Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
باب ٢٢/ح ٧٤٢٨
كتاب التوحيد
وقوله في هذه الرِّواية: ((وأطعَمَ عليها يومَئذٍ خُبزاً ولحما)) يعني في وليمَتها، وقد تقدَّم بيانه
واضحاً في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٨٧).
قوله في رواية حَمَّاد بن زيد، بعد قوله: ((سبع سَماوات: وعن ثابت: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ﴾
ج ... )
إلى آخره، كذا وَقَعَ مُرسَلاً لیس فیه أنس، وقد تقدَّم (٤٧٨٧) من رواية مُعَلَّى(١) بن منصور عن
حمّاد بن زيد موصولاً بذِكر أنس فيه، وكذلك وَقَعَ في رواية أحمد بن عَبْدة موصولاً، وأخرجه
الإسماعيليّ من رواية محمَّد بن سليمان لُوَين عن حمّاد موصولاً أيضاً(٢).
وقد بيَّن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس كيفيّة تَزويج زَينَب، قال: لمَّ انقَضَت
عِدّة زَيْنَب قال رسول اللهَ وَّ لزيدٍ: ((اذكُرها عليَّ)) فقالت: ما أنا بِصانِعةٍ شيئاً حتى أُوامِرَ
ربِّ، فقامت إلى مسجدها، ونزلَ القرآنُ، وجاء رسولُ الله ◌ََّ، فدخل عليها بغير إذنٍ.
أخرجه مسلم (١٤٢٨). فهذا معنى قولها: زوجني الله (٣).
قال الكِرْمانيُّ: قوله: في السماء، ظاهره غير مُراد، إذ الله مُنَّةٌ عن الحلول في المكان،
لكن لمَّا كانت جهة العُلوّ أشرَف من غيرها، أضافَها إليه إشارة إلى عُلوّ الذّات والصِّفات،
وبنحو هذا أجابَ غيره عن الألفاظ الواردة من الفَوقيّة ونحوها، قال الرَّاغِب: ((فوق)) يُستَعمَل
في المكان والزَّمان والجسم والعَدَد والمنزلة والقَهر.
فالأوَّل: باعتبار العُلوّ ويُقابِله تحت، نحو: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن
فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ ﴾ [الأنعام: ٦٥].
والثّاني: باعتبار الصُّعود والانحِدار، نحو: ﴿إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
[الأحزاب: ١٠].
(١) تحرَّفت في (أ) و (س) إلى: يعلى.
(٢) فات الحافظ رحمه الله أنه عند النسائي في ((الكبرى)) (١١٣٤٣).
(٣) من قوله: فقالت: ما أنا، إلى هنا، أثبتناه كما جاء في (ع)، وفيه زيادة بيان وفائدة في معنى قول زينب: زوجني اللهُ،
وهذا عدلنا عما في (أ) و (س) حیث اختُصِر الکلام فیھما بدل الکلام المذکور في (ع) إلى: فذكر الحديث، وقد
أوردته في تفسير سورة الأحزاب.

٣٤٢
باب ٢٢/ح ٧٤٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
والثّالث: في العَدَد، نحو: ﴿فَإِنَ كُنَّ نِسَآءَ فَوْقَ آَثْنَتَيْنِ ﴾ [النساء: ١١].
الرَّابع: في الكِبَرَ والصِّغَرِ، كقوله: ﴿بَعُوضَةٌ فَمَافَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
والخامس: يَقَع تارة باعتبار الفضيلة الدُّنيَويّة، نحو: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
[الزخرف: ٣٢]، أو الأُخرَويّة، نحو: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [البقرة: ٢١٢].
والسّادس: نحو قوله: ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿ يَخَافُونَ رَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾
[النحل: ٥٠]. انتهى مُلخَّصاً.
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة: ((إنَّ الله تعالى لمَّا قَضَى الخلق كَتَبَ عنده فوق
عَرشه: إنَّ رحمتي غَلَبَت(١) غَضَبِي)) وقد تقدَّم في باب ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]
٤١٣/١٣ (٧٤٠٤)، ويأتي بعض الكلام/ عليه في باب قوله تعالى: ﴿فِى لَوْجٍ تَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
(٧٥٥٣).
قال الخطَّبيُّ: المراد بالكتابِ أحد شيئين: إمّا القضاء الذي قضاه، كقوله تعالى:
﴿كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِبَ أَنَاْ وَرُسُلِىّ﴾ [المجادلة: ٢١] أي: قَضَى ذلك، قال: ويكون معنى قوله:
((فوق العَرش)) أي: عنده عِلم ذلك فهو لا يَنساه ولا يُبدِّله، كقوله تعالى: ﴿فِ كِتَبِّ لَا
يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنَسَى﴾ [طه: ٥٢]، وإمّا اللَّوح المحفوظ الذي فيه ذِكر أصناف الخلق،
وبيان أُمورهم وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم، ويكون معنى ((فهو عنده فوق العَرش))
أي: ذِكْره وعِلمه، وكلّ ذلك جائز في التَّخريج، على أنَّ العَرش خلق مخلوق تَحمِله
الملائكة، فلا يستحيل أن يُماسّوا العَرشَ إذا حَمَلوه، وإن كان حامل العَرش وحامل
◌َمَلَته هو الله، وليس قولنا: إنَّ الله على العَرش، أي: تُماسّ له أو مُتَمَكِّن فيه أو مُتَحيِّز
في جهة من جِهاته، بل هو خبر جاءَ به التَّوقيف، فقلنا له به، ونَفَينا عنه التَّكييف إذ
لیس کمِثله شيء، وبالله التّوفیق.
(١) هذا لفظ الرواية المتقدمة برقم (٣١٩٤)، وإلا فلفظ الرواية هنا: ((سبقت)) دون خلاف بين رواة البخاري،
حسب ما في اليونينية و((إرشاد الساري)) للقسطلاني.

٣٤٣
باب ٢٢/ح ٧٤٢٨
كتاب التوحيد
وقوله: ((فوق عَرشه)) صِفَة الكتاب، وقيل: إِنَّ ((فوق)) هنا بمعنى دونَ، كما جاءَ في قوله
تعالى: ﴿بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا ﴾وهو بعيدٌ.
وقال ابن أبي جَمرة: يُؤخَذ من كَون الكتاب المذكور فوق العَرش أنَّ الِحِكمة اقتَضَت أن
يكون العَرش حاملاً لما شاءَ الله من أثَر حِكمة الله وقُدرَته، وغامض غَيبه، ليَستَأثِر هو
بذلك من طريق العلم والإحاطة، فيكون من أكبر الأدلّة على انفراده بعِلمِ الغَيب، قال:
وقد يكون ذلك تفسيراً لقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أي: ما شاءَه من أمْر
قُدرَته، وهو كتابه الذي وضَعَه فوق العرش.
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة الذي فيه: ((إنَّ في الجنَّة مئةَ درجة، أعَدَّها الله
للمجاهدينَ)) وقد تقدَّم شَرحه في الجهاد (٢٧٩٠) مع الكلام عَلَى قوله: ((كانَ حَقّاً على الله))،
وأنَّ معناه معنى قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾[الأنعام: ٥٤]، وليس معناه
أنَّ ذلك لازِم له، لأنَّه لا آمِر له ولا ناهي يوجِب عليه ما يُلزمه المطالبة به، وإنَّما معناه
إنجاز ما وعَدَ به من الثَّواب، وهو لا يُخْلِف الميعاد.
وأمّا قوله: ((مئة درجة)) فَليس في سياقه التَّصريح بأنَّ العَدَد المذكور هو جمیع دَرَج
الجنَّة من غير زيادة، إذ ليس فيه ما يَنفيها، ويُؤيِّد ذلك أنَّ في حديث أبي سعيد(١)
المرفوع الذي أخرجه أبو داود (١٤٦٤) وصَحَّحَه الِّرمِذيّ (٢٩١٤) وابن حِبّان
(٧٦٦): ((ويُقال لصاحبِ القرآن: اقرأ وارقَ ورَتِّل كما كنت تُرَتِّل في الدُّنيا، فإنَّ
مَنزِلَك عند آخر آية تَقرَؤُها)» وعَدَد آي القرآن أكثر من سِتّة آلاف ومثَنَينِ(٢)، والخُلف
فیما زاد علی ذلك من الگُسور.
وقوله فيه: ((كلّ دَرَجَتَينِ ما بينهما كما بين السماء والأرض)) اختَلَفَ الخبر الوارد في قَدر مَسافة
(١) بل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وسبب الوهم أنه روي بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد
(١١٣٦٠)، وابن ماجه (٣٧٨٠).
(٢) عدد آي القرآن (٦٢٣٦) حسب رواية حفص عن عاصم.

