Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١٠
باب ٣٢
كتاب التوحيد
هو ابن أبي سَلَمة التِّنّيسِيّ، بمُثّةٍ ونون ثقيلة مكسورة، وأبو سَلَمة أبوه لم أقِف على اسمه،
والمراد منه قوله فيه حكاية عن موسى: ((سَتَجِدُني إن شاءَ الله صابِراً). وفيه إشارةٌ إلى أنَّ
قولَ ذلك يُرجَى فيه النُّجْحُ ووقوعُ المطلوب غالباً، وقد يَتَخلَّف ذلك إذا لم يُقدِّر اللهُ
وقوعه، كما سيأتي مِثاله في الحديث الآخر.
الحديث السادس عشر: حديث أبي هريرة: ((نَنزِل غَداً إن شاءَ الله بخَيفٍ بني كِنانة))
وقد تقدَّم بأتمّ من هذا في كتاب الحجّ (١٥٨٩)، وتقدَّم شَرحُه أيضاً.
الحديث السابع عشر: حديث عبد الله بن عمر: حاصَرَ النبيّ وَّرِ الطّائف، الحديث، وقد
تقدَّم شَرحُه في الغَزَوات (٤٣٢٥)، وبيان الاختلاف على أبي العبَّاس تابِعِيِّهِ: هل هو عن
عبد الله بن عمر، بضمِّ العين أو بفتحِها؟ وبيان الصَّواب من ذلك، وذُكِرَ هنا لقولِه: «إنّا قافلونَ
غَداً إن شاءَ الله)) مرَّتَينٍ، فما قَفَلوا في الأولى، وقَفَلوا في الثّانية.
٣٢- باب قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَّهُ، حَتَّىَ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمَّ قَالُواْ
اَلْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّالْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وَلَمْ يَقُل: ماذا خَلَقَ رَبُّكم.
وقال جلَّ ذِكرُه: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥].
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾)) وساقَ إلى آخر ٤٥٣/١٣
الآية، ثمّ قال: ولم يَقُل: ماذا خَلَقَ رَبّكم. قال ابن بَطّال(١): استَدَلَّ البخاريّ بهذا على أنَّ
قولَ الله قديمٌ لذاته قائم بصفاته، لم يزَلْ موجوداً به، ولا يزال كلامه لا يُشبِهِ كلامَ
المخلوقينَ، خِلافً للمُعتَزِلةِ التي نَفَت كلام الله، وللكُلَّابيّة في قولهم: هو كِناية عن الفعل
والتَّكوين، وتَسَّكوا بقولِ العرب: قلتُ بَيَدي هكذا(٢)، أي: حَرَّكتُها، واحتَجّوا بأنَّ
الكلام لا يُعقَل إلّا بأعضاءٍ ولسان، والباري مُنَّهُ/ عن ذلك، فَرَدَّ عليهم البخاريّ بحديثٍ ٤٥٤/١٣
(١) ونقله ابن بطال عن المهلّب، انظر ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٤٩١. وليس فيه للكُلَّابيّة ذِكْرٌ!
(٢) تحرَّف في (س) إلى: هذا.

٤٢٢
باب ٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
الباب والآية، وفيه أنَّهم إذا ذهب عنهم الفَزَع قالوا لمن فوقهم: ماذا قال رَبُّكم؟ فدَلَّ ذلك
على أنَهم سَمِعوا قولاً لم يَفْهَموا معناهُ من أجل فَزَعِهم، فقالوا: ماذا قال؟ ولم يقولوا: ماذا
خَلَقَ؟ وكذا أجابَهم مَن فوقهم من الملائكة بقولهم: قالوا: الحقّ. والحقّ أحد صِفَتَي
الذّات الذي لا يجوز عليها غيره، لأنَّه لا يجوز على كلامه الباطل، فلو كان خلقاً أو فعلاً
لَقالوا: خَلَقَ خلقاً إنساناً أو غيره، فلمَّا وصَفوه بما يُوصَف به الكلامُ لم يَجُز أن يكون
القول بمعنى التَّكوين. انتهى، وهذا الذي نَسَبَه للكُلّابِيّة (١) بعيدٌ من كلامهم، وإنَّما هو كلام
بعض المعتَزِلة.
فقد ذكر البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)) (٥٥) عن أبي عُبَيدِ القاسم بن سَلّامٍ: أنَّ
المَرِيسِيّ قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]:
هو كقولِ العرب: قالت السماء فأمطَرَت، وقال الجِدار هكذا: إذا مالَ، فمعنى قوله:
﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾: إذا كَوَّنّاه، وتَعقَّبَه أبو عُبَيد بأنَّه أُغلوطة، لأنَّ القائل إذا قال: قالت السماء، لم
يكن كلاماً صحيحاً حتَّى يقول: فأمطَرَت، بخِلَاف مَن يقول: قال الإنسان، فإنَّه يُفهَم منه
أنَّه قال كلاماً، فلولا قوله: فأمطَرَت، لكانَ الكلام باطلاً، لأنَّ السماء لا قولَ لها، فإلى هذا
أشارَ البخاريّ، وهذا أوَّل باب تَكلَّمَ فيه البخاريّ على مَسألة الكلام، وهي طويلة الذَّيل،
قد أكثرَ أئمّة الفِرَق فيها القولَ.
ومُلخَّص ذلك قال البيهقيُّ في كتاب ((الاعتقاد)): القرآن كلام الله، وكلام الله صِفَة من
صفات ذاته، وليس شيء من صفات ذاته مخلوقاً ولا مُحدَثاً ولا حادثاً، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلو كان القرآن مخلوقاً لكانَ مخلوقاً بكُن،
ويستحيل أن يكون قولُ الله لشيءٍ بقول، لأنَّه يُوجِب قولاً ثانياً وثالثاً، فيَتَسَلسَل وهو
فاسِد، وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ ل عَلَّمَ الْقُرْءَانَ آ خَلَقَ الْإِنسَنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣]
فخَصَّ القرآن بالتَّعليم، لأَنَّه كلامُه وصِفَتُه، وخَصَّ الإنسان بالتَّخليق، لأنَّه خَلْقُه ومَصنوعُه،
(١) ذكرنا قبلُ أنه لم يَرِدْ في ((شرح ابن بطال)» المطبوعِ ذِكْرٌ للكُلَّابِيّة.

٤٢٣
باب ٣٢
كتاب التوحيد
ولولا ذلك لَقال: خَلَقَ القرآن والإنسان، وقال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾
[النساء: ١٦٤]، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلِّم قائماً بغيرِه، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ
يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية [الشورى: ٥١]، فلو كان لا يُوجَد إلّا مخلوقاً في شيء مخلوق، لم
يكن لاشتراطِ الوجوه المذكورة في الآية معنًى، لاستواءِ جميع الخلق في سماعه عن غير الله،
فبَطَلَ قولُ الجَهميّةِ: أنَّه مخلوق في غير الله، ويَلزَمهم في قولهم: إنَّ الله خَلَقَ كلاماً في
شَجَرة كَلَّمَ به موسى، أن يكون مَن سَمِعَ كلام الله من مَلَك أو نبيّ أفضَل في سماع الكلام
من موسى، ويَلْزَمهم أن تكون الشَّجَرة هي المتكلِّمة بما ذَكَر اللهُ أنَّه كَلَّمَ به موسى، وهو
قوله: ﴿إِنَِّىّ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَأْ فَعْبُدُنِى﴾ [طه: ١٤]، وقد أنكَرَ الله تعالى قولَ المشركينَ: ﴿إِنْ
هَذَآ إِلَّا قَوْلُ اَلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥].
ولا يُعتَرَض بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ، لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] لأنَّ معناه: قول تَلَقّاه عن
رسول كريم، كقوله تعالى: ﴿فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ولا بقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ
قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، لأنَّ معناه سَمَّيناه قرآناً، وهو كقوله: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ
تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، وقوله: ﴿مَا
يَأْنِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ ﴾ [الأنبياء: ٢]، فالمراد أنَّ تنزيله إلينا هو المحدَثُ لا الذِّكرُ
نفسُه، وبهذا احتَجَّ الإمام أحمد.
ثمَّ ساقَ البيهقيُّ(١) حديث نِيار - بكسر النُّون وتخفيف التَّحتانيّة - بن مُكرَم: أنَّ
أبا بكر قرأ عليهم سورة الرّوم، فقالوا: هذا كلامك أو كلام صاحبك؟ قال: ليس
كلامي ولا كلامَ صاحبي، ولكنَّه كلامُ الله. وأصل هذا الحديث أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٩٤)
مُصَحِّحاً.
وعن عليّ بن أبي طالب(٢): ما حَكَّمتُ مخلوقاً، ما حَكَّمتُ إلّ القرآنَ، ومن طريق سفيان
(١) في (الاعتقاد)) ص ١٠٢.
(٢) أخرجه عنه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٥٢٥).

٤٢٤
باب ٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عُيَينةَ(١): سمعت عمرو بن دينار وغيره من مَشَيَخَتِنا يقولون: القرآن كلام الله لیس
بمخلوقٍ.
وقال ابن حَزم في ((الِلَل والنِّحَل)): أجمَعَ أهلُ الإسلام على أنَّ الله تعالى كَلَّمَ موسى،
وعلى أنَّ القرآن كلامُ الله، وكذا غيره من الكتب المنزَّلة والصُّحُف، ثمَّ اختَلَفوا: فقالت
٤٥٥/١٣ المعتزلة: إنَّ كلام الله / صِفَةُ فعل مخلوقٍ، وأنَّه كَلَّمَ موسى بكلام أحدَثَه في الشَّجَرة، وقال
أحمد ومَن تَبِعَه: كلام الله هو عِلمه لم يَزَل وليس بمخلوقٍ، وقالت الأشعَريّة: كلام الله
صِفَة ذات لم تَزَل، وليس بمخلوقٍ، وهو غير عِلم الله، وليس لله إلّا كلامٌ واحدٌ، واحتُجَّ
لأحمد بأنَّ الدَّلائل القاطِعة قامت على أنَّ الله لا يُشبِهه شيءٌ من خلقه بوجهٍ من الوجوه،
فلمَّا أن كان كلامُنا غيرَنا، وكان مخلوقاً، وَجَبَ أن يكون كلامُه سبحانه وتعالى ليس غیرَه،
وليس مخلوقاً، وأطالَ في الردّ على المخالِفِينَ لذلك.
وقال غيره: اختَلَفوا: فقالت الجَهميّةُ والمعتَزِلة وبعض الزَّيديّة والإماميّة وبعض
الخوارج: كلام الله مخلوق، خَلَقَه بمَشيئتِه وقُدرَته في بعض الأجسام، كالشَّجَرةِ حين كَلَّمَ
موسى، وحقيقته قولهم: إنَّ الله لا يتكلّم، وإن نُسِبَ إليه ذلك فبطريق المجاز، وقالت
المعتَزِلة: يتكلّم حقيقةً لكن يَخلُق ذلك الكلام في غيره، وقالت الكُلَّبيّة: الكلام صِفَة
واحدة قديمة العين، لازِمة لذات الله كالحياة، وأنَّه لا يتكلّم بمَشيئتِه وقُدرَته، وتكليمه لمن
كَلَّمَه إِنَّما هو خلقُ إدراكِ له يُسمَع به الكلام، ونِداؤُه لموسى لم يزل لكنَّه أسمَعَه ذلك النِّداء
حين ناجاه، ويُحكَى عن أبي منصور الماتريديّ من الحَنَفيّة نحوه، لكن قال: خَلَقَ صوتاً
حین ناداه فأسمَعَه كلامه.
وزَعَمَ بعضهم أنَّ هذا هو مُراد السَّلَف الذينَ قالوا: إنَّ القرآن ليس بمخلوقٍ، وأخَذَ
بقولِ ابن كُلَّاب: القَلَانِسِيُّ(٢) والأشعَريّ وأتباعهما، وقالوا: إذا كان الكلام قديماً لعَينِه
(١) أخرجه من طريقه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٥٣١)، و ((الاعتقاد)) ص ١٠٥.
(٢) تحرَّف في (س) إلى القابسي. وإنما هو القلانسيّ، واسمه أحمد بن عبد الرحمن بن خالد الرازيّ، من معاصري أبي
الحسن الأشعري، ذكره ابن عساكر في ((تبين كذِبِ الْمُفُتري)» ص ٣٩٨.

٤٢٥
باب ٣٢
كتاب التوحيد
لازِماً لذات الرَّبّ، وثَبَتَ أنَّه ليس بمخلوقٍ، فالحروف ليست قديمة، لأنَّهَا مُتَعاقبة،
وما كان مسبوقاً بغيرِه لم يكن قديماً، والكلام القديم معنّى قائمٌ بالذّات لا يَتعدَّد ولا
يَتَجَزَّأ، بل هو معنّى واحدٌ، إن عُبِّرِّ عنه بالعربيّةِ فهو قرآن، أو بالعِبرانيّةِ فهو تَوراة
مَثَلاً.
وذهب بعض الحنابلة وغيرهم إلى أنَّ القرآن العربيّ كلام الله وكذا التَّوراة، وأنَّ الله لم
يَزَل مُتَكلِّماً إذا شاءَ، وأَنَّه تَكلَّمَ بحُروفِ القرآن، وأسمَعَ مَن شاءَ من الملائكة والأنبياء
صوتَه، وقالوا: إنَّ هذه الحروف والأصوات قديمة العين لازِمة الذّات ليست مُتَعاقبة،
بل لم تَزَل قائمةً بذاته مُقْتَرِنةً لا تُسبَقُ، والتَّعاقُب إنَّما يكون في حَقّ المخلوق بخِلَاف
الخالق.
وذهب أكثر هؤُلاءِ إلى أنَّ الأصوات والحروف هي المسموعة من القارئينَ، وأبَى ذلك
كثير منهم، فقالوا: ليست هي المسموعة من القارئينَ.
وذهب بعضهم إلى أنَّه يَتكَلَّمُ بالقرآن العربيّ بمَشيئتِه وقُدرَته بالحروفِ والأصوات
القائمة بذاته، وهو غير مخلوق، لكنَّه في الأزَل لم يتكلّم لامتِناع وجود الحادث في
الأزَل، فكلامه حادث في ذاته لا مُحُدَث، وذهب الكَرّاميّة إلى أنَّه حادث في ذاته
ومُحُدَث، وذكر الفَخر الرَّازيّ في ((المطالب العاليَة)) أنَّ قول مَن قال: إنَّه تعالى يَتكَلَّمُ
بكلام يقوم بذاته وبمَشيئِه واختياره هو أصَحّ الأقوال نَقلاً وعقلاً، وأطالَ في تقرير
ذلك.
والمحفوظ عن ◌ُهور السَّلَف تركُ الخَوضِ في ذلك والتعمُّقِ فيه، والاقتصارُ على القول بأنَّ
القرآن كلام الله، وأنَّه غير مخلوق، ثمَّ السُّكوت عمّ وراء ذلك، وسيأتي الكلام على مَسألة اللَّفظ
حيثُ ذكره المصنّف بعدُ إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال جلَّ ذِكرُه: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾)) زَعَمَ ابن بَطّال أنَّه أشارَ
بذلك إلى سبب التُّول، لأنَّه جاءَ أنَّهم لمَّا قالوا: شُفَعاؤُنا عند الله الأصنامُ نَزَلَت، فأعلَمَ اللهُ أنَّ

