Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ٤٠/ح ٧٥٢٠
كتاب التوحيد
يُفَرِّق بها بين النازِل من المنارة والسّاقط منها، ولكن لا تأثير لها، بل فِعِلُه ذلك واقعٌ بقُدرةِ الله
تعالى، فتأثير قُدرَته فيه بعد قُدرة العبد عليه، وهذا هو المسمَّى بالكَسْب، وحاصل ما تُعرَف به
قُدرةُ العبد: أنَّهَا صِفَة يَتَرتَّب عليها الفِعلِ والتَّرْك عادةً، وتَفَع على وَفْق الإرادة، انتهى.
وقد أطنَبَ البخاريّ في كتاب ((خلق أفعالِ العباد)) في تقرير هذه المسألة، واستَظهَرَ
بالآيات والأحاديث والآثار الواردة عن السَّلَف في ذلك، وغَرَضُه هنا الردُّ على مَن لم
يُفَرِّق بين التِّلاوة والمتلوِّ، ولذلك أتبَعَ هذا الباب بالتَّراجِمِ المتعلّقة بذلك، مِثل باب: ﴿لَا
تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، وباب: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِهِ﴾ [الملك: ١٣](١)
وغيرهما، وهذه المسألة هي المشهورة بمسألةِ اللَّفظ، ويقال لأصحابها: اللَّفْظيّة.
واشتَكَّ إنكارُ الإمام أحمدَ ومَن تَبِعَه على مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، ويقال: إنَّ أوَّلَ مَن
قاله الحُسَين بن عليّ الكَرابِسيّ، أحد أصحاب الشافعيّ الناقلينَ لكتابِهِ القديم، فلمَّا بَلَغَ ذلك
أحمَدَ بَدَّعَه وهَجَرَه، ثمّ قال بذلك داود بن عليّ الأصبهانيّ رَأس الظّاهريّة وهو يومَئذٍ بنيسابور،
فأنكَرَ عليه إسحاقٌ، وَبَلَغَ ذلك أحمدَ، فلمَّا قَدِمَ بغداد لم يَأْذَن له في الدُّخول عليه، وجَمَعَ ابنُ أبي
حاتم أسماءَ مَن أطلَقَ على اللَّفظيّة أنَّهم جَهميّةٌ، فبَلَغُوا عَدَداً كثيراً من الأئمّة، وأفرَدَ لذلك باباً
في كتابه (الردّ على الجھمیّة)).
والذي يَتَحَصَّل من كلام المحقّقينَ منهم أنَّهم أرادوا حَسْم المادّة صَوْناً للقرآنِ أن يُوصَف
بكَونِه مخلوقاً، وإذا حُقِّقَ الأمر عليهم لم يُفصِح أحدٌ منهم بأنَّ حركة لسانه إذا قرأ قديمة.
وقال البيهقيُّ في كتاب ((الأسماء والصِّفات)): مَذْهَب السَّلَف والخَلَف من أهل الحديث
والسُّنّة أنَّ القرآن كلامُ الله، وهو صِفَة من صفات ذاته، وأمّا التِّلاوة فهم على طريقتين:
منهم مَن فَرَّقَ بين التِّلاوة والمتلوِّ، ومنهم مَن أحَبَّ ترْك القول فيه، وأمّا ما نُقِلَ عن أحمد
ابن حَنبَلِ أنَّه سوَّى بينهما، فإِنَّما أرادَ حَسْم المادّة لئلّا يَتَذَرَّع أحدٌ إلى القول بخلْقِ القرآن،
ثمَّ أُسنَدَ من طريقَينِ إلى أحمد أنَّه أنكَرَ على مَن نُقِلَ عنه أنَّه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق،
(١) هما البابان (٤٣) و(٤٤).
1

٥٠٢
باب ٤٠/ح ٧٥٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأنكَرَ على مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال: القرآن كيف تَصَرَّفَ غير مخلوق، فأخَذَ
بظاهرِ هذا الثّاني مَن لم يَفْهَم مُرادَه، وهو مُبِيَّن في الأوَّل، وكذا نَقَلَ عن محمَّد بن أسلَمَ
الطُّوسِيِّ أنَّه قال: الصَّوت من المصوِّت كلامُ الله، وهي عبارةٌ رَديئةٌ لم يُرِدْ ظاهرَها، وإنَّما
أرادَ نَفي كَون المتلوّ مخلوقاً.
ووَقَعَ نحوُ ذلك لإمام الأئمّة محمّد بن خُزَيمةَ، ثمَّ رَجَعَ، وله في ذلك مع تَلامذَته قصَّةٌ
مشهورةٌ، وقد أملَى أبو بكر الصِّبْغي(١) الفقيه أحدُ الأئمّة مِن تلامذة ابنُ خُزيمةَ اعتقادَه،
وفيه: لم يزَلِ الله مُتَكلّماً ولا مِثلَ لكلامه، لأنَّه نَفَى المِثْلَ عن صفاته كما نَفَى المِثْلَ عن ذاته،
ونَفَى النَّفَادَ عن كلامه كما نَفَى الهلاكَ عن نفسه، فقال: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَفَدَ كَلِمَتُ رَبِ﴾
[الكهف: ١٠٩] وقال: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فاستصوبَ ذلك ابنُ
خُزَيمةً ورَضِيَ به.
وقال غيره: ظنَّ بعضُهم أنَّ البخاريّ خالَفَ أحمدَ، وليس كذلك، بل مَن تَدَبَّرَ كلامَه
لم يَجِد فيه خِلَافاً مَعنَويّاً، لكنَّ العالِم من شَأْنِه إذا ابتُليَ بِرَدِّ بدعة يكونُ أكثرُ كلامه في رَدّها
دونَ ما يُقابِلها، فلمَّا ابتُليَ أحمد بمَن يقول: القرآن مخلوق، كان أكثرُ كلامه في الردّ عليهم
حتَّى بالَغَ، فأنكَرَ على مَن يَقِفُ ولا يقول: مخلوق ولا غير مخلوق، وعلى مَن قال: لفظي
بالقرآن مخلوق، لئلّا يَتَذَرَّع بذلك مَن يقول: القرآن بلفظي مخلوق، مع أنَّ الفَرق بينهما لا
يَخْفَى عليه، لكنَّه قد يَخْفَى على البعض.
وأمّا البخاريّ فابتُليَ بمَن يقول: أصوات العباد غير مخلوقة، حتَّى بالَغَ بعضهم فقال:
والمِدادُ والورَقُ بعد الكتابة، فكانَ أكثرُ كلامه في الردّ عليهم، وبالَغَ في الاستدلال بأنَّ
أفعالَ العباد مخلوقة بالآيات والأحاديث، وأطنَبَ في ذلك حتَّى نُسِبَ إلى أنَّه من اللَّفظيّة،
مع أنَّ قول مَن قال: إنَّ الذي يُسمَع من القارئ هو الصَّوت القديم، لا يُعرَف عن السَّلَف، ولا
٤٩٣/١٣ قاله أحمدُ ولا/ أئمّة أصحابه، وإنَّما سبب نسبة ذلك لأحمد قوله: مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوق
(١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: الضبعي، وضبط في (أ)، وهو نسبة إلى الصِّبْغ، وهو ما يُصبَعُ به وتُلَوَّنُ به الثيابُ.