٣٤٤
باب ٢٢/ح ٧٤٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
ما بين السماء والأرض، وذكرتُ هناك ما وَرَدَ في التِّرمِذيّ (٢٥٢٩) أنَّها مئة عام، وفي الطَّبَرانيّ(١)
خمس مئة، ويُزاد هنا ما أخرجه ابن خُزَيمةَ في ((التَّوحيد)) (٢٤٤/١) من ((صحيحه))(٢)، وابن
أبي عاصم في كتاب ((السُّنّة) (٣) عن ابن مسعود قال: بين السماء الدُّنيا والتي تليها خمس مئةٍ
عام، وبين كلّ سَماء خمس مئةِ عام، وفي رواية (٤): وغِلَظ كلّ سَماء مَسيرة خمس مئةٍ عام، وبين
السّابِعة وبين الكُرسيّ خمس مئةٍ عام، وبين الكُرسيّ وبين الماء خمس مئةٍ عام، والكرسِيُّ(6)
فوق الماء، والله فوق العَرش، ولا يَخْفَى عليه شيء من أعمالكم.
وأخرجه البيهقيُّ (٨٥٠) من حديث أبي ذرِّ مرفوعاً نحوه (٦) دونَ قوله: وبين السّابعة
والكُرسيّ ... إلى آخره، وزاد فيه: ((وما بين السماء السّابعة إلى العَرش مثل جميع ذلك)).
وفي حديث العبّاس بن عبد المُطَّلِب عند أبي داود (٤٧٢٣)، وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ(٧)،
والحاكم (٣٧٨/٢) مرفوعاً: ((هل تَدرونَ بُعد ما بين السماء والأرض؟)) قلنا: لا، قال:
((إحدَى أو اثنتان أو ثلاث وسَبعونَ)) قال: ((وما فوقها مِثل ذلك)) حتَّى عَدَّ سبع سماوات
((ثمَّ فوق السماء السّابِعة البحر بين أسفلِهِ وأعلاه مِثل ما بين سَماء إلى سَماء، ثمَّ فوقه ثمانية
أو عالٍ، ما بين أظلافِهِنَّ ورُكَبهنَّ مِثل ما بين سَماء إلى سَماء، ثمَّ العَرش فوق ذلك بين أسفِله
وأعلاه مِثل ما بين سَماء إلى سَماء، ثمَّ الله فوق ذلك)).
(١) في («الأوسط)) (٥٧٦٥).
(٢) كتاب ((الصحيح)) لابن خزيمة يتضمن عدة كتب أخرى ذكرها العلماء مفردة، ومنها ((كتاب التوحيد))
وانظر ((المعجم المفهرس)) للحافظ برقم (١٩).
(٣) الذي في كتاب ((السنة)) (٥٧٨) حديث أبي هريرة مرفوعاً، وليس حديث ابن مسعود، وإسناد حديث
أبي هريرة ضعيف.
(٤) عند البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٨٥٢).
(٥) في (س): والعرش. وهو خطأ.
(٦) هو منقطع كما قال البيهقي.
(٧) يعني في (التوحيد)) ٢٣٤/١ - ٢٣٥، وحسَّنَه أيضاً الترمذي (٣٣٢٠)، لكن إسناده ضعيف كما بينّاه في
«مسند أحمد)» (١٧٧٠).

٣٤٥
باب ٢٢/ح ٧٤٢٨
كتاب التوحيد
والجمع بين اختلاف هذا العَدَد في هاتَينِ الرِّوايتَينِ أن تُحمَل الخمس مئةٍ على السَّير
البَطيء، كَسَيرِ الماشي على هِينَتَه، وتُحمَل السَّبعينَ على السَّير السَّريع، كَسَيرِ / السُّعاة، ولولا ٤١٤/١٣
التَّحديد بالزّيادةِ على السَّبعينَ لَمَلنا السَّبعينَ على المبالَغة، فلا تُنافي الخمس مئة، وقد تقدَّم
الجواب عن الفَوقيّة في الذي قبله.
وقوله فيه: ((وفَوقَه عَرشُ الرَّحمن)) كذا للأكثرِ بنَصبٍ فوق على الظَّرفيّة، ويُؤيِّده
الأحاديث التي قبل هذا، وحكى في ((المشارق)) أنَّ الأَصِيلِيّ ضَبَطَه بالرَّفع بمعنى
أعلاه، وأنكَرَ ذلك في ((المطالِع))، وقال: إنَّما قَيَّدَه الأَصِيلِيّ بالنَّصبِ كغيرِهِ، والضَّمير في
قوله: ((فوقَه)) للفِردَوس.
وقال ابن التِّين: بل هو راجِع إلى الجنَّة كلّها. وتُعقّبَ بما في آخر الحديث هنا:
((ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجِنَّة)) فإنَّ الضَّمير للفِردَوسِ جَزماً، ولا يَستَقيم أن يكون للجِنان
كلّها، وإن كان وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((ومنها تَفَجَّ))، لأنَّهَا خَطَأْ، فقد أخرج الإسماعيليّ
عن الحسن بن سفيان(١) عن إبراهيم بن المنذر شيخ البخاريّ فيه، بلفظ: ((ومِنه)) بالضَّمیرِ
المذگَّر.
الحديث السادس: حديث أبي ذَرّ، وقد تقدَّم شَرحه في بَدْء الخلق (٣١٩٩)، وفي تفسير
سورة يس (٤٨٠٢)، والمراد منه هنا إثبات أنَّ العَرش مخلوق، لأنَّه ثَبَتَ أنَّ له فوقاً وتحتاً،
وهُما من صفات المخلوقات، وقد تقدَّم صِفَة طلوع الشمس من المغرب (٦٥٠٦) في باب
قول النبيّ وَّهِ: (بُعِثت أنا والسّاعة كَهاتَينٍ)) من كتاب الرِّقاق.
قال ابن بَطّل: استئذان الشمس معناه: أنَّ الله يَخْلُق فيها حياة يُوجَد القول عندها، لأنَّ الله
قادر على إحياء الجَماد والموات. وقال غيره: يحتمل أن يكون الاستئذان أُسنِدَ إليها مجازاً،
والمراد مَن هو موكَّل بها من الملائكة.
الحديث السابع: حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن، وقد تقدَّم شَرحه في فضائل القرآن
(١) وقع في (س): عن الحسن وسفيان. وهو خطأ.