٤٢٦
باب ٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
الذينَ يَشفَعونَ عنده من الملائكة والأنبياء إنَّمَا يَشفَعونَ فيمَن يَشفَعونَ فيه بعد إذنه لهم في
ذلك. انتھی.
ولم أقِف على نَقلِ في هذه الآية بخُصوصِها، وأظنّ البخاريّ أشارَ بهذا إلى ترجيح قول
مَن قال: إنَّ الضَّمير في قوله: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] للملائكة، وأنَّ فاعل الشَّفاعة في
قوله: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَةُ﴾ هم الملائكة، بدليل قوله بعد وصف الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ
إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، بخلاف قول مَن زَعَمَ أنَّ الضَّمير
للكفَّار المذكورينَ في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ، فَأَتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠] كما
نَقَلَه بعض المُفسِّرِينَ، وزَعَمَ أنَّ المراد بالتَّفزيع حالة مُفارَقة الحياة، ويكون اتِّباعهم إيّاه
٤٥٦/١٣ مُستَصحَباً إلى/ يوم القيامة على طريق المجاز، والجُملة من قوله: ﴿ قُلِ أَدْعُواْ ﴾ إلى آخره،
مُعتَرِضة، وحَلَ هذا القائلَ على هذا الزَّعْم أنَّ قوله: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣]
غايةٌ لا بدَّ لها من مُغيّا، فاذَّعَى أنَّه ... ما ذكره.
وقال بعض المُفسِّرينَ من المعتَزِلة: المراد بالَّعمِ الكفر في قوله تعالى: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ أي:
تَادَيتُم في الكفر إلى غاية التَّفْزيع، ثمَّ تَرَكتُمْ زَعمكم وقلتُم: قال: الحقّ، وفيه التِفات من
الخِطاب إلى الغَيبة، ويُفهَم من سياق الكلام أنَّ هناك فزعاً مَّن يَرجو الشَّفاعة، هل يُؤذَن له
بالشَّفاعةِ أو لا؟ فكأنَّه قال: يَتَرَبَّصونَ زماناً فِزِعِينَ حتَّى إذا كُشِفَ الفَزَع عن الجميع بكلام
يقولُه الله في إطلاق الإذن تَبَاشَروا بذلك، وسألَ بعضهم بعضاً: ماذا قال رَبّكُم؟ قالوا:
الحقّ، أي: القول الحقّ، وهو الإذن في الشَّفاعة لمن ارتَضَى.
قلت: وجميع ذلك مُخالِف لهذا الحديث الصَّحيح، ولأحاديث كثيرة تُؤيِّده، قد ذَكَرت
بعضها في تفسير سورة سبأ، وسأُشيرُ إليها هنا بعدُ، والصَّحيح في إعرابها ما قاله ابن عَطيّة،
وهو أنَّ المُغيّا محذوف، كأنَّه قيلَ: ولا هم شُفَعاء كما تَزِعُمونَ، بل هم عنده ◌ُمتَئِلونَ لأمرِهِ
إلى أن يَزول الفَزَع عن قلوبهم، والمراد بهم الملائكة، وهو المطابِقِ للأحاديثِ الواردة في
ذلك، فهو المعتمَد، وأمّا اعتراض مَن تَعقَّبَه بأنَّهم لم يزالوا مُنقادينَ، فلا يَلزَم منه دفع ما

٤٢٧
باب ٣٢/ح ٧٤٨١ -٧٤٨٢
كتاب التوحيد
تَأوَّلَه، لكنَّ حَقّ العِبارة أن يقول: بل هم خاضعونَ لأمرِهِ، مُرتَقِبونَ لما يَأتيهم من قِبَله،
خائفون أن یکون ذلك من أمر السّاعة إلی أن یُکشف عنهم ذلك، بإخبار چبریل بما أُمر به
من إبلاغ الوحي للُّسُلِ، وبالله التَّوفيقُ.
ثُمَّ ذکر فیه سِتّة أحاديث:
وقال مسروقٌ: عن ابنِ مسعودٍ: إذا تَكلَّمَ الله تَبَارَكَ وتعالى بالوَحْي سَمِعَ أهلُ السَّماوات،
فإذا فُزِّعَ عن قلوبِهِم وسَكَنَ الصَّوتُ عَرَفوا أنَّه الحقُّ، ونادَوْا: ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَ﴾
[سبأ: ٢٣].
وَيُذْكُرُ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن عبدِ الله بنِ أَنْيَسٍ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّه يقولُ: (يَخْشُرُ اللهُ
العبادَ، فيُنادِيهم بصوتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كما يَسْمَعُهُ مَن قَرُّبَ: أنا الملِكُ، أنا الذَّيّانُ)).
٧٤٨١- حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن عِكْرمةَ، عن أبي هُرَيرةَ،
يَبْلُغُ به النبيَّ ◌َّهِ، قال: ((إذا قَضَى الله الأمرَ في السماءِ، ضَرَبَتِ الملائكةُ بأجْنِحَتِها خُضْعاناً
لقولِه، كأنَّه سِلْسِلةٌ على صَفْوانٍ. قال عليٌّ: وقال غيرُه: صَفْوانٍ يَنفُذُّهم ذلك. فإذا فُزِّعَ عَن
قُلُوُبهم قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكم، قالُوا للذي قال: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّالكَبِيرُ)).
قال عليٌّ: وحدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنَا عَمْرٌو، عن عِكْرمةَ، عن أبي هُرَيرةَ، بهذا.
قال سفيانُ: قال عَمْرٌو: سمعتُ عِكْرمةَ، حدَّثنا أبو هُرَيرةَ.
قال عليٌّ: قلتُ لسفيانَ، قال: سمعتُ عِكْرمةَ، قال: سمعتُ أبا هُرَيرةَ؟ قال: نَعَم.
قلتُ لسفيانَ: فإنَّ إنساناً رَوَى عن عمرو بن دينارٍ، عن عِكْرمةً، عن أبي هُرَيرةَ يرفعُه: أنَّه
قرأ: ((فُرِّغ)) قال سفيانُ: هكذا قرأْ عَمْرٌو، فلا أدْري سَمِعَه هكذا أمْ لا.
قال سفيانُ: وهي قراءتُنا.
٧٤٨٢- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّنَا اللَّيْثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ
عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هُرَيرةَ، أَنَّه كانَ يقولُ: قال رسولُ الله ◌َّةِ: «ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ للنبيِّ

٤٢٨
باب ٣٢/ح ٧٤٨٣ - ٧٤٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
يَتَغِنَّى بالقرآنِ)» وقال صاحبٌ له: تَجِهَرُ به.
٧٤٨٣- حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا أبو صالح،
عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ عَثُ، قال: قال النبيُّ ◌َِّ: ((يقولُ الله: يا آدمُ، فيقولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ،
فيُنادِي بصوتٍ: إنَّ الله يَأْمُرُكَ أنْ تُخْرِجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْئاً إلى النار)).
٧٤٨٤- حدَّثْنَا عُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غِرْتُ على خَدِيجةَ، ولقد أمَرَه اللهُ أنْ يُبِشِّرَها
بَبَيْتٍ مِنَ الجنَّة.
الحديث الأول:
قوله: ((وقال مسروق: عن ابن مسعود: إذا تَكلَّمَ الله تبارك وتعالى بالوَحْيِ سَمِعَ أهل
السَّماوات، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم وسَكَنَ الصَّوْتِ، عَرَفوا أنَّه الحقّ، ونادَوْا: ﴿مَاذَا قَالَ
رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ﴾)) ووَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنِيِّ: وثَبَتَ، بمُثَلَّثةٍ وموحّدة مفتوحتين،
بَدَل: وسَكَنَ. هكذا ذكر هذا التَّعليق مُختصَراً، وقد وَصَلَه البيهقيُّ في ((الأسماء
والصِّفات)) (٤٣٢) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صُبَيح - وهو أبو
الضُّحَى - عن مسروق، وهكذا أخرجه أحمد(١) عن أبي معاوية، ولفظه: إنَّ الله عزَّ
وجلَّ إذا تَكلَّمَ بالوحي سَمِعَ أهل السماء للسماءِ صَلصَلة كَجَرِّ السِّلسِلة على الصَّفا
فيُصعَقونَ، فلا يزالونَ كذلك حتَّى يَأتيهم جِبريل، فإذا جاءَهم جِبريل فُزِّعَ عن
قلوبهم، قال: ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربُّكم؟ قال: فيقول: الحقَّ، قال: فيُنادُونَ:
الحقَّ الحقَّ.
قال البيهقيُّ: ورواه (٢) أحمد بن أبي سُرَيج الرَّازيّ وعليّ بن إشكاب وعليّ بن مسلم،
ثلاثتهم عن أبي معاوية مرفوعاً، أخرجه أبو داود في ((السُّنَن)) (٤٧٣٨) عنهم، ولفظه مِثله،
(١) في كتاب ((السنة)) (٥٣٧)، واللفظ الذي ذكره الحافظ هو لفظ رواية البيهقي.
(٢) وقد أخرجه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٤٣٤) من طريق هؤلاء الثلاثة المذكورين.

٤٢٩
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
كتاب التوحيد
إلّا أنَّه قال: ((فيقولون: ماذا قال رَبّك؟)) قال(١): ورواه شُعْبة عن الأعمَش موقوفاً، وجاءً
عنه مرفوعاً أيضاً. قلت: وهكذا رواه الحسن بن محمَّد الزَّعفَرانيّ(٢) عن أبي معاوية
مرفوعاً.
وأخرجه البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (٤٦٥) من رواية أبي حمزة السُّكَّريّ عن
الأعمَش بهذا السَّنَد إلى مسروق قال: مَن كان يُحدِّثنا بتفسيرِ هذه الآية لولا ابنُ مسعود، سألناه
عنه، فذكره موقوفاً باللَّفظِ المذكور في ((الصَّحيح)). ثمَّ ساقَه (٤٦٦) من طريق حفص بن غياث
عن الأعمش، قال: بهذا.
وأخرجه ابن أبي حاتم في كتاب ((الردّ على الجَهميّةِ))(٣) عن عليّ بن إشكاب مرفوعاً،
وقال: هكذا حَدَّثَ به أبو معاوية مُسنَداً، ووَجَدته بالكوفةِ موقوفاً، ثمَّ أخرجه من رواية
عبد الله بن نُمَير(٤) وشُعْبة(٥) كِلاهُما عن الأعمَش موقوفاً، ومن رواية شُعْبة عن منصور
والأعمش معاً، ومن رواية الثَّوْريّ(٦) عن منصور كذلك، وهكذا رواه عبد الرّحمن بن محمَّد
المحاربيّ(٧) وجَرير(٨) عن الأعمَش موقوفاً، ورواه فُضَيل بن عِيَاض عن منصور عن أبي
الضُّحَى، ورواه الحسن بنُ عُبَيد الله(٩) النَّخَعَيّ عن أبي الضُّحَى مرفوعاً، وأخرجه ابن أبي حاتم
من طريق السُّدِّيّ عن أبي مالك عن مسروق كذلك.
(١) الضمير للبيهقي.
(٢) ذكر ابن خير الإشبيلي في ((فهرسته)) (٢٢٩) أن له أربعة أجزاء في الحديث مسندة، وقد أخرجه من طريقه
اللالكائي في «أصول الاعتقاد)» (٥٤٨).
(٣) لم نقف عليه مطبوعاً، وقد ذكر نحو مقالته عبد الله بن أحمد في ((السنة)) بإثر (٥٣٧).
(٤) وأخرجه من طريقه أيضاً عبد الله بن أحمد في ((السنة)) (٥٣٧).
(٥) وأخرجه من طريقه ابن خزيمة في ((التوحيد)) ٣٥١/١ -٣٥٢.
(٦) ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة ٣٥٣/١.
(٧) ومن طريقه أخرجه أبو بكر النّجاد في ((الرد على من يقول القرآن مخلوق)) (٥).
(٨) وأخرجه من طريقه عبد الله بن أحمد في ((السنة)) (٥٣٧)، وعنه أبو بكر النجّاد (٦).
(٩) تحرَّف في (أ) إلى: عبد الله بالتكبير.

٤٣٠
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأغفَلَ أبو الحسن بن المُفضّل(١) في الجزء الذي جَمَعَه في الكلام على أحاديث الصَّوت
٤٥٧/١٣ هذه الطُّرق كلّها، واقتَصَرَ على طريق المحاربي(٢) فتَقَلَ كلام مَن تَكلَّمَ فيه، واستَنَدَ (٣)/ إلى أنَّ
الجَرحِ مُقدَّم على التَّعديل، وفيه نَظَر، لأنَّه ثقة مُخرَّجُ حديثُه في (الصحيحين)) ولم يَنفَرِد به،
وقد نَقَلَ ابن دقيق العيد عن ابن المُفَضَّل - وكان شيخَ والده -: أنَّه كان يقول فيمَن خُرِّجَ
له في ((الصحيحين)): هذا جازَ القَنطَرة، وقَرَّرَ ابنُ دَقيق العيد ذلك بأنَّ مَنِ اتَّفَقَ الشَّيخان
على التَّخريج لهم ثَبَتَت عَدَالتهم بالاتِّفاق بطريق الاستلزام، لاتِّفاق العلماء على تصحيح
ما أخرَجاه، ومِن لازِمه عَدالة رواته إلى أن تَتَبيَّن العِلّة القادحة بأن تكون مُفسَّرَةً، ولا تَقبَلُ
التَّويلَ.
قوله: ((سَمِعَ أهل السَّماوات)) في رواية أبي داود وغيره: ((سَمِعَ أهل السماء للسماءِ
صَلصَةً كَجَرِّ السِّلسِلة على الصَّفا))، ولبَعضِهم: ((الصَّفوان)) بَدَل: ((الصَّفا))، وفي رواية
الثَّوْريّ: الحديد، بَدَل: السِّلسِلة. وفي رواية شيبانَ بن عبد الرّحمن عن منصور عند ابن أبي
حاتم: مِثل صوت السِّلسِلة. وعنده(٤) من رواية عامر الشَّعْبيّ عن ابن مسعود: سَمِعَ مَن
دونه صوتاً كَجَرِّ السِّلسِلة. ووَقَعَ في حديث النَّاس بن سَمْعان عند ابن أبي حاتم(٥): ((إذا
تَكلَّمَ الله بالوحي أخَذَتِ السَّماوات منه رَجفة)) أو قال: ((رِعدة شديدة من خَوف الله، فإذا
سَمِعَ ذلك أهل السَّماوات صَعِقوا وخَرّوا لله سُجَّداً)، وكذا وَقَعَ قوله: ((وَيَخِرّونَ سُجَّدا))
في رواية أبي مالك، وكذا في رواية سفيان وابن نُمَير المشار إليها، ووَقَعَ في رواية شُعْبة:
فِيَرَونَ أنَّه من أمر السّاعة فيَفزَعونَ.
(١) تحرَّف في (س) إلىز الفضل.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: البخاري.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: وأسند.
(٤) وهو أيضاً عند الطبري في تفسيره)) ٢٢/ ٩٠.
(٥) وهو أيضاً عند ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥١٥)، ومحمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢١٦)،
والطبري في تفسيره) ٩١/٢٢. وابن خزيمة في «التوحيد)) ٣٤٨/١ - ٣٤٩، وغيرهم، وسيعزوه الحافظ قريباً
للطبراني، وهو عنده في ((مسند الشاميين)) (٥٩١).