٥٠٣
باب ٤٠/ح ٧٥٢٠
كتاب التوحيد
فهو جَهْميٌّ، فظنّوا أنَّه سوَّى بين اللَّفظ والصَّوت، ولم يُنقَل عن أحمد في الصَّوت ما نُقِلَ
عنه في اللَّفظ، بل صَرَّحَ في مواضع بأنَّ الصَّوت المسموع من القارئ هو صوت القارئ،
ويُؤيِّده حديث: ((زَيِّنوا القرآن بأصواتكم)) وسيأتي قريباً (١)، والفَرق بينهما أنَّ اللَّفظ يُضاف
إلى المتكلِّم به ابتداءً، فيقال عمَّن روى الحديثَ بلفظِهِ: هذا لفظُه، ولمَن رواه بغيرِ لفظه:
هذا معناه ولفظُه كذا، ولا يقال في شيء من ذلك: هذا صوته، فالقرآن كلامُ الله لفظُه ومعناه،
لیس هو كلام غيره.
وأمّا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] واختُلِفَ هل المراد جبريل أو الرَّسول
عليهما الصلاة والسَّلام؟ فالمراد به التَّبليغُ، لأنَّ جِبريلَ مُبلِّغٌ عن الله تعالى إلى رسوله،
والرَّسول وَ لَه مُبلِّغ للنّاسِ، ولم يُنقَل عن أحمد قَطُّ أنَّ فِعلَ العبد قديمٌ ولا صوتَه، وإنَّما
أنكَرَ إطلاق اللَّفظ، وصَرَّحَ البخاريّ بأنَّ أصوات العباد مخلوقةٌ، وأنَّ أحمد لا يُخَالِفِ ذلك،
فقال في كتاب ((خلق أفعالِ العباد)): ما يَدَّعونَه عن أحمد ليس الكثير منه بالبيِّ، ولكنَّهم لم
يَفْهَموا مُراده ومذهبَه، والمعروف عن أحمد وأهلِ العِلم: أنَّ كلام الله تعالی غیرُ مخلوقٍ، وما
سِواه مخلوقٌ، لكنَّهم كَرِهوا التَّنقيب عن الأشياء الغامضة، تَجَنَّبوا الخَوض فيها والتَّنَازُع،
إلّا ما بَيَّنِهِ الرَّسُولُ عليه الصلاة والسَّلام.
ثمَّ نَقَلَ عن بعض أهل عصره أنَّه قال: القرآن بألفاظِنا وألفاظنا بالقرآن شيءٌ واحدٌ، فالتِّلاوة
هي المتلوّ والقراءة هي المقروء، قال: فقيلَ له: إنَّ التِّلاوة فِعل التّالي، فقال: ظننتهما مَصدَرَين،
قال: فقيلَ له: أرسِلْ إلى مَن كَتَبَ عَنك ما قلتَ فاستَرِدَّه! فقال: كيف وقد مَضَى؟ انتهى.
ومُحصَّل ما نُقِلَ عن أهل الكلام في هذه المسألة خمسةُ أقوالٍ:
الأوَّل: قول المعتَزِلة: إنَّه مخلوقٌ.
والثّاني: قول الكُلَّابيّة: إنَّه قديم قائم بذات الرَّبّ، ليس بحُروفٍ ولا أصواتٍ، والموجود
بين الناس عبارةٌ عنه لا عَينُه.
(١) في باب (٥٢): الماهر بالقرآن مع سفَرة الكرام البرَرَة.

٥٠٤
باب ٤٠/ح ٧٥٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
والثّالث: قول السّالميّة: إنَّه حُروفٌ وأصواتٌ قديمةُ الأعيُنِ، وهو عَين هذه الحروف
المكتوبة والأصوات المسموعة.
والرّابع: قول الكَرّاميّة: إنَّه مُحدَثٌ لا مخلوقٌ، وسيأتي بَسْط القول فيه في الباب الذي
بعده.
والخامس: أنَّه كلام الله غير مخلوق، وأنَّه لم يزَلْ يتكلّم إذا شاءَ، نَصَّ على ذلك أحمد في کتاب
((الردّ على الجَهميّة))، وافتَرَقَ أصحابه فِرِقَتَين: منهم مَن قال: هو لازِمٌ لذاته، والحروف
والأصوات مُقتَرِنَةٌ لا مُتَعاقبةٌ، ويُسمِعَ كلامَه مَن شاءَ، وأكثرُهم قالوا: إنَّه مُتَكلُّم بما شاءَ متى
شاءَ، وأَنَّه نادَى موسى عليه السلام حين كَلَّمَه، ولم يَكُن ناداه من قبلُ.
والذي استَقَرَّ عليه قولُ الأشعَريّة: أنَّ القرآن كلامُ الله غير مخلوقٍ، مكتوبٌ في
المصاحف، محفوظٌ في الصُّدور، مَقروءٌ بالألسِنة، قال الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ
اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ ءَايَتٌ بَيِّنَتُ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]،
وفي الحديث المتفق عليه عن ابنِ عمر كما تقدَّم في الجهاد(١): ((لا تُسافروا بالقرآن إلى أرضٍ
العدوّ، كراهيةَ أن يَنالَه العدوُّ) وليس المراد ما في الصُّدور بل ما في الصُّحُف، وأجمَعَ
السَّلَف على أنَّ الذي بين الدَّفَتَيْنِ كلامُ الله.
وقال بعضهم: القرآن يُطلَق ويُرادُ به المقروءُ، وهو الصِّفة القديمة، ويُطلَق ويُرادُ به القراءةُ،
وهي الألفاظ الدّالَّة على ذلك، وبسببٍ ذلك وَقَعَ الاختلاف، وأمّا قولهم: إنَّه مُنّةٌ عن الحروف
والأصوات، فمُرادهم الكلام النَّفسيّ القائم بالذّات المقدَّسة، فهو من الصِّفات الموجودة
القديمة، وأمّا الحروف فإن كانت حَرَكاتِ أدَواتِ كاللِّسان والشَّفَتَينِ فهي أعراضٌ، وإن كانت
كتابةً فهي أجسام، وقيام الأجسام والأعراض بذات الله تعالى مُحالٌّ، ويَلزَم مَن أَثبَتَ ذلك أن
يقول بخلقِ القرآن، وهو يَأْبَى ذلك ويَفِرُّ منه، فألجأ ذلك بعضَهم إلى ادِّعاء قِدَم الحروف كما
التَزَمَتِه السّالميّة، ومنهم مَن التَّزَمَ قيام ذلك بذاته.
(١) هذا نحو لفظ مسلم (١٨٦٩)، ولفظ البخاري حكاية النهي، دون ذكر التعليل بنيل العدوّ.

٥٠٥
باب ٤٠/ ٧٥٢٠
كتاب التوحيد
ومن شِدّة الُّبس في هذه المسألة كَثُرَ نَهي السَّلَف عن الخَوض فيها، واكتَفَوا باعتقادِ أنَّ
القرآن/ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ولم يزيدوا على ذلك شيئاً، وهو أسلَمُ الأقوال، والله ٤٩٤/١٣
المستعان.
قوله: (﴿وَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾) ووَقَعَ في بعض النُّسَخِ: ((فلا تَجَعَلُوا له أنداداً
ذلك رَبّ العالمينَ)) وهو غَلَطُ.
قوله: (﴿ وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) إلى قوله:
﴿بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّكِرِينَ﴾)) ساقَ في رواية كَرِيمة الآيتينِ بكمالِما.
قال الطَّبَرَيُّ: هذا من الكلام المُوجَز الذي يُرادُ به التَّقديم، والمعنى: ولقد أُوحِيَ إليك لَئِن
أشرَكت، إلى قوله: من الخاسِرِينَ، وأوحيَ إلى الذينَ مِن قبلك مِثْلُ ما أوحيَ إليك من ذلك.
ومعنى ﴿لَيَحْبَطَنَ﴾: لَيَبطُلَنَّ ثوابُ عملِك. انتهى، والغرض هنا تشديد الوعيد على مَن أشرَكَ
بالله، وأنَّ الشِّرك مُحذَّر منه في الشَّرائع كلّها، وأنَّ للإنسان عملاً يُئاب عليه إذا سَلِمَ من الشِّرك،
ويَبطُل ثوابُه إذا أشَرَكَ.
قوله: (﴿ وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ ﴾) أشارَ بإيرادِها إلى ما وَقَعَ في بعض طرق
الحديث المرفوع في الباب كما تقدَّم في تفسير سورة الفُرقان (٤٧٦١)، ففيه بعد قوله: ((أن
تُزاني بحَليلةِ جارك)): ونَزَلَت هذه الآية تصديقاً لقولٍ رسول الله وَّةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ
مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الآيَةَ. وكأنَّ المصنّف أشارَ بها إلى تفسير الجَعْل المذكور في الآيتينِ قبلَها،
وأنَّ المراد الدُّعاءُ: إمّا بمعنى النِّداء وإمّا بمعنى العبادة وإمّا بمعنى الاعتقاد، وقد رَدَّ أحمد
على مَن تَسَّكَ من القائلينَ بخلْقِ القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَانًّا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]،
وقال: هي حُجّة في أنَّ القرآن مخلوقٌ، لأنَّ المَجعول مخلوقٌ، فناقَضَه بنحو قوله تعالى:
﴿فَلَا تَجْعَلُواْ بِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢].
وذكر ابن أبي حاتم في ((الردّ على الجَهْميّة)) أنَّ أحمد رَدَّ عليه بقوله تعالى: ﴿ فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥] فليس المعنى فخَلَقَهم. ومثله احتجاج محمَّد بن أسلَمَ الطُّوسيّ بقوله