٣٤٦
باب ٢٢/ح ٧٤٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
(٤٩٨٦)، والمراد منه آخر سورة براءة [١٢٨-١٢٩] المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ
جَآءَ كُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ لأنَّه أثبَتَ أنَّ
للعَرشِ رَبّاً فهو مَربوب، وكلّ مَربوب مخلوق. وموسی شیخه فيه: هو ابن إسماعيل،
وإبراهيم شيخ شيخه في السَّنَد الأوَّل: هو ابن سعد. ورواية اللَّيث المعلّقة تقدَّم ذِكر مَن
وَصَلَها في تفسير سورة براءة (٤٦٧٩)، وروايته المُسنَدَة تقدَّم سياقها في فضائل القرآن
(٤٩٨٩) مع شَرح الحديث.
الحديث الثامن: حديث ابن عبّاس في دعاء الكرب، وقد تقدَّم شَرحه في ((كتاب
الدَّعَوات)) (٦٣٤٥)، وسعيدٌ في سنده: هو ابن أبي عَرُوبة، وأبو العاليَة: هو الرِّيَاحِيّ،
بكسر ثمَّ تحتانيّة خفيفة، واسمه رُفَيع بفاءٍ مُصغَّر، وأمّا أبو العالية البَرّاء، بفتحِ
الموحّدة وتشديد الرَّاء، فاسمه زياد بن فَيرُوزَ، وروايته عن ابن عبّاس في أبواب تقصير
الصلاة (١٠٨٥).
الحديث التاسع: حديث أبي سعيد ذكره هنا مُختصَراً، وتقدَّم بهذا السَّنَد الذي هنا تامّاً في
((کتاب الإشخاص)»(١).
وقوله: ((وقال الماجشون)) بكسر الجيم وضمّ المعجَمة: هو عبد العزيز بن أبي سَلَمة، وعبد الله
ابن الفضل، أي: ابن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلِب الهاشِميّ.
قوله: ((عن أبي سَلَمة)) هو ابن عبد الرّحمن بن عَوف. قال أبو مسعود الدِّمَشقيّ في
(الأطراف)) وتَبِعَه جماعة من المحدِّثينَ: إنَّما روى الماِشون هذا عن عبد الله بن الفضل عن
الأعَرَج لا عن أبي سَلَمة، وحَكَموا على البخاريّ بالوهم في قوله: عن أبي سَلَمة.
وحديث الأعرَج الذي أُشيرَ إليه تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٤١٤) من رواية عبد العزيز بن
أبي سَلَمة الماجِشون كما قالوا، وكذا أخرجه مسلم في الفضائل (١٥٩/٢٣٧٣) والنَّسائيُّ في
(١) نعم تقدم في الإشخاص برقم (٢٤١٢) تاماً لكن من طريق وهيب عن عمرو بن يحيى، وأما بالإسناد نفسه
فتقدم في التفسير برقم (٤٦٣٨).

٣٤٧
باب ٢٣
كتاب التوحيد
التَّفسير (ك١١٣٩٤) من طريقه. ولكن تَحرَّرَ لي أنَّ لعبدِ الله بن الفضل في هذا الحديث
شيخَين، فقد أخرج أبو داود الطَّالِسيُّ في ((مُسنَده)) (٢٤٨٧) عن عبد العزيز بن أبي سَلَمة
عن عبد الله بن الفضل عن أبي سَلَمة طَرَفاً من هذا الحديث، وظَهَرَ لي أنَّ قول مَن قال:
عن الماحِشُون عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج، أرجَح، ومن ثَمَّ وَصَلَها البخاريّ
وعَلَّقَ الأُخرى، فإن سَلَكنا سبيل الجمع استُغني عن التَّرجيح، وإلّا فلا استدراك على البخاريّ
في الحالَين.
وكذا لا تَعقّب على ابن الصَّلاح في تَفْرِقَته بين ما يقول فيه البخاريّ: قال فلان جازِماً،
فيكون محكوماً بصِخَّتِهِ، بخِلَاف ما لا يَجِزِم به فإنَّه لا يكون جازِماً بصِخَّتِهِ، وقد تَسَّكَ
بعض مَن اعتَرَضَ عليه بهذا المثال، فقال: جَزَمَ بهذه الرِّواية وهي وهم، وقد عُرِفَ / ممَّا ٤١٥/١٣
حَرَّرتُه الجوابُ عن هذا الاعتراض، وتقدَّم شَرح المتن في أحاديث الأنبياء في قصَّة موسى،
و قد ساقه هناك (٣٣٩٨) بتمامه بسند الحدیث هنا.
تكملة: وَقَعَ في مُرسَل قَتَادة: أنَّ العَرش من ياقوتة حَمراء، أخرجه عبد الرَّزّاق عن
مَعمَر عنه في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ ﴾ [هود: ٧]، قال: هذا بَدْء خلقه قبل أن
يَخْلُق السماء، وعَرشه من ياقوتة حَمراء. وله شاهد عن سهل بن سعد مرفوع(١)، لكنَّ سنده
ضعيف.
٢٣ - بابُ قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَئِكَةُ وَالزُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقال أبو جَمْرةَ: عن ابنِ عبَّاسٍ: بَلَغَ أبا ذرِّ مَبْعَثُ النبيِّ وَّه، فقال لأخيه: اعلَمْ لِي عِلْمَ
هذا الرجلِ الذي يَزعُمُ أنَّه يَأْتيه الخبرُ منَ السماءِ.
وقال مجاهدٌ: العملُ الصالحُ يرفعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ.
(١) لم نقف عليه من حديث سهل بن سعد مرفوعاً، لكن أخرجه حرب الكرماني في ((مسائله)) ١١١٦/٣، وابن أبي
حاتم في «تفسيره)) ٦/ ٢٠٠٥ عن سعد الطائي من قوله، وإسناده صحیح عنه.

٣٤٨
باب ٢٣/ح ٧٤٢٩ -٧٤٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
يُقالُ: ﴿ذِى الْمَعَارِجِ﴾: الملائكةُ تَعْرُجُ إليه.
٧٤٢٩ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرَةَ ﴾، أنَّ
رسولَ الله ◌َّةٍ قال: ((يَتَعاقَبونَ فيكم ملائكةٌ باللَّلِ، وملائكةٌ بالنَّهار، ويَجتَمِعونَ في صلاةِ العصرِ
وصلاةِ الفَجْرِ، ثمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بأتُوا فيكم، فَيَسْأُهُم وهو أعلَمُ بكم، فيقولُ: كيفَ تَرَكُم عبادي؟
فيقولون: تَرَكْناهم وهم يُصَلّونَ، وأَتَيناهم وهم يُصَلّونَ)).
٧٤٣٠- وقال خالدُ بنُ تَخْلَدٍ: حدَّثنا سليمانُ، حدَّثني عبدُ الله بنُ دِينارٍ، عن أبي صالحٍ،
عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال: رسولُ الله ◌َّةِ: ((مَنْ تَصَدَّقَ بعَدْلِ تَمْرةٍ مِن كَسْبٍ طيِّبٍ، ولا يَصْعَدُ
إلى الله إلّ الطَّيِّبُ، فإنَّ اللّه يَتَقَبَّلُهَا بَيَمِينِهِ، ثمَّ يُرَبِّيها لصاحبِهِ كما يُرَبّ أحدُكم فَلُوَّهُ، حتَّى تكونَ
مِثْلَ الجَبَلِ)).
وقال وَرْقاءُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن سعيدِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّه
((ولا يَصْعَدُ إلى الله إلا طَيِّبٌ)).
٧٤٣١- حدَّثنا عبدُ الأعلَى بنُ خَّادٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ،
عن أبي العاليَةِ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أَنَّ نبيَّ الله وَل ◌َ كَانَ يَدْعو بِنَّ عندَ الكَرْبِ: ((لا إلهَ إلّ اللهُ
العظيم الحَلِيمُ، لا إلهَ إلّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العظيم، لا إلهَ إلّا اللهُ رَبُّ السَّماوات ورَبُّ
العَرْشِ الكَرِیمِ».
٧٤٣٢ - حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبيه، عن ابنِ أبي نُعْمِ - أو أبي نُعْمِ، شَكَّ قَبِيصةُ
- عن أبي سعيدٍ الْخُدْريِّ، قال: بُعِثَ إلى النبيِّ وَلَ بِذُّهَيْبةٍ، فَقَسَمَها بينَ أربعةٍ.
حَدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا سفيانُ، عن أبيه، عن ابنِ أبي نُعْمٍ، عن
أبي سعيدِ الخُذْريِّ، قال: بَعَثَ عليٌّ وهو في اليَمَنِ إلى النبيِّ وَّهِ بِذُّهَيْبةٍ فِي تُرْبَتِها، فقَسَمَها بِينَ
الأَقْرَعِ بنِ حابِسِ الحَنْظَلِيِّ، ثمَّ أحدٍ بني تُجَاشِعٍ، وبينَ عُبَينَةَ بنِ بَدْرِ الفَزَارِيِّ، وبينَ عَلْقمةَ بنِ
عُلاثَةَ العامِرِيِّ، ثمَّ أحدٍ بني كِلابٍ، وبينَ زيدِ الخيلِ الطّائِيِّ، ثمَّ أحدٍ بني نَبْهانَ، فتغيَّظَت
قُرَيشٌ والأنصارُ، فقالوا: يُعْطِيه صَنادِيدَ أهلِ نَجْدٍ، ويَدَعُنا، قال: ((إنَّما أَتَلَّفُهُم)) فأقْبَلَ رجلٌ