٤٣١
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
كتاب التوحيد
الحديث الثاني:
قوله: «ويُذْكَر عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أُنَيْس)) بنونٍ ومُهْمَلَةٍ مُصغَّر: هو
الْجُّهَنيّ، كما تقدَّم في كتاب العلم (١)، وأنَّ الحديث الموقوف هناك طَرَف من هذا الحديث
المرفوع، وتقدَّم بيان الحِكمة في إيراده هناك بصيغةِ الجَزم وهنا بصيغةِ التَّمريض،
وساقَ هنا من الحديث بعضه، وأخرجه بتمامه في ((الأدب المفرَد)) (٩٧٠)، وكذا أخرجه
أحمد (١٦٠٤٢) وأبو يَعلَى (٢) والطَّبَرانيُّ (١٤٩١٤) كلّهم من طريق همَّام بن يحيى عن
القاسم بن عبد الواحد المكِّيّ عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، أنَّه سَمِعَ جابر بن
عبد الله يقول، فذكر القصّة، وأوَّل المتن المرفوع: ((يَحَشُّر الله الناس يوم القيامة - أو قال:
- العباد، عُراة غُرْلاً مُهما)) قال: قلنا: وما بُهْماً؟ قال: ((ليس معهم شيء، ثمَّ يناديهم))
فذكره، وزاد بعد قوله: ((الدَّيّان)): ((لا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يَدخُل النار، وله
عند أحد من أهل الجنَّة حَقٌّ حتَّى أَقُصَّه منه، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنَّة أن يَدخُل
الجنَّة، ولأحدٍ من أهل النار عنده حَقّ حتَّى أَقُصَّه منه حتَّى اللَّطْمة)) قال: قلنا: كيف؟
وإنّا إنَّما نَأتي عُرْاة بُهْماً، قال: (الحسنات والسَّيِّئَات)) لفظ أحمد عن يزيد بن هارون عن
هَمَّام. وعبد الله (٣) بن محمَّد بن عَقيل مُختَلَفٌ في الاحتجاج به، وقد أشرتُ إلى ذِكر مَن
تابَعَه في كتاب العلم.
وقوله: ((غُرْلاً) بضمِّ المعجمة وسكون الرَّاء، وقد تقدَّم بيانه في الرِّقاق في شَرح حديث
ابن عبّاس (٦٥٢٤)، وفيه: ((حُفاة)) بَدَل قوله: (بُهما)) وهو بضمِّ الموحّدة وسكون الهاء،
قيل: معناه الذينَ لا شيء معهم، وقيل: المجهولونَ، وقيل: المُتَشابِهِو الألوانِ، والأوَّل الموافِق
لما هنا.
(١) بين يدي الحديث (٧٨).
(٢) هو في ((مسنده الكبير)) الذي برواية أبي بكر بن المقرئ الأصبهاني، فقد أخرجه من طريقه الضياء المقدسي
في «مختارته)» ٩/ (١٠).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: عُبيد الله. بالتصغير.

٤٣٢
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فيناديهم بصوتٍ يَسْمَعه مَن بَعُدَ كما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ)) ◌َلَه بعض الأئمّة على مجاز
الحذف، أي: يَأْمُر مَن ينادي، واستَبعَدَه بعضُ مَن أثبَتَ الصَّوت بأنَّ في قوله: ((يَسمَعه مَن
بَعُدَ)) إشارةً إلى أنَّه ليس من المخلوقات، لأنَّه لم يُعهَد مِثْلُ هذا فيهم، وبأنَّ الملائكة إذا
سَمِعُوه صَعِقُوا كما سيأتي في الكلام على الحديث الذي بعده، وإذا سَمِعَ بعضهم بعضاً لم
يَصعَقوا، قال: فعلى هذا فصَوتُهُ(١) صِفَة من صفات ذاته لا تُشبِه صوت غيره، إذ ليس
يُوجَد شيء من صفاته في صفات المخلوقينَ، هكذا قَرَّرَه المصنِّف في كتاب ((خلق أفعال
العباد)).
وقال غيره: معنى ((يناديهم)): يقول، وقوله: ((بصوتٍ)) أي: مخلوق غير قائم بذاته،
والحِكمة في كَونه خارقاً لعادة الأصوات المخلوقة المُعتادة التي يَظهَرِ النَّفاوت في سماعها
بين البعيد والقريب: هي أن يُعلَم أنَّ المسموع كلامُ الله، كما أنَّ موسى لمَّا كَلَّمَه الله كان
يَسمعه من جميع الجِهات.
٤٥٨/١٣
وقال البيهقيُّ: الكلام ما يَنطِق به المتکلُّم وهو مُستَقِرّ في نفسه، کما جاء في حديث عمر
يعني في قصَّة السَّقيفة، وقد تقدَّم سياقه في كتاب الحدود (٦٨٣٠)، وفيه: وكنت زَوَّرْتُ في
نفسي مَقالةً، وفي رواية: هَيَّتُ في نفسي كلاماً، قال: فسَمّاه كلاماً قبل التكلُّم به، قال: فإن
كان المتكلِّم ذا تَخَارِجَ سُمِعَ كلامُه ذا حُروف وأصوات، وإن كان غيرَ ذي تَخَارِجَ فهو
بِخِلاف ذلك، والباري عزَّ وجلَّ ليس بذي تَخارجَ، فلا يكون كلامه بحُروفٍ وأصوات،
فإذا فهِمَه السّامع تَلاه بحُروفٍ وأصوات.
ثُمَّ ذكر (٣) حديث جابر عن عبد الله بن أُنَيس، وقال: اختَلَفَ الحُفّاظ في الاحتجاج
بروايات ابن عَقيل لسوءِ حِفظه، ولم يَتْبُت لفظ الصَّوت في حديث صحيح عن النبيّ وَّل
غير حديثه، فإن كان ثابتاً فإنَّه يرجع إلى غيره، كما في حديث ابن مسعود يعني الذي قبله،
وفي حديث أبي هريرة يعني الذي بعده، أنَّ الملائكة يَسمَعونَ عند حصول الوحي صوتاً،
(١) في (س): فصفاته. وهو خطأ.
(٢) في ((الأسماء والصفات)) (٦٠٠).

٤٣٣
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
كتاب التوحيد
فيحتمل أن يكون الصَّوت للسماءِ، أو للمَلَكِ الآتي بالوحي، أو لأجنِحةِ الملائكة، وإذا
احتُمَلَ ذلك لم يكن نصّاً في المسألة، وأشارَ في موضع آخر إلى أنَّ الرَّاوي أرادَ: فينادي نِداءً،
فعَبَّرَ عنه بقوله: ((بصوتٍ)). انتَهَى.
وهذا حاصل كلام مَن يَنفي الصَّوت من الأئمّة، ويَلزَم منه أنَّ الله لم يُسمِع أحداً من
ملائكته ورُسُله كلامه، بل ألهَمَهم إيّاه.
وحاصل الاحتجاج للنَّفي الرُّجوع إلى القياس على أصوات المخلوقينَ، لأنَّها التي
عُهِدَ أنَّهَا ذات تَخَارِجَ، ولا يَخْفَى ما فيه، إذ الصَّوت قد يكون من غير تَخَارج، كما أنَّ الرُّؤية
قد تكون من غير اتِّصال أشِعّة كما سَبَقَ، سَلَّمْنا، لكن يُمنَعُ القياسُ المذكور، وصفات
الخالق لا تُقاس على صِفَة المخلوق، وإذا ثَبَتَ ذِكرُ الصَّوت بهذه الأحاديث الصَّحيحة
وَجَبَ الإيمان به، ثَمَّ إمّا التَّفويض وإمّا التَّأويل، وبالله التَّوفيق.
قوله: ((الدَّان)) قال الحَلِيمَيّ: هو مأخوذ من قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الّذِينِ﴾ وهو:
المحاسِب المجازي لا يُضَيِّع عمَل عاملٍ. انتهى، ووَقَعَ في مُرسَل أبي قِلَابَةَ: ((البِرّ لا يَبَلَى،
والإثم لا يُنسى، والدَیّان لا يموت، وگُن کما شئت، كما تَدین تُدان)» ورجاله ثقات أخرجه
البيهقيُّ في ((الزُّهد)) (٧١٠)، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في تفسير سورة الفاتحة، وقال
الكِرْمانيُّ: المعنى لا مَلِك إلّا أنا ولا مجازي إلّا أنا، وهو من حَصر المُبتَدَأ في الخبر، وفي
هذا اللَّفظ إشارة إلى صِفَة الحياة والعلم والإرادة والقُدرة، وغيرها من الصِّفات المتَّفَق
عليها عند أهل السُّنّة.
وقوله في آخر الحديث: ((قال: الحسنات والسَّيِّئَات))(١) يعني أنَّ القِصاص بين المُتَظالمينَ إِنَّا
يَقَع بالحسنات والسَّيِّئَات، وقد تقدَّم بيان ذلك في الرِّقاق، وتقدَّم أيضاً من حديث أبي هريرة
(٦٥٣٤) مرفوعاً: ((قِبَل أخيه مَظلمة))(٢).
(١) يعني في الرواية المطولة لحديث جابر مما طوى البخاريُّ ذكره هنا.
(٢) بل لفظه هناك: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه)).

٤٣٤
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثالث:
قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله)) هو ابن المدينيّ، وسفيان: هو ابن عُبَينَةَ، وقد تقدَّم بهذا السَّنَد
والمتن في تفسير سورة الحِجر (٤٧٠١) وسياقه هناك أتمُّ، وتقدَّم مُعظَم شرحه هناك.
قوله: ((يَبْلُغ به النبيَّ ◌َلّ) في رواية الحميديّ عن سفيان كما تقدَّم في تفسير سورة سَبَأ
(٤٨٠٠): إنَّ النبيّ لنَّ قال.
قوله: ((إذا قَضَى الله الأمر في السماء)) وَقَعَ في حديث ابن مسعود المذكور أوَّلاَ: ((إذا تَكلَّمَ الله
بالوحيٍ)) وكذا في حديث النَّاس بن سَمعان عند الطََّرانيّ(١).
قوله: ((ضَرَبَتِ الملائكةُ بأجْنِحَتِها) في حديث ابن مسعود: ((سَمِعَ أهلُ السماء)).
قوله: ((خُضْعاناً)) مصدَر كقوله: غُفراناً. قاله الخطَّبيُّ، وقال غيره: هو جمع خاضع.
قوله: ((قال عليّ)) هو ابن المدِينيّ ((وقال غيره: صَفْوان يَنفُذُّهم)) قال عِيَاض: ضَبَطوه
بفتحِ الفاء من ((صفوان))، وليس له معنًى، وإنَّما زاد الغيرُ(٢) الَمَبهَمُ قولَه: ((يَنفُذهم))، وهو
بفتحِ أوَّله وضمّ الفاء، أي: يَعُمّهم.
قلت: وكذا أخرجه ابن أبي حاتم عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد(٣) عن سفيان بن عُيَينةَ بهذه
الزّيادة، ولكن لا يُفسَّر به الغيرُ المذكور، لأنَّ المراد به غير سفيان، وذكره الكِرْمانيُّ بلفظٍ:
((صفوان يُنْفِذ فيهم ذلك)) بزيادةِ لفظ الإنفاذ، أي: يُنِفِذ اللهُ ذلك القولَ إلى الملائكة، أو من
النُّفُوذ، أي: يَنفُذ ذلك إليهم أو عليهم، ثمَّ قال: ويحتمل أن يُراد: غيرُ سفيان قال: إنَّ صفوان
٤٥٩/١٣ بفتح الفاء،/ فالاختلاف في الفتح والسُّكون، و((يَنفُذهم)) غير مُخْتَصِّ بالغيرِ، بل مُشتَرك بين
سفيان وغيره. انتهى، وسياق عليّ في هذه الرِّواية يُخالِف هذا الاحتمال، لكن قد وَقَعَت زيادة
(يَنفُذهم)) في الرِّواية التي ذَكَرتُها، وهي عن سفيان، فيَقوى ما قال.
(١) وهو أيضاً عنده في ((مسند الشاميين)) (٥٩١)، لكنه بلفظ: ((إن الله إذا أراد أن يأمر بأمرٍ تكلّم به».
(٢) تحرَّف في (س) إلى: أراد لغير. ووقع في (ع): أراد الغير. فتحرَّفت ((زاد)) إلى: ((أراد)).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: زید.

٤٣٥
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
كتاب التوحيد
قوله: ((قال عليّ: وحدَّثنا سُفْيان - إلى قوله - قال: نَعَمْ)) عليّ: هو ابن المَدِيني المذكور، ومُراده
أنَّ ابن عُبَينَةَ كان يَسوق السَّنَدَ مَرَّة بالعَنْعَنِةِ ومَرَّة بالتَّحديثِ والسَّماع، فاستَبَتَه عليٌّ عن(١) ذلك،
فقال: نَعَم، وقد تقدَّم عن عليّ بن عبد الله المذكور في تفسير سورة الحِجر (٤٧٠١) بصيغةٍ
التَّصريح في جميع السَّنَد، وكذا عن الحميديّ عن سفيان في تفسير سَبَأَ (٤٨٠٠).
قوله: ((قال عليّ)) هو ابنُ المدينيّ أيضاً.
قوله: ((فإنّ إنساناً روى عن عَمْرو بن دينار - إلى أنْ قال - أنَّه قرأ: فرِّغَ)) هو بالرَّاءِ المهمَلة
والغَين المعجمة، وزن القراءة المشهورة، وقد ذَكَرتُ في تفسير سورة سَبَأْ مَن قرأها كذلك،
ووَقَعَ للأكثرِ هنا كالقراءةِ المشهورة، والسّياق يُؤيِّد الأوَّل.
وقوله: «قال سفيان: هكذا قرأ عمرو» یعني ابن دینار.
قوله: ((فلا أدْري سَمِعَه هكذا أم لا؟)) أي: سَمِعَه من عِكرمة أو قرأها كذلك من قِبَل
نفسِه، بناءً على أنَّها قراءته، وقول سفيان: وهي قراءَتُنا، يريد نفسَه ومَن تابَعَه.
تنبيه: وَقَعَ في تفسير سورة الحِجر (٤٧٠١) بالسَّنَدِ المذكور هنا بعد قوله: ((وهو العليّ
الكبير)): («فيسمعها (٢) مُستَرِقو السَّمع)» هكذا إلى آخر ما ذُكِرَ من ذلك، وهذا ممّا يُبيِّن أنَّ التَّفْزيع
المذكور يَقَع للملائكةِ في الدنيا (٣)، وأنَّ الضَّمير في قلوبهم للملائكةِ لا للكفَّار، بخِلَاف ما جَزَمَ
به مَن قَدَّمتُ ذِكره من المُفسِّرِينَ(٤).
وقد وَقَعَ في حديث النَّاس بن سَمْعان الذي أشرتُ إليه ما نَصّه: ((أَخَذَتْ أهَلَ
السَّماوات منه رِعْدةٌ خَوفاً من الله، وخَرّوا سُجَّداً، فيكون أوَّلَ مَن يرفع رأسه جِبريلُ،
فيُكلِّمه الله بما أرادَ، فيمضي به على الملائكة من سماء إلى سماء))، وفي حديث ابن عبّاس عند
(١) تحرَّف في (ع) إلى: غير، وفي (س) إلى: من.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: فسمعها.
(٣) قوله: ((في الدنيا)) سقط من (س).
(٤) عند بیان وشرح ثاني آيتي الترجمة.