٥٠٦
باب ٤٠/ح ٧٥٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ﴾ [الفرقان:٣٧] قال:
أَفَخَلَقَهم بعد أن أغرَفَهم؟ وعن إسحاق بن راهويه: أنَّه احتَجَّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ
شُرَّكَآءَ الْجِنَ﴾ [الأنعام: ١٠٠].
وعن نُعَيم بن حمّاد: أنَّه احتَجَّ عليه بقوله تعالى: ﴿جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]،
وعن عبد العزيز بن يحيى المكِّيّ في مُناظَرَته لبِشِرِ المَرِيسِيّ حين قال له: إنَّ قوله تعالى:
﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾ نَصِّ في أنَّه مخلوق، فناقَضَه بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ
عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١] وقوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ
بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].
وحاصل ذلك أنَّ الجَعْل جاءَ في القرآن وفي لُغة العرب لمَعانٍ متعدِّدة، قال الرَّاغِب:
((جَعَلَ)) لفظٌّ عامّ في الأفعال كلّها، ويَتَصَّف على خمسة أوجُه، الأوَّل: صارَ، نحو: جَعَلَ زيد
يقول، والثّاني: أو جَدَ، كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ اَلُلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، والثّالث: إخراج
شيءٍ من شيءٍ، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ﴾ [النحل: ٧٢]، والرّابع:
تصيير شيء على حالةٍ مخصوصة، كقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]،
والخامس: الحُكم بالشَيءٍ على الشَّيء، فمِثال ما كان منه حَقّاً قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ
وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، ومِثال ما كان باطلاً قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَا ذَرَاً
مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. انتهى، وأثبَتَ بعضهم سادساً: وهو
الوصفُ، ومَثَّلَ بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾، وتقدَّم أنَّها تأتي بمعنى
الدُّعاء والنِّداء والاعتقاد، والعلم عند الله تعالى.
قوله: ((وقال عِكْرمة .. )) إلى آخره، وَصَلَه الطَّبَرَيُّ عن هَنّاد بن السَّرِيّ عن أبي الأحوص عن
سِماك بن حَرْب عن عِكرمة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[يوسف: ١٠٦] قال: تَسألهم: مَن خَلَقَهم ومَن خَلَقَ السَّماوات والأرض؟ فيقولون: اللهُ، فذلك
إيمانهم وهم يَعبُدُونَ غيره.

٥٠٧
باب ٤٠/ح ٧٥٢٠
كتاب التوحيد
ومن طريق الفضل بن يزيد الثَّالي(١) عن عِكْرمة في هذه الآية: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم
بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال: هو قول الله: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فإذا سُئلوا عن الله وعن صِفَته، وصَفوه بغيرِ صِفَته، وجَعَلوا له ولداً
وأشرَکوا به.
وبأسانيد صحيحة عن عطاء وعن مجاهد نحوه، ويسندٍ/ حسن من طريق سعيد بن جُبَير ٤٩٥/١٣
عن ابن عبّاس قال: من إيمانهم إذا قيل لهم: مَن خَلَقَ السَّماوات ومَن خَلَقَ الأرض ومَن خَلَقَ
الجبال؟ قالوا: اللهُ، وهم به مُشِرِكونَ.
قوله: ((وما ذُكِرَ في خلق أفعال العباد)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((أعمال)) والأوَّل أكثر.
قوله: ((وأكْسابِهِم)) بالجرِّ عَطفاً على أفعال، وفي روايةٍ: ((واكتِسابهم)) بزيادةِ مُثنّةٍ، وقد
تقدَّم القول في الكَسْب(٢)، ويَأتي الإلمام به في شرح قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾(٢)
[الصافات: ٩٦].
قوله: ((لقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرً﴾)) وجه الدّلالة عُموم قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ
شَهْرٍ﴾، والكَسْب شيءٌ، فیکون مخلوقاً لله تعالى.
قوله: ((وقال مجاهد: (ما تَنَزَّلُ(٤) الملائكةُ إلّا بالحقِّ) يعني: بالرِّسالةِ والعذابِ)) وَصَلَه
الفِریابيّ عن ورقاء عن ابن أبي نَجِیح عن مجاهد.
قوله: (﴿لَيَسْتَلَ الصَّدِقِينَ﴾: المُبلِّغينَ المُؤَدِّينَ من الرُّسُل)) هو في ((تفسير الفِريابيّ)) أيضاً
(١) وقع الاسم في (س) مقلوباً إلى: يزيد بن الفضل، وتحرَّفت النسبة إلى: الثماني، وتحرَّف اسم الفضل فقط
في (أ) إلى: الفضيل، وجاء على الصواب في (ع).
(٢) في أول هذا الباب.
(٣) هو الباب رقم (٥٦).
(٤) هذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وهي بمعنى: تتنزّل، لكن بحذف إحدى التائين تخفيفاً،
وذلك شائع في لغة العرب، ويرفع الملائكة فاعل ((تنَزَّل))، وقرأ الباقون: ((نُنزِّل الملائكةَ)) بالنون والزاي
المضمومة على ما لم يُسَمَّ فاعله.

٥٠٨
باب ٤١/ح ٧٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
بالسَّنَدِ المذكور. قال الطَّبَرِيُّ: معناه أخَذتُ الميثاقَ من الأنبياء المذكورينَ كَيما أسألَ مَن أرسَلتُهم
عمَّ أجابَتْهم به أُتَمهم.
قوله: ((﴿ وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ﴾: عندنا)) هو أيضاً من قولِ مجاهد، أخرجه الفِرِيابيّ بالسَّنَدِ
المذكور.
قوله: ((﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾: القرآن، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: المؤمِنُ يقولُ يوم القيامة: هذا
الذي أعطَيْتَنِي عَمِلْتُ بما فيه)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٤/٢٤) من طريق منصور بن المعتَمِر عن
مجاهد قال: الذي جاءَ بالصِّدِقِ وصَدَّقَ به: هم أهلُ القرآن يَجِيئونَ به يومَ القيامة، يقولون: هذا
الذي أعطَيْتُمونا عَمِلنا بما فيه، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (٣/٢٤):
الذي جاءَ بالصِّدْقِ وصَدَّقَ به: رسول الله وَلّ بلا إله إلّا الله، ومن طريق لَيِّن إلى عليّ بن
أبي طالب (٣/٢٤): الذي جاءَ بالصِّدْقِ: محمَّد ◌َّهِ والذي صَدَّقَ به: أبو بكر، ومن طريق
فَتَادة بسندٍ صحيحٍ: الذي جاءَ بالصِّدْقِ: رسول الله وَ ﴿ جاءَ بالقرآن، والذي صَدَّقَ به:
المؤمنونَ، ومن طريق السُّدِّيّ: الذي جاءَ بالصِّدْقِ وصَدَّقَ به: هو محمَّد ◌َلّ.
قال الطََّرَيُّ: الأولى أنَّ المراد بالذي جاءَ بالصِّدْقِ: كلُّ مَن دَعَا إلى توحيد الله والإيمان
برسولِه وما جاءَ به، والمصدِّقِ به: المؤمِنونَ. ويُؤْيِّده أنَّ ذلك وَرَدَ عَقِب قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ﴾ الآيةَ [الزمر: ٣٢].
وأما حديث ابن مسعود فتقدّمَ شرحه في باب إثم الزُّناة من كتاب الحدود (٦٨١١)،
وذَكَرتُ ما في سنِدِه من الاختلاف على أبي وائل، والمراد هنا الإشارة إلى أنَّ مَن زَعم أنَّه يَخْلُق
فِعْلَ نفسِه يكون كمَن جَعَلَ لله نِدّاً، وقد وَرَدَ فيه الوعيدُ الشَّديدُ، فيكون اعتقاده حَراماً.
٤١- باب قوله تعالى:
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ﴾ الآيةَ [فصلت: ٢٢]
٧٥٢١- حدَّثْنا الحُميديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي مَعمَرٍ، عن
عبدِ الله ◌َهُ، قال: اجْتَمَعَ عندَ البَيْتِ ثَقَفِيّان وقُرَشِيّ - أو قُرَشيّان وثَّقَفِيٌّ - كثيرةٌ شَحْمُ بُطوِم،

