجساماً
فیزِنها، انتھی.
وقد ذهب بعض السَّلَف إلى أنَّ الميزان بمعنى العَدْل والقضاء،/ فأسنَكَ الطَّبَرِيُّ (٣٣/١٧) ٥٣٩/١٣
من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ ﴾ قال:
إنَّما هو مَثَلٌ كما يجوز وزنُ الأعمال كذلك يجوز الحقُّ(٢)، ومن طريق ليث بن أبي سُلَيم عن
مجاهد قال: الموازين: العَدْل، والرَّاجح ما ذهب إليه الجمهور.
وأخرج أبو القاسم اللّالَكائيّ في «السُّنّة)) (٢٢٠٨) عن سلمان قال: يُوضَع الميزان وله
كِفَتَّان، لو وُضِعَ في إحداهما السَّماوات والأرض ومَن فيهنَّ لوَسِعَته، ومن طريق عبد الملك
ابن أبي سُلَيمان: ذُكِرَ الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكِفَّتان.
وقال الطِّييُّ: قيل: إنَّما تُوزَن الصُّحُف، وأمّا الأعمال فإنَّها أعراض فلا تُوصَف بثِقَلِ
(١) تقدَّم برقم (٣٨٨٣).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: الحط.

٥٩٨
باب ٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
ولا خِفّة، والحقّ عند أهل السُّنّة أنَّ الأعمال حينئذٍ تُجَسَّد أو تُجُعَل في أجسام، فتصير أعمالُ
الطّائعينَ في صورة حسنة، وأعمال المسيئينَ في صورة قبيحة ثمَّ تُوزَن.
ورَجَّحَ القُرطُبيّ أنَّ الذي يوزَن الصحائفُ التي تُكتَب فيها الأعمال، ونَقَلَ عن ابن عمر
قال: تُوزَن صحائف الأعمال، قال: فإذا ثَبَتَ هذا فالصُّحُف أجسام، فيَرتَفِع الإشكال،
ويُقوِّيه حديث البِطَاقة الذي أخرجه التِّرمِذيّ (٢٦٣٩) وحَسَّنَه، والحاكم (٦/١) وصَخَّحَه،
وفيه: ((فتُوضَع السِّجِلّات في كِفّة والبطاقة في کِفّة)) انتهى.
والصَّحيح أنَّ الأعمال هي التي تُوزَن، وقد أخرج أبو داود (٤٧٩٩) والتِّرمِذيّ (٢٠٠٢)
وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٨١) عن أبي الدَّرداء عن النبيّ ◌َّه قال: ((ما يُوضَع في الميزان يوم القيامة
أثقلُ من خُلُق حسن)).
وفي حديث جابر رَفَعَه: («تُوضَع الموازين يوم القيامة، فتُوزَن الحسنات والسَّيِّئَات، فمَن
رَجَحَت حسناتُه على سَيِّئَاتِهِ مِثْقالَ حَبّ دَخَلَ الجنَّة، ومَن رَجَحَت سَيِّئَاتُه على حسناته مِثقالَ
حَبّ دَخَلَ النار))، قيل: فمَن استَوت حسناته وسَيِّئاته؟ قال: ((أولئكَ أصحابُ الأعراف))،
أخرجه خَيْثَمة في ((فوائده)(١)، وعند ابن المبارك في ((الزُّهد))(٢) عن ابن مسعود نحوه موقوفاً،
وأخرج أبو القاسم اللّالَكائيّ في كتاب ((السُّنّة)) (٢٢٠٩) عن حُذَيفة موقوفاً: إنَّ صاحب الميزان
يوم القيامة جبريلُ عليه السلام.
قوله: ((وقال مجاهد: القِسْطاس: العَدْل بالرُّوميّةِ)) وَصَلَه الفِريابيّ في ((تفسيره)) عن سفيان
الثَّوريّ عن رجل عن مجاهد، وعن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى:
﴿وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] قال: هو العَدل بالرُّوميّة، وقال الطَّبَريُّ: معنى
قوله: ﴿وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ﴾ بالميزان، وقال ابن دُرَيدٍ مِثله، وزاد: وهو روميّ عُرِّبَ، ويقال:
قِسْطار، بالرَّاءِ آخرِه بَدَل السّين، وقال صاحب ((المشارق)): القسطاس: أعدَلُ الموازين، وهو
(١) وأخرجه أيضاً ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣١٣/١٤، وإسناده واهٍ.
(٢) في زيادات نعيم بن حماد برقم (٤١١).