٣٤٩
باب ٢٣/ح ٧٤٣٣
كتاب التوحيد
غائرُ العَيْنَيِّنِ، نائىُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْتَتَيْنِ، مَحِلُوقُ الرَّأْسِ، فقال: يا محمَّدُ، أَتَّقِ الله!
فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((فمَنْ يُطِيعُ الله إذا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي على أهلِ الأرضِ، ولا تَأْمَنُونَنِي؟» فسألَ رجلٌ
مِنَ القومِ قَتْلَه النبيَّ ◌َّةِ، أُراه خالدَ بنَ الوليدِ، فمَنَعَه، فلمَّا وَلَّى قال: ((إنَّ مِن ضِتْضِئٍ هذا قوماً
يَقرَؤونَ القرآنَ، لا يُحاوِزُ حَناجِرَهم، يَمْرُقونَ منَ الإسلامِ مُروقَ السَّهْمِ منَ الَّمِيّةِ، يقتُلُونَ
أهلَ الإِسلامِ، ويَدَعُونَ أهلَ الأوْثان، لَئِنْ أَدْرَ كتُهم لأقْتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ».
٧٤٣٣ - حدَّثنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا وكيعٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن
أبيه، عن أبي ذَرِّ، قال: سألتُّ النبيَّ وَّه عن قولِه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِىٍ لِمُسْتَقَرِّلَّهَا﴾ [يس: ٣٨]
قال: ((مُسْتَقَرُّها تحتَ العَرْشِ)).
قوله: ((بابُ قولِهِ تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِطَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٤١٦/١٣
اَلْكَلِمُ الَِّبُ﴾ وقال أبو جَمْرة)) بالجيم والرَّاء ((عن ابنِ عبَّاس: بَلَغَ أبا ذَرِّ مَبْعَثُ النبيّ ◌َّ)
الحديث ((وقال مجاهد: العملُ الصالحُ يرفع الكَلِمَ الطَّيِّبَ، يقال: ذي المعارج: الملائكة تَعْرُج
إليه)) أمّا الآية الأولى فأشارَ إلى ما جاءَ في تفسيرها في الكلام الأخير، وهو قول الفَرّاء: ذو
المعارج: من نَعتِ الله تعالى، وَصَفَ بذلك نفسه، لأنَّ الملائكة تَعرُج إليه. وحكى غيره أنَّ
معنى قوله: ﴿ذِى الْمَعَارِجِ﴾ أي: الفَواضل العاليَة.
وأمّا الآية الثّانية فأشار إلى تفسير مجاهد لها في الأثَر الذي قبله، وقد وَصَلَه الفِریابيّ من رواية
ابنِ أبي نَجِيح عن مجاهد(١). وأخرج البيهقيُّ (ص٤٢٥- ٤٢٦) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن
ابنِ عبّاس في تفسيرها: ((الكلامُ (٢) الطَّيِّب)): ذِكر الله، و((العمل الصالح)): أداء فرائض الله، فمَن
ذكر الله ولم يُؤَدِّ فرائضه رُدَّ كلامُه. وقال الفَرّاء: معناه أنَّ العمل الصالح يرفع الكلام الطِّّب،
أي: يُتَقَبَّلُ الكلامُ الطَّيِّب إذا كان معه عملٌ صالحٌ.
(١) وأخرجه أيضاً الطبري في ((تفسيرة)) ١٢١/٢٢، وهو في ((تفسير آدم بن أبي إياس)) المطبوع باسم ((تفسير
مجاهد)) ٢/ ٥٣١.
(٢) في (ع) و (س): الكلم، والمثبت من (أ) هو الموافق لرواية البيهقي وكذا هو عند الطبري في «تفسيره))
١٢١/٢٢.

٣٥٠
باب ٢٣/ح ٧٤٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأمّا التَّعليق عن أبي ◌َرة فمضى موصولاً (٣٥٢٢) في بابٍ إسلام أبي ذَرٍّ، وساقَه هناك
بطولِه، والغرض منه قول أبي ذَرِّ لأخيه: اعلَم لي عِلمَ هذا الذي يأتيه الخبر من السماء،
وتقدَّم شَرِحُه ثَمّةَ.
قال الرَّاغِب: العُروج: ذهابٌ في صُعود، وقال أبو عليّ القاليّ في كتابه (البارع)):
المعارج: جمع مَعْرَج بفتحَتَينِ كالمصاعِدِ جمع مَصْعَد، والعُروج: الارتقاء، يقال: عَرَجَ بفتحِ
الرَّاء يَعرُج بضمِّها عُروجاً ومَعرَجاً، والمَعَرَج: المصعَدُ، والطَّريقُ التي تَعرُج فيها الملائكة
إلى السماء، والمِعراج شبيه السُّلَّم، أو دَرَج تَعرُج فيه الأرواح إذا قُبِضَت، وحيثُ تَصعَد أعمالُ
بني آدم.
وقال ابنُ دُرَيد: هو الذي يُعايِنُهُ المريضُ عند الموت فيَشْخَص، فيما زَعَمَ أهل التَّفسير.
ويُقال: إنَّه بالِغٌّ في الحُسن بحيثُ إِنَّ النَّفْس إذا رَأته لا تَتَمَلَك أن تَخْرُج.
قال البيهقيُّ: صُعود الكلام الطَّيِّب والصَّدَقة الطَّة عبارة عن القَبُول، وعُروج الملائكة هو
إلى منازِلهم في السماء، وأمّا ما وَقَعَ من التَّعبير في ذلك بقوله: ((إلى الله)) فهو على ما تقدَّم عن
السَّلَف في التَّعويض، وعن الأئمّة بعدهم في التَّأويل.
وقال ابن بَطّال: غَرَض البخاريّ في هذا الباب الردّ على الجَهميّةِ المجَسِّمة في تَعلُّقها بهذه
الظَّواهر، وقد تَقرَّرَ أنَّ الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يَستَقِرّ فيه، فقد كان ولا مكان، وإِنَّا
أضافَ المعارج إليه إضافة تَشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤُه مع تنزيهه عن المكان. انتهى،
وخَلطُه المجَسِّمة بالجَهميّةِ من أعجَب ما يُسمَع (١).
ثمَّ ذكر فيه / أربعة أحاديث لبعضِها زيادة على الطَّريق الواحد:
٤١٧/١٣
الحديث الأول: عن أبي هريرة: ((يَتَعاقَبونَ فيكم ملائكة)) وقد تقدَّم شَرحه في أوائل
((كتاب الصلاة)) (٥٥٥). وإسماعيلُ شيخه: هو ابن أبي أويس، والمراد منه قوله فيه: «ثُمَّ يَعرُجُ
الذينَ باتُوا فيكم))، وقد تَسَّكَ بظواهر أحاديث الباب مَن زَعَمَ أنَّ الحقَّ سبحانه وتعالى في
(١) يعني لأنَّ الجهميّة مُعطِّلة، وهم على النقيض من المُجسِّمة.

٣٥١
باب ٢٣/ح ٧٤٣٣
كتاب التوحيد
جهة العُلوّ، وقد ذَكَرت معنى العُلوّ في حَقّه جلَّ وعَلا في الباب الذي قبله.
الحديث الثاني:
قوله: ((وقال خالد بن تَخْلَدٍ)) كذا للجميع، ووَقَعَ عند الخطَّبيّ في ((شَرحه))(١). قال أبو
عبد الله البخاريّ: حدَّثنا خالد بن ◌َلَدٍ.
قوله: ((حدَّثنا سليمان)) هو ابن بلال المدنيّ المشهور، وقد وَصَلَه أبو بكر الجَوزَقيّ في
(الجمع بين الصحيحين)) قال: حدَّثنا أبو العبّاس الدَّغُولِيّ حدَّثنا محمَّد بن معاذ السُّلَمَيّ
قال: حدَّثنا خالد بن ◌َخَلَدٍ، فذكره مِثل رواية البخاريّ سواء، وكذا أخرجه أبو عَوَانة في
((صحيحه)) عن محمَّد بن معاذ. وبيَّضَ له أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) ثمَّ قال: رواه، فقال: وقال
خالد بن مَلَدٍ.
وأخرجه مسلم (١٠١٤ /٦٤) عن أحمد بن عثمان عن خالد بن تَخَلَدٍ عن سليمان بن
بلال، لكن خالَفَ في شيخ سليمان فقال: عن سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه، كما أوضحتُ
ذلك في أوائل الزَّكاة (١٤١٠).
وقد ضاقَ تَخَرَجه على (٢) الإسماعيليّ وأبي نُعَيم في ((مُستَخرَجَيهما)) فأخرَجاه من
طريق عبد الرَّحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح، وهذه الرِّواية هي التي
تقدَّمَت للبخاريِّ في ((كتاب الزَّكاة)) (١٤١٠). ودَلَّتِ الرّواية المعلّقة وموافقة الجَوزَقيّ
لها على أنَّ لخالد فيه شيخَين، كما أنَّ لعبدِ الله بن دينار فيه شيخَينٍ، على ما دَلَّ عليه
التَّعليق الذي بعده.
قوله: ((وقال وَرْقاء)) يعني: ابن عمر ((عن عبد الله بن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي
هريرة، عن النبيّ ◌َّ: ولا يَصْعَد إلى الله إلّا طَيِّبٌ)) يريد أنَّ رواية ورقاء موافقة لروايةٍ سليمان إلّا
(١) ونسبه القسطلّاني في ((إرشاد الساري)) ٣٩٦/١٠ إلى أبي ذرِّ الهرويّ، إلا أنه قال: قال خالد بن مخلد، بدل:
حدّثنا خالد بن مخلد.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: عن.

٣٥٢
باب ٢٣/ح ٧٤٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
في شيخ شيخهما، فعند سليمان أنَّه: عن أبي صالح، وعند ورقاء أنَّه: عن سعيد بن يسار،
هذا في السَّنَد، وأمّا في المتن فظاهره أنَّهُما سواء، إلّا في قوله: ((الطَّيِّب)) فإنَّه في رواية ورقاء:
((طيِّب)) بغيرِ ألِف ولام(١).
وقد وَصَلَها البيهقيُّ (١٩٠/٤)(٢) من طريق أبي النَّضر هاشِم بن القاسم عن ورقاء،
فَوَقَعَ عنده: ((الطَّيِّب)، وقال في آخره: ((مِثل أُحُد)) عِوض قوله في الرّواية المعلّقة: ((مِثل
الجبل))(٣).
وقوله في الرِّواية المعلّقة: ((يَتَقَبَّلُها)) وَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((يَقبَلها)» مُفَّفاً بغيرِ مُثنّاة،
وهي رواية البيهقيّ.
وقوله: ((يُرَبّيها لصاحبِه)) وَقَعَ في رواية المُستَمْلي: ((يُرَبّيها لصاحبها))، وهي رواية
البيهقيِّ والباقي سواء. وقد ذَكَرت في الزّكاة أنّي لم أقِف على رواية ورقاء هذه المعلّقة،
ثُمَّ وَجَدتها بعد ذلك عند كتابَتي هنا، وقد تقدَّم شَرح المتن في ((كتاب الزَّكاة)) ولله
الحمد.
قال الخطَّبيُّ: ذِكر اليمين في هذا الحديث معناه حُسن القَبُول، فإنَّ العادة قد جَرَت من
ذَوي الأدب بأن تُصان اليمين عن مَسّ الأشياء الدَّنِيَّة، وإنَّما تُبَاشَر بها الأشياء التي لها قَدر
ومَزيّة، وليس فيما يُضاف إلى الله تعالى من صِفَة اليَدَينِ شِمال، لأنَّ الشِّمال لمَحَلِّ النَّقص
في الضَّعيف، وقد رويَ: ((كِلتَا يَدَيه يمين))(٤)، وليس اليد عندنا الجارحة، إنَّما هي صِفَة جاءَ
بها التَّوقيف، فنحنُّ نُطلِقها على ما جاءَت ولا نُكَيِّفها، وهذا مَذْهَب أهل السُّنّة والجماعة.
(١) هذا في رواية أبي ذرِّ الهروي، وفي رواية غيره: الطيّب، بالألف واللام. كذا في اليونينية.
(٢) وأخرجه البيهقي في موضع آخر من كتابه ١٧٦/٤ عن أبي النضر، فقال: ((إلا طيِّب)) بغير ألف ولام.
(٣) فات الحافظَ رحمه الله أنه عند أحمد (٨٣٨١) أيضاً عن أبي النضر وحسن بن موسى الأشيب، عن ورقاء،
به، كلفظ الرواية المعلّقة سواء، وكذلك في ((الغيلانيات)) (٣٨٣) من طريق عبد الصمد بن النعمان عن
ورقاء، بلفظ: ((مثل الجبل))، وقال: ((ولا يُطعِمُه إلا الله تعالى)) بدل قوله: ((ولا يصعد إلى الله إلا طيّبٌ)).
(٤) أخرجه مسلم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

٣٥٣
باب ٢٣/ح ٧٤٣٣
كتاب التوحيد
انتهى، وقد مضى بعضُ ما يُتَعقَّب به كلامُه في باب قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾(١).
الحديث الثالث: حديث ابن عبّاس في دعاء الكرب. وقد تقدَّمَتِ الإشارةُ إليه في الباب
الذي قبله (٧٤٢٦).
الحديث الرابع: حديث أبي سعيد، ذكره من وجهين عن سفيان وهو الثَّوْريّ، وأبوه: هو
سعيد بن مسروق، وابن أبي نُعمِ، بضمِّ النُّون وسكون المهمَلة: اسمه عبد الرَّحمن،
والذي وَقَعَ عند قَبيصة شيخ البخاريّ فيه من الشكّ: هل هو أبو نُعم أو ابن أبي نُعم؟
لم يُتَابَع عليه قَبيصة، وإنَّما أورَدَ طريق عبد الرَّزّاق عَقِب رواية قَبيصة، مع نزولها وعُلوّ
رواية قَبيصة لخُلِّ رواية عبد الرَّزّاق من الشكّ، وقد مضى في أحاديث الأنبياء
(٣٣٤٤) عن محمّد بن كثير عن سفيان بالجَزم، ومضى شَرح الحديث مُستَوَى في ((کتاب
الفتن)) (٢).
وقوله: ((بُعِثَ إلى النبيّ / وَّهِ بِذُّهَيِيةٍ)) كذا فيه: بُعِثَ، على البناء للمجهول، وبيَّنْه في رواية ٤١٨/١٣
عبد الرَّزّاق بقوله: بَعَثَ عليٌّ - وهو ابن أبي طالب - وهو في اليَمَن. وفي رواية الكُشمِيهَنيّ:
بالیَمَنِ.
وقوله: ((فقَسَّمَها بين الأقرع بن حابِس الحَنْظَلِيّ، ثمَّ أحد بني مُجاشِع)) بجيم خفيفة
وشين مُعجَمة مكسورة ((وبين عُيَينَ)) بمُهمَلةٍ ونون مُصغَّر ((بن بَدْر الفَزَارِيِّ، وبين عَلقَمة
ابن عُلاثة)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف اللّام بعدها مُثلَّثة ((العامريّ ثمَّ أحد بني كِلاب، وبين
زيد الخيل الطّائيّ ثُمَّ أحد بني نَبْهان)) وهؤُلاءِ الأربعة كانوا من المؤلّفة، وكلّ منهم رئيس
قومه، فأمّا الأقرَع فهو ابن حابِس، بمُهمَلَتَينِ وبموخَّدةٍ، ابن عِقال، بكسر المهمَلة وقاف
خفيفة، وقد تقدَّم نَسَبُه في تفسير سورة الحُجُرات (٤٨٤٥)، وله ذِكر في قَسم الغَنيمة يوم
حُنَينٍ (٤٣٣٦).
(١) باب رقم (١٩).
(٢) بل في كتاب استتابة المرتدين برقم (٦٩٣٣)، وفي المغازي (٤٣٥١).

٣٥٤
باب ٢٣/ح ٧٤٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قال المبرَّد: كان في صَدر الإسلام رَئيس خِندِف(١)، وكان محلّه فيها محلّ عُيَينةَ بن حِصْن
في قيس. وقال المرزُبانيّ: هو أوَّل مَن حَرَّمَ القِمار، وقيل: كان سَنوطاً(٢) أعرَج مع قَرَعه
وعَوَره، وكان يَجِكُم في المواسم، وهو آخر الحُكّام من بني تميم، ويُقال: إنَّه كان مَمَّن دَخَلَ
من العرب في المجوسيّة، ثمَّ أسلَمَ وشَهِدَ الفُتوح، واستُشهِدَ باليرموك، وقيل: بل عاشَ
إلى خلافة عثمان فأُصيبَ بالجوزجان.
وأمّا عُيَينة بن بدر فنُسِبَ إلى جَدّ أبيه، وهو عُيَينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر بن عَمرو
ابن لَوْذان (٣) بن ثَعلَبة بن عَديّ بن فزارة، وكان رَئيسَ قيس في أوَّل الإسلام، وكُنيتُه أبو مالك،
وقد مضى له ذِكر في أوائل الاعتصام (٧٢٨٦)، وسَّه النبيّ ◌َّ: الأحمق المطاع، وارتَدَّ مع
طُلَيحة ثمّ عادَ إلى الإسلام.
وأمّا عَلقَمة فهو ابن عُلاثة بن عَوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن
عامر بن صَعْصَعة، وكان رَئيسَ بني كِلاب مع عامر بن الطَّفَيل، وكانا يتنازَعان الشَّرَف
فيهم ويَتَفاخَران، ولَهُما في ذلك أخبار شهيرة، وقد مضى في باب بَعث عليّ رضي الله عنه
على اليَمَن من كتاب المغازي (٤٣٥١) بلفظ: والرَّابع إمّا قال: عَلقَمة بن عُلاثة وإمّا قال:
عامر بن الطُّفَيل، وكان عَلقَمة حَليماً عاقلاً، لكن كان عامرٌ أكثرَ منه عطاءً، وارتَدَّ عَلَقَمة
مع مَن ارتَدّ،َ ثمَّ عادَ وماتَ في خِلَافة عمر بحَوْران، وماتَ عامر بن الطُّفَيل على شِرْكه في
الحياة النبويّة.
وأمّا زيد الخيل، فهو ابن مُهَلهِل بن زيد بن مُنْهِب بن عبد رُضا، بضمِّ الرَّاء وتخفيف
المعجَمة، وقيل له: زيد الخيل، لعِنايتِه بها، ويُقال: لم يكن في العرب أكثر خيلاً منه، وكان
شاعراً خطيباً شجاعاً جَواداً، وسَّه النبيّ ◌َّ: زيد الخير، بالرّاءِ بَدَل اللّام، لما كان فيه من
الخير، وقد ظَهَرَ أثَر ذلك، فإنَّه ماتَ على الإسلام في حياة النبيّ وََّ، ويُقال: بل تُوُفِي في
(١) هذا اسمُ امرأة الياس بن مُضَر، نُسب إليها بنوها.
(٢) السَّنُوطُ: من لا لحية له أصلاً، أو الخفيف شعر الخدِّ، أو لحيته في الذَّقَّن وما بالخَذَّين شيءٌ.
(٣) بين عمرو ولَوْذان في كتب الأنساب: جُوَيَّة. انظر ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص ٢٥٦.

٣٥٥
باب ٢٣/ح ٧٤٣٣
كتاب التوحيد
خِلَافة عمر، قال ابن دُرَيدٍ: كان من الخطّاطينَ، يعني من طوله، وكان على صَدَقات بني
أسد، فلم یرتَدّ مع مَن ارتَدَّ.
قوله: ((فَتَغْيَّظَتْ قُرَيش) كذا للأكثرِ: من الغَيظ، وفي رواية أبي ذرِّ عن الحَمُِّيِّ: ((فتَغَضَّبَت))
بضادٍ مُعجَمة بغيرِ ألف بعدها موخَّدة: من الغضب، وكذا للَّسَفيّ، وقد مضى في قصّة عادَ
(٣٣٤٤) من وجه آخر عن سفيان بلفظ: فَغَضِبَت قُريش والأنصار.
قوله: ((إنَّمَا أَتَأَلَّفهم)) في الرِّواية التي في المغازي (٤٣٥١): ((أَلا تَأْمَنوني وأنا أمين مَن في
السماء؟)) وبهذا تَظهَر مُناسَبة هذا الحديث للتَّرجمة، لكنَّه جَرَى على عادته في إدخال
الحديث في الباب للفظةٍ تكون في بعض طرقه هي المناسِبة لذلك الباب، يشير إليها، ویرید
بذلك شَحْذ الأذهان والبَعْث على كَثْرة الاستحضار، وقد حكى البيهقيُّ عن أبي بكر
الصِّبغي(١)، قال: العرب تَضَع ((في)) موضع ((على)) كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]،
وقوله: ﴿وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، فكذلك قوله: ((مَن في السَّماءِ)) أي: على
العَرش فوق السماء، كما صَحَّتِ الأخبار بذلك.
الحديث الخامس: حديث أبي ذرِّ في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَّهَا
[يس: ٣٨] أورَدَه مُختصَراً، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في الباب الذي قبله (٧٤٢٤).
قال ابن المنيِر: جميع الأحاديث في هذه التَّرجمة مُطابِقة لها، إلّا حديث ابن عبّاس فليس
فيه إلّا / قوله: ((رَبّ العَرش))، ومُطابَقَته - والله أعلم - من جهة أنَّه نَبَّه على بُطلان قول مَن ٤١٩/١٣
أثبتَ الجهة أخذاً من قوله: ﴿ذِى الْمَعَارِجِ﴾، ففَهِمَ أنَّ العُلوّ الفَوقيّ مُضاف إلى الله تعالى،
فبيَّن المصنّف أنَّ الجهة التي يَصدُق عليها أنَّهَا سَماءٌ، والجهة التي يَصدُق عليها أنَّهَا عَرشٌ،
كلّ مِنْهُما مخلوق مَرَبُوب مُحدَث، وقد كان الله قبلَ ذلك وغيرِه، فحَدَثَت هذه الأمكِنة،
وقِدَمه يُحيل وصفَه بالتَّحَيُّرِ فيها، والله أعلم.
(١) تصحف في (أ) و (س) إلى: الضبعي، وإنما هو الصّبغي، بكسر الصاد المهملة بعدها باء موحدة ثم غين
معجمة، نسبة إلى الصِّبْغ.

٣٥٦
باب ٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
٢٤ - باب قول الله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَاضِرَةُ (٦ إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ -٢٣]
٤٢٤/١٣
قوله: ((بابُ قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوَمَِّذٍ نَاضِرَةُ (٢) إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ﴾)) كأنَّه يشير إلى ما
أخرجه عبد بن حُميد (٨١٩) والتِّرمِذيّ (٢٥٥٣) والطََّريّ (١٩٣/٢٩) وغيرهم وصَخَّحَه
الحاكم (٥٠٩/٢ - ٥١٠) من طريق تُوَير بن أبي فاخِتَةً عن ابن عمر عن النبيّ وَ قال: ((إنَّ
أدنى أهل الجنَّة مَنزِلَةً لمن يَنظُرُ في مُلكه ألف سَنة، وإنَّ أفضَلهم مَنِزِلةً لمن يَنظُر في وجه ربّه
عزَّ وجلَّ في كلّ يوم مرَّتَينِ)) قال: ثمَّ تلا ﴿وُجُوهٌ يُؤَمَذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال: ((بالبياض
والصَّفاء)) ﴿إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قال: ((تَنظُرُ كلّ يوم في وجه الله))، لفظ الطَّبَريّ من طريق
مُصعَب بن المقدام عن إسرائيل عن ثُوير.
وأخرجه عبْدٌ عن شَبابة عن إسرائيل، ولفظه: ((لمن يَنظُر إلى جِنانه وأزواجه وخَدَمه ونَعيمه
وسُرُره مَسيرة ألف سَنة، وأكرمهم على الله تعالى مَن يَنظُر إلى وجهه غُدوة وعَشّة))، وكذا
أخرجه التِّرمِذيّ (٢٥٥٣ و٣٣٣٠) عن عبْدٍ، وقال: غريب، رواه غير واحد عن إسرائيل
مرفوعاً، ورواه عبد الملك بن أبجَر عن تُوَير عن ابن عمر موقوفاً، ورواه الثَّوْريّ عن تُوَير عن
مجاهد عن ابن عمر موقوفاً أيضاً، قال: ولا نَعلَم أحداً ذكر فيه مجاهداً غير الثَّوْريّ بالعَنْعَنِةِ(١).
قلت: أخرجه ابن مَرْدويه من أربعة طرق عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعت ابن
عمر، ومن طريق عبد الملك بن أبجَر عن ثوير مرفوعاً، وقال الحاكم بعد تخريجه: ثوير لم
يُنْقَم عليه إلّا التَّشَبُّع.
قلت: لا أعلم أحداً صَرَّحَ بتَوثيقِه، بل أطبقوا على تضعيفه (٢)، وقال ابن عَديٍّ: الضَّعف
(١) قوله: بالعنعنة، ليس في نُسخنا الخطية الحاضرة من ((جامع الترمذي))، ولعلها من الحافظ زيادة للبيان،
والله أعلم.
(٢) لكن قال الطبري في (تهذيب الآثار)) في مسند علي بن أبي طالب ص ٢٠٨ وقد أورد حديثاً من طريق
ٹویر بن أبي فاختة عن أبيه عن علي بن أبي طالب: هذا خبر عندنا صحیح سنده، وقد یکون على مذهب
الآخرين سقيماً غير صحيح لعلل، .... وذكر منها: الثانية أن ثوير بن أبي فاختة عندهم ممن لا يُتُّ
بحديثه. قلنا: فذهب هو إلى توثيقه.

٣٥٧
باب ٢٤
كتاب التوحيد
على أحاديثه بيِّن، وأقوى ما رأيت فيه قول أحمد بن حَنبَل فيه، وفي لَیث بن أبي سُلَیم ويزيد
ابن أبي زياد: ما أقرَب بعضهم من بعض، وأخرج الطَّبَريّ (١٩٣/٢٩) من طريق أبي
الصَّهباء موقوفاً نحو حديث ابن عمر. وأخرج (٢٩/ ١٩٢) بسندٍ صحيح إلى يزيد النَّحويّ/ ٤٢٥/١٣
عن عِكرمة في هذه الآية قال: تَنظُرُ إلى ربّهَا نَظَراً. وأخرج (٢٩/ ١٩٢) عن البخاريّ عن
آدم عن مُبارَك عن الحسن قال: تَنظُر إلى الخالق وحُقَّ لها أن تَنْضُر (١).
وأخرج عبد بن حُميد عن إبراهيم بن الحَكَم بن أبان عن أبيه عن عِكرمة: انظُرُوا ماذا
أعطَى الله عبده من النّور (٢) في عينه من النَّظَر إلى وجه ربّه الكريم عياناً - يعني في الجنَّة - ثمّ
قال: لو جُعِلَ نور جميع الخلق في عينَيْ عبد، ثمَّ كُشِفَ عن الشمس سِترٌ واحدٌ ودوتَها
سبعونَ سِتراً، ما قَدَرَ على أن يَنظُر إليها، ونور الشمس جُزء من سبعينَ جُزءاً من نور
الكُرسِيّ، ونور الكُرسيّ جُزء من سبعينَ جُزءاً من نور العَرش، ونور العَرش جُزء من سبعينَ
جزءاً من نور السِّتر. وإبراهيم فيه ضَعفٌ.
وقد أخرج عبد بن حُميدٍ عن عِكرمة من وجه آخَر إنكار الرُّؤية. ويُمكِنُ الجمع بالحمْلِ
على غير أهل الجنَّة، وأخرج (٣) بسندٍ صحيح عن مجاهد: ناظرة: تَنظُر الثَّواب، وعن أبي
صالح نحوه.
وأورَدَ الطَّبَريّ الاختلاف فقال: الأولى عندي بالصَّوابِ ما ذَكَرناه عن الحسن البصريّ
وعِكرمة وهو ثُبُوت الرُّؤية، لموافَقَتِهِ الأحاديثَ الصَّحيحةَ، وبالَغَ ابن عبد البَرّ في رَدّ الذي نُقِلَ
عن مجاهد وقال: هو شُذوذ.
وقد تَسَّك به بعض المعتَزِلة وتَمَسَّكوا أيضاً بقوله ◌َ له في حديث سؤال جبريل عن
الإسلام والإيمان والإحسان، وفيه: ((أن تَعبُدَ الله كأنَّك تَراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يَراك))(٤)، قال
(١) تحرَّف في (ع) و (س) إلى: تنظر، وكانت كذلك في (أ) ثم صُحِّحت.
(٢) تحرَّف في (أ) و (ع) إلى: الفوز.
(٣) وأخرجه الطبري ٢٩/ ١٩٢ أيضاً.
(٤) أخرجه مسلم (٨).

٣٥٨
باب ٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
بعضهم: فيه إشارة إلى انتفاء الرُّؤية، وتُعقّبَ بأنَّ المنفيّ فيه رُؤْيَته في الدُّنيا، لأنَّ العبادة
خاصّة بها، فلو قال قائل: إنَّ فيه إشارةً إلى جواز الرُّؤية في الآخرة لمَا أبعَدَ.
وزَعَمَت طائفة من المتكلِّمينَ كالسّالميّة(١) من أهل البصرة أنَّ في الخبر دليلاً على أنَّ الكفّار
يَرَونَ الله يوم القيامة من عُموم اللِّقاء والخِطاب، وقال بعضهم: يراه بعض دونَ بعض،
واحتَجّوا بحديثٍ أبي سعيد، حيثُ جاءَ فيه أنَّ الكفَّارِ يَتَساقَطونَ في النار إذا قيل لهم: ألا
تَرِدُونَ، ويَبقَى المؤمنونَ وفيهم المنافقونَ، فيَرَونَه لمَّا يَنصِب الجِسر ويَتَبَعونَه، ويُعطَى كلُّ
إنسان منهم نورَه ثمَّ يُطفَأ نور المنافقينَ(٢).
وأجابوا عن قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] أنَّه بعد دخول الجنَّة،
وهو احتجاج مَردود، فإنَّ بعد هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] فدَلَّ على أنَّ
الحَجب وَقَعَ قبل ذلك، وأجابَ بعضهم بأنَّ الحَجب يَقَع عند إطفاء النّور، ولا يَلزَم من كونه
يَتَجلَّ للمُؤمِنِينَ ومَن معهم مَمَّن أدخَلَ نفسه فيهم أن تَعُمّهم الرُّؤية، لأَنَّه أعلَمُ بهم، فيُنعِم على
المؤمنينَ بُرُؤيَتِه دونَ المنافقينَ، كما يَمنَعهم من السُّجود، والعلم عند الله تعالى.
قال البيهقيّ: وجه الدَّليل من الآية أنَّ لفظ: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ الأوَّل: بالضّادِ المعجَمة السّاقطة:
من النَّضرة بمعنى السُّرور، ولفظ: ﴿نَاظِرَةٌ ﴾ بالظّاءِ المعجمة المشالة يحتمل في كلام العرب
أربعة أشياء: نَظَر التفكُّر والاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾
[الغاشية: ١٧]، ونَظَر الانتظار، كقوله تعالى: ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً ﴾ [يس: ٤٩]، ونَظَر
التَّعَطُّف والرَّحمة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ونَظَرَ الرُّؤية، كقوله
تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠]، والثَّلاثة الأُولى غير
مُرادة.
(١) نسبة إلى أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم البصري، له ترجمة في ((تاريخ الإسلام)) للذهبي في وفيات سنة
ستین وثلاث مئة.
(٢) هذان حديثان، أحدهما لأبي سعيد الخدري، وهو الحديث المتقدم برقم (٤٥٨١)، والآخر بذكر قصة
انطفاء نور المنافقين، من حديث جابر، أخرجه مسلم (١٩١).