٤٣٦
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
ابن خُزَيمةَ(١) وابن مَرْدويه (٢): ((كَمَرِّ السِّلسِلة على الصَّفوان، فلا يَنزِل على أهل السماء إلّا
صُعِقوا ﴿إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، ثمَّ يقول: ((يكون العام كذا فيَسمَعه الجِنُّ).
وعند ابن مَرْدويه (٣) من طريق بهز بن حَكيم عن أبيه عن جَدّه: «لمَّا نَزَلَ جِبريل بالوحي
فزعَ أهل السماء لانحِطاطِهِ، وسَمِعوا صوت الوحي كأشَدّ ما يكون من صوت الحديد على
الصَّفا، فيقولون: يا جِبريل بمَ أُمِرت؟)) الحديث.
وعنده وعند ابن أبي حاتم(٤) من طريق عطاء بن السّائب عن سعيد بن جُبَير عن ابن
عبَّاس: لم تكن قَبِيلةٌ من الجِنّ إلّا ولهم مَقاعِدُ للسَّمْع، فكان إذا نَزَلَ الوحي سَمِعَ الملائكة
صوتاً كصوتِ الحديدة ألقَيتَها على الصَّفا، فإذا سَمِعَتِ الملائكة ذلك خَرّوا سُجَّداً، فلم
يرفعوا حتَّى يَنْزِل، فإذا نَزَلَ قالوا: ماذا قال رَبَّكُم؟ فإن كان ممّا يكون في السماء قالوا:
الحقّ، وإن كان ممّا يكون في الأرض من غَيث أو موت تَكلَّموا فيه، فسَمِعَتِ الشَّياطين
فِيَنْزِلونَ على أوليائهم من الإنس)). وفي لفظٍ: فيقولون: يكونُ العامَ كذا يكونُ العامَ
كذا(٥)، فَيَسمَعه الجِنّ فتُحدِّثه الكَهَنة. وفي لفظ: يَنزِل الأمر إلى السماء الدُّنيا له وقعة كوَفْع
السِّلسِلة على الصَّخرة، فَيَفزَع له جميعُ أهل السَّماوات، الحديث.
فهذه الأحاديث ظاهرة جدّاً في أنَّ ذلك وَقَعَ فِي الدُّنيا، بخِلَاف قول مَن ذَكَرنا من
المُفسِّرِينَ الذينَ أقدَموا على الجزم بأنَّ الضَّمير للكفَّار، وأنَّ ذلك يَقَع يوم القيامة،
مُخَالِفِينَ لما صَحَّ من الحديث النبويّ من أجل خَفاء مُغَيًّا(٦) الغاية في قوله: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَن
قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣].
(١) هو في كتابه ((التوكل)) كما بيّنه الحافظُ في («إتحاف المهرة)) (٧٦٢٨)، ولم نقف عليه مطبوعاً.
(٢) وهو أيضاً عند الطبري في تفسيره)) ٣٨/٢٣، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢/ ٢٤٠ وغيرهما.
(٣) وهو أيضاً عند أبي القاسم الأصبهاني في ((الحجة)) (١١١)، وهو مرفوع، ولفظه يختلف قليلاً عما هنا.
(٤) ومن قبلهما عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢٨٨/١٤.
(٥) قوله: ((يكون العامَ كذا)) وقع في الأصلين هكذا مكرراً، وفي (س) مرة واحدة.
(٦) تحرَّف في الأصلين و (س) إلى: معنى، والتصويب من سياق كلام الحافظ في بيان ثاني آيتي الترجمة لهذا الباب،
وانظر مزيد بيانٍ في ذلك في ((روح المعاني) لمحمود الآلوسي ٢٢/ ١٣٧.

٤٣٧
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
كتاب التوحيد
وفي الحديث إثبات الشَّفاعة، وأنكَرَها الخوارجُ والمعتَزِلةُ، وهي أنواع أثبتَها أهلُ السُّنّة،
منها: الخلاص من هول الموقف، وهي خاصّة بمحمَّدٍ رسول الله المُصطَفَى وَلِّ، كما تقدَّم
بيان ذلك واضحاً في الرِّقاق، وهذه لا يُنكِرِها أحد من فِرَق الأُمّة.
ومنها: الشَّفاعة في قوم يَدخُلونَ الجنَّة بغيرِ حِسابٍ، وخَصَّ هذه المعتَزِلةُ بمَن لا تَبِعة
علیه.
ومنها: الشَّفاعة في رفع الدَّرَجات، ولا خِلاف في وقوعها.
ومنها: الشَّفاعة في إخراج قوم من النار عُصاةٍ أُدخِلوها بذُنوِهِم، وهذه التي أنكَروها،
وقد ثَبَتَت بها الأخبار الكثيرة، / وأطبَقَ أهل السُّنّة على قَبُولها، وبالله التَّوفيق.
٤٦٠/١٣
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة في التغنّي بالقرآن، وقد مضى شَرحه في فضائل
القرآن (٥٠٢٣).
وقوله في آخره: ((وقال صاحب له: يَجِهَرُ به)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((يَجهَر بالقرآن))، وقد
تقدَّم بیانه هناك، وسيأتي بعد أبواب (٧٥٤٤) من وجه آخر مُدرجاً، وأشارَ بإیرادِه هنا إلى
حديث فَضالة بن عُبَيد الذي أخرجه ابن ماجَهْ (١٣٤٠) من رواية مَيسَرة مولى فضالة عن
فضالة بن عُبَيد قال: قال النبيّ وَّ: (اللهُ عزَّ وجلَّ أشَدُّ أَذَناً إلى الرجل الحسنِ الصَّوتِ
بالقرآن من صاحب القَيْنة إلى قَيْنَتَه))، وذكره البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)) (٢٤٨) عن
مَيسَرةٍ(١). وقوله: ((أَذَنا)) بفتح الهمزة والمعجَمة، أي: استماعاً.
الحديث الخامس: حديث أبي سعيد في بَعْث النار، ذكره مُختصَراً، وقد مضى شَرحه مُستَوفَّى
فى أواخر الرقاق (٦٥٣٠).
وقوله: ((يقول الله: يا آدم)) في رواية التَّفسير (٤٧٤١): ((يقول الله يوم القيامة: يا آدم)).
قوله: ((فينادي بصوتٍ: إنَّ الله يَأْمُرُك أنْ تُخْرِجَ من ذُرّيَّتك بَعْئاً إلى النار)) هذا آخر ما أورَدَ
منه من هذه الطَّريق، وقد أخرجه بتمامه في تفسير سورة الحجّ (٤٧٤١) بالسَّنَدِ المذكور هنا.
(١) يعني علَّقَهُ عنه ولم يُسنِده.

٤٣٨
باب ٣٢/ح ٧٤٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
ووَقَعَ: ((فينادي)) مَضبوطاً للأكثرِ بكسر الدّال، وفي رواية أبي ذرِّ بفتحِها على البناء للمجهولِ،
ولا محذور في رواية الجمهور، فإنَّ قَرينة قوله: ((إِنَّ الله يَأْمُرك)) تَدُلّ ظاهراً على أنَّ المنادي
مَلَك یأمره الله بأن ینادي بذلك.
وقد طَعَنَ أبو الحسن بن المفضَّل(١) في صِحّة هذه الطَّريق، وذکر کلامهم في حفص بن
غياث، وأنَّه انفَرَدَ بهذا اللَّفظ عن الأعمَش(٢). وليس كما قال، فقد وافَقَه عبد الرّحمن بن
محمَّد المحاربيّ عن الأعمَش، أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب ((السُّنّة)) له عن أبيه عن
س(٣)
المحاربيّ(٣).
واستَدَلَّ البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)) على أنَّ الله يتكلَّم كيف شاءَ، وأنَّ
أصوات العباد مُؤَلَّفَة حَرفاً حَرفاً، فيها التَّطريب بالهمزِ(٤) والتَّرجيع، بحديثٍ أمّ
سَلَمة، ثمَّ ساقَه (١٧١) من طريق يَعلَى بن تَمَلَك - بفتح الميم واللّام بينهما ميم ساكنة
ثمَّ كاف ــ: أنَّه سألَ أمّ سَلَمة عن قراءة النبيّ وَلِّ وصلاته، فذكر الحديث، وفيه:
ونَعَتَت قراءته فإذا قراءَته حَرفاً حَرفاً، وهذا أخرجه أبو داود (١٤٦٦) والتِّرمِذيّ (٢٩٢٣)
وغيرهما.
واختَلَفَ أهل الكلام في أنَّ كلام الله هل هو بحَرفٍ وصوت أو لا؟ فقالت المعتَزِلة:
لا يكون الكلام إلّا بحَرفٍ وصوت، والكلام المنسوب إلى الله قائم بالشَّجَرة، وقالت
الأشاعرة: كلام الله ليس بحَرفٍ ولا صوت، وأثبَتَتِ الكلامَ النَّفْسِيَّ، وحقيقته معنَى قائمٌ
(١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: الفضل.
(٢) وقد قال ذلك قبلَه البيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) بإثر الحديث (٦٠٠).
(٣) إنما أخرج عبد الله بن أحمد في «السنة)) (٥٣٦) من طريق المحاربيّ حديث ابن مسعود الذي علقه البخاريُّ في
ترجمة هذا الباب، وقد تقدم من وافَق المحاربيَّ عليه، ولم يرو عبدُ الله بن أحمد في ((السنة)) حديث أبي سعيد
الخدري أصلاً، فلا تصحُّ تخطئة الحافظ لمقالة أبي الحسن بن المفضّل برواية المحاربي. وإنما يصح أن يقال: إن
حفص بن غياث حجة؛ وزيادته مقبولة، كنحو ما قاله الحافظ عند حديث ابن مسعود، وكذلك قال الذهبي في
«السیر» ٩/ ٣٢ في ترجمة حفص بن غياث.
(٤) يعني بهمز ما ليس بمهوز، وانظر بيانه عند شرح الحديث (٧٥٤٠).