٥٩٩
باب ٥٨
كتاب التوحيد
بكسر القاف وبضمِّها، وقُرِئَ بهما في المشهور (١).
قوله: ((ويقال: القِسْط مَصدَر المُقسِط، وهو العادِل، وأمّا القاسِط فهو الجائر)) قال الفَرّاء:
القاسِطونَ: الجائرونَ، والمُقسِطُونَ: العادِلونَ، وقال الرَّاغِب: القِسْط: النَّصِيب بالعَدلِ،
كالنِّصفِ والنَّصَفة، والقَسْط - بفتح القاف ـ: أن يَأْخُذ قِسطَ غيره وذلك جَور، والإقساط: أن
يُعطي غيرَه قِسطَه وذلك إنصاف، ولذلك قيل: قَسَطَ: إذا جارَ، وأقسَط: إذا عَدَلَ، وقال
صاحب ((المحكم)): القِسط: النَّصيب إذا تَقاسَموه بالسَّويّة.
وقال الإسماعيليّ مُتَعقّباً على قول البخاريّ: ((القِسط مَصدَر المُقِط)) ما نَصُّه:
القِسط: العَدْلِ، ومَصدَر المُقسِط الإقساط، يقال: أقسَطَ: إذا عَدَلَ، وقَسَطَ: إذا جارَ،
ويَرجِعان إلى معنّى مُتَقارب، لأنَّه يقال: عَدَلَ عن كذا: إذا مالَ عنه، وكذلك قَسَطَ: إذا
عَدَلَ عن الحق، وأقسَطَ كأنَّه لَزِمَ القِسط وهو العَدل، قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ
لِجَهَنَّمَ حَطَبً﴾ [الجن: ١٥]، وقال النبيّ ◌َّ: ((المُقِطونَ على مَنابِرَ من نور)) انتهى.
وكانَ من حَقّه أن يَستَشهِد للمعنى الثاني بالآية الأُخرى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ وهي في المائدة [٤٢] وفي الحُجُرات [٩]، والحديث الذي ذكره صحيحٌ أخرجه
مسلم (١٨٢٧)، وفي ((الصَّحيح)) عن أبي هريرة رَفَعَه في ذِكْر عيسى ابن مريم: ((يَنِزِل حَكَماً
مُقسِطا)(٢)، وفي الأسماء الحُسنَى: المُقْسِط، قال الحَلِيميّ: هو المُعْطي عبادَه القِسطَ - وهو
العَدْل - من نفسه، وقد يكون معناه: المُعْطي لكلِّ منهم قسطاً من خيره.
وقوله: كأنَّه لَزِمَ القِسطَ، يشير إلى أنَّ الهمزة فيه للسَّلْب، وبذلك جَزَمَ صاحب
((النِّهاية)).
وذكر ابن القَطّاع أنَّ قَسَطَ من الأضداد، وقد أجابَ ابن بَطّال عن/ اعتراض من ٥٤٠/١٣
(١) قرأها بكسر القاف من السبعة حمزة والكسائي وحفصٌ عن عاصم، وقرأ الباقون ((القُسْطاس)) بضم القاف.
«السبعة» لابن مجاهد ص ٣٨٠.
(٢) تقدم عند البخاري برقم (٢٢٢٢).

٦٠٠
باب٥٨/ح ٧٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
اعتَرَضَ على قول البخاريّ: مَصدَر المُقسِط، فقال: أرادَ بالمصدَرِ ما حُذِفَت زوائدُه، كقولِ
الشّاعر:
وإن أهلِكْ فذلك حين قَدْري
أي: تقديري، فَرَدَّه إلى أصله، وإنَّما تَحذِف العرب الزَّوائد لتَرُدَّ الكلمة إلى أصلها، وأمّا
مصدرُ المُقسِط الجاري على فِعْله فهو الإقساط.
وقال الكِرمانيُّ: المراد بالمصدَرِ المحذوفُ الَّوائد نَظَراً إلى أصله، فهو مَصدَرُ مَصدرِه، إذ لا
خَفاءَ أنَّ المصدر الجاري على فعله هو الإقساط، فإن قيل: المَزِید لا بدَّ أن یکون من چِنس
المَزِيد عليه. قلت: إمّا أن يكون من القِسْط بالكسر، وإمّا أن يكون من القَسْط بالفتح الذي هو
بمعنى الجَوْر، والهمزة للسَّلْبِ والإزالة.
٧٥٦٣ - حذَّثني أحمدُ بنُ إِشْكابٍ، حدَّنا محمّدُ بنُ فُضَيل، عن عمارةَ بنِ القَعْقاع، عن أبي
زُرْعةَ، عن أبي هُرَيرةَ عُه، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحمنِ، خَفِيفَتَانِ على
اللِّسان، تَقِيلَتانِ في الميزانِ: سُبْحانَ الله وبحَمْدِهِ، سُبْحانَ الله العظيمِ)).
قوله: ((حدَّثنا أحمدُ بن إشْكاب)) بكسر الهمزة وسكون المعجَمة وآخره موحّدة غير
مُنصَرِف، لأنَّه أعجميّ، وقيل: بل عربيّ، فَيَنصَرِف، وهو لَقَبٌ واسمه مُجُمِّع، وقيل:
مَعمَر، وقيل: عُبَيد الله، وكُنية أحمد أبو عبد الله، وهو الصَّفّار الحَضرَميّ نزيل مِصر، قال
البخاريّ: آخر ما لَقِيتُهُ بِمِصْر سنة سبع عشرة، وأرَّخَ ابن حِبّان وفاته فيها، وقال ابن
يونس: ماتَ سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة. قلت: وليس بينه وبين عليٍّ بن إشكاب ولا
محمَّد بن إشكاب قَرَابة.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن فُضَيل)) أي: ابن غَزْوانَ - بفتح المعجَمة وسكون الزّاي - ولم أرَ
هذا الحديث إلّا من طريقه بهذا الإسناد، وقد تقدَّم في الدَّعَوات (٦٤٠٦)، وفي الأيمان
والنُّدور (٦٦٨٢)، وأخرجه أحمد (٧١٦٧) ومسلم (٢٦٩٤) والِّرمِذيّ (٣٤٦٧) والنَّسائيُّ
(ك١٠٥٩٧) وابن ماجَهْ (٣٨٠٦) وابن حِبّان (٨٣١) كلّهم من طريقه، قال التِّرمِذيّ: