Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ باب ٢٢/ح ٧٤١٨ -٧٤١٩ كتاب التوحيد المعدوم شيء، وقد أطبَقَ العُقَلاء على أنَّ لفظ ((شيء)» يقتضى إثبات موجود، وعلى أنَّ لفظ لا شيء يقتضي نَفي موجود، إلّا ما تقدَّم من إطلاقهم ((ليس بشيءٍ)) في الذَّمّ، فإنَّه بطريق المجاز. ٢٢ - باب ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] قال أبو العاليةِ: ﴿اُسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَآءِ﴾ [البقرة: ٢٩]: ارتَفَعَ، فَسَوَّى: خَلَقَ. وقال مجاهدٌ: ﴿اُسْتَوَى﴾: عَلا على العَرْشِ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿اَلْمَجِيدِ﴾ [البروج: ١٥]: الكَرِیمُ. وَ﴿اُلْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]: الحَبِيبُ. يُقالُ: ﴿حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] كأَنَّه فعِيلٌ مِن ماجِدٍ، محمودٌ مِن حَمِدَ. ٧٤١٨- حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبَرَنا أبو حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن جامِعِ بنِ شدَّادٍ، عن صَفْوانَ بنِ مُخْرِرٍ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، قال: إنّ عندَ النبيِّ ◌َّهِ إِذْ جاءَه قومٌ مِن بني تَمِيمِ، فقال: ((اقِبَلوا البُشْرَى يا بني تَمِيمٌ)) قالوا: بَشَّرْتَنا فأعطِنا، فدَخَلَ ناسٌ مِن أهلِ اليَمَنِ، فقال: ((اقبَلُوا الْبُشْرَى يا أهلَ الْيَمَنِ، إذْ لم يَقْبَلْها بنو تَمِيمٍ)) قالوا: قَبِلْنا، جِئْنَاكَ لنَتَفَقَّهَ في الدِّينِ، ولنَسأَلَكَ عن أوَّلِ هذا الأمرِ، ما كانَ؟ قال: ((كانَ الله، ولم يَكُنْ شيءٌ قبلَه، وكان عَرْشُه على الماءِ، ثمَّ خَلَقَ السَّماوات والأرضَ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ)» ثمَّ أتاني رجلٌ، فقال: یا عِمْرانُ، أدْرِكْ ناقَتَكَ فقد ذهبَت، فانطَلَقتُ أطلُبُها، فإذا السَّرابُ يَنْقَطِعُ دونَها، وايْمُ الله لَوَدِدتُ أنَّها قد ذهبتْ ولم أُقُمْ. ٧٤١٩- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّامِ، حدَّثنا أبو هُرَيرةَ، عن النبيِّ نَّه، قال: ((إنَّ يَمِينَ الله مَلأى لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيلَ والنَّهَارَ، أرأيْتُم ما أَنْفَقَ اللهُ منذُ خَلَقَ السَّماوات والأرضَ؟ فإِنَّه لم يَنقُصْ ما فِي يَمِينِهِ، وعَرْشُه على الماءِ، وبيَدِه ٣٢٢ باب ٢٢/ح ٧٤٢٠ - ٧٤٢٤ فتح الباري بشرح البخاري الأُخرى الفَيْضُ. أو القَبْضُ. يرفَعُ ونَخْفِضُ)). ٧٤٢٠ - حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المقدَّمِيُّ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زیدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: جاءَ زيدُ بنُ حارثةَ يَشْكو، فجَعَلَ النبيُّ ◌َيهِ يقولُ: ((اتَّقِ الله، وأمْسِكْ عليكَ زَوْجَكَ)). قال أنسُ: لو كانَ رسولُ الله ◌َِّ كاتماً شيئاً لكَتَمَ هذه، قال: وكانت تَفْخَرُ على أزواجِ النبيِّ وَّةِ، تقولُ: زَوَّ جَكُنَّ أهاليكُنَّ، وَزَوَّجَني الله مِن فوْقِ سبعٍ سَماواتٍ. ٧٤٢٠م - وعن ثابتٍ ﴿وَتُخْفِى فِي نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]: نَزَّلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ وزيدِ بنِ حارثةَ. ٧٤٢١ - حدَّثنا خلَّادُ بنُ يحيى، حدَّثنا عيسى بنُ طَهْمانَ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ ظ يقولُ: نَزَلَتْ آيَةُ الحِجاب في زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ، وأطعَمَ عليها يومَئذٍ خُبْزاً ولحماً، وكانت تَفْخَرُ على نساءِ النبيِّ وََّ، وكانت تقولُ: إنَّ اللهَ أنكَحَني في السماءِ. ٧٤٢٢- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ نَّه قال: ((إنَّ الله لمَّا قَضَى الخلقَ كَتَبَ عندَه فوْقَ عَرْشِه: إنَّ رحمتي سَبَقَتْ غَضَبِي)). ٧٤٢٣- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثني محمَّدُ بنُ فُلَيِحٍ، قال: حدَّثني أبي، حذَّثني هلالٌ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ بَّرِ قال: ((مَنْ آمَنَ بالله ورسولِهِ، وأقامَ الصلاةَ، وصامَ رمضانَ، كانَ حَقّاً على الله أنْ يُدْخِلَه الجنَّةَ، هاجَرَ في سبيلِ الله، أو جَلَسَ في أرضِه التي وُلِدَ فيها)) قالوا: يا رسولَ الله، أَفَلا نُنَبِّحُ الناسَ بذلك؟ قال: ((إنَّ في الجنَّةِ مئةَ درجةٍ، أعَدَّها الله للمجاهدِينَ في سبيلِه، كلُّ دَرَجَتَيْنِ ما بينَهما كما بينَ السماءِ والأرضِ، فإذا سألتُم الله فسَلُوه الفِرْدَوْسَ، فإنَّه أوْسَطُ الجنَّةِ وأعلَى الجنَّةِ، وفَوْقَه عَرْشُ الرَّحمنِ، ومِنْه تَفَخَّرُ أَنْهَارُ الجنّةِ)). ٧٤٢٤- حدّثنا يحيى بنُ جعفرٍ، حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ - هو التَّيْمِيُّ - عن أبيه، عن أبي ذرّ، قال: دَخَلتُ المسجدَ ورسولُ اللهِ وَِّ جالسٌ، فلمَّا غَرَبَتِ الشمسُ قال: ٣٢٣ باب ٢٢/ح ٧٤٢٥ -٧٤٢٨ كتاب التوحيد ((يا أبا ذَرٍّ، هل تَدْري أينَ تذهبُ هذه؟)) قال: قلتُ: الله ورسولُه أعلَمُ، قال: «فإنََّا تذهبُ فتستأذِنُ في السُّجودِ، فَيُؤْذَنُ لها، وكأنَّها قد قيل لها: ارجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبها» ثمَّ قرأ: ((ذلك مُسْتَقَرٍّ لها)) في قراءةِ عبدِ الله. ٧٤٢٥- حدَّثْنا موسى، عن إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن عُبَيَدِ بنِ السَّاق. وقال اللَّيْثُ: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ السَّاق، أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ حَدَّثَه، قال: أرسَلَ إلَّ أبو بكرٍ فَتَتَبَّعتُ القرآنَ، حتَّى وَجَدتُ آخِرَ سورةِ التَّوْبةِ معَ أبي خُزَيْمَةً الأنصاريِّ، لم أجِدْها معَ أحدٍ غيرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتَّى خاتمةٍ براءةٌ. حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونُسَ بهذا، وقال: معَ أبي خُزَيْمَةَ الأنصاريِّ. ٧٤٢٦- حدَّثْنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيْبٌ، عن سعيدٍ، عن قَتَادةَ، عن أبي العاليَةِ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كانَ النبيُّ وَّلِ يقولُ عندَ الكَرْبِ: ((لا إلهَ إلّ الله العَلِيم الحَلِيمُ، لا إلهَ إلّا الله رَبُّ العَرْشِ العظيم، لا إلهَ إلّا الله رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأرضِ، رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ)). ٧٤٢٧- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرِو بنِ يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((الناسُ يَصْعَقونَ يومَ القيامةِ، فإذا أنا بموسى آخِذٌ بقائمةٍ مِن قوائمِ العَرْشِ)). ٧٤٢٨- وقال الماحِشونُ: عن عبدِ الله بنِ الفَضْلِ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ نَّه قال: ((فَأكونُ أَوَّلَ مَن بُعِثَ، فإذا موسى آخِذٌ بالعَرْشِ». قوله: ((باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾)) كذا ذكر ٤٠٥/١٣ قِطعَتَينِ من آيتَين، وتَلَطَّفَ في ذِكر الثّانية عَقِب الأولى، لَرَدِّ مَن تَوهَّمَ من قوله في الحديث: ((كانَ الله ولم يكن شيءٌ قبلَه، وكان عَرشه على الماء)) أنَّ العَرش لم يزل مع الله تعالى، وهو مَذْهَب باطل، وكذا مَن زَعَمَ من الفَلاسِفة أنَّ العَرش هو الخالق الصّانع. ٣٢٤ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري ورُبَّمَا تَمَسَّكَ بعضهم وهو أبو إسحاق الهَرَويُّ(١) بما أخرجه من طريق سفيان الثَّوْريّ حدَّثنا أبو هاشم(٢)، هو الزُّمّانيّ بالزَّاءِ والتَّشديد، عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: إنَّ الله كان على عَرشه قبل أن يَخْلُق شيئاً، فأوَّل ما خَلَقَ الله القَلَمُ. وهذه الأوَّليّة محمولة على خلق السَّماوات والأرض وما فيهما، فقد أخرج عبد الرَّزّاق في ((تفسيره)) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] قال: هذا بَدْء خلقه قبل أن يَخْلُق السماء، وعَرشه من ياقوتة حَمراء، فأردَفَ المصنّف بقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ إشارة إلى أنَّ العَرش مَربوب، وكلّ مَربوب مخلوق، وخَتَمَ الباب بالحديث الذي فيه: ((فإذا أنا بموسى آَخِذٌ بقائمةِ من قوائم العَرش)) فإنَّ في إثبات القوائم للعَرشِ دلالةً على أنَّه جسم مُرَكَّب له أبعاض وأجزاء، والجسم المؤلّف مُحدَث مخلوق. وقال البيهقيُّ في ((الأسماء والصِّفات)): اتَّفَقَت أقاويل أهل النَّفسير على أنَّ العَرش هو السَّرير، وأَنَّه جسم خَلَقَه الله وأمَرَ ملائكته بحَملِهِ، وتَعَبَّدَهم بتعظيمِه والطَّواف به، كما خَلَقَ في الأرض بيتاً، وأمَرَ بني آدم بالطّواف به واستقباله في الصلاة، وفي الآيات - أي: التي ذكرها - والأحاديث والآثار دلالة على صِحّة ما ذهبوا إليه. قوله: ((قال أبو العالية: ﴿أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَآءِ﴾: ارتَفَعَ، فسوَّى: خَلَقَ)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ﴿فَسَوَّهُنَ﴾: خَلَقَهُنَّ وهو الموافق للمنقولِ عن أبي العالية، لكن بلفظ: ﴿فَقَضَنُهُنَّ﴾، كما أخرجه الطَّبَرِيُّ(٣) من طريق أبي جعفر الرَّازيِّ [عن الربيع بن (١) وأخرجه أيضاً عثمان بن سعيد الدارمي في ((الردّ على الجهمية)) (٤٤)، والطبري في «تفسيره)) ١٧/٢٩. (٢) تحرفت في (س) إلى: هشام. (٣) لم نقف عليه عند الطبري في ((تفسيره)) ولا في غيره من كتبه المطبوعة من تفسير أبي العالية، وإنما هو في ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١/ ٧٥ من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، بتفسير الآية بنَصِّها، كما في رواية الكُشمِيهنّي هاهنا، إلا أنه قال: سَوَّى خَلْقَهُنَّ، وقد رُوي هذا التفسير بعينه عند الطبري ١/ ١٩١ و ١٩٢ عن الربيع بن أنس، لكن من طريق أخرى عن أبي جعفر الرازي عنه، فلعل الحافظ رحمه الله ظنّه عن أبي العالية، نظراً لأن جُلَّ روايات الربيع في التفسير عن أبي العالية، فنسبه إليه، والله أعلم. ٣٢٥ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ كتاب التوحيد أنس](١) عنه في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَّ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قال: ارتَفَعَ، وفي قوله: ﴿فَقَضَتُهُنَّ﴾: خَلَقَهُنَّ، وهذا هو المعتمَد، والذي وَقَعَ: ((فسوّاهُنَّ)) تغيير(٢). ووَقَعَ لفظ سوَّى أيضاً في سورة النازعات [٢٨] في قوله تعالى: ﴿رَفَعَ سَمَّكَهَا فَوَّلَهَا﴾، وليس المرادهنا، وقد تقدَّم في تفسير سورة فُصِّلَت(٣) في حديث ابن عبّاس الذي أجابَ به عن الأسئلة التي قال السّائل: إنَّهَا اخْتَلَفَت عليه في القرآن، فإنَّ فيها: أنَّه خَلَقَ الأرض قبل خلق السماء، ثمَّ استَوى إلى السماء فسوّاهُنَّ سبع سَماوات، ثمَّ دَحا الأرض. ثمّ إنَّ في تفسير سوَّى بخَلَقَ نَظَراً، لأنَّ في التَّسوية قَدراً زائداً على الخَلْقِ(٤)، كما في قوله تعالى: ﴿ الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿أَسْتَوَىّ﴾: عَلا على الْعَرْشِ)) وَصَلَه الفِريابيّ عن ورقاء عن ابنِ أبي نَجِیح عنه. قال ابنِ بَطّال: اختَلَفَ الناس في الاستواء المذكور هنا: فقالت المعتزلة: معناه: الاستيلاء بالقَهرِ والغَلَبة، واحتَجّوا بقولِ الشّاعر: قد استَوَى بِشرٌّ على العراق من غيرِ سَيْفٍ ودَمِ مُهْراقٍ وقالت المجسِّمة: معناه: الاستقرار، وقال بعض أهل السُّنّة: معناه: ارتَفَعَ، وبعضهم: ٤٠٦/١٣ معناه: عَلا، وبعضهم: معناه: المُلك والقُدرة، ومِنه: استَوت له المالك، يُقال لمن أطاعَه أهل البلاد، وقيل: معنى الاستواء: التَّمام والفراغ من فعل الشَّيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَأُسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، فعلى هذا فمعنى ﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: أتمّ (١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و (س)، ولا بدَّ منه، كما يظهر من إسناد ابن أبي حاتم الذي ذكرناه في التعليق السابق، وهو المعروف في إسناد هذه الصحيفة في التفسير. (٢) جَزْمُ الحافظ هنا بالتغيير خطأ، كما بيناه قريباً أن أبا العالية فسر الآية بنصِّها كما وقع في رواية الكشميهني، بل إننا لم نقف في شيء مما بأيدينا من المصادر على تفسير ﴿فَقَضَنُنَّ﴾ لأبي العالية. (٣) رقم السورة (٤١) من كتاب التفسير. (٤) ويؤيده تفسير أبي العالية كما وقع في ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١/ ٧٥، وتفسير الربيع بن أنس كما وقع في ((تفسير الطبري)) ١/ ١٩٢ لقوله تعالى: ﴿فَسَوَّهُنَّ﴾: سَوَّى خَلْقَهنَّ. ٣٢٦ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري الخلق، وخَصَّ لفظ العَرش لكَونِه أعظمَ الأشياء، وقيل: إنَّ((على)) في قوله: ﴿عَلَى الْعَرْش٤ِ بمعنى: إلى، فالمراد على هذا انتهى إلى العَرش، أي: فيما يَتعلَّق بالعَرش، لأَنَّه خَلَقَ الخلق شيئاً بعد شيء. ثمَّ قال ابن بَطّال: فأمّا قول المعتَزِلة فإنَّه فاسِد، لأَنَّه لم يزل قاهراً غالباً مُستولياً، وقوله: ﴿ثُمّ اُسْتَوَىَّ﴾ يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يَكُن، ولازِمُ تأويلهم أنَّه كان مُغالباً فيه، فاستَوَلَى عليه بقَهرِ مَن غالَبَه، وهذا مُتَفٍ عن الله سبحانه، وأمّا قول المجَسِّمة ففاسِدٌ أيضاً، لأنَّ الاستقرار من صفات الأجسام، ويَلزَم منه الحلول والتَّناهي، وهو محال في حَقِّ الله تعالى، ولائق بالمخلوقات لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقوله: ﴿لِتَسْتَوُّأْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]. قال: وأمّا تفسير استَوى: عَلا، فهو صحيح، وهو المذهَبُ الحقّ، وقولُ أهل السُّنّة، لأنَّ الله سبحانه وَصَفَ نفسه بالعَلِيِّ، وقال: ﴿سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] وهي صِفَة من صفات الذّات، وأمّا مَن فَسَّرَه: ارتَفَعَ، ففيه نَظَرِّ، لأَنَّه لم يَصِف به نفسه. قال: واختَلَفَ أهل السُّنّة هل الاستواء صِفَة ذات أو صِفَة فعل؟ فمَن قال: معناه: عَلا، قال: هي صِفَة ذات، ومَن قال غير ذلك، قال: هي صِفَة فعل، وإنَّ الله فعَل فِعْلاً سَمّه: ((استَوى على عَرشه))، لا أنَّ ذلك قائم بذاته لاستحالة قيام الحوادث به. انتهى مُلخَّصاً. وقد ألزَمَه مَن فَسَّرَه بالاستيلاءِ بمِثْلِ ما ألزَمَ هو به مِن أنَّه صارَ قاهراً بعد أن لم يَكُن، فيَلَزَم أنَّه صارَ غالباً بعد أن لم يَكُن، والانفصال عن ذلك للفريقينِ بالتَّمَسُّكِ بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧]، فإنَّ أهل العلم بالتَّفسير قالوا: معناه لم يزل كذلك، كما تقدَّم بيانه عن ابنِ عبَّاس في تفسير فُصِّلَت، وبَقِيَ من معاني ((استَوى)) ما نُقِلَ عن ثَعلَبِ: استَوى الوجه: أَّصَلَ، واستَوى القمر: امتَلأ، واستَوى فلان وفلان: تَمَاثَلًا، واستَوى إلى المكان: أقبَلَ، واستَوى القاعِد قائماً والنائم قاعِداً، ويُمكِن رَدُّ بعض هذه المعاني ٣٢٧ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ كتاب التوحيد إلى بعض، وكذا ما تقدَّم عن ابنِ بَطّال. وقد نَقَلَ أبو إسماعيل الهَرَويُّ في كتاب ((الفاروق)) بسندِه إلى داود بن عليّ بن خَلَف قال: كنَّا عند أبي عبد الله بن الأعرابيّ - يعني محمَّد بن زياد اللَّغَويّ - فقال له رجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: هو على العَرش كما أخبَرَ، قال: يا أبا عبد الله إنَّما معناه استَولَى، فقال: اسكُت، لا يقال: استَولَى على الشَّيء إلّا أن يكون له مُضادّ. ومن طريق محمَّد بن أحمد بن النَّضر الأزديّ: سمعت ابنَ الأعرابيّ يقول: أرادَني أحمد بن أبي دُوَادُ(١) أن أجِد له في لُغة العرب ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ بمعنى استَولَى، فقلت: والله ما أصَبت هذا. وقال غيره: لو كان بمعنى استَولَى لم يَخْتَصّ بالعَرش، لأنَّه غالبٌ على جميع المخلوقات. ونَقَلَ مُحبي السُّنّة البَغَويُّ في (تفسيره)) عن ابنِ عبَّاس وأكثر المُفسِّرِينَ: أنَّ معناه ارتَفَعَ. وبنحوه قال أبو عُبَيدة والفَرّاء وغيرهما، وأخرج أبو القاسم اللّالكائيّ في كتاب ((السُّنّة)) من طريق الحسنِ البصريّ عن أمِّه عن أمّ سَلَمة أنَّها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير مَعقول، والإقرار به إيمان، والجُحود به كُفر، ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن أنَّه سُئلَ: كيف استوى على العَرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى (٢) الله الرِّسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التَّسليم. وأخرج البيهقيُّ بسندٍ جَيِّدٍ عن الأوزاعيِّ قال: كنَّ والتّابِعونَ مُتَوافرونَ نقول: إنَّ الله على عَرشه، ونُؤمِن بما ورَدَت به السُّنّة من صفاته. وأخرج الثَّعلَبيّ من وجه آخَر عن الأوزاعيِّ أنَّ سُئلَ عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فقال: هو كما وَصَفَ نفسه. - (١) هو قاضي القضاة للمعتصم والواثق، وهو الذي كان يمتحن العلماء في أيامه ويدعوهم إلى القول بخلق القرآن. له ترجمة في (سير أعلام النبلاء)) ١٦٩/١١. (٢) كذا في الأصلين و (س)، والذي في كتاب اللالكائي وغيره من المصادر التي خرجته عن ربيعة: ومن الله الرسالة. ٣٢٨ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري ٤٠٧/١١ وأخرج البيهقيُّ بسندِ / جَيِّد عن عبد الله بن وَهْب قال: كنَّا عند مالك فدَخَلَ رجل فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اُسْتَوَى﴾، كيف استَوى؟ فأطرَقَ مالك فأخَذَته الرَّحَضاء، ثمَّ رَفَعَ رأسه فقال: الرَّحمن على العرش استوى، كما وَصَفَ به نفسه، ولا يقال: كيف، وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلّا صاحبَ بدعة، أخرٍ جوه. ومن طريق يحيى بن يحيى عن مالك نحو المنقول عن أمّ سَلَمة، لكن قال فيه: والإقرار به واجبٌ(١)، والسُّؤال عنه بدعة. وأخرج البيهقيُّ من طريق أبي داود الطَّالِسيّ قال: كان سفيان الثَّوْريّ وشُعْبة وحَمَّاد ابن زيد وحَمَّاد بن سَلَمة وشَرِيك وأبو عَوَانة لا يُحِدِّدونَ ولا يُشَبِّهونَ، ويَروونَ هذه الأحاديث ولا يقولون: كيف، قال أبو داود: وهو قولنا. قال البيهقيُّ: وعلى هذا مضى أکابرنا. وأسنَدَ اللّالَكائيّ عن محمّد بن الحسنِ الشَّيبانيِّ قال: اتَّفَقَ الفُقَهاء كلّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديثِ التي جاءَ بها الثَّقات عن رسول الله وَّ في صِفَة الرَّبّ، من غير تشبيه ولا تفسير، فمَن فَسَّرَ شيئاً منها وقال بقولِ جَهْمِ (٢)، فقد خَرَجَ عَّا كان عليه النبيّ ◌َّهِ وأصحابه وفارَقَ الجماعة، لأنَّ وَصَفَ الرَّبَّ بصِفَة لا شيء. ومن طريق الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيَّ ومالكاً والثَّوْريَّ واللَّيث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصِّفة، فقالوا: أمِرّوها كما جاءت بلا كيف. وأخرج ابنُ أبي حاتم في (مناقب الشافعيّ)) عن يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعيّ يقول: لله أسماء وصفات لا يَسَعُ أحداً رَذُّها، ومَن خالَفَ بعد ثُبُوت الحُجّة عليه فقد كَفَرَ، وأمّا قبل قيام الحُجّة فإنَّه يُعذَر بالجهل، لأنَّ عِلمَ ذلك لا يُدرَك بالعقلِ ولا الرَّوِيَّة والفِكر، (١) لفظه عنده: والإيمان به واجب. (٢) هو الجهم بن صفوان رأس الجمهية المعطّلة، له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٦/٦. ٣٢٩ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ كتاب التوحيد فُتُثبِتُ هذه الصِّفات ونَنفي عنه الَّشبيه كما نَفَى عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وأسنَدَ البيهقيُّ بسندٍ صحيح عن أحمد بن أبي الحواريّ عن سفيان بن عُيَينةَ قال: كلّ ما وَصَفَ الله به نفسه في كتابه فتفسيره تِلاوته والسُّكوت عنه. ومن طريق أبي بكر الصِّبْغي(١) قال: مَذْهَب أهل السُّنّة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ قال: بلا كيف، والآثار فيه عن السَّلَف كثيرة، وهذه طريقة الشافعيّ وأحمد بن حَنبَلٍ. وقال التِّرمِذيّ في ((الجامع)) عَقِب حديث أبي هريرة (٣٢٩٨) في النُّزول: وهو على العَرش كما وَصَفَ به نفسه في كتابه، كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يُشبِهِه من الصِّفات. وقال في بابٍ فضل الصَّدَقة (٦٦٢): قد ثَبَتَت هذه الرِّوايات فنُؤْمِن بها، ولا نَتَوهَّم، ولا يقال: كيف، كذا جاءَ عن مالك وابنِ عُيَينَةَ وابن المبارك أنَّهم أمَرّوها(٢) بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السُّنّة والجماعة. وأمّا الجَهميّةُ فأنكَروها وقالوا: هذا تشبيه، وقال إسحاق بن راهويه: إنَّما يكونُ التَّشبيه لو قيلَ: يد كَيَدٍ وسَمع كَسَمعٍ. وقال في تفسير المائدة (٣٠٤٥): قال الأئمّة: نؤمِن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم: الثَّوْريّ ومالك وابن عُيَينةَ وابن المبارك. وقال ابن عبد البَرّ: أهل السُّنّة مُجمِعونَ على الإقرار بهذه الصِّفات الواردة في الكتاب والسُّنّة، ولم يُكَيِّفوا شيئاً منها، وأمّا الجَهميّةُ والمعتَزِلة والخوارج فقالوا: مَن أقَرَّ بها فهو مُشَبِّه، فسَمّاهم مَن أقَرَّ بها مُعَطِّلةً. وقال إمام الحرمَينِ في ((الرِّسالة النِّظاميّة)): اختَلَفَت مَسالِكُ العلماء في هذه الظَّواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتَزَمَ ذلك في آي الكتاب وما يَصِحّ من السُّنَن، وذهب أئمّة السَّلَف إلى (١) تصحف في (أ) و (س) إلى: الضُّبَعي، وإنما هو الصِّبْغي نسبة إلى الصِّبْغ، وهو أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري. له ترجمة في (سير أعلام النبلاء)) ١٥/ ٤٨٣. (٢) كذا في الأصلين و (س)، والذي في نسخنا الخطية الحاضرة من ((جامع الترمذي)): أنهم قالوا: أمِرُّوها. ٣٣٠ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري الانكِفاف عن التَّأويل، وإجراء الظَّواهر على مَواردها، وتفويض معانيها إلى الله تعالى، والذي نَرتَضيه رأياً ونَدين الله به عَقيدةَ اتِّاعُ سَلَفِ الأُمّة، للدَّليلِ القاطِعِ على أنَّ إجماع الأُمّة حُجّة، فلو كان تأويل هذه الظَّواهر حَتماً لَأوشَكَ أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بُفُروع الشَّريعة، وإذا انصَرَمَ عَصر الصحابة والّابعينَ على الإضراب عن التَّأويل، كان ذلك هو الوجه المتّبع. انتھی. وقد تقدَّم النَّقل عن أهل العصر الثّالث، وهم فُقَهاء الأمصار كالثَّوْريِّ والأوزاعيِّ ومالك واللَّيث ومَن عاصَرَهم، وكذا مَن أخَذَ عنهم من الأئمّة، فكيف لا يُوثق بما اتَّفَقَ عليه أهل ٤٠٨/١٣ القُرون الثَّلاثة، / وهم خير القُرون بشهادةِ صاحبِ الشَّريعة. وقَسَّمَ بعضهم أقوال الناس في هذا الباب إلى سِتّة أقوال: قولان لمن يُجريها على ظاهرِها: أحدهما: مَن يَعتَقِد أنَّها من جِنس صفات المخلوقينَ، وهم المشبِّهة، ويَتَفَرَّع من قولهم عِدّة آراء، والثّاني: مَن يَنفي عنها شَبَه صِفَة المخلوقينَ، لأنَّ ذات الله لا تُشبِه الذَّوات، فصفاته لا تُشبِهِ الصِّفات، فإنَّ صفات كلّ موصوف تُناسِب ذاته وتُلائم حقيقته. وقولان لمن يُثِت كَونها صِفَة، ولكن لا يُجريها على ظاهرِها، أحدهما يقول: لا نُؤَوِّل شيئاً منها، بل نقول: الله أعلم بمُرادِهِ، والآخَر يُؤَوِّل فيقول مَثَلاً: معنى الاستواء: الاستيلاء، واليد: القُدرة، ونحو ذلك. وقولان لمن لا يَجِزِم بأنَّهَا صِفَة، أحدهما يقول: يجوز أن تكون صِفَةً وظاهرها غير مُراد، ويجوز أن لا تكون صِفَةً، والآخَر يقول: لا يُخاض في شيء من هذا، بل يجب الإيمان به، لأنَّه من المُتَشابِه الذي لا يُدرَك معناه. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿الْجِيدُ﴾: الكريم، و﴿اَلْوَدُودُ﴾: الحبيب)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طَلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ذُوالْعَرْشِ الَْجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] قال: ﴿اَلْجِيدُ﴾: الكريم. وبه عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَهُوَالْغَفُورُلْوَدُوُ﴾ [البروج: ١٤] ٣٣١ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ كتاب التوحيد قال: ﴿اُلْوَدُوُ﴾: الحبيب. وإنَّا وَقَعَ تقديم المجيد قبل الودود هنا، لأنَّ المراد تفسير لفظ المجيد الواقع في قوله: ﴿ذُوالْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ فلمَّا فَسَّرَه استَطَرَدَ لتفسير الاسم الذي قبله، إشارة إلى أنَّه قُرِئَ مرفوعاً بالاتّفاق، وذو العَرش بالرَّفع صِفَة له. واختَلَفَتِ القُرّاء في المجيد، بالرَّفع فيكون من صفات الله، وبالكسر فيكون صِفَةَ العَرش(١). قال ابن المنيِر: جميع ما ذكره البخاريّ في هذا الباب يَشتَمِل على ذِكر العَرش إلّا أثَر ابن عبَّاس، لكنَّه نَّه به على لطيفة، وهي أنَّ المجيد في الآية على قراءة الكسر ليس صِفَةً للعَرش، حتَّى لا يُتَخيَّل أنَّه قديم، بل هي صِفَة الله، بدليلٍ قراءة الرَّفع، وبدليلِ اقترانه بالودودِ، فيكون الكسر على المجاورة، لتجتمع القراءتان على معنّى واحد. انتهى، ويُؤيِّد أنَّها عند البخاريّ صِفَة الله تعالى ما أردَفَه به، وهو: يقال: حميد مجيد ... إلى آخره، ويُؤدِّده حديث أبي هريرة الذي أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (١١٨٩) بلفظ: ((إذا قال العبد: بسم الله الرَّحمن الرحيم، قال الله تعالى: مَجَّدَني عبدي))(٢)، ذكره ابن الِّين قال: ويُقال: المجد(٣) في كلام العرب: الشَّرَف الواسِع، فالماجِد: مَن له آباء متقدِّمونَ في الشَّرَف، وأمّا الحَسَب والكَرَم فيكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء شُرَفاء، فالمجيد صيغة مُبالَغة، من المجد، وهو الشَّرَف القديم. وقال الرَّاغِب: المجد السَّعة في الكَرَم والجَلالة، وأصله قولهم: مَجَدَتِ الإبل، أي: وَقَعَت في مَرعَى كثيرٍ واسِع، وأعْجَدَها الرَّاعي، ووُصِفَ القرآن بالمجيدِ لما يَتَضَمَّن من المكارمِ الدُّنيَويّة والأُخرَويّة، انتھی. ومع ذلك كلّه فلا يَمتَنِعِ وصفُ العَرْش بذلك، لجَلالَتِهِ وعظيم قَدْره، كما أشارَ إليه الرَّاغِب، ولذلك وُصِفَ بالكريمِ في سورة ﴿قَدْأَفْلَحَ﴾(٤). (١) قراءة الكسر لحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالرفع. انظر ((النشر)) لابن الجزري ٣٩٩/٢. (٢) بل يجيء هذا عند قول العبد في قراءة الفاتحة: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الَّذِينِ ﴾ ثم إنَّ الحديث عند مسلم أيضاً (٣٩٥)، وغيره، ولم يستدركه الحافظ على ابن التین. (٣) تحرّف في الأصلين إلى: المجيد. وجاء على الصواب في (س). (٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ اَلْكَرِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. ٣٣٢ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري وأمّا تفسير الودود بالحبيبٍ فإنَّه يَأتي بمعنى المحِبّ والمحبوب، لأنَّ أصل الوُدّ مَحَبّة الشَّيء. قال الرَّاغِب: الودود يَتَضَمَّن ما دَخَلَ في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقد تقدَّم معنى محبّة الله تعالى لعبادِه وَحبَّتهم له. قوله: ((يُقال: ﴿حَمِدٌ نَجِيدٌ﴾، كأنَّه فعيل من ماجِد، محمودٌ، من ◌َمِدَ) كذا لهم بغيرِ ياء فعلاً ماضياً، ولغيرِ أبي ذرِّ عن الكُشمِيهَنيِّ: محمود من حَميد، وأصل هذا قول أبي عُبَيدة في كتاب ((المجاز)) في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] أي: محمود ماجِد، وقال الكِرْمانيُّ: غَرَضه منه أنَّ ﴿َجِيدٌ﴾ بمعنى فاعل، كَقدير بمعنى قادر، و﴿حَمِيدٌ ﴾ بمعنى مفعول، فلذلك قال: مَجيد من ماجِد وحَميد من محمود، قال: وفي بعض النُّسَخ: محمود من حَميد، وفي أُخرى: من ◌َدَ مَبنيّ للفاعلِ والمفعول أيضاً، وذلك لاحتمالٍ أن يكون حَميد بمعنى حامد ومَجَيد بمعنى مُمَجَّد. ثمّ قال: وفي عِبارة البخاريّ تَعقيد. قلت: وهو في قوله: محمود من ◌َدَ، وقد اختَلَفَ الرُّواة فيه، والأولى فيه ما وُجِدَ في أصله، وهو كلام أبي عُبَيدة. ثمَّ ذكر في الباب تسعة أحاديث لبعضِها طريق أُخرى: الأول: حدیث عمران بن حُصَينٍ. وقوله في السَّنَد: ((أخَبَرَنا / أبو حمزة)) هو السُّكَّريّ، وقد تقدَّم (٧٤٠٤) قريباً في باب: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ووَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنيِّ: عن أبي حمزة. ٤٠٩/١١ وقوله: ((عن جامع بن شدَّاد)) تقدَّم في بَدْء الخلق (٣١٩١) في رواية حفص بن غياث عن الأعمش: حدَّثنا جامع. وجامع هذا يُكنى أبا صَخرة. قوله: ((إنّ عند النبيّ وَّ) في رواية حفص: دَخَلت على النبيّ ◌َّهِ وعَقَلتُ ناقتي بالبابِ، فأتاه ناسٌ من بني تميم. وهذا ظاهر في أنَّ هذه القصَّة كانت بالمدينة، ففيه تَعقُّب على مَن وحَّدَ بين هذه القصّة وبين القصّة التي تقدَّمَت في المغازي (٤٣٢٨) من حديث أبي بُردة ابن أبي موسى عن أبيه قال: كنت عند النبيّ ◌َله وهو بالجعرانةِ بین مَگّة والمدینة ومعه بلال، فأتاه ٣٣٣ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ كتاب التوحيد أعرابيّ فقال: ألا تُنجِز لي ما وعَدتَني؟ فقال له: ((أبشِر))، فقال: قد أكثرتَ عليَّ مِن أبشِر، فأقبَلَ على أبي موسى وبلال كَهَيئةِ الغَضبان، فقال: ((رَدَّ البُشرَى، فاقبَلًا أنْتُم)) قالا: قَبِلنا، الحديث. ففَسَّرَ القائلَ مع بني تميم: بَشَّرتنا فأعطِنا، بهذا الأعرابيّ، وفَسَّرَ أهل اليَمَن بأبي موسى. ووجْه التَّعَقُّب التَّصريح في قصَّة أبي موسى بأنَّ القصَّة كانت بالجِعرانة، وظاهر قصَّة عِمران أنَّها كانت بالمدينةِ، فافتَرَقا، وزَعَمَ ابن الجَوْزيّ أنَّ القائل: أعطِنا، هو الأقرَع ابن حابِس التَّميميّ. قوله: ((إذْ جاءَه قوم من بني تميم)) في رواية أبي عاصم عن الثّوْريّ في المغازي (٤٣٨٦): جاءت بنو تميم إلی رسول الله ێ. وهو محمول على إرادة بعضهم، وفي رواية محمّد بن کثیر عنه في بَدْء الخلق (٣١٩٠): جاءَ نَفَر من بني تميم. والمراد وفد تميم كما جاءً صريحاً عند ابن حِبّان (٧٢٩٢) من طريق مُؤمَّل بن إسماعيل عن سفيان: جاءَ وفد بني تميم. قوله: ((اقبَلُوا البُشْرَى يا بني تميم)) في رواية أبي عاصم: ((أبشِروا يا بني تميم)) والمراد بهذه البِشارة أنَّ مَن أسلَمَ نَجا من الخلود في النار، ثمَّ بعد ذلك يَتَرتَّب جَزاؤُه على وَفْق عمله إلّا أن يَعفو اللهُ. وقال الكِرْمانيُّ: بَشَّرَهم رسول الله وَه بما يقتضي دخول الجنَّة، حيثُ عَرَّفَهم أُصول العقائد التي هي المبدأ والمعاد وما بينهما. كذا قال، وإنَّما وَقَعَ التَّعريف هنا لأهلِ اليَمَن، وذلك ظاهر من سياق الحديث. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ قال: في قول بني تميم: جِئناك لنَتَفَقَّه في الدّين، دليل على أنَّ إجماع الصحابة لا يَنْعَقِد بأهلِ المدينة وحدها. وتَعقَّبَه بأنَّ الصَّواب أنَّه قول أهل اليَمَن لا بني تميم. وهو كما قال ابن التِّين، لكن وَقَعَ عند ابن حِبّان (٦١٤٠) من طريق أبي عُبَيدة بن مَعن عن الأعمَش بهذا السَّنَد ما نَصُّه: دَخَلَ عليه نَفَرٌ من بني تميم فقالوا: يا رسول الله، جِئناك لنَتَفَقَّه في الدّين، ونسألَك عن أوَّل هذا الأمر. ولم يَذكُر أهل اليَمَن، وهو خَطَأ من هذا الرَّاوي، كأنَّه اختَصَرَ الحديث فوَقَعَ في هذا الوهم. ٣٣٤ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «قالوا: بَشَّرْتَنا فأعْطِنا)» زاد في رواية حفص: مرَّنَينٍ، وزاد في رواية الثَّوْريّ عن جامع في المغازي (٤٣٨٦): فقالوا: أما إذ بَشَّرتنا فأعطِنا، وفيها: فَتَغيَّرَ وجهه، وفي رواية أبي عَوَانة عن الأعمَش عند أبي نُعَيم في ((المستخرَجِ)): فكأنَّ النبيّ وََّ كَرِهَ ذلك، وفي أُخرى في المغازي (٤٣٦٥) من طريق سفيان أيضاً: فرُئيَ ذلك في وجهه، وفيها: فقالوا: يا رسول الله بَشَرتنا، وهو دالٌّ على إسلامهم، وإنَّما رامُوا العاجِلَ، وسبب غَضَبه ◌َّ استشعاره بقِلّةِ عِلمهم، لكَونِهِم عَلَّقوا آمالهم بعاجلِ الدُّنيا الفانية، وقَدَّموا ذلك على التفقُّه في الدّين الذي يُحَصِّل لهم ثواب الآخرة الباقية. قال الكِرْ مانيّ: دلَّ قولهم: بَشَّرتَنا على أنَّهِم قَبِلوا في الجُملة، لكن طَلَبوا مع ذلك شيئاً من الدُّنيا، وإنَّمَا نَفَى عنهم القَبُول المطلوب لا مُطلَق القَبُول، وغَضِبَ حيثُ لم يَهْتَمّوا بالسُّؤالِ عن حقائق كلمة التَّوحيد والمبدَأ والمعاد، ولم يَعتَنوا بضبطِها، ولم يَسألوا عن واجباتها والموصِلات إليها. وقال الطِّييُّ: لمَّا لم يكن جُلّ اهتمامهم إلّا بِشَأْنِ الدُّنيا، قالوا: بَشَّرتنا فأعطِنا، فمن ثَمَّ قال: ((إذ لم يَقبَلها بنو تميم)». قوله: ((فَدَخَلَ ناس من أهل اليَمَن)) في رواية حفص: ثمَّ دَخَلَ عليه، وفي رواية أبي عاصم: فجاءَه ناس من أهل الیَمَن. قوله: ((قالوا: قَبِلْنا)) زاد أبو عاصم وأبو نُعَيم: يا رسول الله، وكذا عند ابن حِبّان (٦١٤٢) ٤١٠/١٣ من رواية شيبانَ بن عبد الرَّحمن عن / جامع(١). قوله: ((جِئْنَاك لتَتَفَقَّه في الدّين، ولَسألك عن أوَّل هذا الأمر ما كانَ؟» هذه الرِّواية أتمّ الرِّوايات الواقعة عند المصنِّف، وحُذِفَ ذلك كلُّه في بعضها أو بعضه، ووَقَعَ في رواية أبي معاوية عن الأعمَش عند الإسماعيليّ: قالوا: قد بَشَّرتنا فأخبرنا عن أوَّل هذا الأمر كيف (١) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، لأن رواية شيبان عن الأعمش عن جامع، وليست عن جامع مباشرة. وقد ذكر إسناد ابن حبان في «إتحاف المهرة)) (١٥٠٣٠) على الصواب. ٣٣٥ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ كتاب التوحيد كانَ؟(١) ولم أعرِف اسم قائل ذلك من أهل اليَمَن، والمراد بالأمرِ في قولهم: هذا الأمر تقدَّم بيانه في بَدْء الخلق (٣١٩٠ و٣١٩١). قوله: ((كانَ الله ولم يَكُنْ شيء قبله)) تقدَّم في بَدْء الخلق بلفظ: ((ولم يكن شيء غيره))، وفي رواية أبي معاوية: ((كانَ الله قبل كلّ شيءٍ)) وهو بمعنى: ((كانَ الله ولا شيء معه))، وهي أصَرح في الردّ على مَن أثبَتَ حوادث لا أوَّلَ لها من رواية الباب، وهي من مُستَشنَع المسائل المنسوبة لابنٍ تَيميةَ، ووقَفت في كلامٍ له على هذا الحديث يُرجِّح الرِّواية التي في هذا الباب على غيرها، مع أنَّ قَضيّة الجمع بين الرِّوايتَينِ تَقْتَضي حَمل هذه على التي في بَدْء الخلق لا العكس، والجمع يُقدَّم على التَّرجيح بالاتّفاق. قال الطِّييُّ: قوله: ((ولم يكن شيء قبله)) حالٌ، وفي المذهَب الكوفيّ خَبَرٌ، والمعنى يُساعِده، إذ التَّقدير: كان الله مُنْفَرِداً، وقد جَوَّزَ الأخفَش دخول الواو في خبر كان وأخواتها، نحو: كان زيد وأبوه قائم، على جَعل الْجُملة خَبَراً مع الواو تشبيهاً للخَبَرِ بالحال، ومالَ النُّورِشتيُّ إلى أنَّهُما مُلَتان مُستَقِلَّتان، وقد تقدَّم تقريره في بَدْء الخلق. وقال الطِّييُّ: لفظة: ((كانَ)) في الموضعين بحَسَب حال مَدخولها، فالمراد بالأوَّلِ: الأزَليّة والقِدَم، وبالثّاني: الحُدوث بعد العَدَم، ثمَّ قال: فالحاصل أنَّ عَطف قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ على قوله: ((كانَ الله)) من باب الإخبار عن حصول الجُملَتَينِ في الوجود، وتَفويض التَّرتيب إلى الذِّهن. فالواوُ فيه(٢) بمَنِزِلةِ ثُمَّ. وقال الكِرْمانيُّ: قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ معطوف على قوله: ((كانَ الله)) ولا يَلزَم منه المعيّة، إذ اللّازِم من الواو العاطفة الاجتماع في أصل الثَبوت، وإن كان هناك تقديم وتَأخير، قال غيره: ومن ثَمَّ جاءَ (٣) قوله: ((ولم يكن شيء غيره)(١) لنَفي تَوهُّم المعيّة. (١) هو في («المسند» (١٩٨٧٦) عن أبي معاوية. (٢) تحرفت العبارة في (س) إلى: قالوا وفيه. (٣) وقع في (س): ومن ثم جاء: شيء غيره، ومن ثم جاء. يعني زيادة: ومن ثم جاء شيء غيره، وهي مقحمة. ٣٣٦ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري قال الرَّاغِب: ((كانَ)) عِبارة عمّا مضى من الزّمان، لكنَّها في كثير من وصف الله تعالى تُنبِئ عن معنى الأزَليّة، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] قال: وما استُعمِلَ منه في وصف شيء مُتَعلِّقاً بوصفٍ له (١) هو موجود فيه، للتّنْبِهِ على أنَّ ذلك الوصف لازِم له أو قليل الانفكاك عنه، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] وقوله: ﴿وَكَانَ آلْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، وإذا استُعمِلَ في الَّمَن الماضي جازَ أن يكون المستعمَل [فيه] (٢) على حاله، وجازَ أن يكون قد تَغيَّرَ، نحو: كان فلان كذا ثمَّ صارَ كذا. واستُدِلَّ به على أنَّ العالَم حادث، لأنَّ قوله: ((ولم يكن شيء غيره)) ظاهر في ذلك، فإنَّ كلّ شيء سوى الله وُجِدَ بعد أن لم يكن موجوداً. قوله: ((أدْرِكْ ناقتك فقد ذهبتْ)) في رواية أبي معاوية: انحلَّت ناقتُك من عقالها، وزاد في آخر الحديث: فلا أدري ما كان بعد ذلك، أي: ممَّا قاله رسول الله وَله تَكمِلةً لذلك الحديث. قلت: ولم أقف في شيء من المسانيد عن أحد من الصحابة على نَظِير هذه القصّة التي ذكرها عمران، ولو وُجِدَ ذلك لَأَمكَنَ أن يُعرَف منه ما أشارَ إليه عِمران، ويحتمل أن يكون اتَّفَقَ أنَّ الحديث انتھی عند قيامه. قوله: ((وايم الله)) تقدَّم شَرحُها في ((كتاب الأيمان والنُّذُور))(٣). قوله: (لَودِدْت أنَّها قد ذهبَتْ ولم أَقُمْ)) الوُدّ المذكور تَسَلَّطَ على مجموع ذهابها وعَدَم قيامه، لا على أحدهما فقط، لأنَّ ذهابها كان قد تَحقَّقَ بانِفِلاتها، والمراد بالذَّهابِ: الفَقْد الكُلِّي. الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: ((إنَّ يمين الله مَلْأى)) وقد تقدَّم شرحه قبل بابَيْنِ (٧٤١١). (١) عبارة الراغب في ((مفرداته)): وما استعمل منه في جنس الشيء متعلقاً بوصف له. (٢) لفظة ((فيه)) سقطت من الأصلين و (س)، ولا بد منها، كما في ((مفردات الراغب)). (٣) في أول باب (٢) قول النبي ◌َّ: ((وايم الله)). ٣٣٧ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ كتاب التوحيد وقوله هنا: ((وعَرْشُهُ على الماء)) وَقَعَ في رواية إسحاق بن راهويه: ((والعَرش على الماء))، وظاهره أنَّه كذلك حين التَّحديث بذلك، وظاهر الحديث الذي قبله أنَّ العَرش كان على الماء قبل خلق السَّماوات والأرض، ويُجمَع بأنَّه لم يزل على الماء، وليس المراد بالماءِ ماء البحر، بل هو ماء تحت العرش كما شاءَ الله تعالى،/ وقد جاءَ بیان ذلك في حديث ذَکَرتُه في ١١/١٣ ٤ أوائل الباب(١). ويحتمل أن يكون على البحر، بمعنى أنَّ أرجُلَ حَلَتِهِ في البحر كما وَرَدَ في بعض الآثار، ثمَّ أخرجه الطَّبَرِيُّ والبَيهقيُّ من طريق السُّدِّيّ عن أبي مالك في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: إنَّ الصَّخرة التي الأرض السّابِعة عليها، وهي مُنْتَهَى الخلق، على أرجائها أربعة من الملائكة، لكلِّ أحد منهم أربعة أوجُه: وجه إنسان وأسَد وثَوْر ونَسْر، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأَرَضِينَ والسَّماوات، رُؤوسهم تحت الكُرسيّ، والكُرسِيّ تحت العَرش، وفي حديث أبي ذرِّ الطَّويل الذي صَحَّحَه ابن حِبّان (٣٦١): أنَّ رسول الله ﴿ ﴿ه قال: ((يا أبا ذَرّ ما السَّماوات السَّبع مع الكُرسيّ إلّا كَحَلْقةٍ مُلقاة بأرضٍ فلاةٍ، وفَضل العَرش على الكُرسِيّ كفَضلِ الفَلاة على الحَلْقة))(٢) وله شاهد عن مجاهد أخرجه سعید بن منصور في ((التّفسیر)) بسندٍ صحیح عنه. الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثنا أحمد)) كذا للجميع غير منسوب، وذكر أبو نَصر الكَلاباذيّ أنَّه أحمد ابن يَسار المروزيُّ، وقال الحاكم: هو أحمد بن النَّصْر النَّيسابوريّ، يعني المذكور في سورة الأنفال (٤٦٤٨)، وشيخه فيه محمَّد بن أبي بكر المقدَّميّ قد أخرج عنه البخاريّ في (كتاب الصلاة)) (٤٨٣) بغيرِ واسطة، وجَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَجِ)) بأنَّ البخاريّ أخرج هذا الحديث عن محمَّد بن أبي بكر المقدَّميّ نفسِه(٣)، ولم يَذكُر واسطة، والأوَّل (١) من قول ابن عباس. (٢) إسناد ابن حبان ضعيف جداً. (٣) لفظة ((نفسه)) سقطت من (أ) و (س)، وأثبتناها من (ع). ٣٣٨ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري هو المعتمَد، وقد أخرج البخاريّ طَرَفاً منه في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٨٧) من وجه آخَر عن حمّاد بن زيد، وتقدَّم الكلام على قصَّة زينب بنت جحش وزيد بن حارثة هناك مَبسوطاً. قوله: ((قال أنس: لو كانَ رسول الله وَّل كاتماً شيئاً لكَتَمَ هذه)) ظاهره أنَّه موصول بالسَّنَدِ المذكور، لكن أخرجه التِّرمِذيّ (٣٢١٢) والنَّسائيُّ (ك١١٣٤٣) وابن خُزيمة من وجهين آخرين بدون هذه الزيادة، ولفظ أحمد بن عَبْدة عن حماد عند الترمذي(١) وابن خُزيمةَ والإسماعيليّ عنه: نَزَلَت: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا ◌َللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] في شَأن زَيْنَب بنت جَحش، وكان زيد جاءه يَشكو وهَمَّ بطلاقها فاستأمر النبيّ وَّ، فقال له: (﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ﴾)). وهذا