٥٠٩
باب ٤١/ح ٧٥٢١
كتاب التوحيد
قليلةٌ فِقْهُ قلوبِهِم، فقال أحدهم: أتُرَوْنَ أنَّ اللهَ يَسْمَعُ ما نقولُ؟ قال الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنا
ولا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنا، وقال الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فإنَّه يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، فأنْزَلَ الله
تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَ جُلُودَكُمْ﴾ الآيةَ.
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُّكُمْ﴾ الآيةَ)) ساقَ في
رواية كَرِيمةَ الآيةَ كلَّها، ذكر فيه حديث عبد الله: وهو ابن مسعود: اجتَمَعَ عند البيت، وفيه:
يَسمَعَ إِن جَهَرنا ولا يَسمَع / إن أخفَينا، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ وقد تقدَّم ٤٩٦/١٣
شرحه في تفسير فُصِّلَت (٤٨١٦).
قال ابن بَطّال: غَرَض البخاريّ في هذا الباب إثبات السَّمْع لله، وأطالَ في تقرير ذلك، وقد
تقدَّم في أوائل التَّوحيد في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(١) [النساء: ١٣٤].
والذي أقول: إنَّ غَرَضَه في هذا الباب إثباتُ ما ذهب إليه أنَّ الله يتكلّم متى شاءَ، وهذا
الحديث من أمثِلة إنزال الآية بعد الآية على السَّبَب الذي يَقَع في الأرض، وهذا يَنفَصِل عنه
مَن ذهب إلى أنَّ الكلام صِفَةٌ قائمةٌ بذاته: أنَّ الإنزال بحَسَب الوقائع من اللَّوح المحفوظ،
أو من السماء الدُّنيا، كما وَرَدَ في حديث ابن عبّاس رَفَعَه: «نَزَلَ القرآنُ دفعةً واحدةً إلى
السماء الدُّنيا، فوُضِعَ في بيت العِزّة، ثمَّ أُنزِلَ إلى الأرض نُجوماً» رواه أحمد في ((مُسنَد)(٢)،
وسيأتي مزيد هذا في الباب الذي يليه.
قال ابن بَطّال: وفي هذا الحديث إثبات القياس الصَّحيح، وإبطال القياس الفاسد، لأنَّ
الذي قال: يَسمَع إن جَهَرنا ولا يَسمَع إن أخفَينا، قاسَ قياساً فاسِداً، لأنَّه شَبَّهَ سَمْعَ الله
تعالى بأسماع خلْقِهِ الذينَ يَسمَعونَ الجَهرَ ولا يَسمَعونَ السِّ، والذي قال: إن كان يَسمَع إن
(١) هو البابُ رقم (٩).
(٢) كذا نسبه الحافظ هنا لأحمد في «مسنده))، وهو وهمٌّ منه رحمه الله، فليس الحديث في ((مسند أحمد))، وإنما هو
عند النسائي في ((الكبرى)) (٧٩٣٦) و(١١٣٠٨) و(١١٦٢٥) وقد قدَّم الحافظُ ذكر هذا الحديث عند
شرح الحديث (٤٩٧٨)، ونسبه هو هناك لأبي عُبيد وابن أبي شيبة والنسائي والحاكم والبيهقي في ((دلائل
النبوة)»، ولم یذکر أحمد.

٥١٠
باب ٤٢/ح ٧٥٢٢ -٧٥٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
جَهَرنا فإنَّه يَسمَع إن أخفَينا، أصابَ في قياسه حيثُ لم يُشَبِّهِ اللهَ بخلْقِهِ، وَزَّهَهُ عن ◌ُماثَلَتهم،
وإِنَّمَا وَصَفَ الجميع بقِلّةِ الفِقه لأنَّ هذا الذي أصابَ لم يَعتَقِد حقيقةً ما قال، بل شَكَّ بقوله:
إن كانَ.
وقوله في وصفهم: ((كثيرة شَحْمُ بُطونِم، قليلةٌ فِقْهُ قلوبِهِم)) وَقَعَ بالرَّفع على الصِّفة ويجوز
النَّصب، وأنَّثَ الشَّحمَ والفِقهَ لإضافَتِهما إلى البُطون والقلوب، والتَّأنيث يَسري من المُضاف
إليه إلى المُضاف، أو أنَّثَ بتأويلِ شَحمٍ بِشُحومٍ، وفِقِهِ بِفُهومٍ.
٤٢ - باب قول الله تعالى:
﴿كُلَ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]
مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ ﴾ [الأنبياء: ٢]
وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وأنَّ حَدَثَه لا يُشبِهِ حَدَثَ المخلوقينَ،
لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال ابنُ مسعودٍ: عن النبيِّ وَ ◌ّهِ: ((إنَّ الله يُحدِثُ مِن أمْرِهِ ما يشاءُ، وإنَّ مََّ أحدَثَ أنْ لا
تَكلَّموا في الصلاةِ».
٧٥٢٢ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا حاتمُ بنُ وَرْدانَ، حدَّثنا أيّوبُ، عن عِكْرمةَ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كيفَ تَسْألونَ أهلَ الكتاب عن كُبِهِم؟ وعندَكم كتابُ الله
أَقْرَبُ الكتبِ عَهْداً بالله، تَقْرَؤونَه مَخْضاً لم يُشَبْ.
٧٥٢٣ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ
عبد الله بنَ عبَّاسٍ قال: يا مَعْشَرَ المسلمينَ، كيفَ تَسْألونَ أهلَ الكتاب عن شيءٍ وكتابُكم
الذي أنزَلَ اللهُ على نبيِّكم ◌َيهِ أَحدَثُ الأخبار بالله تَخْضاً لم يُشَبْ؟ وقد حَدَّثَكُمُ الله أنَّ أهلَ
الكتاب قد بَدَّلُوا مِن كُتُبِ الله وغَيَّروا، فَكَتَبوا بأيدِيهِمُ الكتبَ، قالوا: هو مِن عِنْدِ الله، لِيَشْتَروا
بذلك ثَمَناً قليلاً، أوَلا يَنْهاكم ما جاءَكم منَ العِلْمِ عن مَسْألَتِهِم؟ فلا والله ما رأينا رجلاً منهم
يَسْألُكُم عن الذي أُنزِلَ عليكم.

٥١١
باب ٤٢/ح ٧٥٢٣
كتاب التوحيد
قوله: ((بابُ قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾)) تقدَّم ما جاءَ في تفسيرها في سورة الرَّحمن في
التَّفْسير(١).
قوله:(و﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ﴾، وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْرًا﴾، وأنَّ حَدَثه لا يُشبِهِ حَدَث المَخْلوقينَ، لقولِه/ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٤٩٧/١٣
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾)) قال ابن بَطّال: غَرَضُ البخاريّ الفَرقُ بين وصفِ كلام الله تعالى بأنَّه
مخلوقٌ وبينَ وصفِه بأنَّه مُحدَثٌ، فأحالَ وصفَه بالخلْق، وأجازَ وصفه بالحَدَثِ، اعتماداً على
الآية، وهذا قول بعض المعتَزِلة وأهلِ الظّاهر، وهو خَطَأ، لأنَّ الذِّكر الموصوف في الآية
بالإحداثِ ليس هو نفسَ كلامه تعالى، لقيام الدَّليل على أنَّ مُحدَثاً ومُنشَأَ ومُخْتَرَعاً ومخلوقاً
ألفاظ مُتَرادِفة على معنًى واحدٍ، فإذا لم يَجُزُ وصف كلامِه القائمِ بذاته تعالى بأنَّه مخلوقٌ لم
يَجُزُ وصفُه بأنَّه مُحدَثٌ، وإذا كان كذلك فالذِّكر الموصوف في الآية بأنَّه مُحدَثٌ هو الرّسول،
لأَنَّ الله تعالى قد سَمّاه في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرَا ◌ْ رَسُولًا ﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]
فيكون المعنى: ما يأتيهم من رسولٍ مُحدَثٍ، ويحتمل أن يكون المراد بالذِّكرِ هنا وعظَ
الَّسول إيّاهم، وتَحذيرَه من المعاصي، فسَّاه ذِكراً، وأضافَه إليه إذ هو فاعلُه ومُقْدِرُ رسوله
على اكتسابه.
وقال بعضهم: في هذه الآية أنَّ مَرجِع الإحداث إلى الإتيان لا إلى الذِّكر القديم، لأنَّ
نزول القرآن على رسول الله ﴿ كان شيئاً بعد شيءٍ، فكانَ نزولُه تَحَدُث حِيناً بعد حِينٍ، كما
أنَّ العالِمِ يَعلَم ما لا يَعلَمه الجاهلُ، فإذا علمَه الجاهلُ حَدَثَ عنده العِلمُ، ولم يَكُن إحداثه
عند التَّعَلُّم إحداثَ عَينِ المعلّم.
قلت: والاحتمال الأخير أقرب إلى مُراد البخاريّ، لما قَدَّمتُ قبلُ أنَّ مَبنَى هذه التَّراجِم
عنده على إثبات أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ، ومُراده هنا الحَدَثُ بالنِّسبةِ للإنزال، وبذلك جَزَمَ
ابن المنیِّرِ ومَن تَبِعَه.
(١) قبل الحديث رقم (٤٨٧٨).

٥١٢
باب ٤٢/ح ٧٥٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الكِرمانيُّ: صفات الله تعالى سَلْبِيّة ووجوديّة وإضافيّة، فالأولى: هي التَّنزيهات،
والثّانية: هي القديمة، والثّالثة: الخَلْق والرِّزق، وهي حادثةٌ، ولا يَلزَم من حُدوثها تَغيُّرٌ في
ذات الله ولا في صفاته الوجوديّة، كما أنَّ تَعلُّق العِلم وتَعلُّق القُدرة بالمعلومات والمقدورات
حادثٌ، وكذا جميع الصِّفات الفِعليّة، فإذا تَقرَّرَ ذلك فالإنزال حادثٌ والمنزّلُ قديمٌ، وتَعلُّق
القُدرة حادثٌ ونفسُ القُدرة قديمةٌ، فالمذكور وهو القرآن قديمٌ والذِّكر حادثٌ.
وأمّا ما نَقَلَه ابن بَطّل عن المهلَّب ففيه نَظَر، لأنَّ البخاريّ لا يَقصِد ذلك ولا يَرضَى بما نُسِبَ
إليه، إذ لا فرق بين مخلوقٍ وحادث لا عَقلاً ولا نَقلاً ولا عُرْفاً.
وقال ابن المنيِّر: قيل: ويحتمل أن يكون مُرادُه حَمَلَ لفظ ((مُحدَث)) على ((الحديث)) فمعنى
ذِكرٍ مُحدَثٍ، أي: مُتَحدَّثٌ به، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عُبَيد الله الرَّازيِّ
أنَّ رجلاً من الجَهْميّة احتَجَّ لزَعْمِه أنَّ القرآن مخلوقٌ بهذه الآية، فقال له هشام: مُحدَث إلينا
مُحدَث إلى العباد، وعن أحمد بن إبراهيم الدَّورَقيّ نحوه، ومن طريق نُعَيم بن حَمَّاد قال:
مُحدَث عند الخلق لا عند الله.
قال: وإنَّما المراد أنَّه مُحدَثٌ عند النبيِّ وَّهِ يَعلَمُه بعد أن كان لا يَعلَمُه، وأمّا الله سبحانه
فلم يزَل عالماً، وقال في موضع آخر: كلام الله ليس بمُحدَثٍ، لأنَّه لم يزَل مُتَكلِّماً، لا أنَّه
كان لا يتكلّم حتَّى أحدَثَ كلاماً لنفسِه، فمَن زَعَمَ ذلك فقد شَبَّهَ الله بخلْقِه، لأنَّ الخلق
كانوا لا يتكلَّمونَ حتَّى أحدَثَ لهم كلاماً فتَكلَّموا به، وقال الرَّاغِب: المحدَث ما أُوجِدَ
بعد أن لم يَكُن، وذلك إمّا في ذاتِه أو إحداثِه عند مَن حَصَلَ عنده، ويقال لكلِّ ما قَرُبَ
عَهده: مُحدَث، فَعالاً كان أو مقالاً.
وقال غيره في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وفي قوله:
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرً﴾ [طه:١١٣]: المعنى يحدِث عندهم ما لم يَكُن يَعلَمُونَه، فهو
نَظِيرُ الآية الأُولى.
وقد نَقَلَ الهَرَويُّ في ((الفاروق)) بسندِه إلى حَرب الكرمانيّ: سَألت إسحاق بن إبراهيم

٥١٣
باب ٤٢/ح ٧٥٢٣
كتاب التوحيد
الخَنْظَليّ - يعني ابن راهويه - عن قوله تعالى: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾
[الأنبياء: ٢] قال: قديمٌ من رَبّ العِزّة، مُحدَثٌ إلى الأرض. فهذا هو سَلَفُ البخاريّ في ذلك.
وقال ابن التِّين: احتَجَّ مَن قال بخلْقِ القرآن بهذه الآية، قالوا: والمحدَثُ هو المخلوقُ،
والجواب أنَّ لفظ الذِّكر في القرآن يَتَصرَّف على وجوه: الذِّكر بمعنى العِلم، ومنه:
﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، والذِّكر بمعنى العِظة، ومنه: ﴿صََّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾
[ص: ١]، والذِّكر بمعنى الصلاة، ومنه: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، والذِّكر بمعنى
الشَّرَف، ومنه: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] قال: ٤٩٨/١٣
فإذا كان الذِّكر يَتَصَّف إلى هذه الأوجُه، وهي كلّها مُحُدَثَةٌ، كان ◌َملُه على إحداها أولَى،
ولأنَّه لم يَقُل: ما يأتيهم من ذكرٍ من ربّهم إلّا كان مُحدثاً، ونحنُ لا نُنكِر أن يكون من الذِّكر ما هو
مُحدَثٌ كما قلنا، وقيل: مُحدَثٌ عندهم، ومِن زائدة للتَّوكيد.
وقال الدَّاوُوديّ: الذِّكر في هذه الآية هو القرآن، وهو مُحُدَثٌ عندنا، وهو من صفاته تعالى،
ولم يزَل سبحانه بجميع صفاته، قال ابن التِّين: وهذا منه - أي: من الدَّاوُوديّ - عظيمٌ،
واستدلاله يَرُدُّ عليه، فإِنَّه إذا كان لم يزل بجميع صفاته وهو قديمٌ، فكيف تكون صِفَتُهُ مُحدَثَةً
وهو لم يزَل بها ؟ إلّا أن يريد أنَّ المحدَث غير المخلوق كما يقول البَلْخيّ ومَن تَّبِعَه، وهو ظاهر
كلام البخاريّ حيثُ قال: وأنَّ حَدَثه لا يُشِهِ حَدَث المخلوقينَ، فأثْبَتَ أَنَّه مُحدَثٌ. انتهى.
وما استَعظَمَه من كلام الدَّاوُوديّ هو بحَسَب ما تَخَيَّلَه، وإلّا فالذي يَظهَر أنَّ مُراد
الدَّاوُوديّ أنَّ القرآن هو الكلامُ القديمُ الذي هو من صفات الله تعالى، وهو غير مُحدَثٍ،
وإِنَّا يُطلَق الحَدَثُ بالنّسبةِ إلى إنزاله إلى المكلَّفِينَ، وبالنّسبةِ إلى قراءَتهم له وإقرائهم غيرَهم،
ونحو ذلك.
وقد أعادَ الدَّاوُوديّ نحوَ هذا في شرح قول عائشة: ولَشَأني في نفسي كان أحقَر من أن
يتكلّم الله فيَّ بأمرٍ يُتْلَى(١)، قال الدَّاوُوديّ: فيه أنَّ الله تَكلَّمَ ببراءةٍ عائشة حين أنْزَلَ براءَتها،
(١) تقدَّم قريباً برقم (٧٥٠٠).