٣٥٩
باب ٢٤
كتاب التوحيد
أمّا الأوَّل: فلأنَّ الآخرة ليست بدار استدلال، وأمّا الثّاني: فلأنَّ في الانتظار تَنغيصاً
وتَكديراً، والآية خَرَجَت ◌َخَرَج الامتِنان والبِشارة، وأهل الجنَّة لا يَنْتَظِرونَ شيئاً، لأنَّه
مهما خَطَرَ لهم أُتُوا به، وأمّا الثّالث: فلا يجوز، لأنَّ المخلوق لا يَتَعَطَّف على خالقه، فلم يَبَقَ
إلّا نَظَرِ الرُّؤية، وانضَمَّ إلى ذلك أنَّ النَّظَر إذا ذُكِرَ مع الوجه انصَرَفَ إلى نَظَر العينين اللَّتَيْنِ
في الوجه، ولأنَّه هو الذي يَتعدَّى بإلى كقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، وإذا ثَبَتَ أنَّ
﴿نَظِرَةٌ﴾ هنا بمعنى رائية، اندَفَعَ قول مَن زَعَمَ أنَّ المعنى: ناظرةٌ إلى ثواب ربّها، لأنَّ الأصل
عَدَمِ التَّقدير، وأيَّدَ منطوق الآية في حَقّ المؤمنينَ بمفهومِ الآية الأُخرى في حَقّ الكافرينَ
﴿إِنَّهُمْ عَنْ زَّيْهِمْ يَوْمَيِذٍلََّحْبُونُونَ﴾ وقَيَّدَها بالقيامةِ في الآيتينِ إشارة إلى أنَّ الرُّؤية تَحصُل للمُؤمِنِينَ
في / الآخرة دونَ الدُّنيا. انتهى مُلخَّصاً موضّحاً.
٤٢٦/١٣
وقد أخرج أبو العبّاس السَّاج(١) في ((تاريخه)) عن الحسن بن عبد العزيز الجَرَويّ -
وهو من شيوخ البخاريّ - سمعت عَمرو بن أبي سَلَمة يقول: سمعت مالك بن أنس
وقيل له: يا أبا عبد الله، قول الله تعالى: ﴿إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ يقول قوم: إلى ثوابه، فقال: كذَبوا،
فأينَ هم عن قوله تعالى: ﴿كَلَّ ◌ِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؟
ومن حيثُ النَّظَر إنَّ كلّ موجود يَصِحّ أن يُرَى، وهذا على سبيل التنزّل، وإلّا فصفات
الخالق لا تُقاس على صفات المخلوقينَ، وأدلَّة السَّمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهلِ
الإيمان دونَ غيرهم، ومُنِعَ ذلك في الدُّنيا، إلّا أنَّه اختُلِفَ في نبيّنا ◌َّةِ، وما ذَكَروه من الفَرق
بين الُّنيا والآخرة أنَّ أبصار أهل الدُّنيا فانية، وأبصارهم في الآخرة باقية، جَيِّدٌ، ولكن لا
يَمنَع تخصيص ذلك بمَن ثَبَتَ وقوعه له.
ومَنَعَ جُهور المعتَزِلة الرُّؤيةَ مُتَمسِّكينَ بأنَّ من شرط المرئيّ أن يكون في جهة، والله مُنَزَّهُ
عن الجهة، واتَّفَقوا على أنَّه يَرَى عباده، فهو راءٍ لا من جهة.
واختَلَفَ مَن أثبَتَ الرُّؤية في معناها: فقال قوم: يَحَصُل للرَّائي العلم بالله تعالى برُؤيةِ العين،
(١) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٣٢٦/٦.

٣٦٠
باب ٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
كما في غيره من المرئيّات، وهو على وَفْقِ قوله في حديث الباب: ((كما تَرَونَ القمر))، إلّا أنَّه
مُنَزَّةٌ عن الجهة والكيفيّة، وذلك أمر زائد على العلم.
وقال بعضهم: إنَّ المراد بالرُّؤيةِ العلمُ.
وعَبَّرَ عنها بعضهم بأنَّها حصول حالة في الإنسان نِسبتُها إلى ذاته المخصوصة نسبة الإبصار
إلى المرئيّات.
وقال بعضهم: رُؤية المؤمن لله نوعُ كَشفٍ وعِلمٍ، إلّا أنَّه أتمّ وأوضَح من العلم، وهذا
أقرب إلى الصَّواب من الأوَّل. وتُعقِّبَ الأوَّل بأَنَّه حينَذِ لا اختصاص لبعضٍ دونَ بعض، لأنَّ
العلم لا يَتَفاوت.
وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّ الرّؤية بمعنى العلم تَتَعَدَّى لمفعولَينِ، تقول: رأيت زيداً فقيهاً،
أي: علمتُه، فإن قلت: رأيت زيداً مُنطَلِقاً، لم يُفهَم منه إلّا رُؤيةُ البَصَر، ويزيده تَحقيقاً قوله
في الخبر(١): ((إِنَّكم سَتَرَونَ رَبّكم عِياناً))، لأنَّ اقتران الرُّؤية بالعِيان لا يحتمل أن يكون
بمعنی العلم.
وقال ابن بَطّال: ذهب أهل السُّنّة وجُمهور الأُمّة إلى جواز رُؤية الله في الآخرة، ومَنَعَ
الخوارج والمعتزلة وبعض المرجِئة، وتَسَّكوا بأنَّ الرُّؤية توجِب كَون المرئيّ مُحدَثاً وحالًا في
مكان، وأوَّلوا قوله: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بمُنْتَظِرةٍ، وهو خَطَأْ، لأنَّه لا يَتعدَّى بإلى، ثمَّ ذكر نحو ما
تقدَّم، ثمَّ قال: وما تَمَسَّكوا به فاسِدٌ لقيام الأدلّة على أنَّ الله تعالى موجودٌ، والرُّؤية في
تَعلَّقِها بالمرئيِّ بمَنزِلةِ العلم في تَعلُّقِه بالمعلومِ، فإذا كان تَعلُّق العلم بالمعلومِ لا يوجِب
حَدَثَهُ فكذلك المرئيّ.
قال: وتَعلَّقوا بقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اٌلْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وبقوله تعالى لموسى:
﴿لَنْ تَرَنِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والجواب عن الأوَّل: أنَّه لا تُدرِكُه الأبصار في الدُّنيا جمعاً بين
دَليلَي الآيتين، وبأنَّ نَفي الإدراك لا يَستَلِزِم نَفي الرُّؤية، لإمكان رُؤية الشَّيء من غير إحاطةٍ
(١) في حديث جرير (٧٤٣٥).