القَدر هو المذكور في آخر الحديث هنا بلفظ: وعن ثابت: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ﴾ ... إلى آخره، ويُستَفاد منه أنَّه موصول بالسَّنَدِ المذكور وليس بمُعَلَّقٍ. وأمّا قوله: ((لَو كان كاتماً ... )) إلى آخره، فلم أرَه في غير هذا الموضع موصولاً عن أنس(٢). وذكر ابن التِّين عن الداووديّ أنَّه نَسَبَ قوله: لو كان كاتماً لكَتَمَ قصَّة زَينَب إلى عائشة. قال: وعن غيرها: لكَتَمَ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَ﴾، قلت: قد ذَكَرت في تفسير سورة الأحزاب حديث عائشة قالت: لو كان رسول الله وَ ل كاتماً شيئاً من الوحي، الحديث، وأنَّه أخرجه مسلم (١٧٧) والتِّرمِذيّ (٣٢٠٨)، ثمَّ وَجَدته في ((مُسنَد الفِردَوس)) من وجه آخَر عن عائشة من لفظه ◌َّله: ((لَو كنت كاتماً شيئاً من الوحي)) الحديث. واقتَصَرَ عِيَاض في ((الشِّفاء)) على نِسبتها إلى عائشة والحسن البصريّ، وأغفَلَ حديث أنس (١) من قوله: وابن خزيمة، إلى هنا، أثبتناه من (ع)، وسقط من (أ) و (س). (٢) إن كان الحافظُ قصدَ عند البخاري فنعم، وأما عند غيره فوصله البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٧/ ٥٧، وفي ((الدلائل)) ٤٦٥/٣، وفي ((الأسماء والصفات)) (٨٨٠)، والخِلَعى في ((فوائده المنتقاة)) (٥٧٣). ٣٣٩ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ كتاب التوحيد هذا وهو عند البخاريّ، وقد قال التُّرمِذيّ بعد تخريج حديث عائشة: وفي الباب عن ابن عبَّاس(١)، وأشارَ إلى ما أخرجه(٢). وأمّا الرِّواية الأُخرى في ﴿عَسَ وَتَوَلٌَّ﴾ فلم أرَها إلّا عند عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلَمَ أحد الضُّعَفاء، أخرجه الطَّبَرُّ (٥٢/٣٠) وابن أبي حاتم عنه، قال: كان يقال: لو أنَّ رسول الله وَ ﴿ كَتَمَ شيئاً من الوحي لكَتَمَ هذا عن نفسه، وذكر قصَّة ابن أمّ مكتوم ونزول ﴿عَسَ وَتَوَلَى﴾، انتهى. وقد أخرج القصَّةَ التِّرمِذيُّ (٣٣٣١) وأبو يَعلَى (٤٨٤٨) والطَّبَريّ (٥٠/٣٠) والحاكم (٥١٤/٢) موصولة عن عائشة، وليس فيها هذه الزّيادة. وأخرجها مالك في ((الموطأ)) (٢٠٣/١) عن هشام بن عُروة عن أبيه مُرسَلة، وهو المحفوظ عن هشام، وتفرّد يحيى بن سعيد الأُمَويّ بوصلِه عن هشام. وأخرجها بن مَرْدويه من وجه آخر عن عائشة كذلك بدونها، وكذا من حديث أبي أمامةً، وأورَدَها عبد بن حُميدٍ والطََّري(٣) (٥١/٣٠-٥٢) وابن أبي حاتم من مُرُسَل قَتَادة ومجاهد وعكرمة وأبي مالك الغفاريّ والضَّحّاك والحگم وغيرهم، وليس في رواية أحد منهم هذه الزّيادة، والله تعالى أعلم. قوله: ((قال: وكانَت تَفْخَر على أزواج النبيّ وَله- إلى قولها -: وزَوَّجَني الله من فوق سبع/ ٤١٢/١٣ سَماوات)) أخرجه الإسماعيليّ(٤) من طريق عارم بن الفضل عن حَمَّاد بهذا السَّنَد بلفظ: نَزَلَت في زَيْنَب بنت جحش: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَكَهَا ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وكانت تَفْخَر ... إلى آخره، ثمَّ ذكر رواية عيسى بن طَهمانَ عن أنس في ذلك، وهو آخر ما وَقَعَ في ((الصَّحيح)) من ثلاثيّات البخاريّ. (١) لم نقف على هذا عند الترمذي (٣٢٠٧) و (٣٢٠٨)، ولا عند قولها (٣٢٧٨): مَن أخبرَكَ أن محمداً رآی ربَّه، أو كتم شيئاً مما أُمر به، أو يعلم الْخَمْسَ التي ذكر اللهُ، فقد أعظم على الله الفِرية. (٢) كذا بيّض له الحافظ رحمه الله، ولم نقف عليه عن ابن عباس. (٣) تحرَّف في (س) إلى: الطبراني. (٤) وأخرجه من الطريق المذكورة أيضاً الترمذي (٣٢١٣). ٣٤٠ باب ٢٢/ح ٧٤٢٨ فتح الباري بشرح البخاري وقد تقدَّم لعيسى حديث آخَر في اللِباس (٥٨٥٨) لكنَّه ليس ثُلاثيّاً، ولفظه هنا: وكانت تَفْخَر على نساء النبيّ وَ له وكانت تقول: إنَّ الله أنكَحَني في السماء. وزاد الإسماعيليّ من طريق الفِرِيابيّ وأبي قُتَيبة عن عيسى: أنتُنَّ أَنكَحَكُنَّ آبَاؤُكُنَّ. وهذا الإطلاق محمولٌ على البعض، وإلّا فالمحَقَّق أنَّ التي زَوَّجَها أبوها منهنَّ عائشة وحفصة. وقد أخرجه ابن سعد (١٠٣/٨) عن عَارِم عن حماد: زَوَّجَكُنَّ أهلُكُنَّ. ومن وجه آخر (٨/ ١٠٢): أن زينب قالت: يا رسول الله، ما أنا كأحدٍ من نسائك، ليست امرأةٌ من نسائك(١) إلّا زَوَّجَها أبوها أو أخوها أو أهلها غيري، وسنده ضعيف، ومن وجه آخَر موصول عن أمّ سَلَمة (١٠٣/٨): قالت زَينَب: ما أنا كأحدٍ من نساء النبيّ وَّهِ إِنَّهُنَّ زُوِّجنَ بالمُهورِ وَزَوَّجَهُنَّ الأولياء، وأنا زَوَّجَني الله رسولَه ◌َّ وأنزَلَ الله في الكتاب. قلت: أم سلمة وزينبٌ بنت خزيمة وأم حبيبة وصفية وميمونة لم يُزوِّجهُ واحدةً منهنَّ أبوها، وأما خديجة وسودة وجويرية ففيهنّ احتمال. وفي كتاب ((الحجة)) لأبي القاسم التّيمي (٤٥١) من طريق داود بن أبي هند عن عامر هو الشعبي، قال(٢): قالت زَينَب: يا رسول الله أنا أعظم نسائك عليك حَقّاً، أنا خيرهنَّ مَنكِحاً، وأكرَمهنَّ سَفيراً وأقربهنَّ رَحِماً، زَوَّ جَنِيكَ الرَّحمن من فوق عَرشه، وكان جِبريل هو السَّفير بذلك، وأنا ابنة عَمَّتك، وليس لك من نسائك قريبة غيري. وأخرجه الطََّرَيُّ (١٤/٢٢) من طريق الشعبي نحوه. قوله: ((من فوق سبع سماوات)) في رواية عيسى بن طَهمانَ عن أنس المذكورة عَقِب هذا: وكانت تقول: إنَّ الله أنكَحَني في السماء. وسنده هذه آخر الثَّلاثيّات التي ذُكِرَت في البخاريّ، وتقدَّم لعيسى بن طَهمانَ حديث آخَر غير ثُلاثيّ (٣١٠٧)، وتَكلَّمَ فيه ابن حِبّان بكلامٍ لم يَقبَلوه منه. (١) من قوله: وقد أخرجه ابن سعد، إلى هنا، أثبتناه كما جاء في (ع)، لانتظام سياق الكلام فيها، ووقع في (أ) و(س) في السياق تشويش، فعدلنا عما ورد فيهما إلى (ع)، وما وقع فيهما من زيادات ستأتي في موضعها اللائق بها في (ع). (٢) من قوله: قلت: أم سلمة، إلى هنا، أثبتناه كما جاء في (ع)، لما بيناه في التعليق السابق.