٥١٤
باب ٤٢/ح ٧٥٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
بخِلَاف قول بعض الناس: إنَّه لم يتكلّم، فقال ابن التِّين أيضاً: هذا من الدَّاوُوديّ عظيمٌ، لأنَّه
يَلَزَم منه أن يكون الله تعالى مُتَكلّماً بكلام حادثٍ، فَتَحُلُّ فيه الحوادثُ تعالى الله عن ذلك، وإنّما
المراد بأنزَلَ أنَّ الإنزال هو المحدَثُ، ليس أنَّ الكلام القديمَ نَزَلَ الآن. انتهى.
وهذا مُراد البخاريّ، وقد قال في كتاب ((خلق أفعال العباد)): قال أبو عُبَيد - يعني
القاسم بن سَلّام -: احتَجَّ هؤُلاءِ الجَهميّةُ بآياتٍ، وليس فيما احتَجّوا به أشَدّ إلْباساً من
ثلاث آيات: قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرً ﴾ [الفرقان: ٢] و﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] و﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم مُحْدَثٍ﴾
[الأنبياء: ٢] قالوا: إن قلتُم: إنَّ القرآن لا شيءَ كَفَرتُم، وإن قلتُم: إنَّ المَسيح كلمة الله، فقد
أقرَرتُم أنَّه خَلْق، وإن قلتُم: ليس بمُحدَثٍ رَدَدُم القرآنَ.
قال أبو عُبَيد: أمّا قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ ثَوْءٍ﴾ فقد قال في آية أُخرى: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ
إِذَا أَرَدْتَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فأخبَرَ أنَّ خلقَه بقولِهِ(١)، وأوَّلُ خلقه هو من
الشَّيء(٢) الذي قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَهْرٍ﴾، وقد أخبَرَ أنَّه خَلَقَه بقوله، فدَلَّ على أنَّ كلامه
قبل خلقه، وأمّا المَسيح فالمراد أنَّ الله خَلَقَه بكلمتِه لا أنَّه هو الكلمة لقوله: ﴿أَلْقَنِهَا إِلَى
مَرْيَ﴾ [النساء: ١٧١] ولم يَقُل: ألقاه، ويَدُلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ
ءَادَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ, كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] وأمّا الآية الثّالثة فإِنَّا حَدَثَ القرآنُ عند
النبيّ وََّ وأصحابه لما عَلَّمَه ما لم يَعلَم.
قال البخاريّ: والقرآن كلام الله غيرُ مخلوق، ثمَّ ساقَ الكلام على ذلك إلى أن قال:
سمعت عُبَيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد - يعني القَطّان - يقول: ما زِلت
(١) جاءت العبارة في ((خلق أفعال العباد)) الفقرة (١١١): فأخبر أنَّ أول خلق خلقه بقوله، بزيادة عبارة
((أول خلقٍ))، والظاهر أنها مقحمة، فليس في الآية المذكورة ذكر أوليّة في الخلق، وإنما فيها أنَّ الخلق
يكون بقول الله: كن، ولم ترد هذه الزيادة في الأصلين عندنا ولا في (س)، وهو الصواب، والله تعالى
أعلم.
(٢) في (س): هو من أول الشيء، بإقحام لفظة ((أول))، ولا معنى لها هنا.

٥١٥
باب ٤٢/ح ٧٥٢٣
كتاب التوحيد
أسمَعُ أصحابَنا يقولون: إنَّ أفعالَ العباد مخلوقةٌ، قال البخاريّ: حَرَكاتهم وأصواتهم
وأكسابهم وكتابَتهم مخلوقة، فأمّا القرآن المتلوِّ المبيّنُ المثبَتُ في المصاحف المسطورُ المكتوبُ
الموعَى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلقٍ.
قال: وقال إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن راهويه -: فأمّا الأوعية فمَن يَشُكّ في
خلقها، قال البخاريّ: فالمِداد والورَق ونحوه خلْقٌ، وأنتَ تَكتُب ((الله))، فالله في ذاته هو
الخالق، وخَطُّك من فِعلك وهو خَلْق، لأنَّ كلّ شيء دونَ الله هو بصُنعِه. ثمَّ ساقَ حديث
حُذَيفة رَفَعَه (١١٧): ((إنَّ الله يَصنَع كلَّ صانع وصَنْعَتَه))(١)، وهو حديث صحيح.
قوله: ((وقال ابن مسعود، عن النبيّ وَله: إنَّ الله يُحدِث من أمْره ما يشاء، وإنَّ مََّ أحْدَثَ أنْ
لا تَكلَّموا في الصلاة» هذا طَرَف من حديث أخرجه أبو داود (٩٢٤) واللَّفظ له، وأحمد
(٣٥٧٥)، والنَّسائيّ (١٢٢١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٢٢٤٣) من طريق عاصم بن أبي
النَّجُود عن أبي وائل / عن عبد الله، قال: كنَّا نُسلِّم في الصلاة ونَأمُر بحاجَتِنا، فقَدِمت على ٤٩٩/١٣
رسول الله ◌َ﴿ وهو يُصَلّي، فسَلَّمت عليه فلم يَرُدّ عليَّ السَّلامَ، فَأَخَذَني ما قَدُمَ وما حَدُثَ،
فلمَّا قَضَى صلاتَه قال: ((إنَّ الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإنَّ الله قد أحدَثَ أن لا تَكَلَّموا
في الصلاة))، وفي رواية النَّسائيّ: ((وإنَّ مَا أَحدَثَ))(٢).
وأصل هذه القصَّة في ((الصحيحين)) من رواية عَلقَمة عن ابن مسعود، لكن قال فيها: ((إنَّ
في الصلاة لَشُغلاً))، وقد مضى في أواخر الصلاة (١١٩٩ و١٢١٦)، وفي هِجرة الحبشة (٣٨٧٥)،
وتقدّم شرحه في الصلاة، وليس فيه مقصود الباب.
ثم ذكر حديث ابن عباس موقوفاً من وجهين:
قوله: ((كيف تَسْألونَ أهل الكتاب عن كُتُبهم؟)) هذه رواية عِكرمة عنه، ورواية عُبَيد الله
(١) وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣٥٧) و(٣٥٨)، والحاكم ٣١/١ و٣٢، والبيهقي في «الأسماء
والصفات)) (٣٧)، وغيرهم.
(٢) لم نقف عليه عنده بهذا اللفظ، وإنما هو بهذا اللفظ عند أحمد (٤٤١٧).