٤٣٩
باب ٣٣/ح ٧٤٨٥
كتاب التوحيد
بالنَّفْسِ، وإن اختَلَفَت عنه العِبارة كالعربيّةِ والعَجميّة، واختلافها لا يَدُلّ على اختلاف
المعبّر عنه، والكلام النَّفْسِّ هو ذلك المعبَّر عنه، وأثبَتَتِ الحنابلة أنَّ الله مُتَكلِّم بحَرفٍ
وصوت، أمّا الحروف فلِلتَّصريح بها في ظاهر القرآن، وأمّا الصَّوت فمَن مَنَعَ قال: إنَّ
الصَّوت هو الهواء المنقَطِعِ المسموع من الحَنْجَرة، وأجابَ مَن أثبتَه بأنَّ الصَّوت الموصوف
بذلك هو المعهود من الآدميّينَ كالسَّمع والبَصَر، وصفات الرَّبّ بخِلاف ذلك، فلا يَلَزَم
المحذور المذكور مع اعتقاد التَّنزيه وعَدَم التَّشبيه، وأنَّه يجوز أن يكون من غير الحَنْجَرة
فلا يَلَزَم التَّشبيه.
وقد قال عبد الله بن أحمد بن حَنبَل في كتاب ((السُّنّة)) (٥٣٣): سألت أبي عن قوم يقولون:
لمَّا كَلَّمَ الله موسى لم يتكلَّم بصوتٍ، فقال لي أبي: بل تَكلَّمَ بصوتٍ، هذه الأحاديث تُروی كما
جاءَت، وذكر حديث ابن مسعود(١) وغيره.
الحديث السادس: حديث عائشة في فضل خديجة، وفيه: ولقد أمَرَه الله. في رواية المُستَمْلي
والسَّرَخسيّ: ولقد أمَرَهرَُّه.
قوله: (بَيْتٍ من الجنَّة)) في رواية الكُشْمِيهَنِيّ: ببيتٍ في الجنَّة. وقد مضى شَرحُه مُستَوفَّى في
المناقب (٣٨١٦).
٣٣- باب كلام الرَّبِّ معَ جِبْرِيلَ ونِداءِ الله الملائكةَ
وقال مَعمَرٌ: ﴿ وَإِنَّكَ لَتْلَقَى الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٦] أي: يُلْقَى عليكَ، وَلَقّاه أنتَ، أي: تَأْخُذُه
عنهم، ومثلُه: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾ [البقرة: ٣٧].
٧٤٨٥- حدَّثني إسحاقُ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، حَّثنا عبدُ الرَّحمنِ - هو ابنُ عبدِ الله بنِ دِینارٍ،
عن أبيه - عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرةَ عُ، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((إنَّ الله تبارك وتعالى إذا أحَبَّ
عبداً نادَى جِبْريلَ: إنَّ الله قد أحَبَّ فلاناً فأحِبَّه، فيُحِبُّهُ حِبْرِيلُ، ثمَّ ينادي جِبْرِيلُ في السماءِ: إِنَّ الله قد
أحَبَّ فلاناً فأحِبّوه، فيُحِبُّه أهلُ السماءِ، ويوضَعُ له القَبُولُ في أهلِ الأرضِ)).
(١) يعني حديثَه المعلّقَ الذي ابتدأ به البخاريُّ هذا الباب.

٤٤٠
باب ٣٣/ح ٧٤٨٦ -٧٤٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
٧٤٨٦ - حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكِ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ
رسولَ الله وٍَّ قال: ((يَتَعاقَبونَ فيكم ملائكةٌ باللَّيْلِ وملائكةٌ بالنَّهار، ويَجتَمِعونَ في صلاةِ العصرِ
وصلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فيكم، فَيَسْأُهُم - وهو أعلَمُ بِهِمْ -: كيفَ تَرَكتُم عبادي؟
فيقولون: تَرَكْناهم وهم يُصَلُّونَ، وأتيناهم وهم يُصَلُّونَ)).
٧٤٨٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن واصِلٍ، عن المَعْرورِ،
قال: سمعتُ أبا ذَرٍّ، عن النبيِّ وَّل، قال: ((أتاني جِبْريلُ فبَشَّرَني أنَّه مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً
دَخَلَ الجنَّةَ، قلتُ: وإنْ سَرَقَ، وإنْ زَنَى؟ قال: وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى)).
٤٦١/١٣
قوله: ((باب كلام الرَّبّ تعالى مع جِبْريل، ونِداءِ الله الملائكةَ)) ذكر فيه أثَراً وثلاثة أحاديث، في
الحديث الأوَّل: نِداءُ الله جِبريلَ، وفي الثّاني: سؤالُ الله الملائكةَ، على عكس ما وَقَعَ في التَّرجمة،
وكأنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، ووَقَعَ عند مسلم (٢٦٣٧/ ١٥٧) من طريق سُهَيل بن أبي
صالح عن أبيه في هذا الحديث: ((إنَّ الله إذا أحَبَّ عبداً دَعَا جِبريلَ فقال: إنّي أُحِبّ فلاناً فأحِبَّه))
وذکرتُ في الأدب أنَّ أحمد أخرجه (٢٢٤٠١) من حديث ثوبان بلفظ: «حتَّی یقول: يا جبريل
إِنَّ عبدي فلاناً يَلتَمِس أن يُرضيني)) الحديث.
قوله: ((وقال مَعمَر: ﴿ وَإِنَّكَ لَتْلَى الْقُرْءَانَ﴾ أي: يُلْقَى عليك، وتَلَقّاه أنتَ، أي: تَأْخُذه
عنهم(١)، ومِثْلِه ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن رَبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾)) مَعمَر هذا قد يَتَبَادَر أنَّه ابن راشد شيخ
عبد الرَّزّاق وليس كذلك، بل هو أبو عُبَيدة مَعمَر بن المثنَّى اللُّغَويّ، قال أبو ذَرّ الْهَرَويُّ:
وَجَدت ذلك في كتاب ((المجاز)) له، فقال في تفسير سورة النَّمل في قوله عزَّ وجلّ: ﴿وَإِنَّكَ
لَتْلَقَى الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٦]: أي: تَأْخُذه عنهم ويُلقَى عليك، وقال في تفسير سورة البقرة في
قوله تعالى: ﴿فَلَقَّقَ ءَدَمُ مِن رَّبِِّ كَلِمَتٍ﴾: أي: قَبِلَها وأخَذَها عنه، قال أبو عُبَيدة: وتلا علينا
أبو مَهديّ آية، فقال: تَلَقَّيتها من عَمّي تَلَقّاها عن أبي هريرة تَلَقّاها عن النبيّ وَِّ، وقال في
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُلَّقَّمُهَا إِلَّا الضَبِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]: أي: لا يوفَّقُ لها ولا يُلقَُّها ولا يُرِزَقُها،
(١) كذا وقع للحافظ، وهو موافق لما في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري أنه بصيغة الجمع، والذي في
((مجاز القرآن)) لمعمر بن المثنّى ٢/ ٩٢: عنه، بصيغة الإفراد، وهو الذي وقع للقَسْطَلّاني.