٥١٦
باب ٤٢/ح ٧٥٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عبد الله - وهو ابن عُتبةَ - عنه: يا مَعشَر المسلمينَ، كيف تَسألونَ أهل الكتاب عن
شيءٍ؟
قوله: ((وعندَكم كتابُ الله أقرَبُ الكتب عَهْداً بالله)) هذه رواية ◌ِكرمة، ورواية ◌ُبيد الله:
وكتابُكم الذي أنزَلَ اللهُ عليكم أحدَثُ الأخبار بالله، أي: أقرَبُها نزولاً إليكم وأخباراً من الله
سبحانه وتعالى. وقد جَرَى البخاريُّ على عادته في الإشارة إلى اللَّفظ الذي يريده وإیرادِهِ
لفظاً آخَرَ غيرَه، فإنَّه أورَدَ أثرَ ابن عبّاس بلفظ: أقرَب، وهو عنده في الموضع الآخَر بلفظ:
أحدَث، وهو أليَقُ بِمُرادِه هنا.
وقد جاءَ نَظِيرُ هذا الوصف من كلام كعب الأحبارِ منسوباً إلى الله سبحانه وتعالى، فأخرج
ابن أبي حاتم بسند حسن عن عاصم بن بهدلة عن مُغیث بن سُميّ قال: قال کعب: علیکم
بالقرآن، فإنَّه أحدَثُ الكتب عَهْداً بالرَّحمن، زاد في رواية أُخرى عن كَعب: وإنَّ الله تعالى
قال في التَّوراة: يا موسى إنّي مُنزلٌ عليك تَوراةً حديثة، أفتَحُ بها أعيُناً عُمياً، وآذاناً صُمّاً،
وقلوباً غُلْفاً.
قوله: ((تَقْرَؤونَه مَخْضاً لم يُشَبْ)) هذا آخر حديث ◌ِكرمة، وقوله: لم يُشَب، بضمٍّ أوَّله
وفتح الشّين المعجمة وسكون الموحّدة، أي: لم يخالطه غيرُه، وزاد ◌ُبيد الله في روايته: وقد
حَدَّثَكم الله أنَّ أهل الكتاب قد بَدَّلوا مِن كُتُب الله وغَيَّروا ... إلى آخره، يشير إلى قوله:
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِيبِهِمْ﴾ إلى ﴿يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ١٩].
وقوله: ((ليَشتَروا بذلك)) في رواية المُستَملي: لَيَشتَروا به.
وقوله: ((عن الذي أُنزِلَ عليكم)) في رواية المُستَملي: إليكم.
وقوله: ((جاءَكم من العِلم)) إسناد المجيءٍ إلى العِلم كإسنادِ النَّهي إليه.
قوله: ((فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يَسْألُكُمْ)) فيه تأكيد الخبر بالقَسَمِ، وكأنَّه يقول: لا
يَسألُوزكم عن شيء مع عِلمهم بأنَّ كتابَكم لا تَحريف فيه، فكيف تَسألونَهم وقد علمتُم أنَّ
كتابَهم مُحرَّفٌ؟!

٥١٧
باب ٤٣/ح ٧٥٢٤
كتاب التوحيد
٤٣ - باب قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]
وفِعْلِ النبيِّ ◌ََّ حِينَ یُنزَلُ عليه الوحيُّ.
وقال أبو هُرَيرةَ: عن النبيِّ ◌َّ: «قال الله عزَّ وجلَّ: أنا معَ عبدي إذا ذَكَرني، وتَحَّكَتْ بي
شفتاهُ)).
٧٥٢٤ - حدَّثنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ،
عن ابنِ عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿لَا تُحُرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ قال: كانَ النبيُّنَّه يُعالِجُ مِنَ الَّْزِيلِ شِدّةً، وكانَ
يُحُرِّكُ شَفَتَهِ، فقال لي ابنُ عبَّاسٍ: فأنا أُحَرِّكُهما لك كما كانَ رسولُ الله ◌ِِّ مُرِّكُهما؟ فقال سعيدٌ: أنا
أُخَرِّكُهما كما كانَ ابنُ عبَّاسِ يُجرِّكُهما، فحَرَّكَ شَفَتَّهِ، فَأَنزَلَ الله عزَّ وجلّ: ﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ
◌ِهِ= ٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧] قال: جمعُه في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَّعْ
قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قال: فاستَمِعْ له وأنصِتْ، ثمّ إنَّ علينا أنْ تَقْرَأَه، قال: فكانَ رسولُ الله وَّه إذا
أتاه جِبْرِيلُ عليه السلام اسْتَمَعَ، فإذا انطَلَقَ جِبْرِيلُ قرَأَه النبيُّوَّلَ كَما أَقْرَآهُ جِبْريلُ.
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ﴾) يعني إلى آخر الآية.
قوله: ((وفِعْل النبيّ وََّ حين يُنْزَل عليه الوَحْيُ))/ قد بيَّنه في حديث الباب بأنَّه كان يُعالِج شِدّة ٥٠٠/١٣
من أجل تَحَفُّظه، فلمَّا نَزَلَت صارَ يَستَمِع، فإذا ذهب الملَك قرأه كما سَمِعَه.
قوله: ((وقال أبو هريرة، عن النبيّ ◌َّه: قال الله عزَّ وجلَّ: أنا مع عبدي إذا ذكرني)» في رواية
الكُشْمِيهَنِيّ: ((ما ذكرني)) ((وَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاه)) هذا طَرَف من حديث أخرجه أحمد (١٠٩٧٥)،
والبخاريّ في ((خلق أفعال العباد)) (٤٣٦)، والطّرانُّ(١) من رواية عبد الرَّحمن بن یزید بن جابر
عن إسماعيل بن عُبَيد الله بن أبي المهاجر عن كَرِيمة بنت الحَسْحاس - بمُهمَلاتٍ - عن أبي
هريرة، فذكره بلفظ: ((إذا ذكرني))(٢)، وفي روايةٍ لأحمد (١٠٩٧٦): حدَّثنا أبو هريرة ونحنُ في
بيت هذه - يعني أمّ الدَّرداء -: أنَّ سَمِعَ رسول الله ◌َّهِ.
(١) وهو أيضاً في ((الأوسط)) (٦٦٢١)، و((مسند الشاميين)) (٥٦٢) و(١٤١٧).
(٢) الذي في المطبوع من ((خلق أفعال العباد)): ((ما ذكرني)).

٥١٨
باب ٤٣/ح ٧٥٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل))(١) من طريق ربيعة بن يزيد الدِّمَشقيّ عن إسماعيل بن
عُبَيد الله قال: دَخَلت على أمّ الدَّرداء فلمَّا سَلَّمتُ جَلستُ، فسمعتُ كَرِيمةً بنت الحَسحاس
- وكانت من صَوَاحب أم(٢) الدَّرداء - قالت: سمعت أبا هريرة ﴾ وهو في بيت هذه- تُشیر
إلى أمّ الدَّرداء -: سمعت أبا القاسم وَّه يقول، فذكره بلفظ: ((ما ذكرني))، وأخرجه أحمد
(١٠٩٦٨) أيضاً، وابن ماجه (٣٧٩٢)، والحاكم(٣) من رواية الأوزاعيِّ عن إسماعيل بن
عُبَيد الله عن أمّ الدَّرداء عن أبي هريرة، ورواه ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٨١٥) من رواية
الأوزاعيِّ عن إسماعيل عن كَرِيمة عن أبي هريرة.
ورَجَّحَ الحُفّاظ طريق عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر ورَبيعة بن يزيد، ويحتمل أن يكون عند
إسماعيل عن كَرِيمة وعن أمّ الدَّرداء معاً(٤)، وهذا من الأحاديث التي عَلَّقَها البخاريّ ولم يَصِلها
في موضع آخر من کتابه، وبالله التوفيق.
قال ابن بَطّال: معنى الحديث: أنا مع عبدي زمانَ ذِكره لي، أي: أنا معه بالحِفِظِ والكِلاءة، لا
أَنَّه معه بذاته حيثُ حَلَّ العبدُ، ومعنى قوله: «تَحَرَّكَت بِي شَفَتَاه)) أي: تَحَرَّكَت باسمي، لا أنَّ
شَفَتَيْه ولسانه تَتَحرَّك بذاته تعالى، لاستحالةِ ذلك. انتهى مُلخَّصاً.
وقال الكِرمانيُّ: المعيّة هنا معيّة الرَّحمة، وأمّا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾
[الحديد: ٤] فهي معيّة العِلم، يعني فهذه أخَصُّ من المعيّة التي في الآية.
(١) لم نقف عليه في ((الدلائل))، وهو عند البيهقي في ((الدعوات الكبير)) (١٤)، وفي ((شعب الإيمان)) (٥٠٩)،
والظاهر أنَّ الحافظ رحمه الله أراد أن يذكر ((الدعوات)) فذكر ((الدلائل)) خطأً، لأنه نسبه في ((تغليق التعليق))
٣٦٤/٥ إلى ((الدعوات)) ولم يذكر ((الدلائل))، والله أعلم.
(٢) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: أبي، وسقط ذكر البيهقي من (ع)، والتصويب من ((تغليق التعليق)) للحافظ ٣٦٤/٥،
موافقاً لما في ((الدعوات)) و((شعب الإیمان)).
(٣) کذا وقعت رواية الحاكم للحافظ كما بيّنه في «إتحاف المهرة» (٢٠٨٥٥) و(٢٠٨٥٨)، حیث ذکره في مسند أبي
هريرة، مع أنَّ الذي في أصلين خطيين عتيقين عندنا من ((المستدرك)) أنه من رواية أم الدرداء عن أبي الدرداء،
وكذلك وقع في ((تلخيص المستدرك)) للذهبي ١/ ٤٩٦.
(٤) وهو الذي صحَّحه المزي في ((تهذيب الكمال)) في ترجمة كريمة المذكورة.

٥١٩
باب ٤٤/ح ٧٥٢٥
كتاب التوحيد
ثمَّ ذكر حديث ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ قال: كان النبيّ ◌َّـ
يُعالِجِ من التَّزيل شِدّةً، الحديث، وهو من أوضَح الأدِلّة على أنَّ القرآن يُطلَق ويُرادُ به
القراءةُ، فإنَّ المراد بقوله: ﴿قُرْءَانَهُ﴾ في الآيتينِ القراءةُ لا نفسُ القرآن، وقد تقدَّم شرحه في
بَدْء الوحي (٥).
قال ابن بَطّال: غَرَضُه في هذا الباب أنَّ تحريك اللِّسان والشَّفَتَينِ بقراءةِ القرآن عملٌ له
يُؤْجَر عليه. وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنََّعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] فيه إضافة الفِعل إلى الله تعالى،
والفاعل له مَن يَأمُرُه بفِعلِه، فإنَّ القارئ لكلامه تعالى على النبيّ وَله هو جِبريل، ففيه بيانٌ
لكلِّ ما أشكَلَ من كلّ فِعل يُنسَب إلى الله تعالى ممّا لا يَلِيق به فِعلُه، من المَجيء والتُّرول
ونحو ذلك، انتهى.
والذي يَظهَر أنَّ مُراد البخاريّ بهذَينِ الحديثَينِ الموصول والمعلَّق، الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ
قراءة القارئ قديمةٌ، فأبانَ أنَّ حركة لسان القارئ بالقرآن من فِعل القارئ بخِلَاف المقروء، فإنَّه
كلامُ الله القديم، كما أنَّ حركة لسان ذاكر الله حادثةٌ من فعله، والمذكور وهو الله سبحانه وتعالى
قديمٌ، وإلى ذلك أشارَ بالتَّراجِمِ التي تأتي بعد هذا.
٤٤ - باب قول الله تعالى:
﴿وَأَسِرُوْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُ واْبِّ إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِفُ الْخِيرُ﴾
﴿ يَتَخَفَتُونَ﴾ [طه: ١٠٣]: يَتَسارُونَ.
٧٥٢٥ - حدَّثني عَمْرو بنُ زُرارةَ، عن هُشَيْمٍ، أخبرنا أبو بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال:
نَزَّلَتْ ورسولُ اللهِِّ مُخْتَفٍ بِمَكّةَ، فكانَ إذا صَلَّى بأصحابه رَفَعَ صوتَه بالقرآنِ، فإذا سَمِعَه
المُشْرِكونَ سَبُّوا القرآنَ، ومَن أنزَلَه، ومَن جاءَ به، فقال الله لنبيِّه /َّ: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ ﴾ ٥٠١/١٣
أي: بقراءَتِكَ، فَيَسْمَعَ المُشْرِكونَ فِيَسُبُّوا القرآنَ ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابكَ، فلا تُسْمِعُهم
﴿وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سِيلًا﴾.

٥٢٠
باب ٤٤/ح ٧٥٢٦ -٧٥٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
٧٥٢٦- حدَّثْنَا عُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ
رضي الله عنها، قالت: نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿ وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ في الدُّعاءِ.
٧٥٢٧ - حدَّثنا إسحاقُ، حدّثنا أبو عاصمِ، أخبرنا ابنُ جُرَيْجِ، حدّثنا ابنُ شِھابٍ، عن أبي
سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((ليسَ مِنّا مَن لم يَتَغنَّ بالقرآن)».
وَزادَ غَيْرُهُ: نَجِهَرُ به.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَرِ أَجْهَرُواْ بَِّ إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ، أَلَا يَعْلَمُ
مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَيرُ﴾ [الملك: ١٣-١٤])) أشارَ بهذه الآية إلى أنَّ القول أعمّ من أن يكون
بالقرآن أو بغيرِه، فإن كان بالقرآن فالقرآن كلام الله، وهو من صفات ذاته، فليس بمخلوقٍ
لقيام الدَّليل القاطِع بذلك، وإن كان بغيرِه فهو مخلوق، بدليل قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ
خَلَقَ﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن بَطّال: مُراده بهذا الباب إثبات العِلم لله صِفَةً ذاتيّةً، لاستواءِ عِلمه بالجَهرِ من
القول والسِّ، وقد بيَّنه بقوله في آية أُخرى: ﴿سَوَاءٌ مِّنْكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ،﴾
[الرعد:١٠]، وأنَّ اكتساب العبد من القول والفعل لله تعالى لقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾،
ثَّ قال عَقِب ذلك: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ فدَلَّ على أنَّه عالم بما أسَرّوه وما جَهَروا به، وأَنَّه
خالقٌ لذلك فيهم، فإن قيلَ: قوله: ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ راجِعٌ إلى القائلينَ، قيل له: إنَّ هذا الكلام
خَرَجَ مَخَرَجَ التَّمَدُّح منه بعِلمِه بما أسَرَّ العبدُ وجَهَرَ، وأنَّه خَلَقَه، فإنَّه جَعَلَ خَلْقه دليلاً على
كَونه عالماً بقولهم، فيَتَعَيَّن رُجوع قوله: ﴿خَلَقَ﴾ إلى قولهم لَيَتِمّ تَمَدُّحه بالأمرَينِ المذكورين،
وليكونَ أحدهما دليلاً على الآخَر، ولم يُفرِّق أحدٌ بين القول والفعل، وقد دَلَّتِ الآية على أنَّ
الأقوال خلْقُ الله تعالى، فوجَبَ أن تكون الأفعال خلقاً له سبحانه وتعالى.
وقال ابن المنيِرِ: ظنَّ الشّارح أنَّه قَصَدَ بالتَّرجمةِ إثبات العِلم، وليس كما ظنَّ، وإلّا
لَتَقَاطَعَتِ المقاصد ممَّا اشْتَمَلَت عليه التَّرجمة، لأنَّه لا مُناسَبة بين العِلم وبین حديث: ((ليس
مِنَّ مَن لم يَتَغْنَّ بالقرآن))، وإنَّما قَصَدَ البخاريّ الإشارة إلى النُّكتة التي كانت سببَ مِنَّتَه بمَسألةِ